Полный текст (54 стр.). Показаны 36–54 · переход к 41.
стр. 36
) يَترشَفْنَ من فميَ رشَفاتٍ ... هنُّ فيهِ أحلى منَ التوْحيدِ (
ثم أسر إلي وقال: أخبرني والله مخبر أن عمور لثاته فاسدة وأن نكهته مريحة فأضحكني. ولم يذكر أبو الطيب من هذا جواباً، فأحببتُ تسكين جأشه فقلت: ما أحسن ما قال المجنون:
وإني إذا صلّيتُ وَجهتُ نحوْها ... بوجهي وإن المصُلى ورائياَ
ثم تدارك هذا فقال:
وما بي إشراكُ ولكنّ حُبهاً ... كعَظمِ الشَجا أعيا الطبيب المداويا
أصليّ فماَ أدري إذا ما ذكَرْتهُ ... أثنْتين صليّتُ الضحىّ أم ثمانيِاَ
فقال أبو الطيب: في هذا المعنى لطيف. فقلت: إنه كان لا يحصل ما يصلي شغلاً بحبها، فكان يعد الركعات فإذا عدّ اثنتين انبسطت إصبعاه فتخليهما ثمانية فاستظرف المهلبي هذا الجواب واستحسنه الحاضرون وتبسم أبو الطيب إلي واستدعى أبو علي الأنباري مدرجاً من صاحب دواته فقال: تكلموا على هذه المعاني، وتأملوا إحسان هذا الرجل فيها وسبقه إليها. وأقبل علي والمدرج في يده فقال: أنت المشار إليه في الحفظ، فاذكر ما عندك، ولنذكر الجماعة ما سنح لها، أو فلنسلم غاية السبق إلى أبي الطيب فقلت: أقول على شريطة ألا يعترض كلامي غيري، فإن ازدحام الكلام مضلة للفهم. أو فليقل غيري على شريطة تسليمي إليه عنفوان القول وأعقابه. فاستروحت الجماعة إلي، وابتدأ أبو علي الأنباري فقال ما ندك في قوله:
) وَخَصرُ تَثُبتُ الأبصارُ فيهِ ... كأنّ عليهَ من حَدقٍ نطاقاَ (
وأقبلت الجماعة تستحسن. فاقبل علي فقال: قل. فقلت: حسن. فقال: أما هو بكر؟ قلت: لا! كيف يكون بكراً وبشار بن يقول:
ومكَللاتٍ بالعيون ... طرقتنا وخرجن همسا
فأصبن من طرف الحديث ... لذاذة ورجعن ملسا
حور يرقن إذا حلي ... ن عطلن خشين نفساً
فقوله: " مكلللات بالعيون " هو البيت، وذلك المعنى. يول: إذا برزن صرف الناظرون أعينهم إليهم لحسنهن، فكأنهن كللن بالعيون. " ورجعن ملساً "، أي لم يأتين ريبة. وقوله: " إذا حلين "، أي لبسن الحلي، لا يلبسنه لحسنهن، وإنما يلبسنه عوذاً، لأنهن مستغنيات عن الزينة بجمالهن. وكذلك قوله:
وإذا عَطِلُنَ خَشَيِنَ نفَساً
يقول: خشين العين، فهن يدفعن العين بالحلي؛ فسرق هذا المعنىُ ابن الرومي:
وتَلبسُ الحلي مجعولاً لها عوذاً ... لا زِينَةً بل بها عن ذاكَ غُنيانُ
وقد قال أبو جعفر. . . المصري في المعنى الأول يذكر عيوناً ألحت بالنظر إلى شخص: مُسمُرات علَيهِ لَيسَ تنقَلعُ فقالُ ابن الأنباري فما تقول في قوله:
) أقامَتُ في الرقاُب لَهُ أيادٍ ... هي الأطواق والناُسُ الحَمامُ (
أما هذا مخترع؟ فقلت: كلا، بل هو من قولُ ابن الرومي:
إذا امتدُحوا لم يُنحلوا فضلَ غيرِهم ... وهل تنُحل الأطواق وُرْقُ الحمائم
وابن الرومي احتذى فيه قول محمد بن حازم الباهلي:
أبى لي أن أطيل الشعر قَدي ... إلى المعَنى وعلمِي بالصوابِ
فأبُعَثُهنُ أربُعةً وستاً ... بألفاظ مُشَقفَةٍ عذِابِ
وهُنُ إذا وسَمتُ بهنُ قَوماً ... كأطواقِ الحمائمِ في الرقابِ
وهنُ وإن أقَمتُ مُسافِراتُ ... تهَاداها الرواةُ معَ الركابِ
وابن حازم احتذى فيه قول الفرزدق:
فمَن يكُ خائِفاً لأذاةِ شعِري ... فقد أمِنَ الهِجاءَ بنو حرَامِ
همُ قادوا سفَيههَمُ وخافُوا ... قَلائِد مثل أطواقِ الحَمامِ
والأصل في هذا قول حسان بن ثابت، ولاحاه رجل فقال: اغرب وإلاّ طوقتك طوق الحمامة: فقال أبو محمد فما تقول في قوله:
) كَفى بجسمي نُحُولاً أنّني رجلٌ ... لولاْ مُخاطبتيّ إياكَ لم تَرني (
أمخترع هو؟ فقلت: كلا، هذا من بيتين أنشدناهما محمد يحيى:
لماّ بلَيتُ منَ الهوَى ... خفت العيون من أن تراني
لولا كلامي ما اهتدتْ عينُ الجليسِ إلى مكاني وهذا المعنى ينظر إلى أبي نؤاس:
شعرُ حيٍّ أتاكَ من لفظِ ميْتٍ ... صَار بينَ الحياةِ والموتِْ وقفاَ
قد بَرتهُ حوادثُ الدّهر حتى ... كادَ عن أعيُنِ الحوادث يخفَى
لوْ تأملْتني لتثبتَ وجْهي لم ... تبنْ من كتابِ وجهيَ حَرْفاَ
ولرَدّدْتَ طرْفَ عينك َفي جسْمٍ ... بَراهُ الصّدود حتى تعَفىّ
стр. 37
فقال المهلبي: ما احسب أنهّ قيل في النحول أحسن من هذا، فقلت: بلى، المجنون:
فلوْ أنّ ما أبقيتِ منيُّ معَلَقُ ... بعودِ ثمامٍ ما تأوّدَ عُودُها
وما أساء كثير في قوله:
حمَلْت عَليها ما لوَ أنّ حَمامةً ... تحملهُ طارَتْ به في القفاقِفِ
قُطُوعاً وأنساعاً وأعظمُ ناحلٍ ... أضربهِ طولُ الهوىَ والمخارِفِ
وقلت: وتقدم الناس قول عمر بن أبي ربيعة:
قليلُ على ظَهرِ المطيّةِ ظلهُ ... سوىَ ما نفى عنهُ الًرداءُ الُمحبر
ويستحسن قولُ ابن الدُمينة:
عظامُ بَراها الشوْقُ حتى كأنها ... محَاجنُ نَبعٍ ليسَ فيهنّ منزعُ
فلا هنّ بالموتىَ ولا ينبعثنَ بي ... ولا طائر مماّ عليهنّ يشبَعُ
وقال بشار:
بينَ ثيابي جَسدٌ ناحلٌ ... لوْ هبّتِ الّريحُ بهِ طاحاَ
وقال أيضاً:
إن في ثوْبي جسماً ناحلاً ... لوْ توكّأتِ عليهِ لانهَدمْ
فأعجب هذا أبا محمد إعجاباً شديداً، فقال: ما كنت أحسب أن أحداً سبق أبا الطيب إلى معنى بينه المتقدم، ولا زاد على إحسانه في وصف نحوله. ما تصنع بيته وهو مسوق على أنبأت الوزير به، وكل واحد من هؤلاء في هذا معنى لم يشركه فيه غيره. فقال الأنباري: فإن كان سبق إلى المعاني فيما ذكرناه، فل يسبق إلى قوله:
) وزائرِي كأن بها حياءً ... فليسَ تزُورُ إلا في المنَامِ (
) بذلتُ لها المَطارِفَ والحشَايا ... فَعافَتها وباتَتُ في عِظامي (
) إذا ما فارقَتُني غسلتني ... كأنا عاكفِان على حَرامِ
فقلت له: حالهُ في هذا أسوأ منها فيما تقدم، فإنه أعتمد على قولُ ابن القعقاع:
وزائرةٍ بلا عدِة أتتني ... فَحَلتُ بين جسمي والفُؤاد
سِنَانُ للمنَايا إن تَراءت ... فنفسي والمنايا في طرِادِ
كأن جوَارِحي إذ فارقَتَني ... عُيون تَستَمد من الغَوادي
وقلت: وقد أحلت في قولك:
) إذ ما فارَقتني غَسلتني ... كأنا عاكفِانِ على حرَامِ (
والحلال أولى بالغسل وأخص من الحرام، فكيف خصصت الحرام بوصف يشركه فيه غيره، وله به اختصاص فوق اختصاصه. فقال أبو الطيب: أتيت بأحدهما فدل على الآخر وإن لم أذكره. وفي القرآن:) سَرَابيِل تقَيكمُ الحَرَ (وهي تقي البرد، وقد قال الشاعر:
فَلا تعدي موَاعِدَ كاذِباتٍ ... نهَب بها رِياحُ الصيفِ دوني
يريد ورياح الشتاء. فلما صدع بالحجة صدع الصباح رداء الظلام، وتخوفت أن يوهم الوزير أبا محمد أنه لا علم لي بما ذكره، قلت: أجل لكن قولك يبعد بعض البعد عن هذا، وإن كنت تحذو حذوه. من أجل أن الحلال أشد اختصاصاً بالغسل من الحرام، وليست السرابيل بأخص في وقاية الحر منها في وقاية البرد، ولا رياح الشتاء بأخص في هبوبها دون المواعد من رياح الصيف. وعلى أن بعض أصحابنا ذكر أنه خص رياح الصيف، لأنها أشد تعفية. فأعجب المهلبي هذا الاعتراض. قلت ومثل الآية قول الآخر:
وما أدري إذ يَممت وجهاً ... أريدُ الخَيَر أيهمُا يلَيني
فقال: " أيهما " إنما ذكر وأحداً، لأنه دل على الثاني، ثم تلا ذلك بأن قال:
أألخَيرُ الذي أنا أبتَغيهِ ... أمِ الشرُ الذي هو يبَتغني
وقد تكلم أصحاب المعاني في قول أوس بن حجر:
وغَيرَها عَن وصلنِا الشيب إنهُ ... شَفيعُ إلى البيضِ الحسانِ مجربُ
فقال أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب: الهاء في " إنه " عائدة على الشباب، وجاز ذلك وإن لم يذكره، لأن الشيب دال، هذا قولُ ابن الأعرابي، وقال الأصمعي: يريد أنه كبر فأنست به. فقال أبو الطيب: لله درك فإن أحسن القول ما نطق به لسانك. فقال الأنباري: قد قال:
) أرىَ ذلك القرْبَ صارَ ازوراراَ ... وصارَ طويلُ السّلامِ اختصاراَ (
) ترَكْتنَيَ اليوْمَ في حَيرةٍ ... أموتُ مراراً وأحْبا مراراَ (
) فلوْ النّاسُ من دَهرِهمْ ... لكانوا الظلامّ وكُنت النهاراَ (
وقال:
) أسِيرُ إلى إقْطاعِهِ في ثيِابِهِ ... على طرِفْهِ من دارِه بحِسامه (
وقال:
) إلامَ طَماعِيةُ العاذِلِ ... ولا رَأيَ في الحُسب للعاقلِ (
) يُرادُ مِنَ القلَبِ نسيانُكمْ ... وتأبَني الطُباعُ على الناُقِلِ (
فأنشد أبياتاً كان منها:
стр. 38
) فإن كانَ يركُمُ ما مضَىَ ... فعَوْداً إلى حمصِ في القابِلِ (
) فإن الحسامَ الصقيل الذي ... قُتلسْتم بهِ في يَدِ القاتلِ (
فقال أبو الطيب: أما إحساني في هذه الأبيات عن إساءة، إن كانت، في غيرها؟ فقلت: ما أعرف لك إحساناً، ولا أعترف لك باختراع إذا كانت هذه الأبيات التي تتخيل أنك السباق إلى معانيها ورب الإحسان فيها مسترقة ملصقة، فيما تقدم من نظمها وابتكره أصحابها من معانيها، شاغل عن تكرير لها، وتبديل لألفاظها، وقد قيل:
ولكنْ بكَتْ قبَلي فهَُيج لي البكُاَ ... بُكاها فقلُت الفضْل للمُتقَدُمِ
أما قولك:
) أرى ذلك القرب صار ازوراراَ (
فمن قول بعض المحدثين:
أقبَلَتْ ثمُ أعرَضَتْ لذَنْبٍ ... بأبي مَنْ دُنُوُها عادَ بعُدْاَ
وأما قولك:
) أموات مراراً وأحيا مرارا (
فمن قول العباس بن الأحنف:
لعَمري لقد جَعَلَ القاَدِ حُونَ ... بيني وبينكِ يُورونَ ناراَ
ونفْسيِ مُعلقَةٌ بالرُجاء ... تمَوت مرِاراً وتحَيا مِراراَ
وقولك:
) لكانوا الظلام وكنت النهاراَ (
فمن قول الآخر: بيضاء في وجنتها احمرار
يعَيبهُا جاراتُها القِصَارُ ... هُن الليالي وهيَ النهارُ
وقولك:
) أسير إلى إقطاعه في ثيابه (
البيت. . . من قول أحمد بن أبي طاهر:
لوْ كنْتُ مِن أوْلادِ يحِيَى لما ... زادَ ولوْ كانَ أبُوهُ أبي
مِن مالِهِ مالي ومِن جاهِهِ ... جاهي ومِن مَركَبِهِ مركَبي
وأحمد بن أبي طاهر أخذه من شاعر قديم:
فلَحمي وما قد سِيطَ باللُحم من دمي ... وجاهي وقَدْري من ثَراكَ ومالي
ولوْ لم يقُمْ بالشُكرِ لفَظي لخَبَُرَتْ ... يَميني بما أولْيَتني وشمِالي
ونَم بهِ جِلدْي وعَظْمي ومفَصِلي ... وعَبدي وبرذْوني ونضَرَةُ حالي
وقد أخذت أيضاً قوله " ونم به جلدي " فقلت:
) أقَرُ جلِدْي بهاَ عَلي فَماَ ... أقْدرُ حتى المَماتِ أجحَدُها (
والأصل في ذلك المعنى قول النابغة الذبياني:
فإنُ تلادي إنْ نَظَرْتُ وشِكُيُ ... ومهُري وما انضَمُتْ عليهِ الأنامِلُ
حبِاؤكَ والعيِيُ الهجانُ كأنها ... هِجانُ المهَا تَرْدي عليها الرحائلُِ
وقولك:
) إذا لم يعوذ مجده بعيوب (
من قول كشاجم:
شخَصَ الأنامَ إلى جَمالك فاستَعِذْ ... من شُرَ أعيُنِهِمْ بعَيْبٍ واحِدِ
وقولك:
) بشق قلوب لا بشق جيوب (
مقو قول أعرابي:
ومن دونِ ما ألقاهُ من ألَمِ الهَوَى ... تُشَق قلُوبُ بَلْ تشُقُ جُيوبُ
ولمُا نظرنا بِالرُقِيبِ ولحَحْظِهِ ... والحظي على لَحْظِ الرُقيبِ رقَيبُ
وقولك:
) ولا رأي في الحب للعاقل (
من قول الأول:
وما من فتى في الناس يُحَمدُ أمرُهُ ... فيوجَدَ إلا وهْوَ في الحُب أحمَقُ
وقولك:
) وتأبى الطباع على الناقل (
من قول الأول:
وكيف بتركي يا ابن أم الطبائعا
وقال الآخر:
إن التخلق يأتي دونه الخلق
وقولك:
) فإنُ الحُساَمَ الصقيل الذي ... قُتلِتُمْ بهِ يَدِ القاتِلِ (
من قول عمرو بن الأهتم:
فإن الرُدَيْنيُ الأصَمَ كعُوبُهُ ... إذا عُدْتَ في ظلُمِ الصديقِ يَعودُ
فبهره ما أوردته وقيد نطقه. وأعجب المهلي ذلك كل الإعجاب، فقال الأنباري: لله أبي الطيب في قوله:
) كذا قضَتِ الأيامُ ما ببنَ أهلهِا ... مصَائب قوْمٍ عند قوْمٍ فوائدُ (
فقلت بل لله در أبي العتاهية في قوله:
مَوْتُ بعَضِ الناسِ في الأرْ ... ضِ على بَعْضٍ فُتُوحْ
إلا أن أبا الطبي أكرم لفظاً، وأول من نطق بهذا المعنى عمرو بن حلزة، أخو الحارث، في كلمته التي أولها:
لم يكُنْ إلا الذي كانَ يكُونُ ... وخطوبُ الناس في الدهرِ فنونُ
ثم قال ي اثر هذا:
ربما قَرتْ عيونُ بشَجى ... مُرْمضٍ قد سخَنتْ منهُ عيونُ
فهذا قوله:
) مصائب قوم عند قوم فوائد (
فقال الأنباري: ومن قوم فوائد
) ومن نكدَِ الدُنيا على الحُر أن يرَىَ ... عَدُواً لهُ ما من صَداقَتِهِ بُدُ (
فقلت: العجيب قول النظام البائس:
стр. 39
ومن نكَد الدُنيا على الحرَ أن يرىَ ... عَدُواً فيهَوىَ أن فيهوَى أن يقُالَ خلَيلُ
وإلى هذا المنى ذهبُ ابن المبارك بقوله:
مَن دَليلي إلى طريقِ رَشادي ... مضنْ مُعيني مَنْ طالبُ لي طَريقاَ
لم تزَلْ بي نَوائبُ الدهرِ حتى ... ترَكَتْني لِمَنْ أعادي صَديقاَ
على أن القاسم بن يحيى المريمي وخليق بأن تكون عليه عولت فقد قال في قصيدة أولها
إنْ كانَ رَأيك في أمورِكَ ثاقبِاً ... فاصْبرْ وَلا تكُ للقضاءِ مُغالبِاَ
فقال فيها:
نفَسي فِداؤكَ ضائراً أوْ نافعاً ... أو زاهِداً في عَبدهِ أوْ راغِباَ
لأصبت ما كَبتَ العدو وكان لي ... فرَحاً وكانَ على العدوَ مصائباَ
وقد قالُ ابن الرومي:
عَدُوُكَ من صدَيقك مُستفادُ ... فلا تَستكثرنّ منَ الصحابِ
فإنّ الدّاء أكثرَ ما تراهُ ... يكونُ منَ العظامِ أو الشرابِ
وقد أخذتَ البيت الأخير من هذين بأسره فقلت:
) يَقُول ليَ الطّبيبُ أكلتَ شَيئاً ... وداؤكَ في شرابِكَ والطعامِ (
وينظر إلى هذا المعنى قول أبي نؤاس وكان أوله:
إذا أمتَحَنَ الدّنيا لبيبُ تَكشفتْ ... لهُ عنَ عَدوٍ في ثيابِ صَديقِ
وأبو نؤاس احتذى في هذا القول جرير:
دَعَوْنَ الهوىَ حتى ارتْمينَ قلُوبناَ ... بأسْهُم أعداءٍ وهنّ صديقُ
فقال الأنباري: أتعرف لأحد هذا المعنى:
) بَنُو كَعبٍ وما أثّرتَ فيهمْ ... يَدُ لم يدْمها إلاّ السَوارُ (
فقلت له: ليس كلّ معنى استرقه يحضرني، ولكنني أعرف له في هذه الكلمة:
) مَضوْا متَسابقي الأعضاء فيهِ ... لأرْؤسهمْ بأرْجلهمْ عثارُ (
) إذا سَلَكَ السّماوةَ غير هادٍ ... فقَتْلاهُمْ لعينيَه منَارُ (
فأما قوله:
) لأرْؤسهمْ بأرجلهمْ عثارُ (
فمن قولُ ابن المعتز:
صَيّروا هاماتهِمْ ... في التّرابِ أرْجُلاُ
وأما قوله:
) فَقَتْلاهمُ لَعيَنيهِ منَارُ (
فمن قول ذي الرمة:
ودَويّةٍ قَفْر يحارُ بهاَ القَطاَ ... أدلاَء رُكْباها بناتُ النّجائبِ
يُحابي بها الجلَدْ الذي هوَ حازِمُ ... بضرْبةِ كفّيهِ الملاَ راكبِ
قطَعتُ بشُعْبٍ كالنضًالِ فاصبحوا ... مع الأهلِ جذَلي في متونِ السّباسب
ثم قلت: هذه القطعة من أبيات المعاني. وأقلبت على أي الطيب فقلت: هل يحضرك فيها وقول؟ فاعرض من جواي وتشوف المهلبي إليه، فقلت: أراد بقوله " يحاربها القطا " لسعتها واشتباها، وخصص القطا أهدى الطير، قوله: أدلاء ركباها بنات النحائب هو قول أبي الطيب:
) فقتلاهم لعينيه منار (
فبنات النجائب أولادها تساقطها في الطريق من جهد السير، يستدلون بها. وقوله: " يحايي " من الحياة أي يستحيي بها، وقوله بضربة كفيه الملا " يريد أنه يتيمم بالتراب ويستسقي الماء ليستقيه صاحبة ولا يتوضأ به والنصال: نصال السهام، شبه الركب بها في ضمورهم وشحوبهم، وقوله: " فأصبحوا مع الأهل " يريد أنهم عرسوا فناموا فحملوا بأهلهم في نومهم. فقال أبو سعيد السيرافي: هذا كقول الآخر:
قد ألقَحتُ فِتياُننَا الرحائلا ... ما تركوا منهُنُ حنِواً حائِلا
يريد أنهم احتملوا على الرحال. فقال علي بن عيسى الرماني هذا كقول دعبل:
فلَمُ أرَ مَطروقاً يحلُ بضَيفه ... ولا طارِقاً يعُطي المُنى ويشيبُ
فاستحسن ذلك المهلبي، فقلت: ومله قول الراعي:
كفَاني عِرِفَانُ الكَرَى وكفَيتهُ ... كُلوءَ النجومِ والنعُاسُ مُعانقُه
فَباتَ يرُيهِ عرِسَهُ وبَناتِهِ ... وبتُ أري النجُمَ أينَ مَخافقُهُ
وقلت: مثل قول ذي الرمة:
أدلاء رُكباها بَناتُ النجائِبِ
قول الآخر:
بيِهماء يسَتافُ الترابَ دلَيلها ... وليَسَ بها إلا اليمانيُ مُخلِفُ
تَجاوزتُها وحَدي ولم أرهَبَ الردى ... دَليلي نَجمُ أو حُوارُ مُختلفُ
يقول: أجهضت الإبل م شدة السير فيها، فألقت أجنتها، فصارت كالمنار لساكنها يستدل ويهتدي بها. فاقبل المهلبي على أبي سعيد وأبي الحسن الرماني يستفهمها ويستزيد منهما فقالا: أمر على ما قال، وهكذا ذكر الأصمعي، فأعجبه ذلك. ثم قلت: وأعرف من تلك القصيدة قول أبي الطيب:
стр. 40
) فكُنتَ السيفَ قائِمهُ إليها ... وفي الأعداء حدَكَ والغرارُ (
وهذا من قول الأول:
نقُاسمِهُمُ أسيافَنا قِسمَةٍ ... فينا غَواشيها وفيهم صُدورُها
فقال علي بن عيسى هذا كما قال الآخر، أنشدناه محمد بم الحسنُ ابن دريد:
يُنازعُني رِدائي عَبدُ عَمرو ... رُويدَكَ يا أخا سَعدِ بن بكرِ
ليَ الشطرُ الذي ملَكتُ يَميني ... فدونَكَ فاعتَجِرُ منهُ بشَطرِ
قلت وأعرف فيها:
) كأن شُعاعَ عَينِ الشمسِ فيهِ ... ففَي أبصارِنا عنهُ انكِسارُ (
وهذا قول الآخر:
إذا أبصَرتنَي أعرضَتَ عني ... كأن الشمسَ مِن قبِلَي تدورُ
وأعرف منها قوله:
) فخَلفَهُمُ بردُ البيِضِ عنهم ... وهامُهُمُ لهُ معَهَم معُارُ (
وهذا كأنه من كلام الصوفية. فقال الأنباري أتعرف لأحد مثل قوله:
) أمُلتُ ليَليةَ ساروا كَشفَ معِصمها ... ليلبثَ الحَيُ دونَ السيرِ حَيرانَا (
فقلت: نعم قول محمود الوراق ومنه أخذ المعنى:
قلتُ ارفعي السُجفَ نستمتع بمجلسنِا ... فالشمس ما غيبتُ من وجهكِ الكلِلَ
فقال الأنباري: أين هذا من ذاك؟ فقلت: هو هو إن أنعمت النظر فقال أبو الطيب وفي هذه الكلمة أقول:
) أما الثيابُ فتَعرَى ومن محاسِنِها ... إذ نضَاها ويكسَى الحُسنَ عرُيانا (
فأعجلته بأن قالت: هذا الذي التزمته في قوله:
زَينُ الثُيابِ وإن أثوابُها استُلبِت ... على الحَشِيةِ منها زانهَا السُلَبُ
فقال وفيها أقول:
) كأنُهُمُ يَرِدونَ المَوُتَ من ظَمأ ... أو ينشَقُونَ من الخَطيُ رَيُحانَا (
فقلت سرقته من البحتري:
يَتَزاحمونَ على القِتالِ لدى الوَغى ... كتَزاحُمِ الذُود العِطاشِ لمَورِدِ
قال: وفيها أقول:
) لا أستزَيدُ على ما فيك من كَرَمٍ ... أنا الفتى نِمتُ إن نَبهُتُ يَقظانَا (
فقلت هذا مسروق من قول أبي تمام:
نعِمةُ الله فيكَ لا أسأل اللهَ ... سواها نعُمى سوىَ أن تدَومَا
ولو أني فعلتُ كُنتُ كَمَنُ ... يَسألُهُ وهوَ قائمٌ أن يَقُومَا
وقد قال جرير:
إني وحُبكِ لو أردتِ زِيادةً ... في الحب عندي ما وَجدتِ مزيدَا
فقال أبو الطيب وفيها أقول:
) عَلَيكَ منكَ إذا أخلَيتَ مُرتقِبُ ... لم تأتِ في السر ما لم تأتِ إعلانَا
فقلت هذا مسروق من قول الآخر:
لمَن لا أرىَ أعرضُتُ عن كل من أرَ ... وصِرتُ على قَلبي رَقيباً لقاتِلِهُ
وقد قال العباس:
أغُضُ إذا نظرتُ إلى سواكُمُ ... كأن لكم على قلبي رَقيِباً
فأحفظه ذاك، ورسم المهلبي الأناة به، وأومأ إلي. فقال أبو العلاء صاعد بن ثابت، وكان في الحال يخلف المهلبي: أنا أستحسن قول أبي الطيب في سيف الدولة:
) يَمشي الكرِامُ على آثارِ غيرِهمِ ... وأنتَ تَخلُقُ ما تأتي وتَبتدَعُ (
) مَن كان فوق محَل الشمسِ موضعُه ... فليَسَ يرفعُه شيء ولا يضَعُ (
فقال المهلبي: هذا بكر لم يقله أحد. ثم أقبل على الجماعة وقال: هل تعرفون هذا لأحد؟ فقال أبو الحسن الأنصاري، وكان متعلقاً بأذيال الأدب: يرجع إلى تواب الذي يخرج السرق، يريدني فقال: ما عندك فقلت: الأول مسروق من قول الصنوبري:
وما كفَاكَ بأن ألفيِتَ مُتبِعاً ... في الجُود حتى لقت ألفيتَ مبُتدعا
وما الثاني فمسروق من قول بني دلامة، وبعض أصحابنا يرويه لماني:
لو كان يقَعُدُ فوقَ من كرَمٍ ... قومُ لقيِلَ اقعُدوا يا آلَ عَباسِ
ثم ارتَقُوا في شُعاعِ الشمس كلكمُ ... إلى السماء فانتم سادةُ الناسِ
وأول من نطق بهذا المعنى زهير في قوله:
لو كان يقَعدُ فوقَ الشمس من كرِمٍ ... قومُ بأولهِم أو مَجِدهم قَعَدُوا
стр. 41
فلما غشي أبا الطيب موج هذا الكلام قال: رويداً، أما ما نعيته علي من السرق فما يدريك أني اعتمدته، وكلام العرب آخذ بعضه برقاب بعض، وآخذ من بعض، والمعاني تعتلج في الصدور، وتخطر للتقدم تارة وللمتأخرة أخرى، والألفاظ مشتركة مباحة. وهذا هو عمرو ابن العلاء سئل عن الشاعرين يتفقان في اللفظ والمعنى مع تباين ما ينهما، وتقاذف المسافة بين بلادهما، فقال: تلك عقول رجال توافت على ألسنتها. وبعد، فمن هذا الذي تعرى من الأتباع، وتفرد بالاختراع والابتداع لا أعلم شاعراً جاهلياً ولا إسلامياً إلا قد احتذى واقتفى، واجتذب واجتلب، هذا امرؤ القيس يقول:
جُؤجُؤُ حَشرُ كأن لشجامَهُ ... يُعالَى به في رأسِ جذِعٍ مُشذبِ
وإنما اعتمد غيه على أبي داود:
وهادٍ تَقَدُمَ لا عَيُبَ فِيهِ ... كالجذِعِ شُذبَ عَنهُ الكَرَبُ
وقال أيضاً:
كأنُ مَكاكيُ الجوِاء غدُيةً ... صُبِحنَ رَحيقاً مِن سُلافٍ مفلفل
وإنما اعتمد فيه على أبي داود الإيادي:
تَخَالُ مَكاكيِهُ بالضحى ... خلاِلَ الدقارِي شَرباً ثماَلا
وقال امرؤ القيس يصف فرساً:
كأن غُلامي إذا عَلا حالَ متَنِهِ ... على ظَهرِ بازٍ في السماء مُحلقِ
وهو من قول أبي داود:
إذا شاء راكبُهُ ضَمهُ ... كما ضَم بازٍ إليَهِ الجَناحَا
وقال امرؤ القيس:
مِكرٍ مِفَر مقُبِلٍ مدُبِرٍ معاً ... كجلُمودِ صَخرٍ حطه السيلُ من علِ
وإنما اعتمد فيه على أبي داود في قوله: منِفح مِطرحُ مِعَنُ مِفَنُ مِخلَطُ مِزيَلُ جموحُ خَروجُ وقال امرؤ القيس واصفاً برقاً:
ويهدَا تاراتٍ سَناَهُ وتارةً ... ينَوُء كما ناءَ الكسيرُ المهَيضُ
اعتمد فيه على أبي داود أيضاً في قوله:
وانداح يَنهضَ نَهضَ الكَسيرِ ... جأجَأهُ الماءُ حتى أسالا
وقد أخذه عدي بن زيد منهما فقال:
وحبيّ بعدَ الهُدُو تُهاَديهِ ... رياحُ كَما يزَجىً الكَسيرُ
فهذا أمير الشعراء؛ ومن بعده النابعة، وقد قدّمه عليه قوم، فقال
وتَخالهاُ في البيتِ إذْ فاجأتها ... قد كانَ محجوباً سراجُ المَوقد
وإنما اعتمد فيه على قول امرئ القيس:
تضُيء الظّلامَ بالعشاء كأنهاّ ... منَارَةُ مسمىَ راهب متَبتلِ
وقال زهير:
يَطعنهمْ ما ارتموْاْ حتى إذا اطعنوا ... ضاربَ حتى إذا ما ضاربوا اعتَنقاَ
وإنما اعتمد فيه على قول مهلهل:
أنْبضواُ معَجسَ القسيّ وأبرَقْنا ... كما توُعدُ الفُحولُ الفحُولا
وقال الأعشى يصف الطيف:
يَلوينَي ديْني الغَداة وأقتضيِ ... ودينْي إذا وقَذَ النّعاسُ الرقدّاَ
وإنما أخذه من قول عمرو بن قميئة:
نأتْكَ أمامةُ إلاّ سؤالا ... وإلاّ خَيالاً يوُافي خياَلا
يواُفي معَ اللّيلِ ميعادُها ... ويأبىَ معَ الصبّح إلاّ زَوالا
فقلت له: من هاهنا أخذ قيس بن الخطيم:
أنىّ سَربتَِ غَيَر سَروُبِ ... وتُقَربُ الأحلامُ غيرَ قَريبِ
ما تمَنعَي يقَظيَ فقدْ تؤُتينهُ ... في النوْمِ غيرَ مصردٍ محسوبِ
فأخذ هذا البحتري فقال:
بنفسيَ من تنأى ويدنو ادّكارها ... ويبذُلُ عنها طيفهاُ وتماُنعُ
قال: وأخذ الأعشى قوله:
تَبيتوُنَ في المشتى ملاءً بطونكمْ ... وجاراتكمْ غرْثىَ يبتنَ خمائصاَ
من قول الأشعر:
لا يصلُحُ الجارانِ أنْ يتجاوَرَا ... هذا أخوُ شبعٍ وذا طاوي المعاِ
وهذا عبيد بن الأبرص أخذ قوله:
والناسُ يلحْونَ الغَوِيَ إذا همُ ... خطبواَ الصّوابَ ولا يلاُم المرْشدُ
من قول المرقش الكبر:
فمنْ يلقَ خيراً يحمدِ الناّس أمرهُ ... ومنَ يغْولاِ يعدْمْ على الغيّ لائِما
وقال الأخطل:
أما السُراةُ فمِن ديباجةٍ لهَقٍ ... وبالقوائمِ مثلُ الوَشمِْ بالقارِ
وإنما أخذه من قول المسيبّ بن علس في قوله:
كأنّ على الظّهرِ ديباجةً ... وسُدُ القَوائمِ يحسبنَ قارَا
وهذا جرير أخذ قوله:
وإني لعفُ الفقرِ مشتَركُ الغنى ... سريعُ إذا أرْضَ داري، احتمالياَ
من المنخبل السعدي في قوله:
إني لترَزْؤني النَوائبُ في الغنى ... وأعفُ عندَ مشَحةً الإقْتارِ
стр. 42
ولجرير في هجاء الفرزدق:
تَسيلُ علَيهمُ شعُبُ المخازي ... وهمْ كانوا لسوأتها قَرارَ
وللفرزدق في هجاء جرير:
أنتمُ قَرارةُ كلّ معَدنِ سوْأةٍ ... ولكلّ سائلةٍ تسيلُ قَرارُ
وقد أخذاه جميعاً من أعشى باهلة في هجاء الرقاد بن عمرو الجعدي:
بنوُ حصْنٍ قرَارةُ كلّ لؤمٍ ... كذاكَ لكلّ سائلةٍ قرارُ
وأخذ الفرزدق قوله:
جرْدَ القيادِ وفي الطرَادِ كأنهاّ ... عقبانُ يوْمِ تغَيمٍ وطلالِ
وأخذ قوله:
وذاتِ حليلٍ أنكحَتْها رِماحُنا ... حَلالاً لمنْ يبَني بها لم تطَلقِ
من سُليك بن السلكة في قوله:
وكَمْ أيمٍ قد أنكَحَتهْا رِماحُنا ... وأخرى على عمّ وخالٍ تلهفُ
ثم قال: وهذا نبذ يسير من شيء كثير لا يأتي عليه الجمع والاستقصاء، فضلاً عما تساعد به القريحة ويميله الحفظ للمذاكرة. فاشرأب الوزير إلى كلامه، وأصغت الجماعة إلى قوله: وأظهرت استحساناً لا يستحقه ما أتى به. فقلت له: أما قولك إن المعنى يعتلج في الصدر فيخطر للمتقدم تارة وللمتأخر أخرى، وإن الألفاظ مشتركة، فليس الأمر كما تخيلته، ولا الكلام كلهّ مشترك، ولا أن الأول ليس بأولى به من الآخر. ولو كان كذلك لسقطت فضيلة السابق، ولبطلت مهلة المتقدم ولما قدمت شعراء الجاهلية على شعراء الإسلام، وقدم الصدر الأول من الإسلاميين على الصدر الأول من المحدثين ... وإنما حكم لهم بالفضل، وسلم إليهم خصله من أجل ما ابتدعوه من المعاني، وسبقوا إليه من الاستعارات، وابتكروه من التشبيهات الواقعة والأمثال الشاردة، وذللوه من طرق الشعر الحزنة ولما تغايروا بالسرق والاجتلاب والنقل والاجتذاب. ألا ترى إلى قول قرادُ ابن حنش المري هاجياً بني عوف:
إذا ما انتَدوا أقعَوا بيوتهِم ... جُلوس إماء الحي حولُ المَجازر
وإن نَطقُوا قالوا بما قِيلَ قَبلَهُم ... وإنَ وَرَدوا حلو خلاِلَ الصوادِرِ
وعير جرير الفرزدق باجتلابه فقال:
ستعَلمُ مَن يكون أبُوه قَيناً ... ومنَ عُرفَت قَصائدُهُ اجتلابا
ولما قال كعبُ:
فمَن للقوافي شانها من يَحُوكُها ... إذا ما مضَىَ كعبُ وفوزَ جرولُ
أعترضه مزرد بن ضرار، وأخو الشماخ، فقال:
مررَت على كعب فخِلت أوبدِي ... أوابد تعَلوا فوقَ كعبٍ وجرول
فهَل خُضتَ بحراً قصر الناسُ دونه ... من الشعر أم هل قلتًَ ما لم تقُولِ
وقال ابن هرمة يذكر قوماً استرقوا شعره، واستعاروا معانيه:
أغذو تلاداً من الأشارِ أصلحها ... صلاحَ ذي الحزم للحاجات والرتلِ
احذو قصائدَ للراوينَ باقيةً ... كأنها بينهمَ موشيةُ الحُللِ
أما نسيباً وإما مدَحَ ذي فَخَرٍ ... يبقى وإما ادخاراً من ذوي خطَلِ
حتى إذا امتلأت أسماعهم عجبَاً ... واستوقفت في قلوب القوم كالعسلِ
أهووا إليها لغوصٍ في مسارحها ... لم يقرعوا أمهات الشول للحبلِ
فاستطلعوا عقلاً لا يعقلون بها ... وأوضعوا قعَد المجموع في الهملش
وما أشاركهم في طرقِ فحلِهم ... ولا بسهَلٍ أراعيهم ولا جَبلِ
ما إن أزال أرى وسَمي فأعرفه ... في ذود آخر موسوماً على قبلِ
وما وسَمتُ قلاِصاً وهيَ راتعَةُ ... حتى أتتُ رَغَم الاقيادِ والعُقَلِ
وما قولك: من هذا الذي من التباع والاحتذاء، وسلوك الطريق التي تقدم إليها غيره من الشعراء؛ فلعمري إن الأمر على ما ذكرته، إلا أنه لا يحمد من الكلام ما كان غاباً، ولا المعاني ما كان مكرراً مردداً. فلا يتسمح الشاعر بأن يكون جمهور شعره عند التصفح مسترقاً ملصقاً، ومجموعاً ملفقاً، ولا أن يكثر الاعتماد في شعره، ويتناصر السرق في كلامه. ومن السبيل المحتذي أن يأخذ المعنى دون اللفظ، ثم أن يطويه أن كان مكشوفاً، ويكشفه إن كان مستوراً، ويحسن العبارة عنه، ويختار الوزن العذب له، حتى يكون بالأسماع عبقاً وبالقلوب علقاً. ألا ترى إلى قول الأعشى:
وذَرْنا وقَوْماً إنْ همُ عَمدَوا لنا ... أبا ثابتٍ واقعُدْ فإنُكَ طاعمُ
فأخذه الحطيئة، فأحسن العبارة عنه، واستوفى المعنى فيه، فصار أحق به من المخترع له بقوله:
стр. 43
دَعِ المَكارِمَ لا تَرْحَلْ لبُغيَتها ... واقُدْ فإنُكَ أنتَ الطاعمُ الكاسي
وكما قال امرؤ القيس:
ولا مِثلَ يَوْمٍِ في قُذارَنَ ظلِتْهُ ... كأني وأصحابي على قَرْنِ أعْفَراَ
فأخذه المرار وكشفه وقال:
كأنُ قلُوبَ أدلائِهاَ ... مُعَلُقَةُ بقُرُونِ الظُباء
وكما قال المرقش في شبلين:
ما مَرُ يوْمُ إلاُ وعندهما ... لحُم رِجالٍ أوْ يُولغانِ دما
فنظر امرؤ القيس نظراً فقال:
كأنُ قُلوبَ الطُيرِ رَطباً ويابساً ... لدى وكَرِها العُنابُ والحَشَفُ البالي
وذلك أن امرأ القيس ذهب إلى أن العقاب مرزوقة وأن الصيد عندها، إلى هذا ذهب المرقش في وصف اللبوة إلى أنها مرزوقة وإلى أن الفرائس عندها كثيرة. وأنت إذا تأملت الأبيات التي احتجت بها وجدت كثيراً من المأخوذ فيها مبرزاً على المأخوذ منه، متقدماً في ميدان البيان، محكوماً فيه للآخذ بالإحسان، أو مساويا له كل المساواة. فمن المساواة قول امرئ القيس:
فلو أنها نَفسُ تَموت سويةٍ ... ولكنها نَفسُ تَساقَطُ أنفساً
فأخذه عبد بن الطيب، فكشفه ... وأرهفه وساوى فيه من تقدمه فقال:
فما كان قَيسُ هَلكُهُ هُلكَ واحد ... ولكنِهُ بُنيانُ قَومٍ تَهَدَمَا
ونظير هذا قول نابغة الذبياني:
سقَطَ النُصِيفُ ولم تُرِد إسقاطَه ... فتناَولَتُهُ واتقَتنا باليَدِ
فأخذ المعنى أبو حية النميري فأحسن كل الإحسان لزيادة لطيفة زادها في قوله:
فألقتُ قِناعاً دونهُ الشُمسُ واتقتُ ... بأحسَنِ مِوصُولَيِن: كفٍ ومعِصَمِ
فوجبت له المساواة بهذه الزيادة، ولم يعط الفضل على النابغة لتقدم النابغة في الاختراع لهذا المعنى. والزيادة قوله: " دونه الشمس " يريد مثل الشمس، وبقوله: " بأحسن موصولين ". فأما أن يجتلب الشاعر المعنى ويقصر عن استيفائه تقصيرك، ويسيء العبارة عنه إساءتك، ويقع أبداً دون الأول، فغير محمل له، ولا متسمح فيه، ولا محكوم بالإحسان في شيء منه. ألا ترى إلى قول طرفة:
لعَمرُ إن الموتَ ما أخطأ الفَتى ... لَكَالطوَلِ المرخى وثنِياه في اليدِ
فأخذه الراعي فقصر كل التقصير فيه بقوله:
وأعلَمُ أن الموتَ يا أم عامرٍ ... قَرِينُ محيطُ حبَله من وَرائِيَا
فانظر إلى تفاوت ما بين الكلامين مع سبق المتقدم إلى المعنى. وقال طرفة
فإن كنتُ ماكولاً فكُنُ أنتَ آكلي ... فبعضُ منَايا القومِ أشرفُ من بعض
فأخذه عبد الله بين الحجاج الثعلبي فقال:
فأن كُنتُ مأكولاً فكُنُ أنتَ آكلي ... وإن كنتُ مَذبوحاً فكن أنتَ تذبحُ
فأساء كل الإساءة، وأبدلنا من ذلك المثل السائر واللفظ الفصيح بما برهن عن كلال حده وشح زنده وقال المرار يذكر الظليم:
ذو بُردةٍ خُلتُعلى جؤُشوُشهِ ... سوداءَ جافيَةٍ منَ الغَزلِ
وشقَيقَةٍ بَيضاء غيرِ طَويلةٍ ... عَن رُكبتَيهِ قَليلَةِ الفَضلِ
قوله: " جافية من الغزل " لانتقاش ريشه. وشبه سواد أعاليه وصدره ببردة سوداء قد خلت عليه. وشبه بياض أسافله إلى ركبتيه بشقيقةٍ بيضاء، هو ما شق باثنين، لأن إذا بل ركبتيه انقطع فأخذ هذا الطرماح فاختصر لفظه وأحسن العبارة عنه بقوله:
مجتابُ شَمُلَة بِرُجدٍ لسَراتِه ... وَزَراً وأسلَمَ ما سواه البُرجُدُ
يقول: ظهره مخطط. وقال النابغة يصف ثوراً وحشياً وهو من معانيه التي ما سبق إليها
مِن وَحشِ وجَرَةَ مَوشِيُ أكارِعُهُ ... طاوي المصَيرِ كسيَفِ الصيقلِ الفَرِدِ
فأخذه الطرماح وزاد أحسن زيادة، وصار من أجلها أحق بالمعنى بقوله:
يَبدو وتُضمِرُهُ البِلادُ كأنه ... سَيفُ على شرَفٍ يسُلُ ويغُمَدُ
فشبهه في حالي ظهوره وخفائه بالسيف في حالي سله وإغماده، وقد قال بعض العرب:
تاهَتُ عَلُي بأنُ تَمتُ مَحاسِنُها ... خَوُدُ تكلمُ في أعطافها الفِتَنُ
هَمُتُ بإتياننِا حتى إذا نَظَرَتُ ... إلى المرِاةِ نهاها وَجههُا الحسنُ
فأشار أبو نؤاس إلى هذا المعنى إشارة خفية وزاد زيادة لطيفة فقال:
تَطَلعُ في المِرَاةِ فقالَ إيها ... أنا الشمسُ الني لا شكُ فيها
стр. 44
أنا واللهِ أصُلُحُ للمعَاصي ... إذا أهلُ الذنُوبِ تقَارفوُها
فانظر إلى لطفه في الأخذ، وحسن تأتيه للاتباع والاحتذاء. ثم قلت ولم أجدهم يحمدون إكثار الشاعر من الأتباع، وإكثاره من الأخذ والرق، فإن ذلك منه يدلب على ضيق المجم، على الفقر والاختلال، وعلى قصور الخاطر وبلادة الفكر وجبن القريحة. فأعجب المهلبي بما أوردته، ووكد وصاة من كان نصبه من كتابه لإثبات ما جرى وضبطه وتحصيله واستيفائه. وقال: إنما نأتيكم الفينة بعد الفينة، فإذا أتيناكم فأحسنوا القرى. ونهض مغضباً، فأمر المهلبي برده فرد مكرها، ول يطل الجلوس ونهض. فلما انصرف أقبل علي المهلبي وقال: أريد أن تفاوضه الكلام في شعر أبي تمام والبحتري، وتلبو ما عنده فيهما.
ومضى أسبوع ولم يستدعه ولم يحضر مبتدئاً، ثم حضر واعتذر من تأخره، وقد كان أبو علي الأنباري جر له حبال الطمع، ووعده عن المهبلي بما كان بعيداً من الوصول إليه، لسوء رأي المهلبي فيه. فأومأ إلي أن جاره ما وسمت لك مجاراته. فسألته إنشاد كلمته التي أولها:
) وَاحَرُ قَلباهُ ممِنُ قَلبُهُ شَبِمُ ... ومَن بحالي وجسِمي عندَهُ سَقَمُ (
فتلكأ يسيراً، ثم ابتدأ فأنشدها إلى أن انتهى إلى قوله:
) وَالحَيلُ والليلُ والبَيداء تعَرِفُني ... والحربُ والضربُ والقِرطُاسُ وُالقلمُ (
فاستحسنت الجماعة هذا البيت استحساناً أفرطت فيه. فلت: إنما أخذه من إماميه. فقال: ومن إماماي اللذان استلحقت شعرهما، وهتكت حريمهما، وأنحيت عليهما، وتناكرت معرفتهما؟ قلت: أبو تمام والبحتري، فأما البحتري فقال:
يا خَليلي بالسواجيرِ من أدُ ... بن معَنٍ وبحُترُِ بنِ عَتُودِ
اطُلبُاً ثالِثاً سوايِ فإنيُ ... رابعُ العِيسِ والدجى والبِيدِ
وأما أبو تمام فقال، وعليه اعتمد البحتري:
العيِسُ والهَمُ والليلُ التُمامُ معَاً ... ثَلاثَةُ أبَداً يُقُرنُ في قَرَنِ
وأبو تمام احتذى فيه قول الشنفرى:
ولَي دونَكم أهلونَ سيدُِ عملُسُ ... وأرقَطُ زُهلوُلُ وعَرَفاءُ جَيألُ
ثَلاثةُ أصحابٍ فُؤادُ مُشَيُعُ ... وأبيضَ إصُليتُ وصفَراءُ عَيطلُ
وإلى هذين البيتين نظر ذو الرمة في قوله:
ولَيُلٍ كجِلبابِ العَرُوسِ أدرَعتُهُ ... بأربعةٍ والشخصُ في العينِ واحِدُ
أصمُ عِلافيُ وأبيضُ صارمُ ... وأعيسُ مَهُرِيُ وأروَعُ ماجدُ
فقال بعض لحاضرين، وأحسبه الأنباري: ما يشبه الليل من جلباب العروي؛ فأمسكتُ. فقال المهلبي: ما تقول؟ فقلت له: لا يشبه الليل من جلباب العروس شيئاً إلا طوله وسبوغه. فقال المهلبي فما يريد بقوله:
بأرُبَعةٍ والشخصُ في العَينِ واحِدُ
فقلت: إنه يريد أنه نظر إلى هذه الجملة مجتمعة في ظلمة الليل، فتخيلها شخصاً واحداً. فقرع سمعه من كلامي ما أيقظ حميته وهز للشغب عزيمته وحرك سورته فتمثل بقول الشاعر:
وقد تذُكَرُ الأشياءُ بالشيء بعدَها ... ويرجِعُ للوُدُ العَدُوُ المبُايِنُ
وقال: أما أبو تمامكم هذا الذي يقول:
تجَرُعُ أسى قد أقفَر الجَرَعُ الفَردُ ... ودَعُ حِسيَ عينٍ يحَتلِبُ ماءه الوَجدُ
فأحال أقبح إحالة، واستعار أبع استعارة، بتصييره للعين حسيا، والأحساء توصف بقلة الماء، ومن شأن الدموع أن توصف بالغزارة من ذوي الوجد والصبابة، فكان الجماعة أصاخت إلى هذا القول. فقلت: ليس الأمر على ما تختليه، من أجل أن الحسي الرمل الذي يكون تحته حجر صلب يرد الماء، فشرب الرمل الماء إلى أن ينتهي إلى ذلك الحجر، فإذا احتاجوا إلى الماء احتفروا وأخرجوا شيئاً بعد شيء. هذا قول صاحب " العين " وجماعة من أهل العلم. فاستعار أبو تمام للعين حسياً، من أجل أن الدموع تخرج شيئاً بعد شيء، وهذه استعارة حقيقة لا استعارة مبالغة. فأمسك هنيهة ثم قال: أبو تمام القائل في هذه القافية:
رَقيقُ حوَاشي الحِلمِ لو أن حِلمَهُ ... بكفَيكَ ما مارَيُتَ في أنهُ بُرُدُ
فهل امتدح أحد فبله أحداً برقة الحلم، ووصفه بالركانة والثخانة أولى، ألا ترى إلى قول عدي بن الرقاع:
أبَت لكُمُ مَواطنُ طَيباتُ ... وأحلامُ لكُمُ تزِنُ الجبالا
стр. 45
قال: ثم أنه شبه الحلم في رقته بالبرد، ورقة البرد دال على هلهلة نسجه وليس ذلك من أوصافه ولا ممادحه. قال وفي هذه القصيدة يقول:
فلا تحَسبَا هِنداً لها الغدرُ وحَدَها ... سجَيِةُ نَفُسٍ كُلُ غانيةٍ هندُ
وإنما أخذه من قول الأضبط بن قريع السعدي، وكان سيدهم، فرأى منهم حسداً، فرحل عنه ونزل في آخرين، فرآهم على مثل حالهم فقال: " أينما أذهب ألق سعداً "، أي الناس مثل قومي في حسدهم ساداتهم. فقلت له: لا دليل على فضل أبي تمام أوضح من أخذه هذا الكلام ونظمه إياه في تلك العبارة السهلة الجزالة البعيدة القرية. فقال: وأبو تمام القائل:
أقولُ لقُرحانٍ من البينِ لم يضُِف ... رَسيسَ الهضوَى بينَ الحَشا والتُرائبِ
ما قرحان البين، أخرس الله لسانه؟ فقلت له: يريد رجلاً لم يقطعه أحبابه ولم يبن عنه ألافه ولا اعتاده هوى ولا تعبد صبره وجد. والأصل في هذه الكلمة أن القرحان الذي لم يجدر وقال جرير:
وكُنتُ مِن زَفَراتِ الُحب قُرحانَا
وفي هذه الكلمة يقول أبو تمام:
ورَكُبُ يُساقُونَ الرُكابَ زُجاجَةً ... منِ السُيرِ لم يقَصِد لها كَفُ قاطبِ
فقد أكلوا منها الغَوارِبَ بالسُرى ... فصارَت لها أشباحُهُمُ كالغَوارِبِ
فقال أبو الطيب: أما البيت الأول فمن قول أبي نؤاس إلى أن تتأمل البيت الثاني:
قَوُمُ تَساَقوا على الكوارِ بَينهُمُ ... كأسَ السُرى فانتشَى المسَقِيُ والساقي
كأنُ أرؤسَهُمُ والسُكرُ يَخفضِهُا ... على المنَاكبِ لم تُغُمَدُ بأعناقِ
وأبو نؤاس أخذه من قول أبي دهبل:
أقولُ والرّكْبُ قد مالتْ عَمائمهمْ ... وقد سقىَ القْوم كأسَ النعسةِ السهرُ
فقلت: وفي هذه القصيدة يقول أبو تمام:
يرَ أقبَحَ الأشْياءِ أوْبةَ آملٍ ... كَسَتْهُ يدُ المأمولِ حُلةَ خائبِ
وأحسنُ من نورٍ يفتّحهُ النّدىَ ... بياضُ العَطايا في سَوادِ المطالبِ
فقال: أما البيت الأول فمأخوذ غارة من قول الأخطل:
رَأينَ بياضاً في سودٍ كأنّهُ ... بياضُ العَطايا في المطالبِ
فقلت له: هذا البيت من اختلافات أحمد بن أبي طاهر تحاملاً على أبي تمام. وإلاّ فمن هذا الذي رواة الشعر، وفي أي قصيدة هو، وفي أي نسخة من نسخ ديوان الأخطل يوجد؟ فقال: وما الذي بعث أحمد بن أبي طاهر على هذا، وأي سبب أوجبه منه؟ فقلت أليس هو القائل:
البْحتريّ إذا فَتَشْتَ نسَبتهُ ... في بحُترٍ في بني ثُعلَِ
كلاهُما يتَظنىّ عندَ نسَبْتهِ ... وقَلبهُ منِ تظَنّيهِ على وَجلِ
ثم قلت: وفي هذه القصيدة يقول أبو تمام:
وقد عَلمِ الأفْشينُ وَهوَ الذي بهِ ... يصانُ رداءُ المُلكِ من كل جاذبِ
بأنكَ لما اسْحنكَك الأمرُ واكتسىَ ... أهابي تسسفى في وُجوهُ النوائبِ
وقلت: هذا المعوز المعجز المطمع الممتنع، القريب البعيد، اسهل الوعر، وأنشدته منها:
فلوْ كانَ يفنى الشعرُ أفنتهُ ما قرَتْ ... حياضكَ منهُ في العصورِ الذّواهبِ
ولكنهُ صوبُ العُقولِ إذا انجَلتْ ... سحائبُ منْهُ أعقبتْ بسحائبِ
فقال أبو الطيب: أما البيت الثاني فمن قول أوس بن حجر:
أقولُ بما صَبّتْ علَيهمْ غَمامتي ... وجهديَ في حَبلِ العشَيرةِ أحطبِ
فقلت: والله لئن كان أخذ كما تزعم، لقد طوى الأخذ، وزاد على المخترع بالمعنى زيارة لطيفة بقوله:) ولكنهّ فيْضُ العقولِ (فقال أبو الطيب: كيف يكون أبو تمام محسناً في الأخذ وهو القائل:
يقودُ نَواصيهاِ جذيلُ مشارِقٍ ... إذا آبهُ هَمُ عُذَيْقُ مغَاربِ
وقد أخذه من اجزل لفظ وأفضحه لبعض المتقدمين:
وركْبٍ بأبصارِ الكَواكبِ أبصروا ... ضلاَلَ المهاَرى فاهتدوْا بالكواكبِ
يكونونَ إشراقَ المشارِقِ مَرةً ... وأخرى إذا غابوُا غُرُوبَ المغارِبِ
ثم قال: وهو الذي يقول:
لعَمْري لقد حَرّرْتُ يْومَ لقيُتهُ ... لوَ أنّ القَضاء وَحدهُ لم يُبردِ
فقلت له: وهو المبتدئ هذه القصيدة بقوله:
غدَتْ تَستجيرُ الدّمعَ خَوْفَ نوىَ غدِ ... وصارِ قَتاداً عندهاَ كلُ مَرْقدِ
وأنقَدها منْ غَمرتِ المَوْتِ أنهُ ... صُدودُ فراقٍ لا فراقُ تعَمدِ
стр. 46
فأجرىَ لها الإشفاقُ دمعاً موَرداً ... من الدّمِ يجري فوْقَ خدّ موَرَدِ
هي البدرُ يدْنيها توَدّدُ وجْهها ... إلى كلّ من لاقتْ وإن لم توَدَدِ
وفيها يقول:
ولكنّني لم أحوِ وفرْاً مجمعاً ... وفُزتُ بهِ إلاّ بشملٍ مبّدد
ويم تعُطني الأيامُ نوْماً مسكناً ... ألذُ بهِ إلاّ بنوْمٍ مشرًدِ
وطولُ مقُام المرْء في الحيّ مخلقُ ... لديباجتَيْهَ فاغتَرِبْ تتَجَددِ
فإنّي رأيتُ الشمسَ زيدتْ محبةً ... إلى أن ليستْ عليهم بسْرمدِ
فقال أبو الطيب: أما قوله) فاغتربْ تتجددِ (فمن قول لقيطُ ابن زرارة:
ومَنْ أدْمَنَ المشْواةَ في الحيّ أخلقا
وقال: قوله) فإني رأيتُ الشمسَ (من قول كثيرَ: ولَوْ لم تغبْ شمسُ النهارِ لملّتِ وقلت له: ومن لك بمن يلفظ بمثل هذا ويستطيعه، أو يأخذ معنى فيكسوه معرضاً أنيقا، ويسبكه يعذب مشربه، ويستبهم على القرائح مراده. وقلت: وفيها يقول:
وقَد كانتِ الأرْماحُ أبصرْنَ قلبهُ ... فأرْمَدهاَ سترُ القضاء الممًددِ
وإني لأرْجو أنْ تقلد جيدهُ ... قلادَةَ مصْقولِ الذُبابِ مُهندِ
منُظمةً بالموتِْ يحظَى بحَليها ... مقُلدها في الناسِ دونَ المقلدِ
فقال أبو الطيب: وهو القائل:
فضَربْتَ الشَتاءَ في أخذَ عيه ... ضَرْبةً غادَرَتْهُ عَوداً رَكُوباَ
فقلت له: وهو القائل مبتدئاً هذه الكلمة:
من سَجايا الطُولِ ألاّ تجُيباَ ... فصَوابُ من مقلةٍ أنْ تصوباَ
وهذا من أحسن ابتداء، وفي تشبيبها يقول:
أكثرَ الأرضِ زائراً ومزُوراً ... وصَعوداً من الهَوىَ وصَبوباَ
وكَعاباً كأنمّا ألبْستهاْ ... غَفَلاتُ الشّبابِ برْداً قشيباَ
بينَ البَينُ فقْدَها قلّما تعْرفُ ... فقداً للشمسِ حتى تَغيباً
وفي مديحها يقول:
سَبقَ الدّهرَ بالتلادِ ولم ينْتظر ... النّائباتِ حتى تنوباَ
وإذا ما الخطوبُ أعفتْهُ كانتْ ... راحَتاهُ حَوادثاً وخُطُوباَ
فقال أليس هو القائل:
مُستسْلمُ لله سائسُ أمةٍ ... لذوي تجَهضُمها لهُ استسلامُ
لو أنه قذف كبده كان أولى من قوله:) تضجَهْمها (فقلت له: الرواية في هذا البيت) لذَوي تكبّرها (والتجهضم أخذك الشيء ببَغي، ولذلك سمىّ الأسد جهضماً، وهذه القصيدة يقول:
أتحَدّرَتْ عَبَرَاتُ عَينكَ أن دعتْ ... ورْقاءُ حينَ تصَعصعَ الإظلاْمُ
لا تنْشجنّ لها فإن بكاءها ... ضَحكُ وإنّ بكاءكَ استغرامُ
هنّ الحَمامُ فإنْ كَسْرتَ عيافةً ... منْ حائهِنّ فإنهنّ حمامُ
وهذا بكل شيء قاله محدث. وفيها يقول:
بالشدْقَمياتِ العتاقِ كأنّما ... أشباحهاُ بَينَ الإكام إكامُ
أوْريْتَ زَنْدَ عَزائمٍ تحتَ الدُجى ... أسرجنَ فكركَ والبلادُ ظلامُ
فنَهَضْتَ تَسحبُ ذَيلَ جيشِ ساقه ... حُسنُ اليقَينِ وقادهُ الإقْدامُ
مشْعنجرٍ لجبٍ تَرىَ سلافّهُ ... ولهمْ بمنخرقِ الفضاء زِحامُ
ملأ المَلا عُصباً وكادَ بأنْ يرَى ... لا خَلْفَ فيهِ ولا لهُ قُدامُ
بسواهمٍ لحقُ الأياطلِ شُزًبِ ... تَعْليقها الإسراجُ والألجامُ
مُسْترسلينَ إلى الحتوفِ كأنّما ... بَينَ الحُتوفِ وبينهمْ أرحامُ
آسادُ غيلٍ مخدرِات ما لها ... إلاّ الصوّارم والقناَ آجامُ
والضْربُ يعقدُ قَرمْ كتيبةٍ ... شَرِسَ الضريبةِ والحتوفُ قيامُ
فقصمْتَ عرُوْةَ جمْعهم فيهِ وقد ... جَعلتْ تفصًمُ عن عراها الهامُ
ثم قال فيها:
متُوَطئو عقبيكَ في طلبِ العلى ... والمَدِ ثمّتَ تستوي الأقدام
فأخذ البحتري هذا فقال:
حزْتَ المدى سبقاً وصلىّ ثانياً ... ثمّ استوتْ من بعده الأقدامُ
ومن هاهنا أخذت يا أبا الطيب قولك:
) رأيْتُ عليّاً وابنهُ قوْمهِ ... وهمْ خيرُ قومٍ واستوىَ الحرُ والعبدُ (
وقلت في موضع آخر:
) يشْتبهُالمَخدومُ والخدَمُ (
فقال أبو الطيب: قد أخطأ في قوله) كاد بانْ يرى (لأن المسموع من كلام العرب:) كاد يفعل (. فقلت: قد جاء لبعض الشعراء في وصف طريق:
قدَ منْ طولِ البلىَ أنْ يمصحا
стр. 47
وإذا جعلت) كاد (بمعنى) أراد (حسن دخول) أن (كما قال:
كَادتْ وكدتْ وتلْك خَيرُ إرادةٍ ... لوْ عادَ منْ وصلْ الحبيبةِ ما مضى
فقال: قد أخذا قوله: تعَليقهاُ الإسراجُ والإلجامُ من قول الأول:
تُرادُ على دمنْ الحياض فإن تعَفْ ... فإن المندىّ رِحلةُ فرَكُوبُ
فقلت له: هذا وإن كان آخذاً على ما ذكرت، احسن من المأخوذ منه وأكشف للمعنى. قال: فأن الأعشى قد قال:
وفلاةٍ كأنها ظهرْ ترسٍ ... ليسَ إلاّ الرّجيعَ فيها علاقُ
فقلت له: وهذا أيضاً غير مكشوف كل الكشف، والسراج والإلجام أفصح وأوضح. فقال: أبو تمام الذي يقول:
ولىّ ولم يَظلمْ وهل ظلمَ امرؤُ ... حثّ النجاءَ وخلْفهُ التنينُ
أرأيت إنساناً شبه بتنين؟ وإنما أراد قول كثير:
يقُلًبُ عَيْنيْ حَيةٍ بمحاَرةٍ
أو قول الأخطل:
ضَفادعُ في ظلَماء ليلٍ تجَاوَبَتْ ... فَدلُ عَليَها صوَتُها حَيُةَ البَحرِ
وهذا مذهب في المدح لم تزل ملوك بني أمية تتعلق به على شعرائها، وتنعاه في مداحها. فقلت له: يُتَسمح له بذلك لقوله:
جادَتُ عَليها من جَماجمِ أهلِها ... دِيمُ أمارتها طُلًى وشُؤونُ
بَحرُ من الهَيجاءِ يهفُو ما لهُ ... إلا الجماجم والضُلوعَ سفَيِنُ
مَلِكُ تضِيء المَكرماتُ إذا بدا ... لمُلكِ منُهُ غُرةُ وجَبِينُ
لانتُ مهَزتُهُ فَعزُ وإنما ... يشَتَد مَنُ متَنُ الرمحِ حينَ يلَينُ
فتركُتَ أرشَق وهَيَ يُدعى باسمها ... صم الصفا فتَلينُ منهُ عَيُونُ
لاقاكَ بابَكُ وهوَ يزُأرُ فأثنى ... وزَئيِرُهُ قد عادً وهوَ أنيشنُ
ورَجا بلادَ الرومِ فاستَعصَى بهش ... أجلُ أصمُ عنِ النُجاء حَرُونُ
فقال: هو الذي يقول
كانُوا رِداء زَمانِهِمُ فتَصدَعوا ... فكأنما لَبِسَ الزمانُ الصُوفَا
فقلت هو الذي يقول في هذه القصيدة:
يا منَزِلاً أعطى الحوادِثَ حُكمهَا ... لا مَطْلَ في عدةٍ ولا تسْويفاَ
أرْسىَ بناديكَ الندى وتَنفسَتْ ... نَفساً بعَقوتكَ الرّياحُ ضعَيفاَ
شُعفَ الغَمامُ بعرْصَتيكَ وربّما ... رَوّتْ رُباكَ الهائمَ المشعُوفاَ
وفيها يقول:
أيامَ لا تسطوُ بأهلْكَ نكبةُ ... إلا تَراجعَ مصَرُوفاَ
وإذا رَمتَكَ الحادثاتُ بلحظةٍ ... رَدّتْ ظُباتكْ طرْفهاَ مطرُوفاَ
وفيها يقول:
إن غاضَ ماءُ المزْنِ فضْتَ ... كبدُ الزّمانِ علي كُنتَ رؤَوفا
فقال أبو الطيب: وهو الذي يقول:
تسعونَ ألفاً كآسادِ الشرىَ نضجَتْ ... جلوُدُهم قَبل نضْجِ التّينِ والعنبِ
فقلت له: لهذا البيت نبأ أوجب قوله، ولو استقريته لما استجزت الطعن على قائله. ولو شاء قائل أن يقول: إنه لم تفتح قصيدة بأوجز ولا أخصر من قوله:
السّفُ أصدْقُ أنباءً منَ الكتُبِ ... في حَدهِ الحدُّ بَينَ الجدِّ واللعبِ
لما عنف. فقال أليس هذا من قول الأول:
فلا تُكْثروا فيهِ الضجاجَ فإنهُ ... محاَ السيفُ ما قال ابن دارةُ أجمعاَ
فقلت: الأمر على ما ذكرته، وقد احتذيتَ هذا المعنى من أبي تمام فقلت:
) وهل تغُني الرّسائلُ في عدُوٍ ... إذا ما لم يكُن ظبيّ رقافاَ (
وقلت: في هذه القصيدة يقول أبو تمام:
بكْرٌ فَما افتَرعتها كفُ حادثةٍ ... ولا ترَقتْ إليهاَ همةُ النوَبِ
رَمىَ بكَ اللهُ بُرْجيْها فهدّمَها ... ولوْ رَمىَ بكَ غُيرُ الله لم يُصب
فقال: أما هذا في كتابكم؟ فكفر لعنه الله) وَماَ رَميْتَ إذْ رَمَيْتَ ولكنّ الله رَمىَ (قلتُ: وفيها يقول:
فَتحٌ تَفَتحُ أبوابُ السّماء لهُ ... وتَبرزُ الأرضْ في أثوابها القُشبِ
لم يَغزُ يوْماً ولم ينهدْ إلى بلدٍ ... إلاّ تقَدّمهُ جيشُ من الرُعُبِ
لمّا رأى الحُبَ رأيَ العينِ تُوفلسٌ ... والحرْبُ مشُتقةُ المعنى من الحرَبِ
فقال أليس هذا من قول النابغة الجعدي:
ونَستْلبُ الدُهْمَ كانَ ربهُا ... ضَنيناً بها والحرْبُ فيها الحَائبُ
قلت: وفيها يقول:
بَصُرْتَ بالرّاحةِ الكُبَرى فلم تَرهاَ ... تُنالُ إلاّ على جِسرٍ من التَّعبِ
стр. 48
وقد أخذت هذا البيت على رسمك فقلت:
) وإذا كانَت النفُوسُ كباراً ... تعبْ في مُرادها الأجسام (
فقال: وأبو القائل مبتدئاً:
ما لكَثيبِ الحِمى إلى عقِدِةْ
فقلت: أجل هذه القصيدة التي أخذت منها:
كالخُوطِ في القَدِّ والغَزالة في الب ... هْجةِ وابن الغزالِ في غَيدَةْ
ثم تدارك هذا فقال:
وما حَكاهُ ولا نَعيمَ لهُ ... في جِيده بل حكاةُ في جَيدةْ
فقلت آخذاً للبيت الأول:
) بَدَتْ قمَراً ومالتْ غُصْنَ بانٍ ... وفاحتْ عنبراً ورنَتْ غَوالا (
فما أنكرت من هذا الابتداء ونعيته عليه؟ ألا نعيت قوله: أصَمَ بكَ النّاعي وإنْ كانَ أسمعاَ ولم يقلَ في ابتداء مرْثيةٍ بعد قول أوس بن حجر أسير ولا أخصر من هذا. فإن العلماء بالشعر قاطبة تشير إلى قول أوس:
أيتها النفّسُ أجملي جَزَعاَ
وقول أبي تمام، إن لم تنكر، أوفى منه. فقال هو مأخوذ من الأول:
نَعىَ لي أبا المقدامِ فاسودّ منظري ... من الأرْض واستكَّتْ عليّ المسامع
فقلت: هو منه، ولكن شتان ما هما قرباً ولطفاً واختصاراً. ولو لم تكن إلا فضيلة الإيجار لحكمت بالإحسان وأعطيته السبق. وقوله:
سعدَتْ غُرْبةٌ النّوى بسعادِ
وقوله:
أرامةَ كُنتِ مألف كل ريمِ
فقال هذا من قول زهير: وقوله في ابتداء أخرى:
لهانَ عَليناَ أنْ نقولَ ونَفْعلا
وابتداء أخرى:
أجلْ أيها الربْعُ الذي آهلُهْ ... لقد أدركتْ فيك النّوى ما تُحاولهُ
وقوله:
ما عَهدناْ كذا نحيبَ المَشوقِ
وقوله:
أيّها البرقُ بتْ بأعلى البراقِ ... واغْدُ فيها بوابلٍ غيداقِ
وتَعلَمْ بأنهُ ما لأنْوا ... ئكَ ما لم تروَها من خلاقِ
دمنَ طالماَ التقتْ أدمعُ المزْن ... عَليها وأدمعُ العشّاقِ
فهذا من أحسن ابتداء وكذلك قوله:
خذُي عَبَراتِ عَينكِ عن زماعي ... وصُوني ما أذلتْ منَ القناعِ
أآلفَةَ النّحيبِ كمِ افتراقٍ ... أظل فكانَ داعيةَ اجتماعِ
وليسْت فَرْحَةٌ الأوباتِ إلاّ ... لموْقُوفٍ على تَرحِ الوداعِ
ثم قلت: وهو الذي يقول في الدالية التي هتفت في ابتدائها يصف لواء:
نعْم لواءٌ الخميسِ أبْتَ بهِ ... يوْمَ خميسٍ عالي الضّحى أفدِهِ
خلتْ عقاباً بيضاءَ في حجراًت ... الملْكِ طارتْ به وفي سدَدهْ
ومرّ تهْفوُ ذؤابتاةُ على ... أسمرَ متنٍ بوْم الوغى جَسدِهْ
تَخْفقُ أثْناؤه على مَلكٍ ... يرىَ طرادَ الأبطالِ من طَردَهْ
فقال أبو الطيب: عذّ عن هذا، أما أبو التمام القائل:
والمجدُ لا يرْضى بأنْ يرْضىَ بأنْ ... يرْضىَ الذي يَرْجوكَ إلاّ بالرضاَ
هذا والله الهذيان الذي يشغل بطون المهارق ويطفئ نار القرائح.
قال: وأراه سمع بيت مسلم فاحبّ أن يركب الكلام ويعاظله تركيب مسلم ومعاظلته في قوله:
سلتْ وسلتْ ثمَ سلّ سليلُها ... فغداَ سليلُ سليلها مسلولا
فأضحكني هذا التخيل منه وقلت: إن مسلماً وإن كّرر اللفظ، فلبيته معنى لطيف أنا أورده، وقد أورده الباهلي في تاب) المعاني (، فزعم أنه يريد هذه الحمرة سلت من الكرم باقتطافه، ثم سلت من العنب باعتصاره، ثم سلّ العصير من الدن ببزله، وقوله:
فغداَ سَليلُ سَليلها مسَلولا
يريد بول شاربها. وقد قال بعد هذا البيت:
لطفَ المزاجُ لها فَزَيّنَ كأسهاَ ... بقلادَةٍ جُعلتْ لهاَ إكْليلا
يريد أن المزاج رفعها فجعل القلادة وهي في العين إكليلاً. وقد نازعه أبو نؤاس هذا المعنى وأحسن العبارة عنه بقوله:
تدَورُ علينا الرّاحُ في عَسْجديةٍ ... حَبَتهْا بأنواعِ التصّوير فارسُ
قَرارتَها كسرىَ وفي جنَباتها ... مهاً تدّريهِ بالقسيّ الفّوارِس
فللخَمرِ ما زرّتْ عليهِ جُيوبهاُ ... وللماء ما دارتْ عليهِ القلانسُ
وأما قول أبي تمام:) والمسجدُ لا يرْضىَ بأنْ يرْضىَ (ينقصه مثلك وأنت القائل:
) فقَلقَلتَ بالهمُ الذي قَلقَل الحشاَ ... قلاَقلَ عَينٍ كُلهن قلاقلُ (
والقائل:
) ومن جاهلٍ بي وهوَ يجهلُ جَهله ... ويَجهلُ علمْي أنهُ بيَ جاهلُ (
وأنت القائل:
стр. 49
) وُقُوفَينَ في وقَفْين شكٍر ونائلٍ ... فنائلهٌ وقْفُ وشكرُهمُ وَقفُ (
وأنت القائل أيضاً:
) ولا واحداً في ذا الَوَرَى بل جماعةً ... ولا البعض من كلّ ولكنكّ الضَّعْفُ (
) ولا الضعْفْ حتى يبلغَ الضّعفَ ضعفهُ ... ولا ضعفَ ضعفِ الضعفِ بلِ مثلهَ ألفُ (
) أقاضيناَ هذا الذي أنتْ أهلهُ ... غلطتُ ولا الثلثان هذا ولا النصفُ (
وأقبلت عليه فقلت: أتراك تغتفر أبي تمام في أثناء هذيانك هذا أم لا تغتفره؟ وفي الضادية يقول أبو تمام:
عندي منَ الأيامِ ما لوْ أنّه ... بازاء شاربِ مرْقدٍ ما غمضاَ
لا تطُلبنَّ الرّزْق بعدَ شمِاسِهِ ... فترومَه سَبُعاً إذا ما غَيُضا
يا أحمد بنَ أبي دُوادٍ دَعوةً ... ذَلتُ بشكُرِكِ لي وكانت ريضَا
لما انتضَيَتُكَ للخطوبِ كُفيتها ... والسٌيفُ لا يكفيكَ حتى ينُتضَى
كن كيفَ شئتَ فيك خلائِقاً ... أضحَى إليهَِن الرجاءُ مفُوضَا
فقال: أليس أبو تمام القائل يصف خمراً
إذا هيَ دبت في الفتى خالَ جسِمهُ ... لما دَب فيهِ قَريةً من قُرى النملِ
فقلت له: أما المعنى الفصيح، فما وجد الطعن عليهن وقد قال الأخطل:
تدبَ دبيباً في العِظامِ كأنه ... دبيبُ نمالٍ في نقاً يَتَهَيلُ
وقد قال الأول:
تدَبِ دَبيباً في العِظامِ كأنهُ ... دبيبُ بناتِ النٌمل وهيَ سوَارِي
وقال حسان بن ثابت، وعدل إلى تشبيه آخر:
تدَبُّ في الجِسمِ دَبيباً كَما ... دب دبي وسَطَ رقَاقٍ هَيَام
ولدبيبها سميت " دَبابةَ "، وقال ذو الرمة يصف غزالاً قد أنحى في نومه:
كأنهُ في الحيّ تَرمي الصعيدَ به ... دبابةٌ في عِظام الرأسِ خُرطومُ
قال أما أنا فيبعد عن وهمي ويند عن سمعي " قرية النمل "، وما سوى ذلك فله وجه. فقلت له: عد هذه التراهات، فمن أوضح البرهان على أنك قد تصفحت الشعر هذا الرجل، وتأدبت بمعانيه، وقفوت مذهبه، واقتريت طرقه فيه، وتتبع هذه المواضع عليه وتعيينك عليها، وإشارتك إليها وقدحك فيها. وه يسم أبا تمام بمسيم النقيصة تتبعك وتتبع أمثالك عبيه ما تتبعونه وهو القائل:
ما أن رأى الأقوامُ شَمساً قَبلها ... أفَلَت فَلم تثعقبِهُمُ بظَلام
لَو يقَدِرونَ مَشوا على وجَناتِهمٌ ... وجِبِاههِم فضلاً عنِ الأقدامِ
وهو القائل:
علا الشيبُ مختطاً بفَودي خُطة ... سبيلُ الرودى فيها إلى الموتِ مهَيعُ
هُو الزورُ يُجفى والمعاشرُ يُجتوى ... وذو الإلف يُقلى والجَديد يُرقعُ
لَه مَنظرٌ في العَينِ أبيضٌ ناصِعٌ ... ولكنه في القَلبِ أسودٌ اسفَعُ
وهو القائل:
فإن تَرمِ عن عُمرٍ تَمادَى به المدى ... فَخانَكَ حتى لم تجَد فيهِ منَزعا
فقال: أما هذا مأخوذ من قول البعيث:
وأنا لنُعطي المشَرفيةَ حقَها ... فَتقَطعُ في أيماننِا وتُقَطعُ
ومن قوله أيضاً:
أوْفى بهِ الدّهرُ من أحداثهِ شرفاً ... والسيفُ يمضي مراراً ثمّ ينقصدُ
وأبو تمام القائل:
لآل وَهبٍ أكُفٌ كُلمّا أجتديتْ ... فَعَلْنَ في المَحلِ ما لا تفعلُ الديَمُ
قَوْمُ تَراهمْ غيارَى دونَ مجْدهمِ ... حتى كأن المَالي دونهمْ حَرَمُ
وهو القائل:
يقَولُ في قوُمَسٍ صَحبي وقد أخذتْ ... منّا السرى وخطى المهريةِ القُودِ
أمطْلعَ الشّمس تبغي أنْ تؤمّ بناِ ... فقلتُ كَلاّ ولكنْ مطلعَ الجودِ
ومن البيت الثاني أخذت قولك:
) وجرَينَ جرْىَ في أفلاكها ... فقطَعنَ مَغربهاَ وحزْنَ المطلعا (
وهو الذي يقول:
راحتْ وفُودُ الأرضِ من قَبرهِ ... فارغَةَ الأيدي ملاءَ القُوبْ
قد عَلمتْ ما رزئتْ إنما ... يعرفُ فقدَ الشمسِ عند الغُروبْ
وهو الذي يقول:
ولم أرَ العُلى ما لم يرَ الشعرُ بينهماَ ... لكا لأرْضِ غُفلاً ليسَ فيها معالمُ
يرَى حكمةً ما فيه وهوَ فُكاهةُ ... ويقضى بما يقضي بهِ وهوَ ظالمُ
ولولاْ خلالُ سنهاّ الشًعرُ ما درَى ... بغاةُ النًدى من أين تؤتى المكارمُ
وهو الذي يقول:
مُجَردٌ سَيفَ رأيٍ من عزَيمته ... للدّهرِ صيقلُهُ الإطراقُ والفكَرُ
стр. 50
عَضْباً إذا هزّهُ في وَجه نائبةٍ ... جاءتْ إليهِ صروفُ الدّهرْ تعتذرُ
ومن البيت الأول أخذت:
) تَحضيرَ في سيفٍ ربيعةُ أصلهُ ... وطابعةُ الرّحمنُ والمدُ صاقلُ (
وهو القائل أيضاً:
فلا تَحسبِ الأعداءُ عَزْلكَ مغنَماً ... فإنّ إلى الإصدار ما غايةُ الورْدِ
وما كُنتَ إلاّ السيفَ جردَ للوغى ... فأحْمدَ فيهِ ثنّ ردّ إلى العمدِ
وهو القائل أيضاً:
يا أيها الملكَ النّائي برؤيتهِ ... وجودُه لمُرجيّ جودِهِ كَثبُ
ليس الحجابُ بمقصٍ عنكَ لي أملاً ... إنْ السّماء تُرجىّ حينَ تُحتجبُ
وهو القائل أيضاً:
لقد زدْتَ أو ضاحي امتداداً ولم أكنْ ... بهيماً ولا أرْضِ مجْهلا
ولكنْ أيادٍ صادفتني جسامُها ... أغرَّ فأوْفَتْ بي أغرَّ محجلا
فقال هو مأخوذ من قول أبي محلم:
أمسْلمُ فاسْلمَ يا ابن كل خليفةٍ ... ويا سائسَ الدنّيا ويا جبل الأرْضِ
شكَرْتكَ إن الشكرَ منّي سجيةُ ... وما كلُ منْ أوليتهُ نعمةً يقضي
حييْتَ لي ذكري وما كنتُ خاملاً ... ولكنً بعض الذّكر أنبهُ من بعضِ
فقلت وهو القائل:
وركْبٍ كأطرْافِ الأسنةِ عرَسوا ... على مثْلها والليلُ تطو غياهبهْ
لأمرْ علَيهمْ أنْ تتمّ صدورهُ ... وليس عليهمْ أنْ تتمّ عَواقبهْ
إليكَ جزَعْنا مغربَ الشمسِ كلماّ ... قطعنا مَلاً صلتْ عليكَ سباسبهْ
إلى سالبٍ الجبارِ بيضةَ ملْكهِ ... وآملهُ غادٍ عَليهَ فسالبهْ
إلى ملَلكٍ لم يلقْ كَلكَل بأسهِ ... على مَلكٍ إلاّ وذللَ جانبهْ
ففيَ كُلّ نجدٍ في البلاد وغائرٍ ... موَاهبُ ليستْ منهُ وهْي موَاهبهْ
فَنوَلَ حتى لم يجدْ منَ ينيلهُ ... وحاربَ حتى لم يجدْ من يحاربهْ
فيا أيها السّاري آسرِ غَيرَ مُراقبٍ ... جَنانَ ظلامٍ أوْ ردىً أنتَ هائبهْ
فقدْ بثّ عبدُ الله خوفَ انتقامهِِ ... على اللّيل حتى ما تدَبُ عقاربهْ
فقال أما قوله:) وركبٍْ كأطرافِ الأسنةّ (فمن قول كثير:
أطافتْ بشعْثٍ كالأسنةّ هجدٍ ... بخاشعةِ الأضواءِ غُبرٍ صحونهُا
وأما قوله:
لأمر عَليهْم أنْ تتمَ صدوره
فمن قول الأول:
غلامُ وغى تَقَحمها فأبلْى ... فخانَ بلاءهُ الزّمنُ الخؤونُ
وكانَ على الفتى الإقدام فيها ... ولَيسَ عَليهَ ما جنَتِ المنُونُ
وأما قوله:) صلتْ عليكَ سباسبهُ (فمن قول بشار:
إذا ما أعرْنا سيداً من قبيلةٍ ... ذرَى منبرٍ صلّى علينا وسّلما
وبشار أخذه من جرير:
منابرُ مْلكٍ كُلها مضرية ... يصلّي علينا من أعرناه منبرا
فقلت له: لئن كان تمام ناظراً إلى هذه المواضع فلقد تناول أخلاق أعبية فأعادها يرف وشيها، كما ترف خدود الرياض غب الحيا.
وهذا كان مذهبه في جميع ما يلاحظه ويشير إليه من المعاني. ألا تر إلى قول الأول:
سيُوفٌ لعَمري يا صدَيّ بن مالكٍ ... حدادُ ولكن أين بالسيفِ ضاربُ
فاحتذى هذا أبو تمام:
وقد يَكهمُ السَيفُ المُسّمى منيةً ... وقد يرَجعُ المَرء المظفرُ خائباَ
فهذا البيت مخترع له: ثم قال محتذياً للبيت المتقدم ومفسراً لبيته هذا:
فآفةُ ذا ألاّ يصُادفَ مضرباً ... وآفةٌ ذا ألاّ يُصادفَ ضارباَ
وقال الفرزدق، وذكر امرأة له ماتت بجمعٍ، وهي التي تموت وولدها في جوفها:
وجفنِ سلاحٍ قد رزئتُ فلم أنحْ ... عَليهِ ولم أبعثْ عليهِ البوَاكياَ
وفي ضمنْهِ من دارمٍ ذو حفيظةٍ ... لو آن اللّيالي أخطأتْهُ لياَلياَ
فقال أبو تمام في اثنين صغيرين كانا لعبد الله بن طاهر، فماتا في يوم واحد، وأشار إلى بيتي الفرزدق إشارة عجيبةً، وزاد زيادات لطيفة من قصيدة:
نَجمانِ شاء الله ألاّ يطلعاَ ... إلاّ ارتْداد الطرفْ حتى يأفلا
إن الفجيعة بالرّياضِ نوَاضراً ... لأجلٌ منها بالرياضِ ذوابلاِ
لوْ ينْسبانِ لكانَ هذا غارباً ... للكرمات ِ وكانَ هذا كاهلا
لَهفي على تلكَ الشواهدِ منهما ... لوْ أمهلتْ حتى تكون شمائلا
إنّ الهلالَ إذا رأيتَ نمارهُ ... أيقنْتَ أن سيكون بدْراً كاملا
стр. 51
فهذا ما احتذاه وولده وسبطه وزاد فيه.، وأحسن العبارة عنه. من الباب قول الآخر:
رَأيتُ المالَ يَكسبِهُ رِجالُ ... مآفين إذا اختبُروا فُسُولُ
فلا ذو المالِ يكَسبُهُ بعقلٍ ... ولا بالمالِ تكُتَسَبُ العُقولُ
كَما تكُسَى سباغُ الأرضِ رِياً ... وتُصرفُ عن َ كَرائِمهِا السيولُ
فأخذ هذا المعنى أبو تمام وأختصره في بيت واحد فقال، وأحسن كل الإحسان:
لا تنُكِري عَطَلَ الكريمِ من الغنِى ... فالسيلُ حَربُ للمكانِ العالي
وقال عمر ين أبي ربيعة:
وإذا جِئتهُا لأشكوُ إليها ... بَعضَ ما شَفني وما قد عراني
ضَل عَنها لشدةِ الوَجدِ عقلي ... وتَعايا بذاتِ نفَسي لِساني
ونسيتُ الذي جمعَتُ من القَو ... لِ لدَيَها وغابَ عني بَيَاني
فقال أبو حفص الشطرنجي سالكاً هذا المذهب:
بُني الحُب على الجَورِ فلَو ... أنصَفَ العاشِقُ فيهِ لَسَمُجْ
ليس يسُتحسن في وصفِ الهوىَ ... عاشقُِ يُحسنُ تأليف الحُجَجْ
وقال أبو تمام موجزاً هذا المعنى:
لِمٌ تُنكرِينَ وقد هويتُ تبلدُي ... وبَراعَةُ المشُتاقِ أن يَتَبَلدَا
فتأمل ما بين الكلامين تجد تفاوت بعيداً. وسمع أبو تمام قول ابن الزبير عند قتل أخيه مصعب: " إنما التسلية والسلوة لحزماء الرجال، والهلع والجزع لربات الحجال " فنظم هذا فأحسن كل الإحسان في نسخه وتأليفه بقوله:
خُلِقنا رِجالاً للتجلُد والأسَى ... وتلِك الغَواني للُبكا والمآتِمِ
وسمع قول القائل " المحاب مقرونة بالمكاره " فقال، وبرز تبريز السابق المتمطر إذا تطلمه الفرسان في حلبة تعثرت الجياد في طلبه بها:
سَعَى فاستنَزَل الأمَلَ اقتِساراً ... ولوَلا السعُي لك تكُنِ المسَعى
وأنظر إلى قول أبان اللاحقي:
ولنْ تعرِفَ النفٌسُ النعيمَ وعزِهُ ... إذا جَهِلت حالَ المذَلةِ والضر
فأخذ هذا المعنى أبو تمام وأحسن صوغه وسبكه فقال:
والحادِثاتُ وإن اصابَكَ بُؤسُها ... فهو الذي أنباكَ كَيفَ نعَيمهُا
فحاول عبيد الله بن عبد الله بن طاهر أخذ هذا المعنى، فقصر عنه بقوله:
لا ينُسيِنكَ حالُ نشلتَ رِفٌعَتَها ... ما في عواقبِهِا واذكر تصرفَها
أن الفتى يجهَلُ النعما إذا اتصلت ... حتى يلُذعَ بالبلِى فيعَرِفَها
ومن إحسان أبي تمام في الأخذ قوله:
إذا ما أغارُوا فاحٌتووا مالَ معَشَرٍ ... أغارَتٌ عَلَيهم فاحتوَتهُ الصنائعُ
وهذه العبارة تطرب وتعجب، وتختدع وتخلب. وإنما احتذى في بيته هذا قول عروة بن الورد في بيتين:
كَريمُ رأى الإقتارَ عاراً فلم يزَل ... يَجُوبُ بلادَ اللهِ حتى تَموِلا
فلما استَفادَ المالَ عادَ ببَذّلِهِ ... لمَن جاءهُ يبَغي ندَاهُ مُؤملا
فتأمل اختصار أبي تمام لهذا المعنى وحسن عبارته عنه. فتعاطى ابن الرومي أخذه فلم يستطع استيفاءه إلا في أربعة أبيات، يقتضي بعضها بعضاً وهي:
وما في الأرض أجوَد من شجاعٍ ... وإن أعطى القليلَ من النوالِ
وذلكَ أنٌه يعُطيك ممِا ... تُفيء عليَهِ أطرافُ العَوالي
وحسبُكَ جودُ مَن أعطاكَ مالاً ... حواهُ بالطٌرادِ وبالنٌزالِ
شرَى دَمَهُ ليحَويَهُ فلَما ... حواهُ هوَى به حمدُ الرجالِ
وأخبرني الصولي قال: سمعت أبا مالك يقول: من استطاع أن يأخذ المعنى فيصنع به صنع أبي تمام، وإلا فلا يتعرض له. قال: فقلت مثل هذا؟ فقال: مثل قول أبي نؤاس:
بشرهُمُ قَبلَ النوال اللاحِقِ ... كالبرَقِ يبدو قبلَ جودٍ دافِقِ
والغَيثُ يخَفَى وقعُهُ للرامِقِ ... ما لم يجَدِهُ بدَليلِ البارِقِ
فنظر أبو تمام إلى هذا فقال:
يَستَنزِلُ الأمَلَ البَعيدَ ببِشرِهِ ... بُشرَى المخُيلةِ بالربيعِ المغُدقِ
وكذَا السحائبُ قلما تدعو إلى ... معَرُوفِها الروادَ ما لم تَبرُقِ
ثم اختصر المعنى في بيت واحد فقال:
إنما البِشرُ روَضَةُ فإذا ... أعقَبَ بذَلاً فَروضَةٌ وغدَيرُ
فاحتذى هذا المعنى البحتري فقال وأتى به في عدة مواضع قصر فيها إلى أن قال:
متُهلَلٌ طَلقٌ إذا وعَد الغِنى ... بالبِشرِ أتبَعَ بِشرهُ بالنائِلِ
стр. 52
كالُزن إن ضَحِكَتٌ لوامع برقِهِ ... أجلَت بهِ عن ديمةٍ أو وابِلِ
فقال أبو الطيب: نكتب عن هذا، فهل تجد لبي تمامكم هذا أو بحتريكم معنى اخترعاه؟ فقلت: هل تستوفي اختراعاتهما مذاكرة، أو يأتي على جزء واحد منها البحث والمناقشة؟ فقال: هلم معنى واحداً ولك الحصل. فقلت له: من اختراعات أبي تمام التي وقع إجماع الرواة عليها قوله
تأبى على التصريدِ إلا نائلاً ... إلا يكُن مَحضاً قَراحاً يُمذَقِ
عَمداً كما استكرَهتَ عائرَ نَفحةٍ ... من فارِةِ المِسكِ التي لم تُفتَقِ
فقال هذا من قول الأعرابي:
ولما تَنازعنا سِقاطَ حدَيثهِا ... غِشاشاً فَلانَ الوُد منها فأطمَعَا
بحدِثانِ هِجرانٍ وساعَةِ غَفَلةٍ ... من الحي يخَشى أعيُناً أن تَطلعَا
فرَشٌت بِقيلٍ كادَ يشَفي من الهوَى ... تكادُ له أكبادنُا أن تَقُطعا
كما استَكرَهَ الصادي وقَائعَ مُزنَةٍ ... رُكاماً توَلى مُزنُها حينَ نَقعَا
فقلت له: ما أبعد ما بين المعنيين، وما أجدك تجتلب ذاك إلا من أجل قول هذا " كما استكره " وقول أبي تمام " عمداً كما استكرهت ". والألفاظ مباحة، إلا استعارة لطيفة أو تجنيساً أو طباقاً، فإن هذه تختص بأربابها. وإذا أتى بها آخر بعد أول قضي عليه بالسرق، على أنه في المجاز أن يتورد آخر وأول في بعض ذلك. فقال المهلبي: يا أبا الطيب ظلمت أبا تمام في هذه الدعوى عليه ظلماً لا شبهة فيه. وأقبل علي وقال: تمم كلامك. قلت ومن مخترعه قوله:
وإذا أرادَ اللهُ نَشرَ فَضيلَةٍ ... طُوِيتْ أتاحَ لها لسانَ حَسودِ
لولا اشتعالُ النارِ فيما جاوَزَتٌ ... ما كانَ يعُرَفُ طِيبُ نَشرِ العودِ
فقال أبو الطيب: أما البيت الأول فمبتذل المعنى. فقال المهلبي: مثل ماذا؟ فقال قول زهير:
مُحَسدونَ على ما كانَ من كَرَمٍ ... لا يَنزعُ الله عَنهُم ما له حُسِدوا
وقال الآخر
ولَيسَ يفترِقُ النعماءُ والحَسَدُ
وقول الآخر
مُحَسدُون وشَرُ الناسِ منزلةً ... مَن لم يبَت ذاتَ يومٍ وهو محسودُ
فقال المهلبي: هذا أيضاً تحامل، ما يتناسب المعيان، وإن كانا معاً في الحسد، ألا ترى أن قوله:
وإذا أراد الله نَشرَ فَضيلةٍ ... طُوِيِت أتاحَ لها لسانَ حَسود
ليس من قول زهير: محسدون، لا ينزع الله عنهم ما حسدوا له، ولا من قول الآخر: شر الناس من لم يكن محسوداً، وقول الآخر:
ولَيسَ يفَترِقُ النعماءُ والحَسدُ
وأن كان كل ذلك في معنى واحد وطريقة واحدة؟ فقلت له: هذا باب من الأتساع في المعنى مما يشبه المأخوذ وليس بمأخوذ، وهذه منزلة لا يتوقلها إلا شثن القدمين. فقال أبو الطيب: فقد أخذ قوله: " لولا اشتعال النار " من قول بشار:
كحَاوي المِسكِ دَل علَيهِ نَفخُ
فقال علي بن عيسى النحوي: إن كان فعل ذاك فقد الله أحسن كل الإحسان. فقال المهلبي مقبلاً علي: هات ما حضرك من اختراعاته، فقلت: ومن اختراعاته قوله:
وضَل بكَ المُرتادُ من حيثُ يَهتدَي ... وضَرت بكَ الأيامُ من حيثُ تَنفَعُ
ومن بدائعه:
يَسُركَ أن تَلقاهُ في صَدرِ مَجلِسٍ ... وفي نحرِ أعداءٍ وفي قلبِ مَوكبِ
لهُ خُلُقُ لو كانَ في الماء لم يَغِض ... وفي الغَيثِ ما شام امرُؤ بَرقَ خُلبِ
وقوله:
خَليليْ مِن بَعدِ الأسَى وَالجوَى قفِا ... ولا تقَفِا فَيضَ الدموعِ السواجم
لَئنِ كانَ سيفُ الموتِ أسوَدَ صادئاً ... لقَد فُلَّ عنَهُ حَدُ أبيضَ صارِمِ
أصابَ امرأ كانَت كرائِمُ مالِهِ ... علَيهِ إذا ما سيِلَ غَيرَ كَرائِمِ
وما نَكْبةُ فاتَت بهِ بعَظيمَةٍ ... ولكنها مِن أمهاتِ العَظائِمِ
ومن اختراعاته قوله يصف الرماح:
مشقفاتٍ سلَبنَ الرومَ زُرقَتَها ... والعُربَ سُمرتها والعاشِق القَضفا
وقوله
والسيفُ ما لم يُلف فيه صَيقلُ ... من نَفسِهِ لم يَنتفِع بصقِالِ
فقال: هذا من قول امرئ القيس:
يُدعى صَقيلاً وهو لَيسَ لهُ ... عَهدُ بتَمويهٍ ولا صَقيل
وقوله:
والحادِثاتُ وإن أصابَكَ بُؤسُها ... فهو الذي أنباكَ كيفَ نَعيمهُا
وقوله:
стр. 53
وما السيفُ إلا زُبرةُ لو تركتهُ ... على الحِلقَة الأولى لما كانَ يقَطعُ
وقوله:
أحلى الرجالِ من النساءِ موَاقِعاً ... منَ كانَ أشبهَهُم بهن خدُودا
فقال هذا من قول الأعشى:
وأرى الغواني لا يوُاصِلنَ امرأ ... فقَدَ الشبابَ وقد يصًلِنَ الأمرَدَا
فقال أبو سعيد النحوي: بيت أبي تمام أن أنصفته أشعر، وأن كان بيت الأعشى أسير. ومن اختراعاته قوله:
طال إنكاري البياض وإن عم ... رت شيئاً أنكرت لون السواد
وقوله:
ما آبَ مَن آبَ لم يظفْر بحاجَتهِ ... ولم يغبْ طالبُ للنجح لم يخبِ
وقوله:
قالوا أتبكي على رسمٍْ فقلتُ لهمْ ... مَن فاتهُ العَينُ هدىّ شوقَه الأثرُ
وقوله:
ومَنْ لم يُسَلًمْ للنْوائبِ أصبحتْ ... خَلائقهُ طُراً عليهِ نَوائباَ
وقوله:
دمن طالماَ التقتْ أدمعُ المُزْنِ ... عَليها وأدمُعُ العُشاقِ
ومن بدائعه قوله في صفات الإبل:
المُرْضياتكَ ما أرغمْتَ آنفها ... والهادياتُكَ وهيَ الشُردُ الضللُ
إذا تظلمتُ من أرْضِ فصلتُ بهاَ ... كانتْ هيَ العزّ إلاّ أنها ذللُ
وقوله:
متى يأتكَ المقدارُ لا تُلفَ هالكاً ... ولكنْ زمانُ غالَ مثلكَ هالكُ
فقال المهلبي: في بعض هذا كفاية، فهل يحضرك من اختراعات البحتري شيْ؟ فقلت، قوله:
إذا خَطرتْ تأرجَ جانباها ... كما خطرتْ على الروْض القبول
ويحسُنُ دلهاُ والموتْ فيهِ ... وقد يستحْسَنُ السيفُ الصّقيلُ
فقال أبو الطيب: البيت الأول من قول أبي نؤاس يصف خمراً:
كأناّ لَديهَا بينَ أكْنافِ رَوْضةِ ... إذا ما سلبناها من الليلِ طيبهاَ
فقال أبو سعيد السيرافي: ما أبعد هذا المعنى. فقال: قل ما أقربه وأشد شبهه. فقال: هو بقول الشنفري الأزدي أشبه:
فبتنْا كأن البيتَ حُجًرَ حوْلناَ ... بريحانةٍ ريحتْ عشاءً وطلّتِ
وبقول الآخر:
أنّ لي عندَ كلّ نفَحةِ بْستانٍ ... منَ الوَرْدِ أوْ منَ الياسميناَ
نظرةً والتفاتةً أتضرَىّ ... أنْ تكوني حلْلت فيما يليناَ
ونحوه قول سلم الخاسر:
كأنّها روْضةُ منَوّرَةٌ ... تَنَسمتْ في أواخرِ السِّحرِ
وسلم أخذه من بشار:
كأنّها رَوْضةٌ منَوَّرةٌ ... تجمعُ طيباً ومنظراً حَسنَا
بانَتْ بقلبي صفراءَ رداعةً ... صَبّتْ عليناَ من حبّها فتَناَ
وأحسن حبيب بن عيسى الكاتب في قوله:
تذكُرني رياكِ ريحُ مَريضةُ ... جرتْ بنسيم الروْض في غلسَ الفجرِ
ثم قال: وكذا قوله: وقَدْ يستَحْسنُ السيفُ الصقيلُ فمن قول أبي الشيص:
وكالّسيفِ إنْ لا ينْتهُ لانَ متنهُ ... وحَداهُ إنْ خاشنتهُ خشنَانِ
فقلت: ما أبعد هذا الوادي من تلك الثنية، فإن يكن فهو نظر وملاحظة ولكن انظر إلى ألفاظ البحتري الرطبة العذبة، وإلى مذهبه فيما يحتذيه ويشير إليه. فإنه كان لا يستدعي من الكلام نافراً، ولا يستعطف معرضاً، ولا ينشد ضالاً، ولا يؤنس وحشياً. وكانت ألفاظه فوق معانيه، وأعجازه غير منفكة عن هواديه. ولكن أبا الشيص أخذ قوله من قول الآخر:
هوَ الّسيفُ إن ينته لان حدهُ ... وبين غراريْهِ المنَايا اللّوائحُ
ثم قلت: ومن اختراعات البحتري أيضاً قوله:
ولمّا التَقينا والنقا موْعدُ لَنا ... تَعَجبَ رائي الدُرّ حسناً ولا قطهْ
فمنْ لؤلؤٍ تُبديهِ عندَ ابتسامها ... ومنْ لؤلؤٍ عندَ الحديثِ تساقطُه
فقال أبو الطيب: أما هذا مأخوذ من قول الآخر:
هيَ الدّرّ منَثوراً إذا ما تكلمتْ ... وكالدرّ منظوماً إذا لم تكلم
فقال المهلبي: ومن لك بمن يحسن إحسان البحتري في أخذه هذا، إن كان أخذه منه، وهل هو في ذلك إلاّ كمن اجتنى مر ثمرة، أو أخذ بعرة فأعادها جوهرة. قلت: ومن اختراعات البحتري قوله يصف الطيف:
أجدَّكَ ما يَنفكّ يَسري لزَيْنبا ... خَيالُ إذا آبَ الظّلامُ تأوّباَ
سرَى من أعالي الشاّم يجلُبهُ الكرىَ ... هبوبَ نَسيمِ الّريح تجلبهُ الصًبا
ومن مخترعه قوله:
) متَعَودٌ لُيسَ الدّروعِ تَخالُها ... في البرْدِ خزّاً والهَواجرِ رذا (
وقوله:
стр. 54
شقَائقُ يحْملنَ النّدى فكأنهُ ... دُموعُ التصابي في خدُودِ الخرائدِ
وقوله يصف:
كأنما غُدْرانهُ في الوَهْدِ ... يَلعْبَن منْ حَبابها بالنَّرْدِ
فبهر أبا الطيب ما أوردته، واحتسبت عارضته، وعقل لسانه عن الجواب، وكاد لولا أن هيبة الوزير أبي محمد ملأت قلبه. وقد كان من قبل يلاوذ المناظر لياذ الغريم من التتبع. فحين انتهى في القول إلى هذا الموضع، نهض مغضباً، وكان آخر العهد به في تلك الدار. وخرج ماراً على وجهه، شارداً الظليم، ولم يقم إلاّ ريثما تأهب للسفر، فارتحل عن العراق متوجهاً إلى الكوفة. وقد استخف أحداث المتأدبين طمعاً فيه، حتى مزق أديمه، وفري فري الإرهاب عرضه. وأولع بهجائه سفيه من سفهاء البغداديين، صغير من أصاغر علمائهم يعرف بابن الحجاج، لا حظ له في الفضل ولا قدم في الأدب، وحسبه أن اضطره مع دناءة قيمته وسخف همته إلى الهرب، وترامي المطلب، وقلق الركاب في كل مذهب. وقد كنت اقتده بعنان الصغار قود الجنيب، فلم يستطيع مقاماً بمدينة السلام، فخرج عنها إلى الكوفة، ومنها إلى فارس، منتجعاً عضد الدولة، وملماً بابن العميد، ومؤملاً الإقامة في ذراهما، والاستظلال بظلمها أو بظل أحدهما. فأحسن في بعض ما مدحهما وأساء في بعض، وحصرت مادته وانقطع دون الغاية نفسه، فإنه كان استنفذ في سيف الدولة إحسانه، واستغرق في مدحه باعه، فاضطر إلى الارتحال والعود إلى العراق، فاخترم دون ذلك، وكان آخر العهد به.
وأنا أشفع هذه الرسالة بما تتبعه من عوراه، ووقفت عليه من سرقته، ومن سقط لفظه وسخيف معانيه، وأذكر أيضاً من محاسن شعره، ومن عيون مدائحه - فإن المدح كان طعمته وشوارد أبياته - ما أجري في جميعه مع الحق الذي لا يسع تعديه، منصفاً ومنتصفاً منه، لا ألته حقه، ولا أنحله ما ليس له. وأفراد بذلك كتاباً وأستقصيه، وأنتهي إلى الغاية التي تبلغها القدرة فيه، بحول الله وقوته وفضله ورأفته.
نجزت الرسالة ولله الحمد، والمنة ولله وحده، وصلواته على سيدنا محمد النبي وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً. ووافق الفراغ من نسخه على يد أفقر عباد الله وأحوجهم إلى عفوه وغفرانه محمد بن عبد الملك بن عساكر الشافعي البعلبكي، غفر الله له، يوم الجمعة تاسع شوال سنة سبع عشرة وسبعمائة حامداً ومصلياً.