Полный текст (619 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
الْحَرَام، وَإِنَّمَا أوضع بمسحر لِأَنَّهُ مَحل هَلَاك أَصْحَاب الْفِيل، فَمن شَأْن من خَافَ الله وسطوته أَن يستشعر الْخَوْف فِي ذَلِك الموطن، ويهرب من الْغَضَب، وَلما كَانَ استشعاره أمرا خفِيا ضبط بِفعل ظَاهر مُذَكّر لَهُ مُنَبّه للنَّفس عَلَيْهِ.
ثمَّ أَتَى جَمْرَة الْعقبَة، فَرَمَاهُ بِسبع حَصَيَات يكبر مَعَ كل حَصَاة مِنْهَا مثل حَصى الْخذف رمى من بطن الْوَادي.
أَقُول: إِنَّمَا كَانَ رمي الْجمار فِي الْيَوْم الأول غدْوَة، وَفِي سَائِر الْأَيَّام عَشِيَّة، لِأَن من وَظِيفَة الأول النَّحْر وَالْحلق والإفاضة، وَهِي كلهَا بعد الرَّمْي، فَفِي كَونه غدْوَة توسعة، وَأما سَائِر الْأَيَّام فأيام تِجَارَة وَقيام أسواق، فالأسهل أَن يَجْعَل ذَلِك بعد مَا يفرغ من حَوَائِجه، وَأكْثر مَا كَانَ الْفَرَاغ فِي آخر النَّهَار، وَإِنَّمَا كَانَ رمى الْجمار توا، وَالسَّعْي بَين الصَّفَا والمروة توا لما ذكرنَا من أَن الْوتر عدد مَحْبُوب، وَأَن خَليفَة الْوَاحِد الْحَقِيقِيّ هُوَ الثَّلَاثَة أَو السَّبْعَة، فبالحري أَلا يتَعَدَّى من السَّبْعَة إِن كَانَ فِيهَا كِفَايَة، وَإِنَّمَا رمي بِمثل حَصى الْخذف لِأَن دونهَا غير محسوس، وفوقها رُبمَا يُؤْذى فِي مثل هَذَا الْموضع.
ثمَّ انْصَرف إِلَى المنحر فَنحر ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بَدَنَة بِيَدِهِ، ثمَّ أعْطى عليا ﵁ لينحر مَا غبر، وأشركه فِي هَدْيه، ثمَّ أَمر من كل بَدَنَة ببضعة فَجعلت فِي قدر، فطبخت، فأكلا من لَحمهَا وشربا من مرقها.
أَقُول: إِنَّمَا نحر بِيَدِهِ هَذَا الْعدَد، ليشكر مَا أولاه الله فِي كل سنة من عمره ببدنة، وَإِنَّمَا أكل مِنْهَا وَشرب اعتناء بِالْهدى وتبركا بِمَا كَانَ لله تَعَالَى.
قَالَ ﷺ " نحرت هَهُنَا، وَمنى كلهَا منحر، فَانْحَرُوا فِي رحالكُمْ، ووقفت هَهُنَا، وعرفة كلهَا موقف، ووقفت هَهُنَا، وَجمع كلهَا موقف " وَزَاد فِي رِوَايَة وكل فجاج مَكَّة طَرِيق ومنحر " أَقُول: فرق النَّبِي ﷺ بَين مَا فعله تشريعا لَهُم وَبَين مَا فعله بِحَسب الِاتِّفَاق أَو لمصْلحَة خَاصَّة بذلك الْيَوْم أَو اخْتِيَارا لمحاسن الْأَمر.
ثمَّ ركب رَسُول الله ﷺ فَأَفَاضَ إِلَى الْبَيْت، فصلى بِمَكَّة الظّهْر، وَطَاف وَشرب من زَمْزَم.
أَقُول: إِنَّمَا بَادر إِلَى الْبَيْت لتَكون الطَّاعَة فِي أول وَقتهَا، وَلِأَنَّهُ لَا يَأْمَن الْإِنْسَان أَن يكون لَهُ مَانع، وَإِنَّمَا شرب من زَمْزَم تَعْظِيمًا لشعائر الله وتبركا بِمَا أظهره الله رَحْمَة.
فَلَمَّا انْقَضتْ أَيَّام منى نزل بِالْأَبْطح، وَطَاف للوداع، وَنَفر.
стр. 387
أَقُول: اخْتلف فِي نزُول الأبطح هَل هُوَ على وَجه الْعِبَادَة أَو الْعَادة؟ فَقَالَت عَائِشَة: نزُول الأبطح لَيْسَ بِسنة إِنَّمَا نزل رَسُول الله ﷺ لِأَنَّهُ كَانَ أسمح لِخُرُوجِهِ، واستنبط من قَوْله " حَيْثُ تقاسموا على الْكفْر " أَنه قصد بذلك تنويها بِالدّينِ، وَالْأول أصح.
(أُمُور تتَعَلَّق بِالْحَجِّ)
قَالَ النَّبِي ﷺ " نزل الْحجر الْأسود من الْجنَّة وَهُوَ أَشد بَيَاضًا من اللَّبن، فسودته خَطَايَا بني آدم "، وَقَالَ فِيهِ: " وَالله ليبعثنه الله يَوْم الْقِيَامَة لَهُ عينان يبصر بهما ولسان ينْطق بِهِ يشْهد على من استلمه بِحَق " وَقَالَ: " إِن الرُّكْن وَالْمقَام ياقوتتان " أَقُول: يحْتَمل أَن يَكُونَا من الْجنَّة فِي الأَصْل، فَلَمَّا جعد فِي الأَرْض اقْتَضَت الْحِكْمَة أَن يُرَاعى فيهمَا حكم نشأة الأَرْض، فطمس نورهما، وَيحْتَمل يُرَاد أَنه خالطهما قُوَّة مثالية بِسَبَب توجه الْمَلَائِكَة إِلَى تنويه أَمرهمَا وَتعلق همم الْمَلأ الْأَعْلَى وَالصَّالِحِينَ من بني آدم حَتَّى صَارَت فيهمَا قُوَّة ملكية، وَهَذَا وَجه التَّوْفِيق بَين قَول ابْن عَبَّاس ﵄: كلما هَذَا، وَقَول مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة ﵁: حجر من أَحْجَار الأَرْض.
وَقد شاهدنا عيَانًا أَن الْبَيْت كالمحشو بِقُوَّة ملكية، وَلذَلِك وَجب أَن يعْطى فِي الْمِثَال مَا هُوَ خاصية الْأَحْيَاء من الْعَينَيْنِ وَاللِّسَان وَلما كَانَ مُعَرفا لإيمان الْمُؤمنِينَ وتعظيم المعظمين لله وَجب أَن يظْهر فِي اللِّسَان بِصُورَة الشَّهَادَة لَهُ أَو عَلَيْهِ كَمَا ذكرنَا من سر نطق الأرجل وَالْأَيْدِي.
وَقَالَ رَسُول الله ﷺ " من طَاف بِهَذَا الْبَيْت أسبوعا يُحْصِيه، وَصلى رَكْعَتَيْنِ كَانَ كعتق رَقَبَة، وَمَا وضع رجل قدما، وَلَا رَفعهَا إِلَّا كتب لَهُ الله لَهُ بهَا حَسَنَة، ومحا بهَا سَيِّئَة، وَرفع لَهُ بهَا دَرَجَة " أَقُول: السِّرّ فِي هَذَا الْفضل شيآن: أَحدهمَا أَنه لما كَانَ شبحا للخوض فِي رَحْمَة الله وَعطف دعوات الْمَلأ الْأَعْلَى إِلَيْهِ ومظنة لذَلِك ذكر لَهُ أقرب خاصية لذَلِك.
وَثَانِيهمَا أَنه إِذا فعله الْإِنْسَان إِيمَانًا بِأَمْر الله وَتَصْدِيقًا لموعوده كَانَ تبيانا لإيمانه وشرحا لَهُ
قَالَ ﷺ " مَا من يَوْم أَكثر من أَن يعْتق الله فِيهِ عبدا من النَّار من يَوْم عَرَفَة، وَإنَّهُ ليدنو، ثمَّ يباهي بهم الْمَلَائِكَة "
стр. 388
أَقُول ذَلِك لِأَن النَّاس إِذا تضرعوا إِلَى الله بأجمعهم لم يتراخ نزُول الرَّحْمَة عَلَيْهِم وانتشار الروحانية فيهم.
وَقَالَ ﷺ " خير الدُّعَاء دُعَاء يَوْم عَرَفَة، وَخير مَا قلت أَنا والنبيون من قبلي لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ " الخ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ جَامع لأكْثر أَنْوَاع الذّكر، وَلذَلِك رغب فِيهِ. وَفِي سُبْحَانَ الله. وَالْحَمْد لله الخ فِي مَوَاطِن كَثِيرَة وأوقات كَثِيرَة كَمَا يَأْتِي فِي الدَّعْوَات.
وَمن السّنة أَن يهدى وَإِن لم يَأْتِ الْحَج إِقَامَة لاعلاء كلمة الله بِقدر الامكان، وَإِنَّمَا دَعَا للمحلقين ثَلَاثًا وللمقصرين مرّة إبانة لفضل الْحلق، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ الْمُنَاسب لزوَال الشعث الْأَقْرَب لهيئة الداخلين على الْمُلُوك وَأدنى أَن يبْقى أثر الطَّاعَة وَيرى مِنْهُ ذَلِك ليَكُون أنوه بِطَاعَة الله، وَنهى أَن تحلق الْمَرْأَة رَأسهَا لِأَنَّهَا مثلَة وتشبه بِالرِّجَالِ، وَأفْتى فِيمَن حلق قبل أَن يذبح أَو نحر قبل أَن يَرْمِي، أَو رمى بعد مَا أَمْسَى، أَو أَفَاضَ قبل الْحلق أَنه لَا حرج وَلم يَأْمر بكفاره، وَالسُّكُوت عِنْد الْحَاجة بَيَان، وليت شعرى هَل فِي بَيَان الِاسْتِحْبَاب صِيغَة أصرح من لَا حرج، وَلَا يتم التشريع إِلَّا بِبَيَان المرخص فِي وَقت الشدائد فَمِنْهَا أَذَى لَا يَسْتَطِيع مَعَه الاجتناب عَمَّا حرم عَلَيْهِ فِي الاحرام وَفِيه قَوْله تَعَالَى:
﴿فَمن كَانَ مِنْكُم مَرِيضا أَو بِهِ أَذَى من رَأسه ففدية من صِيَام أَو صَدَقَة أَو نسك﴾ .
وَقَوله ﷺ لكعب بن عجْرَة: " فَاحْلِقْ رَأسك وَأطْعم
فرقا " الخ وَقد بَينا أَن أحسن انواع الرُّخص مَا يَجْعَل مَعَه شَيْء يذكر لَهُ الأَصْل، ويثلج صدر الْمجمع على عَزِيمَة الأَصْل عِنْد تَركه، وَحمل الافراط فِي وجوب الْكَفَّارَة على ذَلِك بِالطَّرِيقِ الأولى، وَمِنْهَا الاحصار، وَقد سنّ فِيهِ حِين حَال كفار قُرَيْش دون الْبَيْت، فَنحر هَدَايَا، وَحلق، وَخرج من الْإِحْرَام، والسر فِي حرم مَكَّة وَالْمَدينَة أَن لكل شَيْء تَعْظِيمًا وتعظيم الْبِقَاع أَلا يتَعَرَّض لما فِيهَا بِسوء، وَأَصله مَأْخُوذ من حمى الْمُلُوك وحلة بِلَادهمْ، فانه كَانَ انقياد الْقَوْم لَهُم وتعظيمهم إيَّاهُم مساوقا لمؤاخذة أنفسهم أَلا يتَعَرَّضُوا لما فِيهَا من الشّجر وَالدَّوَاب، وَفِي الحَدِيث " إِن لكل ملك حمى وَإِن حمى الله مَحَارمه " فاشتهر ذَلِك بَينهم وركز فِي صميم قُلُوبهم وسويداء أفئدتهم، وَمن أدب الْحرم أَن يتَأَكَّد وجوب مَا يجب فِي غَيره من إِقَامَة الْعدْل وَتَحْرِيم مَا يحرم فِيهِ، وَهُوَ قَوْله ﷺ " احتكار الطَّعَام فِي الْحرم إلحاد فِيهِ "
قَوْله تَعَالَى:
﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تقتلُوا الصَّيْد وَأَنْتُم حرم﴾ . الْآيَة
أَقُول: لما كَانَ الصَّيْد فِي الْحرم والاحرام، وَالْجِمَاع فِي الاحرام إفراطا ناشئا من
стр. 389
توغل النَّفس فِي شهوتها وَجب أَن يزْجر عَن ذَلِك بكفارة، وَاخْتلفُوا فِي جَزَاء الصَّيْد هَل تعْتَبر المثلية فِي الْخلق أَو الْقيمَة وَالْحق أَنه يَنْبَغِي أَن يسْأَل ذَوي عدل، فَإِن رَأيا رَأْي السّلف فِي تِلْكَ الصُّور فَذَاك، وَإِن رَأيا الْقيمَة فَذَاك.
قَالَ النَّبِي ﷺ " لَا يصبر على لأواء الْمَدِينَة أحد من أمتِي إِلَّا كنت لَهُ شَفِيعًا يَوْم الْقِيَامَة " أَقُول: سر هَذَا الْفضل أَن عمَارَة
الْمَدِينَة إعلاء لشعائر الدّين، فَهَذِهِ فَائِدَة ترجع إِلَى الْملَّة، وَأَن حُضُور تِلْكَ الْمَوَاضِع والحلول فِي ذَلِك الْمَسْجِد مُذَكّر لَهُ مَا كَانَ النَّبِي ﷺ فِيهِ، وَهَذِه فَائِدَة ترجع إِلَى نفس هَذَا الْمُكَلف.
قَالَ النَّبِي ﷺ " إِن إِبْرَاهِيم حرم مَكَّة فَجَعلهَا حَرَامًا وَإِنِّي حرمت الْمَدِينَة " أَقُول: فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَن دُعَاء النَّبِي ﷺ بِجهْد همته وتأكد عزيمته لَهُ دخل عَظِيم فِي نزُول التوقيعات.، وَالله أعلم
стр. 390
(من أَبْوَاب الْإِحْسَان)
اعْلَم أَن مَا كلف بِهِ الشَّارِع تكليفا أوليا إِيجَابا أَو تَحْرِيمًا هُوَ الْأَعْمَال من جِهَة أَنَّهَا تنبعث من الهيآت النفسانية الَّتِي هِيَ فِي الْمعَاد فِي للنفوس أَو عَلَيْهَا وَأَنَّهَا تمد فِيهَا، وتشرحها وَهِي وأشباحها وتماثيلها.
والبحث عَن تِلْكَ الْأَعْمَال من جِهَتَيْنِ: إِحْدَاهمَا جِهَة إلزامها جُمْهُور النَّاس، والعمدة فِي ذَلِك اخْتِيَار مظان تِلْكَ الهيئات من الْأَعْمَال، والطريقة الظَّاهِرَة الَّتِي لَيْلهَا نَهَارهَا يؤاخذون بهَا على أعين النَّاس، فَلَا يتمكنون من التسلل والاعتذار، وَلَا بُد أَن يكون بناؤها على الاقتصاد. والأمور المضبوطة.
وَالثَّانيَِة جِهَة تَهْذِيب نُفُوسهم بهَا وإيصالها إِلَى الهيآت الْمَطْلُوبَة مِنْهَا، والعمدة فِي ذَلِك معرفَة تِلْكَ الهيآت وَمَعْرِفَة الْأَعْمَال من جِهَة إيصالها إِلَيْهَا وبناؤها على الوجدان وتفويض الْأَمر إِلَى صَاحب الْأَمر فالباحث عَنْهَا من الْجِهَة الأولى هُوَ علم الشَّرَائِع وَعَن الثَّانِيَة هُوَ علم الْإِحْسَان.
فالناظر فِي مبَاحث الْإِحْسَان يحْتَاج إِلَى شَيْئَيْنِ: النّظر إِلَى الْأَعْمَال من حَيْثُ إيصالها إِلَى هيآت نفسانية لِأَن الْعَمَل رُبمَا يُؤدى على وَجه الرِّيَاء أوالسمعة وَالْعَادَة، أَو يقارنه الْعجب والمن والأذى، فَلَا يكون موصلا إِلَى مَا أُرِيد مِنْهُ، وَرُبمَا يُؤدى على وَجه لَا تتنبه هَذِه النَّفس لإرواحه تنبها يَلِيق بالمحسنين، وَإِن كَانَ من النُّفُوس من يتَنَبَّه بِمثلِهِ كالمكتفي بِأَصْل الْفَرْض لَا يزِيد عَلَيْهِ كَمَا وَلَا كيفا وَهُوَ لَيْسَ بزكي، وَالنَّظَر فِي تِلْكَ الهيآت النفسانية ليعرفها حق مَعْرفَتهَا، فيباشر الْأَعْمَال على بَصِيرَة مِمَّا أُرِيد مِنْهَا، فَيكون
طَبِيب نَفسه يسوس نَفسه كَمَا يسوس الطَّبِيب الطبيعة، فَإِن من لَا يعرف الْمَقْصُود من الْآلَات كَاد إِذا استعملها أَن يخبط خبط عشواء، أَو يكون كحاطب
стр. 391
ليل.
وأصول الْأَخْلَاق المبحوث عَنْهَا فِي هَذَا الْفَنّ أَرْبَعَة: - كَمَا نبهنا على ذَلِك فِيمَا سبق - الطَّهَارَة الكاسبة للتشبه بالملكوت، والإخبات الجالب للتطلع إِلَى الجبروت، وَشرع للْأولِ الْوضُوء وَالْغسْل، وَللثَّانِي الصَّلَاة والأذكار والتلاوة، وَإِذا اجتمعتا سميناه سكينَة ووسيلة، وَهُوَ قَول حُذَيْفَة فِي عبد الله بن مَسْعُود ﵄: لقد علم المحفوظون من أَصْحَاب مُحَمَّد ﷺ أَنه أقربهم إِلَى الله وَسِيلَة، وَقد سَمَّاهَا الشَّارِع إِيمَانًا فِي قَوْله " الطّهُور شطر الْإِيمَان " وَقد بَين النَّبِي ﷺ حَال الأول حَيْثُ قَالَ " إِن الله نظيف يحب النَّظَافَة " وَأَشَارَ إِلَى الثَّانِي حَيْثُ قَالَ " الاحسان أَن تعبد الله كَأَنَّك ترَاهُ فَإِن لم تكن ترَاهُ فَإِنَّهُ يراك " والعمدة فِي تَحْصِيلهَا التَّلَبُّس بالنواميس المأثورة عَن الْأَنْبِيَاء، مَعَ مُلَاحظَة وأرواحها أنوارها والإكثار مِنْهَا، مَعَ رِعَايَة هيئاتها وأذكارها.
فَروح الطَّهَارَة هِيَ نور الْبَاطِن وَحَالَة الْأنس والانشراح وخمود الأفكار الجربزة وركود التشويشات والقلق وتشتت الْفِكر والضجر والجزع.
وروح الصَّلَاة هِيَ الْحُضُور مَعَ الله والاستشراف للجبروت وتذكر جلال الله مَعَ تَعْظِيم ممزوج بمحبة وطمأنينة، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَة فِي قَوْله ﷺ " الاحسان أَن تعبد الله كَأَنَّك ترَاهُ فَإِن لم تكن ترَاهُ فَإِنَّهُ يراك ".
وَأَشَارَ إِلَى كَيْفيَّة تمرين النَّفس عَلَيْهَا بقوله " قَالَ الله تَعَالَى: قسمت
الصَّلَاة بيني وَبَين عَبدِي نِصْفَيْنِ ولعبدي مَا سَأَلَ، فَإِذا قَالَ العَبْد: (الْحَمد لله رب الْعَالمين) ، قَالَ الله: حمدني عَبدِي، وَإِذا قَالَ: (الرَّحْمَن الرَّحِيم) قَالَ الله أثنى عَليّ عَبدِي، وَإِذا قَالَ: (مَالك يَوْم الدّين) قَالَ: مجدني عَبدِي، وَإِذا قَالَ: (إياك نعْبد وَإِيَّاك نستعين) ، قَالَ هَذَا بيني وَبَين عَبدِي ولعبدي مَا سَأَلَ، وَإِذا قَالَ: (أهدنا الصِّرَاط الْمُسْتَقيم صِرَاط الَّذين أَنْعَمت عَلَيْهِم غير المغضوب عَلَيْهِم وَلَا الضَّالّين) ، قَالَ هَذَا لعبدي ولعبدي مَا سَأَلَ ".
فَذَلِك إِشَارَة إِلَى الْأَمر بملاحظة الْجَواب فِي كل كلمة. فَإِنَّهُ يُنَبه للحضور تَنْبِيها بليغا، وبأدعية سنّهَا النَّبِي ﷺ فِي الصَّلَاة وَهِي مَذْكُورَة فِي حَدِيث على ﵁ وَغَيره.
وروح تِلَاوَة قِرَاءَة الْقُرْآن أَن يتَوَجَّه إِلَى الله بشوق وتعظيم، ويتدبر فِي مواعظه، ويستشعر الانقياد فِي أَحْكَامه، وَيعْتَبر بأمثاله وقصصه، وَلَا يمر بِآيَة صِفَات الله وآياته إِلَّا قَالَ: سُبْحَانَ الله، وَلَا بِآيَة الْجنَّة وَالرَّحْمَة إِلَّا سَأَلَ الله من فَضله، وَلَا بِآيَة النَّار وَالْغَضَب إِلَّا تعوذ بِاللَّه.
стр. 392
فَهَذَا مَا سنّ رَسُول الله ﷺ فِي تمرين النَّفس بالاتعاظ.
وروح الذّكر الْحُضُور والاستغراق فِي الِالْتِفَات إِلَى الجبروت، وتمرينه أَن يَقُول: لَا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر، ثمَّ يسمع من الله أَنه قَالَ: لَا إِلَه إِلَّا أَنا وَأَنا أكبر، ثمَّ بقول: لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ، ثمَّ يسمع من الله لَا إِلَه إِلَّا أَنا وحدى لَا شريك لي، وَهَكَذَا حَتَّى يرْتَفع الْحجاب، ويتحقق الِاسْتِغْرَاق، وَقد أَشَارَ النَّبِي ﷺ إِلَى ذَلِك.
وروح الدُّعَاء أَن يرى كل حول وَقُوَّة من الله، وَيصير كالميت فِي يَد الغسال، وكالتمثال فِي يَد محرك التماثيل، ويجد لَذَّة الْمُنَاجَاة.
وَقد سنّ رَسُول الله ﷺ أَن يَدْعُو بعد صَلَاة التَّهَجُّد فِي أثْنَاء أشفاعه دُعَاء طَويلا يقنع فِيهَا يَدَيْهِ يَقُول: يَا رب يَا رب، يسْأَل الله خير الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، ويتعوذ بِهِ من البلايا، ويتضرع، ويلح، وَيشْتَرط فِي ذَلِك أَن يكون بقلب فارغ غير لاه، وَلَا يكون حاقنا وَلَا حاقبا وَلَا جائعا وَلَا غَضْبَان.
فَإِذا عرف الْإِنْسَان حَالَة المحاضرة ثمَّ فقدها فليفحص عَن سَبَب الْفَقْد، فَإِن كَانَ غزارة الطبيعة فَعَلَيهِ بِالصَّوْمِ فَإِن لَهُ وَجَاء وَأكْثر مَا يكون فِي الصَّوْم أَن يَصُوم شَهْرَيْن مُتَتَابعين، وَإِن احْتَاجَ إِلَى استفراغ الْمَنِيّ والتفرغ من إصْلَاح الْمطعم وَالْمشْرَب، أَو كَانَ ذهب نشاطه، وَأَرَادَ إِعَادَته يملك فرجا يدْفع بِهِ سوء منيه من غير انهماك فِي المفاكهة والاختلاط، وليجعله كالدواء يحصل نَفعه، ويتحرز من فَسَاده.
وَإِن كَانَ الِاشْتِغَال بالارتفاقات وصحبة النَّاس فليعالج بِضَم الْعِبَادَات مَعهَا.
وَإِن كَانَ امتلاء أوعية الْفِكر بخيالات مشوشة وأفكار جربزة فليعتزل النَّاس، ويلتزم الْبَيْت أَو الْمَسْجِد، وليمنع لِسَانه إِلَّا من ذكر الله وَقَلبه إِلَّا من الْفِكر فِيمَا يهمه، ويتعاهد نَفسه عِنْدَمَا يَسْتَيْقِظ، ليَكُون أول مَا يدْخل فِي قلبه ذكر الله وعندما يُرِيد أَن ينَام، ليتخلى قلبه عَن تِلْكَ الأشغال.
وَالثَّالِث سماحة النَّفس وَهِي أَلا تنقاد الملكية لدواعي البهيمية: من طلب اللَّذَّة وَحب الانتقام وَالْغَضَب وَالْبخل والحرص على المَال والجاه، فَإِن هَذِه الْأُمُور إِذا
стр. 393
بَاشر الْإِنْسَان أَعمالهَا الْمُنَاسبَة لَهَا تتشبح ألوانها فِي جَوْهَر النَّفس سَاعَة مَا، فَإِن كَانَت النَّفس سمحه يسهل عَلَيْهَا رفض الهيآت الخسيسة، فَصَارَت كَأَنَّهُ لم يُمكن فِيهَا شَيْء من ذَلِك الْبَاب قطّ، وخلصت إِلَى رَحْمَة الله، واستغرقت فِي لجه الْأَنْوَار الَّتِي تقتضيها جبلة النُّفُوس لَوْلَا الْمَوَانِع، وَإِن لم تكن سَمْحَة تشبح ألوانها فِي النَّفس كَمَا يتشيح نقوش الْخَاتم فِي الشمعة ولصق بهَا وحز الْحَيَاة الدُّنْيَا، وَلم يسهل عَلَيْهَا رفضها فَإِذا فَارَقت جَسدهَا أحاطت بهَا الخطيئات من بَين يَديهَا وَمن خلفهَا وَعَن يَمِينهَا وَعَن شمالها، وسدل بَينهَا وَبَين الْأَنْوَار الَّتِي تقتضيها جبلة النُّفُوس حجب كَثِيرَة غَلِيظَة، فَكَانَ ذَلِك سَبَب تأذيها وتألمها.
والسماحة إِذا اعْتبرت بداعية الشهوتين: شَهْوَة الْبَطن. وشهوة الْفرج سميت عفة، أوبداعية الدعة والرفاهية سميت اجْتِهَادًا، أَو بداعية الضجر والجزع سميت صبرا، أَو بداعية حب الانتقام سميت عفوا، أَو بداعية حب المَال سميت سخاوة وقناعة، أَو بداعية مُخَالفَة الشَّرْع سميت تقوى، ويجمعها كلهَا شَيْء وَاحِد، وَهُوَ أَن أَصْلهَا عدم انقياد النَّفس للهواجس البهيمية، والصوفية يسمونها بِقطع التعلقات الدُّنْيَوِيَّة أَو بالفناء عَن الخسائس البشرية، أَو بالحربة، فيعبرون عَن تِلْكَ الْخصْلَة بأسماء مُخْتَلفَة، والعمدة فِي تَحْصِيلهَا قلَّة الْوُقُوع فِي مظان هَذِه الْأَشْيَاء، وإيثار الْقلب ذكر الله تَعَالَى وميل النَّفس إِلَى عَالم التجرد، وَهُوَ قَول زيد بن حَارِثَة اسْتَوَى عِنْدِي حجرها ومدرها إِلَى أَن أخبر عَن المكاشفة.
وَالرَّابِع الْعَدَالَة، وَهِي ملكة يصدر مِنْهَا إِقَامَة النظام الْعَادِل المصلح
فِي تَدْبِير الْمنزل وسياسة الْمَدِينَة وَنَحْو ذَلِك بسهولة، وَأَصلهَا جبلة نفسانية تنبعث مِنْهَا الأفكار الْكُلية والسياسيات الْمُنَاسبَة بِمَا عِنْد الله وَعند مَلَائكَته، وَذَلِكَ أَن الله تَعَالَى أَرَادَ فِي الْعَالم انْتِظَار أَمرهم، وَأَن يعاون بَعضهم بَعْضًا، وَألا يظلم بَعضهم بَعْضًا، وَأَن يتألف بَعضهم بِبَعْض، ويصيروا كجسد رجل وَاحِد، وَإِذا تألم عُضْو مِنْهُ تداعى لَهُ سَائِر الْأَعْضَاء بالحمى والسهر، وَأَن يكثر نسلهم، وَأَن يزْجر فاسقهم، وينوه بعادلهم، ويخمل فيهم الرسوم الْفَاسِدَة، وَيشْهد فيهم الْخَيْر والنواميس الحقة، فَللَّه سُبْحَانَهُ فِي خلقه قَضَاء إجمالي كل ذَلِك شرح لَهُ وتفصيل، وَمَلَائِكَته المقربون تلقوا ذَلِك، وصاروا يدعونَ لمن سعى فِي إصْلَاح النَّاس، ويلعنون على من سعى فِي فسادهم، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى:
стр. 394
﴿وعد الله الَّذين آمنُوا مِنْكُم وَعمِلُوا الصَّالِحَات ليَستَخْلِفنهم فِي الأَرْض كَمَا اسْتخْلف الَّذين من قبلهم وليمكنن لَهُم دينهم الَّذِي ارتضى لَهُم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لَا يشركُونَ بِي شَيْئا وَمن كفر بعد ذَلِك فَأُولَئِك هم الْفَاسِقُونَ﴾
وَقَوله تَعَالَى:
﴿الَّذين يُوفونَ بِعَهْد الله وَلَا ينقضون الْمِيثَاق وَالَّذين يصلونَ مَا أَمر الله بِهِ أَن يُوصل﴾ الْآيَة.
وَقَوله تَعَالَى:
﴿وَالَّذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون مَا أَمر الله بِهِ أَن يُوصل﴾ الْآيَة.
فَمن بَاشر هَذِه الْأَعْمَال الْمصلحَة شملته رَحْمَة الله وصلوات الْمَلَائِكَة من حَيْثُ يحْتَسب أَو لَا يحْتَسب، وَكَانَ هُنَالك رقائق تحيط بِهِ كأشعة النيرين تحيط بالإنسان، فتورث الإلهام فِي قُلُوب النَّاس وَالْمَلَائِكَة أَن يحسنوا إِلَيْهِ، وَيُوضَع لَهُ الْقبُول فِي السَّمَاء وَالْأَرْض، وَإِذا انْتقل إِلَى عَالم التجرد أحس بِتِلْكَ الرَّقَائِق الْمُتَّصِلَة بِهِ، والتذ بهَا، وَوجد سَعَة وقبولا، وَفتح بَينه وَبَين الْمَلَائِكَة بَاب، وَمن بَاشر الْأَعْمَال الْمفْسدَة شَمله غضب الله ولعنة الْمَلَائِكَة، وَكَانَت هُنَاكَ رقائق مظْلمَة ناشئة من الْغَضَب تحيط بِهِ، فتورث الإلهام فِي قُلُوب الْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَن يسيئوا إِلَيْهِ وَيُوضَع لَهُ الْبغضَاء فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض، وَإِذا انْتقل إِلَى عَالم التجرد أحس بِتِلْكَ الرَّقَائِق الظلمانية عاضة عَلَيْهِ، وتألمت نَفسه بهَا، وَوجد ضيقا ونفرة، وأحيط بِهِ من جَمِيع جوانبه، فضاقت عَلَيْهِ الأَرْض بِمَا رَحبَتْ.
وَالْعَدَالَة اذا اعْتبرت بأوضاع الْإِنْسَان فِي قِيَامه. وقعوده. ونومه. ويقظته. ومشيه. وَكَلَامه. وزيه. ولباسه. وشعره سميت أدبا، وَإِذا اعْتبرت بالأموال وَجَمعهَا وصرفها سميت كِفَايَة، وَإِذا اعْتبرت بتدبير الْمنزل سميت حريَّة، وَإِذا اعْتبرت بتدبير الْمَدِينَة سميت سياسة. وَإِذا اعْتبرت بتألف الأخوان سميت بِحسن المحاضرة أَو حسن المعاشرة، والعمدة فِي تَحْصِيلهَا الرَّحْمَة، والمودة، ورقة الْقلب وَعدم قسوته مَعَ الإنقياد للأفكار الْكُلية وَالنَّظَر فِي عواقب الْأُمُور.
وَبَين هَاتين الخلتين تنافر ومناقضة من وَجه، وَذَلِكَ لِأَن ميل الْقلب إِلَى التجرد وانقياده للرحمة والمودة يتخالفان فِي حق أَكثر النَّاس لَا سِيمَا أهل التجاذب، وَلذَلِك ترى كثيرا من أهل الله تبتلوا، وانقطعوا من النَّاس وباينوا الْأَهْل وَالْولد، وَكَانُوا من النَّاس على شقّ بعيد، وَترى الْعَامَّة قد أحاطت بهم معافسة الْأزْوَاج وَالْأَوْلَاد حَتَّى أنساهم ذكر الله، والأنبياء
﵈ لَا يأمرون إِلَّا برعاية المصلحتين، وَلذَلِك أَكْثرُوا الضَّبْط وتمييز الْمُشكل فِي هَاتين الخلتين، فَهَذِهِ هِيَ الْأَخْلَاق الْمُعْتَبرَة فِي الشَّرَائِع، وهنالك أَفعَال وهيآت تفعل فعل تِلْكَ الْأَخْلَاق وأضدادها من جِهَة أَنَّهَا تعطيها مزاج الْمَلَائِكَة وَالشَّيَاطِين، أَو تنبعث من ميل
стр. 395
النَّفس إِلَى إِحْدَى القبيلتين فَيُؤْمَر بذلك الْبَاب، وَقد ذكرنَا بعض ذَلِك.
وَمن هَذَا الْبَاب قَوْله ﵇ إِن الشَّيْطَان يَأْكُل بِشمَالِهِ وَيشْرب بِشمَالِهِ "
وَقَوله ﵇: " الاجدع شَيْطَان " وَقَوله ﵊: " أَلا تصفون كَمَا تصف الْمَلَائِكَة، وَقد أَمر النَّبِي ﷺ بمظان تِلْكَ الْأَخْلَاق، فَأمر بأذكار تفِيد دوَام الإخبات والتضرع، وَأمر بِالصبرِ والانفاق، وَرغب فِي ذكر هاذم اللَّذَّات وَذكر الْآخِرَة، وهون أَمر الدُّنْيَا فِي أَعينهم، وحضهم على التفكر فِي جلال الله وَعظم قدرته، ليحصل لَهُم السماحة، وَأمر بعيادة الْمَرِيض وَالْبر والصلة وإفشاء السَّلَام وَإِقَامَة الْحُدُود وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر، ليحصل لَهُم الْعَدَالَة، وَبَين تِلْكَ الْأَفْعَال والهيآت أتم بَيَان، جزى الله تَعَالَى هَذَا النَّبِي الْكَرِيم كَمَا هُوَ أَهله عَنَّا وَعَن سَائِر الْمُسلمين أَجْمَعِينَ.
إِذا علمت هَذِه الْأُصُول حَان أَن نشتغل بِبَعْض التَّفْصِيل، وَالله أعلم
(الْأَذْكَار وَمَا يتَعَلَّق بهَا)
قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا يقْعد قوم يذكرُونَ الله إِلَّا حفتهم الْمَلَائِكَة وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَة " أَقُول: لَا شكّ أَن اجْتِمَاع الْمُسلمين راغبين ذاكرين يجلب الرَّحْمَة والسكينة، وَيقرب من الْمَلَائِكَة.
وَقَالَ ﷺ سبق المفردون " (أَقُول) هم قوم من السَّابِقين سموا بالمفردين لِأَن الذّكر خفف عَنْهُم أوزارهم.
قَالَ ﷺ : قَالَ تَعَالَى أَنا عِنْد ظن عَبدِي بِي وَأَنا مَعَه إِذا ذَكرنِي فَإِن ذَكرنِي فِي نَفسه ذكرته فِي نَفسِي وَإِن ذَكرنِي فِي مَلأ ذكرته فِي مَلأ خير مِنْهُ "
стр. 396
أَقُول جبلة العَبْد النَّاشِئ مِنْهَا أخلاقها وعلومها، والهيئات الَّتِي اكتسبتها نَفسه هِيَ المخصصة لنزول رَحْمَة خَاصَّة بِهِ، فَرب عبد سمح الْخلق يظنّ بربه أَنه يتَجَاوَز عَن ذنُوبه، وَلَا يُؤَاخذ بِكُل نقير وقطمير، ويعامل مَعَه مُعَاملَة فَيكون رَجَاءَهُ ذَلِك سَببا لنفض خطيآته عَن نَفسه، وَرب عبد شحيح الْخلق يظنّ بربه أَنه يؤاخذه بِكُل نقير وقطمير، ويعامل مَعَه مُعَاملَة المتعمقين، السماحة، وَلَا يتَجَاوَز عَن ذنُوبه، فَهَذَا بأشد الْمنزلَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى هيئات دنيوية تحيط بِهِ بعد مَوته، وَهَذَا الْفرق إِنَّمَا مَحَله الْأُمُور الَّتِي لم يتَأَكَّد فِي حَظِيرَة الْقُدس حكمهَا، وَأما الْكَبَائِر وَمَا يشابهها فَلَا يظْهر فِيهِ إِلَّا بالإجمال، وَقَوله " أَنا مَعَه " إِشَارَة إِلَى معية الْقبُول وَكَونه فِي حَظِيرَة الْقُدس ببال، فَإِن ذكر الله فِي نَفسه، وسلك طَرِيق التفكر فِي آلائه، فَجَزَاؤُهُ أَن الله يرفع الْحجب فِي ميسره ذَلِك حَتَّى يصل إِلَى التجلي الْقَائِم فِي
حَظِيرَة الْقُدس، وَإِن ذكر الله فِي مَلأ، وَكَانَ همه إِشَاعَة دين الله وإعلاء كلمة الله فَجَزَاؤُهُ أَن الله يلهم محبته فِي قُلُوب الْمَلأ الْأَعْلَى يدعونَ لَهُ، ويبركون عَلَيْهِ، ثمَّ ينزل لَهُ الْقبُول فِي الأَرْض، وَكم من عَارِف بِاللَّه وصل إِلَى الْمعرفَة وَلَيْسَ لَهُ قبُول فِي الأَرْض وَلَا ذكر فِي الْمَلأ الْأَعْلَى، وَكم من نَاصِر دين الله لَهُ قبُول عَظِيم وبركة جسيمة لم ترفع لَهُ الْحجب:
قَالَ ﷺ : " قَالَ تَعَالَى: من جَاءَ بِالْحَسَنَة فَلهُ عشر أَمْثَالهَا وأزيد، وَمن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فجزاء سَيِّئَة مثلهَا، أَو أَغفر، وَمن تقرب مني شبْرًا تقربت إِلَيْهِ ذِرَاعا، وَمن تقرب مني ذِرَاعا تقربت مِنْهُ باعا وَمن أَتَانِي يمشي أَتَيْته هرولة وَمن لَقِيَنِي بقراب الأَرْض خطيئه لَا يُشْرك بِي شَيْئا لَقيته بِمِثْلِهَا مغْفرَة " أَقُول: الْإِنْسَان إِذا مَاتَ، وَأدبر عَن الدُّنْيَا، وضعفت سُورَة بهيميته، وتلعلعت أنوار ملكيته، فقليل خَيره كثير، وَمَا بِالْعرضِ ضَعِيف بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا هُوَ بِذَات وَالتَّدْبِير الإلهي مبناه على إفَاضَة الْخَيْر، فالخير أقرب إِلَى الْوُجُود وَالشَّر أدق مِنْهُ، وَهُوَ حَدِيث " إِن لله مائَة رَحْمَة أنزل مِنْهَا وَاحِدَة إِلَى الأَرْض " فَبين النَّبِي ﷺ ذَلِك بِمثل الشبر. والذراع. والباع وَالْمَشْي. والهرولة، وَلَيْسَ شَيْء أَنْفَع فِي الْمعَاد من التطلع إِلَى الجبروت والالتفات تلقاءها، وَهُوَ قَوْله " من لَقِيَنِي بقراب الأَرْض خَطِيئَة لَا يُشْرك بِي شَيْئا لَقيته بِمِثْلِهَا مغْفرَة "، وَقَوله تَعَالَى: " أعلم عَبدِي أَن لَهُ رَبًّا يغْفر الذَّنب ويؤاخذ بِهِ ".
وَقَالَ ﷺ : " قَالَ تَعَالَى: من عادى لي وليا فقد آذنته بِالْحَرْبِ، وَمَا تقرب إِلَى عَبدِي إِلَيّ بِشَيْء أحب إِلَيّ مِمَّا افترضت عَلَيْهِ، وَمَا يزَال عَبدِي يتَقرَّب إِلَيّ بالنوافل حَتَّى أحبه، فَإِن أحببته كنت سَمعه الَّذِي يسمع بِهِ، وبصره الَّذِي يبصر بِهِ، وَيَده الَّتِي يبطش بهَا، وَرجله الَّتِي يمشي بهَا،
стр. 397
وَإِن سَأَلَني لأعطينه، وَإِن استعاذني لأعيذنه، وَمَا ترددت فِي شَيْء أَنا فَاعله ترددي عَن نفس الْمُؤمن يكره الْمَوْت وَأَنا أكره مساءته " أَقُول إِذا أحب الله عبدا، وَنزلت محبته فِي الْمَلأ الْأَعْلَى، ثمَّ نزل لَهُ الْقبُول فِي الأَرْض، فَخَالف هَذَا النظام أحد، وعاداه، وسعى فِي رد أمره وكبت حَاله انقلبت رَحْمَة الله بِهَذَا المحبوب لعنة فِي حق عدوه، وَرضَاهُ بِهِ سخطا فِي حَقه، وَإِذا تدلى الْحق إِلَى عباده باظهار شَرِيعَة وَإِقَامَة دين، وَكتب فِي حَظِيرَة الْقُدس تِلْكَ السّنَن والشرائع كَانَت هَذِه السّنَن والقربات أجلب شَيْء لرحمة الله وأوفقه بِرِضا الله، وَقَلِيل هَذِه كثير، وَلَا يزَال العَبْد بتقرب إِلَى الله بالنوافل زِيَادَة على الْفَرَائِض حَتَّى يُحِبهُ الله، وتغشاه رَحمته، وَحِينَئِذٍ يُؤَيّد جوارحه بِنور إلهي، ويبارك فِيهِ. وَفِي أَهله وَولده وَمَاله، ويستجاب دعاؤه ويحفظ من الشَّرّ، وينصر، وَهَذَا الْقرب عندنَا يُسمى بِقرب الْأَعْمَال، والتردد هَهُنَا كِنَايَة عَن تعَارض العنايات فَإِن الْحق لَهُ عناية بِكُل نظام نَوْعي وشخصي، وعنايته بالجسد الإنساني تقضي الْقَضَاء بِمَوْتِهِ ومرضه وتضييق الْحَال عَلَيْهِ، وعنايته بِنَفسِهِ المحبوبة تَقْتَضِي إفَاضَة الرَّفَاهِيَة من كل جِهَة عَلَيْهِ وَحفظه من كل سوء.
قَالَ النَّبِي ﷺ : " أَلا أنبئكم بِخَير أَعمالكُم، وأزكاها عِنْد مليككم، وأرفعها فِي درجاتكم، وَخير لكم من انفاق الذَّهَب وَالْوَرق وَخير لكم من أَن تلقوا عَدوكُمْ، فتضربوا أَعْنَاقهم، ويضربوا أَعْنَاقكُم؟ قَالُوا: بلَى، قَالَ: ذكر الله " أَقُول: الْأَفْضَلِيَّة تخْتَلف بِالِاعْتِبَارِ وَلَا أفضل من الذّكر بِاعْتِبَار تطلع النَّفس إِلَى الجبروت، وَلَا سِيمَا فِي نفوس زكية لَا تحْتَاج إِلَى الرياضات، وَإِنَّمَا تحْتَاج إِلَى مداومة التَّوَجُّه.
وَقَالَ ﵊: من قعد مقْعدا لم يذكر الله فِيهِ كَانَت عَلَيْهِ
من الله ترة، وَمن اضْطجع مُضْطَجعا لَا يذكر الله فِيهِ كَانَت عَلَيْهِ من الله ترة، وَقَالَ: " مَا من قوم يقومُونَ من مجْلِس يذكرُونَ الله فِيهِ إِلَّا قَامُوا عَن مثل جيفة حمَار؛ وَكَانَ عَلَيْهِم حسرة " وَقَالَ " لَا تكثروا الْكَلَام بِغَيْر ذكر الله فَإِن كَثْرَة الْكَلَام بِغَيْر ذكر الله قسوة للقلب، وَإِن أبعد النَّاس من الله الْقلب القاسي " أَقُول: من وجود حلاوة الذّكر، وَعرف كَيفَ يحصل لَهُ الاطمئنان بِذكر الله وَكَيف تنقشع الْحجب عَن قلبه عِنْد ذَلِك حَتَّى يصير كَأَنَّهُ يرى الله عيَانًا وَلَا شكّ أَنه إِذا توجه إِلَى الدُّنْيَا
стр. 398
وعافس الْأزْوَاج والضيعات ينسى كثيرا، وَيبقى كَأَنَّهُ فقد مَا كَانَ وجد، ويسدل حجاب بَينه وَبَين مَا كَانَ بمرأى مِنْهُ وَهَذِه الْخصْلَة تدعوا إِلَى النَّار وَإِلَى كل شَرّ، وَفِي كل من ذَلِك ترة وَإِذا اجْتمعت الترات لم يكن بسبيل إِلَى النجَاة، وَقد عالج النَّبِي ﷺ هَذِه الترات بأتم علاج، وَذَلِكَ أَن شرع فِي كل حَالَة ذكرا مناسبا لَهُ ليَكُون ترياقا دافعا لسم الْغَفْلَة، فنبه النَّبِي ﷺ على فَائِدَة هَذِه الْأَذْكَار وعَلى عرُوض الترات بِدُونِهَا.
وَاعْلَم أَنه مست الْحَاجة إِلَى ضبط أَلْفَاظ الذّكر صونا لَهُ من أَن يتَصَرَّف فِيهِ متصرف بعقله الأبتر، فيلحد فِي أَسمَاء الله، أَو لَا يعْطى الْمقَام حَقه، وعمدة مَا سنّ فِي هَذَا الْبَاب عشرَة أذكار فِي كل وَاحِد سر لَيْسَ فِي غَيره، وَلذَلِك سنّ النَّبِي ﷺ فِي كل موطن أَن يجمع بَين ألوان مِنْهَا.
وَأَيْضًا فالوقوف على ذكر وَاحِد يَجعله لقلقَة اللِّسَان فِي حق عَامَّة الْمُكَلّفين، والانتقال من بَعْضهَا إِلَى بعض يُنَبه النَّفس، ويوقظ الْوَسْنَان.
مِنْهَا سُبْحَانَ الله، وَحَقِيقَته تَنْزِيه عَن الأدناس والعيوب والنقائص.
وَمِنْهَا الْحَمد لله، وَحَقِيقَته إِثْبَات الكمالات والأوصاف التَّامَّة لَهُ، فَإِذا اجتمعتا فِي كلمة وَاحِدَة كَانَت أفْصح تَعْبِير عَن معرفَة الْإِنْسَان بربه لِأَنَّهُ لَا يَسْتَطِيع أَن يعرفهُ إِلَّا من جِهَة إِثْبَات ذَات يسلب عَنْهَا مَا نشاهده فِينَا من النقائص، وَيثبت لَهَا مَا نشاهده فِينَا من جِهَات الْكَمَال من جِهَة كَونه كمالا، فَإِذا اسْتَقَرَّتْ صُورَة هَذَا الذّكر فِي الصَّحِيفَة ظَهرت هُنَاكَ هَذِه الْمعرفَة تَامَّة كَامِلَة عِنْدَمَا يقْضى بسبوغها، فَيفتح بَابا عَظِيما من الْقرب، وَإِلَى هَذَا الْمَعْنى أَشَارَ النَّبِي ﷺ فِي قَوْله: التَّسْبِيح نصف الْمِيزَان وَالْحَمْد الله يملؤه " وَلِهَذَا كَانَت كلمة سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ كلمة خَفِيفَة على اللِّسَان ثَقيلَة فِي الْمِيزَان حَبِيبَة إِلَى الرَّحْمَن، وَمن يَقُولهَا: غرست لَهُ نَخْلَة، وَورد فِيمَن يَقُولهَا مائَة حطت عَنهُ خطاياه وَإِن كَانَت مثل زبد الْبَحْر، وَلم يَأْتِ أحد يَوْم الْقِيَامَة بِأَفْضَل مِمَّا جَاءَ بِهِ إِلَّا أحد قَالَ: مثل ذَلِك أَو وَزَاد عَلَيْهِ، وَهِي أفضل الْكَلَام اصطفاه الله لملائكته.
وَأما سر قَوْله ﵇: أول من يدعى إِلَى الْجنَّة الَّذين يحْمَدُونَ الله فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء " فَهُوَ أَن عَمَلهم ثبوتي منبعث من القوى الثبوتية، وَأَهْلهَا أحظى النَّاس بنعيم الْجنان.
وسر قَوْله ﵇: أفضل الدُّعَاء الْحَمد لله " أَن الدُّعَاء على قسمَيْنِ كَمَا سنذكر، وَالْحَمْد لله يفيدهما جَمِيعًا، فَإِن الشُّكْر يزِيد النِّعْمَة وَلِأَنَّهَا معرفَة ثبوتية.
وسر قَوْله ﵇: الْحَمد لله رَأس الشُّكْر " أَن الشُّكْر يَتَأَتَّى بِاللِّسَانِ والجنان والأركان، وَاللِّسَان أفْصح من ذَيْنك.
стр. 399
وَمِنْهَا لَا إِلَه إِلَّا الله وَله بطُون كَثِيرَة: فالبطن الأول طرد الشّرك الْجَلِيّ وَالثَّانِي طرد الشّرك الْخَفي. وَالثَّالِث طرد الْحجب الْمَانِعَة عَن الْوُصُول إِلَى
معرفَة الله، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَة فِي قَوْله ﷺ : " لَا إِلَه إِلَّا الله لَيْسَ لَهَا حجاب دون الله حَتَّى تخلص إِلَيْهِ " وَكَانَ مُوسَى ﵇ يعرف من بطونها البطنين الْأَوَّلين، فاستبعد أَن يكون الذّكر الَّذِي يَخُصُّهُ الله بِهِ ذَاك، فَأوحى الله إِلَيْهِ جلية الْحَال، وكشف عَلَيْهِ أَنه طارد كل مَا سوى الله تَعَالَى عَن مستن الايثار، وَعَن التمثل بَين عَيْنَيْهِ وانه لَو وضع جَمِيع مَا سواهُ فِي كفة وَهَذِه فِي كفة لمالت بِهن، فَإِنَّهُ يطردهن، ويحقرهن، والتهليلة مَعَ تَفْصِيل مَا للنَّفْي وَالْإِثْبَات وَهِي لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ لَهُ الْملك وَله الْحَمد وَهُوَ على كل شَيْء قدير.
وَورد من فضل من قَالَهَا مائَة كَانَت لَهُ عدل عشر رِقَاب الخ وَذَلِكَ لِأَنَّهَا جَامِعَة بَين الْمعرفَة الثبوتية والسلبية، والسلبية أقرب لمحو الذُّنُوب، والثبوتية أفيد لوُجُود الْحَسَنَات وتمثل الأجزية.
وَمِنْهَا الله أكبر وَفِيه مُلَاحظَة عَظمته وَقدرته وسلطانه، وَهُوَ إِشَارَة إِلَى معرفَة ثبوتية، وَلذَلِك ورد فِي فَضله أَنه يمْلَأ مَا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض، وَهَذِه الْكَلِمَات الْأَرْبَع أفضل الْكَلَام وأحبه إِلَى الله، وَهِي غراس الْجنَّة.
وسر حَدِيث جوَيْرِية " لقد قلت بعْدك أَربع كَلِمَات ثَلَاث مَرَّات لَو وزنت بِمَا قلت مُنْذُ الْيَوْم لوزنتهن: سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ عدد خلقه ورضاء نَفسه وزنة عَرْشه ومداد كَلِمَاته " أَن صُورَة الْعَمَل إِذا اسْتَقَرَّتْ فِي الصَّحِيفَة كَانَ انفساحها وانشراحها عِنْد الْجَزَاء حسب معنى تِلْكَ الْكَلِمَة، فَإِن كَانَت فِيهِ كلمة مثل عدد خلقه كَانَ انفساحها مثل ذَلِك.
وَاعْلَم أَن من كَانَ أَكثر ميله إِلَى تلون النَّفس بلون معنى الذّكر فَالْمُنَاسِب فِي حَقه إكثار الذّكر، وَمن كَانَ أَكثر ميله إِلَى مُحَافظَة صُورَة الْعَمَل فِي الصَّحِيفَة وظهورها يَوْم الْجَزَاء فالأنفع فِي حَقه اخْتِيَار ذكر راب على الْأَذْكَار بالكيفية.
وَلَيْسَ لأحد أَن يَقُول: إِذا كَانَت هَذِه الْكَلِمَات ثَلَاث مَرَّات أفضل من سَائِر الْأَذْكَار
стр. 400
يكون الاعتناء بِكَثْرَة الْأَذْكَار واستيعاب الْأَوْقَات فِيهَا ضائعا لِأَن الْفضل إِنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَار دون اعْتِبَار، وَكَانَ النَّبِي ﷺ أرشد جويريه ﵂ إِلَى أقرب الْأَعْمَال وَرغب فِي ذَلِك ترغيبا بليغا، والسر فِيمَا سنة النَّبِي ﷺ فِي الذّكر من ضم الله أكبر وَسَائِر الْأَلْفَاظ مَعَ التهليل أَن يُنَبه النَّفس للذّكر وَلَا يكون لقلقَة لِسَان.
وَمِنْهَا سُؤال مَا يَنْفَعهُ فِي بدنه أَو نَفسه بِاعْتِبَار خلقه، أَو بِاعْتِبَار حُصُول السكينَة أَو تَدْبِير منزله وَمَاله وجاهه وتعوذه عَمَّا يضرّهُ كَذَلِك، والسر فِيهِ مُشَاهدَة تَأْثِير الْحق فِي الْعَالم وَنفي الْحول وَالْقُوَّة عَن غَيره.
وَمن أجمع مَا سنه النَّبِي ﷺ فِي الْبَاب: " اللَّهُمَّ أصلح لي ديني الَّذِي هُوَ عصمَة أَمْرِي، واصلح لي دنياي الَّتِي فِيهَا معاشي، واصلح لي آخرتي الَّتِي فِيهَا معادي، وَاجعَل الْحَيَاة زِيَادَة لي فِي كل خير، وَاجعَل الْمَوْت رَاحَة لي من كل شَرّ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك الْهدى والتقى والعفاف والغنى، اللَّهُمَّ اهدني وسددني - وَقَالَ: أذكر بِالْهدى هدايتك الطَّرِيق، وبالسداد سداد السهْم - اللَّهُمَّ اغْفِر لي وارحمني، واهدني، وَعَافنِي، وارزقني، اللَّهُمَّ رَبنَا آتنا فِي الدُّنْيَا حَسَنَة وَفِي الْآخِرَة حَسَنَة، وقنا عَذَاب النَّار، رب اعني،
وَلَا تعن عَليّ وَانْصُرْنِي، وَلَا تنصر عَليّ، وامكر لي، وَلَا تَمْكُر عَليّ، واهدني، وَيسر الْهدى لي، وَانْصُرْنِي على من بغى عَليّ، رب اجْعَلنِي لَك شاكرا، لَك ناكرا لَك رَاهِبًا، لَك مطواعا لَك مخبتا، إِلَيْك أواها منيبا رب تقبل تَوْبَتِي، واغسل حوبتي وأجب دَعْوَتِي، وَثَبت حجتي وسدد لساني، واهدي قلبِي، واسلل سخيمة صَدْرِي، اللَّهُمَّ ارزقني حبك وَحب من يَنْفَعنِي حبه عنْدك، اللَّهُمَّ مِمَّا رزقتني مَا أحب فاجعله قُوَّة لي فِيمَا تحب، اللَّهُمَّ مَا زويت عني مِمَّا أحب فاجعله فراغا لي فِيمَا تحب، اللَّهُمَّ اقْسمْ لنا من خشيتك مَا تحول بِهِ بَيْننَا وَبَين مَعَاصِيك، وَمن طَاعَتك مَا تبلغنَا بِهِ جنتك، وَمن الْيَقِين مَا تهون بِهِ علينا مصبيات الدُّنْيَا، وَمَتعْنَا بأسماعنا وأبصارنا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا، واجعله الْوَارِث منا، وَاجعَل ثَأْرنَا على من ظلمنَا، وَانْصُرْنَا على من عَادَانَا، وَلَا تجْعَل مُصِيبَتنَا فِي ديننَا، وَلَا تجْعَل الدُّنْيَا أكبر هَمنَا، وَلَا مبلغ علمنَا، وَلَا تسلط علينا من لَا يَرْحَمنَا ".
стр. 401
وَمن أجمع مَا سنه النَّبِي ﷺ فِي الِاسْتِعَاذَة ": أعوذ بِاللَّه من جهد الْبلَاء ودرك الشَّقَاء، وَسُوء الْقَضَاء، وشماتة الْأَعْدَاء، اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من الْهم والحزن، وَالْعجز والكسل، والجبن وَالْبخل، وضلع الدّين، وَغَلَبَة الرِّجَال، اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من الكسل والهرم، والمغرم والمأثم، اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من عَذَاب النَّار وفتنة النَّار، وفتنة الْقَبْر وَعَذَاب الْقَبْر، وَمن شَرّ فتْنَة الْغنى، وَمن شَرّ فتْنَة الْفقر، وَمن شَرّ فتْنَة الْمَسِيح
الدَّجَّال، اللَّهُمَّ اغسل خطاياي بِمَاء الثَّلج وَالْبرد، ونق قابي كَمَا ينقى الثَّوْب الْأَبْيَض من الدنس، وباعد بيني وَبَين خطاياي كَمَا باعدت بَين الْمشرق وَالْمغْرب، اللَّهُمَّ آتٍ نَفسِي تقواها، وزكها، أَنْت خير من زكاها، أَنْت وَليهَا ومولاها، اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من علم لَا ينفع، وَمن قلب لَا يخشع، وَمن نفس لَا تشبع، وَمن دَعْوَة لَا يُسْتَجَاب لَهَا، اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من زَوَال نِعْمَتك وتحول عافيتك وفجأة نقمتك وَجَمِيع سخطك، اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من الْفقر والقلة والذلة، وَأَعُوذ بك من أَن أظلم أَو أظلم ".
وَمِنْهَا التَّعْبِير عَن الخضوع والإخبات، كَقَوْلِه ﷺ :
" سجد وَجْهي للَّذي خلقه " الخ.
وَاعْلَم أَن الدَّعْوَات الَّتِي أمرنَا بهَا النَّبِي ﷺ على قسمَيْنِ: أَحدهمَا مَا يكون الْمَقْصُود مِنْهُ أَن تملأ القوى الفكرية بملاحظة جلال الله وعظمته، أَو يحصل حَالَة الخضوع والإخبات فَإِن لتعبير اللِّسَان عَمَّا يُنَاسب هَذِه الْحَالة أثرا عَظِيما فِي تنبه النَّفس لَهَا وإقبالها عَلَيْهَا.
وَالثَّانِي مَا يكون فِيهِ الرَّغْبَة فِي خير الدُّنْيَا وَالْآخِرَة والتعوذ من شرهما لِأَن همة النَّفس وتأكد عزيمتها فِي طلب شَيْء يقرع بَاب الْجُود بِمَنْزِلَة إعداد مُقَدمَات الدَّلِيل لفيضان النتيجة، وَتجْعَل جلال الله حَاضرا بَين عَيْنَيْهِ، وَتصرف همته إِلَيْهِ، فَتلك الْحَالة غنيمَة المحسن.
وَقَوله ﷺ :
" الدُّعَاء هُوَ الْعِبَادَة "
. أَقُول: ذَلِك لِأَن أصل الْعِبَادَة هُوَ الاستفغراق فِي الْحُضُور بِوَصْف التَّعْظِيم، وَالدُّعَاء بقسميه نِصَاب تَامّ مِنْهُ.
стр. 402
قَوْله ﷺ : " أفضل الْعِبَادَة انْتِظَار الْفرج " أَقُول وَذَلِكَ لِأَن الهمة الحثيثة فِي استنزال الرَّحْمَة أَشد مِمَّا تُؤثر الْعِبَادَة.
وَقَوله ﷺ
: " مَا من أحد يدعوا بِدُعَاء إِلَّا أَتَاهُ الله تَعَالَى مَا سَأَلَ، أَو كف عَنهُ شَرّ السوء مثله " أَقُول: ظُهُور الشَّيْء عَالم الْمِثَال إِلَى الأَرْض لَهُ سنَن طبيعي يجْرِي ذَلِك المجرى إِن لم يكن مَانع من خَارج، وَله سنَن غير طبيعي إِن وجد مزاحمة فِي الْأَسْبَاب، فَمن غير الطبيعي أَن تَنْصَرِف الرَّحْمَة إِلَى كف السوء أَو إِلَى إناس وحشتهم وإلهام بهجة قلبه، أَو ميل الْحَادِثَة من بدنه إِلَى مَاله وأمثال ذَلِك.
قَوْله ﷺ :
" إِذا دَعَا أحدكُم فَلَا يقل: اللَّهُمَّ اغْفِر لي إِن شِئْت، وارحمني إِن شِئْت، وارزقني إِن شِئْت، وليعزم الْمَسْأَلَة إِنَّه يفعل مَا يَشَاء، وَلَا مكره لَهُ " أَقُول: روح الدُّعَاء وسره رَغْبَة النَّفس فِي الشَّيْء مَعَ تلبسها بتشبهة الْمَلَائِكَة وتطلع الجبروت، والطلب بِالشَّكِّ يشتت الْعَزِيمَة ويفتر الهمة، أما الْمُوَافقَة بِالْمَصْلَحَةِ الْكُلية فحاصل لِأَن سَببا من الْأَسْبَاب لَا يصد الله عَن رعايتها، وَهُوَ قَوْله ﷺ :
" إِنَّه يفعل مَا يَشَأْ وَلَا مكره لَهُ ".
وَقَوله ﷺ :
" لَا يرد الْقَضَاء إِلَّا الدُّعَاء " أَقُول: الْقَضَاء هَهُنَا الصُّورَة المخلوقة فِي عَالم الْمِثَال الَّتِي هِيَ سَبَب وجود الْحَادِثَة فِي الْكَوْن وَهُوَ بِمَنْزِلَة سَائِر الْمَخْلُوقَات يقبل المحو وَالْإِثْبَات.
قَالَ عَلَيْهِ الصلاو وَالسَّلَام إِن هما: " أَن الدُّعَاء ينفع بِمَا نزل وَمِمَّا لم ينزل ". أَقُول: الدُّعَاء إِذا عالج مَا لم ينزل اضمحل، وَلم ينْعَقد سَببا لوُجُود الْحَادِثَة فِي الأَرْض، وَإِن عالج النَّازِل ظَهرت رَحْمَة الله هُنَاكَ فِي صُورَة تخفف موجدته وإيناس وحشته.
قَالَ ﷺ :
" من سره أَن يستجيب الله لَهُ عِنْد الشدائد فليكثر الدُّعَاء فِي الرخَاء ". أَقُول: وَذَلِكَ أَن الدُّعَاء لَا يُسْتَجَاب إِلَّا مِمَّن قويت رغبته، وتأكدت عزيمته، وتمرن بذلك قبل أَن يُحِيط بِهِ مَا أحَاط، وَأما رفع الْيَدَيْنِ وَمسح الْوَجْه بهما فتصوير للرغبة، ومظاهرة بَين الْهَيْئَة النفسانية وَمَا يُنَاسِبهَا من الْهَيْئَة الْبَدَنِيَّة وتنبيه للنَّفس على تِلْكَ الْحَال.
قَالَ ﷺ : "
من فتح لَهُ بَاب من الدُّعَاء فتحت لَهُ أَبْوَاب الرَّحْمَة ". أَقُول: من علم كَيفَ يَدْعُو من برغبة ناشئة من صميم قلبه، وَعلم فِي أَي الصُّورَة تظهر
стр. 403
الْإِجَابَة، وتمرن بِصفة الْحُضُور فتح لَهُ بَاب الرَّحْمَة فِي الدُّنْيَا، وَنصر فِي كل داهية، وَإِذا مَاتَ، وأحاطت بِهِ خطيئته، وَغَشيتهُ غاشية من الهيآت الدُّنْيَوِيَّة توجه إِلَى الله توجها حثيثا كَمَا كَانَ تمرن بِهِ، فيستجاب لَهُ وَيخرج نقيا مِنْهَا كَمَا تسل الشعره من الْعَجِين.
وَاعْلَم أَن أقرب الدَّعْوَات من الاستجابة مَا اقْترن بِحَالهِ هِيَ مَظَنَّة نزُول الرَّحْمَة إِمَّا لكَونهَا كَمَا لَا للنَّفس الإنسانية كدعاء عقيب الصَّلَوَات. ودعوة الصَّائِم حِين يفْطر، أَو معدة لَا لاستنزال جود الله كالدعاء يَوْم عَرَفَة، أَو لكَونهَا سَببا لموافقة عناية الله فِي نظام الْعَالم كدعوة الْمَظْلُوم - فَإِن لله عناية بانتقام الظَّالِم - وَهَذَا مُوَافقَة مِنْهُ لتِلْك الْعِنَايَة، وَفِيه " فَإِنَّهُ لَيْسَ بَينهَا وَبَين الله حجاب " أَو سَببا لازورار رَاحَة الدُّنْيَا عَنهُ، فتنقلب رَحْمَة الله فِي حَقه متوجهة فِي صُورَة أُخْرَى كدعاء الْمَرِيض والمبتلى، أَو سَببا لإخلاص الدُّعَاء مثل دُعَاء الْغَائِب لِأَخِيهِ أَو دُعَاء الْوَالِد للْوَلَد، أَو كَانَت فِي سَاعَة تَنْتَشِر فِيهَا الروحانية وتدلى فِيهِ الرَّحْمَة كليلة الْقدر والساعة المرجوة يَوْم الْجُمُعَة، أَو كَانَت فِي مَكَان تحضره الْمَلَائِكَة كمواضع بِمَكَّة أَو تتنبه النَّفس عِنْد الْحُلُول بهَا لحالة الْحُضُور والخضوع كمآثر الْأَنْبِيَاء ﵈.
وَيعلم من مقايسة مَا قُلْنَا سر قَوْله ﷺ : " يُسْتَجَاب للْعَبد مَا لم يدع بإثم أَو قطيعة رحم مَا لم يستعجل ".
قَوْله ﷺ :
" لكل نَبِي دَعْوَة مستجابة، فتعجل كل نَبِي دَعوته، وَإِنِّي اخْتَبَأْت دَعْوَتِي شَفَاعَة لأمتي إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، فَهِيَ نائلة إِن شَاءَ الله من مَاتَ من أمتِي لَا يُشْرك بِاللَّه شَيْئا ". أَقُول: للأنبياء ﵈ دعوات كَثِيرَة مستجابة، وَكَذَا اسْتُجِيبَ لنبينا ﷺ فِي مَوَاطِن كَثِيرَة، لَكِن لكل نَبِي دَعْوَة وَاحِدَة منبجسة من الرَّحْمَة الَّتِي هِيَ مبدأ نبوته، فَإِنَّهَا إِن آمنُوا كَانَت بَرَكَات عَلَيْهِم، وانبجس من قلبه فِي قلب النَّبِي أَن يَدْعُو لَهُم، وَإِن أَعرضُوا صَارَت نقمات عَلَيْهِم، وانبجس فِي قلبه ان يَدْعُو عَلَيْهِم، واستشعر نَبينَا ﷺ أَن أعظم مَقَاصِد بعثته أَن يكون شَفِيعًا للنَّاس، وَاسِطَة لنزول رَحْمَة خَاصَّة يَوْم الْحَشْر فَاخْتَبَأَ دَعوته الْعُظْمَى المنبجسة من أصل نبوته لذَلِك الْيَوْم.
وَقَوله ﷺ : " اللَّهُمَّ إِنِّي اتَّخذت عنْدك عهدا " الخ أَقُول: اقْتَضَت رَحمته ﵊ بأمته وحدبه عَلَيْهِم أَن يقدم عِنْد الله عهدا، ويمثل فِي حَظِيرَة الْقُدس همته لَا يزَال يصدر مِنْهَا أَحْكَامهَا، وَذَلِكَ أَن يعْتَبر فِي
стр. 404
قومه همته الضمنية المكنونة لَا الهمة البارزة، وَذَلِكَ لِأَن قَصده فِي تعزيز الْمُسلمين قولا أَو فعلا إِقَامَة الدّين الَّذِي ارتضى الله لَهُم فيهم، وَأَن يستقيموا، وَيذْهب عَنْهُم اعوجاجهم، وقصده فِي التَّغْلِيظ على الْمقْضِي عَلَيْهِم بالْكفْر مُوَافقَة الْحق فِي غضبة على هَؤُلَاءِ فَاخْتلف المشرعان وَإِن اتّحدت الصُّورَة.
وَمِنْهَا التَّوَكُّل، وروحه. توجه النَّفس إِلَى الله بِوَجْه الِاعْتِمَاد عَلَيْهِ
ورؤية التَّدْبِير مِنْهُ، ومشاهدة النَّاس مقهورين فِي تَدْبيره وَهُوَ مشْهد قَوْله تَعَالَى:
﴿وَهُوَ القاهر فَوق عباده وَيُرْسل عَلَيْكُم حفظَة﴾ .
وَقد سنّ رَسُول الله ﷺ فِيهِ أذكارا، مِنْهَا: لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم، وَفِيه أَنه كنز من كنوز الْجنَّة، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يعد النَّفس لمعْرِفَة جليلة وَمِنْه قَوْله ﷺ :
" بك أصُول وَبِك أَحول " وَمَا ورد على هَذَا الأسلوب، وَمِنْه قَوْله ﵊: "
توكلت على الله " وَقَوله ﵊:
" اعْلَم أَن الله على كل شَيْء قدير وَأَن الله قد أحَاط بِكُل شَيْء علما " وَنَحْو ذَلِك.
وَمِنْهَا الاسْتِغْفَار، وروحه مُلَاحظَة ذنُوبه الَّتِي أحاطت بِنَفسِهِ ونفضها عَنْهَا بمدد روحاني وفيض ملكي، وَله أَسبَاب.
مِنْهَا شُمُول رَحْمَة الله إِيَّاه بِعَمَل يصرف إِلَيْهِ دعوات الْمَلأ الْأَعْلَى، أَو يكون هُوَ فِيهِ جارحة من جوارح التَّدْبِير الإلهي فِي إِظْهَار نافعة للمجهود أَو سد خلة للمحتاج أَو مَا يضاهي ذَلِك.
وَمِنْهَا التَّشَبُّه فِي بِالْمَلَائِكَةِ فِي هيئاتهم ولمعان أنوار الملكية وخمود شرور البهيمية باضمحلال أَجْزَائِهَا وَكسر سورتها.
وَمِنْهَا التطلع إِلَى الجبروت وَمَعْرِفَة الْحق وَالْيَقِين بِهِ، وَهُوَ قَوْله ﷺ : " قَالَ الله تَعَالَى: أعلم عَبدِي أَن لَهُ رَبًّا يغْفر الذَّنب وَيَأْخُذ بِهِ غفرت لعبدي " فَإِذا اسْتعْمل العَبْد هَذِه الأمداد الروحانية فِي نفض ذنُوبه عَن نَفسه اضمحلت عَنْهَا.
وَمن أجمع صِيغ الاسْتِغْفَار: " اللَّهُمَّ أَغفر لي خطيئتي وجهلي، وإسرافي فِي أَمْرِي، وَمَا أَنْت أعلم بِهِ مني، اللَّهُمَّ اغْفِر لي جدي وهزلي، وخطئي، وعمدي، وكل ذَلِك عِنْدِي اللَّهُمَّ اغْفِر لي مَا قدمت، وَمَا أخرت، وَمَا أسررت، وَمَا أعلنت، وَمَا أَنْت أعلم بِهِ مني، أَنْت الْمُقدم، وَأَنت الْمُؤخر، وَأَنت على كل شَيْء قدير " وَسيد الاسْتِغْفَار: اللَّهُمَّ أَنْت رَبِّي لَا إِلَه إِلَّا أَنْت خلقتني، وَأَنا عَبدك، وَأَنا على عَهْدك
стр. 405
وَوَعدك مَا اسْتَطَعْت، أعوذ بك من شَرّ مَا صنعت، أَبُوء لَك بنعمتك عَليّ، وأبوء بذنبي، فَاغْفِر لي فَإِنَّهُ لَا يغْفر الذُّنُوب إِلَّا أَنْت ".
قَالَ ﷺ :
" إِنَّه ليغان على قلبِي، وَإِنِّي لأستغفر الله تَعَالَى فِي الْيَوْم مائَة مرّة " أَقُول: حَقِيقَة هَذَا الْغَيْن أَنه ﷺ مَأْمُور أَن يصبر نَفسه مَعَ عَامَّة الْمُؤمنِينَ فِي هَيْئَة امتزاجية بَين الملكية والبهيمية ليَكُون قدوة للنَّاس فِيمَا سنّ لَهُم على وَجه الذَّوْق والوجدان دون الْقيَاس والتخمين، وَكَانَ من لوازمها الْغَيْن وَالله أعلم.
وَمِنْهَا التَّبَرُّك باسم الله تَعَالَى، وسره أَن الْحق لَهُ تدل فِي كل نشأة وَمن تدليه فِي النشأة الحرفية الْأَسْمَاء الإلهية النَّازِلَة على أَلْسِنَة التراجمه والمتداولة فِي الْمَلأ الْأَعْلَى، فَإِذا توجه العَبْد إِلَيْهِ وجد رَحْمَة الله قريبَة.
قَالَ ﷺ :
" إِن لله تِسْعَة وَتِسْعين اسْما مائَة إِلَّا وَاحِدًا من أحصاها دخل الْجنَّة " أَقُول: من أَسبَاب هَذَا الْفضل أَنَّهَا نِصَاب صَالح لمعْرِفَة مَا يثبت للحق، ويسلب عَنهُ، وَأَن لَهَا بركَة وتمكنها فِي حَظِيرَة الْقُدس، وَأَن صورتهَا إِذا اسْتَقَرَّتْ فِي صحيفَة عمله وَجب أَن يكون انفساحها إِلَى رَحْمَة عَظِيمَة.
وَاعْلَم أَن الِاسْم الْأَعْظَم الَّذِي إِذا سُئِلَ بِهِ أعْطى، وَإِذا دعِي بِهِ أجَاب هُوَ الِاسْم الَّذِي يدل على أجمع تدل من تدليات الْحق، وَالَّذِي تداوله الْمَلأ الْأَعْلَى أَكثر تداول، ونطقت بِهِ التراجمة فِي كل عصر، وَقد ذكرنَا أَن زيدا الشَّاعِر الْكَاتِب لَهُ صُورَة أَنه شَاعِر وَصُورَة أَنه كَاتب، وَكَذَلِكَ للحق تدليات فِي موطن من الْمِثَال وَهَذَا معنى يصدق على أَنْت الله لَا إِلَه إِلَّا أَنْت الْأَحَد الصَّمد الَّذِي لم يلد، وَلم يُولد، وَلم يكن لَهُ كفوا أحد، وعَلى لَك الْحَمد، لَا إِلَه إِلَّا أَنْت الحنان المنان بديع السَّمَوَات وَالْأَرْض يَا ذَا الْجلَال وَالْإِكْرَام، يَا حَيّ يَا قيوم. وَيصدق على أَسمَاء تضاهي ذَلِك.
وَمِنْهَا الصَّلَاة على النَّبِي ﷺ ، قَالَ ﷺ " من صلى عَليّ صَلَاة صلى الله عَلَيْهِ عشرا "، وَقَالَ ﵇:
" إِن أولى النَّاس فِي يَوْم الْقِيَامَة أَكْثَرهم عَليّ صَلَاة ". أَقُول السِّرّ فِي هَذَا أَن النُّفُوس البشرية لَا بُد لَهَا من التَّعَرُّض لنفحات الله وَلَا شَيْء فِي التَّعَرُّض لَهَا كالتوجه إِلَى أنوار التدليات وَإِلَى شَعَائِر الله فِي أرضه والتكفف لَدَيْهَا والامعان فِيهَا وَالْوُقُوف عَلَيْهَا لَا سِيمَا أَرْوَاح المقربين الَّذين هم أفاضل الْمَلأ الْأَعْلَى
стр. 406
ووسائط جود الله على أهل الأَرْض بِالْوَجْهِ الَّذِي سبق ذكره، وَذكر النَّبِي ﷺ بالتعظيم، وَطلب الْخَيْر من الله تَعَالَى فِي حَقه - آلَة صَالِحَة للتوجه إِلَيْهِ مَعَ مَا فِيهِ من سد مدْخل التحريف حَيْثُ لم يذكرهُ إِلَّا بِطَلَب الرَّحْمَة لَهُ من الله تَعَالَى، وأرواح الكمل إِذا فَارَقت أجسادها صَارَت كالموج المكفوف لَا يهزها إِرَادَة متجددة وداعية سانحة، وَلَكِن النُّفُوس الَّتِي هِيَ دونهَا تلتصق مِنْهَا بالهمة فيجلب بهَا نورا وهيئة مُنَاسبَة بالأرواح، وَهِي المكنى عَنهُ بقوله ﵇:
" مَا من أحد يسلم عَليّ إِلَّا رد الله على روحي حَتَّى أرد ﵇ " وَقد شاهدت ذَلِك مَا لَا أحصى فِي مجاورتي الْمَدِينَة سنة ألف وَمِائَة وَأَرْبع وَأَرْبَعين.
قَالَ ﷺ :
" لَا تجْعَلُوا زِيَارَة قَبْرِي عيدا " أَقُول: هَذَا إِشَارَة إِلَى سد مدْخل التحريف كَمَا فعل الْيَهُود وَالنَّصَارَى بقبور أَنْبِيَائهمْ، وجعلوها عيدا وموسما بِمَنْزِلَة الْحَج.
وَاعْلَم أَنه مست الْحَاجة إِلَى تَوْقِيت الْأَذْكَار وَلَو بِوَجْه أسمح من تَوْقِيت النواميس إِذْ لَو لم تؤقت لتساهل المتساهل، وَذَلِكَ إيما بأوقات أَو أَسبَاب، وَقد ذكرنَا تَصْرِيحًا أَو تَلْوِيحًا أَن الْمُخَصّص لبَعض الْأَوْقَات دون بعض، إِمَّا ظُهُور الروحانية فِيهِ كالصباح والمساء، أَو خلو النَّفس عَن الهيئات الرذيلة كحالة التيقظ من النّوم، أَو فراغها من الارتفاقات وَأَحَادِيث الدُّنْيَا ليَكُون كالمصقلة كخالة إِرَادَة النّوم، وَأَن الْمُخَصّص للسببيه أَن يكون سَببا لنسيان ذكر الله وَذُهُول النَّفس عَن الِالْتِفَات تِلْقَاء جناب الله، فَيجب فِي مثل ذَلِك أَن يعالج بِالذكر، ليَكُون ترياقا لسمها وجابرا لخللها، أَو طَاعَة لَا يتم نَفعهَا، وَلَا تكمل فائدتها إِلَّا بمزج ذكر مَعهَا كالأذكار المسنونة فِي الصَّلَوَات، أَو حَالَة تنبه النَّفس على مُلَاحظَة خوف الله وعظيم سُلْطَانه، فَإِن هَذِه الْحَالة سائقة لَهَا إِلَى الْخَيْر من حَيْثُ يدْرِي وَمن حَيْثُ لَا يدْرِي، كأذكار الْآيَات من الرّيح والظلمة والكسوف، أَو حَالَة يخْشَى فِيهَا الضَّرَر، فَيجب أَن يسْأَل الله من فَضله، ويتعوذ مِنْهُ فِي أَولهَا كالسفر وَالرُّكُوب، أَو حَالَة كَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة يسْتَرقونَ فِيهَا لاعتقادات تميل إِلَى اشراك بِاللَّه أَو طيرة أَو نَحْو ذَلِك كَمَا كَانُوا يعوذون بالجن وَعند رُؤْيَة الْهلَال، وَقد بَين النَّبِي ﷺ فَضَائِل هَذِه الْأَذْكَار وآثارها فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة إتماما للفائدة وإكمالا للترغيب.
والعمدة فِي ذَلِك أُمُور:
стр. 407
مِنْهَا كَون الذّكر مَظَنَّة لتهذيب النَّفس، فأدار عَلَيْهِ مَا يَتَرَتَّب على التَّهْذِيب كَقَوْلِه ﷺ :
" من قالهن، ثمَّ مَاتَ مَاتَ على الْفطْرَة " أَو دخل الْجنَّة، أَو غفر لَهُ وَنَحْو ذَلِك
وَمِنْهَا بَيَان أَن صَاحب الذّكر لَا يضرّهُ شَيْء أَو حفظ من كل سوء وَذَلِكَ لشمُول الرَّحْمَة الآلهية وإحاطة دَعْوَة الْمَلَائِكَة بِهِ.
وَمِنْهَا بَيَان محو الذُّنُوب وَكِتَابَة الْحَسَنَات، وَذَلِكَ لما ذكرنَا أَن التَّوَجُّه إِلَى الله والتلفع بغاشية الرَّحْمَة يزِيل الذُّنُوب، ويمد الملكية.
وَمِنْهَا بعد الشَّيَاطِين مِنْهُ لهَذَا السِّرّ بِعَيْنِه.
وَسن رَسُول الله ﷺ الذّكر فِي ثَلَاثَة أَوْقَات عِنْد الصَّباح. والمساء. والمنام. وَإِنَّمَا لم يُوَقت الْيَقَظَة فِي اكثر الْأَذْكَار لِأَنَّهُ هُوَ وَقت طُلُوع الصُّبْح أَو إسفاره غَالِبا.
فَمن أذكار الصَّباح والمساء: اللَّهُمَّ عَالم الْغَيْب وَالشَّهَادَة، فاطر السَّمَوَات وَالْأَرْض، رب كل شَيْء ومليكه، أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا أَنْت، أعوذ بك من شَرّ نَفسِي وَمن شَرّ الشَّيْطَان وشركه أمسينا، وامسى الْملك لله، وَالْحَمْد لله، وَلَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ، لَهُ الْملك، وَله الْحَمد، وَهُوَ على كل شَيْء قدير، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك من خير هَذِه اللَّيْلَة وَخير مَا فِيهَا، وَأَعُوذ بك من شَرها وَشر مَا فِيهَا. اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من الكسل والهرم وَسُوء الْكبر وفتنة الدُّنْيَا وَعَذَاب الْقَبْر، وَفِي الصَّباح يُبدل أمسينا بأصبحنا وامسى بأصبح، وَهَذِه اللَّيْلَة بِهَذَا الْيَوْم، بك أَصْبَحْنَا وَبِك أمسينا، وَبِك نحيا، وَبِك نموت وَإِلَيْك النشور، باسم الله الَّذِي لَا يضر مَعَ اسْم شَيْء فِي الأَرْض وَلَا فِي السَّمَاء، وَهُوَ السَّمِيع الْعَلِيم ثَلَاث مَرَّات سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ، وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه مَا شَاءَ الله كَانَ، وَمَا لم يَشَأْ لم يكن.
اعْلَم أَن الله على كل شَيْء قدير، وَأَن الله قد أحَاط بِكُل شَيْء علما.
﴿فسبحان الله حِين تمسون وَحين تُصبحُونَ وَله الْحَمد فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض وعشيا وَحين تظْهرُونَ - إِلَى - تخرجُونَ﴾ .
اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك الْعَافِيَة فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك الْعَفو والعافية فِي ديني ودنياي واهلي وَمَالِي، اللَّهُمَّ اسْتُرْ عوراتي وآمن روعائي اللَّهُمَّ احفظني من بَين يَدي وَمن خَلْفي، وَعَن يَمِيني وَعَن شمَالي وَمن فَوقِي، وَأَعُوذ بعظمتك أَن اغتال من تحتي، رضيت بِاللَّه رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دينا وَبِمُحَمَّدٍ ﷺ نَبيا - ثَلَاث مَرَّات - أعوذ بِكَلِمَات
стр. 408
الله التامات من شَرّ مَا خلق، اللَّهُمَّ مَا أصبح بِي من نعْمَة أَو بِأحد من خلقك فمنك وَحدك لَا شريك لَك، فلك الْحَمد وَلَك الشُّكْر، وَسيد الاسْتِغْفَار، وَمن أذكار وَقت النّوم إِذا أَوَى إِلَى فرَاشه بِاسْمِك رَبِّي وضعت جَنْبي، وَبِك أرفعه، إِن أَمْسَكت نَفسِي فارحمها، وَإِن أرسلتها فاحفظها بِمَا تحفظ بِهِ عِبَادك الصَّالِحين، واللهم أسلمت نَفسِي إِلَيْك، ووجهت وَجْهي إِلَيْك، وفوضت أَمْرِي إِلَيْك وألجأت ظَهْري إِلَيْك رَغْبَة وَرَهْبَة إِلَيْك لَا ملْجأ وَلَا منجا مِنْك إِلَّا إِلَيْك آمَنت بكتابك، الَّذِي أنزلت، وَنَبِيك الَّذِي أرْسلت الْحَمد الله الَّذِي أطعمنَا، وَسَقَانَا، وكفانا وآوانا، فكم مِمَّن لَا كَافِي لَهُ وَلَا مؤوى لَهُ ويسبح الله ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، ويحمد الله ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَيكبر الله أَرْبعا وَثَلَاثِينَ، اللَّهُمَّ قني عذابك يَوْم تبْعَث عِبَادك ثَلَاثًا، أعوذ بِوَجْهِك
الْكَرِيم وكلماتك التامات من شَرّ مَا أَنْت آخذ بناصيته اللَّهُمَّ أَنْت تكشف المغرم والمأثم، اللَّهُمَّ لَا يهْزم جندك، وَلَا يخلف وَعدك وَلَا ينفع ذَا الْجد مِنْك الْجد سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِك، اللَّهُمَّ رب السَّمَوَات وَالْأَرْض وَرب كل شَيْء فالق الْحبّ والنوى منزل التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَالْقُرْآن أعوذ بك من شَرّ كل ذِي شَرّ أَنْت آخذ بناصيته، أَنْت الأول فَلَيْسَ قبلك شَيْء، وَأَنت الآخر فَلَيْسَ بعْدك شَيْء، وَأَنت الظَّاهِر فَلَيْسَ فَوْقك شَيْء، وَأَنت الْبَاطِن فَلَيْسَ دُونك شَيْء اقْضِ عني الدّين، وأعذني من الْفقر، باسم الله وضعت جَنْبي، اللَّهُمَّ اغْفِر لي ذَنبي واخسأ شيطاني وَفك رهاني، واجعلني فِي الندى الْأَعْلَى الْحَمد لله الَّذِي كفاني، وآواني، وأطعمني، وسقاني، وَالَّذِي من على فأفضل، وَالَّذِي أَعْطَانِي فأجزل الْحَمد لله على كل حَال اللَّهُمَّ رب كل شَيْء ومليكه، وإله كل شَيْء أعوذ بك من النَّار - وَجمع كفيه - فَقَرَأَ فيهمَا
﴿قل هُوَ الله أحد﴾ .
^ و (قل أعوذ بِرَبّ الفلق﴾ .
^ و (قل أعوذ بِرَبّ النَّاس﴾ .
ثمَّ مسح بهما مَا اسْتَطَاعَ من جسده، وَقَرَأَ آيَة الْكُرْسِيّ
وَسن رَسُول الله ﷺ لمن تزوج امْرَأَة أَو اشْترى خَادِمًا اللَّهُمَّ أَنِّي أَسأَلك خَيرهَا وَخير مَا جبلتها عَلَيْهِ،
стр. 409
وَأَعُوذ بك من شَرها وَشر
مَا جبلتها عَلَيْهِ، وَإِذا رفأ إنْسَانا بَارك الله لَك، وَبَارك عَلَيْكُمَا، وَجمع بَيْنكُمَا فِي خير، وَإِذا أَرَادَ أَن يَأْتِي أَهله: باسم الله اللَّهُمَّ جنبنا الشَّيْطَان وجنب الشَّيْطَان مَا رزقتنا، وَلمن أَرَادَ أَن يدْخل الْخَلَاء: أعوذ بِاللَّه من الْخبث والخبائث وللخارج مِنْهُ: غفرانك، وَعند الكرب: لَا إِلَه إِلَّا الله الْحَلِيم الْعَظِيم لَا إِلَه إِلَّا الله رب الْعَرْش الْعَظِيم، لَا إِلَه إِلَّا الله رب السَّمَوَات وَرب الأَرْض وَرب الْعَرْش الْكَرِيم، وَعند الْغَضَب: أعوذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم، وَعند صياح الديكه السُّؤَال من فضل الله، وَعند نهيق الْحمار التَّعَوُّذ، وَإِذا ركب كبر ثَلَاثًا، ثمَّ قَالَ: سُبْحَانَ الَّذِي سخر لنا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقرنين وَإِنَّا إِلَى رَبنَا لمنقلبون، الْحَمد لله (ثَلَاثًا) الله أكبر (ثَلَاثًا) سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ ظلمت نَفسِي، فَاغْفِر لي، إِنَّه لَا يغْفر الذُّنُوب إِلَّا أَنْت، وَإِذا أنشأ سفرا: اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلك فِي سفرنا هَذَا الْبر وَالتَّقوى، وَمن الْعَمَل مَا ترْضى، اللَّهُمَّ هون علينا سفرنا هَذَا واطو لنا بعده.
اللَّهُمَّ أَنْت الصاحب فِي السّفر والخليفة فِي الْأَهْل، اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من وعثاء السّفر وكآبة المنقلب وَسُوء المنظر فِي المَال والأهل، وَإِذا نزل منزلا: أعوذ بِكَلِمَات الله التامات من شَرّ مَا خلق يَا أَرض رَبِّي وَرَبك الله أعوذ بِاللَّه من شرك وَمن شَرّ مَا خلق فِيك وَمن شَرّ مَا يدب عَلَيْك وَأَعُوذ بِاللَّه من أَن أَسد أَو أسود وَمن الْحَيَّة وَالْعَقْرَب وَمن شَرّ سَاكن الْبَلَد وَمن وَالِد
وَمَا ولد، وَإِذا أَسحر فِي سفر: سمع سامع بِحَمْد الله وَحسن بلائه علينا، رَبنَا صاحبنا وَأفضل علينا عائذا بِاللَّه من النَّار،
стр. 410
وَإِذا قفل يكبر على كل شرف من الأَرْض (ثَلَاث) تَكْبِيرَات ثمَّ يَقُول، لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ، لَهُ الْملك، وَله الْحَمد، وَهُوَ على كل شَيْء قدير، آيبون تائبون عَابِدُونَ ساجدون، لربنا حامدون، صدق الله وعده، وَنصر عَبده وَهزمَ الْأَحْزَاب وَحده، وَإِذا دَعَا على الْكَافرين اللَّهُمَّ منزل الْكتاب سريع الْحساب اللَّهُمَّ اهزم الْأَحْزَاب اللَّهُمَّ اهزمهم، وزلزلهم اللَّهُمَّ إِنَّا نجعلك فِي نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم، اللَّهُمَّ أَنْت عضدي ونصيري، بك أصُول، وَبِك أَحول، وَبِك أقَاتل، وَإِذا أضَاف قوما: اللَّهُمَّ بَارك لَهُم فِيمَا رزقتهم واغفر لَهُم وراحمهم، وَإِذا رأى الْهلَال: اللَّهُمَّ أَهله علينا بالأمن وَالْإِيمَان والسلامة وَالْإِسْلَام، رَبِّي وَرَبك الله، وَإِذا رأى مبتلى الْحَمد لله الَّذِي عافاني مِمَّا ابتلاك، بِهِ وفضلني على كثير مِمَّن خلق تَفْضِيلًا، وَإِذا دخل فِي سوق جَامع: لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ، لَهُ الْملك، وَله الْحَمد، يحي، وَيُمِيت وَهُوَ حَيّ لَا يَمُوت، بِيَدِهِ الْخَيْر، وَهُوَ على كل شَيْء قدير، وَإِذا أَرَادَ أَن يقوم من مجْلِس كثر فِيهِ لغطه: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك، أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا أَنْت، استغفرك، وَأَتُوب إِلَيْك، وَإِذا ودع رجلا: استودع الله دينك وأمانتك وَآخر عَمَلك، وزودك الله التَّقْوَى، وَغفر ذَنْبك، وَيسر لَك الْخَيْر حَيْثُمَا كنت، اللَّهُمَّ أطو لَهُ الْبعد، وهون عَلَيْهِ السّفر، وَإِذا خرج من
بَيته باسم الله، توكلت على الله، اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذ بك من أَن نزل، أَو نضل أَو نظلم أَو نجهل، أَو يجهل علينا، باسم الله توكلت على الله، لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه، وَإِذا ولج بَيته: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك خير المولج وَخير الْمخْرج، باسم الله ولجنا وباسم الله خرجنَا، وعَلى الله رَبنَا توكلنا، وَإِذ لَزِمته دُيُون وهموم قَالَ إِذا أصبح وَإِذا أَمْسَى: اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من الْهم
стр. 411
والحزن، وَأَعُوذ بك من الْعَجز والكسل، وَأَعُوذ بك من الْبُخْل والجبن، وَأَعُوذ بك من غَلَبَة الدّين وقهر الرِّجَال، واللهم اكْفِنِي بحلالك عَن حرامك، واغنني بِفَضْلِك عَمَّن سواك، وَإِذا استجد ثوبا: اللَّهُمَّ لَك الْحَمد أَنْت كسوتني هَذَا ويسميه باسمه أَسأَلك خَيره وَخير مَا صنع لَهُ، وَأَعُوذ بك من شَره وَشر مَا صنع لَهُ، الْحَمد الله الَّذِي كساني مَا أواري بِهِ عورتي، وأتجمل بِهِ فِي حَياتِي، وَإِذا أكل أَو شرب: الْحَمد الله الَّذِي أطعمنَا، وَسَقَانَا، وَجَعَلنَا من الْمُسلمين، الْحَمد لله الَّذِي أَطْعمنِي هَذَا الطَّعَام من غير حول مني وَلَا قُوَّة، الْحَمد لله الَّذِي أطْعم، وَسَقَى، وسوغه، وَجعل لَهُ مخرجا، وَإِذا رفع مائدته: الْحَمد لله حمدا كثيرا طيبا مُبَارَكًا فِيهِ غير مكفى وَلَا مُودع وَلَا مُسْتَغْنى عَنهُ رَبنَا، وَإِذا مَشى إِلَى الْمَسْجِد: اللَّهُمَّ اجْعَل فِي قلبِي نورا الخ وَإِذا أَرَادَ أَن يدْخل الْمَسْجِد أعوذ بِاللَّه الْعَظِيم، وبوجهه الْكَرِيم، وسلطانه الْقَدِيم من الشَّيْطَان الرَّجِيم، اللَّهُمَّ افْتَحْ لي أَبْوَاب رحمتك، وَإِذا خرج مِنْهُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك من فضلك، وَإِذا سمع صَوت الرَّعْد وَالصَّوَاعِق: اللَّهُمَّ لَا تَقْتُلنَا بِغَضَبِك، وَلَا تُهْلِكنَا بِعَذَابِك وَعَافنَا قبل ذَلِك، اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من
شَرها، وَإِذا عصفت الرّيح: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك خَيرهَا وخيرما فِيهَا وَمَا أرْسلت بِهِ، وَأَعُوذ بك من شَرها وَشر مَا فِيهَا وَشر مَا أرْسلت بِهِ، وَإِذا عطس: الْحَمد الله حمدا كثيرا طيبا مُبَارَكًا وَليقل صَاحبه: يَرْحَمك الله. وَليقل هُوَ: يهديكم الله، وَيصْلح بالكم، وَإِذا نَام: اللَّهُمَّ بِاسْمِك أَمُوت وَأَحْيَا وَإِذا اسْتَيْقَظَ، الْحَمد الله الَّذِي أَحْيَانًا بعد مَا أماتنا وَإِلَيْهِ النشور.
وَشرع عِنْد الْأَذَان خَمْسَة أَشْيَاء: أَن يَقُول مثل مَا يَقُول الْمُؤَذّن غير حَيّ على الصَّلَاة وَحي على الْفَلاح فَإِنَّهُ يَقُول مَكَانَهُ لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا باالله، وَيَقُول:
стр. 412
رضيت بِاللَّه رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دينا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولا وَيُصلي على النَّبِي ﷺ وَيَقُول: اللَّهُمَّ رب هَذِه الدعْوَة التَّامَّة وَالصَّلَاة الْقَائِمَة آتٍ مُحَمَّد الْوَسِيلَة والفضيلة والدرجة الرفيعة وابعثه مقَاما مَحْمُودًا الَّذِي وعدته إِنَّك لَا تخلف الميعاد، وَيسْأل الله لآخرته ودنياه.
وَأمر فِي عشر ذِي الْحجَّة باكثار الذّكر، وَقد استفاض من الصَّحَابَة. وَالتَّابِعِينَ. وأئمة الْمُجْتَهدين تَكْبِير يَوْم عَرَفَة وَأَيَّام التَّشْرِيق على وُجُوه أقربها أَن يكبر دبر كل صَلَاة من فجر عَرَفَة إِلَى عصر آخر أَيَّام التَّشْرِيق الله أكبر، الله أكبر، لَا إِلَه إِلَّا الله، وَالله أكبر، الله أكبر، وَللَّه الْحَمد، وَقد مر أدعية الصَّلَاة وَغَيرهَا فِيمَا سبق فراجع.
وَبِالْجُمْلَةِ فَمن صَبر نَفسه على هَذِه الْأَذْكَار، وداوم عَلَيْهَا فِي هَذِه الْحَالَات وتدبر فِيهَا كَانَت لَهُ بِمَنْزِلَة الذّكر الدَّائِم وشمله قَوْله تَعَالَى:
﴿والذاكرين الله كثيرا وَالذَّاكِرَات﴾ .
وَالله أعلم.
(بَقِيَّة مبَاحث الاحسان)
اعْلَم أَن لهَذِهِ الْأَخْلَاق الْأَرْبَعَة أسبابا تكتسب بهَا، وموانع تمنع عَنْهَا، وعلامات يعرف تحققها بهَا فالاخبات لله تَعَالَى، والاستشراف تِلْقَاء صقع الْكِبْرِيَاء، والانصباغ بصبغ الْمَلأ الْأَعْلَى، والتجرد عَن الرذائل البشرية، وَعدم قبُول النَّفس نقوش الْحَيَاة الدُّنْيَا، وَعدم اطمئنانها بهَا لَا شَيْء فِي ذَلِك كُله كالتفكر، وَهُوَ قَوْله ﷺ :
" فكر سَاعَة خير من عبَادَة سِتِّينَ سنة " وَهُوَ على أَنْوَاع:
مِنْهَا التفكر فِي ذَات الله تَعَالَى وَقد نهى الْأَنْبِيَاء صلوَات الله عَلَيْهِم عَنهُ فَإِن الْعَامَّة لَا يطيقُونَهُ، وَهُوَ قَوْله ﷺ : " تَفَكَّرُوا فِي آلَاء الله، وَلَا تَفَكَّرُوا فِي الله، ويروى " تَفَكَّرُوا فِي كل شَيْء وَلَا تَفَكَّرُوا فِي ذَات الله " وَمِنْهَا التفكير فِي صِفَات الله تَعَالَى كَالْعلمِ وَالْقُدْرَة وَالرَّحْمَة والاحاطة، وَهُوَ الْمعبر عَنهُ عِنْد أهل السلوك بالمراقبة، وَالْأَصْل فِيهِ قَوْله ﷺ :
" أَن تعبد الله كَأَنَّك ترَاهُ، فَإِن لم تكن ترَاهُ فَإِنَّهُ يراك " وَقَوله ﷺ :
" احفظ الله تَجدهُ تجاهك ".
стр. 413
وَصفته لمن أطَاق ذَلِك أَن يقْرَأ
﴿وَهُوَ مَعكُمْ أَيْن مَا إِنَّمَا كُنْتُم﴾ .
أَو قَوْله تَعَالَى:
﴿وَمَا تكون فِي شَأْن وَمَا تتلو مِنْهُ من قُرْآن وَلَا تَعْمَلُونَ من عمل إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُم شُهُودًا إِذْ تفيضون فِيهِ وَمَا يعزب عَن رَبك من مِثْقَال ذرة فِي الأَرْض وَلَا فِي السَّمَاء وَلَا أَصْغَر من ذَلِك وَلَا أكبر إِلَّا فِي كتاب مُبين﴾ .
أَو قَوْله تَعَالَى:
﴿ألم تَرَ أَن الله يعلم مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الأَرْض وَمَا يكون من نجوى ثَلَاثَة إِلَّا وَهُوَ رابعهم وَلَا خَمْسَة إِلَّا وَهُوَ سادسهم وَلَا أدني من ذَلِك وَلَا أَكثر إِلَّا هُوَ مَعَهم أَيْن مَا كَانُوا﴾ .
أَو قَوْله تَعَالَى:
﴿وَنحن أقرب إِلَيْهِ من حَبل الوريد﴾ .
أَو قَوْله تَعَالَى:
﴿وَعِنْده مَفَاتِيح الْغَيْب لَا يعلمهَا إِلَّا هُوَ وَيعلم مَا فِي الْبر وَالْبَحْر وَمَا تسْقط من ورقة إِلَّا وَيعلمهَا وَلَا حَبَّة فِي ظلمات الأَرْض وَلَا رطب وَلَا يَابِس إِلَّا فِي كتاب مُبين﴾ .
أَو قَوْله تَعَالَى:
﴿أَلا إِنَّه بِكُل شَيْء مُحِيط﴾ .
أَو قَوْله تَعَالَى:
﴿وَهُوَ القاهر فَوق عباده﴾ .
أَو قَوْله تَعَالَى
﴿وَهُوَ على كل شَيْء قدير﴾ .
أَو قَوْله ﷺ :
" اعْلَم أَن الْأمة لَو اجْتمعت على أَن ينفعوك بِشَيْء لم ينفعوك إِلَّا بِشَيْء قد كتبه الله لَك، وَلَو اجْتَمعُوا على أَن يضروك بِشَيْء لم يضروك إِلَّا بِشَيْء قد كتبه الله عَلَيْك، رفعت الأقلام، وجفت الصُّحُف " أَو قَوْله ﷺ :
" إِن لله مائَة رَحْمَة أنزل مِنْهَا وَاحِدَة فِي الأَرْض " الحَدِيث، ثمَّ يتَصَوَّر معنى هَذِه الْآيَات من غير تَشْبِيه وَلَا جِهَة، بل يستحضر اتصافه تَعَالَى بِتِلْكَ الْأَوْصَاف فَقَط، فَإِذا ضعف عَن تصَوره أعَاد الْآيَة وتصورها أَيْضا، وليختر لذَلِك وقتا لَا يكون فِيهِ حاقبا وَلَا حاقنا وَلَا جائعا وَلَا غَضْبَان وَلَا وَسنَان، وَبِالْجُمْلَةِ فارغ الْقلب عَن التشويش.
وَمِنْهَا التفكر فِي أَفعَال الله تَعَالَى الباهرة، وَالْأَصْل فِي قَوْله تَعَالَى:
﴿ويتفكرون فِي خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض رَبنَا مَا خلقت هَذَا بَاطِلا﴾ .
وَصفته أَن يُلَاحظ إِنْزَال الْمَطَر وانبات العشب وَنَحْو ذَلِك، ويستغرق فِي منَّة الله تَعَالَى.
وَمِنْهَا التفكر فِي أَيَّام الله تَعَالَى وَهُوَ تذكر رَفعه قوما وخفضه آخَرين وَالْأَصْل فِي قَوْله تَعَالَى لمُوسَى ﵇:
﴿وَذكرهمْ بأيام الله﴾
فَإِن ذَلِك يَجْعَل النَّفس مُجَرّدَة عَن الدُّنْيَا.
стр. 414
وَمِنْهَا التفكر فِي الْمَوْت وَمَا بعده، وَالْأَصْل فِيهِ قَوْله ﷺ :
" واذْكُرُوا هاذم اللَّذَّات ".
وَصفته أَن يتَصَوَّر انْقِطَاع النَّفس عَن الدُّنْيَا وانفرادها بِمَا اكْتسبت من خير وَشر، وَمَا يرد عَلَيْهَا من المجازاة، وَهَذَانِ القسمان أفيد الْأَشْيَاء لعدم قبُول النَّفس نقوش الدُّنْيَا، فالإنسان إِذا تفرغ من أشغال الدُّنْيَا للفكر الممعن فِي هَذِه الْأَشْيَاء، أحضرها بَين عَيْنَيْهِ انقهرت بهيميته، وغلبت ملكيته وَلما لم يكن سهلا على الْعَامَّة أَن يتفرغوا للفكر الممعن وإحضارها بَين أَعينهم وَجب أَن يَجْعَل أشباح يعبي فِيهَا أَنْوَاع الْفِكر، وهيا كل ينْفخ فِيهَا روحها ليقصدها الْعَامَّة ويتلى عَلَيْهِم، ويستفيدوا حَسْبَمَا قدر لَهُم، وَقد أُوتى النَّبِي ﷺ وَالْقُرْآن جَامعا لهَذِهِ الْأَنْوَاع وَمثله مَعَه.
وَأرى أَنه جمع لَهُ ﷺ فِي هذَيْن جَمِيع مَا كَانَ لَهُ فِي الْأُمَم السَّابِقَة وَالله أعلم، فاقتضت الْحِكْمَة أَن يرغب فِي تِلَاوَة الْقُرْآن، وَيبين فَضلهَا وَفضل سوره وآيات مِنْهُ، فَشبه النَّبِي ﷺ الْفَائِدَة
المعنوية الْحَاصِلَة من الْآيَة بفائدة محسوسة لَا أَنْفَع مِنْهَا عِنْد الْعَرَب وَهِي - نَاقَة كوماء وخلفة سَمِينَة - تصويرا للمعنى وتمثيلا لَهُ، وَشبه صَاحبهَا بِالْمَلَائِكَةِ، وَأخْبر بأجرها بِكُل حرف، وَبَين دَرَجَات النَّاس بِمَا ضرب من قبل بِمثل الاترجة وَالتَّمْرَة والحنظلة وَالريحَان، وَبَين أَن سور الْقُرْآن تتمثل يَوْم الْقِيَامَة أجسادا ترى، وتلمس، فتحاج عَن أَصْحَابهَا، وَذَلِكَ انكشاف لتعارض أَسبَاب عَذَابه ونجاته ورجحان تِلَاوَة الْقُرْآن على الْأَسْبَاب الْأُخْرَى، وَبَين أَن السُّور فِيمَا بَينهَا تتفاضل.
أَقُول: وَإِنَّمَا تتفاضل لمعان: مِنْهَا إفادتها التفكر فِي صِفَات الله، وَكَونهَا أجمع شَيْء فِيهِ كآية الْكُرْسِيّ وَآخر الْحَشْر و ﴿قل هُوَ الله أحد﴾ بِمَنْزِلَة الِاسْم الْأَعْظَم من بَين الْأَسْمَاء.
وَمِنْهَا أَن يكون
стр. 415
نُزُولهَا على أَلْسِنَة الْعباد، ليعلموا كَيفَ يتقربوا إِلَى رَبهم كالفاتحة، ونسبته من السُّور كنسبة الْفَرَائِض من الْعِبَادَات.
وَمِنْهَا أَنَّهَا أجمع السُّور كالزهراوين، وَقَالَ رَسُول الله ﷺ فِي يس:
" إِنَّه قلب الْقُرْآن " لِأَن الْقلب يُومِئ إِلَى التَّوَسُّط، وَهَذِه من المثاني دون المئين فَمَا فَوْقهَا، وَفَوق الْمفصل، وفيهَا آيَات التَّوَكُّل والتفويض، والتوحيد على لِسَان مُحدث أنطاكية.
﴿وَمَا لي لَا أعبد الَّذِي فطرني﴾ الْآيَات.
وفيهَا الْفُنُون الْمَذْكُورَة تَامَّة كَامِلَة، وَفِي تبَارك الَّذِي شفعت لرجل حَتَّى غفر لَهُ وَهَذِه قصَّة رجل رَآهُ النَّبِي ﷺ فِي بعض مكاشفاته، وَأَن يرغب فِي تعاهده واستذكاره وَيضْرب لَهُ مثل تفصى الْإِبِل وَفِي الترتيل بِهِ وتلاوته عِنْد ائتلاف الْقُلُوب وَجمع الخاطر ووفور النشاط ليَكُون أقرب إِلَى التدبر وَحسن الصَّوْت بِهِ والبكاء والتباكي عِنْده تَقْرِيبًا من المُرَاد وَهُوَ التفكر؛ وَيحرم نسيانه، وَينْهى عَن خَتمه فِي أقل من ثَلَاث لِأَنَّهُ لَا يفقه مَعْنَاهُ حِينَئِذٍ، وَجَاءَت الرُّخْصَة فِي قراءاته على لُغَات الْعَرَب تسهيلا عَلَيْهِم لِأَن فيهم الْأُمِّي وَالشَّيْخ الْكَبِير وَالصَّبِيّ.
وَمِمَّا أُوتِيَ ﷺ من فِي غير الْقُرْآن عَنهُ " يَا عبَادي إِنِّي حرمت الظُّلم على نَفسِي، وَجَعَلته بَيْنكُم محرما، فَلَا تظالموا، يَا عبَادي كلكُمْ ضال إِلَّا من هديته " الحَدِيث " كَانَ فِي بني إِسْرَائِيل رجل قتل تسع وَتِسْعين إنْسَانا " الحَدِيث " لله أَشد فَرحا بتوبة عَبده " الحَدِيث " إِن عبدا أذْنب ذَنبا " الحَدِيث " إِن لله مائَة رَحْمَة أنزل مِنْهَا وَاحِدَة " الحَدِيث " إِذا أسلم العَبْد فَحسن إِسْلَامه " الحَدِيث، وَأَحَادِيث تَشْبِيه الدُّنْيَا بِمَا يلْحق الْأصْبع من اليم وبجدى أسك ميت
стр. 416
وَاعْلَم أَن النِّيَّة روح، وَالْعِبَادَة جَسَد، وَلَا حَيَاة للجسد بِدُونِ روح، وَالروح لَهَا حَيَاة بعد مُفَارقَة الْبدن، وَلَكِن لَا يظْهر آثَار الْحَيَاة كَامِلَة بِدُونِهِ، وَلذَلِك قَالَ الله تَعَالَى:
﴿لن ينَال الله لحومها وَلَا دماؤها وَلَكِن يَنَالهُ التَّقْوَى مِنْكُم﴾ .
وَقَالَ رَسُول ﷺ :
" إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ " وَشبه النَّبِي ﷺ فِي كثير من الْمَوَاضِع من صدقت نِيَّته - وَلم يتَمَكَّن من الْعَمَل لمَانع - بِمن عمل ذَلِك الْعَمَل كالمسافر وَالْمَرِيض لَا يستطيعان وردا واظبا عَلَيْهِ؛ فَيكْتب لَهما وكصادق الْعَزْم فِي الانفاق، وَهُوَ مملق يكْتب كَأَنَّهُ أنْفق وأعني بِالنِّيَّةِ الْمَعْنى الْبَاعِث على الْعَمَل من التَّصْدِيق بِمَا أخبر بِهِ الله على أَلْسِنَة الرُّسُل من ثَوَاب الْمُطِيع وعقاب العَاصِي، أَو حب امْتِثَال حكم الله فِيمَا أَمر، وَنهى، وَلذَلِك وَجب أَن ينْهَى الشَّارِع عَن الرِّيَاء والسمعة، وَيبين مساويهما أصرح مَا يكون، فَمن ذَلِك قَوْله ﷺ :
" إِن أول النَّاس يقْضى عَلَيْهِم يَوْم الْقِيَامَة ثَلَاثَة: رجل قتل فِي الْجِهَاد ليقال لَهُ: وَهُوَ رجل جريء، وَرجل تعلم الْعلم وَعلمه ليقال: هُوَ عَالم. وَرجل أنْفق فِي وُجُوه الْخَيْر ليقال هُوَ جواد، فَيُؤْمَر بهم، فيسحبون على وُجُوههم إِلَى النَّار "، قَوْله ﷺ عَن الله تَعَالَى: " أَنا أغْنى الشُّرَكَاء عَن الشّرك، من عمل عملا أشرك فِيهِ غَيْرِي تركته وشركه ".
أما حَدِيث أبي ذَر ﵁ " قيل: يَا رَسُول الله أَرَأَيْت الرجل يعْمل الْعَمَل من الْخَيْر وَيَحْمَدهُ النَّاس عَلَيْهِ؟ قَالَ: تِلْكَ عَاجل بشرى الْمُؤمن " فَمَعْنَاه أَن يعْمل الْعَمَل لَا يقْصد بِهِ إِلَّا وَجه الله، فَينزل الْقبُول
إِلَى الأَرْض، فَيُحِبهُ النَّاس، وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ " قلت: يَا رَسُول الله بَينا أَنا فِي بَيْتِي فِي مصلاي إِذْ دخل عَليّ رجل، فأعجبتني الْحَال الَّتِي رَآنِي عَلَيْهَا، قَالَ: رَحِمك الله يَا أَبَا هُرَيْرَة، لَك أَجْرَانِ، أجر السِّرّ، ووأجر الْعَلَانِيَة " ممعناه أَن يكون الْإِعْجَاب مَغْلُوبًا لَا يبْعَث بِمُجَرَّدِهِ على الْعَمَل، و" أجر السِّرّ " أجر الاخلاص الَّذِي يتَحَقَّق فِي السِّرّ، و" أجر الْعَلَانِيَة " أجر إعلاء دين الله وإشاعة السّنة الراشدة.
قَالَ رَسُول الله ﷺ :
" خياركم أحاسنكم أَخْلَاقًا " اقول: لما كَانَ بَين السماحة وَالْعَدَالَة نوع من التَّعَارُض كَمَا نبهنا عَلَيْهِ، وَكَانَ بِنَاء عُلُوم الْأَنْبِيَاء ﵈ على رِعَايَة المصلحتين وَإِقَامَة نظام الدَّاريْنِ، وَأَن يجمع بَين الْمصَالح مَا أمكن وَجب أَلا يعين فِي النواميس للسماحة إِلَّا أَشْيَاء تشتبك مَعَ الْعَدَالَة، وتؤيدها وتنبه عَلَيْهَا، فَنزل الْأَمر إِلَى حسن الْخلق وَهُوَ عبارَة عَن مَجْمُوع أُمُور من بَاب السماحة وَالْعَدَالَة، فَإِنَّهُ يتَنَاوَل الْجُود وَالْعَفو عَمَّن ظلم والتواضع وَترك الْحَسَد والحقد وَالْغَضَب، وكل ذَلِك من السماحة، ويتناول التودد إِلَى النَّاس وصلَة الرَّحِم وَحسن الصُّحْبَة مَعَ النَّاس ومواساة المحاويج، وَهِي من بَاب الْعَدَالَة، والفصل الأول يعْتَمد على الثَّانِي، وَالثَّانِي لَا يتم إِلَّا بِالْأولِ، وَذَلِكَ فِي الرَّحْمَة المرعية من النواميس الإلهية.
стр. 417
وَلما كَانَ اللِّسَان أسبق الْجَوَارِح إِلَى الْخَيْر وَالشَّر، وَهُوَ قَوْله ﷺ : " وَهل يكب النَّاس على مناخرهم إِلَّا حصائد ألسنتهم "، وَأَيْضًا فَإِن آفاته تخل الإخبات وَالْعَدَالَة والسماحة جَمِيعًا لِأَن إكثار الْكَلَام ينسي ذكر الله، والغيبة وَالْبذَاء وَنَحْوهمَا تفْسد ذَات الْبَين، وَالْقلب ينصبغ بصبغ مَا يتَكَلَّم بِهِ فَإِذا ذكر كلمة الْغَضَب لَا بُد أَن ينصبغ الْقلب بِالْغَضَبِ وعَلى هَذَا الْقيَاس، والانصباغ يُفْضِي إِلَى التشبح - يجب أَن يبْحَث الشَّرْع عَن آفَات اللِّسَان أَكثر من آفَات غَيره، وآفات اللِّسَان على أَنْوَاع:
مِنْهَا أَن يَخُوض فِي كل وَاد فتجتمع فِي الْحس الْمُشْتَرك صور تِلْكَ الْأَشْيَاء،
فَإِذا توجه إِلَى الله لم يجد حلاوة الذّكر، وَلم يسْتَطع تدبر الْأَذْكَار، وَلِهَذَا الْمَعْنى نهى عَمَّا لَا يعْنى.
وَمِنْهَا أَن يثير فتْنَة بَين النَّاس كالغيبة والجدال والمراء.
وَمِنْهَا أَن يكون مُقْتَضى تفشى النَّفس بغاشية عَظِيمَة من السبعية والشهوية كالشتم وَذكر محَاسِن النِّسَاء.
وَمِنْهَا أَن يكون سَبَب حُدُوثه نِسْيَان جلال الله والغفلة عَمَّا عِنْد الله كَقَوْلِه للْملك: ملك الْمُلُوك.
وَمِنْهَا أَن يكون مناقضا لمصَالح الْملَّة بِأَن يكون مرغبا لما أمرت الْملَّة بهجره كمدح الْخمر وَتَسْمِيَة الْعِنَب كرما أَو يعجم كتاب الله كتسمية الْمغرب عشَاء وَالْعشَاء عتمة.
وَمِنْهَا أَن يكون كَامِلا شنيعا مثلا كَمثل الْأَفْعَال الشنيعة المنسوبة إِلَى الشَّيَاطِين كالفحش وَذكر الْجِمَاع والأعضاء المستورة بِصَرِيح مَا وضع لَهَا، وكذكر مَا يتطير بِهِ كَقَوْلِه: لَيْسَ بِالدَّار نجاح وَلَا يسَار.
ثمَّ لَا بُد من بَيَان مَا كثر وُقُوعه من مظان السماحة وتميز مَا اعْتَبرهُ الشَّرْع بِمَا لم يعتبره، فَمِنْهَا الزّهْد فَإِن النَّفس رُبمَا تميل إِلَى شَره الطَّعَام واللباس وَالنِّسَاء حَتَّى تكتسب من ذَلِك لونا فَاسِدا يدْخل فِي جوهرها، فَإِذا نفضه الْإِنْسَان عَن نَفسه فَذَلِك الزّهْد فِي الدُّنْيَا، وَلَيْسَ ترك هَذِه الْأَشْيَاء مَطْلُوبا بِعَيْنِه بل إِنَّمَا يطْلب تَحْقِيقا لهَذِهِ الْخصْلَة، وَلذَلِك
стр. 418
قَالَ النَّبِي ﷺ :
" الزهادة فِي الدُّنْيَا لَيست بِتَحْرِيم الْحَلَال وَلَا إِضَاعَة المَال وَلَكِن
الزهادة فِي الدُّنْيَا أَلا تكون بِمَا فِي يَديك أوثق مِمَّا فِي يَدي الله وَأَن تكون فِي ثَوَاب الْمُصِيبَة إِذا أَنْت أصبت بهَا أَرغب فِيهَا لَو أَنَّهَا أبقيت لَك " وَقَالَ: " لَيْسَ لِابْنِ آدم حق فِي سوى هَذِه الْخِصَال بَيت يسكنهُ وثوب يواري عَوْرَته وجلف الْخبز وَالْمَاء ".
وَقَالَ: " بِحَسب ابْن آدم لقيمات يقمن صلبه " وَقَالَ: " طَعَام الِاثْنَيْنِ كَافِي الثَّلَاثَة، وَطَعَام الثَّلَاثَة كَافِي الْأَرْبَعَة " يَعْنِي أَن الطَّعَام الَّذِي يشْبع الِاثْنَيْنِ كل الإشباع إِذا أكله ثَلَاثَة كاهم على التَّوَسُّط، يُرِيد التَّرْغِيب فِي الْمُوَاسَاة وكراهية شَره الشِّبَع.
وَمِنْهَا القناعة وَذَلِكَ أَن الْحِرْص على المَال رُبمَا يغلب على النَّفس حَتَّى يدْخل فِي جوهرها، فَإِذا نفضه من قلبه، وَسَهل عَلَيْهِ تَركه فَذَلِك القناعة، وَلَيْسَت القانعة ترك مَا رزقه الله تَعَالَى من غير إشراف النَّفس، قَالَ النَّبِي ﷺ :
" لَيْسَ الْغنى عَن كَثْرَة الْعرض وَلَكِن الْغنى غنى النَّفس " وَقَالَ: " يَا حَكِيم إِن هَذَا المَال خضر حُلْو فَمن أَخذه بسخاوة نفس بورك لَهُ فِيهِ، وَمن أَخذه بإشراف نفس لم يُبَارك لَهُ فِيهِ، وَكَانَ كَالَّذي ياكل، وَلَا يشْبع، وَالْيَد الْعليا خيرا من الْيَد السُّفْلى " وَقَالَ ﵇: " إِذا جَاءَك من هَذَا المَال شَيْء وَأَنت غير مشرف وَلَا سَائل فَخذه؛ فتموله، وَمَا لَا فَلَا تتبعه نَفسك ".
وَمِنْهَا الْجُود وَذَلِكَ لِأَن حب المَال وَحب إِمْسَاكه رُبمَا يملك الْقلب، ويحيط بِهِ من جوانبه، فَإِذا قدر على إِنْفَاقه وَلم يجد لَهُ بَالا فَهُوَ الْجُود، وَلَيْسَ الْجُود إِضَاعَة المَال، وَلَيْسَ المَال مغيضا لعَينه؛ فَإِنَّهُ نعْمَة كَبِيرَة، قَالَ
ﷺ : " اتَّقوا الشُّح فَإِن الشُّح أهلك من قبلكُمْ حملهمْ على أَن سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ، وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمهمْ "، وَقَالَ ﵊:
" لَا حسد إِلَّا فِي اثْنَيْنِ " الحَدِيث، " وَقيل: أَو يَأْتِي الْخَيْر بِالشَّرِّ؟ فَقَالَ: إِنَّه لَا يَأْتِي الْخَيْر بِالشَّرِّ، وَإِنَّمَا مِمَّا ينْبت الرّبيع مَا يقتل حَبطًا أَو يلم " وَقَالَ ﷺ :
" من كَانَ مَعَه فضل
стр. 419
ظهر فليعد بِهِ على من لَا ظهر لَهُ، وَمن كَانَ لَهُ فضل زَاد فليعد بِهِ على من لَا زَاد لَهُ، فَذكر من أَصْنَاف المَال حَتَّى رَأينَا أَنه لَا حق لأحد منا فِي فضل " وَإِنَّمَا رغب فِي ذَلِك أَشد التَّرْغِيب لأَنهم كَانُوا فِي الْجِهَاد، وَكَانَت بِالْمُسْلِمين حَاجَة، وَاجْتمعَ فِيهِ السماحة وَإِقَامَة نظام الْملَّة وإبقاء مهج الْمُسلمين.
وَمِنْهَا قصر الأمل وَذَلِكَ لِأَن الْإِنْسَان يغلب عَلَيْهِ حب الْحَيَاة حَتَّى يكره ذكر الْمَوْت، وَحَتَّى يَرْجُو من طول الْحَيَاة شَيْئا لَا يبلغهُ. فَإِن مَاتَ فِي هَذِه الْحَالة عذب بنزوعه إِلَى مَا اشتاق إِلَيْهِ، وَلَا يجده، وَلَيْسَ الْعُمر فِي نَفسه مبغضا، بل هُوَ نعْمَة عَظِيمَة، قَالَ رَسُول الله ﷺ :
" كن فِي الدُّنْيَا كَأَنَّك غَرِيب أَو عَابِر سَبِيل، وَخط خطا مربعًا، وَخط فِي الْوسط خَارِجا مِنْهُ، وَخط خططا صغَارًا إِلَى هَذَا الَّذِي فِي الْوسط
من جَانِبه الَّذِي فِي الْوسط فَقَالَ: هَذَا الْإِنْسَان، وَهَذَا أَجله مُحِيط بِهِ، وَهَذَا الَّذِي هُوَ خَارج أمله، وَهَذَا الخطط الصغار الْأَعْرَاض فَإِن أخطأه هَذَا نهسه هَذَا، وَإِن أخطأه هَذَا نهسه هَذَا "، وَقد عالج النَّبِي ﷺ ذَلِك بِذكر هاذم اللَّذَّات وزيارة الْقُبُور وَالِاعْتِبَار بِمَوْت الأقران، وَقَالَ ﷺ "
لَا يتمنين أحدكُم الْمَوْت، وَلَا يدع بِهِ قبل أَن يَأْته إِنَّه إِذا مَاتَ انْقَطع عمله ".
وَمِنْهَا التَّوَاضُع وَهُوَ أَلا تتبع النَّفس دَاعِيَة الْكبر والاعجاب حَتَّى يزدري بِالنَّاسِ، فَإِن ذَلِك يفْسد نَفسه، ويثير على ظلم النَّاس والازدراء، قَالَ ﷺ :
" لَا يدْخل الْجنَّة من كَانَ فِي قلبه مِثْقَال ذرة من كبر، فَقَالَ الرجل: أَن الرجل يحب أَن يكون ثَوْبه حَسَنَة، وَنَعله حسنا، فَقَالَ إِن الله جميل يحب الْجمال، وَالْكبر بطر الْحق وغمط النَّاس " وَقَالَ
стр. 420
عَلَيْهِ السَّلَام: "
أَلا أخْبركُم بِأَهْل النَّار، كل عتل مستكبر " وَقَالَ ﵇:
" بَيْنَمَا رجل يمشي فِي حلَّة، تعجبه نَفسه، مرجل بِرَأْسِهِ، يختال فِي مَشْيه إِذا خسف الله بِهِ، فَهُوَ يتجلجل فِي الأَرْض إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ".
وَمِنْهَا الْحلم والأناة والرفق، وحاصلها أَلا يتبع دَاعِيَة الْغَضَب حَتَّى يرْوى، وَيرى فِي مصلحَة، وَلَيْسَ الْغَضَب مذموما فِي جَمِيع الْأَحْوَال قَالَ ﷺ :
" من يحرم الرِّفْق يحرم الْخَيْر كُله " وَقَالَ رجل للنَّبِي
ﷺ : " أوصني قَالَ: لَا تغْضب، فردد مرَارًا، فَقَالَ: لَا تغْضب "، وَقَالَ ﷺ :
" أَلا أخْبركُم بِمن يحرم على النَّار؟ كل قريب هَين لين سهل " وَقَالَ ﵇:
" لَيْسَ الشَّديد بالصرعة إِنَّمَا الشَّديد الَّذِي يملك نَفسه عِنْد الْغَضَب ".
وَمِنْهَا الصَّبْر، وَهُوَ عدم انقياد النَّفس لداعية الدعة والهلع. والشهوة. والبطر. وَإِظْهَار السِّرّ. وصرم الْمَوَدَّة وَغير ذَلِك. فيسمى باسام حسب تِلْكَ الداعية، وَقَالَ الله تَعَالَى:
﴿إِنَّمَا يُوفى الصَّابِرُونَ أجرهم بِغَيْر حِسَاب﴾ .
وَقَالَ ﷺ :
" وَمَا أُوتِيَ أحد عَطاء أفضل وأوسع من الصَّبْر " وَقد أَمر النَّبِي ﷺ بمظان الْعَدَالَة، وَنبهَ على مُعظم أَبْوَابهَا، وَبَين محَاسِن الرَّحْمَة بِخلق الله، وَرغب فِيهَا، وَذكر أقسامها من تألف أهل الْمنزل ومعاشرة أهل الْحَيّ وَأهل الْمَدِينَة وتوفير عُظَمَاء الْملَّة وتنزيل كل وَاحِد منزلَة.
وَنَذْكُر من ذَلِك أَحَادِيث تكون أنموذجا لهَذَا الْبَاب؛ قَالَ ﷺ :
" اتَّقوا الظُّلم فَإِن الظُّلم ظلمات يَوْم الْقِيَامَة " وَقَالَ ﵇: " إِن الله حرم عَلَيْكُم دماءكم وَأَمْوَالكُمْ كَحُرْمَةِ يومكم هَذَا فِي بلدكم هَذَا " " الْمُسلم من سلم الْمُسلمُونَ من لِسَانه وَيَده " " وَالله لَا يَأْخُذ أحدكُم شَيْئا بِغَيْر حَقه إِلَّا لَقِي الله يحملهُ يَوْم الْقِيَامَة فَلَا عرفن أحدا مِنْكُم لَقِي الله يحمل بَعِيرًا لَهُ رُغَاء. أَو بقرة لَهَا خوار أَو شَاة تَيْعر " وَقَالَ: " من ظلم قيد شبر من الأَرْض
طوقه من سبع أَرضين " وَقد ذكر سره فِي الزَّكَاة، " وَالْمُؤمن لِلْمُؤمنِ كالبنيان يشد بعضه بَعْضًا " "
стр. 421
وَمثل الْمُؤمنِينَ فِي توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الْجَسَد، إِذا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْو تداعى لَهُ سَائِر الْجَسَد بالسهر والحمى " " من لَا يرحم النَّاس لَا يرحمه الله " " الْمُسلم أَخُو الْمُسلم لَا يَظْلمه، وَلَا يُسلمهُ " " من كَانَ فِي حَاجَة أَخِيه كَانَ الله فِي حَاجته وَمن فرج عَن مُسلم كربَة فرج الله عَنهُ بهَا كربَة من كرب يَوْم الْقِيَامَة، وَمن ستر مُسلما ستره الله يَوْم الْقِيَامَة، اشفعوا تؤجروا، وَيَقْضِي الله على لِسَان نبيه مَا يحب " وَقَالَ: " تعدل بَين اثْنَيْنِ صَدَقَة، وَتعين الرجل فِي دَابَّته، فتحمله، أَو ترفع لَهُ مَتَاعه صَدَقَة، والكلمة الطّيبَة صَدَقَة " وَقَالَ فِي ضعفاء الْمُهَاجِرين: " لَئِن كنت أغضبتهم فقد أغضبت رَبك " وَقَالَ: " أَنا وكافل الْيَتِيم فِي الْجنَّة هَكَذَا، وَأَشَارَ بالسبابة وَالْوُسْطَى " " السَّاعِي على الأرملة والمسكين كالمجاهد فِي سَبِيل الله " من ابْتُلِيَ من هَذِه الْبَنَات بِشَيْء فَأحْسن إلَيْهِنَّ كن لَهُ سترا من النَّار " " اسْتَوْصُوا بِالنسَاء، فَإِن الْمَرْأَة خلقت من ضلع، وَأَن أَعْوَج مَا فِي الضلع أَعْلَاهُ، فَإِن ذهبت تُقِيمهُ كَسرته "؛
وَقَالَ فِي حق الزَّوْجَة: " أَن تطعمها إِذا طعمت، وتكسوها إِذا اكتسيت وَلَا تضرب الْوَجْه، وَلَا تقبح وَلَا تهجر إِلَّا فِي الْبَيْت " " إِذا دَعَا الرجل امْرَأَته إِلَى الْفراش، فَلم تأته، فَبَاتَ غَضْبَان عَلَيْهَا لعنتها الْمَلَائِكَة حَتَّى تصبح " " لَا يحل لامْرَأَة أَن تَصُوم وَزوجهَا شَاهد إِلَّا بأذنه، وَلَا تَأذن فِي بَيته إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَلَو كنت أمرا أحدا أَن يسْجد لأحد لأمرت الْمَرْأَة أَن تسْجد لزَوجهَا " " أَيّمَا امْرَأَة مَاتَت، وَزوجهَا عَنْهَا رَاض دخلت الْجنَّة " " دِينَار أنفقته فِي سَبِيل الله ودينار أنفقته فِي رَقَبَة، ودينار أنفقهُ على مِسْكين، ودينار أنفقته على أهلك، وَأَعْظَمهَا أجرا الَّذِي أنفقته على أهلك " إِذا أنْفق
الرجل على أَهله نَفَقَة يحتسبها فَهُوَ لَهُ صَدَقَة " "
стр. 422
مَا زَالَ جِبْرِيل يوصيني بالجار حَتَّى ظَنَنْت أَنه سيورثه " " يَا أَبَا ذَر إِذا طبخت مرقا فَأكْثر ماءها، وتعاهد جيرانك " " من كَانَ يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر فَلَا يُؤْذِي جَاره " " وَالله لَا يُؤمن الَّذِي لَا يَأْمَن جَاره بوائقه " قَالَ الله تَعَالَى للرحم: " أَلا ترْضينَ أَن أصل من وصلك وأقطع من قَطعك " " من أحب أَن يبسط لَهُ فِي رزقه، وينسأ فِي أَثَره فَليصل رَحمَه " " من الْكَبَائِر عقوق الْوَالِدين " وَمن البائر شتم الرجل وَالِديهِ، يسب أَبَا الرجل، فيسب أَبَاهُ، ويسب أمه، فيسب أمه " " سُئِلَ هَل بقى من بر أَبَوي شَيْء أبرهما بِهِ بعد مَوْتهمَا فَقَالَ نعم: الصَّلَاة عَلَيْهِمَا، وَالِاسْتِغْفَار لَهما وإنفاذ عهدهما من بعدهمَا، وصلَة الرَّحِم الَّتِي لَا توصل إِلَّا بهما، وإكرام صديقهما " " وَإِن من إجلال الله إكرام ذِي الشيبة الْمُسلم، وحامل الْقُرْآن غير الغالي فِيهِ والجافي عَنهُ، وإكرام ذِي السُّلْطَان المقسط " " لَيْسَ منا من لم يرحم صَغِيرنَا، وَلم يعرف شرف كَبِيرنَا " " أنزلوا النَّاس مَنَازِلهمْ " " من عَاد مَرِيضا أَو زار أَخا لَهُ فِي الله ناداه مُنَاد بِأَن طبت، وطاب ممشاك، وبوئت من الْجنَّة منزلا " فَهَذِهِ الأحايث وأمثالها كلهَا تنبه على خلق الْعَدَالَة وَحسن الْمُشَاركَة.
(المقامات وَالْأَحْوَال)
اعْلَم أَن للإحسان ثَمَرَات تحصل بعد حُصُوله، وَهِي المقامات وَالْأَحْوَال، وَشرح الْأَحَادِيث الْمُتَعَلّقَة بِهَذَا الْبَاب يتَوَقَّف على تمهيد مقدمتين: الأولى فِي إِثْبَات الْعقل، وَالْقلب، وَالنَّفس، وَبَيَان حقائقها، وَالثَّانيَِة فِي بَيَان كَيْفيَّة تولد المقامات وَالْأَحْوَال مِنْهَا.
стр. 423
الْمُقدمَة الأولى أعلم أَن فِي الْإِنْسَان ثَلَاث لطائف تسمى بِالْعقلِ، وَالْقلب، وَالنَّفس، دلّ على ذَلِك النَّقْل، وَالْعقل، والتجربة، واتفاق الْعُقَلَاء.
أما النَّقْل فقد ورد فِي الْقُرْآن الْعَظِيم:
﴿إِن فِي ذَلِك لآيَات لقوم يعْقلُونَ﴾ .
وَورد حِكَايَة عَن أهل النَّار:
﴿لَو كُنَّا نسْمع أَو نعقل مَا كُنَّا من أَصْحَاب السعير﴾ .
وَورد فِي الحَدِيث:
" أول مَا خلق الله تَعَالَى الْعقل وَقَالَ لَهُ: أقبل فَأقبل، وَقَالَ: أدبر فَأَدْبَرَ، فَقَالَ: بك أؤاخذ "، وَقَالَ ﷺ :
" دين الْمَرْء عقله، وَمن لَا عقل لَهُ لَا دين لَهُ " وَقَالَ:
" أَفْلح من رزق لبا " وَهَذِه الْأَحَادِيث أَن كَانَ لأهل الحَدِيث فِي ثُبُوتهَا مقَال فَإِن لَهَا أَسَانِيد يُقَوي بَعْضهَا بَعْضًا، وَورد فِي الْقُرْآن الْعَظِيم:
﴿وَاعْلَمُوا أَن الله يحول بَين الْمَرْء وَقَلبه﴾ .
وَورد:
﴿إِن فِي ذَلِك لذكرى لمن كَانَ لَهُ قلب أَو ألْقى السّمع وَهُوَ شَهِيد﴾ .
وَفِي الحَدِيث
" أَلا أَن فِي الْجَسَد مُضْغَة إِذا صلحت صلح الْجَسَد وَإِذا فَسدتْ فسد الْجَسَد أَلا وَهِي الْقلب " وَورد " مثل الْقلب كريشة فِي فلاة تقلبها الرِّيَاح ظهرا لبطن " وَورد فِي الحَدِيث " النَّفس تتمنى وتشتهي والفرج يصدق ذَلِك ويكذبه ".
وَيعلم من تتبع مَوَاضِع الِاسْتِعْمَال أَن الْعقل هُوَ الشَّيْء الَّذِي يدْرك بِهِ الْإِنْسَان مَا لَا يدْرك بالحواس، وَأَن الْقلب هُوَ الشَّيْء الَّذِي بِهِ يحب الْإِنْسَان، وَيبغض، ويختار، ويعزم، وَأَن النَّفس هُوَ الشَّيْء الَّذِي بِهِ يَشْتَهِي الْإِنْسَان مَا يستلذه من المطاعم والمشارب والمناكح.
وَأما الْعقل فقد ثَبت فِي مَوْضِعه أَن فِي بدن الْإِنْسَان ثَلَاث أَعْضَاء رئيسية بهَا تتمّ القوى، والأفاعيل الَّتِي تقتضيها صُورَة نوع الْإِنْسَان، فالقوى الإدراكية من التخيل والتوهم وَالتَّصَرُّف فِي المتخيلات والمتوهمات، والحكاية للمجردات بِوَجْه من الْوُجُوه محلهَا الدِّمَاغ. وَالْغَضَب. الجرأة. وَالشح. وَالرِّضَا. والسخط وَمَا يشبهها محلهَا الْقلب، وَطلب مَا لَا يقوم الْبدن إِلَّا بِهِ أَو بِجِنْسِهِ مَحَله الكبد، وَقد يدل فتور بعض القوى إِذا حدثت آفَة فِي بعض هَذِه الْأَعْضَاء على اختصاصها بهَا، ثمَّ إِن فعل كل وَاحِد من هَذِه الثَّلَاثَة لَا يتم إِلَّا بمعونة من الآخرين، فلولا إِدْرَاك مَا فِي الشتم أَو الْكَلَام الْحسن من الْقبْح وَالْحسن وتوهم النَّفْع والضر مَا هاج غضب وَلَا حب، وَلَوْلَا متانة الْقلب لم يصر المتصور مُصدقا بِهِ، وَلَوْلَا معرفَة المطاعم والمناكح
стр. 424
وتوهم الْمَنَافِع فِيهَا لم يمل إِلَيْهَا الطَّبْع، وَلَوْلَا تَنْفِيذ الْقلب حكمه فِي أعماق الْبدن لم يسع الْإِنْسَان فِي تَحْصِيل مستلذاته، وَلَوْلَا خدمَة
الْحَواس لِلْعَقْلِ مَا أدركنا شَيْئا، فَإِن الكسبيات فرع البديهيات والبديهيات فرع المحسوسات، وَلَوْلَا صِحَة كل عُضْو من الْأَعْضَاء الَّتِي يتَوَقَّف عَلَيْهَا صِحَة الْقلب والدماغ لما كَانَ لَهَا صِحَة وَلَا تمّ لَهما فعل، وَلَكِن كل وَاحِد مِنْهُمَا بِمَنْزِلَة ملك اهتم بِأَمْر عَظِيم من فتح قلعة صعبة أَو نَحوه، فاستمد من إخوانه بجيوش ودروع ومدافع وَهُوَ الْمُدبر فِي فتح القلعة وَإِلَيْهِ الحكم وَمِنْه الرَّأْي، وَإِنَّمَا هم خدم يَمْشُونَ على رَأْيه، فَجَاءَت صور الْحَوَادِث على حسب الصِّفَات الْغَالِبَة فِي الْملك من جراءته وجبنه وسخائه وبخله وعدالته وظلمه، فَكَمَا يخْتَلف الْحَال باخْتلَاف الْمُلُوك وآرائهم وصفاتهم - وَإِن كَانَت الجيوش والآلات متشابهة - فَكَذَلِك يخْتَلف حكم كل رَئِيس من الرؤساء الثَّلَاثَة فِي مملكة بدن الْإِنْسَان.
وَبِالْجُمْلَةِ الأفاعيل المنبجسة من كل وَاحِد من هَذِه الثَّلَاثَة تكون مُتَقَارِبَة فِيمَا بَينهَا، إِمَّا مائلة إِلَى الإفراط والتفريط، أَو قارة فِيمَا بَين هَذَا وَذَاكَ، فَإِذا اعْتبرنَا هَذِه الهياكل الثَّلَاثَة مَعَ أفاعيلها المتقاربة وأمزجتها الَّتِي تَقْتَضِي تِلْكَ الأفاعيل المتقاربة دَائِما فَهِيَ اللطائف الثَّلَاث الَّتِي يبْحَث عَنْهَا، لَا تِلْكَ القوى بذواتها من غير اعْتِبَار شَيْء مَعهَا.
فالقلب من صِفَاته وأفعاله الْغَضَب، والجراءة، وَالْحب، والجبن، وَالرِّضَا، والسخط، وَالْوَفَاء بالمحبة الْقَدِيمَة، والتلون فِي الْحبّ والبغض، وَحب الجاه والجود، وَالْبخل، والرخاء، وَالْخَوْف.
وَالْعقل من صِفَاته وأفعاله الْيَقِين. وَالشَّكّ. والتوهم. وَطلب الْأَسْبَاب لكل حَادث والتفكر فِي حيل جلب الْمَنَافِع وَدفع المصار.
وَالنَّفس مُنْتَهى صفاتها الشره فِي المطاعم والمشارب اللذيذة وعشق النِّسَاء وَنَحْو ذَلِك.
وَأما التجربة فَكل من استقرأ أَفْرَاد الْإِنْسَان علم لَا محَالة أَنهم
مُخْتَلفُونَ بِحَسب جبلتهم فِي هَذِه الْأُمُور: مِنْهُم من يكون قلبه هُوَ الْحَاكِم على نَفسه، وَمِنْهُم من يكون النَّفس هِيَ الْقَاهِرَة على الْقلب
أما الأول فَإِذا أَصَابَهُ غضب، أَو هاج فِي قلبه طلب منصب عَظِيم يستهين فِي جنبه اللَّذَّات الْعَظِيمَة. ويصبر على تَركهَا، ويجاهد نَفسه مجاهدة عَظِيمَة فِي تَركهَا.
стр. 425
وَأما الآخر فَإِنَّهُ إِذا عرضت لَهُ شَهْوَة اقتحم فِيهَا وَأَن كَانَ هُنَاكَ ألف عَار، وَلَا يلْتَفت إِلَى مَا يرغب فِيهِ من المناصب الْعَالِيَة، أَو يرهب مِنْهُ من الذل والهوان، وَرُبمَا يَبْدُو للرجل الغيور منكح شهي، وَتَدْعُو إِلَيْهِ نَفسه أَشد دَعْوَة، فَلَا يركن إِلَيْهَا لخاطر هجس من قلبه من قبيل الْغيرَة، وَرُبمَا يصبر على الْجُوع والعري، وَلَا يسْأَل أحدا شَيْء لما جبل فِيهِ من الأنفة، وَرُبمَا يَبْدُو للرجل الْحَرِيص منكح شهي أَو مطعم هني، وَيعلم فيهمَا ضَرَرا عَظِيما، إِمَّا من جِهَة الطِّبّ، أَو من جِهَة الْحِكْمَة العملية، أَو من جِهَة سطوة بعض بني آدم فيخاف، ويرتعش، ويرعوى، ثمَّ يعميه الْهوى، فيقتحم فِي الورطة على علم، وَرُبمَا يدْرك الْإِنْسَان من نَفسه نزوعا إِلَى جِهَتَيْنِ متخالفتين، ثمَّ يغلب دَاعِيَة على دَاعِيَة، ويتكرر مِنْهُ أَفعَال متشابهة على هَذَا النسق حَتَّى يضْرب بِهِ الْمثل، إِمَّا فِي اتِّبَاع الْهوى وقله الْحفاظ، وَإِمَّا فِي ضبط الْهوى وَقُوَّة المسكة، وَرجل ثَالِث يغلب عقله على الْقلب وَالنَّفس كَالرّجلِ الْمُؤمن حق الْإِيمَان انْقَلب حبه وبغضه وشهوته إِلَى مَا يَأْمر بِهِ الشَّرْع وَإِلَى مَا عرف من الشَّرْع جَوَازه بل اسْتِحْبَابه، فَلَا يَبْتَغِي أبدا عَن حكم الشَّرْع حولا، وَرجل رَابِع يغلب عَلَيْهِ الرَّسْم وَطلب الجاه وَنفي الْعَار عَن نَفسه، فَهُوَ يَكْظِم الغيظ، ويصبر على مرَارَة الشتم مَعَ قُوَّة غَضَبه وَشدَّة
جرأته، وَيتْرك شهواته مَعَ قُوَّة طَبِيعَته، وَلِئَلَّا يُقَال فِيهِ مَا لَا يُحِبهُ، لِئَلَّا ينْسب إِلَى الشَّيْء الْقَبِيح، أَو ليجد مَا يَطْلُبهُ من رفْعَة الجاه وَغَيره، فالرجل الأول يشبه بالسباع، وَالثَّانِي بالبهائم، وَالثَّالِث بِالْمَلَائِكَةِ. وَالرَّابِع يُقَال لَهُ: صَاحب الْمُرُوءَة وَصَاحب معالي الهمم، لم يجد من عرض النَّاس أَفْرَاد يغلب فِيهَا قوتان مَعًا على الثَّلَاثَة، وَيكون أَمرهمَا فِيمَا بَينهمَا متشابها ينَال هَذَا من ذَلِك من هَذَا أُخْرَى، فَإِذا أَرَادَ المستبصر ضبط أَحْوَالهم وَالتَّعْبِير عَمَّا هم فِيهِ اضْطر إِلَى إِثْبَات اللطائف الثَّلَاث.
وَأما اتِّفَاق الْعُقَلَاء فَاعْلَم أَن جَمِيع من اعتنى بتهذيب النَّفس الناطقة من أهل الْملَل والنحل اتَّفقُوا على إِثْبَات هَذِه الثَّلَاث أَو على بَيَان مقامات وأحوال تتَعَلَّق بِالثلَاثِ، فالفيلسوف فِي حكمته العملية يسميها نفسا ملكية، ونفسا سبعية، ونفسا بهيمية، وَفِي هَذِه التَّسْمِيَة نوع من التسامح، فَسمى الْعقل بِالنَّفسِ الملكية تَسْمِيَة بِأَفْضَل أفرادها، وسمى الْقلب بِالنَّفسِ السبعية تَسْمِيَة لَهُ بأشهر صافه.
следующие страницы →