Полный текст (2 982 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
كيفية الإقلاع عن ممارسة العادة السرية
السؤال
الحمد لله سمعت بعض الأشرطة الدينية فتركت الغناء والمسلسلات، ولكني سقطت في العادة السرية، فبماذا تنصحني؟!
الجواب
الحل عندك، وهو أن تنقذ يدك من هذه الفضيحة التي تمارسها معها، وأن تستحي من ربك، وأن تعلم أن الله مطلع عليك وأنت تمارس هذه العادة، فإنها عادة سيئة، وليست عادة سرية، بل عادة خبيثة شيطانية اسمها نكاح اليد، وقد جاء في بعض الآثار أن: [ناكح يده ملعون] لأن يده تحمل منه يوم القيامة، فيأتي يوم القيامة ويده حبلى بكل الحيوانات المنوية التي خرجت منه ليده، فهذه فضيحة يا أخي! وعليك أن تتقي الله فقد أمرك بالعفة إذ قال: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:٣٣] والنبي ﷺ قال: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم) فما قال عليك بيدك، فاليد ليست حلاً، بل اليد تزيد المشكلة؛ لأنها لا تقضي على شهوة الجنس، فهي تستفرغ هذا المني، لكن يحصل عندك جراء ذلك شبق جنسي، مثل الشارب من البحر؛ فإذا عطش المرء وشرب من البحر هل يزول عطشه أم يزيد؟ بل يزيد عطشه، كذلك الذي يستمني عن طريق يده، فهذا لا يحل مشكلته وإنما يزيدها، حتى يستنفذ كل ما عنده من حيوانات منوية، وإذا كبر وتزوج لا ينجب، ويحصل له أمراض، وتسوء نفسه، ويسقط من عين الله.
فاتق الله، وعليك أن تجعل بينك وبين هذه العادة جداراً بالخوف من الله تعالى! وأيضاً ابذل جهداً بدنياً، ومارس حركة رياضية، واعمل أي شيء حتى تستفرغ الطاقة في هذا الجهد، وقلل من الطعام، فلا تأكل كثيراً، فإذا تزوجت فكل ما تشتهي، لكن أن تأكل وليس معك زوجة، فأين تسير؟ فهذه الأطعمة هي التي تفجر مكامن الشهوة، وأكثر من قراءة القرآن، ودراسة السنة، والصلاة والدعاء، ولا تأت الفراش إلا وأنت تعبان، لكن إذا أتيت الفراش وما قد جاءك النوم يأتيك التفكير والشيطان يزين لك، فإذا لم تستطع النوم فقم وصل ركعتين، وكلما أتاك إبليس رده بركعتين فلن يأتيك أبداً.
стр. 177
كيفية إتمام المصلي لما فاته من الركعات
السؤال
إذا صليت الفجر مع الإمام ثم فاتتني ركعة ثم أتممت معه ركعة، فهل آتي بتشهد آخر؟
الجواب
إذن فماذا تعمل؟ يقول: أدرك ركعة مع الإمام وتشهد مع الإمام وبقي عليه ركعة، ولما انصرف الإمام قام يقضي الركعة الثانية، يقول: هل آتي بتشهد؟ إذن فكيف تأتي بركعة، وكيف تنصرف من الصلاة؟! لابد أن تتشهد وتسلم وهذا شيء من البديهيات، ومعروف عند كل الناس.
стр. 178
حكم زواج المسيار
السؤال
هل زواج المسيار زواج شرعي؟ وكيف يتم وأين؟
الجواب
هذه الأسماء لا اعتبار لها، وإنما الاعتبار بالشروط الشرعية والتي إذا توفرت في الزواج فهو شرعي.
- أولاً: أركان النكاح أربعة: - أولاً: الزوجين الخاليين من الموانع: زوج خالٍ من الموانع يعني: ما عنده أربع نساء، يأتي يتزوج نقول له: حرام ما يجوز.
وزوجه خالية من الموانع، أي: ليست متزوجة.
وزوجين ليس بينهما صلة؛ فليست أخته أو أمه أو خالته أو عمته، وهذا أول شيء.
- ثانياً: الولي، إذ لا نكاح إلا بولي، والذي يكون بغير ولي هو الزنا، فما هو الفرق بين الزواج وبين الزنا من حيث العملية الجنسية؟ لا شيء، ولكن الزواج يكون بولي، والزنا يكون بغيبة الولي، والمرأة تزوج نفسها.
فهذا هو الفرق، فلا نكاح إلا بولي.
- ثالثاً: الشاهدان، فلابد من الشهود، فإذا حصل نكاح من غير شهود بطل ركن من أركان النكاح.
- رابعاً: الصيغة، وهي الإيجاب والقبول، فالإيجاب من الولي والقبول من المتزوج، يقول الولي: زوجتك ابنتي فلانة بنت فلان، وذاك يقول: قبلت النكاح من ابنتك فلانة بنت فلان، وتم النكاح وصار شرعياً.
ثانياً: يبقى بعد ذلك السنن، وهي: أن يعلن النكاح ويولم له، فإذا وجدت هذه الأربع فهو زواج شرعي.
ثالثاً: يبقى أمر آخر وهو: إذا كانت الزوجة ليست من بلدك أي: ليست من جنسيتك التي تنتمي إليها، فيلزمك أن تستأذن، وهذا الإذن مأمور به في الشرع، لماذا؟ لأن مصادر التشريع عندنا أربعة: الكتاب والسنة، والإجماع والقياس، والاستصحاب والمصالح المرسلة، وشرع من قبلنا شرع لنا على خلاف بين أهل العلم.
والمصالح المرسلة هي التي أرسل الشرع أمرها وجعلها في يد ولي الأمر بحيث يسمح بها أو لا يسمح بها، فإذا حددها أصبحت شرعاً، مثل إشارة المرور، فليس في دين الله إذا رأى إشارة حمراء يقف، لكن ولي الأمر رأى أن من تنظيم ومصلحة المسلمين أنه توزع فرص السير على الناس، بحيث إن الذي يأتي من هنا يمشي دقيقة، والذي يأتي من هناك يمشي، ويقف هذا دقيقة، يعني نوع من العدل.
فلولا ذلك لحصلت الكثير من الحوادث والخصومات، فجاء ولي الأمر وحدد ذلك، فصارت فرص السير منظمة ودقيقة، فإذا قطعت الإشارة فمعناه أنك خالفت الأمر، ووقعت في معصية، فليست مخالفة مرورية، بل.
مخالفة شرعية؛ لأنه يترتب على قطع الإشارة إزهاق روح، وإفساد مال.
كذلك إذا سن ولي الأمر نظاماً وقال: إذا أردت أن تتزوج بامرأة غير سعودية فاطلب إذناً، لماذا؟ للمصلحة، ما هي المصلحة؟ المصلحة واضحة إذ أنه قبل هذا المنع أصبح السعوديون يقبلون على الزواج، فما رأيكم من سيتزوج بالبنات السعوديات؟ وماذا يحصل من الفساد الذي لا يعلمه إلا الله، فإذا أعرض الشباب عن الزواج من بنات البلد، وبقي البنات بدون زواج؛ فسيفتح باب الحرام.
لذلك جاء ولي الأمر وقال: أهل البلد يتزوجون من البلد نفسه، فهذه مصلحة، فإن قال أحد: هذا حرام، وهذا تحريم لما أحل الله.
نقول: هذا من فقهك الأعوج، فأنت لا تنظر إلا بعين عوراء، فالعين الواضحة تنظر لمصلحة الأمة، ومصلحة الأمة في أن نقصر شبابنا على الزواج من بناتنا، وهناك حالات استثنائية تسمح بها السلطات، فحين تتقدم وتقول: أنا رجل ما وجدت لي زوجة، وما عندي مال، وأنا رجل كبير في السن، فلم أجد من تقبل بي، فهناك إذا اقتنعوا بظروفك فإنهم يعطونك الإذن بالزواج من الخارج، فهذا مطلوب أيضاً.
بقية الأسئلة -أيها الإخوة- جديرة بالإجابة لكن الوقت ضيق والشيخ خالد يخبرني أن في هذا المسجد درس بعد العشاء من كل يوم إثنين لفضيلة الشيخ سعيد الدعجاني حفظه الله وبارك فيه، فأنا أحيل هذه الأسئلة إليه، وأطلب من أصحابها ومنكم جميعاً أن تحضروا عند فضيلته، وهي ساعة بعد العشاء تسمعون فيها ذكر الله ، وتلين قلوبكم، وتتفقهون في أمور دينكم.
أسأل الله أن يوفقني وإياكم لما يحبه ويرضاه والله أعلم.
стр. 179
حقائق وأرقام عن أحوال المسلمين في البوسنة
وقبل أن أختم، هنا رسالة من اللجنة العليا لجمع التبرعات لمسلمي البوسنة والهرسك، والصومال يطلبون فيها التبرع لإخواننا المسلمين ممن ترعاهم هذه اللجنة المباركة، يقول فيها: إليكم هذه الأرقام: - لقد خلفت الحرب الطاحنة التي دارت رحاها في جمهورية البوسنة والهرسك الكثير من المآسي: -مائة شخص يموتون يومياً بسبب الجوع؛ اسمعوا! نحن الآن نموت بسبب التخمة، فكل واحد يأكل فوق طاقته، وما زاد يرميه في القمامة وإخواننا يموتون من الجوع.
- مليوني لاجئ داخل البوسنة وخارجها.
- أربعة عشر ألفاً وثلاثمائة وخمسة وسبعين شخصاً في المستشفيات بسبب الإصابات.
- مائتين وخمسة وسبعين ألف قتيل.
- خمسين ألف طفل وشاب معوق.
- ألف مسجد دمرت.
- خمسة وثلاثين ألف طفل يتيم خطفوا، وقد بيعوا في الدول الأخرى.
- ٩٠% من أطفال البوسنة يعيشون تحت الأرض في خنادق حتى الآن.
حين خرجوا بعد الحرب مات بعضهم، فقد خرجوا مثل الجراد الأصفر، وما عادوا يعرفون الحياة.
- ٥٠% من الأطفال شاهدوا مقتل أقاربهم، وآبائهم، وأمهاتهم أمام أعينهم، مآسٍ لا يعملها إلا الله.
هذه اللجنة العليا لجمع التبرعات قامت بدعم من الحكومة -أيدها الله- والمحسنين في هذا البلد وقامت بدور عظيم في دعم هؤلاء، وتخفيف آلامهم، ومواساتهم بما تقدمه لهم من مساعدات إنسانية، نرجو من إخواننا أن يتبرعوا، والصناديق موجودة على الأبواب لهذه اللجنة، قال تعالى: ﴿وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلأَنفُسِكُمْ﴾ [البقرة:٢٧٢] وقال تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢١٥] والله أعلم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 180
ضرورة الإيمان
الإيمان ضروري لكل فرد كي يسعد ولا يشقى، وضروري لكل مجتمع كي يتماسك ولا يتحلل، فبالإيمان تغمر الفرد السعادة، وتكتنفه الطمأنينة، ويشعر بالرضا والارتياح.
أما المجتمع بغير إيمان فمجتمع غابة، وإن لمعت فيه بوارق الحضارة، وبهذا يتبين أنه ينبغي لكل إنسان أن يعرف الوسائل الموصلة إلى الإيمان الصحيح، والأمور التي تحبط هذا الإيمان.
стр. 181
حاجة الإنسان للإيمان
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: كلمة هزت مشاعري، وكادت أن تخنقني العبرة، قالها أخي المقدم ولست لها بأهل، وهي: أن يكون لي أيادٍ بيضاء على هذه المدرسة، فحقيقة الفضل لله وحده قبل كل شيء، ثم لمن قام على هذه المدرسة وتأسست على يديه من الإخوة والزملاء، ثم لمن واصل الطريق وأكمل البناء إلى هذه الساعة المباركة وإلى ما بعد ذلك -إن شاء الله- حتى تحقق هذه المدرسة رسالتها، وتؤتي أكلها في إخراج جيل مسلم قرآني يعرف كيف ولماذا يعيش؟ وما هي رسالته في هذه الحياة؟ وزاد من ألمي أن نظرت إلى هذه الوجوه بعد طول غياب، وطول شوق، فإن النظر إلى وجوه أهل العلم والقرآن ومجالستهم ومحبتهم تعتبر قربة إلى الله .
وأنا أهنئكم وأسأل الله ﵎ أن يجزي القائمين على أمركم من مدرسين وإدارة كل خير، فهم هنا لا يؤدون وظيفة رسمية يتقاضون عليها أجراً، وإنما يمارسون رسالة أنيطت في أعناقهم، وهي من أساسيات وظائفهم في هذه الحياة أن يكونوا دعاة إلى الله ، وأنتم في هذه المؤسسة القرآنية لستم طلاباً كبقية الطلاب في بقية المدارس الذين يطلبون العلم لنيل الشهادة، وللحصول على الراتب والمرتبة، وبالتالي الوصول إلى ما يتمناه الإنسان من أمانٍ مادية بحتة تتمثل في: منصب وجاه ومركب ومنزل، وزوجة حسناء، وتنتهي طموحاته عند هذا الحد المهين الذي هو طموحات كل كافر على وجه الأرض، وليس للكافر بعد هذا أي هدف.
لا.
هذه ليست أمانيكم ولا أهدافكم، بل أنتم طلاب علم وخدمة لكتاب الله وحفظة لقرآنه، التحقتم بهذه المؤسسة القرآنية واخترتموها اختياراً من بين سائر المدارس؛ لتعيشوا في ظل القرآن ولتتربوا على منهجه، ولتتخلقوا بخلقه؛ وليرى الناس في المجتمع نموذجاً من البشر ما رأوه في غير هذه المؤسسة؛ لأنها تستظل بظل القرآن، هذه هي أهدافكم! وإذا صحت منكم النيات، وصلحت منكم المقاصد، وكان هذا الغرض؛ بارك الله في العمل مهما كان قليلاً، وبارك الله في الجهد مهما كان ضئيلاً، وأوتي الإنسان خير الدنيا ونعيم الآخرة، وإني لأرجو الله ﵎ أن تكون هذه الأهداف الكريمة، وهذه المقاصد النبيلة متوفرة في نفوسكم، وفي نفوس المدرسين والقائمين على أمر هذه المدرسة من الإداريين، هذا ما أتوقعه إن شاء الله.
أما موضوع الكلمة والتي لم أوافق عليها ابتداءً خصوصاً في مدرستكم؛ لأن من يأتي ليلقي كلمة أو موعظة في مدرستكم كمن يجلب التمر -كما يقولون- إلى نجران، فماذا أقول لكم، أو أوجد من فكر أو عظة لمن انتظر منكم الموعظة، وممن أهرب إلا لمن إليه المهرب، ولكن وبإلحاح من الإخوة قبلت لا على أني سأفيد ولكن لعلَّ الله أن يجعلني مستفيداً، ولأحظى بالنظر إلى وجوهكم، فوالله إن اجتماعي بكم والنظر إلى هذه الوجوه المباركة في هذه الساعة لهي من أغلى الأماني، ومن أحلى الساعات في حياتي، وأسأل الله ﵎ أن يجعل هذا الاجتماع اجتماعاً مرحوماً، وأن يجعل التفرق من بعده تفرقاً معصوماً، وألا يبقي فينا جميعاً شقيا ًولا محروماً.
стр. 182
الإيمان هو التفسير الحقيقي للحياة
الإيمان هو الذي يقدم التفسير الحقيقي لهذه الحياة؛ لأن هذه الحياة لغز حارت في فهمه العقول في القديم والحديث، وترددت في عقول الناس عدة أسئلة عن هذه الحياة، ما هذه الحياة؟ ومن أين جئت؟ وإلى أين سأذهب بعدها؟ حتى قال شاعر والكفر والضلال تساؤلات تدل على منتهى التيه الذي يعيش فيه، وعلى منتهى الضياع الذي يعاني منه، والفراغ الذي يقتل روحه:
جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت ولقد أبصرت قدامي طريقاً فمشيت وسأبقى سائراً شئت هذا أم أبيت كيف جئت؟ كيف سرت؟ كيف أبصرت طريقي؟ لست أدري ولماذا لست أدري؟ لست أدري
وهذا منتهى الضياع؛ لأنك لا تدري من أين أتيت؟ ولماذا أتيت؟ وما هو الهدف والغرض من خلقك؟ وماذا سيكون بعد هذه الحياة؟ لا تدري إلا إذا تعلمت من الله؛ لأن مجرد العقل والذكاء فقط ليس كافياً لتلقي العلوم، فلو أتينا بشابٍ من أغوار تهامة، أو من الصحراء تتوفر لديه عوامل الذكاء، وأساسيات النبوغ، وطلبنا منه دون أن نعلمه أبجديات اللغة العربية، وقلنا: اقرأ لنا هذه الرسالة بذكائك، هل يستطيع الشاب الذي لم يتعلم الحروف الهجائية أن يقرأ الرسالة بالذكاء فقط، أم لا بد من المعلم؟ لا بد من المعلم.
ولو عرضنا عليه مسألة رياضية مكونة من مجهولين، وطلبنا منه فك الأقواس وإيجاد المجاهيل؛ بناءً على المعاليم الموجودة، لكان ذلك أشد صعوبة عليه؛ لأنه لم يدرس الرياضيات.
ولو طلبنا من الإنسان الذي لا يتقن اللغة الإنجليزية أن يقرأ رسالة باللغة الإنجليزية وهو لا يعرف الحروف الإنجليزية فإنه لن يتمكن بذكائه من قراءة هذه الرسالة.
إذاً: فالعقل وحده ليس كافياً في الحصول على المعارف والعلوم، بل لا بد من المعلم، والذي يعلمنا لا بد أن تكون لديه الخبرة والمعرفة والقدرة والهضم الكامل لمادته حتى يكون تعليمه مفيداً، وإذا كان فاقداً للمعلومات كان تعليمه خاطئاً، فإذا ذهبت بمسألة رياضية عند مدرس العلوم لم يعرفها، وإذا أتينا بحقيقة هندسية عند مدرس اللغة العربية لم يعرفها، فلا بد من الاختصاص، وهذا وارد في حياة الناس وفق سنّة التطور التي هي نظام يشهده ويلمسه كل إنسان فيما ينبغي له أن يتطور، ولا تنطبق هذه القاعدة على ما ينبغي له أن يثبت من أمور هذه الحياة.
إذاً: فنحن لا نعرف من أين جئنا وإلى أين، ولماذا جئنا إلا إذا تعلمنا من الله ، ويوم ألا نتعلم من الله فسوف نجيب على هذه التساؤلات بإجابات خاطئة، ويترتب على أخطائنا أخطاء في السلوك، والعقائد، والعبادات، والمعاملات؛ لأن العلم الذي يحمله الإنسان للإجابة على التساؤلات خاطيء.
ولذا يوم أن تعلمت البشرية من رسول الله ﷺ ، الذي علمه الله بوظيفة، ومن أين أتى الإنسان، وإلى أين سينتهي بعد هذه الحياة، أخذت البشرية الإجابات الصحيحة على هذه التساؤلات فسعدت، وهيمن العدل والأمن والطمأنينة والاستقرار والسكينة على قلوب أهل الأرض.
ويوم أن تخلت البشرية عن الإجابات الربانية، والنظم المحمدية التي جاءت بها رسالة الإسلام، وبدأت تجيب على الأسئلة بإجابات من عندياتها ضلت وتاهت وانحرفت، وما يُلاحظ اليوم من عدم وجود الطمأنينة والقلق الذي يسيطر على العالم، والاضطراب والشذوذ الأخلاقي والجنسي، والتطاحن والتسابق من أجل التدمير، كلها نتائج حية لعدم معرفة الإنسان لماذا جاء؟ ومن أين جاء؟ وإلى أين سيذهب بعد هذه الحياة!
стр. 183
الإيمان أول واجب على الإنسان تعلمه
من أول المهمات على الإنسان أن يتعلم الإيمان؛ لأن الإيمان ليس أمراً جانبياً على هامش الوجود، بل هو أمرٌ رئيسيٌ في صلب حياة الإنسان؛ لأنه يفسر لك قضية مصيرك ووجودك، إنها قضية جنة أبدية أو نار أبدية، وإن قضية المصير لا يُجازف فيها؛ لأن المجازفة فيها مجازفة خاسرة، يمكن لك أن تجازف في كل قضية؛ لأن لكل قضية ومجازفة حلاً ومخرجاً إلا قضية المصير، فإذا مات الإنسان وقابل ربه وانكشفت أوراقه وأظهرت حساباته ووجد أنه خاسر فكيف يصححها؟ هل هناك إمكانية للتصحيح، أم أنه خطأ لا يصحح؟ لذا كان للعاقل أن يهتم بقضية مصيره حتى لا يخطئ خطأً يخسر فيه نفسه، ويخسر فيه دنياه وأخراه، وقد فكر الكثيرون من العقلاء في القديم والحديث وأجابوا بعقولهم على إثبات العقيدة في الله ، بطرقهم الخاصة بعيداً عن الرسالات والأديان التي نزلت على الأنبياء.
فمنهم من اعتمد على داعي الفطرة: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [إبراهيم:١٠] ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم:٣٠] إن داعي الفطرة يصرخ بملء صوته: إن لهذا الكون خالقاً، وإن هذا الكون لم يُخلق عبثاً، ولكن هذا الداعي يُغمر ويُسكت بما يغطى عليه من الشبهات، أو يطغى عليه من دواعي الشهوات، وبعض الناس يتمرد على شهواته ويستعلي على شبهاته فيصل إلى الحقيقة عن طريق داعي الفطرة.
وبعضهم اعتمد على مبدأ يسميه العقلاء: مبدأ السببية، وهو أن لكل حدثٍ محدث، إذ لا يوجد في الكون شيء بغير محدث، فلو قلت لكم الآن: إن هذا الجهاز وهو لاقط يقوم بالتقاط الصوت وتحويله عبر السلك إلى المكبر، والمكبر يضخم هذا الصوت، ويقوم بتحويله عبر الأسلاك إلى السماعات، فلو قلت لكم: إن هذا المكبر وهذا الجهاز وهذه السماعات وجدت من غير صانع، وكان هذا المكبر وهذا الجهاز في القرون الساحقة القديمة قطعة من الحديد، والسماعة هذه -أيضاً- كانت قطعة من الحديد، ولكن مع الزمن وتوالي الدهور والعصور، وتعاقب السنين والأحقاب هبت الرياح من هنا ومن وهنا، وجاءت الرياح تحمل الحجارة من هنا، واستطاعت عوامل التعرية أن توجد هذا الجهاز هكذا، هل يمكن أن يكون هذا الكلام معقولاً؟!! إنه غير معقول بل مستحيل! ستقولون لي: حسناً! وهذه السماعة من الذي علقها هناك؟ قلت: كذلك السماعة، جاءت الرياح والأعاصير يوماً من الأيام فأخذت بها وعلقت واحدة في هذه الزاوية والأخرى في الزاوية الأخرى، صدفة! ستقولون: عجيب! حسناً: هذه السماعة نحن نرى فيها أشياء، فهناك جسم داخل هذه السماعة فمن الذي ركب هذا الجسم؟ فقلت: هذا ليس صعباً -أيضاً- فهذا أخذته الرياح صدفة ووضعته في السماعة، وأصبح يكبر الصوت، ما رأيكم هل هذا الكلام معقول أم أنكم سوف تقولون عني: أحمق فلا يمكن أبداً أن الرياح وعوامل الزمان والتعرية والسنين هي التي أوجدت هذا الجهاز، أو أوجدت هذا اللاقط أو هذه السماعة.
سبحان الله! لا يمكن أن تكون هذه إلا بمهندس أو بمخترع، أو بإنسان يفهم كيف يربط الأسلاك والسماعات في الجهاز، وكم قدرة هذا الجهاز من الوات، وكم قدرته من الفولت، (٢١٠) أو (١١٠)، بحيث يتبع تعليمات هذا الجهاز حتى يعمل، فإذا اختل شيء في تشغيل هذا الجهاز لم يعمل وبطل مفعوله.
стр. 184
التفكر في النفس من الإيمان
لنتفكر فيك أيها الإنسان! نأتي إليك فقط ولا نذهب بعيداً؛ لأن التفكير في الكون يجب أن يسبقه التفكير في النفس؛ فألصق الأشياء بنفسك، فإذا كنت لا تعرف نفسك فلا يمكن أن تعرف ربك، والله يقول: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢١] فلو فكرت في جزئياتك أنت، وحكمة الله في خلقك، لوجدت أنك خُلقت لحكمة، وأن كل عضو فيك، بل كل خلية وشعرة وعظم، ومفصل، ونقطة، وعرق خلق فيك لحكمة، ولا يمكن أبداً أن يوجد فيك شيء إلا لحكمة.
آخر ما قرأت في جريدة الشرق الأوسط بحث علمي حديث، هذا البحث يقول: إن الأطباء اكتشفوا أن في رجل الإنسان عروقاً وأوردةً وشرايين ليس لها أي غرض، يعني: موجودة دون أن يكون لها أي دور في عملية إمداد الجسم عبر الشعيرات الدموية بما يحتاجه من الدماء، وإنما تكون هذه الأوردة وهذه الشرايين مملوءة بالدماء وتصل إلى نقطة معينة مسدودة ولا تذهب هنا ولا هنا، وبعد ذلك وجدوا أثناء البحوث العلمية أن هذه العروق والأوردة هي بمثابة قطع غيار يمكن استعمالها في إيجاد حلول لأمراض القلب، فإذا وجدنا إنساناً عنده امتداد في الشريان أو انقطاع أو انسداد في الأوردة، وهذه لا يمكن أن يركب لها قطع بلاستيكية، وحاولوا أن يركبوا قطعاً بلاستيكية فلم تنجح، ثم ذبحوا خنزيراً في لندن وأخذوا قلبه ووريداً من أوردته ووضعوها في جسم الإنسان فتعفن؛ لأن الخنزير خبيث -وهم مثله خنازير، فمن خنزير إلى خنزير- لكن بالرغم من هذا لم تصلح خنازيرهم، فوجدوا أن هذا الشريان الموجود والذي ليس له دور أبداًَ لا يمكن أن يبقى فقطعوه واستفادوا منه، ووضعوه في القلب وصلح القلب.
من كان يعرف أن هذا الشريان له غرض؟ لم يكن يعرف أحد، لكن البحوث العلمية والكشوفات الآنية كل يوم تثبت أن لهذا الإنسان حكمة، وأن في كل جزئية منه حكمة تبدأ من رأسه إلى أخمص قدمه، ويخفى على الناس كثيرٌ من حكم الله ﵎ في الخلق، ولكن الإنسان مأمور باستمرار أن يفكر في نفسه، ولو فكر في رأسه فقط وما أوجد الله فيه من الحكم، أو في رقبته فقط وما أوجد الله فيها من الحكم لوجد الكثير.
هذه الرقبة هي جزء يربط بين الجذع والرأس، أو (زنبرك) تتحرك ذات اليمين وذات الشمال بغير تعب، ولو جعل الله الرقبة متصلة بالرأس والجذع عبر قطعة من الخشب لوجد الإنسان صعوبة بالغة في التحرك والتفاهم مع الناس، فلو أراد أن ينظر إلى الشمال لزم أن يحرك جسمه كله، فلو أن رقابكم لا تمكنكم من الحركة ذات اليمين وذات الشمال لصعب عليكم الأمر، إذ كل واحد يفترض به وهو جالس أن تكون عينه أمامه، ولا يستطيع أن يراني أنا إلا الذي أمامي فقط، لكن الله أعطى الرقبة قدرة على الحركة ذات اليمين وذات الشمال لتسهيل التخاطب والالتفات بغير صعوبة، وهذه حكمة من الله.
وترون يوم أن يصاب الإنسان بشد عضلي في عضلة الرقبة، كأن تنام على وسادة مرتفعة -مثلاً- فأنت معتاد على أن تنام على وسادة مستوية، لكن يحدث في ليلة من الليالي أنك لم تجد وسادتك، أو كنت ضيفاً وأعطاك المضيف وسادة كبيرة أو أنها أصغر من وسادتك، فنزلت العضلة أو طلعت، فيحصل عندك شد عضلي، أو تخرج من الهواء الرطب المشبع بالرطوبة إلى هواء لافح فيحصل عندك شد عضلي، هذا الشد العضلي -يسمونه العند- لا يمكنه من الحركة، فتراه لا يرى إلا أمامه، ويقول: رقبتي، حسناً! تعال قال: والله لا أريد أن أرقد أو أقعد سبحان الله! من أجل رقبته، عضلة بسيطة، كيف تسلبه راحته! يدك هذه بمثابة الجنديين اللذين يدافعان عنك، وتصوروا إنساناً بغير يدين كيف يدافع عن نفسه؟ فإذا جاءته بعوضة أو ذباب وجلس على عينيه أو حيوان يريد أن يفترسه، أو ثعبان يريد أن يلدغه، كيف يصنع؟ ليس معك إلا أن تعض، ولا يمكنك أن تعض كل شيء، وربما تعض الشيء هذا فيدخل في فمك فتموت، فالله جعل لك جنديين معلقين، ثم جعلهم الله في أعلى جسمك من أجل أن تستطيع الدفاع بهما عن كل جسمٍ، إذ لو كانت اليدان في الركبتين فإنه يلزمك أن تدني رأسك من أجل أن تأكل -مثلاً- لكن الله جعلها في أعلى الجسد من أجل أن تنال بها رأسك، وركبتك، وقدمك وبسهولة.
ثم حتى تكون الفائدة كاملة من اليدين فصَّل الله اليدين، إذ لو كانت اليدان على شكل عصا مثل (الصميل) فكيف ستستعملها؟ ما تنفع إلا للمضاربة، فتضرب بها هذا، وتضرب بها هذا، لكن الله ما خلقك للمضاربة، ومن أجل أن يعطيك صميلاً هنا وصميلاً هنا، لا.
فالله خلقك للعبادة، ففصل يديك لتعينك عليها فوضع لك عدة مفاصل، أول مفصل في الإصبع، ويليه مفصل ثانٍ وثالث ورابع وخامس وسادس، هذا التفصيل له غرض من أجل أن تستطيع الانتفاع به، إذ لو كانت حتى أصابعك هذه من دون مفاصل فإنك لن تستطيع أن تحمل مسماراً واحداً، فلو فُقد هذا التفصيل في يديك، فكان هناك مفصلان فقط في الذراع، بينما الأصابع لا يمكن أن تُعطف لما استطاع إنسان في الدنيا أن يشد مسماراً على مسمارٍ، وإذا ما استطعنا أن نشد المسامير، فهل من الممكن أن تقوم حضارة أو صناعة، هل من الممكن أن يكون هناك سيارات وطائرات، وما حدث من التطور الصناعي؟ لا.
لا يمكن؛ لأنك بماذا ستشد المسمار: بسنك، أم بالعصا؟ لا يمكن أبداً.
لكن الله ﵎ أعطاك هذا الجسم وفصله تفصيلاً، وجعل لك هذه القدرة من أجل أن تعمر الكون وتعمر الدنيا والآخرة.
فهذا فقط مما يظهر لك حكمة الله في خلقك أيها الإنسان! ومبدأ السببية اتفق عليه جميع العقلاء؛ لأن لكل سبب مسبب، ولكل حدثٍ مُحدِث، حتى الطفل الصغير لو جئت به وعمره سنة واحدة، لا يعقل ولا يفهم شيئاً ثم تعال من وراء ظهره وهو جالس ودقه في ظهره، ماذا يفعل؟ يلتفت ليرى من الذي دقه؛ لأن عنده في فطرته أن لكل دقة داق، وقد جربت هذا والله مع طفلة صغيرة عندي، كانت جالسة فأتيت ودققتها في ظهرها فالتفتت، سبحان الله! إذاً هي عندها يقين، وعندها في فطرتها أن لهذا الحدث مُحدِث.
أيضاً حتى في طباع الحيوانات، الآن لو كنت في الصحراء وهناك غزال، أو ضبع، أو نمر، وسمع طلقة رصاص في مكان معين، فإنه يلتفت من أين جاءت هذه الطلقة؛ لأنه يهمه أمر الطلقة، ويعرف أن هذه الطلقة لا يقصد بها غيره، فمن أساسيات وجوده أن يكون حذراً على حياته، فهذه طلقة خارجة عن العادة، وشيء ليس بمألوف عنده، فمبدأ السببية وارد.
ومن الناس من اعتمد هذا المبدأ حتى وصل إلى العقيدة في الله .
ومنهم من جعل المسألة حسابية ورياضية يعني: تجارية (١+١=٢) كيف؟ قالوا: إن الأضمن لحياتنا وآخرتنا الإيمان بالله؛ لأننا بالإيمان لا نخسر شيئاً، بل نكسب كل شيء، وبالكفر لا نكسب شيئاً بل نخسر كل شيء، إذاً الأضمن لنا والأحوط هو: الإيمان، حتى قال شاعرهم وفيلسوفهم وهو أبو العلاء المعري وهو فيلسوف ملحد:
زعم المنجم والطبيب كلاهما لا تبعث الأجساد قلت: إليكما
إن صح قولكما فلست بخاسرٍ أو صح قولي فالخسار عليكما
ونحن في دين الله لا نقبل هذا المبدأ حقيقة؛ لأننا لا نبني ديننا على الاحتمالات، فإن كان فأنا رابح وإن لم يكن فلم أخسر شيئاً، لا.
وإنما نأخذ أدلتنا باليقينيات، ونتقبلها بالجزم الذي يبلغ جذور وأعماق النفس، بحيث لا يخالط الإنسان منها أدنى شك؛ لأن الشك في دين الله يورث الكفر والعياذ بالله، لكني أورد لكم هذه القضية على أساس أنها قضية عقلية، وصل إليها العقلاء وقالوا: الأحوط لنا أن نؤمن بالله، حتى قال أحد الفلاسفة الغربيين الذين يعيشون في السويد وهو: باسكال، يقول: إما أن تؤمن بالله وإما ألا تؤمن، فماذا تختار؟ يقول: قبل الاختيار توازن بين ما يمكن أن تربحه بالإيمان وما يمكن أن تخسره بالكفر، ثم يقول: إنك بالإيمان تربح كل شيء، ولا تخسر شيئاً مهماً، وإنك بالكفر تخسر كل شيء ولا تربح شيئاً مهماً.
فالإيمان حقيقة مربح؛ لأنه يدعوك إلى الفضيلة؛ والصدق والوفاء والبر والعفاف والطهر والكرم والمروءة والشجاعة والنجدة وإلى كل الأخلاقيات التي تستقيم بها حياة الناس، فبالإيمان تربح كل هذه الأشياء، وتربح -أيضاً- الجنة في الآخرة، ويدعوك الإيمان -أيضاً- إلى أن تترك الزنا، والغناء واللواط، والخمور والفجور، والزور وأكل الحرام والربا، كل هذه الأمور تدعو إليها العقول بدون أديان.
إذاً: أنت بالدين والإيمان ربحت كل شيء ولم تخسر شيئاً مهماً، خسرت الزنا؛ وهل الزنا مكسب؟ لا.
خسرت الخمور، وهل الخمور مكسب؟ لا.
خسرت الفجور، وهل الفجور مكسب؟ لا.
فأنت لم تخسر شيئاً بترك هذه المحرمات، بل ربحت كل شيء، أما بالكفر والضلال -والعياذ بالله- فإنك تخسر كل شيء، ولا تربح إلا اللعنة والعياذ بالله.
ولذلك فإن الخيار الأفضل، والبديل الأمثل هو الإيمان، ولا شيء غير الإيمان! ونحن إذا آمنا لا نربح فقط الآخرة كما يتصور بعض الناس، حينما يقول: اهتدِ والتزم وآمن وتمسك لتكون في الآخرة من الفائزين، لا.
بل نربح الآخرة ونربح قبلها الدنيا؛ فربحنا في الدنيا بأن نعمرها بطاعة الله، وربحنا في الآخرة بأن نكون في جوار الله ، فنجد ثمرة سعينا في هذه الحياة، فنحن بالإيمان نكسب الدارين، وبالكفر والعياذ بالله نخسر الدارين، ولا نخاطر بدنيانا لنربح آخرتنا بل نربح دنيانا وآخرتنا.
стр. 185
البدائل التي أوجدها الشرع للاستغناء عن الحرام
والدين إذا حرّم شيئاً ألى له بالبديل الأفضل.
فقد حرم الزنا وأباح الزواج، والزنا عمل مشين لا يليق بأصحاب النفوس الكبيرة حتى ولو كانوا كفاراً.
هذه هند بنت عتبة لما جاءت بعد أن أسلمت وكان لها ماضٍ في قتل حمزة؛ لأنها هي التي أعطت المال الكثير ل وحشي ووعدته بالحرية وقالت له: اذبح حمزة، فخرج يترصد حمزة حتى قتله، ثم بعد أن أسلمت وجاءت تبايع النبي ﷺ قال لها رسول الله ﷺ : (تبايعين على ألا تشركي ولا تزني ولا، فلما بلغ ولا يزنين قالت: أوتزني الحرة يا رسول الله؟!) كيف أبايعك على ألا أزني، وهل معقول أن أحداً يزني، فالعقول تنفر من هذا الخلق المشين قبل الدين، فكيف به بعد الدين؟ يقول الله : ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء:٣٢] ويقول النبي ﷺ : (من زنى بامرأة في الدنيا كان عليه وعليها في القبر نصف عذاب هذه الأمة) ويقول ﵊: (ما عصي الله بذنبٍ بعد الشرك أعظم من نطفة يضعها الرجل في فرجٍ لا يحل له) ويُخبر ﵊ أن فروج الزناة تشتعل ناراً يوم القيامة، فالزنا حرمه الشرع، ولكن أباح البديل، والنظير الطاهر المثالي وهو: الزواج وهو من جنس العملية الجنسية.
لكن الزنا عملية فوضوية بهيمية، ليس لها قيود ولا ضوابط، وليس لها نتائج ولا مسئوليات، وإنما يمارسها الإنسان في اعتباطٍ، ويترتب عليها فساد الأسر والمجتمعات، وتحلل الروابط، وعدم وجود العلاقات الإنسانية، فحرم الله الزنا وأباح الزواج، وهو العلاقة الجنسية النظيفة الطاهرة بين رجلٍ وامرأة بكلمة الله ، تتحدد بها العلاقة والمسئولية، ويتحمل كل من الطرفين آثار العلاقة من بنين وبنات، وتربية ومجهودات، فحرم الزنا وأباح الزواج.
وحرم الخمر وأباح العسل، وحرم الميتة وأباح المذكاة -وكل خبيثٍ في شرع الله حرام- حرم الله الربا وأحل البيع، والبيع: معاوضة مال بمال بمصالح متبادلة، لكن الربا معاوضة مال بمال أكثر بغير مصلحة متبادلة وإنما القصد منها الإضرار بالفقير، واستغلال حاجته، وتدميره، وزيادة بلاء على بلائه، فهذا حرام، وأما البيع فلا: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ [البقرة:٢٧٥].
فالإسلام لا يحرم شيئاً إلا ويحل البديل الأفضل؛ لأنه دين يتسم بالواقعية، ليس ديناً خيالياً يعيش في المثاليات ويترك الناس بغير حلول، بل يعيش الواقعية وبمنتهى الوضوح والبساطة، ولا يحرم شيئاً إلا ويُوجد البديل الأفضل منه.
فالأغاني التي تمارس الآن من قبل الأمة بشكلٍ يدعو إلى العجب والاستغراب، حتى غدت هذه الأمة أمة الغناء لا أمة القرآن؛ لأنها تعيش مع الغناء بالليل والنهار، تعيش مع الأغاني باستمرار، ينام الإنسان على الأغنية، وبعضهم لا ينام إلا وقد وضع السماعة الصغيرة في أذنه؛ لئلا يترك المجال للخير أن يدخل، يريد أن يسد أذنه ويخصصها لهذا الشر؛ لأنك إذا كنت تسمع كلمة شر من بعيد فإنه بالإمكان أن تسمع كلمة خير من بعيد فتزاحم كلمة الشر، لكن من يخصص أذنه بالذات ويدخل السماعة في أذنيه، ولا يسمع إلا الأغاني فقد خصصها للشيطان والعياذ بالله، وبعضهم يضع سماعات كبار وكأنه من رجال الفضاء، فاخترع مُخترعاً كبيراً، وهو أنه خصص أذنيه لسماع كلام الشياطين والعياذ بالله.
هذه الأغاني تفتك بالقلب، وتُذهب الدين، وتحرق الإيمان؛ لأن كلماتها وألحانها، وأهدافها ساقطة، تحرض على الجنس وتذكي الشهوة المحرمة في الإنسان، لذا حرمها الدين.
ولكنه عندما حرمها جاء بالبديل؟ يقول علماء النفس والتربية، ويسميهم أحد المشايخ بعلماء (العفس) ما هم بعلماء نفس؛ لأن العالم النفسي الذي يتعلم أسرار النفس من الله؛ لأن الله يقول على لسان عيسى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة:١١٦] فالذي يتعلم علم النفس بهدي الكتاب والسنّة يصل إلى علوم النفس الحقيقية، أما الذي يتعلم علوم النفس من غير منطلقات الشريعة فإنه يصبح علم (عفس)، إذ يرشد النفس على غير خلق الله، ولا مراد الله .
يقولون هؤلاء العلماء: إن في الإنسان غرائز، وهذه الغرائز ضرورية لحياة الإنسان، فغريزة الجنس غرضها بقاء الجنس البشري، إذ لو عدمت الغريزة الجنسية عند الرجل والمرأة لما حصل اتصال، وبالتالي ينقرض الجنس البشري ويتلاشى الناس، وهذا مصادم لغرض الله وكونه، فالله أراد أن يكون هذا الإنسان في الكون للتكليف والابتلاء والاختبار، فحرّم الله الزنا وأوجد الزواج.
- غريزة حب الاستطلاع: كل واحد منا إذا رأى أو سمع شيئاً فإنه يريد أن يراه، حتى الطفل الصغير تشتري له لعبة صغيرة فيلعب بها يوماً أو يومين ثم يقوم بفكها يريد أن يرى ما بداخلها، هذه اسمها غريزة حب الاستطلاع.
فهذه الغريزة في النفس لم يلغها الإسلام، ولكنه هذبها وجعل لها مساراً صحيحاً؛ فجعل الاستطلاع في الخير: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس:١٠١] ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران:١٩٠] ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ﴾ أي: يستطلعون ويتأملون (وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٩١] فقصر الله حب الاستطلاع فيما يعود على الإنسان بالنفع في الدنيا والآخرة، وحذر من حب الاستطلاع فيما يعود على الإنسان بالضرر في الدنيا أو الآخرة، ولذا حرم الشرع من أن تستطلع على عورات المسلمين: (من تتبع عورة أخيه تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته فضحه في رحله) (يا معشر من آمن بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه! لا تتبعوا عورات المسلمين؛ فإن من تتبع عورة مسلمٍ تتبع الله عورته في الدنيا والآخرة).
فحب الاستطلاع له مجال في الدين، لكن في المجال الآخر المعاكس ممنوع.
- أيضاً الأكل والشرب: أليس شيئاً فطرياً وغريزياً عند الإنسان؟ إذ لو لم يأكل الإنسان لمات، فجعل الله الجوع في البطن وحب الطعام شيئاً غريزياً لتبقى حياً، وجعل الله غريزة حب الطعام لبقاء الجنس، ولكن جعل للطعام مساراً، وقسم الطعام إلى قسمين: طيبات وخبائث، فأباح لنا الطيبات وحرم علينا الخبائث، فالذي يقتصر على الطيبات يسعد، والذي يأكل من الخبائث يشقى، فهذا المسلم مقتصر على الطيبات؛ لأن الله أحلها له، ومعرض عن الخبائث؛ لأن الله حرمها عليه، وغير المسلم يجمع بين النقيضين ويجمع بين الخليطين، فتفسد عليه دنياه وأخراه.
غريزة الوجدان: الوجدان شعور داخلي في النفس ينتاب كل إنسان، يترتب عليه أن يصدر الإنسان أنغاماً وأهازيج وكلمات يرددها من أجل أن يربي داعي هذه الغريزة، فتجد الواحد وهو جالس (يونون)، ماذا بك؟ قال: والله سرحت، أين سرحت؟ ما الذي جعله يسرح ويعمل هذه الدندنة، هذه غريزة في النفس في كل شخص، ولهذا تجدون شعوب الأرض كلها تغني، فهناك غناء صيني، وكوري، وغربي، وشرقي وغيرها حتى الذين في مجاهيل إفريقيا، هناك أناس عراة في إفريقيا لا يعرفون الملابس لكنهم يغنون؛ لأن غريزة الوجدان موجودة عندهم، فلما جاء الإسلام وجد أن هذه الغريزة خطيرة على الدين؛ لأن لها وقود في النفس ومادة، فما ألغاها؛ لأن الدين واقعي، فكيف يلغي شيئاً أصيلاً في النفس البشرية، لا يمكن! ولكن جعل لها مساراً سوياً، وجعل لها طريقاً وهو: التغني بكتاب الله ، ولهذا جاء في الحديث، يقول ﵊: (ليس منا من لم يتغن بالقرآن) والحديث في صحيح البخاري، وصحيح مسلم يقول ﵊: (ما أذن الله لشيء كما أذن لنبي حسن الصوت أن يتغنى بالقرآن) وكان صلوات الله وسلامه عليه أجمل الناس وأشجاهم صوتاً لكتاب الله، وكان يمر بالليل فيسمع أبا موسى الأشعري يقرأ القرآن ويترنم به فيجلس ويسمع، فجاء في يوم وقال له: (يا أبا موسى! لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود، فقال له ﵁: أكنت تسمع يا رسول الله؟ قال: نعم.
قال: والله لو كنت أعلم لحبرته لك تحبيراً) يقول: قراءتي كانت عادية، ولكن لو كنت أعلم أنك تسمع لرأيت أن أضع لك شيئاً من التحسين والتجويد والترتيل، وهذا الآن واقعٌ في حياتنا، أنت الآن إذا صليت خلف إمام حسن الصوت جيد القراءة يرتل كلام الله ترتيلاً عظيماً تنشرح نفسيتك للصلاة؛ لأن عندك فطرة لسماع الكلام الطيب، والله كتب الإحسان على كل شيء، وأمر بتحسين التلاوة فقال: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً﴾ [المزمل:٤] فهذا الإسلام لم يحرم شيئاً إلا أحل وعوض بالبديل الأفضل منه.
стр. 186
مدى ضرورة الإيمان للناس
إن الإيمان ضروري لكل فرد كي يسعد ولا يشقى، وهو ضروريٌ لكل مجتمع كي يتماسك ولا يتحلل، وانظروا لو جئنا برجل مؤمن وآخر كافر أو فاسق أو عاصٍ أو منحرف، وأخذنا شريحة من قلب المؤمن وشريحة من قلب الكافر، وأخضعنا الشريحتين للتحليل، لوجدنا أن هذا الفرد المؤمن تغمره السعادة، وتسيطر عليه الطمأنينة، ويشعر بالرضا والارتياح وليس لديه أي قلق أو اضطراب، ولا يعاني من أي أمراض نفسية، ولا يقابل أي سلبية من سلبيات الحياة إلا بالرضا والتسليم، النعمة في حقه شكر، والبلية عنده صبر، فالمنّة عنده محن؛ والمحن عنده منح، إذا أنعم الله عليه فكر في نفسه: لماذا هذه النعمة.
لعلها استدراج؟ وإذا ابتلاه الله فكر في نفسه: لماذا بلاني الله؟! لعله عقاب!! فيحاول أن يصحح الوضع مع الله في كل حال، فهذا المؤمن.
أما الكافر تأتي إليه فتجده مغموراً بالشقاء، فالطمأنينة مفقودة في قلبه، والقلق والاضطراب والحيرة والشرود والتيه والضلال مسيطر عليه، والأمراض النفسية تعترضه من كل جانب، إذا أُنعم عليه فجر، وإذا ابتلي ضجر وسخط وعبس وجهه، وقال: لماذا يفعل ربي هكذا؟! لماذا الناس كلهم أصحاء إلا أنا مريض؟! ولماذا الناس كلهم متحررون إلا أنا مسجون، ولماذا الناس كلهم يأكلون ويشربون إلا أنا فقير، ليس عندي شيء، فالكفر هو الذي أملى عليه هذه المفاهيم، أما ذاك فما الذي زرع في قلبه كل تلك الأخلاقيات والسلوكيات والمفاهيم العظيمة؟ إنه الإيمان! فبغير الإيمان يشقى الإنسان ويضل، هذا على مستوى الفرد، أما على مستوى المجتمعات فبالإمكان -أيضاً- أن نجري دراسة وأن نعمل فحوصاً على مجتمع مسلم متماسك، ومجتمع كافر منحل، لنجد كيف الحياة هنا وكيف الحياة هناك: إن المجتمع المسلم مجتمع كامل متكامل، متعاطف متماسك، يشعر فيه كل فرد بشعور الآخر: (المسلمون كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) (المسلمون كالبنيان -أو كالبنان- يشد بعضه بعضاً) لكن في غير المجتمع المسلم مجتمع غاب، وسباع، الغلبة فيه للقوي، والفتك فيه والعزة للمسيطر، أما الضعيف فيموت جوعاً ولا يشعر به أحد، بل ولا يساعده أحد، بل إنه في أمريكا أو في الدول التي يسمونها المتحضرة، وهي في الحقيقة الدول الخاسرة، فـ أمريكا في قمة التطور المادي لكنها في الأخلاقيات في أسفل السافلين وفي الحضيض، هم حقيقة طوروا المادة لكنهم دمروا الإنسانية، هناك الأمريكي لا يثق في أخيه الأمريكي، ولا يسمح لأمه ولا لابنته ولا لولده أن يأكل معه من صحن واحد، ولكنه يسمح لكلبه أن يأكل معه، يجلس في المطعم وهناك كراسٍ للكلاب في المطعم، يقول لي أحدهم: والله استغربت من هذه الكراسي المصممة على قدر الكلب، كرسي الإنسان معروف، لكن كرسي الكلب صغير على قدر مقعدة الكلب، فهو مصمم تصميماً للكلب، ويدخل الكلب ويُجلسه، ويضع السفرة بينه وبينه، ولحمة طيبة وملعقة ويستأنس به، وإذا انتهى يمسح فمه ويقبله، ولا يفعل ذلك مع ابنته أو ابنه.
هذه مجتمعات الكفر والضلال، تمارس فيها الجريمة بشكل علني، حتى في الشذوذ الجنسي.
في بريطانيا مجلس العموم البريطاني يقرر بالإجماع إباحة زواج الرجل بالرجل، وهذا شيء لا يعاقب عليه القانون فهو شيء مباح، ويكتبون له ورقة وصكاً شرعياً بذلك، يأخذه ويمارس معه الفاحشة رسمياً، أهذا دين؟! أهذا خلق؟! هل رأينا هذا في عرف الحيوانات؟! هل رأينا حماراً يركب حماراً؟! أو كلباً يركب كلباً؟! أو قرداً يركب قرداً؟! يقول الله في شأن قوم لوط: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:١٦٥] ويقول ﵎: ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف:٨٠] لم يخترعها قبلهم أحدٌ أبداً.
ويقول الوليد بن عبد الملك: والله لولا أن الله حدثنا في القرآن عن قوم لوط، ما صدقت أن رجلاً يركب رجلاً، ولهذا قال ﵊: (لعن الله من عَمِل عَمَل قوم لوط، لعن الله من عَمِل عَمَل قوم لوط، لعن الله من عَمِل عَمَل قوم لوط) وقال: (اقتلوا الفاعل والمفعول به فاقتلوهما) حدهم في الشرع القتل، وورد في بعض الآثار أن الذكر إذا ركب الذكر اضطربت السماوات والأرض، فتمسك الملائكة بأطراف السماوات من غضب الرب ﵎ وتقرأ (قل هو الله أحد) حتى يسكن غضب الله ، إنه شيء لا يمكن أن يتصوره العقل، ولهذا عاقب الله من عمل هذا العمل بأن أرسل جبريل فغرس جناحه إلى تخوم الأرض ثم حملهم إلى السماء ثم قلبها عليهم، قال الله: ﴿جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود:٨٢ - ٨٣].
فالمجتمع بغير دين مجتمع غابة، وإن لمعت فيه بوارق الحضارة، فالحضارة يا أخي! ليست بالمباني ولا بناطحات السحاب، ولا بالشوارع الفسيحة، ولا بهدير الآلات أو أزيز المصانع، ولكن الحضارة مفاهيم، ما رأيكم لو وجدنا كلباً نظيفاً يلبس بدلة ويعيش في عمارة، وآخر متسخاً يعيش في برميل قمامة، هل الكلب النظيف الذي يلبس البدلة ويجلس في عمارة؛ مفضل على الكلب الذي يعيش في برميل القمامة؟ لا والله.
بل كلها كلاب.
لو أنك أتيت بشخص من تهامة أو البادية، ليس عنده شيء من الحضارة، ثيابه مقطعة، فإنك تجد لديه مفاهيم ليست موجودة في أكبر إنسان في الدنيا! تجد عنده نجدة ونخوة ومروءة، لو أتيته في بيته وما عنده إلا شاة لذبحها لك، ولا يذوقها بل يتركها لك، ولو استنجدت به وأنت في أشد الظروف لافتداك ولو بنفسه، بينما في أمريكا لو طلبت من مخترع عظيم قرشاً واحداً لا يعطيك.
إذاً: ما هي المفاهيم التي عنده؟ هل الإنسانية أنك تبني عمارة وتسكنها، أم أن الإنسانية أن تعيش بإنسانيتك؟!! ولهذا يقول أبو الحسن الندوي في كتابه حضارة الغرب: زرت أمريكا فوجدت فيها كل شيء إلا الإنسان، يقول: خرجت في النهار والليل أبحث عن الإنسان، فلم أجد شيئاً، يقول: رأيت السيارات، والطائرات، والناطحات، والشوارع، وأردت الإنسان فلم أجده، رأيت مسخاً يمشي على قدمين، إنه مسخ وليس بإنسان، إنه يعيش في أخلاق الكلاب، والقردة، والحمير، والخنازير، والله لا أجرؤ على أن أسميه إنساناً، فالإنسان بإنسانيته وبمفاهيمه، فإذا تجرد عن مفاهيم الإنسانية فليس بإنسان، بل يبقى في شكل الإنسان لكنه ممسوخ مسخاً مشوهاً للإنسانية.
فالمجتمع بلا دين وإن لمعت فيه بوارق الحضارة فهو مجتمع غاب؛ لأنه دمر الإنسان، وإن استطاع أن يسبح في الفضاء وأن يغوص في أعماق البحار، فإنه عجز أن يخطو خطوة واحدة في سبيل الخير والنفع العام.
وما أخبار قذف ملايين الأطنان من القمح في البحار عنكم ببعيدة، تعرفون أن أمريكا تقذف ملايين الأطنان من البر في البحار، بينما الناس في أمريكا نفسها وروسيا وإفريقيا يموتون جوعاً والحبوب تقذف، فلماذا يقذفون الحبوب؟ قالوا: حتى نحافظ على مستوى قيمة السلعة، إذ لو وردنا كل الحبوب فإن سعرها سوف ينزل وبالتالي نخسر، إذاً: نغرقه في البحر ولا نعطيه للفقراء والمساكين.
وما حرب النجوم عنكم ببعيد، تُرصد المليارات بل وآلاف المليارات رغم حاجة الشعوب في الأرض إليها، ترصد كلها للتنافس والتسابق من أجل التدمير، ولذا يوم أن استطاعت أمريكا أن تصل إلى كوكب من الكواكب عبر بحوثها العلمية، وبرامجها في حرب النجوم، بدأت الآن تطلب وتدغدغ أحلام الشرقيين في روسيا لتنزع بعض الأسلحة، وقد سمعتم بالمؤتمر الأخير الذي حصل بينهم، وأنهم نزعوا صواريخ متوسطة المدى، وهذه الصواريخ مع أمريكا منها (٢٢٠) صاروخاً، وعند روسيا منها (٤٤٠) صاروخاً، كلفة الصاروخ الواحد مليار يعني: ألف مليون دولار! ثم إن القوة التدميرية للصاروخ كبيرة جداً لدرجة، فهو يستطيع أن يدمر مدينة مثل نيويورك قوام أهلها عشرة ملايين.
فـ أمريكا قالت: ننزع السلاح، لماذا؟ لأنها استطاعت أن تصل إلى حرب تمارسها عن طريق النجوم، بحيث تفرض هيمنتها على الأرض كلها شرقيها وغربيها، عن طريق المال والإمكانيات، وهذا كله لأن الإنسان نفسه والمجتمع ليس مجتمعاً إسلامياً، ولا يعيش في ظلال الدين، وإلا لكان غير ذلك.
стр. 187
وسائل الإيمان وأسبابه
أيها الإخوة في الله: قد يسأل سائل ويقول: عرفنا ضرورة الإيمان للفرد، وعرفنا ضرورة الإيمان للجماعة والمجتمع، وأدركنا حاجة الإنسانية إلى الإيمان، فما هي أسباب ووسائل الحصول على الإيمان؟ كيف أقوي إيماني؟ وأشرح صدري؟ وأزيد من يقيني؟ للإيمان أسباب ووسائل، وأرجو من الإخوة أن يكتبوا هذه الأشياء؛ لأنها عملية، لا نريد أن تقال وتذهب أدراج الرياح، بل نريد أن تقال وتكتب وتراجع وتطبق ويناقش الإنسان نفسه على ضوئها، منها على سبيل المثال لا الحصر:
стр. 188
أولاً: قراءة القرآن الكريم
والقراءة التي نعنيها: قراءة التدبر والعمل، لا قراءة الهذرمة بدون عمل، القراءة المعنية قراءة التدبر ومعرفة الأمر ثم الانسياق وراء الأمر والابتعاد عن المنهي، هذا معنى قراءة القرآن إذا أردت أن يفيدك الله ، أما أن تقرأ ولا تعمل فأنت مثل من يشتري دواء فيردد اسم الدواء ثم يضعه، إذا اشتريت علبة دواء من السوق أليس في كل علبة ورقة تدلك على طريقة استعمال العلاج، فلو أنك أخذت الورقة هذه وجلست تقرأ مكوناته: يتكون البندول من كذا وكذا، دواعي الاستعمال: في الصداع وكذا وكذا، والجرعة: حبة في الصباح وحبة في المساء، فلو أنك قرأت هذه الورقة في اليوم عشرين مرة، لكن ما استعملت العلاج، فهل يذهب منك هذا الصداع؟ الغرض من قراءة هذه الورقة أو هذه الوصفة هو أن تستعمل الحبوب، لكن لو أنك قرأتها عدة مرات ثم ذهبت إلى الصيدلية وقلت: يا دكتور! أنت وصفت لي دواء وما نفعني، فقال: استعملته؟ قلت: نعم، والله إني أقرأ الورقة من الصباح إلى المساء، قال: استعملت الحبوب؟ قلت: لا.
ما استعملت الحبوب.
فسيقول لك الدكتور؟ هذه الورقة ما أعطيتك إياها لأجل قراءتها ولكن من أجل أن تفهم كيف تستخدم العلاج، وأكثر الناس اليوم يقرءون القرآن ويحفظونه ولا يعملون به، ويريدون أن يستشفوا من المرض الذي بهم.
فالله ما أنزل القرآن من أجل أن يقرأ ويحفظ ولا يعمل به، يقول ﵎: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص:٢٩] فالله أنزل القرآن ليعمل به، فاتخذ الناس تلاوته عملاً، يقول بعضهم: أنا أقرأ القرآن، حسناً تقرأ ولا تعمل! إذاً القرآن يلعنك: (رب قارئ للقرآن والقرآن يلعنه) كأن تقرأ القرآن وأنت تكذب، وتقرأ: ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران:٦١] فتخرج الآية واللعنة من فمك إلى من هي موجهة إليه، وهم الكاذبون، فمن هو أقرب كذاب من المتكلم؟ فتخرج اللعنة من فمه إلى جبهته والعياذ بالله.
﴿أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود:١٨] وهو ظالم لنفسه بالمعاصي، ولغيره بأخذ حقوقهم، ولربه بالشرك بالله، فتخرج اللعنة من فمه إلى جبهته والعياذ بالله.
فمعنى قراءة القرآن يعني: التدبر والعمل، فمن الناس من يقرأ القرآن ويصلي وهو غير متوضأ، إذا جاءت الصلاة قال: هيا بنا نصلي ثم يقف في المسجد وهو يعرف أن سرواله نجس، وأنه غير متوضئ ويكبر: الله أكبر، ويركع، هذا مستهتر بدين الله، وربما يصل به الأمر إلى الكفر بدين الله، فمن الناس من يسمع قول الله فيما أمر ونهى ولا يطبق، هذا ما قرأ القرآن حقيقة بل كان القرآن حجة عليه لا حجة له.
стр. 189
ثانياً: قراءة سنّة النبي ﷺ
ومعنى قراءة السنة: أن تأخذ حديثاً من أحاديث رسول الله ﷺ وتفهمه وتطبقه، وأول حديث عندكم في الأربعين النووية معروف يبدأ به العلماء كلهم، وهو حديث عمر ﵁: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه) وهذا أخذناه في صف خامس، هذا الحديث ذكره العلماء في بداية كتبهم لأجل أن الشخص عندما يقرأه يصحح النية، فعندما تكون في تحفيظ القرآن الكريم وتسمع: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) هذا يدعوك إلى أن تصحح نيتك في وجودك في هذه المدرسة، وتعرف أنك هنا يجب أن تتعلم كلام الله، وأن تحفظ كتاب الله من أجل العمل به، والدعوة إليه، والصبر على الأذى فيه، هذا معنى: إنما الأعمال بالنيات، أما لغير ذلك فلا يجعل الله في علمك بركة ولا قراءتك، ويمكن أن تظهر فيما بعد بأنك من أفسد خلق الله، وإذا رآك الناس لعنوا المدرسة التي أخرجتك لمجتمعك، وأنت قد حفظت القرآن، لكن نيتك فاسدة فكان عملك كله فاسد، فلابد من تصحيح النية! وهذا الحديث سببه: أن أناساً هاجروا مع النبي ﷺ من مكة إلى المدينة، فهناك من هاجر لنصرة الدين ومنهم من هاجر لغير ذلك، فأحد الناس هاجر لأجل امرأة كان يحبها، وآخر هاجر لأجل تجارة، فكلهم في الهجرة سواء، لكن اختلفوا في النيات فاختلفوا في الثمرة.
من هاجر لله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن هاجر لامرأة يتزوجها أو دنيا يصيبها، فهجرته إلى امرأة يتزوجها أو دنيا يصيبها، لكن ليس له عند الله نصيب، فأنتم معنيون بهذا الحديث.
ومعنى قراءة السنة: أن تقرأ الحديث وتتفكر فيه، فمثلاً: قراءة الحديث عن النعمان بن بشير قال رسول الله ﷺ : (إن الحلال بين، وإن الحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثيرٌ من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه) إن الحلال واضح والحرام واضح، الحلال: كالصلاة والزكاة، والحرام: كالزنا والخمور والفجور، وفي الوسط أشياء مشتبهة لا يعلمها كثير من الناس أهي من حلال أم حرام، لا يعرفها إلا أهل الإيمان والعلم والنور الرباني، فالذي يتركها ويقول: لا أقع فيها لأنها مشتبه، فهذا قد استبرأ لدينه وعرضه، والذي يقع فيها يقع في الحرام، لماذا؟ لأنه مثل الراعي الذي يرعى حول الزرع، وهذا الزرع محمي، أي: عليه جدار وهذا الزرع شعير أو بر أو ذرة، فجاء صاحب الزرع وقال: يا فلان أبعد غنمك من عند زرعي، فقال: لن تقارب زرعك فأنا أراقبها جيداً أنا أرعاها، هي ترعى من قرب الجدار، ومن هنا ومن هنا، فقال صاحب الزرع: حسناً، لكن انتبه! فغفل الراعي وقامت واحدة من الغنم فدخلت في الزرع وأكلت، وجاءت الثانية ودخلت، وإذا بالزرع قد انتهى كله، فيقول ﵊: (كالراعي يرعى حول الحمى -يعني: حول الزرع المحمي- يوشك أن يرتع فيه -يعني: يمكن أن تدخل واحدة- ألا وإن لكل ملكٍ حمى، إلا وإن حمى الله محارمه) فحمى الله الحرام والشبهات هذه التي يرتع فيها أكثر الناس، والواضح هو الحلال.
فإذا قرأت هذا الحديث فيلزمك رأساً أن تمتنع عن كل شبهة فضلاً عن المحرمات، لا تقع في شيء مشتبه فيه فالذي لا تدري أهو حلال أم حرام فاتركه احتياطاً لدينك، هذا معنى قراءتك للسنّة، وأصح كتاب يمكن دلالتكم عليه باعتباركم مبتدئين هو كتاب: رياض الصالحين، لا بد أن يكون في بيتك وعند رأسك، هذا الكتاب ألفه الإمام النووي ﵀، واختاره من الكتب الصحيحة، وكل ما فيه صحيح، لم يذكر فيه حديثاً ضعيفاً أو موضوعاً، وإنما كل ما فيه صحيح، إلا سبعة عشر حديثاً قال أهل العلم: إنها حسنة، أما ما فيه فهو يدور بين الصحة والحسن.
اقرأ كتاب رياض الصالحين وابدأ من أول الكتاب، واجعل لك في كل يوم حديثاً، فاقرأ لك حديثاً واحفظه ثم طبقه ثم علم الناس إياه، ما تنتهي من رياض الصالحين إلا وأنت عالم بإذن الله، لأن بعض العلماء لا يعرف رياض الصالحين ويريد أن يكون عالماً، وبعض المدرسين لا يعرف رياض الصالحين ويريد أن يكون مدرساً، وبعض طلبة العلم لا يعرف رياض الصالحين ويريد أن يكون طالب علم، ورياض الصالحين من مسماه، من عاش فيه عاش في الرياض، فهذا هو السبب الثاني وهو قراءة السنّة.
стр. 190
ثالثاً: المحافظة على الفرائض
وهذا دواء عظيم لزيادة الإيمان، والمحافظة على الفرائض في مظانها، يعني: في أماكنها، فالذي يصلي في البيت لا يزيد إيمانه بل يضعف ويضعف حتى يذهب.
لابد من أداء الفريضة في المسجد؛ لأن الله ﵎ أمر بها فقال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة:٤٣] ليس في البيوت مع النساء بل مع الراكعين أي: مع المؤمنين المصلين الراكعين في المسجد، فالمحافظة على الفريضة تكون في المسجد، أما الفرائض الأخرى: كفريضة الزكاة، والصيام، والحج، والجهاد، والإنفاق، والدعوة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، كل هذه فرائض، ليست فقط الصلاة، ولكن الصلاة من أهم الفرائض وآكدها بعد الشهادتين، فالمحافظة عليها سببٌ من أسباب تقوية الإيمان.
стр. 191
رابعاً: الإكثار من النوافل
فلا نعمل كما يعمل الفسقة ممن يصلون الفرض ويدعون السنة، وأنا أسميهم فسقة بما سماهم به شيخ الإسلام ابن تيمية، فقد سُئل عن رجلٍ يصلي الفريضة ولا يأتي بالسنة؟ فقال: ذاك رجل فاسق ترد شهادته، أي: لو جاء يشهد عليك فأردت أن تطعن وتقدح فيه بأنه تذكر أنه لا يصلي السنة، وبذا ترد شهادته؛ لأن من ترك السنة ترك الفريضة، وهذا بدون شك، لأن خط الدفاع الأول أمام الشيطان هي السنة، فما دام معك خط الدفاع الأول فإن خط الدفاع الثاني عندك أقوى، لكن إذا جابهت الشيطان بالفريضة وهزمك وتركت الفريضة وبالتالي يكفر الإنسان، فالإكثار من نوافل الصلاة، والصدقة، والصوم، والحج والعمرة، والصدقات خير وبركة، ولا نعني بالنوافل السنن الراتبة، ولكن نعني بالنوافل ما خرج عن السنن الرواتب والمؤكدة؛ لأن السنن الراتبة مطلوبة ومؤكد عليها، وسنة الفجر والوتر سنة مؤكدة، لكن نعني بالنوافل ما زاد عن هذا، مثل ركعتي الضحى، أو أربع أو ست، أو ركعتين في جوف الليل، وركعتين إذا دخلت المسجد، هذا اسمها نوافل ينبغي الإكثار منها وعليك أن تستزيد منها دائماً، وأن تستفيد من كل إمكانية في زيادة رصيدك مع الله، ولو بكلمة واحدة.
стр. 192
خامساً: الرفقة الصالحة
خامساً: الزميل الصالح أو الرفيق الصالح والمؤمن، والجلوس في حِلق الذكر؛ لأن الرفيق الصالح يذكرك إذا غفلت، ويدعوك إذا ضعفت، ويأمرك إذا خالفت، فهو خيرٌ كله، فهو بمثابة من يحاول باستمرار أن يرفعك، فهو باستمرار يسحبك إلى أعلى، فلا تجلس مع شخص قليل الدين أو فاسق؛ لأنه باستمرار يسحبك إلى أسفل، ولهذا يقول علي ﵁:
فلا تصحب أخ الفسق وإياك وإياه
فكم من فاسقٍ أردى مطيعاً حين آخاه
يقاس المرء بالمرءِ إذا ما المرء ماشاه
وللناس على الناس مقاييس وأشباه
وللقلب على القلب دليل حين يلقاه
ويقول:
إذا ما صحبت القوم فاصحب خيارهم ولا تصحب الأردى فتردى مع الردي
لأن الإنسان يقارن بما قُرن به، فإن مشيت مع الطيبين فأنت طيب، وإن مشيت مع الفسقة والعصاة جروك ولو كنت طيباً إلى ما هم عليه، إذ لو كنت طيباً ما سرت معهم، فأنت بخبثك أقررتهم وسرت معهم، فإذا أردت أن يبقى إيمانك قوياً وصلتك بالله قوية باستمرار؛ فاحذر من جليس السوء، وتمسك بصاحب الخير، وبحلق الذكر؛ لأن حِلق الذكر كما جاء في الحديث، يقول ﵊: (ما جلس قوم في بيت من بيوت الله يذكرون الله، إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وذكرهم الله فيمن عنده) فهذه آثار الجلوس في مجالس الذكر.
стр. 193
سادساً: عدم مجالسة العصاة والبعد عن المعاصي
سادساً: الحذر من مجالسة العصاة والاقتراب منهم أو إقرارهم، وهذه واضحة؛ لأنها عكسية للخمسة.
سابعاً: كذلك البعد كل البعد عن المعاصي كبيرها وصغيرها، دقيقها وجليلها؛ لأن المعاصي تسقط العبد من عين الله ، ولأن المعاصي تحرق الإيمان.
لا تحقرن من الذنوب صغيرا إن الصغير غداً يعود كبيرا
كل شيء يكبر، لا تقل: صغيرة، فاليوم صغيرة وغداً كبيرة.
إن الصغير وإن تقادم عهده عند الإله مسطر تسطيرا
فعليك أن تحرص كل الحرص على عدم الوقوع في المعاصي، فلا تسمع جزءاً من أغنية، ولو حتى الموسيقى التي قبل الأخبار؛ لأنك إذا سمعتها سمعت الذي قبلها والذي بعدها، وبالتالي تصير عاشقاً للأغاني، ولا تتكلم بالغيبة ولو كان هدف الغيبة نبيلاً؛ لأنك إذا تكلمت بالغيبة بهدف نبيل جرتك بالهدف النبيل إلى الغيبة بغير هدف.
ولا تأكل ريالاً حراماً، ولا تكذب كذبةً بيضاء -كما يقولون- فليس في الكذب أبيض وأسود، كله أسود، ليس في الكذب حلال إلا ما رخص فيه الشرع، وهو ثلاث: أ- كذب الحرب، خدعة.
ب- وكذب الرجل على زوجته.
ج- وكذب الإصلاح.
وغيره فهو كذب، فلا تحقرن شيئاً من الذنوب، وعليك أن تبتعد عنها صغيرها وكبيرها؛ لأن الإيمان هو بمنزلة الشجرة في قلبك، وغذاء الشجرة الطاعات، وما ظنكم لو أن إنساناً عنده شجرة وصب عليها بنزيناً، هل تعيش أم تموت؟ الذي يغذي شجرته بالبنزين والقاز والزيت وماء النار، تحترق أم لا؟ فإذا كان عندك إيمان وغذيته بالأغاني -وهذا بمثابة البنزين بالنسبة للإيمان- فإنه يحرق إيمانك، أو غذيته بالنظر إلى التلفزيون وإلى المسرحيات والمسلسلات، أو بعدم قيامك لصلاة الفجر فإنه يحرق دينك، أو غذيته بمتابعة المباريات والرياضيين، أو لترى من الذي فاز ومن الذي خسر، وهم كلهم خاسرون ليس لديهم نصر، إنما النصر لأهل الإيمان، فأنت بهذا تحرق إيمانك.
لكن غذيِّ إيمانك بالقراءة: بقراءة القرآن والسنة، وبالطاعة، بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبقيام الليل، والصيام، بالحب في الله والبغض فيه، أو بقراءة كتاب من كتب الإسلام تزيدك إيماناً، هذه وسائل تقوية الإيمان.
стр. 194
أسباب حبوط الإيمان
أما أسباب إحباط الإيمان؛ كشخص مؤمن وفجأة انحرف! لماذا؟ لا يمكن أن يحصل هذا إلا بأربعة أسباب:
стр. 195
الردة
١ - الردة -أعاذنا الله وإياكم من ذلك-: وهي الكفر بعد الإسلام، وسبب الردة أمران: - الأمر الأول: سوء بداية الهداية، أي أن: هدايته في الأصل كانت بدايتها سيئة، وما كانت لوجه الله ، وعلى البدايات تنبني النهايات، فمن كانت بدايته قوية، وهدايته صحيحة، كانت نهايته قوية وهدايته لازمة، أما من كانت بدايته ضعيفة، أو نفعية، أو لخوف أو لرجاء، كمن يهتدي ويصلي من أجل أن يُكتب من المصلين في المدرسة، أو كمن يصلي من أجل أن يتزوج بامرأة، يريد أن يعرف أباها أنه يصلي، فيقوم ويصلي في الصف الأول، ليراه أبو المرأة ويسلم عليه -انظر إلى هنا، السلام عليكم، ألا تعلم أني أصلي كل يوم، وأحياناً ينتظره حتى يخرج من باب المسجد فيسلم عليه- حتى إذا تزوج ترك ذلك، فهذا صارت هدايته ليست لوجه الله:
صلى وصام لأمرٍ كان يطلبه فلما انتهى الأمر لا صلى ولا صاما
فسوء البداية يجعل الإنسان يرجع إلى الكفر والعياذ بالله، ويحبط إيمانه، ولذا لا بد من التأصيل والتأكيد بأن تكون بدايتك حسنة، وهدايتك لوجه الله، والتزامك طلباً لما عند الله، وخوفاً مما عند الله .
- الأمر الثاني: اتباع الهوى، الذي نسميه الآن: الكيف، فالشخص يقول: أنا على كيفي، أنا على مزاجي، كيفك ومزاجك هو الهوى، فأنت لست على كيفك ولا مزاجك، أنت على مراد ربك (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به) ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية:٢٣] ما اتخذ إلهه مولاه، ولكن إلهه هواه، يأمره بالنوم عن الصلاة فيرقد، ويأمره بتضييع الصلاة فيمشي، ويأمره أن يغني فيغني، ويأمره أن يذهب مع الصعاليك يتصعلك؛ فيتصعلك، هذا عبد هواه لا مولاه، فاتباع الهوى يحبط الإيمان، ولذا إذا جاءك الهوى والمراد الشيطاني والكيف والمزاج فارفضه، وقسه على الدين وأمر الله وأمر رسوله، ثم اتبع الدين واترك الهوى.
стр. 196
معاداة المؤمنين وموالاة الفاسقين والملحدين
٢ - معاداة المؤمنين وموالاة الفسقة والملحدين؛ لأن من عادى أولياء الله حاربه الله، يقول النبي ﷺ في الحديث القدسي -والحديث في صحيح البخاري -: (يقول الله : من آذى لي ولياً فقد آذنته بالحرب) ومن حاربه الله قصمه وأهلكه، فإيذاء المؤمن ولو بأي نوعٍ من الإيذاء، حتى ولو كان في الحمام يتوضأ وتدق عليه بصورة مزعجة فإن هذا يعد من الإيذاء.
شخص يريد أن يتوضأ، فهل دخل الحمام ليجلس؟ أم أن هناك وسادة وفراشاً يقعد عليها؟! لا.
إن الإنسان لا يدخل دورة المياه إلا من أجل أن يقضي حاجته، فإذا انتهت حاجته خرج، لكن بعض الناس قليل أدب، يأتي إلى الحمام وفيه شخص فيقوم ويدق عليه الباب، ويتنحنح ذاك، فيقول له: عجل! اسرع! وهذا إيذاء، ولا يجوز إيذاء المسلم.
ومن إيذاء المسلم أن تدعوه باسم لا يحبه كأن تعيّره، والله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ [الحجرات:١١] لا تقل: أنت يا أعور، يا أسود، يا ضعيف، يا متين، يا طويل، يا قصير، أنت يا لا.
لا.
فالله قد سمى الناس بأسمائهم، فعليك أن تدعو الشخص باسمه، فلا يجوز إيذاء المسلم بأي شيء من هذا الإيذاء، فإيذاء المؤمنين ومحبة الملحدين والعصاة والفسقة يسبب إحباط الإيمان وخسارته.
وبعض الناس يقوم بتصرفات فيها كبرياء وعجب وخيلاء وبطر، فإذا رأيت هذه النوعيات تحتقرها وتزدريها كما تحتقر البعوضة والذباب، فإذا رأيت هذه النوعيات فلا تحبها، ولا تتخذها مثلاً في الحياة، بل انظر إليهم من علو؛ لأن بعض الناس ينظر إليهم أنهم فوق وهو تحت، وهذا يحتقر ما عظم الله.
فبعض الشباب الذين في تحفيظ القرآن الكريم إذا رأى طلاباً في الثانوية المطورة، ثانوية الفتح وغيرها، وهو في ثانوية القرآن، فإنه يرى نفسه بسيطاً ومُحتقراً، لماذا تحتقر نفسك والله قد أعطاك القرآن؟! يقول ﵊: (من أوتي القرآن ثم رأى أن غيره أفضل منه فقد حقر ما عظَّم الله وازدرى ما كرَّم الله) كيف يعطيك ربي كتابه ويجعل القرآن في صدرك، أما تعلم أن من استقر القرآن بين جنبيه فقد استكمل النبوة غير أنه لا يوحى إليه، فهو في منزلة نبي من بني إسرائيل.
стр. 197
الاستهزاء بشيء من دين الله
٢ - الاستهزاء أو السخرية بشيء من دين الله، وهذه مصيبة يترتب عليها أن يكفر الإنسان بعد الإيمان؛ لأن الاستهزاء بشيء فيه دين الله هو استهزاءٌ بالله ، والله ﵎ يقول: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦] هذه الآية واضحة الدلالة على أن من استهزأ بشيء من دين الله فقد كفر بعد إيمانه، كمن يستهزئ بالأئمة، أو بالمؤذنين، أو بالسنّة، أو بالقرآن، أو يورد نكتاً على القرآن، أو بعض الآيات بالتحريف فيها أو بالزيادة أو النقصان، هذا كله استهزاء؛ لأن لدين الله حصانة، لا ينبغي أن تنال أو تمس، فإذا استهزأ الإنسان أو ضحك بشيء من دين الله حبط عمله.
стр. 198
اعتقاد أن هدي البشر أفضل من هدي الله
٤ - اعتقاد أن هدي شخص أو منهجه أو نظامه أفضل من هدي الله أو منهجه، كأن يعتقد الإنسان أن الأنظمة التي يحكم بها الآن في الشرق والغرب كالنظام الرأسمالي، أو الشيوعي، أو أي منهج آخر يضعه البشر أنه أفضل في تنظيم الحياة من القرآن الكريم أو من سنة النبي ﷺ ، فإذا اعتقد الشخص هذا أو خالطه أدنى شك فقد كفر بالله !
стр. 199
الاغترار بأسباب لا توجب النجاة بذاتها
٥ - الاغترار بأسبابٍ لا توجب النجاة بذاتها إلا بمسبباتها، فيغتر الإنسان ويعتمد باستمرار على مثل هذه الأشياء، مثل: المغفرة، فكثير من الناس يغتر ويعتمد على مغفرة الله ، ومغفرة الله لا تنال إلا بأسبابها؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف:٥٦] ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأعراف:١٦٧] فكونك تعتمد على مغفرة الله ورحمته دون أن تتعرض لهذه الرحمة وهذه المغفرة بفعل الأمر وترك النهي فأنت تطلب الرحمة والمغفرة بطريق غير صحيح.
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها إن السفينة لا تجري على اليبس
إن الذي يرجو شيئاً لا بد أن يتعرض لأسبابه، ومن يرجو رحمة الله لابد أن يتعرض لأسبابها.
- وكذلك من يعتمد ويغتر على الشفاعة -شفاعة النبي ﷺ لأمته يوم القيامة- فإن الشفاعة لا تُمنح إلا لمن يستحقها، قال : ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء:٢٨] ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥] فيشترط لحصول الشفاعة شرطان: - الإذن من الشافع.
- الرضا عن المشفوع له.
فإذا رضي الله عن المشفوع له وأذن للشافع أن يشفع وجبت الشفاعة، ولكن كيف يتحقق الإذن ويتحقق الرضا مع المخالفة والمعصية؟! هذا غير وارد.
- وكذلك من يغتر ويعتمد على كلمة (لا إله إلا الله) عندما يسمع من الأحاديث: (من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه دخل الجنة) فكلمة (لا إله إلا الله) من قالها خالصة من قلبه دخل الجنة بشرط العمل بلا إله إلا الله؛ لأن للجنة قفلاً، ومفتاحه: لا إله إلا الله، ولكل مفتاحٍ أسنان، وأسنان لا إله إلا الله شرائع الدين، فإن جئت بمفتاح له أسنان فَتح لك، وإن جئت بمفتاحٍ ليس له أسنان لم يَفتح لك.
هذه المفسدات الخمس أعيدها وهي: ١ - الردة، وهي نتيجة لسوء البداية أو اتباع الهوى.
٢ - معاداة أولياء الله وموالاة أعداء الله.
٣ - الاستهزاء بشيء من دين الله.
٤ - اعتقاد أن هدياً أو منهجاً أو شريعة أو نظام البشر أفضل من هدي الله ومنهجه وشريعته.
٥ - الاغترار بأسبابٍ لا توجب النجاة بذاتها وإنما بمسبباتها، من التعرض لرحمة الله وهي: المغفرة، والرحمة، والشفاعة، وقول: لا إله إلا الله.
فهذه الأشياء من وقع فيها حبط إيمانه، لذا فإن عليك يا أخي عدة أمور: أن تسعى بجدك واجتهادك إلى تقوية إيمانك وزيادته عن طريق الأشياء التي ذكرناها، وأن تحرص على حماية إيمانك وحفظه عن طريق عدم الوقوع في شيء من هذه المحبطات الخمس التي تفسد إيمانك.
стр. 200
حقيقة الإيمان
ما الإيمان الذي نعنيه؟ هل هو: الصلاة والزكاة وفعل الأوامر وترك النواهي؟ هل هو عمل قلبي فقط؟ وما أدرى الناس بقلبي حتى أكون مؤمناً أو غير مؤمن؟ فالإيمان الذي نعنيه ليس مجرد أداء الإنسان للشعائر، فكم من مؤدٍ للشعائر وهو بعيدٌ عن الله، وقد ذكر الله في القرآن: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ [التوبة:٥٤].
وهذا سؤال يقول: ما هي حقيقة الإيمان؟
стр. 201
الإيمان: تطابق المعرفة مع العمل
حقيقة الإيمان الذي نعنيه ليست مجرد أداء الشعائر؛ فإن كثيراً من الناس يصلون ويؤدون الشعائر وقلوبهم خراب من الهدى والإيمان، والدليل نص القرآن، فالله يخبر بأن المنافقين كفروا بالله وبرسوله ومع ذلك لا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى، ولا ينفقون إلا وهم كارهون، فهم يخرجون الزكاة ويصلون لكن مع هذا هم كفار، فليس مجرد أداء الشعائر الإسلامية الظاهرة هي دليل على وجود الإيمان، وليس مجرد التحلي أو التظاهر بمظاهر أهل الإيمان دليل قطعي على وجود الإيمان، كأن يرخي الإنسان لحيته، أو يقصر ثوبه، أو يكبر عمامته، هذه الأشياء من الدين، وهي من الإيمان لكنها ليست وحدها دليلاً كافياً على وجود الإيمان، إذ لا بد أن تقترن بأشياء تدلل وتبرهن على صدقها، وإلا فإن لحية أبي جهل كانت لحيته طويلة، ولكنها في رأس كافر.
فلا بد أن يكون مع هذا الظاهر ومع هذا الشكل مضامين أخرى، ومفاهيم تدلل على أن الظاهر منطبق ومتوافق ومتطابق مع الباطن، أما إذا رأينا سلوكاً غير سوي، ورأينا مظهراً سوياً يبدأ التشكيك في صحة السلوك والمظهر، فليس هذا ولا ذاك.
أيضاً: الإيمان ليس مجرد معرفة ذهنية بحقائق الإيمان، كأن تقرأ القرآن وكتب السنة كلها، وكتب العقيدة وتفهم كل شيء، فكم من إنسان يفهم ويتيقن ولا يعمل، والله يقول عن فرعون وقومه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً﴾ [النمل:١٤] فهم يعلمون، والله يقول: ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام:٣٣] فليس الإيمان مجرد المعارف الذهنية والثقافات الإسلامية، كأن نجد إنساناً يتكلم باسم الإسلام ويتكلم ويدافع باسم الدين وعنده قضايا وحقائق قوية في عقله، فلا نعتبر هذه فقط هي الإيمان الذي نقصده، أو هو حقيقة الإيمان، لا.
ليس كذلك، ولكن الإيمان عملٌ قلبي يبلغ أغوار وأعماق النفس، ويحيط بجوانب النفس البشرية كلها؛ من إدراك وإرادات ووجدان، إدراك ذهني -أي: عقلي- تتكشف فيه حقائق الوجود عن طريق الإيمان بما أوحى الله به إلى رسوله ﷺ من قضايا الغيب، فيؤمن الإنسان بالجنة والنار وكأنه يراها، وأيضاً- بالملائكة وكأنه يراهم، وبالبعث بعد الموت، وبالقدر خيره وشره من الله، وبالكتب السماوية وبالرسل كلهم، ويؤمن قبل ذلك كله بالله ، هذا معنى الإدراك العقلي الذهني الذي تتكشف فيه الحقائق وتصل إلى حد الجزم الموقن به الذي لا يزلزله أدنى شك، يقول الله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [الحجرات:١٥] هؤلاء هم المؤمنون، و (إنما) هنا أداة حصر، وحديث حارثة بن وهب لما سأله النبي ﵊: (كيف أصبحت؟ قال: أصبحت مؤمناً، قال: ما حقيقة إيمانك؟ قال: عزفت نفسي عن الدنيا وشهواتها، فأضمأت نهاري بالصيام، وأسهرت ليلي بالقيام، وأصبحت وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزاً، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وإلى أهل النار يتعاوون فيها، فقال ﵊: عرفت فالزم، إنك مؤمن نور الله قلبك بالإيمان) هذا معنى الإيمان الذي نعنيه، فالإدراك هو: تصديق يبلغ حد الجزم بالحقائق الغيبية الأثرية، بحيث لا تكون في شك أين الجنة وأين النار!
стр. 202
الإذعان الكامل ثمرة الإدراك
الإذعان يأتي كثمرة للإدراك، فإذا آمنت أن الذي يتأخر عن المدرسة أكثر من الساعة السابعة والنصف أنه يترتب على تأخره عقوبة، بحيث إن الوكيل أو المراقب واقف بالعصا عند الباب، وأن الذي سيتأخر سوف يضرب، إذا آمنت بهذا فإنك لن تتأخر، وكذلك يتبع الإيمان الإذعان في أنك تدخل مبكراً، فإدراكك للغيبيات يستلزم منك إذعانٌ وانقياد إرادي يتمثل في خضوعك ورضاك لكل أوامر الله، وبعدك وانتهائك عن كل ما نهى الله، فمن رأيناه يبتعد عن أوامر الله ولا يأتيها، ويقع في محارم الله ولا ينتهي عنها، شككنا في إيمانه.
أما إذا رأينا إنساناً مذعناً منقاداً مستسلماً لأوامر الله، أينما أمره الله وجدته، وحيثما نهاه الله لا تجده، فإن هذا نحكم بإيمانه -وأيضاً- قبل ذلك لا بد أن يتبع هذا الإدراك العقلي والإذعان السلوكي والعبادي حرارة في القلب، وحرقة في الصدر تبعث على أن يعيش الإنسان لهذا الإيمان، وعلى هم هذا الدين ونصرته، فتفكيره كله في ليله ونهاره، وسره وجهاره، ويقظته ونومه هموم الإسلام؛ لأن وجدانه معلق بالإسلام، فهو عنده إدراكات ذهنية، وإذعانات، وانقيادات سلوكية، وأيضاً عنده حرقة ووجدان يتحرك لدين الله، فيعمل بمقتضيات هذا الدين في الجهاد في سبيل الله، والدعوة إلى دينه، والالتزام بمبادئ هذه العقيدة، والدفاع عنها، والدعوة إليها، ومعاداة من يعاديها، وموالاة من يواليها، هذه كلها تأتي نتيجة الحرقة؛ لأن الإيمان عنده حرٌ متحرك.
أما أن يكون شخصاً بارداً لا يهمه أمر المسلمين، ولا يهتم بالدعوة ولا بالدين، فهذا إيمانه إيمان مثلّج لا ينفعه ولا يسقيه، ولا حول ولا قوة إلا بالله! هذه هي مقومات الإيمان الصادق، والعقيدة الحقة التي تشرق شموسها على جوانب النفس البشرية، فكلما كان العقل مقتنعاً والإرادات متحركة، والجوارح مندفعة إلى العمل لدين الله، والقلب يحترق ويتألم على دين الله؛ كلما كان الإنسان ذا إيمان حي.
أسأل الله ﵎ أن يرزقني وإياكم إيماناً صادقاً وعملاً صالحاً، إنه على كل شيء قدير.
والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 203
الأسئلة
.
стр. 204
باب التوبة مفتوح إلى قيام الساعة
السؤال
إذا آمن شخص ثم كفر ثم آمن هل يقبل إيمانه؟
الجواب
نعم.
يقبل إيمانه، فإذا آمن ثم ارتد ثم رجع إلى الإيمان قُبِلَ إيمانه إن شاء الله، لأن التوبة مقبولة وبابها مفتوح، وهو أوسع مما بين المشرق والمغرب، ومفتوح حتى تشرق الشمس من مغربها، وإن الله ليبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، فعلى العاقل باستمرار إذا أخطأ أو زلت به القدم، أو ضعف بحكم بشريته؛ ألا يستمر على الخطأ، بل عليه أن يرجع؛ ويصحح المسار، ويرجع إلى الله ﵎، أسأل الله لنا ولكم التوفيق، والله أعلم.
стр. 205
بعض الكتب المرشحة للاقتناء والقراءة
السؤال
ما هي الكتب التي تنصحنا بشرائها؟
الجواب
هذا سؤال عظيم جداً، جزى الله هذا السائل كل خير، فإن هذا السؤال مهم، والكتب تختلف طبعاً باختلاف مدارك القارئ، فلكل مستوى تعليمي ما يلائمه من الكتب، فلا تعني الإجابة هنا أن كل ما أقوله ينبغي على الإنسان أن يقرأه، وإنما بحسب مداركه ومستواه التعليمي، فطالب المتوسط له كتب، وطالب الابتدائي له كتب، ولكن أجيب على العموم لما يصلح أن يكون إن شاء الله كتاباً شافياً ومفيداً لكل المستويات بإذن الله ، وأؤكد على كتب الثقافة الإسلامية، فكتب الثقافة الإسلامية تصلح لشباب الثانوية والمتوسطة مثل كتاب: هل نحن مسلمون، ومعركة التقاليد، وجاهلية القرن العشرين، والإنسان بين المادية والإسلام لـ محمد قطب كلها، والأركان الأربعة لـ أبي الحسن الندوي، ومبادئ الإسلام للمودودي، وهي لا تكلف كثيراً، يمكن أن تبلغ مائتي ريال، أي: قيمة نصف (تيس)، لأن (التيس) بأربعمائة، فيمكنك أن توفر في يوم من الأيام قيمة نصف (تيس) وتشتري به مكتبة إسلامية تنفعك وتنفع أبناءك في حياتك وبعد مماتك إن شاء الله، هذا بالنسبة للكتب العصرية.
وبالنسبة لكتب السلف كتاب زاد المعاد، والجواب الكافي، وإغاثة اللهفان، والفوائد وكلها لـ ابن القيم، ورياض الصالحين في الحديث للنووي، والإيمان للزنداني وهو موجود في الأسواق يباع بعشرة ريالات وتعريف عام بالعقيدة للطنطاوي، وتعريف عام بدين الإسلام وهذا كتاب أنصح كل أستاذ وطالب علم باقتنائه، وهو جزآن في العقيدة والعبادة، لكن جزء العبادة قد ضاع وبقي جزء العقيدة والحمد لله.
فقد قال في العقيدة كلاماً ما سبقه إليه أحد، بحيث لو قرأه أكبر كافر في الأرض لأسلم.
وكتاب منهاج المسلم، والرسائل الجزائرية للجزائري وهي سبع وعشرون رسالة، وكتاب للمبتدئين في المتوسط اسمه (هذا الدين) وهو كتاب عظيم وهذا الكتاب لـ سيد قطب ﵀ يعرّفك على الدين، ويقدمه لك بأسلوب العصر، وقد لا تفهمه من أول مرة لبعد المستوى في الثقافة، لكن بالاستمرار وبالمذاكرة تفهمه إن شاء الله، وغيره كثير ولكن أكتفي بهذا إن شاء الله.
стр. 206
مقياس النجاح في الدنيا للصالح والفاسق
السؤال
أنصح أخي وأقول له: اتق الله يا أخي؛ يعلمك ويفتح عليك، ويوفقك في دراستك، فيجيب: إن ابن جيراننا لا يستغني عن النظر إلى الفيديو، وهو بعيد عن الدين؛ لكنه موفق في دراسته، فما ردكم على ذلك؟
الجواب
التوفيق في الدراسة إذا كان للمؤمن فهو كرامة من الله له، وحسنة عاجلة يعجلها الله له، وثواب مقدم، أما إذا كان التوفيق في الدراسة للفاجر والفاسق فهو استدراج من الله له، كأن يوفق في دراسته، أو وظيفته أو ماله، ليس معنى أن الغربيين والكفار وفقوا في البحوث والاكتشافات العلمية أن الله راضٍ عنهم لا.
فالله يقول: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ﴾ [هود:١٥] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٦] فهذا ابن الجيران الذي يسمر إلى آخر الليل على الفيديو والمسلسلات والقاذورات لا يتقي الله، ولكنه يذاكر دروسه ومجتهد، وطبيعي إذا ذاكر الإنسان دروسه واجتهد وجد فإنه سوف يحصل على نصيب اجتهاده ولو كان كافراً أو فاسقاً، أما أنت يا مؤمن إذا تركت المعاصي واجتهدت في دين الله ووجدت ثواب اجتهادك في دين الله فإنه توفيق من الله في الدنيا ورضى منه في الآخرة، أما ذاك فيجد توفيقاً من الله في الدنيا فقط، لأنه اجتهد ولكن ليس له في الآخرة نصيب: ﴿وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٦] فلا يعني أن ذاك لما كان على الفيديو والمنكرات سامراً أنه موفق، وأن الفيديو هو الذي وفقه، لا.
بل الذي يوفق هو الله، فهو موفق في دراسته لأنه يذاكر ويجتهد، فيمكن أنه يسمر في الليالي ولكن يذاكر، أو عنده نسبة ذكاء تمكنه من استدراك ما فاته، ولكن لو ترك الفيديو لكان أكثر توفيقاً.
стр. 207
حكم حلق اللحية
السؤال
هل إعفاء اللحية واجب أم يحل للإنسان أن يحلقها؟
الجواب
إعفاء اللحية واجب يلزم بمخالفته لحوق الإثم، وتحقق المعصية، والأحكام الشرعية في الشرع خمسة: ١ - واجب.
٢ - مستحب.
٣ - محرم.
٤ - مكروه.
٥ - مباح.
فالواجب تعريفه في الشرع: هو ما طلب الشارع من المكلف فعله طلباً جازماً، ولم يقم على الطلب قرينة تصرفه عن الوجوب، فنأتي إلى اللحية نقيسها على هذا المقياس، نجد أن الشارع طلب من المكلف فعل هذه اللحية طلباً جازماً ولم يقم على الطلب الجازم قرينة تصرفه عن الوجوب، فقد قال ﵊: -والأحاديث في الصحيحين - (اعفوا اللحى وجزوا الشوارب) (أكرموا اللحى) (أرخوا اللحى) (أسدلوا اللحى) وقامت القوائم من السنة الفعلية والقولية على أنها واجبة: - أولاً: بفعله صلوات الله وسلامه عليه، فقد كانت لحيته كثة تملأ ما بين منكبيه، حتى إن أحد الصحابة سئل: أكان رسول الله ﷺ يقرأ في صلاة الظهر؟ قال: [نعم، فسأله الثاني وقال: ما أدراك والصلاة سرية؟ فقال: كنت أعرف ذلك من اضطراب لحيته] كان إذا قرأ تحركت لحيته، فيعرف الناس أنه يقرأ، صلوات الله وسلامه عليه، بمعنى: أنها كانت مملوءة، تملأ ما بين منكبيه، فلو قست لحانا كلنا الذين في هذا المجلس ما بلغت لحية النبي ﷺ ، وكان ابن عمر إذا اعتمر أو أحل من الحج قبض لحيته وقص ما زاد على ذلك، والقبضة هذه طويلة، فالذي معه لحية بمقدار قبضة فإنها كبيرة، فبعضهم يقول: أنا سأقصر، اتركها حتى تطول فإذا طالت فخذ، إن كنت أخذت بقول ابن عمر، وإن كان بعض أهل العلم يقولون: إن فعل الصحابي لا يُعمل به إذا عارض قول النبي ﷺ ، ففعل الصحابي يُلجأ إليه عند فقدان النص عن الرسول، لكن ما دام أن الرسول قد أمر بالإعفاء ولم ينقل عنه أنه أخذ منها فإن الواجب تركها وعدم أخذ شيءٍ منها، حتى ولو فعله ابن عمر، فإننا مأمورون باتباع شرع الله وشرع رسوله ﷺ .
ثانياً: غضبه صلوات الله وسلامه عليه حينما رأى الحليقان اللذين جاءا من اليمن وكانا فارسيين، وكانا قد أطالا شواربهما -مثلما يفعل شبابنا- وحلقا لحاهما فلما رآهما النبي ﵌ -وهما كافرين- قام بدعوتهما للإسلام، وقال: (من أمركما بهذا؟ -أي: لماذا تغيران خلق الله في وجوهكما؟ - قالا: ربنا.
-يعني: كسرى- قال: أما أنا فقد أمرني ربي بإعفاء لحيتي وقص شاربي).
فلمّا فعل بنفسه وأمر أصحابه وأنكر على الحليقين، دلت كل هذه القرائن على أن الأمر بإعفاء اللحية للوجوب، وأن حالقها مستخفٌ بأمر الله يلحقه بذلك إثم عند الله ﵎.
فليس هناك مكياج ولا ديكور كما يفعل بعض الناس، تراه يأخذ من لحيته ويجعله مثل الخيط على وجهه، وبعضهم يجعله مثل ترقيمة الشاي، ويجعل لها حبلاً في وجهه، وكل يوم تراه بشكل، أهي قضية تصوير ومكياج كل يوم تترسم! هذه قضية انتماء ليست قضية شعر، ما دام أن رسول الله ﷺ أمرك بأن ترخي لحيتك فترخي، ويكفيك أنك من أتباع محمد ﷺ ، أما كل يوم ولك شكل فإن هذا لا يصلح.
стр. 208
المحبة في الله من أسباب محبة الله للعبد
السؤال
بعض الشباب يحب أن ينقل للشيخ أنه يحبه في الله!
الجواب
أحبه الله الذي أحبني فيه، وهذه والله أعظم بشرى للإنسان أن يكون محبوباً في الله؛ لأن من أَحب العبد في الله وأُحب في الله نال بهذه المحبة محبة الله، وعند مسلم: (أن رجلاً زار أخاً له في قرية فأرسل الله على مدرجته ملكاً فقال له وهو في هيئة رجل: إلى أين؟ قال: إلى أخٍ لي في هذه القرية، قال: هل لك من نعمة تربها عليه؟ قال: لا.
غير أني أحببته في الله، قال: فإني رسول الله إليك أخبرك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه).
لأن المهم أن تُحَبَ ليس المهم أن تُحِبَ، فقد تُحِبُ ولا تُحَبُ، وهذه مصيبة أن تُحِب شخصاً وهو يكرهك، لكن العظيم أن تُحِب وأن تُحَب، فنسأل الله الذي لا إله إلا هو بأسمائه الحسنى وصفاته العلى في هذه الساعة المباركة أن يرزقنا حبه وحب من يحبه، وحب كل عملٍ يقربنا إلى حبه، إنه على كل شيء قدير.
والله أعلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 209
من أهوال يوم القيامة
الإيمان بالقيامة هو إيمان باليوم الآخر، بما يتضمنه من بعث، وحشر، ونشر، وحساب، وجزاء، وإن ذلك اليوم فيه من الأهوال مالا تدركه العقول، ولا تستوعبه الأفهام.
وقد جاء ذكر هذه الأهوال في القرآن والسنة تارة بالتفصيل وتارة بالإجمال، وهذه المادة تتناول بعض هذه المشاهد لذلك اليوم العصيب.
стр. 210
الإيمان وأهميته
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد:
стр. 211
عظم قدر نعمة الإيمان على البشر
أيها الإخوة في الله! من أعظم ما يَمن الله به على الإنسان: نعمة الإيمان، والطاعة والهداية، والتوجه الصحيح إلى الله، وقد منّ الله بهذه النعمة على النبي ﷺ وعلى المؤمنين، فأما على النبي صلوات الله وسلامه عليه؛ فيقول الله له: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ [الفتح:١ - ٢] أي: نعمة الدين.
ويقول في سياق مَنّ هذه النعمة على الناس وتذكيرهم بها: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران:١٦٤] ويقول في سورة الحجرات: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ [الحجرات:٧] هذا الخطاب موجه للصحابة ولكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؛ لأن رسول الله ﷺ إن غاب عنا بشخصه فإنه لن يغيب عنا بهديه ومنهجه وسنته، وما من شيء إلا وقد بينه لهذه الأمة، إما خيراً فدلها عليه أو شراً فحذرها منه، وقال: (تركتكم على المحجة البيضاء -ما تركنا في متاهات، ولا أمام معميات، وإنما وضع أقدامنا على الصراط، ودلنا على المحجة البيضاء- ليلها كنهارها -ليس فيها غبش ولا سواد- لا يزيغ عنها إلا هالك) كشخص لا يريد أن يمشي فهذا لابد أن يزيغ، أما شخص يريد الطريق الصحيح، فهي واضحة مثل وضوح الشمس في رابعة النهار، على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، يقول الله في معرض التذكير بالنعم: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنْ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ [الحجرات:٧] ثم ذكرهم الله بنعمة وجود النبي ﷺ فقال: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمْ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمْ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمْ الرَّاشِدُونَ * فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾ [الحجرات:٧ - ٨] هذه النعمة وهذا الفضل والفضل الحقيقي والنعمة الحقيقية أن يحبب الله إليك الإيمان، وأن يزينه في قلبك، فينشرح صدرك له، وتحبه فتموت في سبيله، لا تستطيع أن تعيش إلا بالإيمان، فلو فارقك الإيمان لحظة واحدة لمتَّ، كالسمكة؛ لو فارقت الماء لحظة لماتت، لا يمكن أن تعيش إلا في بحبوحة الإيمان؛ لأن الله حببه إليك، وأيضاً زينه في قلبك، فزين لك الإيمان فلا تر حلية أعظم من حُلي الإيمان، وزين لك لباس الإيمان فلا تر لباساً أعظم من لباس الإيمان، وزين لك كنز الإيمان فلا تر كنزاً أثمن منه، حين يكنز الناس المال والذهب، وحينما يتزين الناس بالحلي والملابس وتتزين أنت بالإيمان:
إذا المرء لم يلبس ثياباً من التقى تقلب عرياناً ولو كان كاسيا
فخير لباس المرء طاعة ربه ولا خير فيمن كان لله عاصياً
وحق كل نعمة أن تُشكر، يقول الناظم:
وحق كل نعمة أن تشكرا حتى يزيد ربنا ويكثرا
стр. 212
المحافظة على النعمة تكون بشكرها
إذا زدت من الشكر زادك الله من النعم، لكن إذا أعطاك ربي وبعثرتها وما قدرتها، وأهنتها؛ سلبها منك ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم:٧] إن شكرت نعمة الإيمان والهداية والدين وتمسكت بها زادك الله من نعمة الإيمان والدين.
انظروا! لا ينصرف ذهن أي إنسان إذا ذُكرت النعمة إلى أنها نعمة المال أو العافية، لا.
هذه نِعَم، لكنها نِعَم مشتركة بين المسلم والكافر، بل إنها نِعَم تزيد عند الكفار أكثر من المؤمنين، جاء في الحديث الصحيح يقول ﵊: (إن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا من يحب؛ فمن أعطاه الدين فقد أحبه).
ولذا صرف الله النعم الدنيوية عن أنبيائه صيانة لهم، وبسطها على أعدائه مكراً بهم، هل معنى هذا أنه لما أعطى الله قارون نعمة المال أن الله يحبه، ولما أعطى الله الوليد نعمة الولد هل الله يحبه؟! ولما أعطى الله فرعون نعمة الملك هل الله يحبه؟! لا.
لكن يمكر بهم، ولهذا يقول الله ﵎: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة:٥٥].
стр. 213
وجوب الحفاظ على نعمة الإيمان
هذه النعمة أيها الإخوة! نعمة الإيمان والهداية، إذا رزقك الله إياها فتشبث بها وتمسك بها حتى تموت، فإذا دخلت الجنة تقول: الحمد لله الذي هدانا لهذا، إذا دخلت الجنة تحمد الله الذي هداك لنعمة الإيمان والتي كان من آثارها وثمارها عليك أن أدخلك الله الجنة بسببها، لكن من يبدل هذه النعم ولا يعرف قدرها فهو المغبون الخاسر.
نعمة الإيمان موجودة معنا يوم أن اختارنا الله من أمة محمد ﷺ ، واختارنا الله من أهل لغة الضاد -العربية- نقرأ القرآن بدون كلفة ولا مشقة، بينما هناك من المسلمين من يبذلون السنين الطوال وهم يقرءون القرآن ولا يعرفون منه حرفاً واحداً، ويتمنون أنهم يعرفون حرفاً وما يستطيعون، ويعيش بعضهم طوال حياته لا يعرف شيئاً من القرآن ولا من الدين إلا ألفاظاً يقولها ولا يدري ما معناها، إن الله أعطاك اللسان العربي، واختار لك الأرض العربية، واختار لك أرضاً هي مهد القداسات وأرض الحرمين الشريفين، واختار لك أن تكون مؤمناً، ما ظنك لو كنت يهودياً؟! أما كان يمكن! ما ظنك لو أنك نصراني؟! أو مجوسي؟! تعبد الثور والبقرة! يجلس المجوسي أمام البقرة وإذا بالت عليه اعتبرها نعمة عليه، هل هناك أضل من هذه العقول؟! ويقول أحد المشايخ: دخلت وأنا في (دلهي) في معبد من معابدهم، أريد أن أعرف ماذا يفعلون -معبد الهندوس- يقول: وإذا بهم عباقرة في الفكر، وبروفسورات في الطب والهندسة والذرة، لكن في عبادتهم ما هو في منأى عن فكرهم! يقول: وجدت رجلاً قد شاب رأسه، قلت من هذا؟ قالوا: هذا عميد أو مسئول جامعات كبيرة في الهند يقول: وإذا به جالس -الله يكرمكم- عند مؤخرة الثور، يقول: جالس ويده ممدودة إلى الثور يطلب منه الرحمة والشفقة والحنان.
لا إله إلا الله! ما أضل هذه العقول! فكان يمكن أن تكون يهودياً أو نصرانياً أو مجوسياً أو ملحداً أو شيوعياً أو كافراً؛ لكن الله جعلك مؤمناً، ألا تحمد ربك على هذه النعمة -يا أخي- ثم أيضاً كونك مؤمناً وفي أرض إيمانية أيضاً زادك هداية واستقامة، الآن كثير من الشباب في المقاهي على الدخان والمنكرات واللعن والسب والشتيمة، وأنت الله اصطفاك واختارك واجتباك وجعلك من أهل ذكره وشكره وبيوته ومجالس العلم هذه نعمة لا تقدر بثمن، لا تظن أنك على هون، وأنك مسكين.
لا والله، والله هذا هو الملك، وهذا هو العز:
هذا هو الملك لا تزويق أبنية ولا الشفوف التي تكسى بها الجدر
стр. 214
عقوبة التفريط في كنز الإيمان
الملك الحقيقي أن تكون عبداً لله، والذلة والخسران والخذلان أن تكون عبداً للشيطان وللشهوات، أعظم عقوبة يُعاقب الله بها المخذول أن يصرفه عن الدين، وأن يتركه عبداً لشيطانه والعياذ بالله.
ومن لم يعرف قدر هذه النعمة وبدلها، أي: جاءته نعمة الدين وذاقه وإذا به يتركه، فقد توعده الله بالعذاب الشديد، يقول الله : ﴿وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [البقرة:٢١١] كيف تبدل نعمة الله ؟! كيف تنصرف وتنحرف؟! كيف تحور؟! كيف ترجع بعد أن ذقت هذا وسرت في الطريق الصحيح؟! هذه مصيبة.
ولهذا يقول : ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون:٣].
فمن أعظم العقوبات لمن سار في الطريق ثم رجع عنها أن يطبع الله على قلبه، فإذا طُبع -أي: ختم وقفل- فلا يفقه حتى لو أتيت تذكره بعد ذلك، تقول: اتق الله -يا أخي- أنت وأنت لا يفقه ولا يفهم شيئاً، منكوس مقفول مطمور مقبور في جسده، مقبور في الأرض، كأنك تكلم ميتاً: ﴿فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون:٣] لمَ طبع على قلوبهم؟ لأنهم رجعوا بعد أن ساروا، وآمنوا بعد أن كفروا.
فيا إخواني في الله! علينا أن نحمد الله، وأن ننظر إلى من لا يشاركنا في طريق الإيمان نظرة الحنان والعطف والشفقة عليهم، فنرحمهم ونمد حبال النجاة لهم لعل الله أن ينقذهم بسببنا، أما أن نراهم وهم يتردون ويهلكون ثم ننظر إليهم بعين الإكبار، وننظر إلى أنفسنا بعين الاحتقار فقد حقرنا نعمة الله، ولهذا جاء في الحديث قوله ﵊: (من أوتي القرآن -أي: الدين- ثم رأى أن غيره أفضل منه؛ فقد عظم ما حقر الله، وازدرى نعمة الله) من أوتي القرآن وأوتي الإيمان والدين، ثم رأى أن غيره أفضل منه؛ فقد حقر شيئاً عظمه الله وازدرى نعمة الله ﵎.
стр. 215
يوم القيامة وأهواله
أيها الإخوة! درس هذه الليلة هو بعنوان: (من أهوال يوم القيامة) ومن رحمة الله بنا أن نقلنا إلى أن نعيش أحداثاً، تحدث في يوم القيامة ووصفها لنا حتى لكأننا نشاهدها مشاهدة العين، وهذه رحمة أيضاً، أن يخبرك الله أنه ستكون يوم القيامة أشياء، وأحداث جسام منها: أن تتفطر السماوات، وتنشق الأرضون، وتتكور النجوم وتتكدر، وتسير الجبال، وتسجر البحار، بعد ذلك تذهل المرضعات عما أرضعت، وتحشر الوحوش، هذه أحداث أخبرنا الله بها، وأمرنا أن نستعد لهذا اليوم المهول الذي تتقطع فيه القلوب من الخوف والهلع والحزن، لماذا؟! للأحداث الكونية الضخمة العظيمة التي تكون فيه، هذا من رحمة الله ﵎ بنا لكي نستعد، حتى لا يأتي شخص ويقول: ما كنت أعلم أنه سيحدث هذا الأمر، ولو كنت أعلم أن هذا حادث لاستعديت، لا.
بل تعلم فإن الله قد أخبرك بكل هذه الأحداث حتى تكون في أهبة الاستعداد؛ ولتكون من الناجين الذين يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله.
ويوم القيامة -كما سبق أن قلنا- يوم عظيم هوله، شديد أمره، لا يلاقي العباد أبداً مثله، يدل على عظمته وأهواله أمور:
следующие страницы →