Полный текст (347 стр.). Показаны 316–347 · переход к 321.
стр. 316
شرح لامية شيخ الإسلام ابن تيمية (الدرس الثامن عشر)
تحتل عقيدة القضاء والقدر مكاناً بارزاً بين أركان الإيمان، ولذلك استفاضت أدلته من الكتاب والسنة، وتكلم فيه علماء السلف الصالح رادين على الضالين والمنحرفين فيه، حتى أصبح اعتقاد السلف فيه واضحاً لا لبس فيه ولا غموض، ولم يختلط بغيره من الاعتقادات الفاسدة.
وإن عقيدة القدر ليست مصدر قلق نفسي، كما أنها ليست مما يدعو إلى القعود والكسل والتعلل بالتعليلات الكاذبة، بل على العكس من ذلك كله، فقد كانت وما تزال أكبر داعٍ للمؤمن لكي يتصف بصفات المؤمنين، من شجاعة وإقدام وحسن خلق وعمل جاد مستمر، وغيرها من الصفات الحسنة التي تُغرس في قلب المؤمن بالعقيدة الإسلامية ومنها عقيدة القضاء والقدر.
стр. 317
مسائل تتعلق بعذاب القبر
стр. 318
عذاب القبر متعلق بالروح والجسد معاً
الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قبل أن نبدأ بمبحث القضاء والقدر، بقي عندنا جزئيات يسيرة في مسألة عذاب القبر ونعيمه.
مسألة: هل عذاب القبر متعلق بالروح والجسد، أم أنه للروح فقط، أم أنه للجسد وحده؟ الجواب: المعتزلة لما أنكروا عذاب القبر كانوا يقولون: إننا إذا بحثنا عن الميت بعد مضي سنين لم نجد شيئاً من جسده، وأخبر النبي ﷺ أن الإنسان يبلى ولا يبقى منه إلا عجب الذنب فقط، فقالوا: إذاً تعلق العذاب والنعيم هو على الروح فقط، ولكن هذا القول ليس بصحيح، والدليل على عدم صحته: أنه يأتيانه ملكان فيسألانه ويقعدانه، ثم يفتح له باب فيقال له: انظر، فينظر إلى الجنة، وينظر إلى النار، هذا كله يتعلق بالنظر وغيره للجسد ليس للروح، مما يدل على أنه للروح وللجسد جميعاً، وإن كان أغلبه للروح، والجسد له جزء من قضية التنعيم، وله جزء من قضية التعذيب.
القبر ظلمة، ونعوذ بالله أن تكون قبورنا ظلمة علينا، ولقد ماتت امرأة في حياة النبي ﷺ كما رواه البخاري ومسلم وهو في مسند الإمام أحمد وغيره، وهذه المرأة كانت تقم مسجد رسول الله ﷺ ، وماتت ولم يعبأ الصحابة بها، ولم يوقظوا النبي ﷺ ليصلي عليها، فأخبر النبي ﷺ بأنها ماتت ودفنت، فأمر النبي ﷺ ، فقال: (دلوني على قبرها) ثم قام النبي ﷺ وصلى عليها ثم قال: (إن هذه القبور ظلمة على أهلها، وإن الله ينورها لهم بصلاتي عليهم) مما يدل على ما يتميز به أصحاب رسول الله ﷺ ، من أن القبر ينور على أصحابه عندما يصلي عليهم، ويكون نوراً على الناس بسبب الأعمال الصالحة التي يقدمونها في الحياة الدنيا.
стр. 319
سماع عذاب القبر للأحياء
ذكرنا أن عذاب القبر ربما أن الناس قد يسمعون شيئاً من أصوات الموتى، ومنهم: النبي ﷺ ، فقد سمع النبي ﷺ صاحبا القبرين، وقال: (إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير) صاحب النميمة، وصاحب عدم الاستنزاه من البول.
ومنها: أن النبي ﷺ كان على بغلة له، وجالت به ﷺ ، ثم سأل عن هذه القبور، وإذا هي ستة أو أربعة على خلاف في عددها، وكانت قبوراً للمشركين، فجالت بغلة النبي ﷺ ، حتى كاد أن يسقط ﷺ ، بسبب أن هذه البغلة سمعت صوت الذين يعذبون.
ومر النبي ﷺ ذات مرة وكانت معه دابته فتحركت، فقال النبي ﷺ : (إن يهود تعذب في قبرها) فدل على أن النبي ﷺ سمع شيئاً، وهذا يعتبر من أمر الغيب.
مسألة: هل يمكن لآحاد الناس أن يسمع عذاب القبر؟ الجواب: يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: يمكن أن يسمع، وقد يكون السماع شيئاً حقيقياً، وقد يكون رؤىً يراها الإنسان، ونعلم أن الرؤى جزء من النبوة، فقد يرى الإنسان والده في هيئة سيئة، يراه بأنه يقول مثلاً: عندي أموال ردوها لأصحابها فلان قد كان كذا.
أي: يستوحي الناس منها أن أباهم أو غيره من الميتين ربما يصاب بسوء، أو ربما ينعم بسبب شيء قدمه في الدنيا، فعند ذلك تكون سبباً لإبعاد هذه العقوبة، أو لزيادة النعيم الذي يحدث لهم.
ولذلك تجد أن الذين يفسرون الرؤى تفسيراً، قد يمكن أن تخبره بخبر، فيقول: والدك ربما يحدث له كذا، أو ربما والدك مسرور لعمل عملته، أو ربما لشيء يحدث، ولعل مما يحدث في مسألة الرؤى بعض المفسرين يفسرون الرؤى: أن الإنسان إذا رأى ميتاً له -وإن كنت لست مفسراً للرؤى أصلاً- ودعاه أن هذا ربما يكون نذيراً لقرب أجله، أو لموت عزيز عندهم، وهذا ليس على إطلاقه.
وأذكر من اللطائف: ذات مرة صليت في جامع الرياض قديماً، وكان سماحة شيخنا غائباً، فجاء رجل من البادية وسألني عن رؤيا؟ فقلت له: أنا لا أفسر الرؤى، قال: كنت في برية، وكان هناك باب، ثم فتح وخرج علي والدي، وقد يكون هذا علامة موتي، فهل ترى أن أتصدق أم أبذل شيئاً لهذا الميت وغيره؟ فمر علي أحد الأحبة فتبسمت في وجهه، ثم قلت له: حقيقة لا أفسر الرؤى، لكن لو عملت خيراً لوالدك الميت كان طيباً، ففي آخر الأمر، قال: لا، أنت تعلم بأني سأموت، ولم ترد أن تفسر لي الرؤيا، قلت له: أنا لا أدري عن الرؤى أبداً، قال: إنك ما ضحكت إلا لأني سأموت، فتورطت ماذا أعمل به؟ ولست ممن يفسر الرؤى أصلاً، وإن كنا قد بينا منهج الرؤيا إن كانت حسنة وإن كان سيئة، لكن أقول: إن الرؤى قد يحدث بها نوع خير للإنسان، مما يوقظ الله به قلب الإنسان، ومما يكون سبباً لصلاحه واستقامته على دين الله تعالى.
стр. 320
حال العبد في قبره
ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أن الميت في قبره يكون له عمل يقارنه هناك ويسأل، وقد ثبت عن النبي ﷺ أن الميت في قبره يأتيه رجل حسن الصورة، وحسن الثياب، وطيب الريح، فيقول له: أبشر بالذي يسرك، وأبشر برضوان من الله وجنات فيها نعيم مقيم، هذا يومك الذي كنت توعد، ويبشره بكل خير، فيقول هذا الإنسان الذي في قبره: من أنت فوجهك الذي يجيء بالخير؟ فيقول: أنا عملك الصالح، فوالله ما علمتك إلا أنك كنت سريعاً في كل خير في طاعة الله، بطيئاً عن المعصية، فجزاك الله خيراً، فيبقى مطمئناً، ويعطينا إيحاءً.
سبحان الله! إن الإنسان إذا سار على الطريق وحده يشعر بوحشة، وإذا جاء الله بشيء يؤنس الإنسان ويطمئنه يشعر براحة ولذة وطمأنينة، كيف إذا كان هذا هو العمل الصالح الذي يقدمه الإنسان في هذه الحياة الدنيا؟ والأعمال الصالحة معروف أنها منوعة من صيام، وقيام ليل وقراءة قرآن وأمر بمعروف ودعوة إلى الله وتعليم علم وطلب علم وأعمال متنوعة، ولذلك ينبغي للمسلم أن يتنافس فيها، لعلها تكون معه بين يديه في قبره تؤنسه، وتكون سبباً لإزالة الوحشة التي في قلبه، وتحدث للإنسان الوحشة؛ لأنه ليس له قريب ولا عزيز ولا أنيس، وإذا أتى عمله الذي قارنه في حياته كلها كان أوثق الناس به، وأقرب الأشياء إليه، وأنس لقلبه واطمأن له.
بخلاف العاصي -نعوذ بالله- فإنه يمثل له عمله في صورة رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب، منتن الريح، ويقول له: أبشر بالذي يسوءك، ثم يسأل: من أنت؟ فإن وجهك الوجه القبيح وغيره؟ فيقول: أنا عملك في هذه الحياة الدنيا الذي عملت، فيفتح له -نعوذ بالله- باب إلى النار، وينظر إليها، ويقال له: هذا مقعدك, ويفتح له باب إلى الجنة فيقال: هذا منزلك لو كنت طائعاً لله تعالى، ثم قالوا: يقيض له أعمى أصم أبكم معه مرزبة فيضربه بمطرقة إلى آخر ما يتعلق بعذاب القبر، ونعوذ بالله من عذاب القبر.
стр. 321
مبحث الإيمان بالقضاء والقدر
ننتقل الآن إلى مسألة القضاء والقدر، وأرى أنها من الأمور المهمة، والشارح الذي بين أيديكم قد نبهت سابقاً أنه يفوض في باب الصفات، ولذلك ينبغي أن ينتبه له، ولقد سار على منهج الإمام السفاريني ﵀، فإن الإمام السفاريني ليس عنده وضوح كامل في مسألة المعتقد، فإنه لما ذكر أهل السنة ذكر بأنهم ثلاث طوائف: قال: هم أهل الحديث يقصد بهم السلفيين، ويقصد بالثاني: الأشاعرة والماتريدية، قال: هؤلاء يطلق عليهم بأنهم أهل السنة، ولكن أهل السنة لا تنطبق إلا على من كان سائراً على منهج الكتاب والسنة، وكان على ما كان عليه سلف الأمة.
ننتقل الآن إلى مسألة القضاء والقدر، ولذلك أومأ المؤلف إلى مسألة الشفاعة وأقسام الناس فيها ومتعلقاتها، وقالوا: هذه من المسائل التي لا بد من التنبيه عليها، ولكن يظهر أن الكلام حول مسألة القضاء والقدر قد تكون أولى من مسألة الشفاعة، وإن كان كل منهما مهم، وخاصة أن مسألة القضاء والقدر تعتبر أصلاً من أصول الإيمان الستة التي يجب التنبيه عليها، وكثر الخلاف فيها، والنزاع قوي جداً بين أهل السنة والطوائف الأخرى.
стр. 322
تعريف القضاء والقدر في اللغة والاصطلاح
القضاء بالمد وقد يكسر، قال في النهاية: هو في اللغة على وجوه، ومرجع هذه الوجوه الواردة في اللغة: إلى انقطاع الشيء وتمامه، وله معانٍ عدة، ومنها: الأداء والإتمام، فهو في اللغة: إحكام الشيء وإتمام الأمر.
والقدر بتحريك الدال وإسكانها الطاقة، ولذلك منها قوله تعالى: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة:٢٣٦] .
فهو بمعنى: التضييق والتقدير، والمقصود عندنا هنا هو بمعنى: التقدير، وله معانٍ متعددة في اللغة العربية.
قاعدة: إذا أردت أن تعرف مبحث القضاء والقدر فلابد أن يكون مشتملاً على مراتب القضاء والقدر الأربعة، ومن لم يأت بتعريفه في القضاء والقدر بالمراتب الأربع، فاعلم أنه ليس على منهج أهل السنة، ولذلك يقال: إنه تقدير الله أو كتابة الله للأشياء في اللوح المحفوظ، وعلمه بأنها ستقع، وفي أوقات معلومة عنده ، وعلى صفات مخصوصة وكتابته لذلك، ثم مشيئته لها ووقوعها على حسب ما قدرها الله وخلقه لها.
стр. 323
منزلة القضاء والقدر في عقيدة المؤمن
لا شك أن القضاء والقدر أحد أركان الإيمان الستة، ودليله: حديث جبريل (أسألك عن الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره) ولذلك يعتبر الإيمان به جزء من عقيدة المؤمن، ولا يصح إيمانه إلا بالإيمان بالقضاء والقدر، قال ابن عباس ﵀ ورضي عنه: [من وحد الله وكذب بالقدر، فقد نقض تكذيبه توحيده] دل على أنه لا يصح توحيد الإنسان حتى يؤمن بقضاء الله وقدره.
ويقول العلماء: إن مبحث القضاء والقدر داخل في باب الربوبية؛ لأن القضاء والقدر متعلق بفعل الله تعالى، والربوبية هي فعل الله تعالى، فإنك إذا نظرت إلى القضاء والقدر وجدته يتعلق بمبحث الربوبية، العلم هو الربوبية، وهو من باب الأسماء والصفات، وبعض العلماء يدخل باب الأسماء والصفات في باب الربوبية عندنا الإرادة والمشيئة ربوبية وهي فعل عندنا الخلق ربوبية الكتابة فعل وهي ربوبية، فيقولون: إن من لم يأت بالإيمان بالقضاء والقدر فإنه لا يصح توحيده أبداً، ولا يعتبر موحداً؛ لأنه أخل بجزء من أجزاء التوحيد، وهو الإيمان بربوبية الله تعالى.
стр. 324
أدلة الإيمان بالقضاء والقدر من الكتاب والسنة
بالنسبة لأدلته، ففي الكتاب والسنة أدلة كثيرة جداً على إثبات القضاء والقدر، وإذا أخذت أدلة المراتب الأربع وربطتها جميعاً دلت على قضاء الله وقدره: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩] ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [القصص:٦٨] .
وكذلك حديث النبي ﷺ في قول الله تعالى: ﴿قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى:٣] وأحاديث النبي ﷺ كثيرة جداً، وجاء الصحابة ﵃ يقولون: [ما نعمله من شيء كتب] .
أي: في شيء قد مضى، قال النبي ﷺ : (إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات الأرض، وكان عرشه على الماء -قدرها- بخمسين ألف سنة) وتجد أن النبي ﷺ قال: (جفت الأقلام وطويت الصحف، فقال الصحابة: إذاً ففيم العمل؟ قال النبي ﷺ : اعملوا فكل ميسر لما خلق له) ونجد أن الله بيده الأمور كلها، خيرها وشرها، فهو يعطي ويمنع، ويعز ويذل، وينفع ، ويصيب بعض الخلائق بنوع من الضر الذي يصيبهم، وما السبب؟ لأن الله هو القادر على كل شيء، وهو الفاعل المختار ، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، يجب على المسلم أن يؤمن بقضاء الله وقدره؛ لأنه قد دل عليه الكتاب والسنة، وبين الله في غير ما آية، وكذلك بين النبي ﷺ وجوب الإيمان بها؛ لأنها إخبار، والإخبارات واجب علينا أن نصدق بكل ما أخبرنا به النبي ﷺ أو أخبرنا الله ، قال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾ [الفرقان:٢] ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد:٨] .
ونجد أحاديث النبي ﷺ : (لا يؤمن عبد حتى يؤمن بأربع -ثم ذكر منها النبي ﷺ : أن يؤمن بالقضاء والقدر) رواه الترمذي، وقال في تحفة الأحوذي: رجاله رجال الصحيح.
وقد ورد التحذير من عدم الإيمان بقضاء الله وقدره، فقال النبي ﷺ : (لا يدخل الجنة عاق -أي: عاق لوالديه- ولا مدمن خمر، ولا مكذب بالقدر) رواه الإمام أحمد والبزار.
стр. 325
مراتب القضاء والقدر
مراتب القضاء والقدر أربعة، وقد دل عليها الكتاب والسنة: أولها: مرتبة العلم، ومرتبة العلم، سبق أن ذكرنا أن الإنسان يجب أن يعلم بأن الله عالم بكل شيء.
وعلم الله تعالى يتعلق بثلاثة أمور: الأول: علم بالشيء الماضي، وأن الله لم تخف عليه خافية فيما مضى، ولذلك قال فرعون لموسى: ﴿فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى * قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى﴾ [طه:٥١-٥٢] دل على أن الله سبحانه عالم بما في الأزل.
الثاني: علم الله بكل ما هو واقع وحادث الآن، وهذا الأمر يجب أن نؤمن به، فلا تخفى على الله خافية مما يحدث في الكون.
الثالث: علم الله بما سيكون في المستقبل، وهو لا تخفى عليه خافية، يعلم بكل شيء ، وقد بين: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ [الأنعام:٥٩] دل على أنك حين تنظر إلى الشجرة حين تتساقط أوراقها، أي: منها الذي يسقط اليوم، وتلك غداً، فالله يعلم متى تسقط وفي أي موضع تسقط، مما يدل على علم الله تعالى بالجزئيات، ويخالف في هذا الفلاسفة، فيقولون: إن الله لا يعلم بالجزئيات، وإنما يعلم بالكليات فقط، وهذا الكلام باطل لا شك في بطلانه، بل الله يعلم بكل شيء، بالكليات وبالجزئيات.
المرتبة الثانية: مرتبة الكتابة، وأن الله قد كتب كل شيء عنده في اللوح المحفوظ، وقد دل عليه: (إن أول ما خلق الله القلم، قال له: اكتب، قال: وما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى قيام الساعة) فكتب كل شيء.
وكذلك جاء النبي ﷺ الصحابة يسألون: أعمالنا؟ فقال لهم النبي ﷺ : (جفت الأقلام، وطويت الصحف) أي: هذا أمر قد كتب، كل أعمالنا مكتوبة في اللوح المحفوظ، ما سنعمله غداً وبعد غد، ومكتوب في اللوح المحفوظ كيف سنموت بحادث سيارة بمصيبة بعلة بمرض إلى غيره، مكتوب في اللوح المحفوظ كم سيحصل لنا من الأموال إلى غيره، كل شيء قد قدره الله وكتبه.
ويجب أن نعلم قاعدة وهي: أن اللوح المحفوظ لا يغير ما كتب فيه أبداً، ولن يخرج الإنسان عما كتب في اللوح المحفوظ أبداً، ولذلك قال النبي ﷺ : (جفت الأقلام، وطويت الصحف) ونجد النبي ﷺ قال: (إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة) رواه الإمام مسلم.
ونجد الله تعالى يقول: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد:٢٢] أي: من قبل أن نخلقها، دل على أنها كلها مكتوبة في اللوح المحفوظ.
المرتبة الثالثة: مرتبة الإرادة والمشيئة، ويجب أن نعتقد أنه لا يكون في الكون، لا في السماوات ولا في الأرض إلا ما شاءه الله وأراده، ومشيئة الله وإرادته دائرة بين الرحمة وبين الحكمة، فربنا يهدي من يشاء برحمته، ويضل من يشاء بحكمته: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣] .
نجد من اللطائف قاعدة لـ أهل السنة وهي: أن أفعال الله لا يسأل عنها بـ (لِمَ) ، وصفات الله لا يسأل عنها بـ (كيف) ، هذه قاعدة يجب دائماً أن نعرفها.
أفعال الله لا يسأل عنها بـ (لِمَ) ؛ للرد على طوائف المبتدعة المنحرفة في مسألة القضاء والقدر، وصفات الله لا يسأل عنها بـ (كيف) ؛ للرد كذلك على طائفة المبتدعة في الأسماء والصفات، الذين يقولون: كيف تكون صفات الله أو غيره؟ والسبب ولله المثل الأعلى: أنت في ذات نفسك لو كثر عليك السؤال لغضبت، فلو دخل -مثلاً- شخص منزلك أو بيتك، ثم قال: لماذا جعلتم المجلس هنا؟ لماذا جعلتم كذا؟ لماذا وضعت هذا مكان كذا؟ لماذا؟ ستجد آخر الأمر، تقول: هذا مسكين أنا حر أتصرف فيه بما أريد، ليس لك دخل في هذا، ويغضب الإنسان أن يسأل عن مثل هذه الأمور، وقد يكون توجيه واحد، لكن لِمَ لِمَ؟ الآن يأتي إنسان ويقول: لماذا خلق الله الذباب؟ لماذا خلق الله البعوض؟ لماذا خلق الله الأسد؟ لماذا كتب؟ تلك لحكمة يعلمها الرب ، وقد تكون عقول الناس لا تدركها.
ومن اللطائف ما ذكره صاحب كتاب: (غريزة أم تقدير إلهي) ، أظنه لـ شوقي خليل، كتاب يصلح إذا زرت مريضاً أن تهديه إليه، فيه بعض الحكم في الطيور، وفيه بعض المخلوقات العجيبة، سبحان الله! ترى فيه عجائب، لا يكثر الكلام لكنه يعطيك صفة، لماذا هذا الطائر منقاره عريض، وهذا دقيق، وهذا منثني؟ ولماذا هذه البهيمة كذا؟ ولماذا النمل بصفة كذا؟ لله حكم عظيمة في هذا الأمر.
من اللطائف: كانت الهند تشتهر بالثعابين الكبيرة، طول الواحد منها ثلاثة أو أربعة أمتار وليست سامة، وكانت مستعمرة بريطانية، وجاء شخص وأخذ اثنين أو ثلاثة منها، ولم يكن الناس يتعرضون لها؛ لأنها لا تضرهم، وتعيش في مزارعهم، شخص أعجبه جلد ثعبانين أو ثلاثة، فسلخها، ثم اشتراها منه رجل بريطاني، وعندما أخذها هذا الرجل البريطاني سافر بها إلى بريطانيا معه، فوجدها شخص معه فقال له: ألا أصنع لك حذاء منها؟ أو أصنع لأهلك حذاء منها؟ فصنع فبيع بثمن غالٍ جداً، فسئل: من أين جئت به؟ قال: من الهند، فقالوا: لو أرسلت لنصنع ونبيع تجارة، فأخذوا يذبحونها وترسل، وسبحان الله! في السنة التي ذبح فيه عدد كبير أكلت الجرذان أهم محاصيلهم وهو الأرز، وتجد سكان بعض الدول أكلهم في الصباح والظهر والعصر والمغرب والعشاء كله أرز، ليس عندهم شيء، فجاءوا فتساءلوا: ما الذي حدث؟ وإذا بالسبب هو قتل هذه الثعابين، كانت تلتقم هذه الجرذان، فلا تصيب محاصيلهم، مما يدل على أن الله إذ يخلق بعضاً من هذه المخلوقات إنما هو لحكمة عظيمة يعلمها ، عقولنا قاصرة، ولكن إيماننا بأن الله لا يفعل شيئاً إلا لحكمة يعلمها، ولهذا ذكر المؤلف:
والنار يصلاها الشقي بحكمة
أي: أن الله له حكمة في هذا الأمر، فيه شيء يظهر، وفيه ما لا يظهر لنا، ولذلك نحن نؤمن بأن الله يفعل كل شيء: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢] ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام:١٢٥] .
ولذلك نحن لا نسأل: ما الحكمة من كذا؟ إن تبينت فالحمد لله، وإن لم تتبين فالواجب علينا أن ننصت لهذا الأمر.
المرتبة الرابعة من مراتب القدر: مرتبة الخلق: ويجب أن نعلم أن الله خالق لكل شيء، وأنه ما من ذرة في السماوات ولا في الأرض إلا قد خلقها الله ، وخلق حركتها، وخلق سكونها، ولا خالق لها إلا هو، ولا رب لها إلا هو، نستدل على ذلك بعددٍ من الأدلة: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر:٦٢] ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦] وقد روي عن النبي ﷺ : (إن الله صانع كل شيء وصنعته) دل على أنه هو المدبر والخالق لهذا الكون كله.
وكل مرتبة من هذه المراتب ترد على طائفة من المبتدعة، يقول العلماء رحمهم الله تعالى: في إثباتنا لمرتبة العلم ردٌ على طائفة القدرية، نفاة هذه الصفة، ولذلك قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: (ناظروا القدرية بالعلم، فإن أقروا خصموا، وإن أنكروا كفروا) .
من يقول: الله لا يعلم، يكون بذلك واصفاً لله بالنقص؛ لأنه جاهل ولا شك في كفره؛ ولأنه نفى عن الله صفة الكمال.
وبمرتبة الإرادة والمشيئة يرد على طائفة القدرية، وكذلك المعتزلة الذين يقولون: إن الإنسان هو الذي يفعل ما يشاء، والله ليس له إرادة ولا مشيئة في فعل الإنسان إطلاقاً.
ومرتبة الكتابة ترد على المعتزلة الذين يقولون: إن الأمر أنف، أي: الآن حدث، أي: أن الله لا يكتب شيئاً ولا يقدر شيئاً إلا بعد عمل العبد، وقبل فعل العبد لا كتابة على العبد أصلاً، وهذا الكلام ترده الأحاديث والآيات الواضحة في بيان كتابة الله تعالى.
ومرتبة الخلق ترد على المعتزلة الذين يقولون: الله خالق الإنسان، والإنسان هو الخالق لفعله.
стр. 326
آراء الفرق في مسألة القضاء والقدر والرد عليها
القول الأول: يقول العلماء: قول القدرية المعتزلة، ولفظ القدرية ينطبق على طائفة المعتزلة وعلى الجبرية، وانطباقه على المعتزلة؛ لأنهم نفاة للقدر، وانطباقه على الجبرية لأنهم يثبتون القدر على أن الإنسان مجبور على فعله، ولكن إذا ذكرها العلماء رحمهم الله تعالى؛ فإنما يقصدون بها المعتزلة ولا يقصدون الجبرية، فإنهم ميزوا، وإن كان كل لفظ يطلق على كلتا الطائفتين.
لكن إذا قيل: القدرية المعتزلة، دل على أن هؤلاء هم نفاة القدر، الذين يقولون: لا قدر، هؤلاء ماذا يقولون؟ يقولون: إن الله لم يخلق أفعال العباد، بل العباد هم الخالقون لأفعالهم، وإن الله لا يعلم بها إلا بعد وقوعها، فالله شاء من المؤمن الإيمان، ولكن الكافر هو الذي لم يشأ الإيمان فوقعت مشيئة الكافر ولم تقع مشيئة الله تعالى، وهذا الكلام باطل لا شك فيه.
ما هي حجة هذه الطائفة؟ قالوا: لو قلنا: إن الله إذا قدّر على العبد المعاصي، ثم عاقبه عليها كان ظالماً، وعند المعتزلة خمسة أصول، ومنها: العدل، قالوا: ومقتضى العدل، لو قلنا: إن الله خلق الإنسان وخلق فعله، ثم عاقبه عليه كان ظالماً، ثم إن الإنسان إذا كان مجبوراً على عمل ثم يعاقب عليه فإنه يكون مظلوماً بهذا، والله لا يظلم أحداً.
إذاً النتيجة أن الله لم يقدر أعمال العباد، وإنما العباد هم الذين يتصرفون بأفعالهم ويدبرونها، وهذا باطل لا شك في بطلانه.
لعل من اللطائف هنا ما ذكره شارح الطحاوية ﵀: أن أعرابياً أضل ناقة له، وعليها متاعه، فدخل إلى المسجد، فوجد حلقة، وإذا هي حلقة من حلقات المعتزلة، وأظن فيها عمرو بن عبيد أو غيره، فوجد ظاهرهم الصلاح، ولكن بواطنهم الاعتزال، فقال: معروف أن أهل الصلاح دعاؤهم يرجى -وأخذنا من أنواع التوسل: التوسل بدعاء الصالحين- فقال لهم: ناقتي ضاعت، ولو دعوتم الله أن يرد ناقتي جزاكم الله خيراً، فقال هذا المعتزلي: اللهم يا رب إنك لم ترد أن تذهب ناقته وتضيع، اللهم إنا نسألك أن تردها عليه، فقال هذا الأعرابي: والله لا حاجة لي بدعائكم، قالوا له: لِمَ؟ قال: إذا كان هو ما أرادها ثم ضاعت، وقد يريد أن ترجع ولا ترجع، فما الفائدة من دعائكم إذاً؟ فبهت المعتزلة في الحلقة كلهم، لم نحتج إلى أدلة ولا إلى نصوص وأفحمهم هذا الأعرابي بكلمتين.
ولذلك نرد على المعتزلة بردود عديدة: الرد الأول: أن هذا مخالف للأدلة المثبتة لمشيئة الله تعالى، وأنه يقول: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة:١٣] ويقول: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾ [الإنسان:٣٠] ويقول: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام:١٢٥] .
الرد الثاني: أن هذا مخالف لعموم قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر:٦٢] الآن أنت عملك شيء أم ليس شيئاً؟ نقول: عملك شيء، إذاً: الله خالق له، ونجد الصفات والأفعال تبعاً للذات، فمادام أن الذات مخلوقة فأفعالها تبع لها مخلوقة لله ، والله يقول: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦] .
الرد الثالث: أن الله مالك السماوات والأرض، فكيف يكون في ملكه ما لا يريده ولا يشاؤه، هل يمكن أن يقع في ملكه ما لا يشاؤه الله ولا يريده؟ الله المدبر لهذا الكون، فلا يكون في ملكه إلا ما شاء وأراده، والشيء الذي يكون مدبراً ولا يقع فيه ما لا يريده يدل على عجزه وضعفه وعدم ملكه الكامل، ملكه ناقص، لكن الله ملكه كامل لكل شيء.
الرد الرابع: أن نقول لهم -وهذه قاعده قالها شيخ الإسلام ابن تيمية، ودائماً ينبه عليها، وينبغي أن نقف معها دائماً -يقول: إن المبتدعة لا يفرون مما دلت عليه ظواهر النصوص إلا وقعوا في مثله أو شر منه.
فنقول لهؤلاء المعتزلة: إنكم وقعتم في شر أعظم مما فررتم منه، وما ذلكم؟ قالوا: يلزم على قولهم: إن مشيئة الكافر غلبت مشيئة الله تعالى، وهل الله يغالب؟ لا، هو أراد أن ينفي عن الله الظلم، فوقع في شر مما فر، أنها وقعت مشيئة الكافر ولم تقع مشيئة الله تعالى، فدل على أن مشيئة الكافر غلبت مشيئة الله، وهذا أقبح اعتقاداً عندهم من الاعتقاد الأول.
الرد الخامس: أن الله قد قدر الخير والشر، والله حذر من الشر وحث على الخير، وجعل للناس عقولاً يميزون بها بين الخير والشر، كما في قوله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس:٧-٨] وأرسل الله الرسل لإقامة الحجة على الناس؛ لأجل ألا يحتج الناس فيقولون: لولا أرسلت إلينا رسولاً، تجد أنه: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥] فقامت الحجة ببيان الحق وإيضاحه للناس، وهناك ردود أخرى لسنا بصدد الكلام عليها.
قال: شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: إن القدرية انقسموا إلى قسمين: غلاة ومقتصدون، وإن كانت تلك الطائفتان على ضلال، فالغلاة أنكروا مرتبة العلم ومرتبة الإرادة، وهم الذين قال فيهم الإمام الشافعي ﵀: (ناظروا القدرية بالعلم، فإن أقروا خصموا وإن أنكروا كفروا) .
الطائفة الثانية: أنكرت المرتبتين الأخريين: الكتابة والخلق، وبهذا نعلم أنهما ليستا فرقة واحدة بل هما فرقتان.
الجبرية ماذا يقولون؟ يقولون: إن الإنسان مجبور على فعله، ولهذا غلوا في إثبات القدر وإثبات الإرادة غلواً كاملاً، وقالوا: كل ما يفعله الإنسان فهو مجبور عليه، وحركة الإنسان في أفعاله كلها كحركة المرتعش، وكالريشة في مهب الريح، وكورقة الشجر التي تطير ولا تدري أين تتجه، لو جئت إلى شخص مريض بـ (الأنفلونزا) مثلاً، وينتفض من شدة البرد، وتقول: يا أخي! اتق الله، لماذا تنتفض؟ ليس بإرادته هو، هل يعتب عليه الانتفاض؟ لا يعتب؛ لأن حركة الإنسان مجبور عليها.
ولذلك قالوا: إن الإنسان مجبور على فعله، طيب! هل نسبة الأعمال إليه؟ قالوا: هذا من باب المجاز، وليس من باب الحقيقة، وهذا لا شك أنه باطل، وأوصلهم هذا الأمر إلى أمرٍ قبيح وهو: أن كل ما يفعله الإنسان والله يحبه ويرضاه حتى وإن كانت -نعوذ بالله- معصية، وهذا لاشك أنه كلام باطل، وهذا القول غالباً ما ينطبق على غلاة الصوفية الذين وصل الحد ببعضهم إلى أن قالوا: إن فرعون لما قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] هذا من كمال إيمانه، لكن موسى لم يفهم مقصوده، ولذلك عتب عليه، وإلا فهو حين يقول: ﴿أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] صحيح؛ لأن الله حال في كل مكان، وكل فعل يوجد في الكون حتى السجود للأصنام وغيره محبوب إلى الله تعالى، وهذا كلام باطل، بل هو الكفر بعينه، هذا مذهب لا شك أنه ظاهر الفساد.
ما حجة هؤلاء؟ الجواب: الكتابة في اللوح المحفوظ، ويقولون: الأحاديث والأدلة تدل على أن الله كتب مقادير العباد كلها، فمادام أنها مكتوبة فلا يمكن للإنسان أن يتصرف إطلاقاً، وهذا الكلام باطل باطل باطل! ولعلي أقول للأحبة: يوجد في عصرنا من يوجد عندهم مفهوم الجبر، وإن كان هو ليس جبرياً، أي: ليس منتسباً إلى هذه الطائفة.
نأخذ مثالاً بسيطاً الآن: قد يكون في بيتك وقد يكون من أقاربك من يأخذ بهذا المذهب، فبعض الناس تأتي تنصحه وتقول: يا أخي! اتق الله، لماذا لا تصلي؟ قال: جزاك الله خيراً، احمد الله أن الله هداك وأنا ما هداني، هذا مفهوم الجبر، بمعنى: أنني ليس لي تصرف أبداً، أنتظر الهداية فقط، وإذا كان طيباً قال: يا أخي! جزاك الله خيراً، ادع الله أن يهديني مثلما هداك فقط، وكأنه ليس عنده قدرة على الدعاء، بل يريد أن ينتظر حتى تنزل عليه الهداية من السماء فيلبسها، ثم يأتي إلى المسجد يصلي، وهذا كلام باطل لا شك في بطلانه، وإن كان قائل هذا القول لا يعرف الجبرية ولا يعرف مثبتة القدر، ولا يعرف غلاة التصوف ولا غيرهم، لكن قد يوجد له شيء من الرواسب في الناس، وكذلك يشم منه رائحة أخرى وهو مذهب الإرجاء، وإن كان في الجملة قد لا نقول: إن هؤلاء مرجئة، بعض الناس تجلس معهم في المجلس، وتجد الناس يجلسون ويقولون: أهم شيء الصلاة، يجلسون مجلساً على معاصٍ وغيرها، ويقولون: صلِّ والباقي كله يهون، أهم شيء الصلاة، وكأنهم يقولون بهذا المفهوم: من أدى هذه الصلاة سقطت عنه التكاليف كلها، بمعنى: أنه لاشيء عليه.
والمرجئة يقولون: لا يضر مع الإيمان ذنب أصلاً، ولذلك قال شاعرهم:
فأكثر ما استطعت من الخطايا إذا كان القدوم على كريم
مادام أنك ستقدم على رب كريم فلا تترك معصية إلا وذهبت إليها، وهذا -والعياذ بالله- خطر كبير، ووقف أهل السنة في وجوه المرجئة وأبطلوا مقالتهم، ولسنا بصدد الكلام عن الإرجاء، وأقسام المرجئة وغيرها.
هؤلاء الجبرية نرد عليهم بردود عديدة: أولها: أن الله أضاف العمل إلى العبد، وجعله كسباً له يعاقب عليه ويحاسب عليه بث
стр. 327
انحرافات الأشاعرة في العقيدة
أود أن أنبه -وإن كان مبحث القضاء والقدر سيطول بنا- بالنسبة للأشاعرة ليس الانحراف عندهم في باب الصفات فقط، ويظن الأحبة، وإن كان كثيراً ما نسمع أن الأشاعرة تعتبر أقرب المذاهب إلى أهل السنة، فلديهم انحراف في باب الأسماء والصفات، فهم لا يثبتون إلا سبع صفات فقط دون غيرها، وإن كان قولهم مضطرب في باب الصفات، فمنهم من أثبت سبعاً، وعشراً، وثلاثة عشر، وعشرين صفة، مما يدل على اضطرابهم، وأنهم ليس لهم قاعدة ثابتة في باب الصفات.
عندهم انحراف كذلك في باب التحسين والتقبيح، فهم يرون أن التحسين والتقبيح للشرع فقط، وليس للعقل تحسين ولا تقبيح، وقولهم هذا باطل.
ومنها كذلك: أنهم يذهبون في باب الصفات إلى قضية المجاز، وعندنا أن باب الأسماء والصفات ليس فيه مجاز أصلاً، الأصل إبقاء الألفاظ على ظاهرها.
ومنها كذلك: خبر الواحد يرونه ظني الدلالة ولا يحتج به في باب الأسماء والصفات ولا في باب الاعتقاد أصلاً، وهذا الكلام ليس بصحيح.
ومنها: في باب القضاء والقدر، فإنهم يذهبون إلى قضية الكسب، والقول بالكسب قول باطل، وقد رد عليه أئمة أهل السنة، وبينوا الانحراف فيه، فليس انحرافهم في جزئية واحدة، بل لديهم انحرافات متعددة، ومما يبين على أنهم ليسوا على منهج أهل السنة والجماعة في هذه الأمور التي ذكرناها، بل خالفوا فيها، ولئن كانوا أقرب في بعض الجزئيات، وشيخ الإسلام رحمه الله تعالى ذكرهم، ونجد واقع المسلمين يرتبطون بمذهب الأشاعرة والماتريدية، ولكن عندنا نقول: الحق أحب إلينا، وهو أقبل لنا جميعاً، وحجتنا الكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة.
ونصلي ونسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
стр. 328
شرح لامية شيخ الإسلام ابن تيمية (الدرس التاسع عشر)
أوضحت الشريعة الإسلامية للناس حقائق العقيدة وضوحاً لا غموض فيه، ومن ذلك عقيدة القدر، حيث بقي الصحابة بها متمسكين ولها واعين، لم يخالط قلوبهم شك ولا ريب، وقد نهوا أن يبحثوا بعقولهم وأهوائهم، فكفوا واستسلموا لله رب العالمين، واستمر المسلمون على ذلك إلى أن نبتت في المسلمين بذور الخلاف والشقاق والانحراف وذلك بظهور فرق الجهمية والقدرية والمعتزلة إلخ، وبالتالي فإن الاعتصام بالكتاب والسنة نجاة، والبعد عنهما هلاك وضلال، لأن البدع ليس فيها ما هو حسن أبداً، بل كل بدعة في دين الله بالزيادة أو النقصان فهي ضلالة ولا يستثنى شيء من هذا العموم.
стр. 329
مسائل تتعلق بالقضاء والقدر
стр. 330
التحذير من الخوض والتنقيب في باب القضاء والقدر
الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: لعلنا تكلمنا في الدرس السابق عن بعض المذاهب المتعلقة بالقضاء والقدر، ووجدت من الأحبة كثرة أسئلة حول هذا الأصل العظيم الذي هو الإيمان بقضاء الله وقدره خيره وشره، وأقول للأحبة كما قال وهب بن منبه رحمه الله تعالى: رأيت أعلم الناس بالقضاء والقدر أجهلهم به، وأجهل الناس بالقضاء والقدر أكثرهم بحثاً فيه وتنقيباً، ولعل السبب في ذلك: ما قاله علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه لما قال: [إن القضاء والقدر هو سر الله في خلقه، فمن يكشف سر الله تعالى؟] .
وتبقى العقول قاصرة أن تفقه أو تعلم دقائق هذا الأمر، ولكن أعطيت قواعد لابد من الإيمان بها، وهي المراتب الأربع: مرتبة العلم، والكتابة، والإرادة والمشيئة، والخلق، فإذا أقر الإنسان بها على ضوء النصوص اطمأنت نفسه ولم يجد في قلبه شيئاً من الاعتراض على أي شيء يحدث في هذا الكون من قضاء الله وقدره.
قدمت بهذا الأمر مبيناً التحذير من كثرة التنقيب والخوض في باب القضاء والقدر، ولعل الشيطان أكثر ما يقدح في نفس الإنسان من الشبه والشكوك ومن الأمور التي تزعزع مبدأ القضاء والقدر والإيمان به، ولهذا لما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى أن البدع والشبه خطيرة على الإنسان، قالوا: وأشدها خطراً ما كان متعلقاً بالقضاء والقدر، خاصة أنها تتعلق بأمرٍ غيبي ولا يمكن للإنسان تفسيرها إلا إذا كان عند الإنسان قاعدة بالإيمان بالله وبرسوله وبما أخبر عن الله وعن الرسول ﷺ واطمأنت نفسه لهذا الأمر.
стр. 331
أنواع تقديرات مرتبة الكتابة
أنطلق إلى أنواع التقدير، وأبدأ بمرتبة الكتابة التي يجب علينا الإيمان بها، والتقدير أنواعه متعددة: التقدير الأول: التقدير الأزلي: وهو كتابة المقادير قبل خلق السماوات والأرض، ويشهد له قول النبي ﷺ : (إن الله قدَّر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء) ويشهد له قول الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد:٢٢] وحديث النبي ﷺ : (أول ما خلق الله القلم قال له: اكتب، قال: وما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى قيام الساعة) ومفهوم هذه المرتبة أن المسلم يؤمن بأن الله قد كتب كل شيء، وهو الذي قال فيه النبي ﷺ : (جفت الأقلام وطويت الصحف) أي: أن هذا الأمر قد فرغ منه، وما كتب في اللوح المحفوظ لا تغيير فيه ولا محو، ولا زيادة فيه ولا نقصان.
التقدير الثاني: التقدير العمري، وذلك حين أخذ الميثاق على بني آدم: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف:١٧٢] دل على أن هذا التقدير كان للإنسان منذ الأزل؛ قدر للإنسان ما سيعمله، ولقد روي عن النبي ﷺ حديث لـ عمر بن الخطاب قال: سمعت الرسول ﷺ يقول عن الآية ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ﴾ فأخبر النبي ﷺ تفسيراً ومقصوداً لذلك: أن الله قدر جزءاً من ذرية آدم إلى النار، وجزءاً منهم إلى الجنة، والله عالم بأهل الجنة وما يعملون، وأهل النار وما سيعملون ، ويسمي العلماء هذا التقدير: التقدير المتعلق بأخذ الميثاق، وإن كان بين العلماء فيه خلاف.
والإمام ابن القيم ﵀ تطرق إلى هذه المسألة، ورجح أن قضية مسح ظهر آدم وإخراج الذرية منه إخراجاً حسياً أن النصوص ليست صريحة في إثباته، وإنما ما كان من التقدير الذي إنما يشهد تمييز الناس إلى جنة أو إلى نار، وأن هؤلاء من ذرية آدم إلى النار، وأن هؤلاء من ذريته إلى الجنة.
التقدير الثالث: الذي يكون للإنسان عند أول تخلقه، ويسميه العلماء: التقدير العمري الخاص بالإنسان -والأول: التقدير الذي يعتبر متعلقاً بالميثاق- فالتقدير الذي يكون خاصاً بالإنسان مثلما قال الله تعالى: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النجم:٣٢] ويشهد له حديث النبي ﷺ : (إن أحدكم ليجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة) ثم ذكر النبي ﷺ العلقة، ثم المضغة، ثم يرسل إليه ملك فينفخ فيه الروح، ثم يكتب رزقه وأجله، ثم قال: وشقي أو سعيد، ويصبح كل واحد منا كُتب، وهذه الكتابة والتي قبلها كلها مرتبطة بقضية الكتابة المتعلقة باللوح المحفوظ.
التقدير الرابع: التقدير الحولي: وهذا التقدير في ليلة القدر، وهي في قول الله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان:٤] أي: أن الله يكتب من أم الكتاب ما يكون في السنة من سيموت ومن سيمرض ومن كذا، ويقدر ما سيعمله في ليلة القدر في السنة التي هو فيها وجزء من السنة القادمة.
التقدير الخامس: التقدير اليومي، يقول الله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن:٢٩] .
стр. 332
أنواع الإرادة
ذكر العلماء أن الإرادة تنقسم إلى قسمين: ١- إرادة كونية قدرية.
٢- إرادة دينية شرعية.
أما الإرادة الكونية القدرية فتتعلق بكل شيء في هذا الكون، وما من حركة ولا سكنة ولا فعل ولا عمل ولا إمراض ولا حياة ولا موت ولا غيره إلا داخل تحت الإرادة الكونية القدرية التي يجب علينا أن نؤمن بها، وقد دل عليها قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة:١٣] ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام:١٢٥] ويشهد لها قول الله تعالى كذلك: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢] ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان:٣٠] دل على أنه لا يخرج من الكون شيء أبداً عن مشيئة الله تعالى.
وهذه نسميها الإرادة الكونية القدرية، ويدخل فيها المؤمن والكافر، والبر والفاجر، ولا يخرج أحد منها إطلاقاً.
وأما الإرادة الدينية الشرعية فهي المتضمنة لمحبة الله ورضاه، وهذه تتعلق بشرعه ودينه، مثل: الصلاة والزكاة والعبادات والتوحيد وغيره، نقول: هذه الله يريدها من العباد ديناً وشرعاً، ويستدل العلماء لها بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة:٢٠٥] ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر:٧] ، وقول النبي ﷺ : (إن الله كره لكم: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال) هذه كلها مما يكرهها الرب .
ما هو الفرق بين الإرادتين؟ يفرق العلماء بين الإرادتين فيقولون: إن الإرادة الكونية القدرية تتميز: أولاً: أنها شاملة للكون كله، فلا يخرج شيء من الكون عنها.
ثانياً: لا يلزم أن يحبها الله ويرضاها، فقد يحبها الله ويرضاها وقد لا يحبها الله ولا يرضاها، وهذه الإرادة نسميها: الكونية القدرية.
ثالثاً: الإرادة الكونية القدرية تتحقق في الكافر وفي المؤمن.
أما الدينية الشرعية فهي تتميز: أولاً: أن الله يحبها ويرضاها.
ثانياً: لا يلزم وقوعها.
ثالثاً: أنها لا تتحقق -أي: الدينية الشرعية- إلا في المؤمن المستقيم، أما الكافر فلا تتحقق فيه الإرادة الدينية الشرعية.
مثال ذلك: إذا أراد الله إنزال المطر كوناً وقدراً لا بد أن يقع، لكن الإرادة الكونية الشرعية لو سئلنا جميعاً: أليس الله يريد من العباد أن يصلوا؟ هذه إرادة شرعية دينية يريدها منهم، لكن هل يلزم منهم أن يصلوا؟ لا يلزم، منهم من يصلي ومنهم من لا يصلي، والله أمرنا بالاستقامة على دينة، فهل يلزم كل الناس أن يستقيموا؟ لا، منهم من استقام ومنهم بقي على انحرافه، فلا يلزم وقوعها.
الإرادة الكونية القدرية لا يلزم أن الله يحبها ويرضها، فإن الله أراد كوناً وقدراً أن يقع الكفر، وتقع المعاصي، هل يلزم أن الله يحبها؟ لا، لكن إرادته الدينية الشرعية: الصلاة، الصيام، الاستقامة وغيرها يحبها الله ويرضاها من عباده، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر:٧] ﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة:٢٠٥] .
ولهذا نجد أن بعض الطوائف غلت في هذا الباب، فنجد طائفة الجبرية أخذت بالإرادة الكونية القدرية فقط، وبهذا انحرفت ونسيت الإرادة الدينية الشرعية، وطائفة المعتزلة أخذت بالإرادة الدينية الشرعية، ونسيت الإرادة الكونية القدرية، وضلت هذه الطائفة، وكلتا الطائفتين على انحراف وضلال، لكن أهل السنة والجماعة جاءوا بالإرادتين جميعاً فآمنوا بهما، ووفقوا بينهما، وكانوا أسعد الطوائف في باب القضاء والقدر، ولهذا كانوا من أصلح الناس في هذا الأمر.
نقول للأحبة: أفعال العباد لا تخرج عن خلق الله تعالى، وهي داخلة في إرادة الله ومشيئته، ولا يخرج شيء من الناس إطلاقاً بفعله أو عمله عن هذه الإرادة أبداً، ويدل عليها من ناحية العقل ومن ناحية الشرع: أما ناحية الشرع: فجميع الآيات الواردة في الإرادة الكونية القدرية.
وأما ناحية العقل: فنجد أن الكون ملك لله تعالى ولا يخرج شيء عن ملكه، فهل يقع في ملكه ما لا يريده ولا يحبه؟ بالنسبة لما لا يحبه قد يقع في مسألة الكفر، لكن ما لا يريده أبداً، الله هو المالك والمتصرف بهذا الكون سبحانه، ولا يقع فيه إلا ما أراده ، سواء كانت أفعال العباد كلها اختيارية أو كانت أفعالاً نسميها جبرية جبل الإنسان عليها.
стр. 333
سبب نكوص كثير من الناس عن طلب الهداية
مسألة: كثيراً ما يعرض بعض العصاة وأصحاب الفسق ويحتجون إذا نوقشوا بالاستقامة على دين الله بالقضاء والقدر، وقالوا: نحن لم يرد الله هدايتنا ولا استقامتنا، وأنتم هداكم الله، فما موقفك من هذه؟ الجواب: إن هؤلاء لا يحتاجون إلى كثير من النصوص الشرعية ولا المناقشات ولا غير ذلك، ولا تصغ إليه، بل يكفي ضرب المثال ليتضح بطلان ما هو عليه، ولهذا تجد بعض الناس عندما تقول له: لماذا لا تصلي؟ قال: سبحان الله! أنا مكتوب في بطن أمي وعندنا عقيدة شقي أو سعيد، نقول له: نعم، يقول: أنا مكتوب من أهل الشقاء وانتهى الإشكال، أو بعض الناس يقول: أنت هداك الله لماذا أنا لا يهديني؟ نستدل له بالقرآن، وسبحان الله! آية عظيمة جداً في سورة ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [الليل:١] ، لما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ [الليل:٥-٦] جاءت بعدها ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل:٧] بدئ بالعمل أولاً، فنقول لهذا المنحرف: ائت إلى المسجد وصلِّ الصلوات، وجالس الأخيار، واحضر حلقات العلم، واحرص على الأعمال الصالحة ييسرك الله لليسرى، أما أن تجلس في محلات الخنا والمعاصي والفسق والفجور، وتنتظر الهداية إلى تنزل عليك من السماء، هذا أمر لم يجعله الله؛ إذ قد جعل الله من سننه الكونية أن ربط الأسباب بالمسببات، وجعلها الله سبباً، ولنذكر لهذا المسكين مثالاً بسيطاً وهو من اللطائف: ذكروا أن شيخاً لقي أحد تلاميذه وقد غاب عنه زمناً، وقد كبر سنه، سأله: هل جاءك أولاد؟ قال: والله ما رزقت بأولاد، ولكن لو دعوت الله لي لكان طيباً، فأخذ الشيخ يدعو له -وقد غاب عنه- وبعد سنة، سأله: أرزقت بأولاد؟ قال: والله ما رزقت، فسأله الشيخ: هل تزوجت أم لم تتزوج؟ قال: لا.
لم أتزوج، قال: كيف تجعلني أدعو لك سنة أن يرزقك الله أولاداً وأنت ما تزوجت؟ وهذا الذي يريد الهداية أن تنزل عليه من السماء كحال من يريد أولاداً بدون زواج، هل يمكن؟ سنة من سنن الله الكونية وهي ربط الأسباب بالمسببات، وهؤلاء يعملون أغلوطات هم لا يعملون بها في كل جوانب حياتهم، قد يعمل بها في حال المعصية ولا يعمل بها في حال الطاعة.
عجباً لهؤلاء القوم! يحتج بالقضاء والقدر في معصيته، لكن إذا جاء إلى المسجد وذهب إلى مكة يطوف ويسعى، ما قال: والله كل هذا بقضاء الله وقدره، ما عندي عمل إطلاقاً وأنا مجبور، لا يمكن! لو قلت له: أنت مجبور أن تذهب الآن إلى المسجد، يقول: السلام عليكم وانتهى الإشكال يقول: أنا مجبور حر، وبهذا يستطيع التمييز، وهؤلاء مساكين يكيلون بمكيالين، ففي الطاعات يقول: هذا عملي وأنا الذي قدمت.
وتجد الشخص إذا بنى مسجداً أو أنفق أموالاً قال: بنينا، وعملنا، وتعبنا، وأسأل الله أن يتقبل هذا العمل وغيره، لكن في حال المعصية لا يقول: أسأل الله، إنما يقول: هذا بقضاء الله وقدره، ليس لي شيء، وهذا لا شك أنه احتجاج باطل لا شك في بطلانه.
ثم نقول لهؤلاء المساكين الذين يحتجون بالقضاء والقدر في حال المعاصي، ونضرب لهم بمثالين بسيطين: أول مثال وهو من الأمثلة البديهية: أليس قد كتب رزقك أم لم يكتب؟ الجواب: مكتوب رزقك: (لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها) ما رأيكم أن نجلس هنا ولا نخرج، إن كان الله كتب لنا أن يأتي الفطور جاء، وإن كان لم يكتب في اللوح المحفوظ فليس هناك مجال، لا يمكن أن يأتي، هل يعمل به؟ أبداً، هل يمكن أن يقبله؟ لا يقبله أبداً، ولذلك إذا جاء أحدنا الظهر أول ما يدخل يدخل المطبخ يفتح الثلاجة ويأخذ شيئاً خفيفاً، يسحب الصماط يقدم يعمل يعمل، لا يمكن أن يأتيه أكل بدون أن يقدم شيئاً [إن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة] كما قال عمر للذي جلس في المسجد يسأل أن ينزل عليه شيء.
إذاً فما نعمله في أمور الدنيا يجب أن نعمله لأمور الآخرة، فلماذا نعمل للدنيا ولا نعمل للآخرة، ونكيل بميزانين؟ الأمر الثاني: من الأمور التي غابت عن عقولنا الآن، وهي مثل مبحث القضاء والقدر، قضية موت أحدنا الآن، لو سئل كل واحد منا الآن سؤالاً: متى ستموت؟ ليس عندي خبر.
أي سبب ستموت به؟ ليس عندي خبر.
وعندك (١٠٠%) يقين؟ قال: نعم عندي (١٠٠%) يقين.
ومكتوب في اللوح المحفوظ السبب؟ نعم.
قلنا له: جزاك الله خيراً، مادمت تحتج بالقضاء والقدر على قضية الهداية، الخط السريع إذا جاء في الساعة الثانية عشرة ليلاً، افتح الفراش ونم وسط الخط السريع الدائري، وإن كان الله كتب موتك لا محالة ستموت، وإن كان لم يكتب الله موتك تجد السيارات يذهبن يميناً ويساراً ولا يقربنك أبداً.
عندما ينام لا يمكن أن تقر له عين، لا تأتي سيارة إلا وهو ينتظر متى تصل إليه! إذاً ليس عندك يقين بهذا الشيء؟ عندي معتقد، فلماذا؟ ونحن نقول: نحن نعلم بأن الله قد كتب هذا الأمر، لكن لم يخبرنا الله أأنت شقي أم سعيد.
ثم كل واحد منا يفرق بين الأمر الاختياري والأمر الإجباري، هذا أمر يقيني عندنا، أحدنا إذ يأتي إلى المسجد لحلقة علم لا يشعر أنه يجر برقبته حتى يدخل المسجد، بل يشعر بطمأنينة يمشي مختاراً، ويستطيع الإنسان أن يمشي، ولا يقول أحد: أنا مجبور أبداً.
أضرب مثالاً بسيطاً: لو قتل أحد إنساناً، قلنا له: لماذا؟ قال: هذا أمر مكتوب، ثم جاء شخص آخر حامل السلاح قلنا له: إلى أين؟ قال: أنا سأقتل.
هذا مكتوب عليه وأنا مثله مكتوب علي وهذا لا يمكن أبداً، لا يعلم أبداً بهذا الشيء، يستطيع الرجوع مباشرة، ولو قلت الآن لأي شخص: أنت الآن جئت إلى الدورة مجبوراً؟ قال: لا مجبور ولا أي شيء، السلام عليكم ولا درس ولا شيء أنا حر، ولهذا يشعر الإنسان بأفعاله في الطاعات، وفي المعاصي أنه ليس مجبوراً أبداً، لا يشعر بجبر، يستطيع الترك ويستطيع العمل.
فمثلاً: بعض الفساق تمر المرأة مثلاً وقد تجملت، يقول: الحمد لله! هذا رزق جاء به الله، ما جئت به أنا؛ أنا جالس أنظر وينتهي الإشكال، هل يمكن؟ لا يمكن أبداً وهو يشعر بالاختيار، والدليل على ذلك أنه يمشي من هنا، ويمشي من الجهة الثانية، وينظر ويعمل إلى أن يقحم نفسه في المعصية، ليس هناك جبر أبداً، مع علمنا أن كل شيء قد كتب في اللوح المحفوظ.
أردت أن أضرب هذه الأمثلة لنقطع دابر هؤلاء الذين يحتجون بالقضاء والقدر في معاصيهم.
стр. 334
الاحتجاج بالقضاء والقدر إنما يكون على المصائب والآلام لا المعايب والآثام
يذكر أهل السنة والجماعة قاعدة عظيمة جداً، وهي في مبحث القضاء والقدر: إن القضاء والقدر يحتج به في باب المصائب لا في باب المعايب، ومن الأمثلة على ذلك: نحن نسير في طريق وانقلبت السيارة أو صدمت، نأتي للشخص ونقول: الحمد لله على قضاء الله وقدره، لله ما أخذ، الحمد لله أنه ما جعلها أعظم، نحتج بالقضاء والقدر.
شخص الآن مشى وضرب شخصاً وقتله، لا نأتي إلى القاتل ونقول: الحمد لله على قضاء الله وقدره، هذا أمر مكتوب عليك! بل نعاتب عليه ونعنف عليه، ونسبه ونشتمه: أما تخشى الله أما تتقيه أما تعلم مغبة قتل المسلم وأثره؟ لا نحتج له بالقضاء والقدر، مع أن هذا الأمر واقع بقضاء الله وقدره، ولذلك قال العلماء: يحتج بالقضاء والقدر في باب المصائب لا في باب المعايب.
ولعلي أذكر مثالاً وأنطلق للرد على أهل المعاصي، يمثل العلماء له بقضية القتل: فمثلاً: صديق لك قتله شخص، حين نذهب إلى أهل المقتول أول ما ندخل عليهم نقول: الحمد الله على قضاء الله وقدره، هذا أمر مكتوب عليه، ونسليهم، وحين نذهب إلى القاتل لا نأخذ هذا القاتل؛ بل نسبه ونشتمه، أما تعلم أنك ستقتل، أما تعلم بالآيات الواردة في تحريم القتل، أما تعلم أن هذا من كبائر الذنوب، أما تخشى الله؟ نعنف عليه، أما أولئك فنسليهم، ونسريهم، ونسحب من نفوسهم الحزن، وهذا هو مصداق: يحتج بالقضاء والقدر في باب المصائب دون باب المعايب، فإنه لا يحتج به في باب قضاء الله وقدره.
стр. 335
الرد على الجبرية في الاحتجاج بالمعاصي
ننتقل إلى من يحتجون بالمعاصي، أول رد عليهم: أن الله أضاف العمل للعبد، وإضافة العمل للعبد وجعْلُه كسباً له يدل على أنه هو المعاقب عليه، ولهذا قال: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [غافر:١٧] ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٣٢] ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات:٦١] ﴿فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦] حثك بأن تعمل وتجتهد في هذا الأمر.
الأمر الثاني: أن الله أمر العبد ونهاه، ولم يكلفه الله فوق طاقته، الصلاة فوق الطاقة، الصيام فوق الطاقة، الزكاة فوق الطاقة؟ أبداً، كلها في قدرة الإنسان، ولذلك إذا كلفك الله ما تطيق تستحق أن تحاسب على الخير وتحاسب على الشر، ولهذا قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦] ونقصد أن الإنسان مكلف على قدر طاقته، أي أنه ليس مجبوراً على أي عمل يعمله، لا صلاة ولا صيام ولا غيره، والدليل على ذلك: أيام الإجازات أناس ينطلقون لطاعة الله، وأناس ينطلقون إلى المعاصي، وكل واحد منهم مختار لهذا الأمر، ولكن شتان بين مشرق ومغرب! الأمر الثالث: أن كل واحد منا يفرق بين الفعل الاختياري والفعل الجبري، فالفعل الاختياري يستطيع الإنسان أن يتخلص منه، وأما الفعلي الجبري فلا يستطيع الإنسان التخلص منه، هل يستطيع واحد منا أن يوقف كبده أو تنفسه؟ لا يستطيع، لكن الفعل الاختياري: تمشي إلى حلقة مسجد، أو حلقة علم، أو إلى زيارة إخوانك في الله إلى غير ذلك، أما الأمر المجبور عليه الإنسان فلا تستطيع.
ولذلك فالأمر الجبري لا مجال للحساب ولا للعقاب عليه أبداً، وحق الإثابة ليس عليه شيء كأن يكون طويلاً جداً، فيعطى أجوراً أكثر والقصير لا يعطى، ليس له علاقة، لون الإنسان موطنه سكنه ليس لها ارتباط.
الأمر الرابع: أن العاصي قبل أن يقدم على المعصية لا يدري ما قدر الله له، إنسان انطلق ليزني، قلنا له: إلى أين؟ قال: أنا أريد أن أنظر القضاء والقدر إلى ماذا ينتهي بي، إلى أين؟ بدأ بنظرة، ثم انطلق إلى مكان المعصية، ينتظر القضاء والقدر! من أعلمك بما قضاه الله وقدره عليك؟ لكن الله أمرك أن تبتعد عن المعصية، ولذلك نقول له: اتق الله فلا تفعل هذا الأمر، حتى يكون رادعاً له به، ولهذا حري بالمسلم أن يسلك الطريق الصحيح، ويقول بعد ذلك: هذا ما قُدِّر لي.
الأمر الخامس: أن الله أرسل الرسل لقطع الحجة على العباد: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥] ولو كان القدر حجة للعاصي ما انقطعت الحجة بإرسال الرسل عليهم الصلاة والسلام، ولهذا فإننا نقول لمن يحتج بالقضاء والقدر على عدم الحاجة للعمل: إنه لا ينبغي أبداً أن نحتج بالقضاء والقدر فنكسل عن العمل سواء في طاعة الله أو في الأعمال الدنيوية، بل الواجب علينا أن نعمل، قال الله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة:١٠٥] كله أمر بالعمل والاجتهاد فيه، وقال النبي ﷺ : (اعملوا فكل ميسر لما خلق له) كل هذا أمر لنا بأن نسير بالتسليم لقضاء الله وقدره والعمل بطاعة الله.
стр. 336
ثمار الإيمان بالقضاء والقدر
أولاً: أن الإيمان بالقضاء والقدر يعتبر من أكبر الدواعي التي تدعو الإنسان للعمل والنشاط بما يرضي الله تعالى، والإيمان بالقدر من أقوى الحوافز للمؤمن لكي يعمل ويقدم على عظائم الأمور بثبات وعزيمة ويقين.
فمثلاً: أنا أسير، ثم بعد ذلك أؤمن بقضاء الله وقدره، مثلما جاء الأعرابي إلى النبي ﷺ وقال: (يا رسول الله! ناقتي أعقلها وأتوكل أم أتوكل على الله؟ فقال له النبي ﷺ : اعقلها وتوكل) أمرنا بالعمل لأمور الآخرة، ثم بعد ذلك نؤمن ونطمئن بأن الله مع أوليائه، وينصرهم ويوفقهم ويعينهم ويسددهم في الدنيا والآخرة، فيصبح حافزاً لك على العمل الصالح.
ثانياً: أن يعرف الإنسان قدر نفسه، فلا يتكبر ولا يبطر ولا يتعالى أبداً؛ لأنه عاجز عن معرفة المخلوق، فإذا كان الإنسان صاحب مال كثير فهو يؤمن بقضاء الله وقدره، وأن هذا هو الذي كتبه الله له، فلا يؤدي إلى التكبر، الله الذي أعطاك هذا الشيء، وإذا كان الإنسان فقيراً رضي بما قضاه الله له وقدره، واطمأنت نفسه بعيشه الذي هو فيه، وسعى لأن يغير من واقعه، وهذا يعطي الإنسان طمأنينة نفسية قوية جداً، لعلمه أن الله هو المدبر لهذا الكون، وهو المصرف له .
كذلك الإنسان قد خلق محباً للحياة الدنيا، وسبحان الله! يقول إبراهيم بن إسحاق الحربي: من لم يؤمن بالقدر لم يتهنأ بعيشه، وهذا لا شك أنه صحيح، ولذلك تجد بعض الشباب يعيشون فوق طاقاتهم، وأمرنا كما ورد عن النبي ﷺ في أمور الدنيا أن ننظر إلى من هو أسفل منا؛ لئلا نزدري نعمة الله علينا، لكن في أمور الآخرة والعبادة ننظر إلى من هو أعلى منا، لا ننظر إلى من هو أدنى منا، ولعل هذا يعطينا طمأنينة.
بعض الناس إذا ذهب إلى أصحاب الثراء تقطع قلبه، ثم أخذ يتعب نفسه ويجاهدها بكل الوسائل، ويريد أن يكون مثلهم ولا يكتب له ذلك، لكن إذا علم بقضاء الله وقدره، اطمأنت نفسه، يقول الله تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الزخرف:٣٢] .
ولهذا جعل الله بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً، جعل الله الناس طبقات، وهذا يوجب للإنسان طمأنينة، والله قد جعل من طبيعة الإنسان: ﴿إِنَّ الْأِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً﴾ [المعارج:٢٠-٢١] لكن من رزق الإيمان بقضاء الله وقدره فلا يتأثر في حال الخير ولا في حال الشر.
ثالثاً: الإيمان بالقضاء والقدر يقضي على كثير من الأمراض التي تقضي على المجتمعات وتورث الأحقاد بين الناس، ولعلي أضرب للأحبة مثالاً، يقول العلماء: إن الأقران بينهم من الحسد كما بين التيوس إذا كانت في زريبة غنم، وتجد مثلاً اثنين يتنافسان في العلم، تجد كل واحد يبحث عن زلة الآخر، يقول: والله هو طيب ولكن عليه ملاحظات، وتجد هذا يتكلم وهذا يتكلم، لكن من آمن بقضاء الله وقدره اطمأنت نفسه، وأصبح يرضى بما ميز الله بعضهم على بعض، وكم كان لـ شيخ الإسلام ﵀ من الحساد في عصره، حتى وشوا به إلى السلطان وسجن عدة مرات ومات في السجن ﵁ ورحمه، كله بسبب الحسد، لكن المسلم يرضى، وهذا يكون بين التجار بعضهم مع بعض، وبين أصحاب الأموال، كلما تجد أقراناً تجد بينهم هذا الأمر، ولكن إذا كان الإنسان مؤمناً بقضاء الله وقدره اطمأنت نفسه أن هذا هو الذي قسمه الله له، وما فضل الله عليه بعضاً من الناس ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الجمعة:٤] .
رابعاً: أن الإيمان بالقضاء والقدر يوجب للقلوب المؤمنة الشجاعة في مواجهة الشدائد، ويقوي بها العزائم، ويثبتها في ساحات الجهاد فلا تخاف الموت:
ولست أبالي حين أقتل مسلماً على أي جنب كان في الله مصرعي
وكم كان للصحابة من المواقف العظيمة العجيبة، ولعل من الأمثلة ما ذكر في ترجمة الزبير ﵁ وأرضاه أنه بعد وفاة النبي ﷺ قاد بعض المعارك، وفي بعضها لم يكن قائداً، وقيل للزبير: لو كنت أميراً علينا في هذه؟ قال: لا تستطيعون أن أكون عليكم أميراً، قالوا له: ولماذا؟ قال: أريكم، كان كبير السن وجيش العدو أمامه، فانطلق بجواده، فشق صفوف العدو ثم رجع مرة أخرى، قال: تستطيعون؟ قالوا: لا نستطيع مثل هذا، وما رجع إلا بطعنات، ويدل على أن هذا يوجب للإنسان طمأنينة أنه لن ينقطع الأجل، وليس دخول المعارك سبباً لقضية الموت.
أيضاً خالد بن الوليد ﵁ كم خاض من معارك يريد الشهادة ومع ذلك ما كتبت له، وإنما مات على فراشه ﵁ وأرضاه.
ويصبح الإنسان عنده شجاعة وطمأنينة بهذا الأمر، توجب له السير على ما كان عليه أو الرضا بقضاء الله وقدره، وقد بينها النبي ﷺ لـ ابن عباس بقوله: (واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، ولو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله عليك: رفعت الأقلام وجفت الصحف) إلى غير ذلك مما تدعو الإنسان إلى ثمار الإيمان بقضاء الله وقدره.
стр. 337
فضيلة الاتباع وخطورة الابتداع
ثم قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:
هذا اعتقاد الشافعي ومالك وأبي حنيفة ثم أحمد ينقل
فإن اتبعت سبيلهم فموفق وإن ابتدعت فما عليك معول
стр. 338
منهج السلف الصالح في الاتباع
كنا نتمنى أننا لو ترجمنا لهؤلاء الأئمة الكبار رحمهم الله تعالى ورضي عنهم، ولكن إلى الله المشتكى لضيق الوقت، ولعلنا توسعنا في بعض الجوانب، وقلت في نفسي: تراجم هؤلاء من السهل الوصول إليها، لكن الحرص على عرض بعض مسائل الاعتقاد هو الذي جعلنا نُغفل هذه، وقد نبهت سابقاً واعتبرتها كالقاعدة عندنا نحن: أن الأئمة الأربعة رحمهم الله تعالى كلهم أثري سلفي في معتقده، وقصدي بذلك أنه متى ثبت عند أحدهم حديث عن النبي ﷺ ترك رأيه واطرحه اطراحاً كاملاً.
- مالك ﵀ يقول: "كل يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر ﷺ ".
- أبو حنيفة لما عرض عليه حديث الإيمان، قالوا: ألا تجيبه؟ وكان يرى أن الأعمال ليست داخلة في مسمى الإيمان، قال: كيف أجيبه وقد قال بقول رسول الله ﷺ ، وقد جاء بهذا عن رسول الله، لا أستطيع.
- الشافعي سئل عن مسألة وقال فيها بحديث النبي ﷺ ، قيل له: ما رأيك أنت؟ قال: أعوذ بالله! أتروني في كنيسة؟ أتروني في وسطي زناراً؟ أتروني في بيعة؟ أقول: قال رسول الله، فتقولون: ما رأيك أنت؟ منكراً عليهم، وهكذا منهج أئمة السلف، وهو السير على ما ثبت عن الله وسنة رسوله ﷺ .
ويقول شيخ الإسلام ﵀: (هذا اعتقاد الشافعي) أي: هذا جملة من اعتقاد الشافعي وليس كله، وإلا فإن العقيدة جوانبها كثيرة، والمؤلف لم يعرض مسائل الاعتقاد كلها، لكن ما ذكره من المسائل الماضية هو ما يعتقده الأئمة الأربعة رحمهم الله تعالى، وهذا هو المنقول عنهم، وهو الصحيح فيما ذكر في هذا، ثم قال:
فإن اتبعت سبيلهم فموفق
أي: من سار على ما كان عليه الأئمة الأربعة في معتقدهم فهو الموفق للحق والصائب فيه، وهذا نعتبره في الجملة؛ لأنهم على المنهج، وليس معناه أنه لا يحصل عندهم خطأ أو لا يحدث عندهم عدم إصابة الحق؛ لأننا نعتقد أنهم غير معصومين، فإن كل يؤخذ من قوله ويرد ولا عصمة إلا للرسل عليهم الصلاة والسلام، أما من عداهم فإنه يحدث عندهم شيء من الخطأ، لكنهم كلهم على المنهج، أي: على منهج الكتاب والسنة والحرص عليه، ثم قال:
وإن ابتدعت فما عليك معول
أي: إن لم تأخذ بهذا المعتقد السابق وجئت بأمرٍ مبتدع محدث فما عليك معول، لا حجة فيما قلته أبداً، فالأول أدلته الكتاب والسنة، وإذا جئت بشيء غير ما دل عليه الكتاب والسنة فلا اعتماد على ما قلت، ولا قبول لما أردت.
стр. 339
ذم البدع في ضوء الكتاب والسنة
أود أن أعرج على مبحث البدع وما ورد من الذم لها، وقد ورد عندنا الذم لقضية البدع: يجب أن نعلم أن الله قد أنعم على هذه الأمة نعماً عظيمة، ومن أعظم نعمه التي أنعم الله عليها هي كمال الدين، وأن الله أكمل دينه وأتمه، وقصدنا بقضية كمال الدين أن نقطع على عقول المبتدعة أن يزيدوا لنا شيئاً أو ينقصوا منه شيئاً، من نقص في دين الله تعالى شيئاً فقد ابتدع، ومن جاء بشيء جديد فقد ابتدع، وكم هي طوائف المبتدعة كثيرة جداً، فمنها ما يتعلق بالبدع بدع تتعلق بالاعتقاد: كبدع الخوارج، والمعتزلة، والجهمية، والرافضة وغيرها، وبدع تتعلق بالأحكام: كبدع الصوفية وإن كان عندهم بدع كذلك في الاعتقاد بإتيانهم بأوراد وعبادات وصلوات وأعمال لا رصيد لها من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
يقول ابن عباس ﵁ عند هذه الآية: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:٣] مفسراً لها: أخبر الله نبيه ﷺ والمؤمنين كذلك أنه أكمل لهم الإيمان، فلا يحتاجون إلى زيادة أبداً، وقد أتمه الله تعالى فلا ينقص أبداً، وقد رضيه فلا يسخطه أبداً، ثم بين الله لنا الأمر باتباع ما جاءت به الرسل في غير ما آية، ففي آدم ﵊: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى﴾ [طه:١٢٣] كذلك قوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف:٣] ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الزمر:٥٥] ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧] إلى غير ذلك من الآيات الآمرة به.
وكذلك هناك أحاديث كثيرة عن النبي ﷺ تأمرنا بقضية الاتباع، والسير على ذلك، وقد ورد في صحيح مسلم من حديث جابر في حجة النبي ﷺ : (تركت فيكم ما إن تمسكتم به فلن تضلوا بعدي أبداً: كتاب الله) دل على أن من تمسك بالكتاب والسنة فلن يضل أبداً، وقد روى مسلم كذلك من حديث جابر أن النبي ﷺ كان يقول في خطبته: (أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة) .
وكذلك لما أمرنا باتباع السنة وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعده، ثم قال النبي ﷺ : (فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة) إلى غير ذلك من الأحاديث.
من أنصح الخلق للناس هو رسول الله ﷺ ، وأبرهم بأمته، وأعلمهم بما يصلحهم، أمرنا بقضية الاتباع، وحذرنا من قضية الابتداع.
رويت عن الصحابة ﵃ وعن التابعين آثار كثيرة جداً تأمرنا بقضية الاتباع في مسائل الاعتقاد وفي مسائل الأحكام، ليس بعضها دون بعض، فمنها: قول معاذ بن جبل ﵁ حين قام بـ الشام فقال: [أيها الناس! عليكم بالعلم قبل أن يرفع، ألا وإن رفعه ذهاب أهله، وإياكم والبدع، والتبدع والتنطع، وعليكم بأمركم العتيق] أي: ما كان عليه النبي ﷺ لا تأتوا بشيء جديد.
ومنها كذلك قول ابن مسعود ﵁ وأرضاه: [عليكم بالطريق فلئن لزمتموه لقد سبقتم سبقاً بعيداً، ولئن خالفتموه يميناً وشمالاً لقد ضللتم ضلالاً بعيداً] ثم يقول أبو الدرداء: [لن تضل ما أخذت بالأثر] أي: ما جاءك عن النبي ﷺ ، ومنها: [عليك بتقوى الله والاستقامة واتبع ولا تبتدع] كما قالها ابن عباس ﵄ لرجل إلى غير ذلك من الآثار.
стр. 340
تعريف البدعة في اللغة والاصطلاح
البدعة في اللغة: مأخوذة من الشيء المخترع من غير مثال سابق، ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف:٩] وقوله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ [الحديد:٢٧] ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة:١١٧] نجد من هذا المفهوم أنه يدلنا على أن البدعة شيء جديد لم يكن عليه من قبل.
يجب أن نعلم أن البدعة تستعمل في الخير والشر، إلا أنها أكثر ما ترد في قضية ما نسميه عرفاً في قضية الذم، إذا قيل: هذا أمر مبتدع، كأنك تنفر الناس منه.
بالنسبة للبدعة فقد عرفها جمع من أهل العلم، وممن عرفها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، قال: البدعة في الدين هي ما لم يشرعه الله ولا رسوله، وهو ما لم يأمر به أمر إيجاب ولا استحباب، فأما ما أمر به أمر إيجاب أو استحباب، وعلم الأمر به بالأدلة الشرعية فهو من دين الإسلام ولا يسمى الذي شرعه الله بدعة وإن تنازعوا -يعني: العلماء- في شيء من ذلك، وسواء كان هذا الأمر معروفاً في عهد النبي ﷺ أو لم يكن معروفاً.
ابن رجب رحمه الله تعالى ذكر تعريف البدعة: أنها ما أُحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه، وأما ما كان له أصل في الشريعة يدل عليه فليس ببدعة شرعاً، وإن كان يسمى بدعة لغوية.
ونفهم من التعريفين السابقين أموراً متعددة: أولاً: أن البدعة إحداث في الدين، فيخرج بذلك ما أُحدث ولم يدخل به من أمور الدين، مثل: الأمور المتعلقة بالأمور الدنيوية، ميكرفونات سيارات إلى غيره، ما كانت هذه بدع، ولكنها ليست متعلقة بالدين، بل إن هذه من أمور مصالح الدنيا.
كذلك نجد أن البدعة ليس لها أصل في الشرع يدل عليها، وأن ما دلت عليه قواعد الشريعة فليس ببدعة وإن لم ينص عليه الشارع، مثل الآن: الصواريخ والطائرات والآلات الحربية وغيرها، نصت عليها الأدلة: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال:٦٠] ولكننا لا نعتبرها بدعة؛ لأنها لم ترد في عهد النبي ﷺ .
ونستفيد من التعريف كذلك أن البدع كلها مذمومة، وليس هناك بدعة أبداً حسنة، وهذا أصح أقوال أهل العلم في هذا الأمر.
كذلك: البدع في الدين قد تكون بالنقص، وقد تكون بشيء زائد، فمن النقص: أن يبتدع الناس ترك السنن، فيقررون بينهم أنه لا حاجة لسنة أبداً، ولا حاجة للعمل بها، ويسيرون على أنه منهاج، ولكن هذا ليس مسلماً به على إطلاقه.
ومن ألطف من كتب في البدع الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى في كتابه الاعتصام، وله تعريف في البدعة نذكره.
قال: البدعة طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشريعة، يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله تعالى.
стр. 341
أقسام البدع
ذكر العلماء تقسيمات للبدع، فمن العلماء من ذكر بأن البدع تنقسم إلى قسمين: بدعة حقيقية، وبدعة إضافية.
ومنهم من قال: بدعة عادية وبدعة عبادية.
ومنهم من قال: بدعة فعلية وبدعة تركية.
ومنهم من قال: بدعة اعتقادية وبدعة عملية.
ومنهم من قال: بدعة واجبة، وبدعة مستحبة، وبدعة محرمة، وبدعة مكروهة، وبدعة مباحة.
وممن ذكر هذا التقسيم أنها متعلقة بالأحكام التكليفية الخمسة أول من أحدث هذا الأمر العز بن عبد السلام، وتبعه على ذلك القرافي، وتقسيمهم هذا ليس بصحيح.
أول من قسم البدعة هو الإمام الشاطبي ﵀ وذكر أن البدعة تنقسم إلى قسمين: بدعة حقيقية، وبدعة إضافية.
والبدعة الحقيقية هي البدع التي لم يدل عليها دليل شرعي لا من كتاب الله ولا من سنة رسوله ﷺ ولا من إجماع أو استدلال معتبر.
وذكروا من هذه البدع: تحريم شيء من الحلال على الناس، مثل: بعض الصوفية يحرم على نفسه أكل اللحم، وبعضهم يحرم على نفسه ركوب الدواب، هذه نسميها بدعة حقيقية ولا تجوز شرعاً أبداً، بل هذه من الأمور المحرمة.
وذكروا منها كذلك: تحليل شيء من المحرمات، كأن يجعل نظاماً عند أناس يحلون لهم هذا الأمر، مثل: يحل لهم الربا، أو يحل لهم الزنا، أو شرب الخمر أو غيره، وهذا لا شك بأنه باطل.
ومن البدع الحقيقية: إنكار حجية السنة أو ادعاء النبوة، أو ادعاء الألوهية إلى غيرها.
بالنسبة للبدعة الإضافية فهي تنقسم إلى قسمين: ذكر العلماء منها ما يقرب إلى الحقيقة ومنها ما يكاد يعد سنة محضة وإن كان يسمى بدعة إضافية.
والبدعة الإضافية مثل: تخصيص بعض الأيام بأنواع من العبادات، مثل: يوم الخميس يخصص له شيء معين من العبادات، ولا شك بأن هذا الأمر ليس بمسلم، ومثله الآن عدم الالتزام بالسنن الرواتب، يأتي أناس يقولون: ليس هناك حاجة للالتزام بالسنن الرواتب، وقد يكون من المثال الواضح جداً على هذا الأمر، وهو لا شك أنه أصرح لهذه، قالوا: أن تلتزم شيئاً من العبادات غير السنن الرواتب التزاماً قوياً، فمثلاً: من السنة أننا نسبح بعد الصلوات، فيأتي إنسان ويقول: لا، نجعل بعد كل يوم عصر نسبح بعدد معين، فالتسبيح أصله مشروع، ولكن الهيئة والصفة ليست مشروعة، وبهذا نقول: إن مثل هذا العمل ليس صحيحاً أبداً.
مسألة: بعض العلماء يقولون: هل تدخل البدع في الأمور العادية أم لا؟ الجواب: الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى يقول: إن مثل هذه الأمور قد تدخل في مسائل مرتبطة بمسائل التعبد لها شائبة فيها، أما بعضها فلا تدخل فيها، ولعل من الأمثلة نسميها البدع الآن الموجودة وينبغي الوقوف فيها، مثلما تجدون من الأمور المحدثة مثل: خاتم الخطوبة الآن، فيه نوع تشبه، وأصبحت من البدع الآن على المسلمين ما كانت تعرفها، قد يقال: الأصل في التختم أنه أمر عادي، وبعضهم يقول: من السنن، لكنه لما قرن بصفة معينة وجعل له هيئة معينة وبكيفية معينة، ولها تقديس في القلب، نقول: هذه أصبحت من البدع، ولهذا فإن من اللطائف هنا: أن بعض الناس قد يلبس خاتم الخطوبة لو خلعه خلعت رقبته بسببه؛ لأنه يعتقد وتعتقد الزوجة أنه خلع الميثاق بينه وبينها، وأغلى مسألة ما كان بينهم من عقد الزوجية وغيره وغيره، نقول: هذا كلام باطل، وليس بصحيح وليس بهذا التعلق، مما يدل على أن هذا يعتبر من البدع، وينبغي أن ينكر مثل هذا الأمر، فإن هذا لا شك أنه من الأمور المحدثة.
أقول للأحبة: عندي مسائل كثيرة في مسائل البدع ولن أتطرق لها.
стр. 342
آداب في طريق طلب العلم
стр. 343
إخلاص النية في طلب العلم
أقول للأحبة في ختام هذه الدورة وفي ختام هذا الدرس: ينبغي لنا دائماً إخلاص النية لله تعالى في الطلب، وأن يحتسب الإنسان الأجر والثواب عند الله تعالى، وأن يستشعر المسلم أنه يسير في طريق الجنة: (من سلك طريقاً يلتمس به علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة) وأن يكون أمام طالب العلم دائماً أن ما حصله في هذه الدورة أو الدورات أياً كانت ليس هي العلم كله، وإنما هي جزء من العلم ومفاتيح، وأنه ينبغي لنا مواصلة الطلب، فليس عهدنا بالعلم هذه الدورة، ثم بعد ذلك ننتظر سنة أخرى علنا نشارك في دورة ثانية، وإنما نسير على الطريق، ونلتزم به، وما شعرنا بلذائذه وثماره لن ننقطع عنه، فسبحان من جعل في قلب الإنسان من اللذائذ العظيمة في قضية العلم والفهم وبحث المسائل والفرح بها، وتدريسها وتعليمها، وتعلمها وتأصيلها، بل هي تعتبر من أعظم لذائذ المسلم أن يسير في طريق العلم، وليس أعظم من حديث النبي ﷺ لما قال: (من يرد الله به خيراً يفقه في الدين) .
قال العلماء بمفهوم العكس: أن من لم يفقه الله في الدين فإنه لم يرد الله به الخير، ومن لم يطلب العلم من الذين لا يرد الله بهم الخير، وإن كان على صلاح واستقامة، لكن الخير الكامل هو في طلب العلم والاستمرار عليه.
стр. 344
الاستشارة في طلب العلم
أقول للأحبة: ينبغي لنا دائماً في حال قراءتنا وفي حال تعلمنا أن نستشير من عنده تجربة وخبرة، فخبرات من قبلكم خير من أن يبدأ الإنسان من نفسه، وكم نسمع من الأحبة أن عنده مكتبة ضخمة لكن لا يدري ما الأولويات التي يقرأها من العلوم، ولا أولويات الكتب التي يطلع عليها، فيصبح جمَّاعة للكتب وجمَّاعة لمعارف مشتتة، لكنها ليست مؤصلة عميقة يستطيع أن يوصلها إلى غيره، ويستطيع أن يفيد نفسه ويستفيد منها، ويصبح الإنسان عاطفياً؛ سمع كلاماً عن العلم فانطلق أسبوعاً وشهراً فطلب، ثم نسي ستة أشهر وانتهى، وجد كلمة أخرى انطلق، نقول: لا، طريق العلم طريق مستمر ولا انقطاع له، ويوجب للمسلم أن يحرص عليه وأن يلتزم به.
ثم أقول للأحبة: ينبغي أن يكون لكل واحد منا بعد انتهاء هذه الدورة درس أو درسان في الأسبوع يلتزم بهما التزاماً صادقاً قوياً، قد يكون الإنسان وأرى أنه فيه صعوبة على بعض الناس، لكني أقول: كثير من الأحبة عندهم لقاءات أسبوعية في جلسات وأنس وغير ذلك، وعنده التزام بها، لكن حلقة العلم ما أسهل على النفس أن تزهد بها، نقول: ينبغي لنا أن نواصل ونستمر.
стр. 345
أهمية الجلوس في حلقات العلم
ذكروا أدباً لطيفاً للعلماء ﵏ في الطلب، وأنبه عليه وأرى أنه من الآفات التي تحدث عند الطلب: بعض الأحبة ينتقل إلى طلب العلم على أيدي المشايخ الكبار، ولست أقول: لا يقرءوا عندهم، بل لست ممن يثبط عن طلب العلم ويجثو بركبتيه عند علمائنا الكبار، بعض الأحبة يقول: هذه الحلقات أرفع من مستواك، ويبقى الإنسان بعيداً، أقول: إن هؤلاء مخذلون عن طلب العلم، ولكن الأدب الذي ذكره العلماء في آداب الطلب أدباً نفيساً، قالوا: إن الإنسان إذا سافر إلى بلدٍ لطلب العلم ينبغي أن يمضي له فترة من الزمن، يتقلب في الحلقات الموجودة في البلد كلها، ثم يعرف من يطلب العلم عنده، وقصدي بهذا أن اجلس واجثُ بركبتيك عند هؤلاء العلماء الكبار شهراً وشهرين وثلاثة، ثم وازن بعد ذلك، هل أنت ممن يستفيد أم ممن يشعر بأن فائدته قليلة.
أقول: ينبغي لك أن تبحث عن العالم وعن طالب العلم الذي تشعر بأنك تستفيد منه استفادة كبيرة، وليس هؤلاء العلماء لا تستفيد منهم، بل فيهم الخير وفيهم العلم، وما من حلقة إلا وفيها العلم والفائدة، وفيها من التأصيل العلمي، لكن بعض الناس لا يكون عنده قواعد.
ولذلك أقول للأحبة: كم من طلاب العلم من يجثون بركبهم في حلقات لكنهم سرعان ما يفرون منها، ويصبح حالهم كشخصين: الشخص الأول: يحضر الحلقة للبركة، فيجلس ويبحث عن سارية ليسند ظهره إليها، ثم ما يبدأ الشيخ إلا وقد غاب في غيبوبة كاملة، وبعضهم يجلس نصفها والنصف الآخر يتقدم في روضة المسجد وربما توسد كتبه فأخذ يغط في نوم عميق، وتسأله قال: الحمد لله، نحن من طلاب الشيخ، وقد حضرنا، وأفتانا شيخنا، وقد علقنا عند شيخنا، واستفدنا منه، ولازمناه سنوات، وقد درس على السارية وعلى روضة المسجد أكثر مما تعلم من الشيخ وعلمه.
الشخص الثاني: خرج قادحاً للعلم ولأهل العلم، وهذه سلبية كبيرة جداً، وأقول للأحبة: كم نجد من الأحبة وربما بعض طلاب العلم ينفرون من حلقات علمائنا الكبار، فيقولون: هذه الحلقات إمرار كتب، وليس فيها نفع كبير، وليست إلا قضاء للوقت، وليست مؤصلة للعلم، ولا تخرج طالب علم، ولا تصلح إلا لطلاب العلم الكبار، وخذ من الشبه التي تسمعها، ثم بعد ذلك يصبح عند الطالب قناعة داخلية أن هذه الحلقات إنما تفرج عليها وأحضر إليها من باب البركة فقط، ولذلك أقول للأحبة من الأمثلة: حلقة شيخنا العلامة يوم الخميس يحضرها أعداد كثيرة جداً، أسمي هؤلاء طلاب البركات يحضرون (هم القوم لا يشقى بهم جليسهم) لكنهم هل يؤصلون، يتابعون ويقيدون من الفوائد؟! يحضر يوماً وبقية الأيام لا يحضر، ولست أقول: لا يحضر إلى تلك الحلقة، لو حضر يوماً واحداً ففيه خير كثير.
ولذلك أقول للأحبة: بالنسبة لشيخنا فهو عالم أمة، وما يخرج لك من كلمة هي جهد ستين أو سبعين سنة من الطلب، لا يخرج إلا زبداً ودرراً وذهباً مصفى من الأحكام وغيرها بالحكم على الأحاديث وفتاوى علمية وغيرها قد لا تجدها في الكتب مدونة، ولئن استفاد الإنسان فتوى أو اثنتين أو ثلاث خير له من الدنيا وما فيها؛ لأنه يتبصر بعلم عميق يستفاد منه، ولهذا أقول: ينبغي لنا أن نلازم الحلقات وأن نحرص عليها ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً، وأحث الأحبة من لم يستطع حضور حلقات الفجر لسماحة شيخنا فلا أقل أن يحضر الإنسان درساً بعد المغرب في ليلتين، وتقرأ فيها كتب السنة، ويستفيد الإنسان ويعلق فوائد، ويحصل له من الخير العظيم.
أقول للأحبة: ارقَ إلى القمم ولا تنزل فإن في ذلك الخير العظيم الذي يعين الإنسان على مواصلة الطريق والاستمرار فيه، فإنه والله لا أسعد على المسلم من لذة طلب العلم، وربما لا يشعر به إلا من عاشه واستمر فيه، وسبحان الله! لم نجد من منهج استفدناه من شيخنا العلامة أمره عجيب جداً وشخصية نادرة حقيقة، وبالنسبة لم أر مثله في قضية الحرص على الطلب والاستفادة مع كبر سنه، وسبحان الله! لا يجد في نفسه حرجاً أن يستفيد من الصغير أو من الكبير في مثل هذه المسائل.
وأذكر من الطائف أمد الله في عمره على طاعته: زرته مرة يوم الاستسقاء، وكانت الزيارة في الفجر، جلس الشيخ وإذا به طلب من كاتبه أن يقرأ عليه أحاديث البلوغ في صلاة الاستسقاء، والشيخ ليس إمام مسجد ولا خطيب ولا غيره، أحدنا لو قيل له: صلّ صلاة الاستسقاء على طول ذهب إلى كتب الفقه من أجل أن يعرف كم عدد التكبيرات وكيف تتقدم الصلاة قبل أو بعد، ولكنه يؤصل العلم، مما يدل على أن الشيخ يراجع دائماً، وأذكره منذ ثمان سنوات فأكثر ما كان في بعض الدروس يقول حفظه الله: اليوم لا تقرأ فإني لم أحضر للدرس أصلاً، عالم الأمة يحضر! كثيراً من الأحبة يفتح درساً ويقول للطلاب ما هب ودب، يكفيهم قليل من العلم ولا يحتاجون إلى تأصيل، لا، وإنما إذا كان هذا العالم يحضر للعلم، ويحرص عليه ليعرض على الناس علماً يستفاد منه، فكيف بأفراد الناس والمبتدئين في الطلب، فيه الخير والبركة أن يكون الإنسان يحضر الدروس، وهذا يدل على أن الشيخ حفظه الله وأمد الله في عمره ليس فيه قضية التزكية بأنه مفتي هذه الديار، فلا حاجة للرجوع إلى كتب أهل العلم، ولا بحث المسائل، ولا التنقيب عنها، ولا الأخذ بآراء العلماء والاستفادة منها، بل يشعر دائماً أنه في حاجة إلى فهم كلام العلماء وتأصيله وتمكينه.
стр. 346
طلب العلم ومراجعة الدروس
وقالوا في آداب الطلب: كان أحد العلماء رحمه الله تعالى ما تمر به سنة إلا وقد مر على أبواب الفقه كلها، ولعل عنده بعض الكتب المختصرة يقرؤها دائماً، ويؤصل فيها، بحيث تصبح دائماً أمام عينيه مسائل العلم، أحدنا لو قرأ كتاباً تسأله: -هذا الكتاب قرأه منذ عشر سنوات- رجعت إليه؟ قال: الحمد لله قرأناه وانتهى، وكأنه حصل كل العلم الموجود فيه، ولا شك بأن هذه سلبية، وسرعان ما ينسى الإنسان العلم الذي يكون عنده، بسبب عدم المذاكرة وعدم الاستفادة.
стр. 347
الدعوة إلى الله من ثمار طلب العلم
أقول للأحبة: من اللطائف كذلك التي استفدناها من حياة شيخنا أمد الله في عمره: مرة من المرات أوصلته إلى منزله بسيارتي، وكنت مشيت معه لندخل إلى داخل منزله، وكان معي أحد الأحبة فذكر للشيخ بعضاً من الكتب، وقال الشيخ حفظه الله: كم من الكتب أحببنا أن نقرأها وأن نستفيد منها، ولكن علمنا بأن فائدة العلم إيصاله للناس، فأصبح إيصال كثير من هذا العلم للناس أشغلنا عن كثير من القراءة والتحصيل، وليس معنى ذلك أنه منقطع، لكن قصدي من ذلك أن نستفيد أن ثمرة العلم الذي استفدناه في هذه الدورات أن نوصله إلى غيرنا، نوصله إليهم بتعليمهم، وتوجيههم وتبصيرهم، فليس أحدنا أوعية للعلم دون الإيصال، بل نحن نتفاعل مع العلم، نتعلمه ثم نوصله إلى غيرنا.
ولذلك بوب البخاري باب: العلم قبل العمل، وجاء بالعلم ثم العمل ثم الدعوة إليه، ثم الصبر على ذلك وإيصاله إلى الناس.
ختاماً: نسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يختم لنا بخاتمة خير.
ونصلي ونسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.