← Джавами‘

Джавами‘ · id 7744

دروس للشيخ عبد الله الجلالي

عبد الله الجلالي

Полный текст (1 366 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

قتال الملائكة مع المسلمين يوم بدر ثم أمر الملائكة بأن يقاتلوا فقال: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال:١٢]، أي: قطعوا الرءوس، وقطعوا الأصابع التي جاءت لتحارب الله ولتكتب فى سب الإسلام، ولتتعرض لدين الله ، لأن هذه أصابع مجرمة، طالما تحركت في معصية الله ، وطالما سعت في الأرض فساداً فقطعوها تقطيعاً. فالله تعالى أمر بتقطيع الأيدي التي تحمل السلاح أو تحمل القلم لتتناول من دين الله ، وأمر بأن تقطع الرءوس، وأرشدهم كيف يضربون, وإذا كان الضرب في الوجه ممنوعاً في الإسلام، فإنه في مثل معركة بدر أمر الله تعالى بضربها فقال: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ﴾ [الأنفال:١٢]، والذي فوق الأعناق هي الوجوه والرءوس. ﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال:١٢]، أي: قطعوا الأصابع، لماذا؟ ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأنفال:١٣]، أي: حاربوا الله، وبارزوا الله تعالى بالمعصية، وأغضبوا الله بكيدهم ومكرهم، وتعرضهم لدين الله ، وتعرضهم للمؤمنين. إذاً: لابد أن تقطعوا هذه الرءوس التي تتكلم وتبصر وتسمع، وأن تقطعوا هذه الأيدي التي طالما حملت السلاح أو آذت المسلمين بأي نوع من أنواع الأذى.

стр. 37

سبب هزيمة الكفار يوم بدر ثم قال تعالى: (ذَلِكَ) أي: السبب: ﴿بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأنفال:١٣]، أي: حاربوه، وبارزوه بالمعصية، وهل هذه خاصة بأولئك المبارزين لله بالمعصية، أم هي عامة؟ الجواب ليست خاصة؛ لأنها لو كانت خاصة لما قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأنفال:١٣]، ولكن حتى يعلم الناس أن الذين يشاقون الله ويبارزون الله ويعاندونه ويؤذون أولياءه الذين ينافحون عن دين الله إلى يوم القيامة، حتى يعلم هؤلاء أن الله تعالى لهم بالمرصاد، فالله تعالى قال: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأنفال:١٣]، يعني: يتحدث عن أمر مستقبل أيضاً. فقوله: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ)، يتحدث عن هؤلاء القوم، لكن بالنسبة لمن يأتي في أي عصر يريد أن يبارز الله وأن يحارب الله بالمعصية فإن الله تعالى لا يتركه ولا يهمله، ولذلك الله تعالى يقول: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ)، لا نقف عند هذا الحد، بل ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال:١٣]، سواء كان في بدر مع محمد ﷺ أو بعد محمد مع الصالحين الذين يسيرون على منهج محمد ﷺ ، أو في أي عصر من العصور التي تكون فيها المشاقة من هؤلاء المجرمين والكافرين والملاحدة والضالين والظالمين والطغاة إلى يوم القيامة، فمن يبارز الله بالمعاصي فإن الله شديد العقاب. فليست العقوبة خاصة بأمة ولا بعصر ولا خاصة بالأنبياء، وإنما هي باقية وخالدة حتى يرث الله الأرض ومن عليها، والصراع بين الحق والباطل سيبقى ما بقيت الحياة الدنيا، فكل من شاق الله ورسوله فسوف يجد هذا الجزاء، لكن ربما يرد على بعض نفوس ضعاف الإيمان شيء من الشك، فيقول: كثير ممن يبارز الله بالمعاصي ويشاقه اليوم أين هذه العقوبة منهم؟ فنقول: إن الله تعالى يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، لكن بشرط أن يكون الصراع بين الإيمان والإلحاد، بين الحق والباطل، لا في سبيل التراب، ولا في سبيل العرق ولا الجنس، ولا ليرى مكانه، ولا ليقال: إن فلاناً شجاع، ولكن من أجل أن تكون كلمة الله هي العليا، فإذا وقف المسلمون في أي عصر من العصور هذا الموقف وأرادوا أن يوقعوا العقوبة بمن شاق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب، أي: لهؤلاء الذين يشاقون الله ورسوله. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم. والحمد لله رب العالمين.

стр. 38

الأسئلة

стр. 39

المراحل التي مر بها الجهاد في سبيل الله السؤال ما رأيك في القول بأن الجهاد الإسلامي إنما شرع لإزالة القوى الكافرة، والطغاة الذين يحولون بين البشر وبين تلقي الهدى والإسلام؟ وإذا كانت الدولة الكافرة تسمح للدعاة بممارسة نشاطهم في أرضها بكل حرية فهل يسقط الجهاد ضد هذه الدولة؟ الجواب الإسلام مر بأربع مراحل: مرحلة الصبر، وتجدونها في الآيات المكية، كقوله تعالى: ﴿فَاصْبِرُوا﴾ [الأعراف:٨٧]، وقوله: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل:١٢٧]. ثم جاء الدفاع في المرحلة الثانية، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ [الحج:٣٩]، وذلك أول ما وصل الرسول ﷺ إلى المدينة. ثم أُمر المسلمون بالقتال ابتداءً، لكن من قدم الجزية تقبل منه الجزية، وهذه هي المرحلة الثالثة. المرحلة الرابعة التي أعتقدها أنا: أنها مرحلة القتال دون أن تقبل الجزية، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ [التوبة:١٢٣]، وقوله: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [البقرة:١٩١]، إلى غير ذلك من الآيات التي تجدونها في سورة التوبة؛ لأن سورة التوبة من آخر ما نزل من القرآن في آيات الجهاد؛ حيث إنها نزلت في غزوة تبوك، وهي تعتبر من أواخر الغزوات. وعلى كلٍ تكون المراحل أربع، ولذلك المسلم لا يضع السلاح حتى يكون الدين كله لله، لقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال:٣٩]، والفتنة ليس معناها الفوضى، وإنما معنى الفتنة: الكفر، يعني: قاتلوا الكافرين حتى لا يبقى كفر على وجه الأرض، وحتى يكون الدين كله لله، فلا يبقى دين غير دين الإسلام. ولذلك أعتقد أن المسلمين مفرطون حينما يضعون السلاح على الأرض وهناك من يعبد في هذه الأرض غير الله ، لكن لو بقيت دولة تهادن المسلمين، والمسلمون يشعرون بالقوة فنقول في مثل هذه النقطة: هذه نقطة ضعف، فيدعون القتال حتى يتقوى هؤلاء المسلمون لينشروا هذا الإسلام في هذه الأرض بطريق القوة. ولذلك لا يضير الإسلام أنه ينتشر بالقوة؛ لأن الإسلام انتشر بالحكمة فوقف العدو في وجهه فالله أراد أن يزيح ما يقف في وجه هذه الدعوة، ولذلك الذي أعتقده أنا أن آخر ما استقر عليه الدين: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال:٣٩]، أي: كفر، ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال:٣٩]، لكن لا مانع أن يبقى كافرون يعيشون في ظل دولة إسلامية، والله تعالى يقول: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة:٨]. لكن يا إخوان! لا تظنوا أن معنى (تبروهم) هو هذا اللين وهذه الرقة التي يعيشها المسلمون مع أعداء الله، ولكن إذا كان هناك كافر فقير عاش بدولة إسلامية وهو ذليل فقير، فنحسن إليه، كما فعل عمر بن الخطاب ﵁، وإذا تحاكم رجل كافر ومسلم أمامنا نحكم بالعدل بينهما، هذا معنى (تقسطوا إليهم)، أما هذه الرقة وهذا اللين وهذا الذوبان مع الكافرين، فهو الشيء الذي لا يقبله الإسلام في أي حال من الأحوال.

стр. 40

كيفية جهاد المنافقين الموجودين داخل البلاد الإسلامية السؤال كيف نجاهد المنافقين في بلادنا وقد استولوا على كثير من الأمور كالإعلام ووسائل النشر؟ وكيف نرد على باطلهم وقد احتكروا جميع المنابر ما عدا منابر الجمعة والتي يُراد حصرها في تعليم الناس الصلاة، وأمور العبادة فقط؟ الجواب يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [التوبة:٧٣]، وهذا دليل على أن المنافق غير الكافر؛ لأن الكافر كافر معروف، أما المنافق فهو أخطر على الإسلام من الكافر، ولذلك يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء:١٤٥]، وهم الذين يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر. أما كيف نقاتل هؤلاء، فإذا علمنا بأن هؤلاء منافقون فعلينا أن نراسل الدولة ونناصح الدولة ونقول لهم: اتقوا الله، هؤلاء منافقون لا تتركوهم يتسلمون أمور الحياة؛ لأن هؤلاء سوف يدمرون الحرث والنسل، وهؤلاء متربصون، كما تربص المنافقون بالرسول ﷺ ، حتى إذا أحاط الأحزاب بالمدينة خرج المنافقون من أوكارهم وتعاونوا مع الأحزاب، وأعتقد أن هذا هو الذي يحدث في مثل هذه الأيام، لما أحاط بنا عدونا من كل جانب تحرك المنافقون وكأنهم بدءوا يتمالئون مع العدو، ولربما لا يظهرون للدولة أنهم يتمالئون مع العدو، لكن تحركاتهم تريد أن تربك الدولة، وتربك المجتمع، كما نلاحظ في أيامنا الحاضرة. فهؤلاء لابد أن ننبه الدولة على أخطارهم، ونقول: فلان وفلان وفلان أبعدوهم عن المناصب؛ لأنهم سوف يوقعون بهذه الدولة، ونحن لا نريد إلا أن تكون هذه الدولة؛ لأنها دولة حكمت بحكم الله ولا نريد غيرها يحكم هذه البلاد، فوجود هؤلاء المنافقين سوف يربك الدولة؛ لأن الدولة الآن ما تدري: هل تحارب العدو الخارجي الذي يطوقها من جميع الجهات أو تحارب العدو الداخلي؟ فهؤلاء المنافقون بدوء يحرضون ضد الدعاة والمصلحين والمؤمنين من أجل أن يحولوا بينهم وبين الدولة، ولربما يقولون: إن هؤلاء أعداء لكم، فتوقع هذه الدولة بهؤلاء الدعاة، فتسقط من عين الله ؛ لأن هذه الدولة لو آذت هؤلاء الدعاة فسوف تقع في حرب مع الله ، وإذا حاربت الله فسوف تنهزم، بل ستنهزم حتى في حربها مع الناس؛ كما في الحديث القدسي: (من عادى لي ولياً -يعني: رجلاً صالحاً- فقد آذنته بالحرب)، ومن يستطيع أن يحارب الله، ثم يحارب الناس بعد ذلك؟! فنحن ندعو المسئولين الكبار في الدولة أن ينتبهوا للمنافقين الذين يندسون في دوائر الدولة، ولا أقول: في الإعلام أو غيره، بل الحقيقة أننا أصبحنا نشك في كثير من الناس الآن، وأنهم غير مخلصين للدولة، إضافة إلى أنهم غير مخلصين لدين الله ، وأنهم أعداء لدين الله ، ولكن البوادر تدل أن في وسائل الإعلام وفي غيرها أناساً مندسين الآن، ولذلك ما قالوا للدولة ولا وجهوا الدولة في مثل هذه الظروف الحرجة أن تغير كثيراً من برامجها وكثيراً من تحركاتها وأعمالها، فأصبح الأمر إن لم يكن أشد من السابق فهو ليس بأقل من السابق خطراً. وهذه كلها من أعمال المنافقين الذين يضرون بالدولة، فنسأل الله أن يهدي الدولة حتى تعرف هؤلاء ومواقعهم، فهم مكشوفون الآن، ونسأل الله أن يثبت أقدامنا نحن أمام هؤلاء المنافقين، كما نسأله أيضاً أن يثبت أقدامنا أمام الكافرين المحيطين بهذه الدولة.

стр. 41

حكم جهاد أعداء الله السؤال لا شك أن عدونا يتربص بنا الدوائر، وأن الجهاد ضد هؤلاء فرض عين علينا خاصة، فما موقفنا الآن وقد استعدت هذه الجيوش لحربنا الآن؟ وما هو واجبنا نحن المسلمين نحو هذه الحرب؟ هل نجاهدهم أو نبقى نعتمد على غيرنا؟ وهل نأثم على جلوسنا، وفقكم الله؟ الجواب الاعتماد على غير الله كفر ومذلة وسبب سقوط هذا الإنسان من عين الله ، والله تعالى لما أنزل الملائكة ما قال للمسلمين: هذا النصر جاء، بل قال: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [الأنفال:١٠]، مع أنهم ملائكة يضربون بقوة الله تعالى. إذاً: من باب أولى أن يكونوا أناساً من البشر فضلاً عن ناس غير مسلمين يكرهون الإسلام ويكرهون بلاد الإسلام والدولة الإسلامية، فلا يعتمد على هؤلاء، وإنما هؤلاء نعتبرهم قوة، نسأل الله أن يقينا شرهم وشر من جاءوا ليحاربوه. أما موقفك أيها المسلم! فأنت مطالب بالجهاد في سبيل الله، والدفاع عن بلاد المسلمين، فعليك أن تستعد لهم بقدر ما أوتيت من قوة، ولا مانع أن تنضم إلى المجموعة غير المسلمة في مثل هذه الظروف؛ لأن الظروف يوجد فيها عدو يطوق بلاد المسلمين، ويطوق دولة إسلامية، ويريد أن يقضي على هذا الإسلام في مهده. ولذلك فنحن مطالبون أن ندافع عن بلاد المسلمين، لا عنها كتراب، وإنما عنها كأرض للإسلام، وكمقدسات يتجه إليها المسلمون في كل يوم خمس مرات في صلاتهم، ويحجون ويعتمرون إليها، فلابد أن نستميت في الدفاع عن هذه البلاد. وأقول أيضاً: نحن لا نفرط بهذه الدولة، ولا نريد غيرها، وإن كان الواشون والمنافقون لربما يوقعون بيننا وبينها، فنحن لا نريد غيرها، فهي التي تحكم بشرع الله، ولكن نرجو أن تضرب بيد من حديد على هؤلاء المفسدين؛ حتى لا تفسد العلاقات بيننا وبينها؛ لأن هؤلاء المنافقين والعلمانيين إنما يريدون أن تفسد العلاقات بين المؤمنين والدولة، ثم يحدث ما يحدث من جفاء، وهذا هو أكثر ما يحدث الخلل في صفوف المسلمين. إذاً: لابد من الدفاع، فقد يصبح الدفاع فرض عين في مثل هذه الظروف وليس فرض كفاية، وقد أجمع علماء المسلمين على أنه إذا هجم عدو من الخارج على دولة إسلامية، فإن كل واحد من هؤلاء المسلمين أصبح عليه فرض عين أن يكافح هؤلاء بقدر ما أوتي من قوة، ومن يتأخر عن ذلك فهو من الذين قال الله تعالى عنهم: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [الأنفال:١٦].

стр. 42

كيفية الاستعداد لجهاد أعداء الله السؤال هل في هذا الوقت المليء بالفتن يكون الاستعداد للجهاد بالسلاح أم الاستعداد النفسي والإيماني؟ وكيف يكون ذلك لنا، وفقكم الله؟ الجواب يقول الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال:٦٠]، فقوة الإيمان وقوة السلاح والتدريب والرمي، والرجوع إلى الله ، كل هذا يدخل في الاستعداد. إذاً: المسلمون مطالبون بكل نوع من أنواع القوى التي يستطيعون أن يقدموها في مثل هذه الظروف، ولذلك فهم مطالبون بأن يقووا إيمانهم، وحينما يقوون إيمانهم هم مطالبون بأن يقووا جيشهم وعددهم وعدتهم. وأيضاً هم مطالبون بألا يرحموا هؤلاء الكافرين، لقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾ [الأنفال:٥٧]، أي: قطعهم تقطيعاً. إذاً: المسلمون مطالبون بإعداد جميع أنواع القوى، لكن حينما يعدون إعداداً مادياً ويغفلون أو يتغافلون عن القوى المعنوية فإن هذه هي البلية، وهذا هو الذي يحدث في كثير من الأحيان، أو حينما يتعلقون بغير الله ، ويظنون أن غير الله هو الذي سوف ينصرهم، فهذه هي البلية، والله تعالى يقول: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٢٦]، فعلينا أن نبحث عن النصر في موقعه وحيث يكون.

стр. 43

معنى الحكمة يختلف باختلاف الظروف السؤال أريد أن أعرف الحكمة ما هي؟ وما شروطها؟ وكيف لنا أن نتحلى بالحكمة في مثل هذه الظروف؟ مع أن هناك من طلبة العلم من رمي بالتحمس وترك الحكمة في القول، أرشدونا وفقكم الله؟ الجواب الحكمة معناها في اللغة: وضع الأمور في مواضعها، فالكلمة الطيبة الرقيقة اللينة حكمة حينما يكون الموقف يتطلب مثل هذه الكلمة، والقتل حكمة، وإبادة أمة من الأمم منحرفة عن منهج الله تعتبر حكمة، فمعنى الحكمة تختلف حسب الظروف وحسب مقتضيات الأمر، فاللين حكمة إذا كان الموقف يتطلب اللين، والقسوة والشدة حكمة إذا كان لابد من هذا الأمر، ولذلك قال الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل:١٢٥]، ولربما يطلق على الحكمة -وهذا في أول الإسلام- معنى اللين. لكن الحكمة في معناها اللغوي والاصطلاحي الذي اتفق عليه علماء المسلمين بعد ذلك هي: وضع الأمور في مواضعها، ولذلك فإننا مطالبون بالحكمة بمعنى اللين حينما يكون للين موقعاً، ولكن إذا كان لابد من القوة فلابد أن تكون للأمة الإسلامية قوة. ولذلك لا تعجبوا حينما ذكر الله إنزال الحديد مع إنزال الكتب السماوية، وقال: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ﴾ [الحديد:٢٥]، فمعنى ذلك: أنه لابد من القوة، وتعتبر حكمة حينما يتطلب الموقف القوة، لكن هذه القوة يجب أن تكون منضبطة بضوابط كثيرة أهمها: ألا تجر وراءها مشاكل، ولذلك نحن ندعو الشباب الذي أصبح الآن يتحمس لدينه إلى الحكمة، ولربما نكرر هذه الكلمة دائماً وأبداً لكثرة ما يردنا من الأسئلة، سواء كان من خلال الهاتف أو من خلال الأوراق أو من خلال المواجهة والمشافهة كلهم يقول: ماذا نعمل في مثل هذه الظروف؟ وكأن الشباب يريد أن يدمر ويفسد الحرث والنسل، ويريد أن يستعمل قوته ويعتبرها حكمة، فنقول: هذه ليست من الحكمة، بل عليك يا أخي! أن تضبط نفسك وتوازنك، فأنت تعيش في دولة إسلامية، وأنا واثق أنها لن تترك هؤلاء المجرمين الذين أثاروك في يوم من الأيام، أو في أيام كثيرة، لن تتركهم يتمادون في مثل هذا الباطل؛ لأن إثارتك سوف تسبب غضب الله أولاً، ثم لربما تسبب غضب مسلم من المسلمين، فيدمر أشياء كثيرة بدافع غيرته على دين الله . فأنا أنصح المسئولين في الدولة بالانتباه لذلك، فوالله الذي لا إله غيره إننا دائماً وأبداً يأتينا شباب يريدون أن يقدموا على أمور نخشى أن تكون لها خطورة، فنحن نكون كوابح أمام هؤلاء، ونقول لهم اتقوا الله، لكن ربما يأتي يوم من الأيام لا يأخذون رأينا في مثل هذه الأمور، فأقول للمسئولين: امنعوا هؤلاء الذين يثيرون هؤلاء الشباب، ويحركون فيهم الشجاعة والحمية والغيرة، والغيرة أحياناً تكون غير منضبطة، لاسيما في عصر الصحوة الإسلامية التي وجه الله تعالى فيها كثيراً من الشباب إلى دين الله، ولربما أن بعضهم كان في يوم من الأيام حرباً على الإسلام، فإذا به الآن قوة ضاربة في الأرض لهذا الدين، فأنا أقول: امنعوا هؤلاء الذين يثيرون هؤلاء؛ حتى لا تكون فتنة، والله المستعان.

стр. 44

أهمية الجهاد في سبيل الله بالمال السؤال جميع آيات الجهاد في القرآن قدم فيها المال على النفس، ما عدا موضعين تقريباً، فهل معنى ذلك أن الجهاد بالمال يفضل على الجهاد بالنفس في الظروف العادية؟ الجواب قد يكون المال أنفع للمسلمين من النفس، لاسيما في ظروف بلاد فقيرة، كما يوجد في أفغانستان وفي أرتيريا وفي الفلبين وفي فلسطين وفي غيرها، ولربما تكون النفس أنفع من المال حينما يتوفر المال ولا نجد الرجال، كما يوجد في بعض المواقع الأخرى، ولذلك نقول: المال غالباً أنفع من الرجال في الظروف العادية؛ لأن مال رجل واحد من الأثرياء ربما يمون آلاف الرجال للجهاد في سبيل الله، لاسيما حينما يكون هناك فقر ومسغبة، كما يوجد في بعض المناطق الإسلامية. ولكن حينما يكون المال ولا يكون رجال فلابد أيضاً من الرجال، فالله تعالى يقدم المال في أكثر الآيات ورسول الله ﷺ يقدم المال في أكثر الأحاديث، ولربما يتقدم الرجال على المال، المهم أن التقديم يكون حسب الحاجة، فإذا كانت الحاجة إلى المال فالمال يكون أفضل، وذلك حينما يتوفر عدد الرجال، وحينما يكون المال متوفراً والرجال قلة لابد أن نقدم أنفسنا وأرواحنا في سبيل الله. وخير هذه الأمور من يقدم نفسه وماله في سبيل الله، ولذلك يقول الرسول ﷺ : (خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء)، أي: لم يرجع لا بنفسه ولا بماله، وهذه أعلى المراتب وأفضل الدرجات.

стр. 45

الفرق بين تمني لقاء العدو وتمني الشهادة السؤال كيف نوفق بين حب القتال والشهادة في سبيل الله وبين حديث النبي ﷺ الذي قال فيه: (لا تتمنوا لقاء العدو)؟ الجواب الفرق بين تمني لقاء العدو وتمني الشهادة واضح، فتمني لقاء العدو إذا لم يقم قتال، والأمور مستقرة على طاعة الله، فلا نتمنى لقاء العدو في مثل هذه الحال، لكن إذا وجد القتال وقام العدو ووقف صفاً في وجوه المسلمين، أو في وجه الزحف الإسلامي ففي مثل هذه الحالة نتمنى الشهادة، ولكني أرى الآن -خصوصاً من خلال أخبار أسمعها من شباب يسافرون إلى بعض مواقع قتالية في أرض الله- أن أحدهم دائماً يسعى إلى الشهادة فقط، أنا لا أريد هذا، فالله تعالى يقول: ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ [آل عمران:١٤٠]، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ [التوبة:١١١]. إذاً: لابد أن يقدموا جهداً قبل أن يسعوا إلى الشهادة، فالشهادة مطلب يستفيد منه هذا المستشهد، لكن قتل الكافرين ومصارعة الكافرين تستفيد منه الدولة الإسلامية كلها، ولذلك الأصل: ألا نتمنى قتال العدو، لكن إذا قام القتال ووجد وأصبح حقيقة ففي مثل هذه الحال نتمنى الشهادة، ولا نتمنى القتال؛ لأن القتال موجود، وإنما نتمنى الشهادة، لكن تمنينا الشهادة لا يعني أن الإنسان يزج بنفسه في أمور مخاطرة لا يستفيد منها الإسلام، أو لربما تجر على الإسلام أضراراً أو تقلل عدد المسلمين أو عدد هذا الجيش، أو تفت في عضد المجاهدين حينما يرون كثرة الاستشهاد، وإنما المسلم يقاتل لا ليستشهد، وإنما يقاتل حتى يستشهد بعد ذلك، ولذلك نجد في قتال المسلمين يوم مؤتة أنه لما رأى خالد بن الوليد ﵁ أن المعركة ليست لمصلحة المسلمين انسحب بالجيش، ولو كانت المسألة مسألة استشهاد فقط لزج بثلاثة آلاف معه من المسلمين في وسط الروم وأبيدوا، وحصلوا على الشهادة وانتهى الأمر، لكن لما رأى خالد ﵁ أن الموقف والتكتيك الحربي يتطلب الانسحاب انسحب، فالمسألة مسألة هزيمة أعداء لا مسألة شهادة فقط.

стр. 46

شروط المرابطة في سبيل الله السؤال هل المرابط على حدود المملكة في هذه الأيام يعتبر مرابطاً في سبيل الله؟ وهل هناك شروط للمرابط، أم أن كل من جلس على الحدود يعتبر مرابطاً؟ الجواب يعتبر المرابط مرابطاً في سبيل الله بشروط: الشرط الأول: أن يكون مخلصاً في القصد لله ، فيقصد من وراء مرابطته الدفاع عن دين الله وعن أرض الإسلام، لا عن وطنه الذي هو تراب وأرض. الشرط الثاني: أن يكون مستعداً مجرباً قبل أن يكون مرابطاً، فعليه أن يكون مخلصاً لله باحثاً عن الحق، يريد أن يحق الحق ويبطل الباطل، وأن يكون أيضاً تحت قيادة إسلامية خالصة إن أمكن، ولكنه قد يعذر حينما يكون تحت قيادة غير إسلامية إذا أصلح هدفه، فلربما يكون اثنان أحدهما في سبيل الله والآخر في سبيل آخر، والله تعالى يبعث كل واحد يوم القيامة على نيته، ويعطي الله كل واحد على حسب ما يعتقد وما ينوي وما يقصد. فالمرابطة تعتبر نوعاً من الجهاد في سبيل الله؛ لأنه صراع بين المسلمين وبين الكافرين، ولا يمنع أن تكون هناك أمور لا يرضى بها كثير من المسلمين، لكن المهم أن الدفاع عن بلاد المسلمين كأرض إسلام أمر مطالب به كل واحد من المسلمين، لكن بشروطه.

стр. 47

ضعف دور المؤسسات الإسلامية تجاه القضايا الإسلامية السؤال ما موقف المؤسسات الإسلامية على مستوى الدول أو على مستوى الأفراد تجاه انتهاك حرمة المسلمين في كثير من بلاد العالم في الدم والمال والعرض، أفتونا جزاكم الله خيراً؟ الجواب ليست هناك مؤسسات إسلامية لها وزن كبير وإن كانت موجودة والحمد لله، كرابطة العالم الإسلامي وغيرها، لكن الحقيقة أن فيها الضعف الشديد، وهذا هو الشيء الذي يحز في النفس، وهو أن تكون هذه المنظمات الإسلامية على هذا المستوى الصغير لا تدافع عن حقوق المسلمين إلا بشجب أو بكلمة فقط لا أكثر ولا أقل، والذي نتمناه من الله ونرجوه منه أن يهيئ لهذا العالم دولة إسلامية تتبنى الإسلام بمعناه الحقيقي، وتملك جيشاً إسلامياً ضارباً في الأرض يدافع عن المسلمين لا يفرق بين المسلمين في فلسطين ولا في جنوب الفلبين، ولا في أي مكان من الأرض. أما واقعهم في الحقيقة فهو موقف ضعيف وهو الشجب والاستنكار في بعض الأحيان، لا في كل الأحيان، أما الدم الإسلامي فهو أرخص الدماء اليوم على وجه الأرض! ولو تتبعت أخبار العالم عبر الأثير لوجدت أن هناك تركيزاً كاملاً على المسلمين، ويكفي ما يدور في الهند في أيامنا الحاضرة، من أجل مسجد سيهدم يدافع عنه المسلمون نجد أن قوىً ضاربة داخل الهند قامت ضدهم، بالرغم من أن عدد المسلمين في الهند يزيد على مائة وثمانين مليون مسلم، ومع ذلك لا يجدون إمداداً، أكثر ظني أن كثيراً من المسلمين لا يدري ماذا يحدث في الهند، بل أخوف ما أخاف أن المسلمين في الهند يُذبحون بأموال المسلمين! فهذا يأتي بهندوسي وهذا يأتي بسيخي، ثم يأخذون هذه الأموال ويذهبون هناك يذبحون بها المسلمين، فنقول لهؤلاء أصحاب المؤسسات أو الدوائر الرسمية الحكومية الذين يستقدمون غير المسلمين: اتقوا الله! فالمسلمون يُذبحون في الهند، وقد يكون ذلك بأموال مسلمين، والمسلمون يُذبحون في جنوب الفلبين، وقد يكون ذلك بأموال المسلمين! إذاً: لا يجوز أن تذهب أموال المسلمين إلا إلى المسلمين، والله المستعان. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 48

الشباب والزمن إن الزمن هو الكنز الذي لا يقدّر بثمن، فضياعه أعظم من الموت؛ لأن الموت يقطعك عن الدنيا، وضياع الوقت يقطعك عن الدنيا والآخرة، فما أحرى أن يغتنم الشباب هذا الوقت، الذي إذا ذهب بعض الإنسان. إن الشباب مرحلة زمنية مباركة، فيها الحيوية والقوة والعطاء، وفيها تبنى المعالي، وفيها تكون التضحية التي لا تعادلها تضحية في مرحلة أخرى، فما أحسن أن يُستغل في طاعة الله تعالى!

стр. 49

محاسبة النفس على ما قدمت إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونثني عليه الخير كله، ونشكره ولا نكفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله، ومن دعا بدعوته، وعمل بسنته، ونصح لأمته إلى يوم الدين. أما بعد: أيها الإخوة في الله! حديثي معكم هذه الليلة عن الزمن والشباب، والحديث عن الزمن مهم جداً، وعن الشباب أهم، لا سيما وأننا في هذه الأيام المباركة قد ودعنا عاماً شاهداً لنا أو علينا، وبدأنا عاماً جديداً، فنسأل الله أن يجعله عام خير وبركة وعزة وكرامة للأمة الإسلامية.

стр. 50

المسلم كالتاجر لابد أن يدقق في المحاسبة إنّ مرور هذه الأيام والسنين آية من آيات الله قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا * وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء:١٢ - ١٣]. وإن الصراع بين الحق والباطل صراع قديم طويل باق ما بقيت الحياة الدنيا، وهو موجود منذ أن أهبط الله أبانا آدم من الجنة، وأهبط عدوه إبليس، وقال لهما: ﴿اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [طه:١٢٣]. ومنذ ذلك الوقت والشيطان يتربص الدوائر بابن آدم، وقد توعد ابن آدم فقال: ﴿لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف:١٧]، فهذا أحد الأعداء. والنفس عدوة للإنسان أيضاً، فهي أمارة بالسوء إلا ما رحم ربي، والشهوات التي جعلها الله بيننا وبين الجنة خطيرة في سبيل هذا الإنسان أيضاً؛ ولذلك فإن هذا الإنسان على خطر، وعليه أن يستعد لكل أعدائه، وأن يأخذ من السنين والأيام العظة والعبرة، فإن هذه الأرض قد عاش عليها من عاش من هذه البرية، وكل جيل ينتهي، ويأتي جيل آخر، وهكذا كتب الله الفناء على كل كائن حي، وما مرور الأيام والسنين إلا درس وعبرة لهذا الإنسان. إن التاجر الذي يعمل طول عمره في التجارة، ويبيع ويشتري، ويأخذ ويعطي، ويتعامل مع الناس، لا بد أن تكون له ساعة يفتش فيها دفاتر تجارته؛ لينظر ربحه أو خسارته، وهذا أمر فطري طبعي فطر الله عليه هذا الإنسان. وإن المسافر سفراً طويلاً وهو يمر بلوحات الطريق ومنعطفاته لا بد أن يقف أمام كل منعطف، وحول كل لوحة من لوحات الطريق؛ لينظر مقدار الطريق الذي قطعه، وماذا بقي عليه؟ وكم معه من الزاد؟ وهل معه ماء يبلغه؟ وهذه سنة الله أيضاً في الحياة. ونحن تجار مع الله، ومسافرون إلى الدار الآخرة، وبداية عام ونهاية عام تعتبر من أهم معالم الحياة ومنعطفاتها التي تستوقف المسلم؛ لينظر في ربحه أو خسارته، ولينظر مقدار الطريق، ومقدار ما بقي، وما قطع. نقف في هذه الفترة من الزمن التي ابتدأ فيها العام الجديد، وانتهى فيها العام الأول، وعلينا أن نتيقن من أن ما قدمناه في العام السابق محفوظ كما قال تعالى: ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ [المجادلة:٦]، وأن الله قد وكل بكل واحد منا ملائكة تعلم ما يفعل كما قال تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار:١٢]، ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨]. وقد يتجاوز الله عما يتجاوز عنه من تلك السيئات، ويضاعف ما يضاعفه من هذه الحسنات، وقد أعد الله لكل إنسان كتاباً، تطوى في كل يوم صفحة من صفحات ذلك الكتاب، لتفتح في اليوم الآخر صفحة جديدة بيضاء نقية، وهذا الإنسان يكتب له فيها ما يكسبه من صالحات أو سيئات، ثم إذا كان يوم القيامة فتحت هذه الصحائف، ونشر ذلك الكتاب: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف:٤٩] ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ﴾ [الإسراء:١٣] أي: نصيبه وحظه ﴿فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا﴾ [الإسراء:١٣] فيقال له: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء:١٤]. هذه هي حصائد الأعمال، وثمرات الأيام والليالي التي قضيتها -أيها الإنسان- في حياتك، ويؤتى بهذه الصحائف، وينصب ميزان العدل يوم القيامة، وتوضع الحسنات في كفة والسيئات في كفة، ويوقف الإنسان بين كفتي الميزان، ويوكل به ملك من ملائكة الله، وتوزن الحسنات والسيئات، فإن ثقلت الحسنات نادى الملك: سعد فلان سعادة لا يشقى بعدها أبداً، وإن خفت الحسنات وثقلت السيئات نادى هذا الملك: شقي فلان شقاوة لن يسعد بعدها أبداً. يقول الرسول ﷺ : (إنه ليؤتى بالرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة)، فالمسألة ليست مسألة أجسام، أو أحساب، أو آباء وأجداد وأنساب، أو كراسي، أو رتب عسكرية، أو أي ميزة من الميزات التي يتمايز بها الناس في هذه الحياة الدنيا؛ وإنما هي الحسنات والسيئات، وإنما هي الثمرة التي تغرس غراسها بنفسك في كل يوم وليلة، وفي كل ساعة ودقيقة وثانية من عمرك في هذه الحياة. ولذلك صح في الحديث عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إن الله ينشر على عبد من عباده يوم القيامة تسعة وتسعين سجلاً، كل سجل مد البصر، فيقول الله لعبده: أظلمك كتبتي الحافظون؟ ألك عذر؟ ألك حسنة؟ -فيبهت الرجل، ويعلم أنه قد هلك، ولكن لطف الله لا يفوت إلا من مات على الكفر أو على الشرك- فيقول: لا، فيقول الله : بلى إنك لا تظلم، إن لك عندنا حسنة، فيؤتى ببطاقة فيها: أشهد أن لا إله الله وأشهد أن محمداً رسول الله. فتوضع السجلات في كفة وهذه البطاقة في كفة، فيقول هذا الإنسان: يا ربي! ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟! فيقال: إنك لا تظلم، ثم تطيش السجلات، وتثقل البطاقة)؛ لأن فيها لا إله إلا الله. إن هذه الكلمة يقولها المؤمن والمنافق، والعاصي والمستقيم، لكن لا يستفيد منها إلا من عرف أهميتها، وعمل بمقتضاها؛ فلم يحن رأسه لغير الله كائناً من كان، ولم يطأطئ ظهره لغير الله ، ولم يتمسح بأعتاب ميت كما يعمل المخرفون وأصحاب البدع والوثنيون، ولم يحن رأسه أمام أعتاب حي من الأحياء كما يعمل هؤلاء المتملقون لغير الله . فهذه بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وهذه السجلات عددها تسعة وتسعون سجلاً، وكل واحد منها مد البصر، ومع ذلك تثقل (لا إله إلا الله) بتلك السجلات، فحققوا يا إخوتي! (لا إله إلا الله)، وستجدون في طريقكم كل خير وسعادة، وتخلصوا من الشرك، ومن حقوق البشر، واعلموا أنكم تقدمون على رب كريم.

стр. 51

ماذا عملنا في العام الماضي في هذه الأيام نودع عاماً وهو يساوي نسبة كبيرة من العمر، لا بد أن نقف أمام سجلات الأعمال وكأنها قد نشرت أمام كل واحد منا يوم القيامة، فنحاسب أنفسنا، كما يقف التاجر أمام دفاتر التجارة، ويحسب القرش والريال؛ حتى يتلافى الأخطاء التي وقع فيها في العام الماضي، ثم يصحح ذلك في العام المستقبل، وكما يقف المسافر الذي يسير في طريق طويلة، ومعه قليل من الزاد، والسفر طويل، والسفر شاق، والجو قائظ حار، فلا بد أن يتفقد متاعه وما يحمله؛ حتى لا يعرض نفسه للهلكة. أيها الإخوة المؤمنون! إنّ الساعة التي نعيشها في هذه الأيام ساعة حاسمة، فإذا كنت قد أودعت سيئات فيما مضى فاستغفر الله وتب إليه، واشكر الله الذي أمد في عمرك حتى تنتبه إن كنت في غفلة، واشكر الله الذي يفتح باب التوبة دائماً وأبداً، فيبسط يده بالليل؛ ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار؛ ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها. إنّ هذه النعمة لا تتوافر لغير المؤمن، فمهما عمل من السيئات، ومهما أسرف على نفسه، ومهما جنى من الخطايا فإن باب التوبة مفتوح، ولا يغلق حتى يغرغر هذا الإنسان، أي: حتى تبلغ الروح الحلقوم، أو حتى تطلع الشمس من مغربها كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنعام:١٥٨].

стр. 52

الشباب والغرور احذر -يا أخي- إن كنت شاباً أن يغرك الشباب، فتقول لك هذه النفس البشرية: أمامك فرصة، وأمامك زمن، وأمامك مهلة، انهل من متاع هذه الحياة وتمتع، ويمكنك أن تتوب مستقبلاً! فإنّ هذه الأماني هي التي تغر كثيراً من الناس: ﴿وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [الحديد:١٤]، وهي أخطر شيء على حياة الإنسان، فإنّ الشيطان يأتي هذا الشاب فيقول له: انتظر، وتمتع، وافعل، واترك، ويمكنك أن تتوب مستقبلاً فتصلي، ويمكنك أن تتوب مستقبلاً فتترك هذه المحرمات، ثم يوقعه الشيطان في حبائله إلى أن تغرغر هذه النفس، وتبلغ الروح الحلقوم، ثم يقول: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون:١٠٠] فيقال له: ﴿كَلَّا﴾ [المؤمنون:١٠٠]، وهذا الأمر يقع فيه كثير من الناس، ولذلك كم من الشباب من كانت تراوده التوبة وتدغدغه، وهو يؤخرها يوماً بعد يوم، ثم إذا به يفاجئه الأجل، فيحال بينه وبين ما يشتهي. كان الموت بالأمس القريب غالباً ما يكون على الفراش فلا يموت إلا مريض، ولا يموت إلا كبير السن، أما الآن فقد صرنا نعيش في فترة متأخرة من زمن الحياة الدنيا، فأصبح موت الفجأة أكثر بكثير من الموت الذي سبقته إنذارات وإرهاصات، وانظروا إلى حوادث السيارات، وانظروا إلى السكتات القلبية والجلطات، وانظروا إلى الأمراض المتعددة التي حدثت بسبب ما أحدثه الناس من معصية، يقول الرسول ﷺ : (لم تظهر الفاحشة في قوم قط إلا فشت فيهم الأوجاع التي لم تكن في أسلافهم)، فما كان الناس يعرفون مرض السكري، ولا مرض ارتفاع ضغط الدم، ولا الجلطة، وإنما حدثت هذه الأمراض بسبب ما أحدثه الناس من معاصٍ لله . ولذلك لو عملنا إحصائية: هل الذين يموتون من الشباب أكثر أم الذين يموتون من كبار السن؟ لوجدنا أن الذين يموتون من الشباب أكثر، ولو بحثنا لوجدنا أن الذين يموتون وهم أصحاء أكثر من الذين يموتون على فراش المرض، وإذا كان الأمر كذلك فعلى المسلم أن يبادر بالتوبة، فإن كان شاباً فعليه أن يستغل الفرصة قبل أن تنتهي مدة الشباب، وإن كان صحيحاً معافىً لا يشتكي مرضاً من الأمراض فعليه أن ينظر في هذه الأمراض التي تفتك بهؤلاء الناس.

стр. 53

وجوب الاستقامة كما أمر الله تعالى لا بد من المبادرة بالتوبة، ولا بد أن يطرح الإنسان كل هذه الأماني التي غرت كثيراً من الناس؛ لأن الشيطان توعد بني آدم من أربع جهات: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ [الأعراف:١٧] أي: الأمام ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ [الأعراف:١٧]. وهذا أمر عجيب أيها الإخوة! فإن هذه الآية وأمثالها فسرها لنا الواقع، فنحن نعرف إلى عهد قريب أن أكثر ما يدخل الناس النار هي المعاصي، أو الكفر بالله ، لكن هل تظنون أن هناك طاعات مزعومة أصبحت تدخل الناس النار أكثر من المعاصي؟! فإنك لو ذهبت إلى بعض البلاد لوجدت أُناساً يعبدون الله عبادة لا نستطيع أن نعبد الله معشارها، ونحن متأكدون أنهم ماتوا على هذه العبادة، ومع ذلك فهم حطب لجهنم، وليس هذا الأمر غريباً، فإن أهل النار إذا دخلوا النار يقولون لمن كان سبباً في إضلالهم: ﴿إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾ [الصافات:٢٨]، أي: لم تأتونا عن طريق المعصية، وإنما أتيتمونا عن طريق الطاعة. ولذلك لو أقسمت بأنّ أكثر من ثلاثة أرباع هذا العالم الآن يعرضون أنفسهم لعذاب الله عن طريق الطاعة، وأنّ الربع هو الذي يعرض نفسه للعذاب عن طريق المعصية ما كنت حانثاً، فهناك بدع وخرافات ووثنيات تفعل بقصد الطاعة والتقرب إلى الله تعالى! ووالله لقد رأينا بعضهم يقضي الليل كله في عبادة، ولكنها لا تزيده من الله إلا بعداً، وتذكرنا قول الله : ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ [الغاشية:١ - ٤]. إذاً: لا بد أولاً أن نصحح المسار، قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود:١١٢]، ولم يقل الله تعالى: (فَاسْتَقِمْ) فقط، والاستقامة هي لزوم الطريق المستقيم، لكنه قال: (كَمَا أُمِرْتَ) فيفهم من ذلك أنّ هناك استقامة ليست كما أمر الله تعالى، أي: ليست استقامة حقة، ولكنها تشبه الاستقامة في ظاهرها، وأما الاستقامة التي تدخل الجنة فهي: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ) وليست: فاستقم كما تهواه نفسك، وكما يمليه عليك ضميرك. أيها الإخوة! نحن مطالبون بأن نقف في أول خطوة من خطوات هذا العام الجديد تائبين متفقدين لأعمالنا، فإن كان هناك شرك أو أخطاء في المسار فعلينا أن نعود وأنْ نصحح؛ لأن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً وصواباً على المنهج الذي جاء به محمد ﷺ ، فقد قال الصحابة ذات يوم: يا رسول الله! الرجل منا يعمل العمل من أجل الله، ولكن يحب أن يراه الناس -أي: فماذا عليه في ذلك؟ - فأنزل الله جواباً على هذا السؤال ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠]، فاشترط الله تعالى في العمل شرطين: أن يكون صالحاً، وألاّ يكون فيه شرك. والمراد بالعمل الصالح أن يكون موافقاً للمنهج الذي جاء به محمد ﷺ من عند الله، فالعمل الذي تحقق فيه هذين الشرطين هو العمل المقبول. ولذلك لما ذكر الله تعالى الوصايا العشر في سورة الأنعام قال في آخرها: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:١٥٣]، (وقد خط الرسول ﷺ خطاً مستقيماً ثم قال: هذا صراط الله، وخط عن يمينه وشماله خطوطاً كثيرة وقال: وهذه هي السبل، وعلى كل واحد منها شيطان، وعليها ستر مرخاة) أي: مغطاة، ولكن يأتي الشيطان ويكشف هذا الطريق، ويدخل الناس منها يميناً أو شمالاً، ويتركون الطريق المستقيم. لقد أدركنا الآن أن هناك طرقاً منحرفة يميناً وشمالاً، وعرفنا الشياطين الذين يدعون إلى السبل، وللأسف أن أسماءهم لم تكن أبا جهل وأبا لهب كما كان ذلك في الجاهلية السابقة، بل تجد أن أسماءهم: عبد الله، وعبد الرحمن، وعبد العزيز، وسيف الدين، وصلاح الدين، وعماد الدين، وسعد الدين، ومع ذلك فهم الذين يزيحون هذه الأستار، ويقولون للناس: اسلكوا هذه السبل إلى النار، وهذا أمر خطير، فلم يمر في تاريخ البشرية مثل هذا الحدث التاريخي الأسود: أن يكون دعاة على أبواب جهنم من أبناء جلدتنا، وممن يتكلمون بألسنتنا، فلو كان العدو من الخارج فمن السهل أن تحصن الحدود، وتحمى الطرقات، وتطوق بلاد المسلمين، ولكن المشكلة كما قال الشاعر: وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على الحر من وقع الحسام المهند وقديماً قال أحد أعداء الإسلام كلمة ما كان الناس يعرفون معناها، بل لم يكن معناها يخطر بالذهن، قال: إن شجرة الإسلام عظيمة، ولها جذور، وإنكم لا تستطيعون أن تقطعوها إلا من غصن من أغصانها. فما كان هذا الكلام معروفاً أولاً، أما الآن فقد رأينا هذه الأغصان التي يحاول أعداء الإسلام أن يقطعوا بها شجرة الإسلام السامقة.

стр. 54

استعراض صحائف الأعمال في كل عام والدعوة إلى التوبة إنّ الأمر الذي يهمنا: أننا الآن نعيش فترة عام جديد، ونبتدئ فترة من فترات العمر الثمين، فلا بد أن نقف فيها لحظات من الزمن للتفكير، وكل واحد منا يستعرض صحائف الأعمال وكأنها منشورة أمامه، ويقول لنفسه: أنا عملت في العام الماضي كذا وكذا وكذا، فالتوبة التوبة، وقصرت في جنب الله في العام الماضي في كذا وكذا، وأولادي لم أُربّهم في العام الماضي على طاعة الله، وكانت في بيتي أفلام وصور وكتب ضلال ومحرمات وغير ذلك، فهل هذه تقربني إلى الله أو تبعدني من الله ؟ وقد فرطت في الأمانة، فأنا مدرس مؤتمن على أبناء المسلمين ومع ذلك ما كنت أقوم بالنصيحة لهم، وما كنت أقوم بتربيتهم، وأنا إمام مسجد ولم أتفقد جيراني والمصلين معي، وهذه كلها أخطاء لا بد أن أصلحها في هذا العام الجديد، ولم أكن أقوم في العام الماضي بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وفي مثل هذه الأيام بصفة خاصة، لأن هذه الأيام تعتبر مفرقاً بين طريقين: أجل قد مضى لا ندري ما الله صانع فيه، وأجل قد بقي لا ندري ما الله قاض فيه. ولذلك: فعلى كل واحد منا أن يقف ساعة مفكراً بينه وبين نفسه: ماذا عمل؟ وماذا ترك؟ وهل أعماله ترضي الله ، أو أنها مما يغضبه سبحانه؟ فلا بد أن يبادر بالتوبة، وما يدريك يا أخي! ربما يكون هذا العام هو آخر أيامك في هذه الحياة، بل ربما تكون هذه الليلة هي آخر ليلة لك في الحياة، وكم من الناس من ينام على فراشه الوثير آمناً مطمئناً، فلا ينتبه إلا في يوم الحشر! وكم من الناس من يعيش مع زوجته وأهله في رغد من العيش، وفي نعمة، وفي فرح وسرور، ثم إذا به لا ينتبه إلا في ظلمة القبر! وهذا أمر مؤكد لا ينكره أحد من الناس، بل يؤمن به المؤمن والكافر، أعني: الموت.

стр. 55

خطورة التهاون بالصلاة ووجوب التوبة من ذلك لا بد أن يتفقد كل واحد منا نفسه، فإن كان عنده شيء من البدع التي تخالف المنهج الصحيح فعليه أن يبادر بالتوبة، وإن كان لا يحافظ على الصلوات الخمس فليبادر بالتوبة؛ لأن الله يقول عن الذين لا يحافظون على الصلوات الخمس: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا﴾ [القلم:٤٢ - ٤٣] يعني: في الدنيا ﴿يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ [القلم:٤٣] فتراه يسمع: الله أكبر حي على الصلاة حي على الفلاح، وهو سليم وصحيح ومعافىً وفي نعمة وفي رخاء، وليس بينه وبين المسجد إلا أمتار، وهناك أنوار كاشفة، وكل شيء متوافر، ومع ذلك لا يستجيب لنداء الله . وقد أخبر ﷺ أن الرجل الذي يقدم على الله بدون صلاة (يؤمر بأن يسجد يوم القيامة على طبق من نار، فإذا أراد أن يسجد لا ينثني ظهره، فينكب على وجهه في نار جهنم)، وهذا هو معنى قوله تعالى: (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ) أي: يكشف الله عن ساق نفسه، ويدعى هذا الإنسان ليسجد فلا يستطيع؛ لأنه كان في الدنيا يسمع المنادي يقول: حي على الصلاة، حي على الفلاح، وهو سالم، ثم لا يستجيب.

стр. 56

خطورة تعاطي الربا ووجوب التوبة منه من كان يتعاطى الربا فليبادر إلى التوبة، وليس هناك ذنب من ذنوب بني آدم بعد الشرك بالله أعظم من هذا الربا الذي تساهل فيه الناس، وأصبحوا يتعاملون به مع البنوك وكأنه أمر سهل! وأصبحوا يتعاملون بحيل مكشوفة فيما بينهم، فإنّ هذا من أخطر الذنوب، بل هو أخطر الذنوب بعد الشرك بالله والكفر، بدليل أن الله تعالى توعد الذي يأكل الربا ولا يتوب بالخلود في نار جهنم، مع أنه لا يخلد في نار جهنم إلا الكافر، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى﴾ [البقرة:٢٧٥] أي: تاب ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٧٥]، ويقبل الله تعالى توبته بشرط أن يرد هذه الزيادات المحرمة التي وصلت إلى جيبه، فليست ملكاً له: ﴿وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢٧٥]، ويقول الله بعد ذلك: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة:٢٧٩]، ويقول عبد الله بن عباس ﵁: (إذا كان يوم القيامة، قيل لآكل الربا: خذ سلاحك للحرب!) يعني: حارب الله، فكما كنت تحاربه في الدنيا، حاربه الآن!

стр. 57

خطورة عدم أداء الزكاة ووجوب التوبة من ذلك ومن كان لا يؤدي زكاة المال فليتق الله، وليؤد زكاة المال، فإن في العالم الإسلامي مجاعة، وإن في العالم الإسلامي جهاداً يكاد أن يتعطل، بالرغم من وفرة الأموال بأيدي الناس، فليبادر المؤمن بأداء هذه الزكاة قبل أن ينتقل هذا المال من يده إلى يد الوارث، فيكون الحساب عليه، والمتمتع به غيره، وليبادر بأداء الزكاة قبل أن يصفح له هذه المال صفائح من نار، فيحمى عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره عياذاً بالله! وكلما بردت أعيدت في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد -وهذا قبل دخول النار والجنة-، فيُرى مصيره إما إلى الجنة وإما إلى النار. ويقول الله تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت:٦ - ٧] فالذين لا يؤدون الزكاة يشابهون المشركين في هذا الذنب. ومن كان يتناول المحرمات كالمخدرات والمسكرات، أو يركب الفواحش، فعليه أن يبادر قبل أن يسقيه الله من طينة الخبال يوم القيامة، وهي عصارة أهل النار، فليتب قبل أن تقول نفس: يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله.

стр. 58

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأهميته ومن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وما أكثر الذين تركوا ذلك اليوم، فعليهم التوبة والقيام بهذه الشعيرة العظيمة، فوالله لو أن كل واحد منا ألقى كلمة في المجتمع، وقال للفاسق: اتق الله، لخجل هذا الفاسق، واتقى الله، سواء كان حياءً أو استقامة، لكن يمر الصالحون بالمجموعات في وقت الصلاة فلا يكاد أحدهم يقول لهؤلاء: اتقوا الله وصلوا، والجار يعرف بأن جاره يفعل بعض المحرمات من الفواحش والمعاصي والذنوب وترْك الواجبات فلا يبالي هذا الجار أن يقول له: اتق الله، بل الأعجب من ذلك أنّ بعض الآباء يعرف ما يفعله أبناؤه من المعاصي في داخل البيت، فلا يقول لهم: اتقوا الله، مع أن الله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:٦]. فالأمانة والمسئولية عظيمة، يقول الرسول ﷺ : (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته)، ويقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال:٢٧] وإذا أردتم الدليل على التفريط في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فانظروا إلى المسلمين المصلين في صلاة الفجر، وأحصوا الأطفال والشباب، فستجدونهم قلة، بالرغم من هذه الصحوة الإسلامية المباركة، وتجد هذا الأب كالسارية من سواري المسجد من شدة ملازمته للمسجد، ولكن لا يبالي ما يحدث في بيته، وكأنه وحده هو الذي سوف يحاسب بين يدي الله ؛ فهذه كلها من البلايا والفتن التي أصابت المسلمين. فعلينا أن نبادر بالتوبة، وأن نأمر بالمعروف، وأن ننهى عن المنكر، وألاّّ نخاف في الله لومة لائم، فإن الأرزاق والأعمار والآجال والحياة والموت كلها بيد الله وحده، (واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام، وجفت الصحف) هكذا يقول الرسول ﷺ . كذلك تجب علينا التوبة من الغيبة والنميمة والحديث في أعراض الناس، فهذه الأمور يجب علينا أن نحذرها.

стр. 59

انتشار الدين في هذا العصر واستغلال ذلك إنّ الأمر الذي يهمنا: أننا الآن نعيش فترة عام جديد، ونبتدئ فترة من فترات العمر الثمين، فلا بد أن نقف فيها لحظات من الزمن للتفكير، وكل واحد منا يستعرض صحائف الأعمال وكأنها منشورة أمامه، ويقول لنفسه: أنا عملت في العام الماضي كذا وكذا وكذا، فالتوبة التوبة، وقصرت في جنب الله في العام الماضي في كذا وكذا، وأولادي لم أُربّهم في العام الماضي على طاعة الله، وكانت في بيتي أفلام وصور وكتب ضلال ومحرمات وغير ذلك، فهل هذه تقربني إلى الله أو تبعدني من الله ؟ وقد فرطت في الأمانة، فأنا مدرس مؤتمن على أبناء المسلمين ومع ذلك ما كنت أقوم بالنصيحة لهم، وما كنت أقوم بتربيتهم، وأنا إمام مسجد ولم أتفقد جيراني والمصلين معي، وهذه كلها أخطاء لا بد أن أصلحها في هذا العام الجديد، ولم أكن أقوم في العام الماضي بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وفي مثل هذه الأيام بصفة خاصة، لأن هذه الأيام تعتبر مفرقاً بين طريقين: أجل قد مضى لا ندري ما الله صانع فيه، وأجل قد بقي لا ندري ما الله قاض فيه. ولذلك: فعلى كل واحد منا أن يقف ساعة مفكراً بينه وبين نفسه: ماذا عمل؟ وماذا ترك؟ وهل أعماله ترضي الله ، أو أنها مما يغضبه سبحانه؟ فلا بد أن يبادر بالتوبة، وما يدريك يا أخي! ربما يكون هذا العام هو آخر أيامك في هذه الحياة، بل ربما تكون هذه الليلة هي آخر ليلة لك في الحياة، وكم من الناس من ينام على فراشه الوثير آمناً مطمئناً، فلا ينتبه إلا في يوم الحشر! وكم من الناس من يعيش مع زوجته وأهله في رغد من العيش، وفي نعمة، وفي فرح وسرور، ثم إذا به لا ينتبه إلا في ظلمة القبر! وهذا أمر مؤكد لا ينكره أحد من الناس، بل يؤمن به المؤمن والكافر، أعني: الموت.

стр. 60

التفاؤل بالصحوة الإسلامية أيها الإخوة! نحن متفائلون في هذا القرن، فأنتم تشاهدون -والحمد لله- أن كل سنة أفضل من السنة التي قبلها، وأن كل جيل يكون أحسن من الجيل الذي مضى قبله في هذه السنوات الأخيرة، فهذه نعمة من الله ، فبالرغم من تقصيرنا في جنب الله ، وتقصيرنا في الدعوة، وتقصيرنا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكن يأبى الله إلا أن يتم نوره، وأن يظهر هذا الدين على الدين كله ولو كره المشركون، وإذا أردتم دليلاً على ذلك: فانظروا إلى الأبناء والآباء، فستجدون غالباً أنّ الأبناء أفضل من الآباء، بل ستجدون الأبناء الصغار أحسن من الأبناء الكبار، وهكذا كلما صغر السن كان صاحبه أقرب إلى الحق وإلى الفضيلة، فهذه فرصة أخشى ألاّ تطول، وإن كنا متفائلين بأنها -إن شاء الله- سوف تستمر، ولكن أخشى أن يُعترض سبيلُها؛ لذا يجب علينا أن نجد ونجتهد في الدعوة، وأن نستغل هذه الفرصة كما قال الشاعر: إذا هبت رياحك فاغتنمها فالرياح إذا هبت وأنت تريد أن تذرأ الزرع فلا تفوت الفرصة؛ لأنّ الرياح إذا توقفت في يوم من الأيام فإنك لا تستطيع أن تصلح حبك، ولذلك أقول: لا بد أن ننشط في الدعوة إلى الله في هذه الأيام، فهذه المراكز الصيفية والحمد لله، وهذه مراكز الدعوة التي يقوم فيها الشباب بتربية أبنائنا دون أن نحتاج إلى كلفة أو عناء، فما عليك يا أخي إلا أن تسلم ولدك إلى هذه المراكز التي منّ الله تعالى على هؤلاء الشباب الصالحين بإقامتها، فسعوا إلى تربية أبناء المسلمين، فنشكر هؤلاء الشباب، ونشكر الله ، ثم نشكر للدولة أيضاً فقد كانت سبباً في وجود هذه المراكز، ونرجو من الله أن يهديهم للاستقامة على دين الله، وأن يثبتهم على ذلك، وأن يهدي جميع ولاة أمور المسلمين.

стр. 61

حث الشباب على أن يكونوا على مستوى المسئولية أيها المؤمنون! لا بد من التوبة والمبادرة بالعمل الصالح قبل أن تفوت الفرصة، وأدعو الشباب ألاّ يفوتوا هذه الفرصة، وأن يبادروا بالتوبة، وأن ينضمّوا إلى أصحاب الصحوة الإسلامية، فقد تبين الرشد من الغي، وظهر الأمر جلياً، وأصبح الأمر واضحاً. ونريد من شبابنا هؤلاء ألاّ تغرهم هذه الأماني التي غرت كثيراً من الناس، فقدموا على الله على غير استعداد، وعلى غير أهبة، بل نريد منهم أن يكونوا في مصاف الرجال الذين أخبرنا الله عنهم في مواطن كثيرة من القرآن: ﴿رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور:٣٧]، ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب:٢٣]، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا﴾ [الأنبياء:٧]، وأن يتحملوا المسئولية، وأن يقتدوا بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام. فإن كانت أعمارهم في سن الشباب، أو في سن الطفولة، أو في سن ما يسمى بالمراهقة، فينبغي أن يكونوا في عقول الرجال، وفي مصاف الرجال، وهذا هو المنهج الذي سار عليه سلفنا الصالح ﵃، فقد كان في سلفنا الصالح من هم على مستوى المسئولية، وفي مصاف الرجال، وهو مازال في سن مبكرة من العمر، ولو أردنا أن نتحدث عن شيء من أخبار هؤلاء لأصبح الحديث قريباً من الخيال. أسامة بن زيد بن حارثة ﵄ قاد جيشاً إلى بلاد الشام في آخر حياة الرسول ﷺ ، وعمره لا يتجاوز ثماني عشرة سنة، وكان في هذا الجيش من كبار الصحابة، وسار هذا الجيش في الفترة التي مات فيها رسول الله ﷺ ، وأثبت للمسلمين قوته وشجاعته أمام الرومان، وكان لهذا الجيش ما له من الأثر، والقائد شاب لا يتجاوز عمره ثماني عشرة سنة! قائد آخر يصغره بالسن سنة كاملة، وهو: محمد بن القاسم الثقفي ﵀، فقد قاد جيشاً وعمره سبع عشرة سنة إلى بلاد السند، فضم إلى بلاد المسلمين ما يسمى بشبه القارة الهندية اليوم، وقتل داهراً ملك البلاد، ونشر الإسلام، وحطم الأصنام، وأقام دولة إسلامية هناك، ولعلكم تعرفون أن سكانها من المسلمين في أيامنا الحاضرة يزيدون على ثلاثمائة وخمسين مليوناً في الباكستان والهند وبنغلادش، وهي ما يسمى بشبه القارة الهندية، فهذه البلدان، وهذا العدد الكثير من السكان فتحها رجل واحد بجيش قليل، لكن بعزيمة أعتى وأصلب من الحديد، وما زال العالم الإسلامي يعتز بتلك المنطقة التي تعتبر من أبرز وأهم مناطق العالم الإسلامي، وسكانها يزيدون على ثلث العالم الإسلامي، فهذا شاب لا يتجاوز عمره سبع عشرة سنة، إلاّ أنّه شاب تربى على أيدي أصحاب رسول الله ﷺ ، والتابعين. وكان من شباب المسلمين في عهد رسول الله ﷺ من يقف في الصف على رءوس أصابعه، فسئل عن السر في ذلك؟ فقال: حتى يراني رسول الله ﷺ طويلاً، فيكتبني مع المجاهدين، ولذلك فنحن نريد هذا النوع من الشباب، علماً أن الساحة لم تخل -والحمد لله- من هذا النوع من الشباب، لكن نريد أن ندخل في السلم كافة، ونريد أن تنضم المجموعة إلى المجموعة؛ وحينئذ يفرح المؤمنون بنصر الله.

стр. 62

سقوط صنم الشيوعية والله يا إخوان! من يسافر إلى أرض أفغانستان في أيامنا الحاضرة فسيرى شيئاً من هذه العجائب، سيرى شباباً في مستهل العمر، وقد كانوا أبناء ترف، ونشئوا في بيوت نعمة ورخاء، من هذه البلاد المباركة ومن غيرها، ويتسابقون هناك إلى الموت، وكأنهم عاشوا في شظف من العيش، وخشونة من الحياة، وما كأنهم أبناء نعمة ورخاء، وكان لتواجدهم هناك أثر في سقوط صنم الشيوعية، فقد كان أبناء المسلمين يتسابقون إلى الموت من كل بلاد العالم الإسلامي، وحتى من البلاد المدنية، ومن أصحاب الرخاء والنعمة، فوالله لو رأيتم ما رأيت لرأيتم أمراً عجباً، وليس بالعجب على هذا الدين، فإن الإسلام يصنع أمثال هؤلاء الرجال، ولو كانوا في مستهل الحياة. نحن نريد من شبابنا أن ينتبه، فمنهم من لم ينتبه بعد، وأن يستيقظ، فمنهم من لم يزل نائماً، وأن يبدأ هذه الحياة بتوبة وإنابة وعمل وجد، لا سيما وأن المذاهب المنحرفة، والأفكار الضالة بدأت تتساقط اليوم أمام أقدام المسلمين، فهذا هو صنم الشيوعية المادية الملحدة -وهو أكبر صنم- قد هوى وتساقط، وقد كانت ترهب العالم الإسلامي في يوم من الأيام، وكانت تقض عليهم مضاجعهم، وأنا واثق بإذن الله، بل وأقسم -لأن الله قد وعدنا بذلك، وهو لا يخلف الميعاد- أنّ كل هذه الأصنام، وكل هذه الأوثان، وكل هذه الملل، وكل هذه الأفكار المنحرفة سوف تهوى وتتساقط بإذن الله أمام أقدام المسلمين؛ وذلك حينما يشعر شباب الأمة الإسلامية بالواجب الذي أناطه الله بأعناقهم، وحينما لا يقتل الوقت في لعب الورق والأعمال التي تضيع العمر، بل فيما هو أخطر من ذلك فيما حرم الله ، ولذلك فأنا أدعو الشباب إلى أن يتربى في المسجد، فإن الله قد أخبرنا أن شباب المسجد هم الرجال، وهم الذين تلتهب في عقولهم وفي قلوبهم أضواء الإيمان: ﴿كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ﴾ [النور:٣٥]، ثم يقول الله تعالى بعد ذلك: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور:٣٦]، فهذا هو متربى الرجال حقيقة، ولا أريد شباباً يتربى أمام الأفلام، ويرقب عقارب الساعة منتظراً لمواعيد الأفلام، ويبحث عن المسلسلات، ويبحث عن أشياء أخرى تعرفونها لا تحتاج إلى تعداد، بل أريد شباباً قلوبهم معلقة بالمسجد كما أخبر الرسول ﷺ ، فتراه يرقب عقارب الساعة منتظراً مواعيد العبادة والوقوف بين يدي الله . ينبغي أن يكون الشباب على هذا المستوى، ويشعر بهذه المسئولية، ويقدر لها قدرها، ويقيم لها وزنها، ويأخذ من مرور السنين والأيام العظة والعبرة، وكلما مر عليه يوم من أيام الله ازداد قرباً من الله ، فكل يوم مضى يقربه من الحياة الآخرة، مهما كان، وفي أي سن كان، قال الشاعر: والمرء يفرح بالأيام يقطعها وكل يوم مضى يدني من الأجل وقال الآخر: دقات قلب المرء قائلة له إن الحياة دقائق وثوان يعني: اعرف أن عمرك دقات قلب، ولو أردت أن تحسب دقات هذا القلب لوجدتها محدودة، وسوف تتوقف هذه الدقات في أي لحظة، وتنتهي الحياة، فالمسلم مطالب أن يستغل الفرصة، والله تعالى قد أخبرنا بالحكمة من خلق هذا الإنسان، فقال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، فجميع ما يزاوله الناس من أعمال في تعمير الحياة الدنيا أو كسب العيش، أو تحصيل أي أمر من الأمور، إنما هي وسيلة وليست بغاية، أما الغاية فهي العبادة.

стр. 63

استغلال الحياة وفترة الشباب في الطاعة إنّ الأمر الذي يهمنا: أننا الآن نعيش فترة عام جديد، ونبتدئ فترة من فترات العمر الثمين، فلا بد أن نقف فيها لحظات من الزمن للتفكير، وكل واحد منا يستعرض صحائف الأعمال وكأنها منشورة أمامه، ويقول لنفسه: أنا عملت في العام الماضي كذا وكذا وكذا، فالتوبة التوبة، وقصرت في جنب الله في العام الماضي في كذا وكذا، وأولادي لم أُربّهم في العام الماضي على طاعة الله، وكانت في بيتي أفلام وصور وكتب ضلال ومحرمات وغير ذلك، فهل هذه تقربني إلى الله أو تبعدني من الله ؟ وقد فرطت في الأمانة، فأنا مدرس مؤتمن على أبناء المسلمين ومع ذلك ما كنت أقوم بالنصيحة لهم، وما كنت أقوم بتربيتهم، وأنا إمام مسجد ولم أتفقد جيراني والمصلين معي، وهذه كلها أخطاء لا بد أن أصلحها في هذا العام الجديد، ولم أكن أقوم في العام الماضي بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وفي مثل هذه الأيام بصفة خاصة، لأن هذه الأيام تعتبر مفرقاً بين طريقين: أجل قد مضى لا ندري ما الله صانع فيه، وأجل قد بقي لا ندري ما الله قاض فيه. ولذلك: فعلى كل واحد منا أن يقف ساعة مفكراً بينه وبين نفسه: ماذا عمل؟ وماذا ترك؟ وهل أعماله ترضي الله ، أو أنها مما يغضبه سبحانه؟ فلا بد أن يبادر بالتوبة، وما يدريك يا أخي! ربما يكون هذا العام هو آخر أيامك في هذه الحياة، بل ربما تكون هذه الليلة هي آخر ليلة لك في الحياة، وكم من الناس من ينام على فراشه الوثير آمناً مطمئناً، فلا ينتبه إلا في يوم الحشر! وكم من الناس من يعيش مع زوجته وأهله في رغد من العيش، وفي نعمة، وفي فرح وسرور، ثم إذا به لا ينتبه إلا في ظلمة القبر! وهذا أمر مؤكد لا ينكره أحد من الناس، بل يؤمن به المؤمن والكافر، أعني: الموت.

стр. 64

حال الإنسان في هذه الدنيا هذا الإنسان إما أن يكون جاداً في السير إلى ربه، أو غير جاد، وأنا أشبه هؤلاء الناس بقسميهم برجلين، أعلنت الدولة أن هذين الرجلين سوف ينفيان بعد مدة من الزمن إلى صحراء قاحلة، إلاّ أنّ هذه المدة مجهولة وغير محدودة الأمد، فكان أحدهما عاقلاً فقال: ما دامت هناك صحراء قاحلة ليس فيها سكن، وليس فيها ماء، وليس فيها ظل، فسأقوم بعمارة هذه الصحراء، فمتى تم الرحيل كنت مسروراً، فشرع في عمارة هذه الصحراء، فحفر فيها بئراً، وغرس فيها غرساً، وبنى فيها داراً، وجهزها للرحيل، أما الآخر فكان ذا كسل، وكان ذا ملل، وكان ذا تسويف فقال: سأنام، حتى إذا قرب موعد الرحيل إلى هذه الصحراء سعيت إلى عمارتها. وهكذا الإنسان في هذه الحياة الدنيا، وما أسرع ما تنقضي هذه الحياة الدنيا! ولذلك فإن الله تعالى يمثل لنا هذه الحياة الدنيا بالزرع فقط، وأكثركم يستعمل الزراعة، فإنك ترى الزرع ينبت اليوم، ثم يرتفع، ويخضر، وينمو، ويقوى، ثم يبدأ يصفر، ثم يتساقط: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ﴾ [يونس:٢٤] اخضرت ﴿أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ﴾ [يونس:٢٤] زهور وروائح جميلة ﴿وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا﴾ [يونس:٢٤] يعني: الحصاد في أي لحظة ﴿أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ﴾ [يونس:٢٤]، هذا هو مثل الحياة الدنيا! ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ [الكهف:٤٥]. أيها الإخوة! إن أمر الإنسان قريب الشبه بالنبات؛ ولذلك كثيراً ما يصور الله الحياة الدنيا بالنبات، والإنسان في ولادته يشبه النبتة حين تنبت من الحبة في جوف الأرض، ثم في نموه، ثم في اكتمال نموه، ثم في اصفراره، ثم في يبوسته وتساقطه على الأرض، ثم في عودته مرة أخرى حينما يأتي الماء؛ لذا يشبّه الله دائماً هذا الإنسان بهذا النبات.

стр. 65

الحكمة من الحياة والموت لقد أخبرنا الله تعالى عن الهدف من الموت والحياة، فنحن لا نقول كما يقول ذلك الملحد: أنا لا أدري من أين جئت؟ وإلى أين سأذهب؟ بل نحن نعرف أننا جئنا من أصلاب آبائنا، ابتداءً من أبينا الأول آدم، ونعرف أننا خلقنا للعبادة، ونعرف أننا ذاهبون إلى الدار الآخرة، ونعرف أن هذه الحياة الدنيا إنما هي جسر وممر، وقد حدد الله تعالى هذا الهدف فقال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك:١ - ٢] فهذا هو الهدف، ومن جهل هذا الهدف فعليه أن يعرفه، واعلموا أنّ الليل والنهار خزانتان، فانظروا ماذا تودعون فيهما؟ والليل والنهار خلفة كما أخبر الله ، أي: يخلف أحدهما الآخر، فإذا فاتتك عبادة في الليل فاستبدلها بعبادة في النهار: ﴿إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ [المزمل:٧] وإذا فاتتك عبادة النهار: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾ [الإنسان:٢٦] ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ﴾ [الفرقان:٦٢] والخلفة عند العرب: هي ما بين الحلبتين، فتحلب الناقة، ثم تكون هناك فترة، ثم تحلب مرة ثانية، ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان:٦٢].

стр. 66

استغلال فترة الشباب في طاعة الله تعالى اعلم يا أخي المسلم! بصفة عامة، ويا أخي الشاب! بصفة خاصة: أن لك عمراً محدداً من عند الله ، وأنك تمر بأطوار: طفولة، ثم فتوة، ثم شيخوخة، ثم فناء، وحينما نقول: فناء -أي: موت- أعني: فناء له عودة، قال الله تعالى: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾ [الروم:٥٤] ولكن اعلموا أنّ أيام الفتوة وأيام الشباب هي أفضل وقت للعمل؛ ولذلك يقول النبي ﷺ : (لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه؟ وعن شبابه فيما أبلاه؟ وعن ماله من أين اكتسبه، وفيما أنفقه؟ وعن علمه ماذا عمل به؟). فهذه أربعة أسئلة استعدوا لها: أين أمضينا العمر؟ وكيف أمضيناه؟ وقوة الشباب التي هي أحسن فرصة للعبادة ماذا فعلنا بها؟ هل استعملناها في معصية الله، وغرتنا الأماني وقلنا: يمكننا التوبة فيما بعد، أم استعملناها فيما يرضي الله؟ والله تعالى يقول: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية:٢١]، ولذلك فقوة الشباب نسأل عنها، وكذلك نسأل عن الصحة والعافية، قال رسول الله ﷺ : (اغتنم خمساً قبل خمس: صحتك قبل مرضك، وشبابك قبل هرمك، وغناك قبل فقرك، وحياتك قبل موتك، وفراغك قبل شغلك) فقد تشغلك الأمراض، فتحاول أن تعبد الله فتعجز، أما الآن فأنت في صحة، فبادر بهذه الصحة، واستغلها فيما يرضي الله . إخوتي! أدعو نفسي وأدعوكم إلى التوبة والإنابة إلى الله ، واستغلال مستهل العمر، فإن للشباب طفرة لا بد أن يصحبها عقل وتفكير وخوف وخشية من الله ، وإلا فكما قال الشاعر: إن الشباب والفراغ والجدة مفسدة للمرء أي مفسدة إنّ الشباب والقوة سلاح ذو حدين، فإما أن يستغل الإنسان هذه القوة فيما يغضب الله ، فحدث ولا حرج عما تحدثه هذه الفتوة وهذا الشباب من شر، وإما أن يستغله في خشية الله ، وما يرضي الله ، ولا أظن أن أحداً من الناس يستطيع أن يفعل ما يفعله الشباب من الأعمال الصالحة؛ لأن هذه القوة العارمة لا تقف عند حد من الحدود.

стр. 67

مسئولية الدعوة إلى الله تعالى وترك المنكرات أيها الإخوة الشباب! أنا أحمل كل واحد منا مسئولية أمام الله ، مهما كان موقعك في هذه الحياة، فإن كنت عضواً في المراكز الصيفية فاجذب أبناء المسلمين إلى هذه الخلايا الطيبة، وأنقذهم من جلساء السوء، ومن الفراغ، وإن كنت مدرساً فوجه هؤلاء الأبناء إلى ما يرضي الله ؛ فإنهم أمانة، وإن كان لك إخوان فاحفظ إخوانك مما يغضب الله ، وإن كنت أباً فاحذر أن تضيع الأمانة، فإنك ستسأل عنها يوم تقف بين يدي الله ، فقد جاء في الأثر: (إنّ البنت توقف أباها بين يدي الله ، وتقول يوم القيامة: يا رب! زده عذاباً ضعفاً في النار؛ لأنّه خانني). وإن كنت جاراً، فاتق الله في الجوار، وأد حق الجوار، وأعظم حقوق الجوار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإن كنت صاحب مكتبة فاحذر أن تجلب إلى بلادك ما يغضب الله من الصور والفتن، وما يفسد أخلاق وعقول الشباب، وإن كنت في أي موقع من مواقع هذه الحياة، فاعلم أنك على ثغر من هذه الثغور، وسوف تسأل عن هذه الأمانة يوم تقف بين يدي الله . وفي الأخير أقول: لا أعلم أن أحداً منكم أعظم تقصيراً مني، أو أكثر إثماً مني، ولكني أستغفر الله لي ولكم ولكافة المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه غفور رحيم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 68

الأسئلة

стр. 69

معنى (لا إله إلا الله) ولوازمها السؤال إذا كان كل من قال: (لا إله إلا الله، محمد رسول الله) إلى الجنة، ولو عمل ما عمل، وفعل ما فعل من المعاصي، فلماذا نعمل إذاً؟ الجواب هذا الظن خطأ! ولعل الأخ الذي أورد هذا الإشكال أخذ ذلك من حديث البطاقة، ففيه أن هناك بطاقة فيها: (أشهد أن لا إله إلا الله) توزن مع السجلات، فتطيش السجلات وتثقل البطاقة، وهذا الحديث صحيح، وفي أحاديث أخرى: (إن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله). اعلم يا أخي! أنّ هذا عنوان وأصل له فروع، فإن (لا إله إلا الله) لو أردت أن تحللها لوجدت أنها تحتوي على كل الأعمال الصالحات، وتجنب جميع المنكرات التي يفعلها الناس، فكلمة: (لا إله إلا الله) لها مسئوليات، ولها إثبات، ولها نفي، ولها إيجابيات، ولها سلبيات، فمعنى رجحان البطاقة: أنّ هذا الإنسان الذي قدم بها على الله وفيها: لا إله إلاّ الله، أنه كان يطبق حقيقتها؛ لأن معنى (لا إله): أن تنفي كل ما يعبد من دون الله من الشهوات والمحرمات وكل ما يغوي الإنسان ويورده النار، و (إلا الله) معناها: العبودية لله وحده، وهذه العبودية تتطلب أداء كل أركان الإسلام، وكل الواجبات. لكن إذا أدى الإنسان أركان الإسلام، وكان عليه ما عليه من الآثام فقد يتجاوز الله عنه؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، أما الكفر والشرك فإن الله لا يغفر منهما شيئاً، وكذلك ترك الصلاة فإنه كفر، فهل يفكر في دخول الجنة من لا يصلي؟! نقول: لا، فإنه كافر مرتد؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّين﴾ [التوبة:١١]، فمعنى (لا إله إلا الله) أن يعمل بمقتضى هذه الكلمة نفياً وإيجاباً، وأن يؤدي الأركان التي هي أسس دخول الجنة، وهي مفتاح الجنة، لكن لو كانت عليه بعض الذنوب والآثام فإن الله قد يغفرها له بشرط ألاّ تكون حقوقاً للناس؛ لأن حقوق الناس لا بد أن تؤديها إلى أصحابها، أما لو كانت عليه سيئات بينه وبين ربه فإن الله تعالى قد يتجاوز عنها ولا يبالي، كما جاء في الحديث الصحيح: (يا ابن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة). وكون الإنسان يقدم على ربه سبحانه بسيئات لم يتب منها فهذه مخاطرة، لكن لو قدم بسيئات لا تصل إلى درجة الكفر، ولا درجة الشرك، فلعل الله أن يتجاوز عنها؛ لأنه تعالى وعد بذلك، ولكن لم يعط الوعد لكل الناس، بل لمن يشاء، فقال: (وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ) يعني ما دون الكفر والشرك (لِمَنْ يَشَاءُ) أي ليس لكل الناس. فكلمة (لا إله إلا الله) وحدها لا تدخل الجنة، إلا إذا عمل الإنسان بمقتضاها نفياً وإثباتاً، لأن (لا إله) معناها: أن ينبذ العبد عبادة الهوى والشهوات والمعاصي والمحرمات، و (إلا الله) معناها: أن يقيم تعاليم الإسلام، لأن معنى الإيمان بالله أن يقيم تعاليمه ، وأن يطيعه في أوامره، ولذلك جاء في الأثر: (لا إله إلا الله: هي مفتاح الجنة، لكنها تحتاج إلى أسنان) فهي مثل شجرة تحتاج إلى ثمر، وهذه الثمر هي الصالحات.

стр. 70

أسباب الثبات على هذا الدين وأسباب الانحراف عنه السؤال الصحوة بحمد الله منتشرة، ولكن ما هي الأسس التي تثبت الشباب التائب على التوبة، وجزاكم الله خيراً؟ الجواب الأسس كثيرة، والعقبات كثيرة، وأكبر عقبة تصرف الشباب عن الصحوة الإسلامية بعد أن يهتدوا هي: جلساء السوء، فكثيراً ما نسر بشاب اتجه إلى ربه، ثم نفاجأ بعد فترة أنه قد انحرف، وإذا تتبعنا أخباره وجدناه يصاحب أناساً لا خلاق لهم، فربما يسخرون من تدينه، ويسخرون من لحيته، ويسخرون من ثوبه القصير، ويسخرون من سلوكه، وقد يسخرون من ذهابه إلى المسجد، فهذا يعتبر من أكبر العقبات التي تحرف الشباب. ولذلك نقول: إنّ أول ما تفعله حينما تتجه إلى الله أن تتجنب جلساء السوء، إلا إذا كنت على مستوى عالٍ من العقلية والقوة الشخصية، فتريد أن تدعوهم إلى الله فهذا أمر مطلوب، أما إذا كنت أقل منهم شخصية فإن عليك أن تجتنبهم. ومن الأسباب التي تثبت الإنسان على هذا الطريق العلم، فإني أرى اليوم كثيراً من الشباب الذين اتجهوا إلى الله قد اكتفى بما عنده من العلم، وربما يأتيه شيطان من شياطين الإنس أو شياطين الجن ويوسوس له، ثم يحرفه، ولذلك أقول: عليك أن تبحث عن العلم الشرعي الذي يعرفك بالله ، وأن تقرأ القرآن وتتفهم معانيه، وأن تقرأ شيئاً من أحاديث الرسول ﷺ وتتفهم معانيها، وأن تقرأ شيئاً من الكتب العصرية التي تحذر من الأفكار التي تفد إلى بلاد المسلمين، ثم تجتنب هذه الأشياء، فهذه كلها أمور مطلوبة في سبيل هذه الصحوة الإسلامية المباركة. كذلك من هذه الأشياء: أن يسأل الإنسان الثبات من الله ، بل هذا أهم الأمور، والرسول ﷺ كان دائماً يقول: (يا مقلب القلوب! ثبت قلبي على دينك)، فإذا كان الرسول ﷺ يقول هذه الكلمة فكيف بنا نحن المقصرين؟! فيجب علينا أن نسأل الله دائماً الثبات، وجاء عن عائشة ﵂ أنها قالت لرسول الله: (يا رسول الله! أتخشى على نفسك وأنت رسول الله؟! فقال: يا عائشة وما يؤمنني وقلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء؟). فيجب علينا أن نسأل الله الثبات، لا سيما في عصر الفتن الذي نعيشه اليوم، هذا العصر الذي يصبح فيه الرجل مؤمناً، ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، عصر التقلب؛ لذلك نسأل الله دائماً الثبات ولا نغتر؛ لأنّ الغرور أخطر شيء في حياة الإنسان، فهو الذي أخرج إبليس من الجنة، وأدخله النار، بل جعله قائد الكفرة إلى النار، فعلينا أن نستشعر التقصير في جنب الله ، والله تعالى يقول: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم:٢٧].

стр. 71

خطورة الاستهزاء بالدين أو بحامليه السؤال ذكرت أن من الأسباب التي تثبت الإنسان على الدين: بعده عن قرناء السوء، وذكرت استهزاء بعض الناس به، فما توجيهك حول الاستهزاء بالشباب الصالحين؟ الجواب هذا الأمر من أخطر الأمور التي يبتلى بها من يضل عن الطريق، فالاستهزاء بدين الله أعظم ذنب في هذه الحياة، ولذلك سمى الله تعالى الذين يسخرون من المؤمنين أئمة الكفر، وأمر بقتالهم، فقال سبحانه: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ﴾ [التوبة:١٢]، وفي قراءة سبعية: (إنهم لا إيمان) فالذي يسخر من دين الله يكون من أئمة الكفر، وليس كافراً فقط، ولذلك فالذين يسخرون من الدين ويقولون: انظر إلى لحية فلان، وانظر إلى ثوبه القصير، لا يعلمون أنّ هذه سنة الرسول ﷺ ، فبسبب طول الأيام، والمشاكل التي أصابت المسلمين، والانحراف، والغفلة الطويلة، نسي المسلمون أن هذه سنة الرسول ﷺ ، فصار بعضهم يسخر من ثوب الإنسان القصير، وما علم أن هذه سنة النبي ﷺ ، وصار يسخر ويقول: انظر إلى فلان إذا أراد أن يصلي يمد ظهره، ويضع يديه، وانظر كيف يقبض نفسه، ولا يصلي إلا إلى سترة، وما علموا أنّ هذه كلها من سنة الرسول ﷺ ، فهناك أمور كثيرة نسيها الناس وهي من سنة الرسول ﷺ ، فلما أراد بعض إخواننا أن يحيي هذه السنة، ظن هؤلاء الناس أنهم قد ابتدعوا في دين الله. المهم يا إخواني! إذا وصل الأمر إلى السخرية من دين الله فهو عظيم وخطير، فإذا كانت السخرية من نفس الإنسان مصيبة، فما بالك بالسخرية من دين الله تعالى، وأنت حينما تسخر من إنسان اتسم بسنة الرسول ﷺ فإنما تسخر من السنة نفسها لا من ذات ذلك الإنسان، فيخشى أن يقع عليك هذا الوعيد: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾ [التوبة:١٢]؛ لذلك أقول: اتق الله يا من وقع في السخرية بهؤلاء المؤمنين! وهذا الأمر يحدث في أيامنا الحاضرة كثيراً، بل أسمع بعض الآباء يسخرون من أبنائهم فيقولون في بعض الأحيان: ولدي موسوس، ولدي دخله الدين، ولدي فيه كذا، وهو في الحقيقة لا يسخر من ولده، وإنما يسخر من دين الله ، فنحذر هؤلاء الناس من الوقوع في ذلك. وقد أخبرنا الله أن هذا الصراع سنته في الحياة دائماً وأبداً، فالناس على صنفين: مجرم، ومؤمن، والساخر هو المجرم، والمسخور منه هو المؤمن، ولذلك يقول الله تعالى في سورة المطففين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾ [المطففين:٢٩ - ٣٠]: انظر إلى لحيته انظر إلى ثوبه انظر إلى شكله، مسكين هذا، وما عرف هذا الساخر أنه هو المسكين، وليس هذا المسكين ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ [المطففين:٣٠ - ٣١]؛ أي: إذا ذهب إلى بيته يقول لزوجته: ولد فلان ما أدري هل أصيب في عقله؟! أراه الآن قد رفع ثوبه، وأرخى لحيته، وأصبح يتمسكن، فما أدري ما الذي حدث له؟! فيتفكه هو وأهله بولد فلان من الناس، أو حتى بولده، والله تعالى يقول: ﴿وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُوا فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ * وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ﴾ [المطففين:٣٢ - ٣٣]، ثم تتغير هذه المعايير يوم القيامة، يقول الله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ﴾ [المطففين:٣٤ - ٣٥]، ولذلك أقول: انتبهوا لهذا الأمر. وقد أخبرنا الله في مكان آخر أن أهل النار يعتذرون إلى الله فلا يقبل الله عذرهم، ويقول لهم: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ * إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٩ - ١١١]، فنحتاج إلى صبر يا إخوان، لما تجد أباك أو أخاك يسخر منك، ويضحك منك، أو تجد إنساناً آخر لا يخشى الله يسخر منك، فإن هذه السخرية مؤلمة للنفوس، فتحتاج إلى صبر، وهذا الصبر هو الذي يدخلك الجنة، وامتداد هذه السخرية هي التي تدخله النار، نعوذ بالله: (إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ) (فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ) (إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ). وكما أخبرنا الله في القرآن في سورة الصافات: أن رجلاً كان له قرين كاد أن يفتنه في دينه، ويسخر من تدينه، وكاد أن يميل معه لولا أن الله تعالى ثبت أقدامه عن هذه المزلة، فإذا دخل الجنة بحث أين ذهب فلان؟ ويقول لجلسائه في الجنة: ﴿إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ * قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ [الصافات:٥١ - ٥٤] أي: يبحثون عنه ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:٥٥]، فماذا يقول له؟ ﴿قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ * وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [الصافات:٥٦ - ٥٧]، يعني: بسخريتك وبأذيتك وبمخالطتك الخبيثة كدت أن تدخلني معك النار، ولولا أن الله رحمني لكنت معك، أي: أنه يطل عليه من شرفات الجنة، وذاك يتقلب في لهب جهنم. فالسخرية من المؤمنين أمر خطير، ومن ابتلي بمعصية فلا يسخرن ممن هداه الله للفطرة، وأنا أقول لكم بهذه المناسبة: أنا أرى الثياب تجر في هذه البلاد أكثر من أي بلد آخر، فما أدري ما هو السبب؟ فإن كثيراً من الشباب الذين لم يهتدوا بعد، أو عندهم بعض الصبوة يجرون ثيابهم، ويسخرون في بعض الأحيان من الشباب الذين يرفعون ثيابهم، وسنة الرسول ﷺ أنه يرفع الثوب عن الكعبين، وفي الحديث: (أزرة المسلم إلى نصف ساقه) وما كان أسفل من الكعبين فهو في النار، فأنا أحذر هؤلاء الشباب الذي يجرون ثيابهم، ويجعلونها تخط الأرض، أحذرهم من هذا الوعيد الشديد، ويقول الرسول ﷺ أيضاً: (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم، فقال أبو ذر: خابوا وخسروا، من هم يا رسول الله؟! قال: المسبل، والمنان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب) فأولهم المسبل، ويقول رسول الله ﷺ : (من جر إزاره خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة) فإذا رأينا من يجر ثوبه فعلينا أن نقول له: اتق الله، بل إن الرسول ﷺ رأى مرة رجلاً يجر ثوبه وهو يصلي فقال: (اذهب فأعد الوضوء) فاستدل بعض العلماء بهذا الحديث -وإن كان فيه شيء من الضعف- على أن الصلاة تبطل إذا كان المصلي مسبلاً إزاره خيلاء، فنعوذ بالله من ذلك.

стр. 72

كيف يستغل الوقت في العطلة الصيفية السؤال وقت الفراغ في العطلة الصيفية يكون كبيراً، فبماذا تنصحنا في هذه العطلة كي نستغل الفراغ؟ الجواب استغل الفراغ فيما يرضي الله تعالى، واعلم أن الشيطان يبحث عن الفراغ ليملأه بالشرور، والفرص الآن -والحمد لله- كثيرة، فهذه المراكز الصيفية موجودة، وأنا أكرر رجائي لكل أب أن يضم ولده إلى هذه المراكز الصيفية؛ لأن القائمين عليها -والحمد لله- كلهم أهل خير، نحسبهم كذلك والله حسيبهم، أو إلى المكتبة، فإن المكتبة تشغل فيها الفراغ، وتعرف أمور دينك ودنياك، أو إلى العمل إذا لم تكن أهلاً لهذا ولا لذاك، فتعمل مع أبيك إن كان صاحب دكان، أو صاحب تجارة، أو صاحب مزرعة، المهم ألا تترك لك فراغاً؛ فإن الفراغ خطير في حياة الشباب.

стр. 73

خطر إيداع المال في البنوك الربوية السؤال إذا كان عند الشخص مال في البنك مثلاً، وكان كلما وجد زيادة أرجعها إلى البنك، فهل يكون عليه إثم في إبقائه هذا المال في البنك مع أنه يرجع المال الزائد؟ الجواب أخذ المال الزائد هو الربا الذي هو أخطر الذنوب كما قلت لكم، فلو تاب الإنسان فإن العلماء في عصرنا الحاضر مختلفون في جواز أخذ هذه الزيادة للتائب، فيقول بعضهم: خذه ولا تدعه للكفار، لا يا أخي! دعه للكفار، وأنا أقول: أتدخل نفسك النار بحجة أنك لا تدعه للكفار؟! دعه للكفار! فإن الكفار عندهم من الأموال أكثر من هذا المال الذي أعطيتهم بكثير، ولذلك قال الله تعالى في حق التائب: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ [البقرة:٢٧٩]، فالتائب لا يجوز له أن يأخذ غير رأس ماله، ولا يواصل العمل فيأخذ غير رأس ماله؛ فأخذ الزيادة إثم، وهو الربا الذي حرمه الله ، وهذه البنوك تحارب الله ، وتحارب رسوله. أما أن يودع الإنسان ماله في البنك فهذه بلية أصبح الإنسان لا مناص له منها؛ لأن أكثر الناس عندهم أموال أكثر من حاجتهم، فهم مضطرون إلى إيداعها في البنوك؛ كي تحفظها هذه البنوك، فنقول: ابحث عن أفضل هذه المستودعات والبنوك، فإذا رأيت من لا يتعامل بالربا فيجب عليك أن تدفع مالك له، وإذا وجدت أن بعضها أسهل من بعض فعليك أن تودع عند الأسهل، فالمهم أن تبذل الجهد، أما أن تودع المال مباشرة وبدون بحث وتثبت وهذا فيه خطر، ويخشى أن يكون فيه إثم، فأقل الحالات أن يصيبك الغبار، قال رسول ﷺ : (من لم يأكل الربا أصابه من غباره، أو من دخانه)؛ لأنك سوف تؤكل الربا، وسوف يستفيدون من مالك هذا في أكل الربا، ولكن إذا لم يكن هناك مناص من حفظ الأموال إلا في هذه البنوك، فعليك أن تبحث عن أسهلها، وأقربها إلى الصحة، وإلى البعد عن الربا، ولعل الله أن يتجاوز عن هذا الأمر.

стр. 74

الزواج وسيلة للعفاف السؤال أرغب أن أسألك سؤالاً وهو: أني شاب، وأريد أن أستقيم، وكلما أردت أن أستقيم قلت في نفسي: أؤجل ذلك إلى بعد الزواج، والإنسان يخاف من الموت أن يدركه قبل أن يستقيم، فماذا أعمل حتى أستقيم قبل فوات الأوان، أفيدوني والله يحفظكم؟ الجواب أقول لك يا أخي! ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود:١١٢]، وبادر بالتوبة، وأشم من سؤال الأخ أن مشكلة النساء هي المشكلة التي تعترض سبيله، والحقيقة أنها مشكلة عويصة، وهي أخطر المشاكل على الشباب، وعلاجها الزواج، يقول الرسول ﷺ : (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج)، فبادر بالتوبة، وحصن نفسك بالزواج، وأنا أدعوكم أيها الإخوة! أن تتعاونوا مع الشباب الذين يرغبون في الزواج لإعفاف أنفسهم، وعليكم أن تتقوا الله في هذه الأمانة، وإذا خطب منكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض، وفساد عريض، واحذروا المساومة على المرأة، والمغالاة في المهور، فإن الرسول ﷺ يقول: (أعظمهن بركة أيسرهن مئونة). وأخشى أن تكون أكبر عقبة أمام هذا الشاب هي الشهوة، وهي التي تصرفه عن التوبة؛ ولذلك فإني أقول: إنّ الذين لا يكونون مرنين في أمور الزواج بتزويج قريباتهم إذا جاء الأكفاء، أو يبالغون في المهور، أخشى أن يتحملوا آثام هؤلاء الشباب الذين لا يستطيعون التوبة بسبب هذه الشهوة الجامحة، وأقول لك: يا أخي الشاب! إن الله يقول لك: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:٣٢ - ٣٣]، فبادر بالتوبة، وبادر بالزواج، ولو أن تقترض، أو أن تبحث عن هذا المال من أي طريق من الطرق المباحة، واعلم أن الله سوف يعينك في هذا الأمر؛ لأن الرسول ﷺ يقول: (ثلاثة حق على الله عونهم، وذكر منهم الناكح يريد العفاف).

стр. 75

أخبار الصحوة في العالم والجهاد الأفغاني السؤال هذان سؤالان عن حال العالم، الأول يقول: نرجو منك أن تتحدث لنا عن أحوال المسلمين في العالم؟ والآخر يقول: فضيلتكم زار أفغانستان، فهل الجهاد المتواجد فيها الآن يعتبر جهاداً في سبيل الله؛ لأن الكافر الملحد قد انسحب من أرضها، وبقي القتال بين الأفغانيين أنفسهم؟ الجواب أما أخبار العالم فلا يحيط بها إلا الله ، لكن الشيء المؤكد أن العالم الآن يبحث عن الحق، حتى النصارى واليهود بدءوا يبحثون عن الحق، وأبناء المسلمين الذين كانوا يحاربون هذا الدين صاروا يبحثون عن الحق، والشيوعية التي كانت لا تسمح للمسلمين في الصين الشيوعية أن يتعلموا شرائع الإسلام، وكان آباؤهم يهربونهم مع الأثاث إلى البلاد الإسلامية، فتح الآن -والحمد لله- المجال للمدارس الإسلامية وللمساجد، وهذه الفترة تفرض على كل واحد من المسلمين أن يساهم في الدعوة إلى الله ، وعلى كل: أخبار العالم تسير إلى الأسوأ، إلاّ أن هناك انفتاحاً إلى الخير والحمد لله، فما علينا إلا أن نستغل هذه الفرصة. أما بالنسبة للسؤال الذي يتعلق بشأن أفغانستان: فأنا آسف جداً أن هناك من يظن أن العدو قد رحل، والله تعالى يقول: ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة:٢١٧]، والشيوعيون لا يريدون أفغانستان، وإنما يريدون المقدسات المتواجدة هنا حفظها الله، ومن يتتبع الخرائط التي يحملها الطيارون في جيوب طائراتهم يرى الأسهم موجهة إلى أرض المقدسات حفظها الله وحرسها، ووفق وهدى قادتها إلى الاستقامة على دين الله . أما أنهم رحلوا فما رحلوا، فهم يعترفون الآن أن هناك عشرة آلاف خبير روسي يديرون الحرب في أفغانستان، وأن هناك أكثر من ثلاثين ألف طيار هندي من البوذيين الكفرة يحركون القتال أيضاً، إضافة إلى أن الكفر كله ما زال يحرك القتال، وهذه دعايات أشيعت إما بدافع جهل ما يحدث في أفغانستان، أو لأن هناك أعداء للجهاد يريدون أن نضع السلاح، وهذا كله خطأ، فالجهاد في سبيل الله على أشده، بل هو في هذه الفترة أكثر ما يكون ضراوة وشدة، وهذه الأيام تعتبر أياماً حاسمة، فلا نتوقف عن المساعدات، أو عن الانضمام إلى إخواننا المجاهدين في سبيل الله، كما أن هناك جبهات أخرى فتحت في هذه الأيام والحمد لله، والجهاد في سبيل الله مستمر، فهناك جهاد في أريتريا المسلمة، وفي جنوب الفلبين حيث يريدون أن يعود حكم الله في الفلبين التي اغتصبها العدو، وسرقها منا، وفي فلسطين، وفي أماكن كثيرة، فالمقصود أنّ الجهاد -والحمد لله- تحرك الآن، وهذا يعتبر من آثار الصحوة الإسلامية. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
следующие страницы →