Полный текст (2 153 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.
стр. 1576
تحول صغائر الذنوب إلى كبائر
السؤال
هل الذنوب والصغائر تتحول إلى كبائر؟ وهل الإصرار على حلق اللحية من كبائر الذنوب؟
الجواب
ذُكر عن ابن عباس أنه قال: (لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار) ، فمن أصر على الصغائر فمعنى ذلك أنه احتقر هذا الذنب، وإذا احتقره واستصغره فإنه يصير كبيرة؛ لأنه يحتقر ما حرم الله وما نهى الله تعالى عنه.
ومن ذلك الاستمرار على حلق اللحية باعتقاد أنه ذنب يسير، ولا شك أنه مع الاستمرار والاحتقار له ينقل إلى كبيرة من الكبائر التي لا تغفر إلا بالتوبة، وكذلك بقية الذنوب ولو كانت صغيرة كالإسبال والكبرياء وما أشبه ذلك.
стр. 1577
حكم من طاف من داخل الحِجْر
السؤال
رجلٌ حج هو وزوجته، فلما طافا طواف الإفاضة طافا من داخل الحِجر جاهلين بالحكم، فماذا عليهما، مع العلم أنهما لم يعلما بحكم المسألة إلا بعد الرجوع إلى بلادهم، أفتونا مأجورين؟
الجواب
لا يجزئ هذا الطواف؛ لأن الحِجر جزءٌ منه من البيت، فكأنهما لم يطوفا بالبيت كله وإنما طافا ببعضه، لكن نقول: إذا كان طواف الوداع طوافاً كاملاً فلعله يكفي عن طواف الإفاضة.
بمعنى: أنهما طافا للوداع من وراء الحِجر كما يطوف الناس، ويمكن أنهما طافا؛ لأن غالباً طواف الوداع يكون فيه زحام شديد فيطوفون من بعيد، فعلى كل حال يجزئ طواف الوداع عن طواف الإفاضة؛ لأنه يصدق عليه أنه طاف بالبيت، ولو كانت نيته أنه للوداع، حيث بطل طواف الإفاضة.
أما إذا كان طواف الوداع مثل طواف الإفاضة أيضاً من داخل الحِجر؛ فإننا نقول: إنهما لم يكملا حجهما، وإن زوجته لا تحل له حتى يرجعا ويطوفا؛ لأنهما لم يتحللا التحلل الثاني.
стр. 1578
الأولى عدم الخوض في المسائل التي فيها شيء من الغرابة
السؤال
قرأت أن بعض أهل العلم نفى أن يلامس الله -أي: يماس- شيئاً من مخلوقاته، وبعضهم أثبت ذلك مستدلاً بالحديث الذي فيه: (أن الله خلق الجنة بيده) ، والحديث الذي فيه: (أن الله خط التوراة بيده) ، فما الصحيح في ذلك، وجزاكم الله خيراً؟
الجواب
الأولى عدم الخوض في مثل ذلك، فالمسائل التي فيها شيء من الغرابة فالأولى البعد عنها، وعدم الخوض فيها.
ونحن نعتقد أن الله تعالى يخلق ما يشاء، وأنه يقول للشيء: كن، فيكون، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢] ، وأن خلقه بيده كما يشاء؛ لقوله: (كتب التوراة بيده) ، ولقوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] ، خلقه كما يشاء، سواءً قلنا: إنه مماسة أو قلنا إنه كما يشاء، فالأولى أن نقول: يخلق ما يشاء وكما يشاء.
стр. 1579
حكم دعاء الأموات
السؤال
ما حكم أن يسأل رجل الميت أن يسأل الله له، فقال بعضهم: إنه شركٌ أكبر، وقال بعضهم: إنه بدعة وليس بشرك، فما الصحيح في ذلك، أفتونا مأجورين؟
الجواب
لا شك أنه شرك، فدعاء الأموات شرك؛ لأن الأموات كما ذكر الله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ * وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ﴾ [الأعراف:١٩١-١٩٢] إلى أن قال: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ [الأعراف:١٩٥] ، فدعاء الميت يكون شركاً.
стр. 1580
حكم إرث الولد من والده إذا مات في حادث سيارة كان الولد هو السائق لها
السؤال
شابٌ يسوق السيارة ومعه والده فوقع حادث فمات الوالد، فهل يرث الابن؟
الجواب
المشهور أنه لا يرث إذا كان عليه نسبة من الخطأ، ولو قليلة؛ لأنه في هذه الحال يلزمه دية، لو مات معه أموات يلزمه دية أو نسبة من الدية، وكذلك تلزمه الكفارة، فلا يرثه في هذه الحالة.
أما إذا لم يكن عليه نسبة من الخطأ، وكان الخطأ على الطرف الثاني أو نحو ذلك فإنه يرث.
стр. 1581
حكم طواف الوداع بعد السفر بمدة يومين
السؤال
عندما رجعنا من منى إلى مكة لم أطف طواف الوداع، وذهبت إلى جدة ثم رجعت اليوم الثاني ليلاً وطفت طواف الوداع، فهل عليَّ شيء؟
الجواب
ليس عليك شيء إذا رجعت وطُفت، ذكر العلماء أنه لو سافر مسيرة يومين أنه يرجع، بمعنى أنه سار يومين في ذلك الوقت الذي يكون السير فيه على الإبل ثم رجع، أي: أنه ما ودع إلا بعدما خرج بأربعة أيام، فيعتبر إذا غاب أربعة أيام في جدة ثم رجع وودع.
стр. 1582
غلط من يقول: إن الأخ لأب ليس من ذوي الأرحام
السؤال
يقول بعض العامة: إن زيارة الخال والخالة والعم والعمة أفضل من زيارة الأخ لأب، وأن الأخ من الأب ليس من الرحم، فهل هذا صحيح؟
الجواب
ليس كذلك، والأخ من الأب والأخت من الأب من الورثة، يرثون إما بالفرض أو بالتعصيب، وأما الأخوال فلا يرثون إلا مع الرحم، وفي كل حال كلهم من ذوي الأرحام.
стр. 1583
أبناء الابن محجوبون بالابن
السؤال
رجل توفي، وقبل وفاته توفي له ذكر وأنثى من أبنائه، وبقي له ثلاثة ذكور وثلاث إناث، فهل لأبناء الميتين مطالبة أعمامهم بأخذ شيء من التركة؟
الجواب
الأعمام الأحياء هم الذين يرثون، أما الأموات فلا يرثون ولا يرث أبناؤهم، لكن الأولى للميت هذا قبل أن يموت أن يوصي لأولاد بنيه الذين ماتوا وهو حي؛ حتى لا يحرموا من المال، وعلى كل حال هذا هو الأقرب، أما الإلزام فليس بلازم.
стр. 1584
حكم الإنصات للقرآن
السؤال
إذا كان القرآن يُقرأ في السيارة ونحن نتحدث، فهل يلزمنا الإنصات أم نغلقه، وجزاكم الله خيراً؟
الجواب
عليكم أن تنصتوا لعموم الآية: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ [الأعراف:٢٠٤] فإنه يدخل فيه سماع القرآن في الإذاعة ونحوه، وإذا لم تكن منصتاً له فالأولى أنك تغلقه، سواء من شريط أو من إذاعة، فإذا كنت تمشي في السيارة أو في المنزل فإن فتحت القرآن فاستمع له وأنصت.
стр. 1585
حكم النفقة على الزوجة إذا رفضت السفر معه
السؤال
رجل تزوج من خارج بلده وبقي معها مدة، ثم طلب من زوجته السفر معه إلى بلاده فرفضت، مع أنه قد شرط عليها السفر، وله منها ابنان يرسل لهما النفقة شهرياً، ويسأل: هل تلزمه النفقة على زوجته بالرغم أنها رفضت السفر معه، وجزاكم الله خيراً؟
الجواب
يرجع إلى الشروط؛ فإن كان قد اشترط عليها أنها تأتي معه إلى بلده فامتنعت سقطت نفقتها، وأما نفقة أولاده فلا تسقط حيثما كانوا، وأما إذا كان لم يشترط أو هي التي اشترطت أنها تبقى، أي: تزوجته بشرط أنه لا يخرجها من بلدها فلها شرطها، وليس له والحال هذه أن يلزمها بأن تأتي معه إلا برضاها، وإذا امتنعت فهي قد اشترطت أنها تبقى في بلادها، وفي هذه الحال عليه نفقتها.
стр. 1586
حكم بيع الأسهم التجارية إلى أجل
السؤال
لدي أسهمٌ في إحدى الشركات تساوي ستين ألف ريال، فجاء شخصٌ وقال: بعنيها بمائة ألف إلى سنتين، علماً أنه ما اشتراها إلا لقصد بيعها وأخذ ثمنها، فهل هذا من الربا؟
الجواب
لا يكون من الربا، ولكنه من الأشياء التي نهي عنها، ورد أنه ﷺ : (نهى عن بيع الدين بالدين، أو بيع الكالئ بالكالئ) ، ففي هذه الحال يكون هذا السهم ديناً؛ لأنه من شركة غير مقبوض، وأنت إذا اشتريته تشتريه بدين؛ لأن ثمنه مؤجل، فيكون بيع دين بدين، أي: غائب بغائب، فلا يجوز، عملاً بحديث: (نهى عن بيع الكالئ بالكالئ) .
أما إذا حضر أحد الثمنين فلا مانع إذا بعته بثمنٍ نقداً، فلو قلت: أنا أملك بهذه الشركة سهماً أو مائة سهم، أي: تملك جزءاً معلوماً منها، كواحد في الألف أو واحد في مائة ألف، أو اثنين من ألف ألف، ثم اتفقتم على الثمن فهذا الثمن يجب أن ينقده لك وتحيله على الشركة وينزل منزلتك في استحقاق الأرباح، فيجوز ذلك إذا سلَّم الثمن.
стр. 1587
الخلاف في إرث الجد مع الإخوة
السؤال
أشكل عليَّ فهم قولكم: (وهذا ما عليه الفتوى) فلم أعرف ما هو المقصود بهذه الكلمة؟
الجواب
تقدم هذا في مسألة الجد والإخوة، يعني: أن فقهاء المذهب الحنبلي يورثون الإخوة مع الجد، وكذلك فقهاء المالكية وفقهاء الشافعية يورثون الجد مع الإخوة، ولكن اللجنة الدائمة وهيئة كبار العلماء اختاروا القول الثاني وهو: أن الجد يُسقِط الإخوة، فصارت الفتوى على أنهم لا يرثون معه.
وكذلك المسائل التي فيها خلاف.
стр. 1588
مدى صحة القاعدة: (الشروع في النوافل يصيرها فرائض)
السؤال
ما رأيكم حفظكم الله في القاعدة الأصولية: (الشروع في النوافل يصيرها فرائض) ؟
الجواب
ما أظنها صحيحة، فهذه القاعدة على الإطلاق لا تكون إلا في الحج أو العمرة، فإذا شرع الإنسان في الحج أو العمرة فإنها تصير فريضة يلزمه إتمامها؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٦] ، فلا يجوز له إبطالها.
وأما إذا شرع في صيام التطوع فيجوز له أن يقطع صومه، لما ورد في الحديث: (المتطوع أمير نفسه) ، فله أن يفطر إذا عرض له عارض، وكذلك أيضاً الصلاة -على الصحيح- إذا شرع فيها وعرض له عارض فله أن يقطعها، كما لو أقيمت الصلاة وخاف أن تفوته ركعة أو نحو ذلك فله أن يقطعها، وأما إذا رجا أنه يتمها فلا يقطعها؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٣] .
стр. 1589
حال حديث: (أنا وارث من لا وارث له، والخال وارث من لا وارث له)
السؤال
ما صحة حديث: (أنا وارث من لا وارث له، والخال وارث من لا وارث له) ، وهل الخال يرث؟
الجواب
الحديث مشهور بلفظ: (الخال وارث من لا وارث له) ، وأما أول الحديث فليس بصحيح، إنما فيه أنه ﷺ قال: (أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، من ترك ديناً أو ضياعاً فعليَّ وإليَّ، ومن ترك مالاً فلورثته) ، فحديث: (الخال وارث من لا وارث له) حديث مشهور يعمل به كثير من العلماء، ولم يعمل به آخرون كالشافعية؛ لأنه ما ثبت عندهم.
стр. 1590
حكم عقد الأجرة من غير منفعة
السؤال
عندنا في بلادنا يطلب من الشركات التي لديها بضاعة كبيرة أن تستأجر مخازن، والسؤال: يأتي مندوب الشركة التي تريد استئجار المحل ويطلب ورقة من مكتب العقارات فقط دون المنفعة بثلث القيمة، يعني: إذا أراد استعمال المخزن فإنه يستأجره بثلاثين ألف مثلاً، وبدون استعمال المخزن يدفع عشرة آلاف سنوياً، فهل يجوز أن نعطيه ورقة العقد؛ لأن الحكومة تطالب بذلك، وجزاكم الله خيراً؟
الجواب
لا بأس أنكم تعقدون الأجرة معه كمخزن، إما أن تلزموه بالضرائب التي تأخذها الحكومة، وإما أن تسقطوها عنه وتقومون أنتم بدفعها، سواء كان اتفاق مع مندوب الشركة أو كان مع مديرها، فإذا اتفقتم على تحديد الأجرة فلا مانع من الزيادة فيها مقابل أنكم تدفعون ما تطلبه الدولة أو النقص منها، مع الالتزام بأنه يدفع، فتقولون مثلاً: هذا يساوي ثمانين ألفاً، والدولة تأخذ منا عشرة، فإما أن تلتزم بتسعين ونحن ندفع للدولة، وإما أن تلتزم بثمانين وتدفع للدولة، فإذا اتفقوا على ذلك جاز.
وأما إذا كان القصد به التحيل فلا يجوز؛ لأن هذا يصير خداعاً، أعني أن بعض الموظفين يصرف لهم بدل سكن كالمتعاقدين، ثم إنه يتفق مع صاحب العقار على أنه دفع له، يعني: يقول: أنا سأدفع لك يا صاحب العقار عشرين ألفاً وهو ما دفع له شيئاً، أو دفع له عشرة، وكتبها عشرين وقال: اكتب أني دفعت لك عشرين وأنا أعطيك خمسة مني، اكتبها عشرين حتى أستلم، فيكتبها عشرين ألفاً، وهو ما دفع إلا عشرة أو خمسة عشر، فهذا تحايل لا يجوز.
стр. 1591
حكم حفظ الأصول الثلاثة
السؤال
سمعنا من بعض المشايخ أنه من الواجب على كل مسلم ومسلمة حفظ شرح الأصول الثلاثة، وهل الإنسان إذا مات يُسأل عن الدليل؟
الجواب
إذا فهم ذلك فليس واجباً حفظ النصوص، إنما الواجب الفهم والاعتقاد، واجب على كل المسلمين أن يعترفوا بأن الله تعالى هو ربهم، وهو خالقهم، وهو معبودهم، فإذا فعلوا ذلك فلا يلزم أن يحفظوا قوله: (ربي الله الذي رباني، وربى جميع العالمين بنعمته) ، فليس واجباً عليهم أن يحفظوا هذا النص.
كذلك عليهم جميعاً أن يدينوا بالإسلام، وأن يكونوا كلهم من الذين يعترفون بأنهم مسلمون، وليس واجباً عليهم أن يعرفوا أو يحفظوا قوله: (الإسلام: الاستسلام لله بالتوحيد) إلخ، بل إذا اتفق أنهم اعترفوا بأنهم مسلمون وأنهم يدينون لله تعالى بالطاعة فلا يلزم حفظ النصوص ونحوها.
والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1592
شرح أخصر المختصرات [٦٦]
شرع الله تعالى الطلاق وأباحه عند الحاجة، وجعله بيد الرجل، وفي إباحته رحمة وحكمة، والطلاق له أحكام كثيرة من حيث وقوعه وعدمه، وشروط صحته، وصريحه وكنايته، وطلاق السنة وطلاق البدعة، والتوكيل فيه، وغير ذلك من الأحكام.
стр. 1593
مقدمة عن أهمية تعلم العلم والعمل به وتعليمه
نحمد الله ونشكره، ونثني عليه ونستغفره، ونسأله المزيد من فضله، ونسأله أن يعلمنا ما جهلنا، وأن يبصرنا بأمور ديننا، وأن يهدينا سواء السبيل.
نذكركم أنكم -والحمد لله- تعملون عملاً صالحاً في مثل هذه الدورات؛ وذلك لأن مواصلة التعلم والحرص على التلقي عمل بر، عمل صالح يهدي به الله تعالى من أراد به خيراً؛ تكتب به الحسنات، وترفع به الدرجات، ويكتب الله أهله في حملة العلم الذين يحبهم ويحبونه، فهنيئاً للذين يواصلون أوقاتهم بعضها ببعض حتى يستفيدوا من حياتهم في هذه الإجازة التي يتوقف فيها الكثير من الناس عن الدراسة النظامية، والإجازة تضيع على كثير من الناس، بحيث إنهم إما يضيعونها في لهو وسهو وجلوس وتسكع في الأسواق وعمل غير مرضي، أو يضيعونها في رحلات وأسفار لا أهمية لها ولا يستفيدون منها فائدة تعود عليهم بالخير، أو يضيعونها في أمور دنيوية، أو لو استفادوا من أمور الدنيا لكن يفوتهم الخير الكثير؛ وذلك لأن هذه الأيام لابد أن يحاسب عليها العبد، فمن صنع جزءاً من عمره في غير فائدة فإنه يحاسب، وفي الحديث: (لا تزول قدما عبد حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن علمه ماذا عمل به) .
فالسؤال عن العمر هو أولها، يعني: سواء كان كهلاً أو شاباً أو شيخاً، يسأل عن عمره في أي شيءٍ شغله، ويسأل أيضاً عن شبابه في أي شيءٍ شغله وصرفه، فإذا كان قد صرفه في خير أجاب بجواب نافع مفيد، وأما إذا صرفه في اللهو والسهو فإنه يكون في ذلك متحسراً ولا يجد جواباً.
ومن أفضل ما يصرف الشاب أيامه وأشهره فيه التعلم، سيما تعلم العلوم الشرعية، فإنها مفيدة للإنسان في حياته، والعلوم الشرعية يحبها الله تعالى، وتبصر الإنسان في حياته، ويكون بها عالماً كيف يعمل؛ وذلك لأن علمه له نتيجة وله ثمرة.
ونحن نحسن الظن بإخواننا الذين توافدوا من بلاد بعيدة إلى هذه الدورة، ونقول لهم: هنيئاً لكم أن تجشمتم المشقات، وجئتم من بلاد بعيدة، وقصدكم بذلك أن تستفيدوا من حياتكم، وأن تعملوا عملاً صالحاً يرفعكم الله تعالى به درجات، ويجزل لكم به الثواب العظيم، فهذا فضل الله تعالى ونعمته عليكم، فلكم بذلك فضل كبير، ونوصيكم أولاً بحسن النية؛ لأن النية إذا كانت حسنة صالحة وفق الله العبد للعمل الصالح، فانو بهذا التعلم رفع الجهل؛ فإن الإنسان خلق جاهلاً كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل:٧٨] ، فالإنسان خلق جاهلاً، والجهل نقص، فيزول هذا النقص بالتعلم، حيث أعطانا الله السمع والبصر واللسان والفؤاد وهي من وسائل التعلم، فمن حسن النية أن تنوي رفع الجهل.
ومن حسن النية أن تنوي حمل العلم الذي حمله شرف وحمله فضيلة.
ومن حسن النية أن تنوي العمل بهذا العلم؛ حتى تعمل على بصيرة، وعلى نور وبرهان.
ومن حسن النية أن تنوي نفع نفسك؛ حيث تعمل بالعلم ويقبله الله منك، وتثاب على هذا العلم الذي تعلمته.
ومن حسن النية أن تنوي ميراث الأنبياء، بأن تكون من ورثة علمهم الذين ورثوه، ومن أخذه أخذ بحظ وافر.
ومن حسن النية أن تنوي نفع الناس الجهلة الذين يحتاجون إليك وإلى أمثالك، وهم كثيرون في البلاد، فقد يتعلم فرد العلم الشرعي، ويرجع إلى بلدة يغمرها الجهل، ويكثر الجهل في أهلها، فلذلك إذا تعلم وفقه الله تعالى وعلّم أهل بلده، واستفاد واستفادوا منه ونفعهم، وكان له أجر كبير على تعلمه؛ حيث إنه يبث ما معه من العلم، ويفقه الأمة ويدعوهم إلى الله: (ومن دعا إلى هدى كان له مثل أجور من تبعه، من غير أن ينقص من أجورهم شيء) ، وفي الحديث: (لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم) .
ونوصيك أيضاً بمواصلة التعلم؛ فإن العلم كثير ليس له نهاية، وهذه المدة التي تتعلمها في هذه الدورة قليلة بالنسبة إلى بقية الحياة، لا تنال فيها إلا جزءاً يسيراً من العلم، وأنت تعرف أن هذه العلوم تعتبر مبادئ، وأن كل علم له فروع وله شروحات، فإذا انتهيت من هذه الدورة فعليك المواصلة بقراءة الشروح والتعاليق والحواشي، والحرص على استظهارها، وعلى تذكر معانيها حتى تبقى هذه المعلومات، وعليك التزود فيما بعد إلى نهاية الحياة، وتذكر وصية بعض العلماء الذي يقول: اطلب العلم من المهد إلى اللحد؛ يعني إلى الموت، وما ذكر عن الإمام أحمد أنه قال: مع المحبرة إلى المقبرة، أي: نحمل المحبرة التي هي الدواة نكتب من مدادها الفوائد، ولا نفارقها إلا إذا متنا: مع المحبرة إلى المقبرة، وأشباه ذلك.
فكل هذا دليل على أنه لا بد من مواصلة التعلم، وأن الإنسان مهما بلغ من العلم، فإن علمه قليل.
وليس كل العلم قد حويته أجل ولا العشر ولو أحصيته لو عمرت مائة سنة ما وصلت إلى عشر العلوم، ولكن الله تعالى جعل بعض العلوم فريضة يلزم تعلمها والعمل بها، وجعل البقية نافلة إذا تعلمها كان من حملة العلم الذي قد يحتاج إليه.
والعلوم منها: ما هو فرض عين: وهي الأشياء التي كلف بها العبد أن يعمل بها، ومنها ما هو فرض كفاية: وهي العلوم التي يلزم الأمة أن يتعلموها ويحملوها.
موضوعنا هذا هو موضوع الفقه في الدين، الذي هو تعلم الأحكام؛ وذلك لأن العلماء ﵏ لما قرءوا النصوص من الكتاب والسنة؛ استخرجوا منها الأحكام، وجعلوها في هذه الكتب، وسموها: الفقه؛ الذي هو الفهم، واستنباط الأحكام من الأدلة، وذكر كل مسألة قد يحتاج إليها؛ فدونوها في هذه الكتب وسموها: كتب الفقه.
وتعرفون ما فيها من الخلاف بين العلماء المجتهدين، حيث إن هناك أقوالاً للأحناف الذين هم على مذهب أبي حنيفة، وخالفتها أقوال ومسائل لمن هم أتباع مالك، وخالفتها أيضاً أقوال لأتباع الشافعي، وخالفتها أقوال لأتباع الإمام أحمد بن حنبل، وهذا الاختلاف الذي وقع بينهم الأصل أنه بسبب الاجتهاد، وسبب اختلاف الآراء، وسبب اختلاف الأفهام، وقد يكون سببه أيضاً وقوع خلاف بين الأدلة، والمحققون يجدون جواباً على اختلاف الأدلة، فيجمعون بينها حتى لا يكون بينها اختلاف؛ وذلك لأن مصدرها واحد؛ لأنها إما من كتاب الله وإما من سنة نبيه ﷺ .
فالاختلاف الذي يكون بينها يمكن الجمع بينه، وإذا لم يمكن حرصوا على أن يجمعوا بينها بأية وسيلة، وقد مر بنا أمثلة لهذه المسائل التي وقع فيها خلاف.
نحن الآن في أواخر كتاب الأحكام من هذا الكتاب الذي هو: أخصر المختصرات، وهو من أخصر كتب الفقه، اختصره مؤلفه من زاد المستقنع، وزاد عليه بعض الجمل، ونقص منه كثيراً؛ فهو قد اختصره لمن يريد أن يحفظه والذي يفهمه يكون عنده علم بمجمل الأحكام الفقهية التي يحتاج إليها في هذه الحياة الدنيا.
стр. 1594
الطلاق أحكام ومعان
قال المصنف رحمه الله تعالى: [كتاب الطلاق: يكره بلا حاجة، ويباح لها، ويسن لتضررها بالوطء، وتركها صلاةً وعفةً ونحوهما.
ولا يصح إلا من زوج ولو مميزاً يعقله.
ومن عذر بزوال عقله، أو أكره، أو هدد من قادر فطلق لذلك؛ لم يقع.
ومن صح طلاقه صح توكيله فيه وتوكله، ويصح توكيل امرأة في طلاق نفسها أو غيرها.
والسنة أن يطلقها واحدةً في طهر لم يجامع فيه، وإن طلق مدخولاً بها في حيض أو طهر جامع فيه؛ فبدعة محرم ويقع، لكن تسن رجعتها.
ولا سنة ولا بدعة لمستبين حملها، وصغيرة، وآيسة، وغير مدخول بها.
ويقع بصريحه مطلقاً، وبكنايته مع النية، وصريحه لفظ طلاق وما تصرف منه، غير أمر ومضارع ومطلّقة بكسر اللام.
وإن قال: أنت عليَّ حرام، أو كظهر أمي، أو ما أحل الله عليَّ حرام، فهو ظهار ولو نوى طلاقاً، وإن قال: كالميتة أو الدم، وقع ما نواه، ومع عدم نية ظهار، وإن قال: حلفت بالطلاق وكذب دين ولزمه حكماً.
ويملك حر ومبعَّض ثلاث تطليقات، وعبد اثنتين.
ويصح استثناء النصف فأقل من طلقات ومطلقات.
وشرطَ تلفظ، واتصال معتاد، ونيته قبل تمام مستثنًى منه، ويصح بقلب من مطلقات لا طلقات.
وأنت طالق قبل موتي تطلق في الحال، وبعده أو معه لا تطلق، وفي هذا الشهر أو اليوم أو السنة تطلق في الحال، فإن قال: أردت آخر الكل، قبل حكماً، وغداً أو يوم السبت ونحوه تطلق بأوله، فلو قال: أردت الآخر لم يقبل، وإذا مضت سنة فأنت طالق، تطلق بمضي اثني عشر شهراً، وإن قال: السنة، فبانسلاخ ذي الحجة] .
الطلاق في اللغة: يراد به فك الشيء المربوط، وحلّ الرباط ونحوه، يقولون: أطلق البعير فهو مطْلَق ومطَلَّق؛ يعني غير مربوط بعد أن كان مربوطاً، طلّق رباط البعير أو الشاة ونحو ذلك؛ وسمي بذلك لأنه بعد حله ينطلق، يعني: يذهب حيث يريد.
والطلاق في الشرع: اسم لمفارقة الزوجة وإطلاق صراحها، سماه الله تعالى بذلك في قوله: ﴿يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق:١] ؛ ولذلك تسمى هذه السورة: سورة الطلاق، وذكر أيضاً في البقرة في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٢٧] ، وفي قوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ﴾ [البقرة:٢٢٨] ، وفي قوله: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة:٢٢٩] ، إلى قوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ [البقرة:٢٣٠] ، وغير ذلك من الآيات.
والمراد به: إطلاق صراح المرأة، فالزوجة بعد عقد النكاح يلزمها أن تكون مقيَّدة مع زوجها، فلا تقدر على معصيته في نفسها ولا أن تذهب إلا بإذنه، ويحل له الاستمتاع بها، فهي معه في عصمته وفي ذمته، فإذا كرهها فإن له رخصة في أن يفارقها، ويسمى هذا الفراق: طلاقاً.
стр. 1595
حكم الطلاق
ذكر العلماء أن الطلاق تتعلق به الأحكام الخمسة: يباح للحاجة، ويكره بلا حاجة، فالطلاق يباح للحاجة، ومالمراد بالحاجة؟ إذا تضررت المرأة مثلاً، أو كره الرجل خلق المرأة، أو سوء معاملتها؛ فإنه يكون مباحاً؛ لا ثواب منه ولا عقاب، ويكره لغير الحاجة، فإذا كانت الحالة مستقيمة بين الزوجين وكل منهما يسير سيراً مستقيماً مع الآخر؛ فإن الطلاق يكون مكروهاً ولو كان حلالاً، جاء في الحديث: (أبغض الحلال إلى الله الطلاق) ؛ فيكون حلالاً ولكنه مكروه، لماذا؟ لأنه يفرق بين الزوجين، ولأنه قد يفرق بين الأولاد وأحد أبويهم، ولما فيه من إضاعتها؛ فالزوجة متى طلقت فإنها قد يكره النّاس عشرتها ونكاحها، يقولون: ما طلقت إلا وفيها ضرر، أو أنها غير صالحة، وهكذا أيضاً قد يتضرر الزوج، ولا يرغب فيه أحد، حيث يقولون: إنه كثير الطلاق، أو يطلق بلا سبب؛ فلذلك يكون الطلاق مكروهاً من غير حاجة، وإن كان واقعاً.
ويستحب الطلاق لتضررها، فإذا تضررت الزوجة، وليس التضرر خاصاً بأن يضرها الجماع، بل حتى إذا كانت تتضرر بسوء خلق الزوج، إذا كانت تكرهه لسوء خلقه ولسوء معاملته؛ بحيث إنه إذا أمسكها تضررت وتمنت فراقه، حتى ربما تبذل له من مالها ليطلقها، وهو الخلع، بحيث تحتاج إلى المخالعة، فإذا وصلت إلى هذه الحالة، وصارت تتمنى الفراق؛ استحب له أن يطلقها سواء كانت تتضرر بكثرة الجماع منه، أو تتضرر بسوء معاملته أو ما أشبه ذلك.
وكذلك إذا ساءت أخلاقها، أو رآها لا تصلي؛ استحب أن يطلقها، أو رآها قليلة ديانة، أو ليست عفيفة، يخشى أن تفسد نفسها؛ فتفسد عليه فراشها، أو تدخل عليه من ليس من أولاده إذا كانت متهمة بالفاحشة، ففي هذه الحال يستحب له فراقها حتى يسلم من هذه المصائب وما أشبهها.
стр. 1596
من يصح منه الطلاق
من الذي يصح منه الطلاق؟ ورد في الحديث: (إنما الطلاق لمن أخذ بالساق) ، وهو الزوج الذي يملك الاستمتاع بامرأته، فهو الذي يطلق، فلو طلّق أبوه ما وقع، ولو طلق ابنه أو أخوه ما وقع، إلا إذا وكّل، لا يصح الطلاق إلا من الزوج، وإذا كان الزوج صغيراً غير مميز لا يقع طلاقه، وأما إذا كان قد بلغ سن التمييز، وكان في نحو سن العاشرة، وعرف أن الطلاق يسبب مفارقة الزوجة؛ فإن له -والحالة هذه- أن يطلق، ويقع طلاقه ولو كان دون البلوغ.
стр. 1597
موانع الطلاق وتعذر وقوعه
متى لا يقع الطلاق؟ إذا كان الزوج معذوراً كزوال عقله -فلو شرب مسكراً جاهلاً، ولم يعلم أنه حرام، فطلاقه لا يقع؛ لأنه يتكلم بما لا يعقل.
واختلف فيما إذا طلق وقد تعمد السكر، هل يقع طلاقه أم لا؟ معلوم أن السكران يهذي في كلامه ولا يعقل ما يقول، حيث إن هذا السكر غطّى عقله ومعرفته.
أكثر العلماء يقولون: إنه يقع؛ لأنه تعمد شرب المسكر؛ فيقع الطلاق عقوبة له، ولأنه يعرف ما يترتب على شرب المسكر: كالغيبوبة وزوال العقل وزوال المعرفة، فهو كأنه مقدم على هذا الأمر؛ فيقع عقوبة له، قال أكثر العلماء: يقع طلاق السكران، واختار بعض المحققين أنه لا يقع؛ كشيخ الإسلام ابن تيمية، وبه كان يفتي شيخنا ابن باز ﵀؛ وذلك لأنه في تلك الحالة لا يدري ما يقول، والله تعالى يقول: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء:٤٣] ، وهو لا يعلم ما يقول، فكلامه لا يحاسب عليه، ومعلوم أنه سيقام عليه الحد الذي هو الجلد أو السجن أو نحو ذلك، فلا نؤاخذه بالطلاق حال سكره.
وبعض الناس يستحلون ما يقدرون عليه من أموال السكران، فبعض السكارى -والعياذ بالله- إذا سكر خرج وجعل يمشي بين الناس وفي الأسواق، فإذا أشار مثلاً إلى صاحب سيارة وركب معه، وعرف السائق أنه سكران، أخذ ما معه، فيسلبه ما معه ولو كان ألفاً أو ألوفاً، وربما يأخذ ما معه مما هو ثمين كساعة أو نحوها، فهذا حرام، لأنه أخذ ماله في غفلته وهو لا يدري، وهكذا بعض هؤلاء إذا دخلوا بيت إنسان، ورأوا أنه سكران؛ فإنهم يسلبون ما عنده من المال، ويقولون: إنه حلال لنا؛ لأنه سمح لنا وأعطانا، وهذا حرام.
ولاشك أنه يستحق العقوبة الشديدة؛ حيث إنه تعاطى ما يزيل عقله، ولكن كوننا نستحل أمواله أو نأخذ منه ما ليس حقاً لنا، فهذا لا يجوز، أما إذا كان عقله زال بعذر؛ بمعنى: أنه شرب وهو لا يدري، أو مثلاً بنج أي: ضرب ببنج أزال شعوره، فتكلم بما لا يعقل وطلق؛ فإنه لا يقع.
وهكذا المكره، وهو الذي ألجئ على التلفظ بالطلاق وهدد، وكان الذي هدده إذا قال فعل؛ يعني: أنه قادر على إلحاق الضرر به، فطلق لذلك، فلا يقع طلاقه، فإذا أكرهه سلطان أو رئيس، أو جاء أهل المرأة إليه فقالوا: طلق وإلا قتلناك، أو قال له أحد أوليائها الذين يريدونها لأنفسهم: طلق وإلا قتلناك، وهددوه بالسلاح، وهم قادرون، ومعهم الأسلحة، فطلق بناءً على كلامهم، فالأصل أنه مغلوب على أمره، فالمكره قد أبيح له أن ينطق بكلمة الكفر، قال تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦] ، فكل ما فيه شيء من الإكراه لا يقع به الطلاق.
يحكى أن رجلاً رأى عسلاً في قمة جبل، ولا يوصل إليه إلا من الأعلى، فقال لامرأته: إني سأتدلى بهذا الحبل إليه، فأمسكي هذا الحبل، فأمسكته وتدلى، ولما كان في نصف الطريق متدلياً قالت له: طلقني وإلا أطلقت الحبل حتى تسقط، ولو أطلقته سقط من قمة الجبل ولن يصل إلا قطعاً، فخوفها بالله فلم تقبل؛ فطلقها، ولما صعد ذهب إلى عمر وسأله فقال: راجع امرأتك، لا يقع مثل هذا الطلاق، هذا مثال على الإكراه.
стр. 1598
من يصح توكيله في الطلاق
من صح طلاقه صح توكيله فيه وتوكله، ومن لا يصح طلاقه فلا يصح توكيله، فلو قال رجل: وكلتك أن تطلق زوجة ابني، فهل تطلقها وقد وكلك أبوه؟ ما يصح، وليس لك أن تطلقها؛ لأن الأب لا يصح أن يطلق زوجة ابنه، أما إذا وكلك هو وقال: وكلتك أن تطلق زوجتي فلانة؛ فلك أن تطلقها، بشرط أن يكون الوكيل عاقلاً عارفاً بآثار الطلاق، وأن يكون الموكل عاقلاً عارفاً بآثار الطلاق، فلا بد أن يكون الوكيل والموكل كلاهما ممن يصح طلاقه.
فيصح توكل العاقل البالغ الرشيد ويصح توكيله.
وهل يصح توكيل المرأة لطلاق نفسها؟ يصح ذلك، فإذا قال لها: وكلتك في تطليق نفسك متى طلبت أو متى رغبت فيه، فإذا رغبت وقالت: قد طلقت نفسي وقع؛ لأنه سمح لها بتطليق نفسها، فيقع الطلاق.
ويصح أيضاً أن يوكلها لطلاق غيرها، فلو وكل امرأة أجنبية وقال لها: وكلتك أن تطلقي امرأتي فلانة، وهي امرأة عاقلة عارفة، يصح أن تطلقها، فيصح أن تكون وكيلةً للطلاق، وكيلةً لطلاق نفسها، ووكيلةً لطلاق ضرتها، ووكيلةً لطلاق امرأة بعيدة.
стр. 1599
طلاق البدعة وحكمه
الطلاق نوعان: طلاق سنة، وطلاق بدعة.
ما صفة طلاق السنة؟ طلاق السنة أن يطلقها طلقة واحدة، وأن تكون في طهر لم يطأها فيه، بل طلقها في طهر لم يجامع فيه، هذا هو طلاق السنة إذا كانت قد دخل بها.
طلاق البدعة مثل: طلاق الثنتين، وطلاق الثلاث، فجمع الثلاث طلاق بدعة، واختلف هل يقع إذا طلقها ثلاثاً، كما لو قال: أنت طالق وطالق وطالق، أنت طالق ثم طالق ثم طالق، أنت طالق ثلاثاً، أو قال: أنت طالق مائةً أو نحو ذلك، والجمهور على أنه يقع؛ وذلك لأن هذا هو الذي اجتمع عليه الصحابة، والأئمة الأربعة على أن من جمع الطلاق الثلاث بلفظ واحد أنه يعد طلاقاً، وأنها لا تحل له إلا بعد زوج، وخالف في ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وقال: لا يقع إلا واحدة إذا طلقها بالثلاث، فقال: أنت طالق بالثلاث، أو طالق وطالق وطالق، قال: إنما يقع طلقة واحدة، لماذا خالفت الجمهور؟ لماذا خالفت الأئمة الأربعة وأتباعهم؟ يقول: إني ابتليت بالمحلل، كثر في زمانه المحلل، لو طلق الرجل امرأته ثلاثاً استأجر من يحللها له، والمحلل ملعون كما في الحديث: (لعن الله المحلِّل والمحلَّل له) ، ويقول: جاء في صحيح مسلم: (أن الطلاق الثلاث كانت تحسب في عهد النبي ﷺ واحدة، وكذلك في عهد أبي بكر، وأن عمر هو الذي أجراها وجعلها ثلاثاً) ؛ فقال اجتهاداً منه: أنا أعمل بهذا الحديث، أعمل بما كان في العهد النبوي، هذا عذر الإمام ابن تيمية، وكان يفتي بذلك شيخنا ابن باز ﵀، فمن جمع الثلاث بقوله: طالق ثلاثاً أو طالق بالثلاث تكون واحدة، لما جاء في هذا الحديث.
والعلماء أجابوا عن حديث ابن عباس الذي فيه أن الثلاث واحدة بستة أجوبة تجدونها في كتب الشروح: كسبل السلام ونيل الأوطار وغيرها، ومنها: أنه كان منسوخاً ولم يتفطن لنسخه إلا عمر.
ومنها: أن الحديث مضطرب ولا يعمل به.
ومنها: أن ابن عباس خالف هذا الحديث وأفتى بأن الثلاث تكون ثلاثاً، ولو كانت بلفظ واحدة، إلى غير ذلك.
ثم منهم من يقول: إذا قال: طالق ثلاثاً، أو طالق بالثلاث بكلمة واحدة فهي واحدة، وإذا قال: طالق وطالق وطالق، أو طالق ثم طالق ثم طالق فإنه يقع الثلاث، يعني: لم تقع إلا طلقة واحدة إذا قال: طالق بالثلاث أو طالق ثلاثاً، بخلاف ما إذا قال: طالق وطالق، أو طالق ثم طالق فتقع الثلاث.
ثم طلاقها وهي حائض طلاق بدعة، وطلاقها في طهر قد جامعها فيه طلاق بدعة، ولكن هل يقع؟ في ذلك أيضاً خلاف؛ فـ شيخ الإسلام وتبعه الشيخ ابن باز على أنه لا يقع إذا طلق وهي حائض أو في طهر قد جامع فيه، والجمهور على أنه يقع ولو كان طلاق بدعة، هذا قول الجمهور.
ذكر المصنف ﵀ هنا أنه إذا طلق مدخولاً بها في زمن الحيض أو في طهر جامع فيه فهو طلاق بدعة محرم، ويقع، ولكن تسن رجعتها، واستدلوا بحديث ابن عمر: (أنه طلق امرأته وهي حائض، فأخبر عمر رسول الله ﷺ ؛ فاستاء لذلك وقال: مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض ثم تطهر ثم ليطلق قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء) فقوله: (فليراجعها) دليل على أن الطلاق قد وقع، وهذا معنى قوله: (تسن رجعتها) ، فإن الرجعة لا تكون إلا بعد طلاق، وهو يدل على أنه طلقها في حيض ووقعت، وأمر أن يراجعها، إذا راجعها في ذلك الحيض أمسكها، حتى إذا طهرت بعد ذلك الحيض فإنه يجامعها؛ لأن الرجعة تكون بالوطء، ثم بعد ذلك يمسكها، فإذا مضى ذلك الطهر وحاضت حيضةً أخرى وطهرت، فإن شاء طلق وإن شاء أمسك.
فالنبي ﵊ أمره أن يراجعها في ذلك الحيض حتى تطهر، وفي الطهر الذي بعد ذلك الحيض يطؤها فيه، ولا يطلقها في ذلك الطهر حتى تحيض حيضة غير التي طلقها فيه، فإذا حاضت أمسكها حتى تطهر، فإذا طهرت في الحيضة الثانية طلقها إن شاء أو أمسكها، وإذا تأملنا ذلك وجدنا أن الحكمة فيه تقليل الطلاق؛ لأن الشرع يكرهه، وذلك لأن الزوج إذا حاضت امرأته قد تكرهها نفسه؛ لأنه لا يقدر على الانتفاع بها والاستمتاع، فإذا طلقها وهي حائض تسرعاً منه فإنه يندم، بخلاف ما إذا أمسكها، فنقول له: أمسكها حتى تطهر، فإذا طهرت فقد تغلبه شهوته فيطؤها فإذا وطئها في ذلك الطهر قلنا له: لا تطلقها في ذلك الطهر حتى يتبين حملها، فإذا أمسكها ولم يتبين فقد يبغضها، فإذا حاضت المرة الثانية قلنا له: لا تطلقها في هذا الحيض فهو طلاق بدعة، أمسكها حتى تطهر، لا يجوز الطلاق في الحيض، فهو يمسكها مع كراهته لها، وإذا طهرت من الحيضة الأخرى فقد يندفع إليها ويجامعها، فإذا جامعها عرف أيضاً أنه لا يحل له أن يطلقها في ذلك الطهر الذي وطأها فيه، فيمسكها وربما يتغير ما في قلبه، ربما يتراجع عن عزمه على الطلاق، فيمسكها ويبقيها زوجة له، وتصلح الحال بينهما، هذا هو السبب في النهي عن طلاق البدعة.
عرفنا أن طلاق الثلاث طلاق بدعة، ويقع عند الجمهور، وأن من طلاق البدعة الطلاق في الحيض، ومع ذلك يقع عند الجمهور , وأن من طلاق البدعة أن يطلق في طهر قد جامع فيه، ويقع عند الجمهور، ولا يقع عند بعض المحققين.
стр. 1600
حكم طلاق الغضبان
مما وقع فيه الخلاف إذا طلق في حالة غضب، وهو (طلاق الغضبان) ، وقد قسم العلماء الغضب إلى ثلاثة أقسام: الأول: عند ابتداء الغضب، وهذا يقع الطلاق فيه بلا خلاف.
القسم الثاني: الغضب الشديد الذي لا يذهب الإحساس، وهذا يقع الطلاق فيه عند الجمهور، وخالف في ذلك شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم، وألّف ابن القيم رسالة مطبوعة اسمها: إغاثة اللهفان في طلاق الغضبان، ورجح أنه لا يقع.
والقسم الثالث: الغضب الذي يذهب الإحساس ويسبب الإغماء والغيبوبة، فهذا لا يقع.
стр. 1601
حكم طلاق الحامل والصغيرة والآيسة وغير المدخول بها
ذكر المصنف ﵀ الطلاق الذي لا يسمى سنة ولا بدعة فقال: (ولا سنة ولا بدعة لمستبين حملها) يعني: متى بان حملها، فإنه يطلقها متى أراد، وطلاق الحامل جائز بكل حال وليس ببدعة، ففي حديث ابن عمر أنه قال: (ثم ليطلقها طاهراً أو حاملاً) يعني: طاهراً ليست حائضاً في طهر لم يجامعها فيه، أو حاملاً قد تبين حملها، والطهر هاهنا هو طهرها من الحيض، أي: بعد انقضاء الحيض واغتسالها بعده.
ذكر عن بعض الجهلة أنه لما سمع أنه لا يطلق إلا في طهر ظن أنه لا يطلق إلا متطهراً؛ يعني: متوضئاً أو مغتسلاً، وهذا قلة فهم، والمراد طهر للمرأة، أي: وهي ليست حائضاً.
وكذلك الصغيرة التي لم تحض يجوز طلاقها متى أراد، وليس لطلاقها سنة ولا بدعة؛ وذلك لأنها لا تحيض ولا تحمل، فمتى أراد يطلقها ولو في طهر جامعها فيه؛ لأنها لا تحيض، فله أن يطلقها متى شاء.
وكذلك الآيسة التي قد بلغت سن اليأس يقول تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾ [الطلاق:٤] يطلقها متى شاء فليس لطلاقها سنة محددة.
وكذلك أيضاً غير المدخول بها، أي: التي لم يكن دخل بها، فإن له أن يطلقها متى أراد، ولا يشترط أن تكون طاهراً أو حائضاً.
стр. 1602
صريح الطلاق وكنايته
ذكروا أن الطلاق له صريح وله كناية: فصريح الطلاق إذا قال: أنت طالق، أو قد طلقتك، أو أنت مطلقة، فيقع الطلاق بصريحه مطلقاً، وكذلك معنى الطلاق كما لو قال: فارقتك أو خلعتك أو لست في ذمتي، أو أنت لست زوجة لي أو ما أشبه ذلك، الطلاق والتسريح والفراق ورد في القرآن في قوله تعالى: ﴿أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة:٢٣١] ، وفي قوله: ﴿أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق:٢] ، إذا قال: سرحتك، أو أنت مسرحة، فارقتك أو أنت مفارقة، طلقتك أو أنت مطلقة؛ فهو صريح، وكذلك يكون صريحاً بلفظ (طلاق) وما تصرف منه: طلاق، وطالق، أنت طلاق، وأنت طالق، وأنت مطلقة، قد طلقتك، وما تصرف منه، إلا الأمر لا يقع به، إذا قال: اطلقي أو اسرحي، فهذا أمر لا يقع به الطلاق، وكذلك المضارع مثل: تطلقين أو تسرحين، هذا أيضاً لا يصح، لا بد أن يكون بلفظ الماضي أو بلفظ اسم المفعول مطلَّقة، أما إذا قال: مطلِّقة (بكسر اللام) فلا يقع الطلاق؛ لأنه يقصد أنت مطلقة لغيركِ.
وأما الكنايات فهي كثيرة: مثل أن يقول: اخرجي، اذهبي، ذوقي، تجرعي، حبلك على غاربك، أو قال مثلاً: بتتكِ، أنت خلية، أنت برية، أنت بائن، أنت حرة، أنت حرج، فهل يقع الطلاق بهذه الكنايات التي ليست صريحة؟ يقع بالكناية إذا نوى، فيقال له: هل نويت؟ إذا قلت مثلاً: اخرجي، ذوقي، تجرعي، حبلك على غاربك، أنت خلية، أنت برية، أنت حرة، أنت حرج، هل نويت طلاقاً، أم لم تنوِ طلاقاً؟ فإن قال: قلت لها: أنت حرة؛ لأنها ليست مملوكة، أنت حرة؛ يعني: بنفسكِ، ما ملكتكِ ملكاً كما تملك الإماء.
وكذلك قوله: أنت الحرج، فإن قال: لا أريد بذلك أنها محرمة علي، وإنما أريد أن أحرجها، وقولي لها: اذهبي ذوقي اخرجي، ما أريد إلا تأديبها، أما إذا قال: نعم، قد أردت فراقها؛ فإنها تطلق بهذه الكناية.
إذا قال: أنت علي حرام، أو أنت كظهر أمي، أو ما أحل الله علي حرام، فهذا ظهار، يأتينا في باب الظهار كفارته هي المذكورة في أول سورة المجادلة، فإنه إذا حرم امرأته فالتحريم يعتبر ظهاراً، إذا قال: أنت علي كظهر أمي، أو كظهر أختي، أو كظهر ابنتي أو كبطنها أو كفرجها، فإن هذا أيضاً ظهار، أو ما أحل الله منكِ علي حرام؛ فهذا ظهار، فإذا قال: نويت الطلاق، نقول له: لا يقع، لكن عليك كفارة أو عليك أن تصرح بالطلاق.
إذا قال: أنت علي كالميتة أو كالدم أو كلحم الخنزير، يعني: محرمة، وقع ما نواه، إن كان نوى طلاقاً وقع طلاقاً، وإن كان لم ينوِ فإنه ظهار، ومع عدم النية يكون ظهاراً.
إذا قال: هلكت بالطلاق وكذب؛ فإنه يديَّن، هل أنت صدقت في أنك هالك بالطلاق؟ فإذا قال: ما أردت إلا اليمين، ما أردت الطلاق، فإنه يديَّن ويكون عليه كفارة اليمين.
وأما إذا قال: حلفت بالطلاق، أو علي الطلاق من امرأتي أن أفعل كذا وكذا، وكان قد نوى الطلاق، فإنه يقع، ويلزمه حكماً ظاهراً، فإذا طالبت امرأته وقالت: إنه قد حلف بالطلاق، وقال مثلاً: إن لم تخرجي فأنتِ طالق، إن لم تركبي معي فأنت طالق، أو قال: إن خرجت مع فلان فأنت طالق، وكان يريد الطلاق؛ فإنها تطلق، فإن كان لا يريد إلا اليمين يديَّن.
стр. 1603
عدد الطلقات للحر والمبعض والعبد
كم يملك الحر والمبعض من الطلقات؟ يملك الحر والمبعض ثلاثاً، والعبد يملك اثنتين، إذا طلق الحر واحدة فله أن يراجع؛ لأنها رجعية، فإذا طلق الثانية فله أن يراجع، أما إذا طلق الثالثة فلا رجعة بعدها حتى تنكح زوجاً غيره.
وكذلك المعتق بعضه الذي ليس حراً كله؛ نصفه حر، ونصفه عبد يملك ثلاثاً، أما العبد فلا يملك إلا طلقتين، إذا طلق طلقتين لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره.
стр. 1604
حكم الاستثناء من الطلاق والمطلقات
ما هو حكم الاستثناء من الطلاق ومن المطلقات؟ يصح استثناء النصف فأقل، ولا يصح استثناء أكثر، إذا كان له مثلاً أربع زوجات فقال: زوجاتي طوالق إلا اثنتين، صح ذلك، ووقع الطلاق على اثنتين ولم يقع على اثنتين؛ لأنه استثنى النصف، وكذلك لو قال: زوجاتي الثلاث طوالق إلا واحدة، الواحدة أقل من النصف، أما لو قال: زوجاتي الأربع طوالق إلا ثلاثاً، ما يصح استثناء أكثر من النصف، أو زوجاتي الثلاث طوالق إلا اثنتين ما يصح؛ لأنه استثنى أكثر من النصف، والاستثناء يكون بالنصف فأقل.
وهكذا الطلقات وصورتها أن يقول: أنت طالق ثلاثاً إلا واحدة، كم يقع بها؟ تقع اثنتان؛ لأن الواحدة أقل من النصف، أما إذا قال: أنت طالق ثلاثاً إلا اثنتين فإنه لا يصح الاستثناء؛ لأنه استثنى أكثر من النصف، لا بد أن يكون الاستثناء بالنصف فأقل.
اختلف فيما إذا زاد على ما يملك، لو قال: أنت طالق أربع طلقات إلا اثنتين، فهل يقع؟ هو ما يملك إلا ثلاث، ففي هذه الحال الصحيح أنه يصح استثناؤه، أو قال: أنت طالق عشر طلقات إلا اثنتين تطلق واحدة؛ لأنه استثنى أقل من النصف.
стр. 1605
شروط صحة الاستثناء
متى يصح الاستثناء؟ اشترط له التلفظ أما إذا كان بالنية، فلا، مثال النية أن يقول: أنت طالق ثلاثاً، ثم قال: استثنيت واحدة بقلبي، أو زوجاتي الأربع مطلقات، وسئل بعد ذلك فقال: استثنيت فلانة، أو استثنيت اثنتين، هذا ما ينفعه؛ لا بد أن يكون الاستثناء باللفظ.
الشرط الثاني: شرط اتصال المكان، وشرط النية قبل تمام المستثنى منه، الاتصال أي: لا يكون مفصولاً، صورته مثلاً: إذا قال: أنت طالق ثلاثاً، وسكت نصف ساعة أو ربع ساعة ثم قال: إلا واحدة، لا ينفعه الاستثناء، لا بد أن يكون متصلاً بالكلام.
ذكر عن رجل أنه دخل على المنصور وعنده أبو حنيفة فقال له: إن أبا حنيفة يخالف جدك ابن عباس يقول: إن الاستثناء لا يكون إلا متصلاً، فقال المنصور: ما تقول يا أبا حنيفة؟ قال أبو حنيفة: إن هذا الرجل يزعم أنه ليس لكم بيعة عند الرعية، قال المنصور: لماذا؟ قال: يحلفون لكم، وإذا رجعوا إلى بيوتهم استثنوا، وصح لهم أن ينقضوا العهد؛ لأنهم قد استثنوا، فعرف المنصور أن الاستثناء لا يكون إلا متصلاً، وأقر أبا حنيفة على ذلك، والأثر الذي روي عن ابن عباس أنه كان يجيز الاستثناء ولو متأخراً، لم يثبت عنه على الصحيح، فهو أثر ضعيف، فالاستثناء لا بد أن يكون متصلاً، لكن لو سكت للتنفس صح، كما لو قال: أنت طالق ثلاثاً، ثم وقف يتنفس ثم قال: إلا واحدة، فهذا اتصال مكان.
ولا بد من النية قبل أن يتم المستثنى منه، فلو قال: أنت طالق ثلاثاً، وما كانت نيته الاستثناء، ولكنه لما أكمل كلامه قال: إلا واحدة، فلا تنفعه؛ لأنه ما نوى الاستثناء قبل تمام الكلام.
стр. 1606
حكم الاستثناء بالقلب
هل يصح الاستثناء بالقلب؟ يقول المصنف: (يصح من مطلقات لا من طلقات) ، إذا قال مثلاً: زوجاتي طوالق وله أربع، ونوى بقلبه استثناء واحدة أو استثناء اثنتين، يصح؛ وذلك لأن كلمة زوجات تصدق على اثنتين وعلى واحدة، فلا حرج في أن يستثني بقلبه من المطلقات، وأما الطلقات فلا يصح الاستثناء إلا باللفظ، ولا ينفعه الاستثناء بالقلب في عدد الطلقات.
стр. 1607
مسائل غريبة في الطلاق
تكلم المصنف هنا على مسائل فيها بعض الغرابة، أولاً: إذا قال: أنت طالق قبل موتي، طلقت في الحال؛ لأن الآن قبل موته، ولا يدرى هل يموت بعد دقائق أو يموت بعد سنوات أو بعد عشرات السنين؛ فتطلق في الحال؛ لأنه جعل الطلاق قبل الموت وهذا الوقت قبل موته.
ثانياً: إذا قال: أنت طالق بعد موتي فهل تطلق؟ ما تطلق؛ لأنها بعد موته قد بانت منه؛ لأن الموت بينونة كبرى، ومفارقة كاملة، فلا يقع الطلاق، هذا إذا قال: بعد موتي، وإذا قال: أنت طالق مع موتي هل تطلق؟ لا تطلق أيضاً، وما ذاك إلا لأن الطلاق لا بد أن يكون في الحياة، وأما حالة الموت فلا يصح.
وقد ذكروا أنه لو طلقها وهو مريض، فإنها ترث منه، حتى ولو انتهت عدتها؛ لأن الغالب أنه يقصد حرمانها، فيطلقها في المرض حتى لا ترث، فالطلاق مع الموت أو مع قربه لا يقع، لكن إن كان في مرض معتاد وقع الطلاق، لكن إذا اتهم بقصد حرمانها فإنها ترث.
وإذا قال: أنت طالق في هذا الشهر، متى تطلق؟ تطلق في الحال؛ لأن هذه الحال من هذا الشهر.
وإذا قال: أنت طالق اليوم؛ تطلق ساعة ما يتلفظ، ولا حاجة إلى أن يؤخر الطلاق إلى نهايته.
وإذا قال: أنت طالق في هذه السنة؛ تطلق حالة ما يتكلم، سواء قال: أنت طالق اليوم أو في هذا الأسبوع أو في هذا الشهر أو في هذه السنة؛ فإنها تطلق ساعة ما يتكلم.
ولو قال: ما أردت طلاقها في الحال، وإنما أردت آخر الكل، يقبل حكماً؛ يعني يصدق.
فإذا قال: ما أردت إلا آخر اليوم؛ فإنها تطلق عند غروب الشمس، وإذا قال: آخر الأسبوع؛ فإنها تطلق آخر يوم الجمعة، وإذا قال: آخر الشهر؛ فإنها تطلق آخر يوم ثلاثين الذي هو آخر الشهر، أو آخر تسع وعشرين إن كان الشهر ناقصاً، وهكذا آخر السنة يقبل قوله حكماً.
إذا قال: أنت طالق غداً، يراد بغدٍ اليوم الذي بعد هذا اليوم، تطلق في أوله، وأول غدٍ متى هو؟ وقت إمساك الصائم، يعني: وقت طلوع الفجر، فإنه أول النهار، فتطلق وقت طلوع الفجر وتبيُّن الصبح، وقبل ذلك لو ماتت؛ ورثها، ولو مات قبلها ورثت منه؛ لأنها لا تزال زوجة، وتحد عليه ونحو ذلك.
إذا قال: أنت طالق يوم السبت مثلاً، يوم السبت قيل: إنه يدخل فيه الليل، فتطلق إذا غربت شمس يوم الجمعة؛ لأن الليلة تكون من يوم السبت، ولكن الأكثرون على أنه يفرق بين يوم السبت وليلة السبت، فلا تطلق إلا في أول صباح يوم السبت بطلوع الفجر، لو قال: أردت آخر يوم السبت أي: وقت غروب شمس يوم السبت، أو قال: أردت آخر الغد كأن قال: أنت طالق غداً، وأراد بها آخر النهار قرب غروب الشمس، هل يقبل؟ لا يقبل.
إذا قال: إذا مرَّت سنة فأنت طالق، كلمة سنة اسم لمضي اثني عشر شهراً، فمتى مضى اثنا عشر شهراً هلالياً فإنها تطلق، لكن في بعض البلاد يوقتون بالأشهر الشمسية أو الميلادية، فإذا كان ذلك معتاداً عندهم، فلا بد أن يمضي اثنا عشر شهراً شمسياً من الأشهر المعروفة عند أهل التاريخ الميلادي، وأما إذا قال: اثنا عشر شهراً وهو من المسلمين وبينهم، فتكون الأشهر هلالية؛ لأن هذا هو المعتاد والمعروف عند المسلمين.
إذا قال: إذا مضت السنة فأنت طالق؛ السنة في اصطلاح المسلمين هي السنة الهجرية، وتبدأ بشهر محرم، وتنتهي بشهر ذي الحجة، فتطلق في آخر شهر ذي الحجة؛ لأن هذه هي السنة الهجرية، وإذا كان ممن يؤرخ بالتاريخ الميلادي، فإنها تطلق بنهاية السنة الميلادية، فقبل أن يدخل الشهر الميلادي الذي يستقبلون به السنة ويسمى: يناير تطلق، وتنتهي السنة بشهر ديسمبر.
الحاصل أن مثل هذه المسائل يذكرها الفقهاء، وبعضها قالوه بالاجتهاد، ومع ذلك فإنهم يقيسون بعضها على بعض على أقل ما يليق بها، فنقول: لا يشترط أن يكون على كل جملة نصٌ أو دليل واضح، بل الأدلة تؤخذ من العمومات أو تؤخذ من المسميات، ونعرف أيضاً أن كثيراً منها خلافية أي: يوجد فيها خلاف بين الفقهاء، وإنما ذكروا ما يترجح لهم.
стр. 1608
شرح أخصر المختصرات [٦٧]
اهتم الفقهاء بباب تعليق الطلاق بالشروط، وذكروا فيه مسائل عديدة، وفرقوا بين كثير منها بفروق دقيقة، وكل ذلك استنباط من الأدلة الشرعية وأصول اللغة العربية، ومعرفة هذه المسائل فيها تدريب لطالب العلم على الاستنباط والفتوى.
стр. 1609
الحكمة من مشروعية الطلاق
دين الإسلام دين وسط، والأدلة على هذا كثيرة؛ ومن ذلك أنه أباح الطلاق، وأباح الرجعة، وذكروا: أن النصارى ليس عندهم طلاق، بل متى عقد على المرأة فلا يقدر على أن يتخلص منها، ويلزمونه بإبقائها مهما كانت الحال، ويشددون عليه في أن يمسكها، ولو أساءت صحبته، ولو أضرت به، ولو كانت مخالفة له في أمر العقيدة أو في أمر الديانة، ولا يقدر على أن يتخلص منها، هكذا قالوا.
وإذا قدر أنه فارقها فإنهم يلزمونه بالإنفاق عليها بقية حياتها، ويقولون له: إنك أفسدت عليها حياتها، وإنك أضررت بها حيث تزوجتها ثم طلقتها، وذلك ضرر عليها، من أين تأكل؟ وكيف تعيش وقد فارقتها؟ فإما أن تؤمن لها معيشة، وإما أن تبقيها عندك ولا تفارقها، هذه ديانة النصارى، وقد انتشرت هذا الظاهرة في كثير من الدول التي تتسمى بالإسلام؛ وذلك بسبب تأثرها بالاستعمار النصراني، وقد أثر فيها مجاورة النصارى، فهذه الدول تحرم أن يتزوج الرجل أكثر من واحدة.
وكذلك أيضاً يمنعون من الطلاق تأثراً بمجاورة من حولهم من النصارى.
وكذلك أيضاً إذا عقد عليها فرضوا عليه صداقاً مؤخراً، ويقولون: هذا المؤخر لو قدر أنه مات قبلها، أو قدر أنه طلقها، فإن هذا المؤخر يؤمن لها حياتها، ويؤمن لها معيشتها، فهذه عادة ورثوها من النصارى.
ونحن نقول: لا بأس إذا طلبت تأخير صداقها وقالت: لست بحاجة إليه الآن، أدعه كوديعة عندك متى بدت لي حاجة طلبتك، أو إذا فارقتني بموت أو بطلاق طلبته، لا بأس بهذا المؤخر، وأما اعتياده واعتقاد أنه لا يحصل عقد إلا بفرضه، فهذا يخالف ما عليه تعاليم الإسلام؛ لأنهم فرضوا شيئاً زائداً على شرع الله تعالى.
إباحة الطلاق من محاسن دين الإسلام، إذا كره الرجل امرأته، ونفرت منها نفسه، أبيح له أن يطلقها، كما أنها إذا كرهته لسوء خلقه أو لسوء معاملته فلها أن تفتدي، أي: أن تدفع مالاً حتى يخلي سبيلها؛ لقوله تعالى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة:٢٢٩] ، وهو ما يسمى: بالخلع.
стр. 1610
من أسباب وقوع الطلاق بين الزوجين
كثيراً ما يحدث الشقاق والنزاع بين الزوجين، يكون أحياناً من الزوج وأحياناً من الزوجة، ويكون نتيجته الطلاق؛ ومن أعظم أسباب ذلك -والله أعلم-: سوء التربية للزوج أو للزوجة، فالزوج مثلاً ينشأ في ترف وفي سرف، وينشأ في مجتمع فاسد يألف اللهو واللعب، ويألف المعاصي والمحرمات، ويشب عليها، فإذا تزوج امرأة حصينة محصنة عفيفة أساء معاملتها أو أضر بها، مما يحملها على بغضه وكراهيته وطلب الطلاق.
أحياناً يسهر مع شلة من جنسه إلى الساعة الثانية أو الثالثة ليلاً، ثم يأتي وهو مجهد، فيلقي بنفسه على الفراش، ولا يستيقظ إلا قرب القيلولة، ويتركها أول الليل وحيدة تذرف عيناها بالدموع، لا تدري أين هو، ليس عندها من يؤانسها، ولا يسمح لها أن تكون عند أهلها، ولا أن تكون عند جيرانها، فهي وحيدة ولا تدري أين هو، هل هو في بئر أو في بطن سبع؛ أو على أي شيء سَهِر؟ وسهره غالباً على معاصٍ، حيث إنه نشأ منذ ترعرع مع أولئك الفاسدين المفسدين، فيسهرون على لعب ولهو، ويسهرون على غناء وطرب، ويسهرون على أعواد وعلى دفوف وعلى طبول طوال ليلهم، وقد يسهرون على خمر وزمر ودخان وما أشبه ذلك، وقد يسهرون على مشاهدة أفلام خليعة عبر القنوات الفضائية، ينظرونها ويشاهدونها عبر الشاشات، ويكون ليلهم ضحكاً وقهقهة وتفكهاً وتسلية، كما يعبرون، وهكذا ينقضي ليله، ولا شك أنها تتألم وتتضرر إذا كانت هذه حالته.
فعلى هذه الحال لها أن تطلب الطلاق، كيف تقيم زمناً طويلاً وهي وحيدة ليس عندها من يؤانسها، ولا من يزيل وحشتها؟!! وهكذا أيضاً كثير من الأزواج يكون سيئ الخلق مع امرأته، فهو يشدد عليها، ودائماً يسبها ويشتم ويثلب ويعيب ويقبح، ويمد يده ويضرب ويؤلم، وينتقدها على أقل شيء مما ينتقد، ويدقق عليها بأي شيء إذا لم تفعله، بحيث إنه إذا جاء مثلاً وتأخرت عن إحضار الطعام قام وسب وأقذع في السب، وبالغ فيه، وتكلم بكلام سيئ يقلق راحتها، ويقض مضجعها، فهذا بلا شك مما يسبب قلقها، حتى لا تصبر، وتطلب الفراق ولو كان ما كان، وتتمنى أن تعيش وحيدة ولا أن تكون قرينة ذلك الزوج.
كذلك مما يسبب الفراق أيضاً أن كثيراً من الأزواج يكون شديداً على امرأته، بحيث يهجرها دائماً، ويغلق عليها، ولا يترك لها متنفساً، فلا يمكنها من زيارة أبويها ولا أقاربها، حتى ولو استدعوها، ولا يمكنها من زيارة أهل فلان كأصدقاء أو جيران لها، فهي دائماً منفردة، مغلق عليها بأشد التغاليق، فماذا تفعل؟ لا شك أنها والحال هذه لا يهنأ لها عيش، ولا يستقر لها قرار، فتكون متمنية دائماً أن تفارقه؛ لأنها تعتبر سجينة، وتعتبر نفسها في أشد الضرر؛ وذلك مما يسبب طلبها الفراق؛ بسبب الصحبة السيئة.
كذلك أيضاً كثير من الأزواج سيئ الظن بامرأته، بحيث إنه يكاد أن يقذفها وأن يرميها بفعل الفاحشة، إذا رآها رفعت السماعة اتهمها أن لها أصدقاء، وإذا رآها خرجت اتهمها أنها خرجت للزنا، أو نحو ذلك، ودائماً يسألها ويحلّفها، وأدنى حركة يظن أنها فعلت مع غيره أو زنت أو نحو ذلك، مع أنها في الظاهر محصنة قد أحصنت فرجها، قد حفظت نفسها، ولكن لشدة ظنه وتشدده يقع منه هذا الظن السيئ، وقد ورد النهي عنه في قوله ﷺ : (إياكم والظن؛ فإن الظن أكذب الحديث) .
وهناك أسباب أخرى لعلكم تعرفونها أكثر مما ذكرنا.
وأما بالنسبة للزوجة فلا شك أيضاً أنه يحصل منها أسباب تحمل الزوج على الفراق، منها: أن كثيراً من الزوجات نشأت في بيت ترف، وفي بيت إسراف، وفي بيت فساد، قد أعطاها أهلها ما تريد، وقد أطلقوا لها الحرية، وقد مكنوها من كل شيء تتمناه، فهي عند أهلها قبل زواجها تسرح وتمرح، إذا شاءت دخلت الأسواق وحدها أو مع غيرها، ولا تبالي أن تزاحم الرجال، وقد تتكشف وتتبرج أمام الرجال الذين يحتكون بها.
وكذلك أيضاً قد تطول غيبتها عن أهلها، وأهلها قد أطلقوا لها الحرية، وتركوا لها الحبل على الغارب، ومكنوها مما تريد.
ومنها: أن كثيراً من البنات تعيش عند أهلها فيما يسمونه بالرفاهية والتنعم، فهم يجلبون لبناتهم ما يتمنينه، فتجد البنات قد نشأن على سماع الغناء دائماً والتلذذ به، ونشأن على رؤية الصور التي تفتن، فهن دائماً مقابلات لهذه الشاشات التي تُعرض فيها الصور الفاتنة الفاضحة، والمرأة ضعيفة التحمل، فهي قد عاشت على هذه العيشة الشريرة التي عاقبتها سيئة.
ومنها: تمكين أهلها لها من شراء الصور الفاتنة، والمجلات الخليعة التي فيها صور فاتنة هابطة، إذا رآها الرجل أو المرأة اعتقد أن أهلها هم أهل الرقي وأهل التقدم وأهل الحضارة وأهل الثقافة، فتقلدهم، وتفعل كما تفعل أولئك النساء اللاتي صورت صورهن في تلك المجلات متكشفات متبرجات، فماذا تكون حالتها وقد عاشت عشرين سنة أو نحوها على هذه الصور، وعلى النظر فيها؟ لا شك أنها تحب التقليد لأولئك، فهذا من أسباب فساد البنات.
ومنها: أن كثيراً من البنات يمنعهن أهلهن من العمل، فإذا دخلت بيتها فليس لها عمل إلا أن تنطرح على فراش أو تقرأ في قصة، أو تنظر إلى أفلام أو صور، ولا تمد يدها لشغل، قد أراحها أهلها، واجتلبوا لها خادمة تكفيها مئونة بيتها، فهي لا تحسن أن تصلح طعاماً، ولا أن تصلح شراباً، ولا أن تغسل ثوباً، ولا أن تنظف بيتاً، ولا أن تنظف إناءً، قد اعتادت الرفاهية، واعتادت الكسل، واعتادت الخمول، ورضيت بذلك، ورضي بذلك أهلها، ولم يعلموها أية حرفة، فإذا تزوج مثل هؤلاء البنات ماذا تكون حالتهن إذا تزوجن؟! فهل في الإمكان أن تشتغل لزوجها؟ لا يمكن أنها تشتغل، سمعت قصة أوردها شيخنا الشيخ ابن حميد ﵀، وهي: أن رجلاً كان وحيداً هو ووالدته في بيت واسع، ثم إنه تزوج امرأة وقال: أتزوج يا والدتي امرأة تساعدك على شغل الدار، وتشتغل وتحترف معك، فلما تزوج تلك المرأة التي قد رفهها أهلها ونعموها، وعاشت في غاية التنعم، دخلت إلى بيته وبقيت على الفراش، ففي اليوم الأول قامت أمه بإصلاح الطعام وبكنس الدار، والزوجة الجديدة تنظر إليها، ثم في اليوم الثاني رأى والدته أيضاً قامت تكنس الدار وتصلحها، فقال: يا أماه! دعيني أكنس معك.
يريد بذلك إثارة همة هذه الزوجة لعلها أن ترفق به وتقول: بل أنا أقوم مقامك، ولا تكلف نفسك، أنت رجل.
فامتنعت أمه وصارت هي التي تكنس.
في اليوم الثالث دخل وإذا أمه تكنس الدار، أيضاً حاول أن يكنس معها فأبت أمه، فأطلت هذه الزوجة الجديدة من النافذة تتفرج عليهما، فقالت: أنا أحكم بينكما: عليك أن تكنس يوماً، وعلى أمك أن تكنس يوماً! هذا جوابها!! ما تنازلت أن تنزل وتريح زوجها من هذا العمل، ففي هذه الحال ماذا تكون حالتها؟ فالرجل يتزوج المرأة من أجل أن تريحه، وأن تصلح له الطعام، فإذا جاء من عمله يجده مهيأًً، وكذلك تغسل ثوبه، وتغسل أواني بيتها وما أشبه ذلك، فإن هذا لا يضرها، بل إنه يعودها على الحركة، ويذهب عنها الخمول والكسل الذي اعتادته ونشأت عليه، وهو مما يضر بصحتها.
فهذا ونحوه من أسباب الفراق، إذا تزوجها ولم يجد منها إلا خمولاً وضعف همة، وانقطاعاً عن أن تنفعه أو تنفع غيره، فلا شك أن هذا يسبب الفراق.
كذلك مطالبتها بما نشأت عليه، مثل أن يحضر لها تلك المجلات الخليعة؛ لأنه لا صبر لها عنها؛ ولأنها تربت عليها، أو دخل عليها وعثر عليها عندها، فهذا مما يجلب له الظن السيئ بها، وكذلك إذا ألحت عليه في أن يجلب لها الأفلام والصور الخليعة المسجلة في أشرطة الفيديو وغيرها، أو طلبت منه أن يمكنها من شراء هذه الأفلام، فهذا أيضاً مما يسبب مقته وبغضه، لها وسرعة فراقه لها.
ومنها: إذا رآها مكبة على سماع الغناء الماجن والتلذذ به، ولا همة لها في أن تصلح شأنه أو شأن بيتها، بل هي مكبة على هذا السماع واللهو، فهذا من أسباب الفراق، فيمقتها ويقول: هذه لا حاجة لي فيها، ولا منفعة لي منها، فكيف أتحمل؟! وكيف أصبر وأقوم أنا بخدمتها؟! ولا شك أن هذا من آثار تربية أهلها الذين ربوها التربية السيئة، ولم يعلموها شيئاً من عمل البيت ولا من عمل الحرفة، ونعموها، وأحضروا لها مطالبها.
ومنها: كون البنت درست وواصلت الدراسة، ووصلت إلى مرحلة راقية، أصبحت جامعية أو دكتورة أو نحو ذلك، وقد يكون الرجل دونها في هذا المؤهل، فتحتقره، وتقلل من شأنه، ومن أمره، وتقول: أنا أرفع منك رتبة، وأنا أعز منك منزلة، وأنا وأنا مما يجعله يبغضها، ويعجل بفراقها.
ومن أسباب الفرقة: الوظيفة، كونها موظفة في مدرسة كمدرسة أو مديرة أو نحو ذلك، أو موظفة في مستشفى كطبيبة أو ممرضة أو ما أشبه ذلك، فإن هذا أيضاً يأخذ منها وقتاً طويلاً على زوجها، وتكلفه أيضاً إيصالها أو ردها، أو تكلفه إحضار خادم أو سائق يذهب بها ويجيء، وذلك مما قد يسبب الريبة لخلوته بها، ولمخاطبته لها، ولا تلين لزوجها، بل تلزمه بذلك إلزاماً، فهذا ونحوه من آثار التربية السيئة.
стр. 1611
علاج الأسباب المؤدية إلى الطلاق
الواجب على الوالدين أن يربوا أولادهم ذكوراً وإناثاً التربية الصحيحة، التربية السليمة، فيربون الذكور على محبة العلم والعمل، العلم النافع، والعمل الصالح، والعبادة ومحبتها، ومحبة الصالحين، وعلى الآداب الإسلامية، وعلى الأخلاق الفاضلة العالية، ومن ذلك حسن المعاملة لأبويهم، وكذلك لإخوتهم وللمسلمين عموماً ذكوراً وإناثاً، فإن الشاب إذا نشأ على هذه التربية علم بأن عليه حقوقاً: حق لله تعالى، وحق لعباده، وحق لنفسه، وأعطى كل ذي حق حقه، وعرف أنه إذا تزوج فإنه يجب عليه حسن المعاملة لهذه الزوجة، وحسن الصحبة، والتخلق بالفضائل، والتخلي عن الرذائل، وبذل الندى، وكف الأذى، وحسن المعاملة، وتجنب مساوئ الأخلاق، وإعطاؤها حقوقها، وتمكينها مما تريد مما لا محظور فيه، حتى تألفه، وحتى تعيش معه عيشة طيبة، وتجد مطلبها وراحتها، ويرزقها الله تعالى رزقاً حسناً.
وكذلك الزوجة إذا تربت على ذلك كان في ذلك توفيقاً بإذن الله لكل من الزوجين، وكل منهما يعيش العيشة الطيبة، ويحيا حياة طيبة، ويسعد سعادة طيبة، هذا هو العلاج الفعال لبقاء الزوجية، وعدم المفارقة لها.
стр. 1612
تعليق الطلاق بالشروط
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فصل: ومن علق طلاقًا ونحوه بشرطٍ لم يقع حتى يوجد، فلو لم يلفظ به وادعاه لم يقبل حكمًا.
ولا يصح إلا من زوجٍ بصريحٍ وكنايةٍ مع قصدٍ، ويقطعه فصلٌ بتسبيحٍ وسكوتٍ، لا كلامٌ منتظمٌ، كأنت طالقٌ يا زانية إن قمت.
وأدوات الشرط نحو: "إن" و"متى" و"إذا"، وإن كلمتك فأنت طالقٌ فتحققي أو تنحي ونحوه تطلق، وإن بدأتك بالكلام فأنت طالقٌ، فقالت: إن بدأتك به فعبدي حر، انحلت يمينه وتبقى يمينها، وإن خرجتِ بغير إذني ونحوه فأنت طالقٌ، ثم أذن لها فخرجت، ثم خرجت بغير إذنٍ، أو أذن لها ولم تعلم طلقت.
وإن علقه على مشيئتها تطلق بمشيئتها غير مكرهة، أو بمشيئة اثنين، فبمشيئتهما كذلك، وإن علقه على مشيئة الله تعالى تطلق في الحال، وكذا عتق.
وإن حلف لا يدخل دارًا، أو لا يخرج منها، فأدخل أو أخرج بعض جسده أو دخل طاق الباب، أو لا يلبس ثوبًا من غزلها فلبس ثوبًا فيه منه، أو لا يشرب ماء هذا الإناء فشرب بعضه لم يحنث، وليفعلن شيئًا لا يبر إلا بفعله كله ما لم يكن له نيةٌ، وإن فعل المحلوف عليه ناسيًا أو جاهلًا حنث في طلاقٍ وعتاقٍ.
وينفع غير ظالمٍ تأول بيمينه.
ومن شك في طلاقٍ أو ما علق عليه لم يلزمه، أو في عدده رجع إلى اليقين.
وإن قال لمن ظنها زوجته: أنت طالقٌ.
طلقت زوجته، لا عكسها.
ومن أوقع بزوجته كلمةً وشك هل هي طلاقٌ أو ظهارٌ لم يلزمه شيءٌ] .
هذا الفصل يتعلق بالحلف بالطلاق، ويتعلق بتعليق الطلاق بالشروط، هكذا يبوبون: باب الحلف بالطلاق، أو باب تعليق الطلاق بالشروط.
والشروط هاهنا: هي الأمور المستقبلة، فمتى علق الطلاق أو العتق أو البيع أو نحو ذلك بشرط فلا يقع ذلك الشيء حتى يوجد ذلك الشرط، ويكثر تمثيل الفقهاء بهذا الشرط، ويقولون: متى علقه بشرط تعلق به، ولو أراد نقضه لم يقدر؛ لأن الشرط تعلق به، فلو قال: إن ولدت امرأتي ابنة فهي طالق.
ثم ندم قبل أن تلد، وهي لا تزال حاملاً، وقال: أبطلت شرطي، أبطلت طلاقي، لا ينفعه؛ وذلك لأنه علقه بشيء مستقبل، فإذا ولدت أنثى وقعت الطلقة التي علق بها.
وهكذا أيضاً إذا علقه بزمان مستقبل، كأن يقول: إذا دخل شهر ربيع الثاني فامرأتي طالق، وندم قبل انسلاخ هذا الشهر؛ لم ينفعه ندمه، بل تطلق بدخول شهر ربيع الثاني، ولو حاول إبطال الشرط، فإنه لا ينفعه إبطاله.
وكذلك إذا قال: متى قدم زيد فامرأتي طالق، ثم ندم قبل قدوم زيد، ما نفعه ندمه، بل يقع الطلاق وقت قدوم زيد.
стр. 1613
ضرورة التلفظ بالشرط المعلق في الطلاق
الشرط لابد أن يكون ملفوظاً، ثم قد يكون الشرط فعلاً، كأن يقول مثلاً: إن سافرتِ بدون محرم فأنت طالق، أو أنت طالق إن ركبت مع أجنبي.
وقد يقول: إنني أريد شرطاً ولم أتلفظ به، في هذه الحال هل ينفعه إذا قال: أنت طالق، ثم قال بعد مدة: أردت إذا سافرتِ؟ فقالت: أنت ما أسمعتني هذا الشرط، سمعتك تقول: أنت طالق، وسمعك فلان وفلان تقول: أنتِ طالق، فقال: إني أريد إذا سافرتِ بدون محرم، أو إذا خرجت بدون رضاي أو ما أشبه ذلك، وإنما قلته بقلبي، هل ينفعه ذلك؟ لا ينفعه إذا لم يتلفظ بذلك الشرط، وادعاه بعد ما وقع الفعل، بعدما وقع الطلاق لم يقبل حكماً، وأما إذا لم يسأل، وكانت هذه نيته، أو دلت على الشرط قرائن فإنه يُقبل؛ وذلك لأن هذا شيء بينه وبين الله، لا يعلم ما في قلبه إلا الله.
فإذا قال: ما طلقتها بهذا اللفظ إلا إذا فعلت هذا الفعل: إذا سمعت أغاني مثلاً، أو إذا خاطبت أجنبياً، أو إذا خرجت إلى الأسواق بدون إذني، أو إذا تبرجت وتكشفت للناس، هذه نيتي، فيقال له: أنت ما تكلمت بهذا، سمعك فلان وفلان تقول: أنتِ طالق، أو امرأتي طالق، ولم تقل: إن خرجت، ما أتيت بالشرط، فإذاً لا يُقبل منه، إلا إذا كان ذلك بينه وبين الله، ولم يسمع الطلاق منه أحد إلا امرأته.
стр. 1614
عدم صحة الطلاق المعلق وغيره إلا من زوج
قال المصنف ﵀: (لا يصح الطلاق إلا من زوج) .
قال النبي ﷺ : (إنما الطلاق لمن أخذ بالساق) يعني: الزوج، فإنه هو الذي يمسك امرأته وقت الوقاع، يمسك ساقها، ويمسك عضدها، الطلاق للزوج، فلو طلق عليه أبوه -مثلاً- لم يقع، لا يقول: امرأة ابني طالق، أو امرأة والدي طالق، أو امرأة أخي، لا يقع الطلاق إلا من الزوج.
وقد ذكرنا أن الطلاق صريح وكناية، وصريح الطلاق كقوله: أنت طالق، أنت مطلقة، قد طلقتك، وكذلك: فارقتك، وسرحتك، وما أشبه ذلك، هذا صريح.
والكناية لا يقع بها الطلاق إلا مع النية، كناية الطلاق هي اللفظ الذي ليس بصريح، مثل: اخرجي، واذهبي، وذوقي، وتجرعي، وأنت خلية، وأنت برية، وأنت بائن، وأنت حرة، وأنت حرج، ولست لي بامرأة، وحبلك على غاربك، وأمثال ذلك، فهذه محتملة، فإذا كان هناك نية أو هناك قرينة وقع الطلاق بالكناية.
стр. 1615
ما يقطع التعليق في الطلاق ؟
قال المصنف ﵀: (يقطعه فصل بتسبيح وسكوت، لا كلام منتظم) .
الضمير في (يقطعه) الشرط والاستثناء، يقطعه تسبيح وسكوت، فلو قال مثلاً: أنت طالق، سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، إن قمتِ، إن خرجتِ، بطل الشرط، ووقع الطلاق، ولا ينفعه هذا الشرط، وكذلك لو قال: أنت طالق، ثم سكت سكوتاً يمكنه أن يأتي فيه بكلام، وبعد سكوته قال: إن ركبت مع أجنبي.
لماذا لم تأتِ بالشرط ساعة ما نطقت بالطلاق؟ لا ينفعه هذا الشرط المتأخر؛ لأنه فصل بين الطلاق والشرط بالسكوت.
أما إذا كان الكلام متواصلاً فإنه والحال هذه يعتبر الشرط، ومثلوا له بقوله: أنتِ طالقة يا زانية إن قمت، كلمة (إن قمت) هذه هي الشرط، وفصل بينها بقوله: (يا زانية) ، وهكذا لو دعاها باسمها، إذا قال: أنت طالق يا بنت زيد إن خرجت بلا إذني، فهذا كلام متصل، ويعتبر الشرط، ولا تطلق إلا إذا خرجت بغير إذنه.
следующие страницы →