← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 10151–10190 · переход к 10156.

стр. 10151

حُدِّثتُ عن الحسين، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عُبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ (١) إِلَّا قَلِيلًا﴾: كان القليلُ الذي لبِثوا بعدَ خروجِ النبيِّ ﷺ من بين أظهُرِهم إلى بدرٍ، فأَخَذَهم بالعذابِ يومَ بدرٍ (٢). وعَنَى بقولِه: ﴿خِلَافَكَ﴾: بعدَك. كما قال الشاعرُ (٣): عَقَب الرَّدَاذُ (٤) خِلافَها فكأَنَّما … بسَط الشَّواطِبُ بينَهنَّ حَصِيرًا يعنى بقولِه: خلافَها: بعدَها. وقد حُكى عن بعضِهم أنه كان يقرَؤُها: (خَلْفَكَ) (٥). ومعنَى ذلك ومعنَى الخلافِ في هذا الموضعِ واحدٌ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا (٧٧)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: لو أخرَجوك [مِن مكةَ] (٦) لم يَلْبَثوا خِلافَك إلا قليلًا، وَلأَهْلكْناهم بعذابٍ مِن عندِنا، سُنَّتَنا في مَن قد أَرْسَلْنا قبلَك من رُسلِنا، فإِنَّا كذلك كنا نفعَلُ بالأمم إِذا أخرَجتْ رُسلَها مِن بين أظهُرِهم. ونُصِبتِ "السُّنَّةُ" على الخروجِ (٧) مِن معنى قولِه: ﴿لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا

стр. 10152

قَلِيلًا﴾. لأن معنَى ذلك: لَعَذَّبْناهم بعدَ قليلٍ كسُنَّتِنا في أممٍ مَن أَرْسَلْنا قبلَكَ مِن رُسلنا. ولا تجدُ لسُنَّتِنا تحويلًا عمَّا جرَت به. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا﴾. أي: سُنَّةَ الأُممِ والرُّسلِ كانت قبلَك كذلك، إذ كذَّبوا رُسلَهم وأخرَجوهم، لم يُناظَروا أن الله عاجِلٌ (١) علَيهم عذابَه. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (٧٨)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : أقمِ الصلاةَ يا محمدُ لدُلُوكِ الشمسِ. واختلَف أهلُ التأويلِ في الوقتِ الذي عَنَاه اللهُ بدُلوكِ الشمسِ؛ فقال بعضُهم: هو وقتُ غروبِها، والصلاةُ التي أُمِر بإقامتِها حينئذٍ صلاةُ المغربِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني واصلُ بنُ عبدِ الأعلى الأسديُّ، قال: ثنا ابن فُضَيلٍ، عن أبي إسحاقَ - يعنى الشَيْبانيَّ - عن عبدِ الرحمن بن الأسودِ، عن أبيه، أنَّه كان مع عبدِ اللهِ بن مسعودٍ على سطحٍ حينَ غرَبتِ الشمسُ، فقرأ: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾. حتى فرَغ من الآيةِ، ثم قال: والذي نفسي بيدِه إن هذا لَحِينَ دَلَكَتِ الشمسُ وأفْطَر الصائمُ ووقتُ الصلاةِ (٢).

стр. 10153

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا ابن أبى عدِيٍّ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن عُقْبَةَ بن عبدِ الغافرِ، أنَّ أبا عُبيدةَ بنَ عبدِ اللهِ كتَب إليه أن عبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ كان إذا غرَبتِ الشمسُ صلَّى المغربَ، ويُفطِرُ عندَها إن كان صائمًا، ويُقسِمُ عليها يمينًا ما يُقسِمُه على شيءٍ من الصلواتِ: باللهِ الذي لا إلهَ إلا هوَ، إن هذه الساعةَ لميقاتُ هذه الصلاةِ. ويقرَأُ فيها تفسيرَها من كتابِ اللهِ: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾. حدَّثنا محمدُ بن المثنَّى، قال: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن شعبةَ، عن عاصمٍ، عن أبى وائلٍ، عن عبدِ اللهِ، قال: هذا دلوكُ الشمسِ، وهذا غَسَقُ الليلِ. وأشار إلى المشْرقِ والمغْربِ (١). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، قال: قال ابن عباسٍ: دلوكُ الشمسِ غُروبُها. يقولُ: دَلَكتْ بَرَاحِ (٢). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن أبي إسحاقَ، عن الأسودِ، عن عبدِ اللَّهِ، أَنَّه قال حينَ غرَبتِ الشمسُ: دَلَكتْ بِرَاحٍ (٣). يعنى بِـ "رَاحٍ" مكانًا (٤). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن

стр. 10154

منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ، قال: دُلوكُها غُروبُها (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: قد ذُكِر لنا أنَّ ابنَ مسعودٍ كان يُصلِّيها إذا وجَبتْ، وعندَها يُفطِرُ إذا كان صائمًا، ثم يُقسِمُ عليها قسَمًا لا يُقسِمُه على شيءٍ مِن الصلواتِ: باللهِ الذي لا إلهَ إلا هو، إن هذه الساعةَ لِمَيقاتُ هذه الصلاةِ. ثم يقرَأُ ويُصلِّيها. وتَصْدِيقُها مِن كتابِ اللَّهِ: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾. قال: كان أبي يقولُ: دُلوكُها حينَ تُريدُ الشمسُ تَغْرُبُ إلى أن يَغْسِقَ الليلُ. قال: هي المغربُ حينَ يغسِقُ الليلُ، وتَدْلُكُ الشمسُ للغروبِ. حدَّثني سعيدُ بنُ الربيعِ، قال: ثنا سفيانُ بنُ عُيَيْنَةَ، سمِع عمرُو بنُ دينارٍ أبا عُبيدة بنَ عبدِ اللهِ بن مسعودٍ يقولُ: كان عبدُ اللهِ يُصلِّى المغربَ حينَ يغرُبُ حاجبُ الشمسِ، ويحلِفُ أنَّه الوقتُ الذي قال اللهُ: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ (٢). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: قال عبدُ اللهِ حينَ غرَبتِ الشمسُ: هذا، واللهِ الذي لا إلهَ غيرُه، وقتُ هذه الصلاةِ. وقال:

стр. 10155

دلوكُها غروبُها (١). وقال آخرون: دلوكُ الشمسِ مَيْلُها للزَّوالِ، والصلاةُ التي أُمِر رسولُ اللهِ ﷺ بإقامتِها عندَ دلوكِها الظهرُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن عُمارةَ بن عُميرٍ، عن عبدِ الرحمنِ بن يزيدَ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: دلوكُها مَيْلُها. يعنى الشمسَ (٢). حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، عن مغيرةَ، عن الشَّعْبيِّ، عن ابن عباسٍ، قال في قولِه: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾. قال: دُلوكُها زَوالُها (٣). حدَّثني موسى بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن عبدِ الحميدِ بن جعفرٍ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ في قوله: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾. قال: دلوكُها مَيْلُها (٤). حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ بنُ واقدٍ، عن

стр. 10156

سيَّارِ بن سَلَامةَ، عن أبي بَرْزَةَ الأَسْلَميِّ قوله: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾. قال: إذا زالَت (١). حدَّثنا ابن حميدٍ مرَّةً أخرَى، قال: ثنا أبو تُميلةَ، قال: ثنا الحسينُ بنُ واقدٍ، قال: ثنا سيَّارُ بنُ سلامةَ الرِّياحيُّ، قال: أتيتُ أبا بَرْزَةَ فسأله والدى عن مواقيتِ صلاةِ رسولِ اللهِ ﷺ ، قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ يُصلِّى الظهرَ إذا زالتِ الشمسُ، ثم تلا: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ (٢). حدَّثني الحسينُ بنُ عليٍّ الصُّدائيُّ، قال: ثنا أبى، قال: ثنا مباركٌ، عن الحسنِ، قال: قال اللهُ لنبيِّه محمدٍ ﷺ : ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾. قال: الظهرُ، دلوكُها إذا زالَتْ عن بطنِ السماءِ وكان لها في الأرضِ فَيْءٌ. حدَّثنا يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا يونسُ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾. قال: دُلوكُها زوالُها (٣). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، عن جُوَيْبِرٍ، عن الضحاكِ مثلَ ذلك (٣). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ، عن أشْعَثَ، عن جعفرٍ، عن أبي جعفرٍ في: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾. قال: لزوالِ الشمسِ (٤).

стр. 10157

حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزُّهْريِّ، عن ابن عباسٍ، قال: دُلوكُ الشمسِ زَيْغُها بعدَ نصفِ النَّهارِ. يعنى الظهرَ (١). حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: دلوكُ الشمسِ، قال: حينَ تَزِيعُ عن بطنِ السماءِ (٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾. أي: إذا زالَتِ الشمسُ عن بطنِ السماءِ لصلاةِ الظهرِ. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾. قال: حين تَزِيعُ (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ، قال: دُلوكُ الشمسِ حين تَزيغُ. وأوْلى القولين في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: عنى بقولِه: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾. صلاةَ الظهرِ. وذلك أن الدُّلوكَ في كلامِ العربِ الميْلُ. يُقالُ منه: دلَك فلانٌ إلى كذا. إذا مال إليه. ومنه الخبرُ الذي رُوِى عن الحسنِ أَنَّ رجلًا قال له: أيُدَالِكُ الرجل امرأتَه (٤)؟ يعنى بذلك: أيَميلُ بها إلى المماطلةِ بحقِّها. ومنه

стр. 10158

قولُ الراجزِ (١): هذا مَقامُ قَدَمَيْ رَبَاحِ غُدْوَةَ (٢) حتى دَلَكَتْ بِرَاحِ ويُرْوَى: بَرَاحٍ، بفتحِ الباءِ. فمَنْ روَى ذلك "بِراحِ" بكسرِ الباءِ، فإنَّه يعنى أنَّه يَضَعُ الناظرُ كفَّه على حاجِبِه مِن شُعاعِها، ليَنْظُرَ [ما بَقِى من غِيابِها] (٣). وهذا تفسيرُ أهلِ الغريبِ؛ أبى عُبَيدةَ، والأصمعيِّ، وأبي عمرٍو الشَّيْبانيِّ، وغيرِهم. وقد ذكَرتُ في الخبرِ الذي روَيتُ عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ أنَّه قال حينَ غرَبتِ الشمسُ: دَلَكَتْ بِراحٍ (٤). يعنى بـ "براحٍ" مكانًا. ولستُ أدرى هذا التفسيرَ - أعْنِي قولَه: بِراحٍ مكانًا - مِن كلامٍ مَن هوَ مُمَّنْ في الإسنادِ، أَو مِن كلام عبدِ اللهِ؟ فَإِن يَكُنْ مِن كلامِ عبدِ اللهِ، فلا شكَّ أنَّه كان أعلمَ بذلك مِن أهلِ الغريبِ الذين ذكَرتُ قولَهم، وأن الصوابَ في ذلك قولُه دونَ قولِهم. وإن لم (٥) يكنْ مِن كلامِ عبدِ اللهِ، فإنَّ أهلَ العربيةِ كانوا أعلمَ بذلك منه. ولِمَا قال أهلُ الغريبِ في ذلك شاهدٌ مِن قولِ العَجَّاجِ، وهو قولُه (٦): والشمسُ قد (٧) كادتْ تكونُ دَنَفًا (٨)

стр. 10159

أدْفَعُها بالرَّاح كي تَزَحْلَفا (١) فأَخبَر أَنه يَدْفَعُ شُعَاعَها لِيَنْظُرَ إِلَى مَغيبها بِرَاحِه. ومَن روَى ذلك بفتحِ الباءِ، فإنَّه جَعَلَه اسمًا للشَّمسِ، وكَسَر الحاءَ لإخراجِه إيَّاه على تقديرِ: قَطَامِ وحَذَامِ ورَقاشِ. فإذا كان معنى الدُّلوكِ في كلامِ العربِ هو الميلُ، فلا شكَّ أن الشمسَ إذا زالَت عن كبِدِ السماءِ فقد مالَتْ للغروبِ، وذلك وقتُ صلاةِ الظهرِ. وبذلك ورَد الخبرُ عن رسولِ الله ﷺ ، وإن كان في [إسنادِ بعضه] (٢) بعضُ النَّظرِ. حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا خالدُ بنُ مَخْلَدٍ، قال: ثنى محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثني يحيى بنُ سعيدٍ، قال: ثنى أبو بكرِ بن عمرِو بن حزمٍ الأنصاريُّ، عن أبي مسعودٍ عُقبةَ بن عمرٍو، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "أتاني جبريلُ ﵇ لِدُلُوكِ الشمس، حينَ زالَتِ الشمسُ (٣)، فصَلَّى بِىَ الظُّهْرَ" (٤). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا أبو تُميلةَ، قال: ثنا الحسينُ بن واقدٍ، قال: ثنى سَيَّارُ بنُ سلامةَ الرِّياحيُّ، قال: قال أبو بَرْزةَ: كان رسولُ اللَّهِ ﷺ لا يُصَلِّي الظهْرَ إِذا

стр. 10160

زالَتِ الشمسُ. ثم تلا: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ (١). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا الحكمُ بنُ بَشِيرٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ قيسٍ، عن ابن أبى ليلى، عن رجلٍ، عن جابر بن عبدِ اللَّهِ، قال: دعَوْتُ نبيَّ اللَّهِ ﷺ وَمَن شَاء من أصحابِه، فطَعِموا عندِي، ثم خرَجوا حين زالَت الشمسُ، فخرَج النبيُّ ﷺ فقال: "اخْرُج يا أبا بكرٍ قد (٢) دَلَكَتِ الشمسُ" (٣). حدَّثني محمدُ بنُ عمارٍ (٤) الرازيُّ، قال: ثنا سهلُ بنُ بَكَّارٍ، قال: ثنا أبو عَوَانَةَ، الأسودِ بن قيسٍ، عن نُبَيْحٍ العَنَزِيِّ، عن جابرِ بن عبدِ اللهِ، عن النبيِّ ﷺ نحوَ حديثِ ابن حُميدٍ (٥). فإذ كان صحيحًا ما قلْنا بالذي (٦) به استَشْهَدْنا، فبَيِّنٌ إذنْ أن معنى قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾. أن صلاةَ الظهرِ والعصرِ بحدودِهما ممَّا أوجبَ اللهُ عليك فيهما؛ لأنهما الصلاتان اللتان فرضَهما اللهُ على نبيِّه من وقتِ دُلوكِ الشمسِ إلى غَسَقِ اللَّيلِ. وغسقُ الليلِ هو إقبالُه ودُنُوه بظَلامِه. كما قال الشاعرُ (٧): *آبَ هذا الليلُ إِذ غَسَقَا*

стр. 10161

وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، على اختلافٍ منهم في الصلاةِ التي أُمِر رسولُ اللهِ ﷺ بإقامتِها عندَه؛ فقال بعضُهم: الصلاةُ التي أُمِر بإقامتِها عندَه صلاةُ المغربِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمِّي، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾. قال: غسَقُ الليل بُدُوُّ الليلِ (١). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن أبي رجاءٍ، قال: سمِعتُ عكرمةَ سُئِل عن هذه الآيةِ: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾. قال: بدوُّ الليلِ. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: غسَقُ الليلِ غروبُ الشمسِ (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿غَسَقِ اللَّيْلِ﴾: صلاةِ المغربِ (٣). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾:

стр. 10162

بُدُوِّ الليلِ لصلاةِ المغربِ، وقد ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ كان يقولُ: "لا تزَالُ طَائِفَةٌ مِن أُمَّتي على الفِطْرَةِ ما صَلَّوْا صلاةَ المغرب قبلَ أن تَبْدُوَ النُّجومُ" (١). حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذِ يقولُ: ثنا عُبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾: يعنى إظْلامَ (٢) الليلِ. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد: كان أبى يقولُ: ﴿غَسَقِ اللَّيْلِ﴾: ظُلْمةِ الليلِ. وقال آخرون: هي صلاةُ العصرِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن يَمَانٍ، عن أشْعَثَ، عن جعفرٍ، عن أبي جعفرٍ في (٣): ﴿غَسَقِ اللَّيْلِ﴾. قال: صلاةُ العصرِ. وأولى القولين في ذلك بالصواب قولُ مَن قال: الصلاةُ التي أُمر النبيُّ ﷺ بإقامتِها عندَ غسَقِ الليل هي صلاةُ المغربِ دونَ غيرِها؛ لأن غسقَ الليلِ هو ما وصَفنا من إقبالِ الليلِ وظلامِه، وذلك لا يكونُ إلا بعدَ مَغيبِ الشمسِ. فأمَّا (٤) صلاةُ العصرِ، [فإنَّها ممَّا تُقامُ] (٥) بينَ ابتداءِ دلوكِ الشمسِ إلى غسَقِ الليلِ، لا

стр. 10163

عندَ غسَقِ الليل. وأما قوله: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾. فإن معناه: وأقِمْ قرآنَ الفجرِ. أي: ما تقرَأُ به في صلاة الفجر من القرآنِ. "والقرآنُ" معطوفٌ على "الصلاةِ" في قولِه: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾. وكان بعضُ نحويِّى البصرةِ يقولُ: نُصِب قوله: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾. على الإغراءِ، كأَنَّه قال: وعلَيك قرآنَ الفجرِ. ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾. يقولُ: إن ما تقرَأُ به في صلاةِ الفجرِ من القرآنِ كان مشهودًا؛ يشهَدُه، فيما ذُكر، ملائكةُ الليلِ وملائكةُ النَّهارِ. وبالذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، وجاءت الآثارُ عن رسولِ اللهِ ﷺ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عبيدُ بنُ أسباطَ بن محمدٍ القرشيُّ، قال: ثنى أبي، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن ابن مسعودٍ، وعن أبي صالحٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ في هذه الآيةِ: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾. قال: "تشهَدُه ملائكةُ الليلِ وملائكةُ النهارِ" (١).

стр. 10164

حدَّثنا موسى (١) بنُ سهلٍ، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا ليثُ بنُ سعدٍ، وحدَّثنا محمدُ بنُ سهلِ بن عَسْكرٍ، قال: ثنا ابن أبي مريمَ، قال: ثنا الليثُ بنُ سعدٍ، عن زيادةَ بن محمدٍ، عن محمدِ بن كعبٍ القرظيِّ، عن فَضَالةَ بن عُبيدٍ، عن أبي الدرداءِ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ يفتَحُ الذِّكْرَ في ثلاثِ ساعاتٍ يَبْقَين من الليلِ؛ في الساعةِ الأُولى منهن ينظُرُ فِي الكتابِ الذي لا ينظُرُ فيه أحدٌ غيرُه، فيمحو ما يشاءُ ويُثْبِتُ، ثم ينزِلُ في الساعةِ الثانيةِ إلى جنةِ عَدْنٍ، وهى دارُه التي لم ترها عينٌ، ولم (٢) تخطُرْ على قلبِ بشرٍ، وهى مسكنُه، ولا يسكُنُ معه من بنى آدمَ غيرُ ثلاثةٍ؛ النبيِّينَ والصدِّيقين والشهداءِ، ثم يقولُ: طُوبَى لمن دخَلك. ثم يَنزِلُ في الساعةِ الثالثةِ إلى السماءِ الدنيا بروحِهِ وملائكتِه فتنتفضُ، فيقولُ: قومى بقُوَّتى (٣). ثم يطَّلِعُ إلى عبادِه، فيقولُ: من يستغفِرْني أغفِرْ له، من يسألْني أُعْطِه، من يدعوني فأستجيبَ له. حتى يطلُعَ الفجرُ". فذلك حينَ (٤) يقولُ: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾. قال موسى في حديثِه: "شهِده اللَّهُ وملائكةُ الليلِ وملائكةُ النَّهارِ". وقال ابن عسكرٍ في حديثِه: "فيشهَدُه اللَّهُ وملائكةُ الليلِ وملائكةُ النَّهارِ" (٥). حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا ابن أبي عديٍّ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن عقبةَ بن عبدِ الغافرِ، قال: قال أبو عبيدةَ بنُ عبدِ اللَّهِ: كان عبدُ اللَّهِ يحدِّثُ أن صلاةَ الفجرِ عندَها يجتمِعُ الحَرَسانِ من ملائكةِ اللَّهِ، ويقرأُ هذه الآيةَ: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ

стр. 10165

إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ (١). حدَّثنا بشر، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ صلاةَ الصبحِ، كنَّا نُحدَّثُ أن عندَها يجتمِعُ الحَرَسانِ من ملائكةِ اللَّهِ؛ حَرَسُ الليلِ وحَرَسُ النَّهارِ. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾: صلاةَ الفجرِ. وأما قولُه: ﴿كَانَ مَشْهُودًا﴾ فإنَّه (٢) يقولُ: ملائكةُ الليلِ وملائكةُ النَّهارِ يشهَدون تلك الصلاةِ (٣). حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن عمرِو بن مرَّةَ، عن أبي عُبيدةَ، عن عبدِ اللَّهِ أَنَّه قال في هذه الآيةِ: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾. قال: تنزِلُ ملائكةُ النَّهارِ وتصعَدُ ملائكةُ الليلِ (٤). حدثني أبو السائبِ، قال: ثنا ابن فُضَيلٍ، عن ضِرارٍ، عن (٥) عبدِ اللَّهِ بن أبى الهُذَيلِ، عن أبي عُبيدةَ في قولِه: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾. قال: يشهَدُه حرسُ الليلِ وحرسُ النَّهارِ من الملائكةِ في صلاةِ الفجرِ (٦). حدَّثنا أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ في قولِه:

стр. 10166

﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾. قال: كانوا يقولون: تجتمِعُ ملائكةُ الليلِ وملائكةُ النَّهارِ في صلاةِ الفجرِ فتشهَدُ فيها جميعًا، ثم يصعَدُ هؤلاء ويقيمُ هؤلاء. حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾. يعنى: صلاةَ الصبحِ (١). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾. قال: صلاةَ الصبحِ (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾. قال: صلاةَ الصبحِ، ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾. قال: تجتمِعُ في صلاةِ الفجرِ ملائكةُ الليلِ وملائكةُ النَّهارِ. حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾: يعنى صلاةَ الغداةِ. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾. قال: صلاةَ الفجرِ، ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾. قال: مشهودًا من الملائكةِ فيما يذكُرون. قال: وكان عليُّ بنُ أبي طالبٍ وأُبيُّ بنُ كعبٍ يقولان: الصلاةُ الوسطى التي حضَّ اللَّهُ عليها صلاةُ الصبحِ، قال:

стр. 10167

وذلك أن صلاةَ الظهرِ والعصرِ صلاتا النَّهارِ، والمغربَ والعشاءَ صلاتا الليلِ، وهى بينها، وهى صلاةُ نومٍ، ما نعلمُ صلاةً يُغفَلُ عنها مثلَها. حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عليةَ، عن الجُرَيريِّ، عن أبي الوردِ بن ثُمامةَ، عن أبي محمدٍ الحضرميِّ، قال: ثنا كعبٌ، في هذا المسجدِ، قال: والذي نفسُ كعبٍ بيدِه، إن هذه الآيةَ: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾. إنها لصلاةُ الفجرِ، إنها لمَشهودةٌ (١). حدَّثني الحسنُ بنُ عليِّ بن عياشٍ (٢) قال: ثنا بشرُ بنُ شُعيبٍ، قال: أخبرني أبي، عن الزهريِّ، قال ثني سعيدُ بنُ المسيَّبِ وأبو سلمةَ بنُ عبدِ الرحمنِ، أن أبا هريرةَ قال: سمِعتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يقولُ: "تجتمِعُ ملائكةُ الليلِ وملائكةُ النَّهارِ في صلاة الفجرِ". ثم يقولُ أبو هريرةَ: اقرَءوا إن شئتُم: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ (٣). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾. قال: صلاةَ الفجرِ، يجتمِعُ فيها ملائكةُ اللَّيلِ وملائكةُ النَّهارِ (٤).

стр. 10168

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : ومن اللَّيلِ فاسهَرْ بعدَ نومَةٍ يا محمدُ، بالقرآنِ، نافِلةً لك خالصةً دونَ أمَّتِك. والتهجُّدُ التيقُّظُ والسّهَرُ بعدَ نومَةٍ من اللَّيلِ، وأمَّا الهجودُ نفسُه فالنومُ. كما قال الشاعرُ (١): ألَا طرَقَتْنا والرِّفاقُ هُجودُ … فباتَت بعُلَّاتِ (٢) النَّوالِ تجودُ وقال الحُطَيئةُ (٣): ألا طرَقَت هندُ الهنودِ وصُحْبَتى … بحَوْرانَ حَوْرانِ الجنودِ (٤) هُجُودُ وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بن عبدِ الحكمِ، قال: ثنا أبي وشُعَيبُ بنُ الليثِ، عن الليثِ، عن خالدِ (٥) بن يزيدَ، عن ابن (٦) أبي هلالٍ، عن الأعرجِ أنَّه قال: أخبرَني حُميدُ بنُ عبدِ الرحمنِ بن عوفٍ، عن رجلٍ من الأنصارِ، أنه كان مع رسولِ اللَّهِ ﷺ في سفرٍ، فقال: لأنظُرنَّ كيف يصلِّي رسولُ اللَّهِ ﷺ . قال: فنام رسولُ اللَّهِ ﷺ ثم

стр. 10169

استيقَظ، فرفَع رأسَه إلى السماءِ، فتلا أربعَ آياتٍ من آخرِ سورةِ "آل عِمرانَ": ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٠]. حتى مرَّ بالأربعِ، ثم أهوَى (١) إلى القِرْبةِ، فأخَذ (٢) سواكًا فاستَنَّ به، ثم توضَّأ، ثم صلَّى، ثم نام، ثم استيقَظ فصنَع كصنيعِه أوَّلَ مرَّةٍ (٣)، ويزعُمون أنَّه التهجُّدُ الذي أمَره اللَّهُ (٤). حدَّثني محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ وعبدُ الرحمنِ، قالا: ثنا سعيدٌ، عن أبي إسحاقَ، عن محمدِ بن عبدِ الرحمنِ، عن علقمةَ والأسودِ، أنَّهما قالا: التهجُّدُ بعدَ نومةٍ (٥). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن عبدِ الرحمنِ بن الأسودِ، قال: التهجُّدُ بعدَ نومةٍ. حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن شعبةَ (٦)، قال: ثني أبو إسحاقَ، عن محمدِ بن عبدِ الرحمنِ بن يزيدُ، عن علقمةَ و (٧) الأسودِ بمثلِه. حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا هشيمٌ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ، قال: التهجُّدُ بعدَ النومِ. حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا يزيدُ، عن هشامٍ، عن الحسنِ،

стр. 10170

قال: التهجُّدُ ما كان بعد العشاءِ الآخِرةِ (١). حُدِّثتُ عن عبدِ اللَّهِ بن صالحٍ، عن الليثِ، عن جعفرِ بن ربيعةَ، عن الأعرجِ، عن كَثيرِ بن العباسِ، عن الحجاجِ بن عمرٍو، قال: إنما التهجُّدُ بعدَ رقْدةٍ (٢). وأما قولُه: ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾. فإنَّه يقولُ: فَضْلًا (٣) لك عن فرائضِك التي فرَضتُها عليك. واخْتُلِف في المعنى الذي من أجلِه خُصَّ بذلك رسولُ اللَّهِ ﷺ ، مع كونِ صلاةِ كلِّ مصلٍّ بعدَ هجودِه، إذا كان قبلَ هجودِه قد كان أدَّى فرائضَه، نافلةً فَضْلًا (٤)، إذ كانت غيرَ واجبةٍ عليه؛ فقال بعضُهم: معنى خصوصِه بذلك: هو أنها كانت فريضةً عليه، وهى لغيرِه تطوُّعٌ، وقيل له: أقِمْها نافلةً لك. أي: فضلًا لك من الفرائضِ التي فرَضتُها عليك عمَّا فرَضتُ على غيرِك. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾: يعنى بالنافِلةَ أنها للنبيِّ ﷺ خاصَّةً، أُمِر بقيامِ الليلِ وكُتِب عليه (٥).

стр. 10171

وقال آخرون: بل قيل ذلك له ﵇؛ لأنَّه لم يكنْ فعلُه ذلك يُكفَّرُ به عنه شيءٌ من الذنوبِ؛ لأن اللَّهَ تعالى ذكرُه كان قد غفَر له ما تقدَّم من ذنبِه وما تأخَّر، فكان له نافلةَ فضلٍ، فأمَّا غيرُه فهو له كفارةٌ، وليس له هو نافلةً. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن كَثيرٍ، عن مجاهدٍ، قال: النافلةُ للنبيِّ ﷺ خاصَّةً، من أجلِ أنه قد غُفِر له ما تقدَّم من ذنبِه وما تأخَّر، فما عمِل مِن عمَلٍ سوى المكتوبةِ فهو نافِلةٌ من أجلِ أنَّه لا يعمَلُ ذلك في كفارةِ الذنوبِ، فهى نوافلُ وزيادةٌ، والناسُ يعمَلون ما سوى المكتوبةِ لذنوبِهم في كفَّارتِها، فليست للناسِ نوافلَ (١). وأولى القولين بالصوابِ في ذلك القولُ الذي ذكَرنا عن ابن عباسٍ؛ وذلك أن رسولَ اللَّهِ ﷺ كان اللَّهُ تعالى ذكرُه قد خصَّه بما فرَض عليه من قيامِ اللَّيلِ دونَ سائرِ أمَّتِه. فأمَّا ما ذُكِر عن مجاهدٍ في ذلك، فقولٌ لا معنَى له؛ لأن رسولَ اللَّهِ ﷺ كان، فيما ذُكِر عنه، أكثرَ ما كان استغفارًا لذنوبِه بعدَ نزولِ قولِ اللَّهِ عليه: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح:٢]. وذلك أن هذه السورةَ أُنزِلت عليه بعدَ مُنْصَرَفِه من الحديبيةِ، وأُنزِل عليه: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾. عامَ قُبِضَ، وقيل له فيها: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: ١، ٣] فكان يُعدُّ له ﷺ في المجلسِ الواحدِ استغفارٌ مائةَ

стр. 10172

مرَّةٍ (١)، ومعلومٌ أن اللَّهَ لم يأمُرْه أن يستغفِرَه إلا لِمَا يغفِرُه له باستغفارِه ذلك، فبَيِّنٌ إذن وجهُ فسادِ ما قاله مجاهدٌ. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن الأعمشِ، عن شِمْرِ بن (٢) عطيةَ، عن شهرٍ، عن أبي أُمامةَ، قال: إنما كانت النافلةُ للنبيِّ ﷺ خاصةً (٣). حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾. قال: تطوُّعًا وفضِيلةً لك (٤). وقولُه: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾. و "عسى" من اللَّهِ واجبةٌ، وإِنَّما وجْهُ قولِ أهلِ العلمِ: "عسى" من اللَّهِ واجبةٌ؛ لعلمِ المؤمنين أن اللَّهَ لا يدَعُ أن يفعلَ بعبادِه ما أطمَعهم فيه من الجزاءِ على أعمالِهم والعِوضِ على طاعتِهم إيَّاه؛ إذْ (٥) ليس من صفتِه الغرورُ، ولا شكَّ أنه قد أطمَع من قال ذلك له في نفعِه، إذا هو تعاهَده ولزِمَه، فإن لزِم المقولُ ذلك له وتعاهَدَه ثم لم ينفَعْه، ولا سببَ يحولُ بينَه وبينَ نفعِه إيَّاه، مع الإطماعِ الذي تقدَّم منه لصاحِبِه على تعاهُدِه إيَّاه ولزُومِه، فإنَّه لصاحبِه غارٌّ بما كان من إخلافِه إيَّاه فيما كان أطمَعه فيه بقولِه الذي قال له. وإذ كان ذلك

стр. 10173

كذلك، وكان غيرَ جائزٍ أن يكونَ جلَّ ثناؤُه من صفتِه الغرورُ لعبادِهِ صحَّ ووجَب أن كلَّ ما أطمَعَهم فيه من طمَعٍ على طاعتِه، أو على فعلٍ من الأفعالِ، أو أمرٍ أو نهيٍ، أمَرهم به أو نهاهم عنه، فإنَّه موفٍّ لهم به، وإنه منه كالعِدَةِ التي لا يُخْلفُ الوفاءُ بها، قالوا: "عسى" و "لعلَّ" من اللَّهِ واجبةٌ. وتأويلُ الكلامِ: أقِمِ الصلاةَ المفروضةَ يا محمدُ في هذه الأوقاتِ التي أمَرتُك بإقامتِها فيها، ومن الليلِ فتهجَّدْ فرضًا فرَضتُه عليك، لعلَّ ربَّك أن يبعَثَك يومَ القيامةِ مقامًا تقومُ فيه محمودًا تُحمَدُه، وتُغبطُ فيه. ثم اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى ذلك المَقامِ المحمودِ؛ فقال أكثرُ أهلِ العلمِ: ذلك هو المَقامُ الذي هو يقومُه ﷺ يومَ القيامةِ للشَّفاعةِ للناسِ ليُريحَهم ربُّهم من عظيمِ ما هم فيه مِن شدَّةِ ذلك اليومِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن صِلةَ بن زُفَرَ، عن حُذيفةَ، قال: يُجمَعُ الناسُ في صعيدٍ واحدٍ، فيسمِعُهم الدَّاعِى، وينفُذُهم البصرُ، حُفاةً عراةً كما خُلِقوا، قيامًا لا تَكَلَّمُ نفسٌ إِلَّا بإذنِه، ينادَى: يا محمدُ. فيقولُ: "لبيَّكَ وسعدَيك، والخيرُ في يَديك، والشرُّ ليس إليك، والمَهدِيُّ من هَدَيت، عبدُك بين يدَيْك، وبك وإليك، لا مَلْجَأَ ولا منجا مِنكَ إلا إليك، تبارَكتَ وتعالَيْت، سبحانَك ربَّ البيتِ". فهذا المقَامُ المحمودُ الذي ذكَره اللَّهُ (١).

стр. 10174

حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي إسحاقَ، عن، عن صلةَ بن زُفَرَ، عن حُذيفةَ، قال: يُجْمَعُ الناسُ في صعيدٍ واحدٍ، فلا تَكَلَّمُ نفسٌ، فأوّلُ مَدْعُوٍّ (١) محمدٌ النبيُّ ﷺ ، فيقومُ محمدٌ النبيُّ ﷺ فيقولُ: "لبَّيك". ثم ذكَر مثلَه (٢). حدَّثنا سليمانُ بنُ عمرَ (٣) بن خالدٍ الرَّقيُّ، قال: ثنا عيسى بنُ يونسَ، عن رِشْدِينَ بن كريبٍ، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾. قال: المَقامُ المحمودُ مَقامُ الشفاعةِ (٤). حدَّثنا ابن بشارٍ قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن سلَمةَ بن كُهَيلٍ، قال: ثنا أبو الزعراءِ، عن عبدِ اللَّهِ، في قصَّةٍ ذكَرها، قال: ثم يَأْمرُ بالصراطِ فيُضرَبُ على جسرٍ جَهنَّمَ، فيمرُّ الناسُ بقَدْرِ أعمالِهم؛ يمرُّ أوَّلُهم كالبرقِ، وكمرِّ الرِّيحَ، وكمرِّ الطيرِ، وكأسرَعِ البهائمِ، ثم كذلك حتى يمرَّ الرجلُ سعْيًا، ثم مشْيًا، حتى يجئَ آخِرُهم يتلبَّطُ (٥) على بطنِه، فيقولُ: ربِّ لِمَا بطَّأْتَ بي. فيقولُ: إنى لم أُبَطِّئْ بك، إنما أَبْطأ بك عمَلُك. قال: ثم يأذنُ اللَّهُ في الشفاعةِ، فيكونُ أولَ شافعٍ يومَ القيامةِ جبريلُ ﵇، رُوحُ القُدُسِ، ثم إبراهيمُ خليلُ الرحمنِ، ثم

стр. 10175

موسى، أو عيسى - قال أبو الزعراءِ: لا أدرى أيُّهما قال - قال: ثم يقومُ نبيُّكم ﵇ رابِعًا، فلا يشفعُ أحدٌ بعدَه فيما يشفَعُ فيه، وهو المَقامُ المحمودُ الذي ذكَر اللَّهُ: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ (١). حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن عوفٍ، عن الحسنِ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾. قال: المَقامُ المحمودُ مَقامُ الشفاعةِ يومَ القيامةِ (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿مَقَامًا مَحْمُودًا﴾. قال: شفاعةُ محمدٍ يومَ القيامةِ (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن عاصمٍ الأحولِ، عن أبي عثمانَ، عن سلمانَ، قال: هو الشفاعةُ، يشفِّعُه اللَّهُ في أمَّتِه، فهو المَقامُ المحمودُ (٤). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿عَسَى أَنْ

стр. 10176

يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾: وقد ذُكِر لنا أن نبيَّ اللَّهِ ﷺ خُيِّر بينَ أن يكونَ عبدًا نبيًّا، أو ملِكًا نبيًّا، فأومأ إليه جبريلُ ﵇: أَن تَواضَعْ. فاختارَ نبيُّ اللَّهِ أن يكونَ عبدًا نبيًّا، فأُعطِى به نبيُّ اللَّهِ [ثِنْتَين؛ أَنه] (١) أوَّلُ مَن تنشقُّ عنه الأرضُ، وأوّلُ شافعٍ. وكان أهلُ العلمِ يَرَوْن أنَّه المَقامُ المحمودُ الذي قال اللَّهُ ﵎: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾: شفاعة يومِ القيامةِ (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿مَقَامًا مَحْمُودًا﴾. قال: هي الشفاعةُ، يشفِّعُه اللَّهُ في أُمَّتِه. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ والثوريُّ، عن أبي إسحاقَ، عن صلةَ بن زُفَرَ، قال: سمِعتُ حُذيفةَ يقولُ في قولِه: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾. قال: يجمَعُ اللَّهُ الناسَ في صعيدٍ واحدٍ حيثُ يُسمِعُهم الدّاعِي، ويَنفُذُهم البصرُ، حُفاةً عُراةً كما خُلِقوا، سُكوتًا لا تكلَّمُ نفسٌ إلا بإذنِه. قال: فينادَى محمدٌ، فيقولُ: "لبَّيك وسَعْديك، والخيرُ في يدَيك، والشرُّ ليس إليك، والمَهدِيُّ مَن هَدَيت، وعبْدُك بينَ يدَيك، ولك وإليك، لا مَلْجَأَ ولا منجَا مِنك إلا إليكَ، تبارَكْت وتعالَيْت، سبحانَك ربَّ البيتِ". قال: فذلك المَقامُ المحمودُ الذي ذكر اللَّهُ: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ (٣). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن أبي إسحاقَ، عن صلةَ بن زُفَرَ، قال (٤): قال حُذيفةُ: يجمَعُ اللَّهُ الناسَ في صعيدٍ واحدٍ

стр. 10177

حيثُ يَنفُذُهم البصرُ، ويُسمِعُهم الدَّاعِى، حُفاةً عُراةً كما خُلِقوا أوّلَ مرَّةٍ، ثم يقومُ النبيُّ ﷺ فيقولُ: "لبَّيك وسعْدَيك". ثم ذكَر نحوَه، إلا أنَّه قال: هو المقامُ المحمودُ. وقال آخرون: بل ذلك المَقامُ المحمودُ الذي وعَد اللَّهُ نبيَّه ﷺ أن يبعَثَهُ إِيَّاه، هو أن يُقعِدَه معه على عرشِه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا عبادُ بنُ يعقوبَ الأسديُّ، قال: ثنا ابن فُضيلٍ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾. قال: يُجلِسُه معه على عرشِه (١). وأولى القولين في ذلك بالصوابِ ما صحَّ به الخبرُ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ ، وذلك ما حدَّثنا به أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن داودَ بن يزيدُ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾. سُئل عنها قال: "هِيَ الشَّفاعَةُ" (٢). حدَّثنا عليُّ بنُ حربٍ، قال: ثنا مَكِّيُّ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا داودُ بنُ يزيدَ

стр. 10178

الأوْدِيُّ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ في قولِه: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾. قال: "هو المَقامُ الذي أشفعُ فيهِ لأمَّتِي" (١). حدَّثنا أبو عُتبةَ الحِمْصِيُّ أحمدُ بنُ الفرَجِ، قال: ثنا بقيةُ بنُ الوليدِ، عن الزُّبيدِيِّ، عن الزهريِّ، عن عبدِ الرحمنِ بن كعبِ بن مالكٍ، عن كعبٍ بن مالكٍ، أن النبيَّ ﷺ قال: "يُحْشَرُ الناسُ يومَ القيامةِ، فأكونُ أنا وأمتى على تَلٍّ، فَيَكْسُوني ربي حُلةً خضراءَ، ثم يُؤْذَنُ لى فأقُولُ ما شاء اللَّهُ أن أقولَ، فذلك المَقامُ المحمودُ" (٢). حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن عبدِ الحكمِ، قال: ثنا شعيبُ بنُ الليثِ، قال: ثني الليثُ، عن (٣) عبيدِ اللَّهِ بن أبي جعفرٍ، قال: سمِعتُ حمزةَ بنَ عبدِ اللَّهِ بن عمرَ يقولُ: سمِعتُ عبدَ اللَّهُ بنَ عمرَ يقولُ: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ الشمسَ لَتَدْنو حتى يَبْلُغَ العرقُ نصفَ الأُذُنِ، فبينما هم كذلك اسْتَغاثوا بآدمَ ﵇، فيقولُ: لستُ صاحبَ ذلك". ثم بموسى ﵇، فيقولُ كذلك، ثم بمحمدٍ فيَشْفَعُ بينَ الخلقِ، فَيَمْشِى حتى يَأْخُذَ بحَلْقَةِ الجنةِ، فيومَئِذٍ يَبْعَثُهُ اللهُ مَقامًا مَحُمودًا (٤).

стр. 10179

حدَّثني أبو زيدٍ عمرُ بنُ شَبَّةَ، قال: ثنا موسى بنُ إسماعيلَ، قال: ثنا سعيدُ بنُ زيدٍ، عن عليّ بن الحكمِ، قال: ثنى عثمانُ، عن إبراهيمَ، عن الأسودِ وعلقمةَ، عن ابن مسعودٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "إنى لأَقُومُ المَقامُ المحمودَ". فقال رجلٌ: يا رسولَ اللَّهِ، وما ذلك المَقامُ المحمودُ؟ قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "ذاك إذا جيءَ بكم حُفاةً عُراةً غُرْلًا (١)، فيَكُونُ أولَ مَن يُكْسَى إبراهيمُ ﵇، فيُؤْتَى بِرَيْطَتَيْنِ (٢) بَيْضَاوَيْنِ، فَيَلْبَسُهما، ثم يَقْعُدُ مُسْتَقْبِلَ العَرْشِ، ثم أُوتَى بكِسْوتِى فألْبَسُها، فأقومُ عن يمينِه مَقامًا لا يقومُه غيرى، يَغْبِطُنى به (٣) الأولون والآخرون، ثم يُفْتَحُ نَهَرٌ مِن الكَوْثَرِ إلى الحَوْضِ" (٤). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ، عن عليِّ بن الحسينِ، أن النبيَّ ﷺ قال: "إذا كان يَوْمُ القِيامَةِ مَدَّ اللَّهُ الأَرْضَ مَدَّ الأدِيمِ حتى لا يَكُونَ لِبَشَرٍ مِنَ النَّاسِ إِلَّا مَوْضِعُ قَدَمَيهِ - قال النبيُّ ﷺ : فأكُونُ أوَّلَ مَن يُدْعَى وجِبريلُ عن يمينِ الرحمنِ، واللَّهِ ما رآهُ قَبْلَها، فأقولُ: أي ربِّ، إِنَّ هَذَا أَخْبَرَنِي أَنَّكَ أَرْسَلْتَهُ إليَّ. فيقولُ اللَّهُ : صدَق. ثم أشْفَعُ، قال: فهو المقامُ المَحْمُودُ". حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الزهريِّ، عن عليّ بن الحسينِ، قال: قال النبيُّ ﷺ : "إذا كان يومُ القيامةِ". فذكَر

стр. 10180

نحوَه، وزاد فيه: "ثم أشْفَعُ فأقولُ: يا ربِّ، عبادُك (١) عبدُوكَ في أطرافِ الأرضِ (٢). وهو المقامُ المحمودُ" (٣). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ طهْمانَ، عن آدمَ بن (٤) عليٍّ، قال: سمِعتُ ابنَ عمرَ يقولُ: إن الناسَ يصيرون (٥) يومَ القيامةِ جُثًا (٦)، مع كلِّ نبيٍّ أمَّتُه، ثم يجئُ رسولُ اللَّهِ ﷺ في آخرِ الأممِ هو وأمَّتُه، فيَرقَى هو وأمَّتُه على كَوم فوقَ الناسِ، فيقولُ: يا فلانُ اشفَعْ، ويا فلانُ اشْفَعْ، ويا فلانُ اشْفَعْ. فما زال (٧) يردُّها بعضُهم على بعضٍ حتى (٨) يرجِعَ ذلك إليه، وهو المَقامُ المحمودُ الذي وعَدَه (٩) اللَّهُ إيَّاه (١٠).

стр. 10181

حدَّثنا محمدُ بنُ عوفٍ، قال: ثنا حَيْوةُ وربيعٌ، قالا: ثنا محمدُ بنُ حربٍ، عن الزُّبَيْدِيِّ، عن الزهريِّ، عن عبدِ الرحمنِ بن كعبِ بن مالكٍ، عن كعبِ بن مالكٍ، أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: "يُحْشَرُ الناسُ يومَ القيامةِ، فأكونُ أنا وأمَّتِى على تَلٍّ، "فيَكْسُونِي ربى حُلَّةً خضراءَ، ثم يؤذَنُ لى فأقُولُ ما شاء اللَّهُ أن أقولَ، فذلك المقامُ المحمودُ" (١). وهذا وإن كان هو الصحيحَ من القولِ في تأويلِ قولِه: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾. لِمَا ذكَرنا من الروايةِ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ وأصحابِه والتابِعين، فإنَّ ما قالَه مجاهدٌ مِن أنَّ اللَّهَ يُقعِدُ محمدًا ﷺ على عرشِه، قولٌ غيرُ مدفوعٍ صحَّتُه، لا مِن جهةِ خبرٍ ولا نظَرٍ؛ وذلك لأنَّه لا خبرَ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ ، ولا عن أحدٍ من أصحابِه، ولا عن التابِعين، بإحالةِ ذلك؛ فأمَّا مِن جهةِ النَّظرِ، فإِن جمِيعَ من ينتَحِلُ الإسلامَ إنَّما اختلَفوا في معنَى ذلك على أوجهٍ ثلاثةٍ؛ فقالت فرقةٌ مِنهم: اللَّهُ بائنٌ من خلقِه، كان قبلَ خلْقِه الأشياءَ، ثم خلَق الأشياءَ فلم يماسَّها، وهو كما لم يزَلْ، غيرَ أنَّ الأشياءَ التي خلَقها، إذ لم يكنْ هو لها مُماسًّا، وجَب أن يكونَ لها مُبايِنًا، إذ لا فعَّال للأشياءِ إلا وهو مماسٌّ للأجسامِ أو مُباينٌ لها. قالوا: فإذ كان ذلك كذلك، وكان اللَّهُ فاعلَ الأشياءِ، ولم يجُزْ أن يُوصَفَ في قولِهم بأنَّه مماسٌّ للأشياءِ، وجَب بزعمِهم أنَّه لها مباينٌ. فعلى مذهبِ هؤلاء سواءٌ أقعَد (٢) محمدًا ﷺ على عرشِه أو على الأرضِ، إذ

стр. 10182

كان من قولِهم إن بيْنونتَه من عرشِه وبيْنونتَه من أرضِه بمعنى واحدٍ في أنَّه بائنٌ مِنهما كلَيهما، غيرُ مماسٍّ لواحدٍ منهما. وقالت فرقةٌ أُخرَى: كان اللَّهُ تعالى ذكرُه قبلَ خلْقِه الأشياءَ، لا شيءَ يماسُّه، ولا شيءَ يُباينُه (١)، ثم خلَق الأشياءَ فأقامَها بقُدرتِه، وهو كما لم يزلْ قبلَ خلقِه الأشياءِ لا شيءَ يماسُّه ولا شيءَ يباينُه. فعلَى قولِ هؤلاء أيضًا سواءٌ أقعَد محمدًا ﷺ على عرشِه، أو على أرضِه، إذ كان سواءٌ على قولِهم عرشِه وأرضِه في أنَّه لا مماسَّ ولا مباينَ لهذا، كما أنَّه لا مماسَّ ولا مباينَ لهذه. وقالت فرقةٌ أخرَى: كان اللَّهُ عزَّ ذكرُه قبلَ خلْقِه الأشياءَ لا شيءَ يماسُّه، ولا شيءَ يباينُه، ثم أحدثَ الأشياءِ وخلَقَها، فخلَقَ لنفسِه عرشًا اسْتَوى عليه جالسًا (٢)، وصار له مماسًّا، كما أنَّه قد كان قبلَ خلقِه الأشياءَ لا شيءَ يرزقُه رزقًا، ولا شيءَ يحرمُه ذلك، ثم خلَق الأشياءَ فرزَق هذا وحرَم هذا، وأعطَى هذا، ومنَع هذا. قالوا: فكذلك كان قبلَ خَلْقِه الأشياءَ، لا شيءَ يماسُّه ولا يباينُه، وخلَق الأشياءِ فماسَّ العرشَ بجلوسِه عليه دونَ سائرِ خلْقِه، فهو مماسٌّ ما شاء مِن خلْقِه، ومباينٌ ما شاء مِنه. فعلَى مذهبِ هؤلاء أيضًا سواءٌ أقعَد محمدًا على عرشِه، أو أقعَدَه على مِنبَرٍ من نورٍ، إذ كان من قولِهم: إن جلوسَ الربِّ على عرشِه ليس بجلوسٍ يشغَلُ جميعَ العرشِ. ولا في إقعادِ محمدٍ ﷺ موجِبًا له صفةَ الرُّبوبيَّةِ، ولا مُخرِجَه من

стр. 10183

صفةِ العُبوديَّةِ لربِّه، كما أن مباينةَ محمدٍ ﷺ ما كان مُباينًا له من الأشياءِ غيرُ موجبةٍ له صفةَ الرُّبوبيَّةِ، ولا مُخرِجتِه (١) من صفةِ العُبوديَّةِ لربِّه، من أجلِ أنه موصوفٌ بأنَّه له مبايِنٌ، كما أن اللَّهَ موصوفٌ على قولِ قائلِ هذه المقالةِ بأنه مبايِنٌ لها، هو له مبايِنٌ. قالوا: فإذا كان معنى مبايِنٌ ومبايِنٍ لا يوجِبُ لمحمدٍ ﷺ الخروجَ من صفةِ العُبودَةِ والدخولَ في معنى الربوبيَّةِ (٢)، فكذلك لا يوجِبُ له ذلك قعودُه على عرشِ الرحمنِ. فقد تبيَّن إذن بما قُلنا أنه غيرُ محالٍ في قولِ أحدٍ ممَّن ينتَحِلُ الإسلامَ ما قاله مجاهدٌ من أنَّ اللَّهَ ﵎ يُقْعِدُ محمدًا ﷺ على عرشِه. فإن قال قائلٌ: فإِنَّا لا نُنكرُ إقعادَ اللَّهِ محمدًا على عرشِه، وإنما تُنكِرُ (٣) إقعادَه (٤). - حدَّثني عباسُ بنُ عبدِ العظيمِ، قال: ثنا يحيى بنُ كثيرٍ، [عن سلمِ بن جعفرٍ] (٥)، عن الجُرَيرِيِّ، عن سَيفٍ السَّدُوسيِّ، عن عبدِ اللَّهِ بن سلَامٍ، قال: إن محمدًا ﷺ يومَ القيامةِ على كرسيِّ الربِّ بينَ يدَيِ الربِّ ﵎ (٦). - وإنما تُنْكِرُ إِقْعادَه إِيَّاه معه. قيل: أفجائزٌ عندَك أن يقعِدَه علَيه لا مَعه؟ فإن أجاز ذلك صار إلى الإقرارِ بأنَّه إمَّا معه، أو إلى أنَّه يقعِدُه، واللَّهُ للعرشِ مباينٌ، أو لا مماسَّ ولا مباينَ، وبأيِّ ذلك قال

стр. 10184

كان منه دخولًا في بعضِ ما كان يُنْكِرُه. وإن قال: ذلك غيرُ جائزٍ. كان (١) مِنه خروجًا من قولِ جميعِ الفِرقِ التي حكَيْنا قولَهم، وذلك فِراقٌ لقولِ جميعِ من ينتَحِلُ الإسلامَ، إذ كان لا قولَ في ذلك إلا الأقوالَ الثلاثةَ التي حكَيْناها، وغيرُ محالٍ في قولٍ منها ما قال مجاهدٌ في ذلك. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا (٨٠)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : وقلْ يا محمدُ: يا ربِّ أدخِلْني مُدخلَ صدْقٍ. واختلَف أهلُ التأويلِ في معنَى "مُدْخلِ الصدقِ" الذي أمَر اللَّهُ نبيَّه ﷺ أن يرغَبَ إليه في أن يدْخِلَه إيَّاه، وفى "مُخْرجِ الصدقِ" الذي أمرَه أن يرغَبَ إليه في أن يخرِجَه إيَّاه؛ فقال بعضُهم: عنَى بمُدْخلِ الصِّدقِ مُدْخِلَ رسولِ اللَّهِ ﷺ المدينة حين هاجَر إليها، ومُخرجِ الصدقِ مُخْرجَه من مكةَ حينَ خرَج منها مهاجرًا إلى المدينةِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ وابنُ حميدٍ، قالا: ثنا جريرٌ، عن قابوسَ بن أبي ظَبْيانَ، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: كان النبيُّ ﷺ ، مكةَ، ثم أُمِر بالهجرةِ، فأنزَل اللَّهُ ﵎ اسمُه: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾ (٢).

стр. 10185

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بن بزيعٍ، قال: ثنا بشرُ بنُ المفضَّلِ، عن عوفٍ، عن الحسنِ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾. قال: كفارُ أهلِ مكةَ لمَّا ائتمَروا برسولِ اللَّهِ ﷺ ليقتُلُوه أو يطرُدُوه أو يُوثِقُوه، وأراد اللَّهُ قتالَ أَهلِ مكةَ، فأمَره أن يخرُجَ إلى المدينةِ، فهو الذي قال اللَّهُ: ﴿أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ (١). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ: ﴿مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾. قال: المدينةَ، ﴿مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾. قال: مكةَ (٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾: أخرَجه اللَّهُ من مكةَ إلى الهجرةِ بالمدينةِ (٣). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾. قال: المدينةَ، حين هاجَر إليها، ﴿مُخْرَجَ (٤) صِدْقٍ﴾: مكةَ، حين خرَج منها مُخرجَ صدقٍ، قال ذلك حين خرَج مهاجرًا (٥). وقال آخرون: بل معنى ذلك: وقلْ ربِّ أمِتْنِى إماتةَ صِدْقٍ، وأخرِجْنى بعد المماتِ من قبرِى يومَ القيامةِ مُخرَجَ صدقٍ.

стр. 10186

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ الآية. قال: يعني بالإدخالِ الموتَ، والإخراجِ الحياةَ بعدَ المماتِ (١). وقال آخرون: بل عنَى بذلك: أدخِلْنى في أمْرِك الذي أرسَلْتنى به مِن النبوَّةِ مُدْخلَ صدقٍ، وأخرِجْنى منه مُخْرَجَ صدقٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا (٢) عن ابن أبي ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾. قال: فيما أرسَلْتنى به مِن أمْرِك، ﴿وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾. قال: كذلك أيضًا (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه. وقال آخرون: بل معنَى ذلك: ﴿أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾: الجنةَ، ﴿وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾: من مكةَ إلى المدينةِ.

стр. 10187

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ، قال: قال الحسنُ: ﴿أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾: الجنةَ، و ﴿مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾: من مكةَ إلى المدينةِ (١). وقال آخرون: بل معنَى ذلك: أدخِلْني في الإسلامِ مُدْخلَ صدقٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا سهلُ بنُ موسى الرازيُّ، قال: ثنا ابن نُميرٍ، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ في قولِه: ﴿رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾. قال: أدخِلْني في الإسلامِ مُدْخلَ صدقٍ، وأَخْرِجْنى منه مُخرَجَ صِدْقٍ. وقال آخرون: بل معنَى ذلك: أدخِلْنى مكةَ آمنًا، وأخرِجْنى منها آمنًا. ذكرُ مَن قال ذلك حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ قال في قولِه: ﴿رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾: يعنى مكةَ، دخَل فيها (٢) آمنًا، وخرَج منها آمنًا (٣). وأشبهُ هذه الأقوالِ بالصوابِ في تأويلِ ذلك قولُ مَن قال: معنَى ذلك: وأدخِلْنى المدينةَ مُدخلَ صدقٍ، وأخرِجْني (٤) من مكةَ مُخرَجَ صدقٍ.

стр. 10188

وإنما قلنا: ذلك أولى بتأويلِ الآيةِ؛ لأنّ ذلك عَقِيبَ قولِه: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. وقد دلَّلنا فيما مضَى - على أنَّه عنَى بذلك أهلَ مكةَ (١). فإذ كان ذلك عَقِيبَ خبرِ اللَّهِ عمَّا كان المشركون أرادوا من استِفْزازِهم رسولَ اللَّهِ ﷺ ليخرِجُوه عن مكةَ، كان بيِّنًا، إذ كان اللَّهُ قد أخرَجَه منها، أن قولَه له (٢): ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾. أمرٌ منه لَه بالرغبةِ إليه في أن يُخرِجَه من البَلْدَةِ التي هَمَّ المشركون بإخْراجِه منها [وأَخْرَجَه اللَّهُ منها] (٣) مُخرَجَ صِدقٍ، وأن يدخِلَه البلدةَ التي نقَله (٤) اللَّهُ إليها مُدخَلَ صِدقٍ. وقولُه: ﴿وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنَى ذلك: واجعلْ لِي مُلْكًا ناصرًا ينصُرُني على من ناوأنى، وعِزًّا أقيمُ به دينَك، وأدفَعُ به عنه مَن أراده بسوءٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بن بزيعٍ، قال: ثنا بشرُ بنُ المفضَّلِ، عن عوفٍ، عن الحسنِ في قولِ اللَّهِ : ﴿وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾: يُوعِدُه لَيَنْزِعَنَّ مُلكَ فارسَ وعِزَّ فارسَ، ولَيجعَلَنَّه له، وعِزَّ الرُّومِ ومُلكَ الرومِ، ولَيَجْعَلَنَّه له (٥).

стр. 10189

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾: وإنَّ نبيَّ اللَّهِ علِم ألا طاقةَ له بهذا الأمرِ إلَّا بسلطانٍ، فسأل سلطانًا نصيرًا لكتابِ اللَّهِ ، ولحُدودِ اللَّهِ، ولفرائضِ اللَّهِ، ولإقامةِ دينِ اللَّهِ، وإنَّ السلطانَ رحمةٌ من اللَّهِ جعَلها بينَ أظهرِ عبادِه، لولا ذلك لأغار بعضُهم على بعضٍ، فأكَل شديدُهم ضعيفَهم (١). وقال آخرون: بل عنَى بذلك حُجةً بينةً. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ : ﴿سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾. قال: حُجةً بينةً (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. وأولَى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ من قال: ذلك أمرٌ مِن اللَّهِ نبيَّه بالرغْبةِ إليه في أن يؤْتيَه سلطانًا ناصِرًا (٣) له على من بَغاه وكادَه، وحاوَل منْعَه إقامتِه فرائضَ اللَّهِ في نفسِه وعبادِه. وإنَّما قلتُ: ذلك أولى بالصوابِ؛ لأنَّ ذلك عَقيبَ خبرِ اللَّهِ عما كان المشركون همُّوا به من إخراجِه من مكةَ، فأعْلَمه اللَّهُ أَنَّهم لو فعَلوا ذلك

стр. 10190

عُوجِلوا بالعذابِ عن قريبٍ، ثم أمَره بالرغبةِ إليه في إخراجِه مِن بين أظهرِهم إخراجَ صِدْقٍ يُحاولُه له (١) عليهم، ويُدْخلُه بلدةً غيرَها بمُدخَلِ صِدقٍ يُحاولُه عليهم ولأهلِها في دخولِه إليها، وأن يجعَلَ له سلطانًا نصيرًا على أهلِ البلدةِ التي أخرَجه أهلُها منها، وعلى كلِّ من كان لهم شبيهًا. وإذا أُوتى ذلك، فقد أُوتى - لا شكَّ - حجةً بينةً. وأما قولُه: ﴿نَصِيرًا﴾. فإنَّ ابنَ زيدٍ كان يقولُ فيه نحوَ قولِنا الذي قلنا فيه. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾. قال: يَنْصُرُني، وقال لموسى: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا﴾ [القصص: ٣٥]. هذا مقدَّمٌ ومؤخَّرٌ، إنَّما هو سلطانٌ بآياتِنا فلا يَصِلون إليكما. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (٨١) وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وقلْ يا محمدُ لهؤلاء المشرِكين الذين كادُوا أن يستفِزُّوكَ من الأرضِ لِيُخْرِجوك منها: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾. واختلَف أهلُ التأويلِ في معنى "الحقِّ" الذي أمَر اللَّهُ نبيَّه ﷺ أَن يُعْلِمَ المشرِكين أنه قد جاء، و "الباطلِ" الذي [أمَره أن يُعْلِمَهم] (٢) أنه قد زَهَق؛ فقال بعضُهم: الحقُّ هو القرآنُ في هذا الموضعِ، والباطلُ هو الشيطانُ.
следующие страницы →