Полный текст (2 153 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.
стр. 1646
حكم الإشهاد وعدمه على الرجعة
الإشهاد على الرجعة مسنون، كما أن الإشهاد على العقد مسنون، وكذلك على الطلاق، ودليل الإشهاد على العقد قول النبي ﷺ : (لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل) ، وعلى الطلاق قول الله تعالى: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق:١] إلى قوله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق:٢] ، وروي أن رجلاً جاء إلى ابن عباس وقال: (إني طلقت امرأتي وراجعتها.
قال: هل أشهدت على ذلك؟ قال: لا.
فقال: طلقت لغير سنة وراجعت لغير سنة) أي: ما عملت بالسنة في الطلاق، ولا عملت بالسنة في الرجعة، قال: (طلقت لغير سنة وراجعت لغير سنة، لماذا لم تشهد؟ أشهد على رجعتها يقول تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق:٢] ) .
وهل تحصل الرجعة بغير الإشهاد؟ يقولون: تحصل؛ وذلك لأن الرجعية في حكم الزوجة، إذا طلقها مرة فإنه يبقيها في بيتها، ولا يخرجها، قال تعالى: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق:١] فلا يجوز له إخراجها، بل يتركها في بيتها، يتركها في مكانها الذي كانت تسكنه حتى تنتهي عدتها، وعليه نفقتها، وعليه كسوتها، وعليه سكناها، وهي في حكم الزوجة؛ لأنها لم تنقطع علاقتها به، ولها أن تكشف له، ولها أن تتجمل أمامه، ولها أن تعرض نفسها عليه لعله أن يراجعها إذا كانت ترغبه، وعليه أيضاً أن يقسم لها في المبيت، فيبيت عندها، ولكن إذا كان عازماً على الطلاق فلا يجامعها، فإذا جامعها حصلت الرجعة، فتحصل الرجعة بوطئها مطلقاً، حتى ولو لم يكن له نية، فإذا وطأها فإن الوطء لا يحل إلا للزوجة، وفيه دليل على أنه قد رضيها، وأنه قد قنع بمراجعتها، فيحصل بذلك تمام المراجعة، سواء نوى الرجعة بالوطء أو لم ينو.
стр. 1647
حكم القسم والنفقة للرجعية
قال المصنف ﵀: (والرجعية زوجة في غير قسم) هكذا استثنوا القسم، بعض العلماء يقول: يقسم لها؛ لأن القسم ليس الغرض منه الوطء، وإنما الغرض منه المؤانسة، ومنهم من يقول: لا قسم لها؛ لأن الأصل في القسم أنه لأجل العدل، وهذه قد انعقد سبب فراقها.
والرجعية زوجة في أنها تكشف لزوجها، وفي أنه ينفق عليها، وتبقى في بيته، وفي أنها تتجمل له رجاء مراجعته، ولو مات أحدهما لورثه الآخر، وإذا مات وهي في العدة فإنها تترك عدة الطلاق، وتنتقل إلى عدة الوفاة مع الإحداد.
стр. 1648
وقت التمكن من مراجعة الزوجة فيه
قال المصنف ﵀: (تصح رجعتها بعد طهر من حيضة ثالثة قبل غسل) يعني: إذا حاضت المرة الأولى وطهرت ولم يراجع، وحاضت المرة الثانية وطهرت ولم يراجع، وحاضت المرة الثالثة وطهرت ولم يراجع، وقبل أن تغتسل من الحيضة الثالثة بعد الطهر راجعها، صحت الرجعة، وقد ذكرنا قصة الرجل الذي دخل على زوجته بعدما أخذت ماءها وسدرها وتجردت لأجل أن تغتسل بعد طهرها من الحيضة الثالثة، فطرق عليها الباب وقال: يا فلانة! إني قد راجعتك، فقالت: إني قد طهرت من الحيضة الثالثة، فقال لها: هل اغتسلتِ؟ قالت: لا، قال: قد راجعتك، فتحاكما إلى أحد الصحابة، فأفتاهما بأنها ما دامت لم تغتسل، ولم تحل لها الصلاة، فهي في حكم الحائض، فتصح رجعتها.
وهكذا إذا طلقت مرة ثم راجعها، فيبقى له عليها طلقتان، وكذلك إذا طلقها واحدة وانتهت عدتها، ونكحها نكاحاً جديداً فإنه يبقى له عليها طلقتان.
стр. 1649
من راجع المطلقة بعقد جديد فهو على ما بقي من طلاقها
قال المصنف ﵀: (تعود بعد عدة بعقد جديد على ما بقي من طلاقها) بمعنى: أنه لو طلقها واحدة وانتهت عدتها فهو خاطب من الخطاب، أي: لها أن تقبله ولها أن ترده، فإذا قبلته فلابد من عقد جديد، ورضا وشهود، ومهر.
وتعود على ما بقي، يعني: أنها تعود على أنه ليس له عليها إلا طلقتان، ولا يقول: إني نكحتها نكاحاً جديداً فأنا أملك ثلاثاً، نقول: إنك قد أمضيت طلقة واحدة، فما بقي لك إلا طلقتان.
إذا كان طلقها طلقتين وانتهت عدتها، وخطبها وتزوجها، فكم يبقى له عليها؟ يبقى له عليها طلقة واحدة؛ وذلك لأنه قد أمضى اثنتين، ولو كان العقد جديداً، حتى ولو نكحت قبله، فلو قدر مثلاً أنه طلقها طلقتين، وتركها حتى انقضت عدتها، وتزوجت من غيره وطُلقت، فهذا الزوج الثاني لا يهدم الطلقتين من الأول، فالزوج الأول إذا نكحها بعده لا تعود على ثلاث، وإذا نكحها زوجها لم يبق له عليها إلا واحدة؛ وذلك لأن النكاح الثاني ليس شرطاً في حلها له، هي تحل له ولو لم ينكحها غيره، إنما الذي يهدم هو إذا طلقها ثلاثاً، ثم تزوجت وطلقت، ثم تزوجها الزوج الأول، ففي هذه الحال تنهدم الطلقات الثلاث، وصار يملك ثلاث طلقات أخرى، نكاح الزوج الثاني لها إذا كان الأول قد طلقها طلقة واحدة فإنه لا يهدمها، وكذا إذا كان الأول قد طلقها طلقتين لا يهدمها نكاح الثاني، وإنما يهدم الثلاث.
فهذا معنى قوله: (تعود بعد عدة بعقد جديد، على ما بقي من طلاقها) إذا كان بقي طلقة أو بقي طلقتان لا يملك غيرهما.
стр. 1650
حكم قبول من ادعت انقضاء عدتها
قال المصنف ﵀: (ومن ادعت انقضاء عدتها وأمكن قبل، لا في شهر بحيض إلا ببينة) ذُكِر أن رجلاً طلق امرأته، وبعدما أتمت شهراً رجعت إلى علي ﵁ وقالت: إني قد انقضت عدتي في شهر واحد، فسأل شريحاً: هل يمكن؟ فقال: إن جاءت ببينة من صالحي أهلها تشهد بذلك، وإلا فهي كاذبة، فإذا ادعت انقضاء عدتها في شهر واحد فهي كاذبة؛ إلا إذا جاءت ببينة، وأما إذا كان الزمن ممكناً فإنه يقبل بلا بينة؛ وذلك لأنها مؤتمنة على نفسها، والله تعالى يقول: ﴿وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [البقرة:٢٢٨] فهي مأمونة على ما في رحمها من الحمل أو الحيض.
وأما قصة علي وتلك المرأة فقال العلماء: يمكن وقوعها إذا اعتبرنا أقل الحيض وأقل الطهر، فيمكن أنها بعدما طلقها الزوج حاضت في اليوم الثاني من وقت طلاقها، ولم تبق إلا يوماً، وهو أقل الحيض، ثم طهرت في اليوم الثاني من حيضها، ولما طهرت حسبنا هذه حيضة ثم بقيت ثلاثة عشر يوماً وهي طاهر، ثم حاضت الحيضة الثانية، ولما مضى عليها يوم طهرت في اليوم الثاني، فهنا مضى عليها حيضتان في ستة عشر يوماً، ثم طهرت الطهر الثاني ثلاثة عشر يوماً، ففي اليوم التاسع والعشرين حاضت الحيضة الثالثة، وطهرت في اليوم الثلاثين أو في اليوم الواحد والثلاثين، فهي حاضت في اليوم الأول، وفي اليوم الخامس عشر، وفي اليوم التاسع والعشرين، في شهر واحد حاضت ثلاث حيضات، وبينهما طهران، فتقبل إذا جاءت ببينة، ولكن هذا شيء نادر، يعني: قليل أن توجد امرأة يكون حيضها يوماً واحداً وطهرها ثلاثة عشر أو أربعة عشر يوماً، غالب النساء تحيض وتطهر في شهر، غالب حيضها ستة أيام أو سبعة أيام، وغالب طهرها ثلاثة وعشرون أو أربعة وعشرون يوماً، هذه عادة النساء.
فعلى هذا العادة لا تنقضي عدتها إلا في ثلاثة أشهر، فلو انقضت عدتها في شهرين وأمكن ذلك قبل منها؛ لأن هذا شيء لا يعرف إلا من قبلها، وأما في شهر فلا يقبل إلا ببينة.
стр. 1651
متى يجوز نكاح المطلقة ثلاثاً ؟
قال المصنف ﵀: (إذا طلق الحر ثلاثاً أو العبد اثنتين لم تحل له حتى يطأها زوج غيره في قبل بنكاح صحيح، مع انتشار، ويكفي تغييب حشفة ولو لم ينزل، ولو لم يبلغ عشراً، لا في حيض أو نفاس أو إحرام أو صوم فرض أو ردة) ذكرنا أن أهل الجاهلية كانوا يطلقون بدون عدد، يطلقها وإذا شارفت على انقضاء العدة راجعها، ثم يطلقها ثانية، وإذا شارفت على انقضاء العدة راجعها، ثم الثالثة والرابعة والخامسة وهكذا، ولو إلى عشر أو عشرين، فجاء الإسلام بتحديد الثلاث، وأنها بعد الثالثة تحرم عليه، ولا تحل له إلا بعد أن تنكح زوجاً غيره، قال تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة:٢٢٩] يعني: الطلاق الرجعي، وقال: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة:٢٢٨] أي: بعد الطلقتين، ثم قال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ [البقرة:٢٣٠] يعني: الثالثة: ﴿فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة:٢٣٠] ، فإذا طلقها الحر ثلاثاً حرمت عليه حتى تنكح زوجاً غيره، وإذا طلق العبد اثنتين لم تحل له حتى تنكح زوجاً غيره، ولابد في ذلك الزوج أن يطأها، ولا يكفي العقد، فلو عقد عليها ولم يدخل بها وطلقها ما حلت للأول، وفسروا قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة:٢٣٠] بأن النكاح هو الوطء.
وفي ذلك قصة امرأة رفاعة، جاءت إلى رسول الله ﷺ وقالت: (إن رفاعة طلقني وبت طلاقي، وإني تزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير، وإنما معه مثل هدبة الثوب، فقال ﷺ : أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟! لا، حتى تذوقي عسيلته، ويذوق عسيلتك) وعبر بالعسيلة عن الوطء، أي: لذة الوطء، فلا يكون هناك رجعة إلى الزوج الأول، ولا تحل له؛ حتى يذوق الثاني عسيلتها، بمعنى: يطؤها زوج غيره، فلو وطئها في الدبر ما حلت للأول، لابد أن يكون في القُبُل، ولو وطئها في نكاح فاسد لم يكفِ، كما لو تزوجها بغير شهود، أو زوجته بنفسها، فإن هذا أيضاً لا يكفي، حتى ولو دخل بها، ولو بقي عندها مدة؛ لأنا نحكم بأنه نكاح فاسد، لابد أن يكون النكاح الثاني نكاحاً صحيحاً كامل الشروط.
وقوله: (مع انتشار) الانتشار: هو الإنعاظ، أي: قيام الذكر، فلا يكفي أن يباشرها بدون انتشار، ويقول: إني قد جامعتها وأنزلت؛ لأن مجرد المماسة والمباشرة لا تسمى جماعاً.
قوله: (ويكفي تغييب حشفة) يعني: يكفي في الوطء الذي يوجب الغسل تغييب الحشفة في الفرج، أي: تغييب رأس الذكر، تغييب المدورة ولو لم ينزل، فإذا أولج رأس الذكر ولو لم ينزل، واعترف بذلك، واعترفت هي، فإنها تحل للأول إذا طلقها.
ولو كان الزوج الثاني صغيراً دون عشر، يعني تزوجها وعمره تسع سنوات وعشرة أشهر، ولكن يتصور منه الانتشار، ويتصور منه الشهوة، ودخل بها، وأولج فيها رأس ذكره، وطلقها بعد ذلك أو طلقت عليه؛ حلت للزوج الأول.
واستثنوا إذا وطئها وهي حائض، فإن هذا وطء فاسد وحرام، لا يحللها للأول، وكذلك وهي نفساء ثم، بأن طلقها زوجها الأول ثلاثاً، وكانت حاملاً فولدت وانقضت عدتها، وتزوجت زوجاً آخر وهي في النفاس، ودخل بها ووطئها وهي نفساء، ثم طلقها بعده فهل هذا الوطء يبيحها للأول؟ لا يبيحها.
أو وطئها وهي محرمة، وحرام وطء المحرمة، ويجب عليها أو عليه إذا كانا محرمين فدية، حتى لو وطئها بعد التحلل الأول، فإذا أحرم بحج وتحلل، بأن رمى وحلق وبقي عليه الطواف، ووطئ، فإن هذا الوطء محرم؛ لأنه لم يتحلل، فلا يحلها لزوجها الأول لو طلقها بعده.
أو وطئها وهي صائمة في رمضان أو صوم قضاء، فلا يحل له أن يطأها في صيام الفرض، فهذا الوطء لا يحللها لزوجها الأول.
أو في ردة، فالمرتدة لا يصلح أن تكون زوجة للمسلم؛ لأن الردة تفرق بينهما، قال تعالى: ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة:١٠] ، وهذه قد كفرت، فإذا تزوجت وهي كافرة مرتدة، ودخل بها الزوج، ثم أسلمت وعادت إلى الإسلام، فهل هذا الوطء يبيحها لزوجها الأول المسلم؟ لا يبيحها؛ وذلك لأنه وطء محرم في حالة لا يبيحها الشرع، لا يبيح لها أن تتزوج مرتداً، ولا يبيح للمسلم أن يتزوج مرتدة.
стр. 1652
حرمة نكاح التحليل
يشترط أن يكون النكاح الثاني نكاح رغبة، وهذا لابد منه، لا نكاح تحليل، سواء اتفق مع الزوج الأول، أو اتفق مع المرأة، فلا يباح أن يتزوجها ليحللها؛ وذلك لأنه ورد لعن المحلل في عدة أحاديث، ذكرها ابن كثير في تفسير هذا الآية: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة:٢٣٠] فالزوج الثاني لابد أن يتزوجها على أنها زوجة، لا على أنه يحللها للأول، والأحاديث التي وردت بلفظ اللعن كثيرة، منها: قوله ﷺ : (لعن الله المحِلل، والمُحَلل له) فالمحِلل هو الذي يتزوجها إذا طلقت ثلاثاً، ثم يطلقها ويقول: أحللها لزوجها الأول أحسن إليه، فإنه يريدها وهي تريده، وكل منهما يرغب في العودة، وهذا قد طلقها ثلاثاً، فأنا أحسن إليهما، فإذا دخلت عليها وجامعتها طلقتها حتى تحل للأول، هذا هو المحِلل.
والمحلل له: هو الذي يستأجره، كأن يقول: أنا قد حرمت علي زوجتي حيث طلقتها ثلاثاً، وأريدها وتريدني، وهي أم أولادي، ولا تحل لي إلا بعد زوج، فأريد منك أن تتزوجها، وأن تدخل بها، وأن تطلقها بعد ليلة أو بعد ليلتين، وأنا أدفع لك كل ما تخسره من مهر وغيره، أنا أعطيكه، ولكن بشرط: أن تدخل بها ثم إذا أصبحت فإنك تطلقها، ولا تبقها معك، يستأجره ويستعيره؛ ولذلك يسمى المحَلل: التيس المستعار، والتيس ذكر المعز، فالذين ليس عندهم فحل يستعيرون تيساً لينزو على غنمهم.
فيما سبق دليل على تحريم تحليل المرأة إذا طلقت ثلاثاً وحرمت على زوجها، وإنما ينكحها برغبة وإرادة منه ومحبة لأجل أن تكون زوجة، ثم بعد ذلك يقع منه كراهية لها فيطلقها فتحل للأول، أما إذا كان لا رغبة له في البقاء معها، وإنما يريد أن تحل للأول فإنها لا تحل، ويكون الوعيد الشديد عليه وعليها وعلى زوجها الذي استأجره لذلك.
وأما إذا كانت المرأة تريد أن ترجع إلى زوجها، فهذا ليس باختيار أحد الزوجين، فلو أنها ندمت على زوجها، ثم خطبها إنسان وعقد عليها ودخل بها، ولما دخل بها بعد يوم أو بعد يومين نفرت منه ونشزت، وأثارت البغض والكراهية، وقالت: لا أريدك، ولا أرغب في البقاء معك، ولست صالحاً للزوجية، وما قصدها إلا أن يفارقها حتى تحل للأول، ولو دفعت إليه ما دفع إليها، فإن هذا مكروه، ومع ذلك لم يذكروا أنها تحرم على الأول.
стр. 1653
أحكام الإيلاء
قال المصنف ﵀: [فصل: والإيلاء حرامٌ، وهو حلف زوجٍ عاقلٍ يمكنه الوطء، بالله أو صفةٍ من صفاته على ترك وطء زوجته الممكن في قُبلٍ أبداً أو مطلقاً أو فوق أربعة أشهرٍ، فمتى مضى أربعة أشهرٍ من يمينه ولم يجامع فيها بلا عذرٍ أمر به، فإن أبى أمر بالطلاق، فإن امتنع طَلق عليه حاكمٌ.
ويجب بوطئه كفارة يمينٍ، وتارك الوطء ضرراً بلا عذرٍ كمؤلٍ] .
هذا الفصل يتعلق بالإيلاء المذكور في قول الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٢٦-٢٢٧] .
الإيلاء: هو الحلف، فإذا حلف رجل على ترك وطء زوجته سمي مولياً، والإيلاء حرام؛ لأن الله أنكره، ولكن إذا فاءوا غفر الله لهم ذلك الحلف، فإذا حلف الزوج العاقل الذي يقدر على الوطء، حلف بالله أو بالرحمن أو بعزة الله أو بصفة من صفاته، حلف وقال: والله! لا أطأ هذه الزوجة، مع أنه يمكنه وطؤها في القبل، فقال: والله! لا أطؤها أبداً، أو والله! لا أطؤها، أو والله! لا أطؤها خمسة أشهر أو نصف سنة أو سنوات؛ فيسمى هذا: إيلاءً، فأما إذا حدد ترك الوطء بشهر، فقال: والله! لا أطؤها شهراً أو شهرين أو ثلاثة أشهر أو ثلاثة وعشرين يوماً، فلا يسمى هذا إيلاءً، إلا إذا زاد على أربعة أشهر.
وكذلك إذا كان الزوج مجبوباً لا يمكنه الوطء، فحلف أنه لا يطؤها، فلا يسمى هذا: إيلاءً؛ لأنه ليس له آلة يطأ بها.
وكذلك إذا كان الحلف بغير الله، إذا حلف بمخلوق، كأن يحلف بالولي أو بالنبي أو بالسيد فلان، فهذا حلف بغير الله، ولا تنعقد يمينه، ولكن عليه الكفارة.
وإذا كانت الزوجة لا يمكن وطؤها بأن كانت مثلاً رتقاء، أو بها ما يمنع الوطء من العفل ونحوه من العيوب التي تقدمت في النكاح، فإذا حلف أنه لا يطؤها يعني: الوطء العادي الذي تعلق منه بولد، فإن هذا لا يسمى إيلاءً؛ لأنه لا يقدر على وطئها لعدم تمكنه.
كذلك لو حلف غير الزوج وقال: والله! لا أطأ فلانة، وهي أجنبية، فلا يسمى هذا إيلاءً.
وهكذا لو حلف المجنون، وكان له زوجة، فالمجنون مرفوع عنه قلم التكليف فلا تنعقد يمينه.
وأما إذا حلف على عدم وطئها في غير القبل فإنه لا يسمى إيلاءً، إذا حلف لها أو لأهلها إذا كان متهماً بالوطء في الدبر، فحلف وقال: والله لا أطؤها في الدبر أبداً.
فإن هذا ليس بإيلاء؛ لأنه التزم ألا يفعل الحرام؛ لأن الوطء في الدبر محرم، ولو وطئها في الدبر وقد حلف، عليه كفارة يمين، وعليه التوبة إلى الله من ذلك.
فإذا حلف ولم يحدد مدة، أو كانت المدة فوق أربعة أشهر، أو قال: والله! لا أطؤها حتى تقوم الساعة، أو والله لا أطؤها حتى تطلع الشمس من مغربها، أو: والله لا أطؤها حتى ينزل عيسى ابن مريم، يعني: مدة يغلب أنها تطول، فهذا أيضاً قد آلى من زوجته.
стр. 1654
حكم سكوت المرأة عن إيلاء الزوج
إذا حصل الإيلاء وسكتت الزوجة، ولم تطلب الوطء، فالحق لها، وأما إذا طالبت فإن الحاكم يخيره، يقول له: إما أن ترجع، وإما أن تطلق، يلزمك أحد الأمرين، مضت أربعة أشهر، والله تعالى يقول: ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾ [البقرة:٢٢٦] يعني: رجعوا عن ترك الوطء: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة:٢٢٦] يغفر لك ذنبك، ويغفر لك ما حلفت عليه من ترك الوطء، وعليك الكفارة، ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٢٧] إذا قال: أنا لا أريدها، قيل له: إما أن ترجع عن يمينك وتطأ، وإما أن تطلق، فأما بقاؤها معلقة فذلك لا يجوز.
قرأنا قبل قليل قول الله تعالى: ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء:١٢٩] أي: لا أيماً ولا ذات زوج، وقول الله تعالى: ﴿وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا﴾ [البقرة:٢٣١] أي: مضارة بها.
لو سخط عليها وقال: لا حاجة لي في وطئها، وصد عنها، وترك وطأها، ففي هذه الحال يعتبر قد أضر بها، وإن لم يكن مولياً، فمتى مضت أربعة أشهر ولم يجامع، ولم يكن له عذر؛ أمره الحاكم بالجماع أو بالطلاق، يقول له: إما أن تجامع وإما أن تطلق، فإذا أبى كلفه أن يطلق، فإذا امتنع طلق عليه الحاكم، ويسمى طلاق الحاكم: فسخاً، فيقول: إما أن تطلقها وإما أن تفيء وتجامعها، وإلا فسخنا نكاحها، لا نقرها ولا نقرك على هذه المضارة.
стр. 1655
كيفية الفيء في الإيلاء
إذا أراد المؤلي أن يفيء فكيف يفيء؟ الفيئة تكون بكفارة يمين؛ لأنه حلف بالله أو حلف بالرحمن أو حلف بذات الله أو باسمه العزيز أو برب العالمين أو بمالك يوم الدين، حلف أنه لا يطأ امرأته، فإذا أراد ترك اليمين والوطء فاليمين لها كفارة ذكرها الله تعالى في قوله: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة:٨٩] إلى آخر الآية، وهذا قد عقد اليمين، فعليه كفارة اليمين، فإذا عزم على ترك ما حلف عليه ألزم بذلك.
стр. 1656
حكم تارك الوطء إضراراً بالزوجة دون عذر
قال المصنف ﵀: (وتارك الوطء ضراراً بلا عذر كمؤلٍ) .
بعض الأزواج قد يغضب على زوجته، فإذا كان له زوجتان مثلاً فغضب على إحداهما، ترك مضاجعتها، وترك وطأها، والاستمتاع بها، ومضى على ذلك شهر وشهران وأشهر، فما حكم هذا الترك؟ لا شك أنه إضرار، والله تعالى يقول: ﴿وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا﴾ [البقرة:٢٣١] ، ويقول: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق:٢] وهذا ما أمسكها بمعروف، بل أضر بها، حيث لم يعطها حقها.
في هذه الحال إذا طلبت حقها فلها أن ترفع أمره إلى الحاكم، والحاكم يقول له: إما أن تطأها وإما أن تطلق، وإما أن نطلق عليك إذا امتنعت، فإذا أراد الرجوع لا كفارة عليه؛ لأنه ما حلف، إنما ترك الوطء بغير يمين، ولكن يحدد لها لمدة، والمدة هي أربعة أشهر؛ لأنها المدة التي يمكن للمرأة أن تتحمل غيبة زوجها فيها.
стр. 1657
مدة تحمل المرأة غياب زوجها عنها
ذكر ابن كثير عند تفسير آية الوفاة: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة:٢٣٤] أن هذه المدة هي التي يمكن للمرأة أن تصبر عن زوجها إذا غاب عنها، وذكر أن عمر ﵁ كان مرة يعس في المدينة، فسمع امرأة غاب عنها زوجها، وكان في الجهاد، وهي قد اشتاقت إليه، سمعها وهي تقول: تطاول هذا الليل وازور جانبه وأرقني ألا خليل ألاعبه ألاعبه طوراً وطوراً كأنما بدا قمراً في ظلمة الليل حاجبه فوالله لولا الله لا شيء غيره لحركت من هذا السرير جوانبه مخافة الله والحياء يصدني وإكرام بعلي أن تنال مراتبه فعلم أمير المؤمنين أنها قد اشتاقت إلى زوجها، فسأل ابنته: كم تصبر المرأة عن الزوج عادة؟ قالت: أربعة أشهر إلى ستة أشهر، فأمر أمراء الغزو ألا يتركوا الإنسان يغيب عن أهله أكثر من ستة أشهر، فلأجل ذلك حدد الله مدة الإيلاء بأربعة أشهر؛ لأن هذا هو الذي يمكن للمرأة أن تتحمله، لكن إذا صبرت أكثر من ذلك فلها ذلك، وأنتم تشاهدون هؤلاء العمال الذين يأتون ويتركون زوجاتهم، يغيب أحدهم سنتين، وربما أكثر، ففي هذه الحالة نقول: إذا سمحت الزوجة بهذا المقدار الذي هو سنتان فلها ذلك، وإذا لم تسمح فإما أن يذهب إليها وإما أن يطلق، والعادة أنها تصبر؛ لأنه ما ذهب إلا لأجل طلب الرزق.
ويوجد بعض النساء لا يرغبها زوجها، ولكنها ترغب في البقاء معه، فهو يخيرها ويقول لها: أنا لا أريدكِ كزوجة، ولا أرغب مجامعتكِ، فلك الخيار: إما أن تبقي ولا تطالبينني بالقسم، وتبقي مع أولادك في بيتك، كلي واشربي ونامي وامكثي مع أولادك، وإما الطلاق واخرجي وتزوجي إذا شئت.
فإذا آثرت البقاء، وأسقطت حقها؛ فلها ذلك، وفي ذلك نزل قول الله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ [النساء:١٢٨] خافت أن ينشز عنها أو يعرض أو يطلق: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ [النساء:١٢٨] تقول: نصطلح على أني أسقط حقي من القسم، وأسقط حقي من الوطء، وأرغب في البقاء في عصمتك حتى أبقى مع ولدي، فلها ذلك.
стр. 1658
شرح أخصر المختصرات [٦٩]
الظهار من عادات الجاهلية التي أبطلها الإسلام، ورتب العقوبة على من فعله، وقد أمر الله بالابتعاد عنه، ووصفه بأنه زور ومنكر، وأوجب الكفارة على من ظاهر من زوجته، فعلى المسلم أن يبتعد عنه وعن جميع العادات الجاهلية.
ومن الأمور التي بينت الشريعة أحكامها: اللعان، وهو أن يقذف الزوج زوجته بالزنا وهي منكرة لا تقر، فيتلاعنان، والكاذب منهما معرض لعذاب الله، وقد بين الفقهاء أحكام اللعان وشروطه وما يتعلق بذلك.
стр. 1659
الظهار
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فصل: والظهار محرمٌ، وهو أن يشبه زوجته أو بعضها بمن تحرم عليه أو بعضها، أو برجل مطلقًا، لا بشعر وسن وظفر وريقٍ ونحوها.
وإن قالته لزوجها فليس بظهار، وعليها كفارته بوطئها مطاوعةً.
ويصح ممن يصح طلاقه.
ويحرم عليهما وطءٌ ودواعيه قبل كفارته، وهي عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً.
ويكفر كافرٌ بمالٍ وعبدٌ بالصوم، وشرط في رقبة كفارة ونذر عتق مطلق إسلامٌ، وسلامةٌ من عيب مضر بالعمل ضررًا بينًا.
ولا يجزئ التكفير إلا بما يجزئ فطرةً، ويجزئ من البر مد لكل مسكينٍ ومن غيره مدان.
فصل: ويجوز اللعان بين زوجين بالغين عاقلين لإسقاط الحد، فمن قذف زوجته بالزنا لفظًا وكذبته فله لعانها بأن يقول أربعًا: أشهد بالله إني لصادقٌ فيما رميتها به من الزنا.
وفي الخامسة: وأن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين.
ثم تقول هي أربعًا: أشهد بالله إنه لكاذبٌ فيما رماني به من الزنا.
وفي الخامسة: وأن غضب الله عليها إن كان من الصادقين.
فإذا تم سقط الحد، وثبتت الفرقة المؤبدة، وينتفي الولد بنفيه.
ومن أتت زوجته بولدٍ بعد نصف سنةٍ منذ أمكن اجتماعه بها، أو لدون أربع سنين منذ أبانها ولو ابن عشرٍ، لحقه نسبه، ولا يُحكم ببلوغه مع شك فيه.
ومن أعتق أو باع من أقر بوطئها، فولدت لدون نصف سنةٍ لحقه، والبيع باطلٌ] .
стр. 1660
معنى الظهار
من عادات أهل الجاهلية ألفاظ يتكلمون بها، يعبرون بها عن تحريم الزوجة أو تحريم الأمة أو ما أشبه ذلك، ولما جاء الإسلام نهى عن تلك الألفاظ وتلك الكلمات الجاهلية، ومن ذلك الظهار، والظهار مشتق من الظهر؛ لأن الأصل فيه تشبيه الزوجة بظهر الأم، وذلك لأن الظهر في الدابة هو الذي يركب، فشبه ركوب الزوجة بركوب الدابة في ظهرها، وشبهها بظهر الأم.
وقد كان أهل الجاهلية يحرمون نكاح المحارم التي جاء الشرع بتحريمهن كنكاح الأم والبنت والأخت والعمة والخالة وبنت الأخ وبنت الأخت، لكنهم كانوا يبيحون نكاح زوجة الأب، فإذا مات الأب ينكحها أحد أبنائه من غيرها، وكذلك كانوا يبيحون الجمع بين الأختين، ويبيحون أكثر من أربع، فقد يجمع الرجل بين خمس وعشر وثمان ونحو ذلك، فلما جاء الإسلام قصرهم بالنكاح على أربع، وحرم المحرمات التي يحرم نكاحهن إما لرضاع أو لقرابة أو لمصاهرة، وأبطل تلك العادات الجاهلية، والتي منها مسألة الظهار.
أنزل الله تعالى في حكم الظهار أول سورة المجادلة.
وسبب نزولها أن صحابياً -اسمه أوس بن الصامت - غضب على امرأة له يقال لها: خولة، ويصغرون اسمها فيقولون خويلة، فلما غضب عليها قال: أنت علي كظهر أمي.
وكان لها أولاد منه، ويشق عليها أن تفارق أولادها، فجاءت إلى النبي ﷺ تسأله، وتظهر الشكاية إلى الله، وتقول: إني تزوجته ونثرت له ما في بطني، ولي منه صبية صغار، إن ضممتهم إلي جاعوا، وإن تركتهم عنده ضاعوا، فكان النبي ﷺ يقول فيما بينه وبينها: (ما أظنكِ إلا قد حرمتِ عليه) ؛ وذلك لأن الظهار في الجاهلية فراق وتحريم؛ لأنه شبهها بمن هي محرمة عليه إلى الأبد، وهي الأم، فكان في ذلك تحريماً ظاهراً.
فأخذت تردد وتقول: إلى الله المشتكى، أشكوا إلى الله ضعفي، وكأنها تسأل الله تعالى أن ينزل فيها ما يكون سبباً لرجوعها إلى زوجها، ويجعل لها فرجاً ومخرجاً، فبينما هي جالسة عنده نزلت سورة المجادلة، تقول عائشة ﵂: سبحان من وسع سمعه الأصوات! لقد جاءت المجادلة إلى رسول الله ﷺ تسأله، وإني لفي جانب الحجرة، ويخفى عليَّ بعض كلامها، قال الله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة:١] ، فهذا خبر من الله تعالى أنه سمع شكواها وسمع تحاورها مع النبي ﷺ .
стр. 1661
الدليل على تحريم الظهار
ذكر الله حكم هذا العمل الذي هو تشبيه الزوجة بظهر الأم، وهو أن يقول لزوجته: أنت علي كظهر أمي.
ويسمي هذا الفعل ظهاراً.
ثم إن العلماء ﵏ أخذوا من هذه الآيات أحكام الظهار، وأنه محرم، والدليل على تحريمه قوله في الآية الثانية: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ [المجادلة:٢] فإذا قال: أنتِ علي كأمي، أو أنت علي كظهر أمي، فإنه كاذب، فليست أمه، وليست مثل أمه، ولا يقال: إن لها حكم أمه، فأمه في الحقيقة هي التي ولدته، وأما هذه فإنها لم تلده، وقال تعالى في سورة الأحزاب: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [الأحزاب:٤] أي: ليست أزواجكم أمهات إذا ظاهرتم منهن، فلا تكون الزوجة أماً، ولا تكون شبيهة بالأم، وإنما هي امرأة أجنبية، عقد عليها هذا الرجل، وأصبحت زوجة له حلالاً له، بخلاف أمه، فإنها محرمة عليه تحريماً مؤبداً، ولا تحل له بحال، والله تعالى أحل نكاح الزوجات، فعلى هذا بين الله تعالى أنها ليست أماً، ولو شبهها بالأم، ثم أخبر بأنه منكر ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجادلة:٢] والزور: هو الكذب، والمنكر: ضد المعروف، يعني: أنهم يتكلمون بهذه الكلمة وهي كلمة منكرة، ولأجل ذلك يعدون الظهار من المنكرات ومن الكذب، ويعده بعضهم من كبائر الذنوب؛ لأن عليه الكفارة، وكل ذنب يحتاج إلى كفارة فإنه من كبائر الذنوب، فدل على أنه من المحرمات، وقد نص العلماء على ذلك.
стр. 1662
حكم التشبيه بغير ظهر الأم
كان أهل الجاهلية إنما يحرمون بظهر الأم، لكن الحكم أعم من ذلك، فمن شبه ببطن أمه فالبطن كالظهر، فإذا قال لزوجته: أنت علي كبطن أمي، أو كفرج أمي، أو كيد أمي، أو كرأس أمي.
وقصد بذلك تحريمها، فإنه يكون مظاهراً، وأما إذا قال: أنت علي كأمي، أو أنت مني كأمي.
وقصد بذلك المودة، فلا يكون ذلك تحريماً.
وهكذا لو دعاها: يا أمي! ويريد بذلك الشفقة، يعني: أنه يشفق عليها كما يشفق على أمه ويرحمها ويودها كما يود أمه، فإن ذلك مما يكون من أسباب المودة ولا يكون ظهاراً، وهكذا لو ناداها بقوله: يا أمي! لا يكون هذا ظهاراً، إلا إذا عرف من قصده أنه يحرمها عليه، فيشبهها بأمه التي يحرم عليه نكاحها، فيكون بذلك مظاهراً.
стр. 1663
حكم تشبيه الزوجة بغير الأم من المحارم وبالرجال
وألحق العلماء غير الأم من المحارم بها، أي: كل امرأة تحرم عليه بنسب أو سبب مباشر تحريماً مؤبداً، فإنه إذا شبه زوجته بها صدق عليه أنه مظاهر، وأن عليه كفارة الظهار، وهكذا -أيضاً- لو شبه بعض زوجته بمن تحرم عليه، فلو قال -مثلاً-: وطؤك علي كأمي، أو فرجك علي كفرج أمي، أو بطنك أو ظهرك أو رأسك أو يدك أو رجلك كأمي، أو كبطن أمي، أو كرجل أمي أو كرأس أمي، صدق عليه أنه مظاهر.
وهكذا غير الأم، إذا قال: أنت علي كظهر أختي، أو كبطن أختي، أو كأختي، أو كظهر عمتي أو خالتي أو ابنتي، أياً كان من أقاربه، فإن هذا يكون ظهاراً.
وهكذا -أيضاً- إذا شبهها برجل، إذا قال: أنت علي كأبي، أو كابني، أو كظهر ابني أو ظهر أخي، أو شبهها برجل أجنبي، فقال: أنت علي كزيد أو كسعد، وهو لا يحل له نكاح رجل، فإذا شبهها برجل صدق عليه أنه مظاهر.
стр. 1664
حكم تشبيه الزوجة بما ينفصل كالشعر والظفر من محارمه
وأما إذا شبهها بشيء منفصل فلا يسمى مظاهراً، إذا قال: أنت علي كشعر أمي.
والشعر نعلم أنه قد ينفصل، وأنه لا يسمى منكوحاً ولا يتلذذ به، وكذلك السن، إذا قال: أنت علي كسن أو كأسنان أمي، والأسنان -أيضاً- تنفصل وتنقلع، فلا يكون ذلك ظهاراً، وكذلك الظفر والريق واللعاب وما أشبهه، وهكذا الثياب، مثل: أنت علي كثياب أمي أو كثياب أختي، أو كريقها، أو كلعابها، أو أظفارها أو نحو ذلك، لا يصير هذا ظهاراً.
وهكذا لو شبه أجزاءً من زوجته تنفصل بمن تحرم عليه، فإذا قال: سنك أو شعرك علي كظهر أمي.
فلا يكون مظاهراً.
стр. 1665
حكم ظهار المرأة من زوجها
الظهار في الأصل يكون من الرجل، ولكن هل يكون من المرأة إذا قالته؟ في ذلك خلاف، يقول المؤلف هاهنا: وإن قالته لزوجها فليس بظهار، ومع ذلك عليها كفارته إذا وطئها مطاوعة.
لذكر عن امرأة من أولاد الصحابة اسمها عائشة بنت طلحة بن عبيد الله، قيل لها: إن مصعب بن الزبير يريد أن يتزوجك.
فقالت: هو علي كظهر أبي.
ثم قدر بعد ذلك أن تزوجها، ولما تزوجها وكانت قد ظاهرت أعتقت عبداً، كفارة لتلك الكلمة، وكأنها سألت من أفتاها بأن هذا وإن لم يكن ظهاراً فإن فيه كفارة الظهار؛ وذلك لأنه شبيه بظهار الرجل.
ولا شك أنه محرم، فكما أن ظهار الرجل من امرأته محرم فكذلك المرأة، وإذا حرمت زوجها فلا يجوز لها أن تمنعه من نفسها؛ لأن الحق له بالزوجية، فإذا قالت: أنت علي كأبي أو كأخي أو كابني، أو كظهر ابني أو نحو ذلك، ثم طلبها لنفسه ليستمتع بها، فلا تمنع نفسها.
ومن العلماء من يقول: عليها كفارة يمين كسائر المحرمات، فإن كل من حرم شيئاً من المباحات فإنما عليه كفارة يمين، حتى إذا كان للإنسان أمة ينكحها ثم حرمها لم تحرم، ولكن عليه كفارة يمين، واستدل بآية التحريم وهي قوله تعالى: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم:١] إلى قوله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم:٢] قيل في سبب نزولها: إن النبي ﷺ كان يدخل على زينب وتسقيه عسلاً، فحسدتها بعض زوجات النبي ﷺ ، وهما حفصة وعائشة فأرادتا أن يمتنع من شربه، فدخل على إحداهما فقالت: أكلت مغافير! قال: إنما شربت عسلاً عند زينب.
فقالت: جرست نحله العرفط.
يعني: أكلت نحله من شجر العرفط الذي له رائحة، ثم دخل على الأخرى فقالت مثل ذلك، فعند ذلك قال: هو علي حرام، فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ﴾ [التحريم:١] .
وقيل: إن سبب نزولها تحريم أمته مارية القبطية، لما وطئها في بيت إحدى زوجاته فأنكرت عليه ذلك، وقالت: في بيتي وعلى فراشي! فقال: (إذاً هي علي حرام) فأنزل الله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم:٢] تحلة الأيمان: يعني كفارة الأيمان، فجعل في هذا اليمين كفارة، فإذا قال: هذه الأمة علي حرام، فعليه كفارة يمين، هذا هو الصحيح.
وكذلك إذا قال: هذا الطعام أو هذا الشراب علي حرام.
لا يكون حراماً، وإنما يكون فيه كفارة يمين، بخلاف تحريم الزوجة الذي يسمى ظهاراً، إذا حرم زوجته ولم يشبهها بأمه أو بغيرها، بل قال: أنت علي حرام، ففعليه كفارة الظهار؛ لأن هذا شبيه بما إذا قال: نكاحكِ علي محرم كنكاح أمي أو أختي أو ابنتي.
فيكون بذلك مظاهراً، وهكذا إذا قال: أنتِ علي حرام.
عليه كفارة الظهار، هذا هو القول الصحيح.
стр. 1666
ممن يصح الظهار
ممن يصح الظهار؟ يصح من الزوج العاقل المكلف، الذي يعرف حكمه الذي يترتب عليه، وقد تقدم في كتاب الطلاق أن الطلاق لا يصح إلا من زوج ولو مميزاً، ولابد أن يكون ممن يعقله، فكذلك الظهار يصح ممن يصح طلاقه، وهو الزوج، فلا يظاهر غير زوجته.
ولا يحرم زوجة الرجل عليه غيره، فلو قال الوالد لولده: زوجتك عليك حرام، أو زوجتك عليك كظهر أمك.
فهل يكون هذا ظهاراً؟ لا يكون ظهاراً؛ لأنه ليس من الزوج، ولو قال الأب لابنه أو الابن لأبيه: زوْجتَك عليك حرام كظهر أمك.
لم يكن هذا مظاهراً؛ لأنه لا يملك تطليق زوجة ابنه ولا زوجة أبيه.
стр. 1667
ما يحرم على المظاهر قبل الكفارة
إذا ظاهر من امرأته فهل يطؤها؟ لا يطؤها حتى يكفر، وكذلك لا يجوز له أن يقبلها، ولا أن يباشرها، ولا يضمها، ولا غير ذلك حتى يكفر، والدليل قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة:٣] والتماس: هو الوطء ومقدمات الوطء، فلا يقربها حتى يفعل ما أمره الله به، وقد ذكر الله عقب أمره بالعتق، وعقب أمره بالصيام (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا) ، والصيام تطول مدته، فإذا اختار أن يصوم شهرين متتابعين ففي هذه الحال يتجنبها إلى أن ينتهي من الصيام.
وهكذا -أيضاً- إذا اختار الإطعام، فلا يقربها حتى يطعم ستين مسكيناً، ولو لم يذكر المسيس في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة:٤] فلم يذكر (من قبل أن يتماسا) ولكنه مراد، فإذا كان الصيام مع طول مدته ذكر فيه (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا) ، فكذلك الإطعام لقلة زمنه، ولأنه قد يطعمهم في يوم واحد أو يومين.
هذا معنى قول المصنف: يحرم وطء ودواعيه عليهما قبل الكفارة.
стр. 1668
كفارة الظهار
الكفارة نص الله تعالى عليها في سورة المجادلة، وهي على الترتيب.
عتق رقبة؛ فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً، على هذا الترتيب، فمن قدر على الرقبة لم يجزئه الصيام، ولو صام فإنه لا يكفيه؛ لأن الله بدء بذكر الرقبة، فإذا لم يجد ثمن الرقبة، أو لم يجد الرقبة -كما في هذه الأزمنة- انتقل إلى الصيام، وإذا كان يطيق الصيام فلا يجزئه الإطعام؛ لأن الله قال: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ﴾ [المجادلة:٤] ، ولابد أن يكون الصيام شهرين متتابعين، فاشترط التتابع في كفارة الظهارة، وفي كفارة القتل كما في سورة النساء، وجاء -أيضاً- في كفارة الوطء في نهار رمضان، كما في الحديث الصحيح.
فكفارة الظهار على النحو التالي: أولاً: الكفارة بالعتق، ثم الكفارة بالصيام، ثم الكفارة بالإطعام.
стр. 1669
كفارة الكافر والمملوك إذا ظاهرا
الكافر لا يكفر بالصيام؛ لأن الصيام عبادة، والعبادة لا تصح من كافر، بل يكفر الكافر الذمي بالعتق، وإذا لم يجد كفر بإطعام ستين مسكيناً، أما الصيام فإنه عبادة بدنية تختص بالمؤمنين، يحتسبون فيها الأجر، ولا أجر للكافر في الصيام.
أما العبد المملوك إذا ظاهر من امرأته فمعلوم أنه لا يملك عتقاً، ولا يملك إطعاماً، فليس أمامه كفارة إلا الصيام، فيكفر العبد بالصيام.
стр. 1670
شروط الرقبة في كفارة الظهار
ماذا يشترط في رقبة كفارة الظهار، وكفارة اليمين، وكفارة الوطء في نهار رمضان، وكفارة قتل الخطأ؟ أما نذر العتق فيكون على ما نذر، كأن يقول: لله علي أن أعتق عبداً.
وأطلق، ولم يقل: عبداً كبيراً ولا صغيراً ولا ذكراً ولا أنثى، فهذا نذر عتق مطلق، أما ما عداه فيشترط في ذلك ما يلي.
الشرط الأول: الإيمان، ذكر الله تعالى الإيمان في آية القتل: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢] فلا يجزئ إعتاق الكافر، فالإيمان ذكر في آية عتق كفارة القتل، وقيس عليه كفارة الظهار وكفارة اليمين وكفارة الوطء في نهار رمضان؛ وذلك لأن العتق قربة وعبادة فيه أجر، ولا يطلب إلا عتق المؤمنين، أما العبد الكافر فإعتاقه تمكين له من الكفر، وإعانة له على بقائه على هذا الكفر، فلا جرم اشترط أن يكون العتيق مؤمناً، قال الله: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢] .
الشرط الثاني في العتيق: السلامة من كل عيب يضر بالعمل ضرراً بيناً، فلابد أن يكون العبد الذي يعتق في الكفارة سالماً من العيوب، فلا يعتق العبد الأعور، ولا الأعمى، ولا الأعرج؛ لأنه ناقص القيمة، وكذلك الأصم والأبكم والأقطع والمعاق والمقعد وما أشبه ذلك، ممن فيه ضرر، وذكروا من أمثلته: إذا كان مقطوع الإبهام؛ لأنه لا يستطع أن يعمل بأربع أصابع، وهكذا لو قطعت منه السبابة، فعمله يكون ناقصاً، وهكذا لو قطعت الوسطى، أما إذا قطع الخنصر فقد لا يؤثر، فيستطيع أن يكتب وأن يعمل، بخلاف ما إذا قطع الإبهام فكيف يكتب أو يمسك أو نحو ذلك؟ أو قطعت السبابة يصعب عليه أن يمسك القلم مثلاً، أو قطعت الوسطى يصعب عليه أن يمسك القلم أو الشيء بإصبعين.
أما إذا قطع الخنصر والبنصر معاً فيكون هذا نقصاً ظاهراً، وقد يصعب عليه أن يعمل بثلاثة أصابع.
وكذلك العيوب التي تخل بالعمل، فإذا كانت يده مشلولة، أو فيه عيب خَلقي، فمثل هذا لا يجزئ إعتاقه عن الكفارة، فلابد أن يكون سليماً من العيوب التي تضر بالعمل ضرراً بيناً.
стр. 1671
شروط صيام الكفارة
يشترط في الصيام التوالي والتتابع (شهرين متتابعين) ، فإن صام بالشهر الهلالي اكتفى بشهرين هلاليين ولو كانا ناقصين، أو كان أحدهما ناقصاً -يعني: تسعة وعشرين يوماً-؛ وذلك لأنه يصدق عليه أنه شهر.
وإن ابتدأ من نصف الشهر أو وسطه فإنه يصوم ستين يوماً بالعدد، فإن الشهرين لا يزيدان عن ستين يوماً.
стр. 1672
شروط الإطعام في الكفارة
وإطعام ستين مسكيناً يكون بأن يعطي كل واحد منهم ما يكفيه وجبة واحدة كغداء أو عشاء، وقد ذكر الله تعالى الإطعام في كفارة اليمين في قوله: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة:٨٩] أي: من الطعام الوسط، فلا يكلف نفسه الطعام الثمين الغالي، ولا يجزئ الرخيص الدنيء، بل ينظر الإنسان إلى أكثر ما يطعم أهله، فأحياناً قد يشتري لأهله في بعض المناسبات أنواعاً من اللحوم، كالسمك، أو لحم حمام أو نحو ذلك، أو لحوم شياه أو لحوم ضأن ونحو ذلك، وأحياناً لا يطعمهم إلا الخبز فقط بدون لحم، وبدون فاكهة لبعض الأسباب، فينظر إلى أكثر ما يطعم أهله، فإذا قال: أكثر ما أطعم أهلي وأوسط ما أطعمهم الأرز ولحم دجاج وشيء من الفاكهة.
نقول: أخرج هذا في كفارة اليمين، وفي كفارة الظهار، وما أشبهها؛ لأن الله قال: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة:٨٩] .
ومن العلماء من يقول: لابد أن يملكهم، فيعطي كل مسكين ما يكفيه يومه ذلك كغداء أو عشاء، يسلمه له، حتى يتصرف فيه ذلك المسكين.
ومنهم من يقول: يكفي أن يدعوهم ليأكلوا في بيته حتى يشبعوا، فإذا شبعوا صدق عليه أنه أطعمهم.
وقد ذكر عن أنس بن مالك ﵁ أنه في آخر حياته -بعد أن تجاوز عمره المائة- صعب عليه الصيام، فكان إذا دخل رمضان يجمع ثلاثين مسكيناً فيعشيهم أول ليلة حتى يشبعوا، ويكتفي بذلك عن الصيام، وأخذ ذلك من قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة:١٨٤] فجعل طعام المسكين قائماً مقام الصيام، فكذلك تكون الكفارة، ومعنى هذا: أنه لو جمع ستين مسكيناً، وجعل لهم طعاماً من جنس طعام أهله، من خبز ولحم، أو أرز ولحم معتاد، أو غير ذلك من الأطعمة فإنه يكفي إذا أكلوا حتى شبعوا.
وكذلك إذا ملكهم، وتمليكهم أن يسلم لكل واحد منهم ما يكفيه، والفقهاء يشترطون أن يملكهم، والمصنف يقول: ولا يجزئ التكفير -يعني: بالإطعام- إلا بما يجزئ فطرة، وقد تقدم اختيار الحنابلة أن زكاة الفطر تكون من خمسة: من البر والشعير والتمر والزبيب والأقط؛ لأنها هي المعتاد أكلها في ذلك الزمان، ولكن الصحيح أنها تجزئ من غالب قوت البلد، فكذلك الكفارة تكون من غالب قوت البلد، ففي بلدنا هذا الغالب هو الأرز، وأغلب الناس وأوسطهم يأكلون مع الأرز شيئاً من لحم الدجاج أو من لحم الإبل أو من لحم الغنم كإدام له، وغالباً يأكلون معه شيئاً من الفاكهة التي يتفكه بها كتفاح أو موز أو برتقال أو نحو ذلك من الفواكه، فإذا كان هذا هو غالب قوت أهله فإنه يطعم المساكين من مثل هذا.
والذين اشترطوا أن يملكهم قالوا: يعطيهم طعاماً غير مطبوخ، فيجزئ من البر لكل مسكين مد، ومن غيره لكل مسكين مدان.
وقوله: (ومن غيره) يعم بقية أنواع الطعام، فمعنى ذلك أنه لو أطعم المساكين من الزبيب فلابد من مدين، أو من التمر فلابد من مدين، مع تفاوت القيمة، ومعلوم أن المدين من الزبيب قد تكون قيمتهما عشرين ريالاً، والمدان من التمر السائد المعتاد قد تكون قيمتهما ثلاثة ريالات أو أربعة، ومع ذلك جعلوه سواء، وقد اختار مشايخنا أنه يطعم نصف صاع من الجميع، فيكفيه أن يملكهم نصف صاع من البر، أو نصف صاع من الأرز، أو نصف صاع من التمر أو من الزبيب أو من الذرة أو ما أشبه ذلك، إذا كان هو القوت السائد.
стр. 1673
باب اللعان
اللعان: شهادات بين الزوجين مختومة بلعن أو غضب، مؤكدة من كل من الزوجين.
وسوف يأتينا إن شاء الله في كتاب الحدود حد القذف، وهو أن يرمي الإنسان غيره بالزنا أو باللواط أو نحو ذلك، فإذا رماه فإن عليه حد القذف، واستثني من ذلك إذا رمى زوجته فإن عليه اللعان، وأما إذا رمت هي زوجها فإن عليها حد القذف، ولا لعان.
نزل في اللعان آيات من سورة النور، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ * وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور:٦-٩] هكذا جاءت هذه الآيات.
стр. 1674
سبب نزول آية القذف
وسبب نزولها: أنه لما نزلت آيات القذف وهي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور:٤-٥] سأل بعض الصحابة عنها وقالوا: إذا رأى أحدنا امرأته تزني، فكيف يفعل؟ إذا ذهب يأتي بأربعة شهداء فإن هذا الزاني سوف يهرب، ولن يتمكن من إمساكه، فكيف يفعل؟ فلم يجبهم النبي ﷺ على ذلك.
ثم وقع أن عويمر العجلاني اتهم امرأته، فسأل أحد أقاربه فقال: أرأيت لو أن أحدنا وجد مع امرأته رجلاً أيقتله فتقتلونه، أم كيف يفعل؟ ثم سألوا النبي ﷺ فكره المسائل وعابها، ولكن جاء بعد ذلك عويمر وقال: إن الذي سألتك عنه قد ابتليت به.
أي: إنه تحقق أن امرأته زنت، ولكن لم يكن عنده شهود، ولا يستطيع أن يحضر شهوداً يجمعهم إذا كان ذلك في وسط ليل أو نحو ذلك.
وحدث -أيضاً- أن رجلاً آخر من الصحابة وهو هلال بن أمية، وهو أحد الثلاثة الذين تاب الله عليهم في سورة التوبة، قذف امرأته -أيضاً- برجل يقال له: شريك بن سحماء، دخل بيته فرأى وسمع وتحقق، عند ذلك أصبح وقال: إني وجدت مع امرأتي رجلاً قد فعل بها.
فنزلت الآيات المذكورة في بيان هذا الحكم، وبين الله تعالى حكم ما إذا قذف الرجل امرأته، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ﴾ [النور:٦] يعني: لا يستطيع أن يأتي بشهداء، ليس له شهداء إلا نفسه، يعني: أنه هو الذي رأى وعاين وشاهد، فأمره الله تعالى بهذه الأوامر.
ثم إن عويمراً جاء هو وامرأته، فشهد عليها أربع شهادات، وأتى بالخامسة، ثم إنها شهدت -أيضاً- أربع شهادات أنه كاذب وليس بصادق، وختمت بالغضب، ولما تمت الشهادتان منها ومنه طلقها، وقال: كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها، فطلقها ثلاثاً قبل أن يأمره النبي ﷺ ، فكانت سنة بين المتلاعنين التفرقة بينهما.
وهكذا -أيضاً- جاء هلال وامرأته، ولما جاء ابتدأ فشهد على نفسه أربعة شهادات أنه صادق، ولما كانت الخامسة أمر النبي ﷺ أن يجعل رجل يده على فمه، وقال: (إنها الموجبة) ولكنه أقدم ولعن نفسه إن كان كاذباً عليها، ثم قربت المرأة، وشهدت أربع شهادات أنه كاذب عليها، وبعد ذلك أمر أن يضع إنسان يده على فمها حتى لا تأتي بالخامسة، وقال: (إنها الموجبة) فتلكأت قليلاً، ثم أقدمت وقالت: لا أفضح قومي سائر اليوم، فشهدت ودعت على نفسها بالغضب، وكانت حاملاً فتبرأ من حملها، وقال النبي ﷺ : (أنظروها، فإن جاءت به خدلج الساقين فهو لـ هلال، وإن جاءت به كذا وكذا فهو لـ شريك) ، فجاءت به على الوصف المكروه، فقال النبي ﷺ : (لولا الأيمان لكان لي ولها شأن) أي: أن الذي منعه من إقامة الحد عليها أنها أتت بهذه الأيمان التي درأت عنها ذلك الحد الذي هو العقوبة عليها.
стр. 1675
شروط المتلاعنين
سمي اللعان بهذا الاسم لقوله: ﴿أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [النور:٧] .
ولا يكون اللعان إلا بين الزوجين، ولابد أن يكونا بالغين عاقلين، فإذا كان الزوجان أو أحدهما دون البلوغ، أو كان أحدهما مجنوناً أو ناقص العقل، فلا يكون هناك لعان؛ وذلك لأن الصغير لا يبالي، وليس هناك ما يحجزه عن الشهادة كاذباً؛ لأنه غير مكلف، والمجنون ليس معه عقل يحجزه عن الكذب أو عن الشهادة على الكذب، وكذلك ليس هناك ما يحجز المرأة الصغيرة عن أن تمكن من نفسها لعدم تكليفها، فإذا لم يكونا كذلك فلا لعان.
стр. 1676
من لم يلاعن أقيم عليه الحد
وإذا لم يلاعن فعليه الحد؛ وذلك لأن هلالاً لما جاء وقال: إني وجدت مع امرأتي رجلاً، فقال النبي ﷺ : (البينة أو حد في ظهرك) يعني: قبل نزول الآية، وبعد نزول آية المحصنات، والبينة: هي أربعة شهود، أو حد في ظهرك، أي: تعاقب بالحد الذي هو ثمانون جلدة، فتعجب وقال: يا رسول الله! إذا وجد أحدنا مع امرأته رجلاً فاجراً قد تفخذها، يذهب فيجمع أربعة شهود! فكرر عليه (البينة أو حد في ظهرك) .
فدل على أنه إذا لم يأت بالبينة فإنه ينتقل إلى الملاعنة، فإذا امتنع من الملاعنة، وطالبت المرأة بحد القذف، فإنه يقام عليه حد القذف، وأما إذا شهد عليها، وكمل الشهادة باللعن، ولم تكمل هي الشهادة، أو لم تدعُ على نفسها بالغضب، فإنه يقام عليها الحد الذي هو الرجم، والدليل قوله تعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ [النور:٨] وهذا يدل على أنها إذا لم تأت بهذه الشهادات فلا يدرأ عنها العذاب، بل على الإمام إقامة الحد عليها.
стр. 1677
شروط اللعان
يقول المصنف: القذف لابد أن يكون لفظاً، بأن يقول: إن امرأتي قد زنت.
سواء سمى الزاني فلاناً أو لم يسمه، فلو أشار إشارة ولو كانت إشارة مفهومة فلا يكون لعاناً.
ويشترط أن تكذبه، أما إذا صدقته واعترفت بأنها قد زنت فلا لعان، بل يقام الحد عليها.
ويبدأ الزوج بالشهادة، فيقول الزوج: أشهد بالله إني لصادق فيما رميتها به من الزنا.
يكرر ذلك أربع مرات، ثم يقول في الخامسة: وأن لعنة الله عليَّ إن كنت من الكاذبين.
هذه شهادة الزوج.
ثم إذا أنكرت الزوجة، وادعت أنه كذب عليها، فإنها تحضر وتشهد، فتقول: أشهد بالله إنه لكاذب فيما رماني به من الزنا، وتقول في الخامسة: وأن غضب الله عليَّ إن كان من الصادقين.
لا يقبل إلا بلفظ الشهادة (أشهد) ، إذا لم يأت بها فلا تكون شهادة؛ وذلك لأن الله تعالى قال: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾ [النور:٦] وقال: ﴿أَنْ تَشْهَدَ﴾ [النور:٨] فلو لم يأتِ بلفظ الشهادة، بل قال: إن هذه امرأتي زنت، إنها زانية، إنها زانية، وكرر ذلك أربعاً، لا يكون بذلك آتياً بما يدرأ عنه الحد، حتى يصرح بقوله: أشهد بالله.
والله تعالى يقول: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾ [النور:٦] ويقول: ﴿أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ﴾ [النور:٨] والشهادة تكون بالله، وسميت شهادة لأنها تدل على المشاهدة التي هي مشاهدة الشيء الظاهر، ورؤيته بالعين.
ثم الرجل يدعو على نفسه باللعن إن كان من الكاذبين، واللعن: هو الطرد والإبعاد من رحمة الله، ولا شك أنه والحال هذه يكون وعيداً شديداً، إذا دعا على نفسه وهو كاذب بهذا اللعن فقد عرض نفسه للعقوبة.
المرأة اختير لها الغضب، ﴿أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور:٩] وغضب الله تعالى هو ما تشدد عقوبته، فإن الله تعالى إذا غضب فقد يعاقب من غضب عليه عاجلاً، وقد يؤخر عقوبته آجلاً -يعني في الدار الآخرة- هذا هو الصحيح في اختيار الغضب، والغضب أشد من اللعن؛ لأنه يسبب دخول النار والعياذ بالله، واللعن والغضب كلاهما يسبب العذاب.
وبدئ بالرجل لأنه أقوى جانباً؛ وذلك لأنه غالباً ليس بمتهم، ولا غرض له في أن يلاعن امرأته؛ لأنه إذا أبغضها فلا حاجة له إلى أن يقذف وبإمكانه أن يطلقها ويخلي سبيلها، فلا حاجة له إلى أن يلاعن وهو كاذب، فالقرائن تدل على صدقه، كما في قصة هلال، حيث إن امرأته ولدت مولوداً شبيهاً بذلك الرجل الذي قذفت به، فدلت القرائن على أنه أقرب إلى الحق وإلى الصدق، وكذلك في قصة امرأة هلال أنها تلكأت عند اليمين الخامسة، أو عند الغضب، وكادت أن تعترف، ومع ذلك أقدمت، وفيه: أن النبي ﷺ قال: (لولا الأيمان لكان لي ولها شأن) أي: لولا الأيمان لأقام عليها الحد، فدل ذلك على أن جانب الرجل أقوى من جانبها.
стр. 1678
الموعظة قبل اللعان
قبل البدء في الملاعنة على القاضي أن يعظهما جميعاً ويذكرهما كما حصل من النبي ﷺ ، فإنه ذكرهما وخوفهما، وقال لهما: (الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟) .
وكذلك -أيضاً- خوفهما وأخبرهما أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، عذاب الدنيا في حق الزوج هو أن يجلد ثمانين جلدة إذا تبين أنه كذب عليها، وعذاب الزوجة هو الرجم بالحجارة حتى تموت، ومع ذلك فإنه أهون من عذاب الآخرة، سيما إذا تابت وندمت واعترفت وأقيم عليها الحد، فهو أهون من عذاب الآخرة الذي هو النار وبئس القرار، فعليه أن يخوفهما ويذكرهما.
فإذا تمت الملاعنة سقط الحد، فلا يقام عليه الحد الذي هو الجلد؛ لأنه أتى بما يسقطه وهو هذه الشهادات، وكذلك -أيضاً- يسقط الحد عنها؛ لأنها أتت بما يسقطه، وهو هذه الشهادات.
بعد ذلك تتم الفرقة بينهما، وتكون فرقة مؤبدة، بحيث لو أنه بعد ذلك ندم، وقال: إني كذبت عليها، ردوها علي.
لا تعاد إليه إلى آخر الحياة، وتحرم عليه تحريماً مؤبداً، وتكون كإحدى محارمه، ولا تحل له أبداً بعد تمام هذه الملاعنة، وهكذا -أيضاً- لو كذبت نفسها بعد ذلك يقام عليها الحد.
فالحاصل: أن القاضي يفرق بينهما فرقة مؤبدة.
стр. 1679
من أحكام اللعان
إذا كان في بطنها حمل، وتبرأ منه، وقال: ليس لي، وليس ابناً لي.
فإنه لا يلحقه، بل يُلحق بالزوجة، ويُنسب لأمه، يقال: ابن فلانة.
ولا ينسب لأب لا للزاني ولا للزوج.
أما إذا اعترف به وقال: إنه ابني، وإنها علقت به مني قبل أن تزني.
فإنه يلحق به؛ لأنه اعترف بأنه ابنه فيلحق به وينسب إلى أبيه، والشرع يتشوف إلى صلة الأنساب.
وأما إذا لم يكن القذف صريحاً فلا يكون هناك حد ولا لعان، تذكرون قصة رجل قال: يا رسول الله! إن امرأتي ولدت غلاماً أسود -وهو يعرض بنفيه-.
فقال النبي ﷺ : (ألك إبل؟ قال: نعم.
قال: فما ألوانها؟ قال: حمر.
قال: أليس فيها أورق؟ -يعني: أسود- قال: بلى.
قال: فمن أين جاءها؟ قال: لعله نزعه عرق.
فقال: وهذا لعله نزعه عرق) ، فلا لعان والحال هذه.
стр. 1680
أقل مدة الحمل وأكثرها
يقول المصنف: ومن أتت زوجته بعد نصف سنة منذ أن كان جماعه بها، أو لدون أربع سنين منذ أبانها، ولو ابن عشر، لحقه نسبه.
قدر الفقهاء أن أقل مدة الحمل نصف سنة، فإذا تزوج امرأة ودخل بها، وبعد أن دخل بها ولدت بعد ستة أشهر، ولدت في الشهر السابع بعد دخوله عليها، فهذا الولد يلحق به؛ لأن أقل مدة الحمل ستة أشهر، والغالب أن أكثر النساء تلد لتسعة أشهر، ولكن لما كان أقل مدة الحمل ستة أشهر دُرئ عنها الحد.
فلو أنكره وقال: إنه ليس مني.
فلا يقبل إنكاره، إلا إذا كان هناك قرائن بينة، وفي هذه الأزمنة يمكن أن يعرض على الأطباء الذين يقدرون عمر الجنين، فإذا عرض عليهم وقالوا بعدما دخل عليها بشهر: هذا الحمل له -مثلاً- عشرون أسبوعاً أو خمسة عشر أسبوعاً، تبين أنه ليس منه، فله في هذه الحالة أن ينتفي منه، وإذا لم ينتف منه فإنه يلحق به.
ذكر أن امرأة ولدت بعدما تزوجها رجل بستة أشهر، فأراد عمر أن يرجمها، فقال له بعض الصحابة: إن أقل مدة الحمل ستة أشهر، واستدل بقول الله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف:١٥] أي: مدة حمله ومدة فصاله ورضاعه، وقال الله تعالى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان:١٤] فصاله: يعني رضاعه في عامين، فإذا أسقطنا العامين وهي أربعة وعشرون شهراً من الثلاثين فكم يبقى؟ يبقى ستة أشهر، فهي مدة الحمل، فالرضاع والفصال سنتان أربعة وعشرون شهراً، والبقية مدة الحمل، هذا أقل مدة الحمل.
أما إذا طلق رجل امرأة، ولما طلقها ادعت أنها حامل، ولم تتزوج، ومضى عليها سنة وسنتان ولم تلد إلا في السنة الثالثة أو في السنة الرابعة قبل تمام أربع سنين منذ طلقها، وادعت أنه منه، لزم الإقرار به واستلحاقه؛ لأن الحمل قد يبقى في الرحم سنتين أو ثلاث سنين، وأكثر ما وجد أن الحمل يبقى في بطن أمه أربع سنين، ولكن الغالب أنه يكون مريضاً، وأنه في حالة مرضه لا يتغذى ولا ينمو بدنه وجسده؛ فلذلك تزيد مدة الحمل، فإذا ولدته لأقل من أربع سنين منذ أبانها لحقه.
ولو كان الزوج صغيراً كابن عشر فإنه يلحقه نسبه؛ لأن ابن عشر قد يكون منه انتشار، ويكون منه شهوة، ويحصل منه الإنزال، وقد قدر العلماء أن أقل ما يحصل البلوغ لابن عشر، فإذا دخل بزوجة وهو ابن عشر سنين، وعلقت بحمل لحقه ذلك الحمل.
ولكن اختلفوا: هل يحكم ببلوغه مع الشك فيه؟ قالوا: لا يحكم بالبلوغ إلا بعد اليقين، وبلوغ الرجل يكون باحتلامه أو بالإنبات -كما تقدم في باب الحجر- أو بتمام خمس عشرة سنة، لكن إذا دخل بامرأة وحملت وهو ابن عشر تبين بذلك أنه قد بلغ؛ لأن الحمل لا يكون إلا من إنزال، فلابد أنه أنزل في الرحم، وحصل من ذلك الإنزال علوق ذلك المولود، فأما إذا شك في هذا المولود هل هو من هذا الصبي أو من غيره فلا يحكم ببلوغه مع الشك.
стр. 1681
حكم بيع الأمة إذا ولدت لدون نصف سنة
يقول المصنف: ومن أعتق أو باع من أقر بوطئها فولدت في دون نصف سنة لحقه، والبيع باطل.
صورة ذلك: إذا وطأ أمة مملوكة له، ولما وطئها باعها قبل أن يستبرئها، واعترف بأنه قد وطئها، وأنه باعها ولا يدري هل هي حامل أم لا، ولكن أقر بأنها كانت أمته، وبأنه قد وطئها، وبأنه لما باعها لم يستبرئها بحيضة، ففي هذه الحال إذا ولدت مولوداً يمكن أن يكون منه، فإنه يلزمه أن يلحقه، ويكون البيع باطلاً.
وعليه أن يقر به إذا كانت ولادته لأقل من ستة أشهر منذ باعها؛ لأنه اعترف بأنه قد وطئها قبل البيع، والآن ولدت مولوداً كامل الخلقة في خمسة أشهر وثمانية وعشرين يوماً، فهذا المولود لابد أنه موجود في رحمها قبل بيعه لها، فعليه أن يقر به، وإذا أقر به لحقه نسبه، وحينئذ ترجع إليه؛ لأنها تصير أم ولد، وأم الولد لا يجوز بيعها، -وأم الولد هي المملوكة التي يطؤها سيدها فتلد له أولاداً- فإذا اعترف بأنه وطئها، وولدت بعد بيعه لها في أقل من ستة أشهر، فالولد منه يقيناً، وهو موجود في الرحم قبل أن يبيعها، فترجع إليه وتبقى أم ولده، ويبطل البيع.
أما إذا ولدت بعد الستة الأشهر من البيع، يعني: باعها وبعدما باعها بنحو ستة أشهر وخمسة أيام جاءت بولد، نقول: إنه للمشتري الذي اشتراها؛ لأنه هو الذي وطئها بعدما تملكها، فإنه يمكن أنه لما اشتراها استبرأها بحيضة، والحيضة قد تكون يوماً أو يومين، ولما استبرأها وطئها، وبعدما وطئها علقت منه، ولما علقت منه مضى على شرائه لها ستة أشهر وخمسة أيام، يومان هما الاستبراء ونحوه، فتكون بذلك قد علقت منه، والولد له، ولا تعود إلى الأول.
стр. 1682
الأسئلة
стр. 1683
من ارتكب حداً فهل تكفيه التوبة ؟
السؤال
كثير من البلدان لا يحكم فيها بالشرع في الحدود مثل القتل أو قطع يد السارق أو حد اللعان أو غيره، فهل تكفي التوبة؟
الجواب
إذا ارتكب الإنسان ذنباً، واعترف بذنبه فيما بينه وبين الله فإنه يستر نفسه، فإذا زنى فإنه يستر نفسه ويتوب، وتكفي التوبة، وكذلك حقوق الله تعالى يكفي فيها الندم والتوبة وأن يستر نفسه.
وأما حقوق الآدميين فلابد فيها من الصلح، فإذا قتل إنساناً فلأوليائه أن يقتصوا ولو لم يكن هناك حاكم، فيقتلوا ذلك القاتل؛ لأن النفس بالنفس، ولهم أن يصطلحوا معه على دية ولو أكثر مما يقدر، وأما حد القذف فلهم أن يصطلحوا معه على أن يرضيهم، ويكفيه أن يندم على ما فعل، ويستر نفسه.
стр. 1684
النصيحة لمن يتلفظ بالطلاق أو الظهار
السؤال
بماذا تنصحون من يكون على لسانه كلمة الظهار دائماً؟
الجواب
ننصحه بالتوبة وترك هذه الكلمة، فكلمة الطلاق وكلمة الظهار تجري على ألسن الكثير، وكثيراً ما تسمعون من يقول: علي الطلاق أن أفعل كذا، أو امرأتي علي مثل أمي، أو مثل فرج أمي وما أشبه ذلك، فعليه أن يتوب، ويمسك لسانه، والتوبة تمحو الذنب.
стр. 1685
شرح أخصر المختصرات [٧٠]
من رحمة الله بعباده وحكمته التي قد لا يستوعبها البشر: أن شرع أنظمة وتعاليم يجب على الناس الالتزام بها وتطبيقها على نسائهم، ومن ذلك أن فرض الله العدة على الزوجة إذا طلقت طلاقاً رجعياً أو بائناً، أو توفي عنها زوجها، وأمر من اشترى أمه أن يستبرئها قبل الوطء، وما ذاك إلا لأجل أن لا تختلط الأنساب وتنتهك الحقوق الزوجية وتهدر.
следующие страницы →