← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 10221–10260 · переход к 10226.

стр. 10221

قلتُ له في قولِه تعالى: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠)﴾. قال: قلتُ له: أنزَلت في عبدِ اللَّهِ بن أبى أميةَ؟ قال: قد زعَمُوا ذلك (١). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وما منَع يا محمدُ مشركي قومِك الإيمانَ باللَّهِ وبما جئتَهم به من الحقِّ، ﴿إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى﴾. يقولُ: إذ جاءَهم البيانُ من عندِ اللَّهِ بحقيقةِ ما تَدْعُوهم وصحةِ ما جئتَهم به، إلا قولُهم جهلًا منهم: ﴿أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾. فـ ﴿أَنْ﴾ الأولى في موضعِ نصبٍ بوقوعِ ﴿مَنَعَ﴾ عليها، والثانيةُ في موضعِ رفعٍ؛ لأن الفعلَ لها. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا (٩٥)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه: قُلْ يا محمدُ لهؤلاء الذين أَبَوُا الإيمانَ بك وتصديقَك فيما جئتَهم به من عندى؛ استنكارًا لأن يَبْعَثَ اللَّهُ رسولًا من البشرِ: ﴿لَوْ كَانَ﴾ أيُّها الناسُ ﴿فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾؛ لأن الملائكةَ إنما تراهم أمثالُهم من الملائكةِ، أو (٢) من خصَّه اللَّهُ من بنى آدمَ برؤيتِها، فأما غيرُهم فلا يَقْدِرون على رؤيتِها، فكيف يَبعَثُ إليهم من الملائكةِ الرسلَ، وهم لا يَقْدِرون على رؤيتِهم وهم بهيئاتِهم التي خلَقهم (٣) بها،

стр. 10222

وإنما يُرسِلُ إلى البشرِ الرسولَ منهم، كما لو كان في الأرضِ ملائكةٌ يمشُون مُطْمئنِّين، ثم أرسَلْنا إليهم رسولًا، أرسَلْناه منهم مَلَكًا مثلَهم. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (٩٦)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه: قُلْ يا محمدُ للقائلين لك: ﴿أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ -: ﴿كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾. فإنه نِعْمَ الكافي والحاكمُ، ﴿إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾. يقولُ: إن اللَّهَ بعبادِه ذو خبرةٍ وعلمٍ بأمورِهم وأفعالِهم، والمحقَّ منهم والمُبطلِ، والمَهْدِيِّ والضالِّ، ﴿بَصِيرًا﴾ بتدبيرِهم وسياستِهم وتصريفِهم فيما شاء، وكيف شاء وأحَبَّ، لا يخفَى عليه شيءٌ من أُمورِهم، وهو مجازٍ جميعَهم بما قدَّم عندَ ورودِهم عليه. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ (١) وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا (٩٧)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ومَن يَهْدِ اللَّهُ يا محمدُ للإيمانِ به، ولتصديقِك وتصديقِ ما جئتَ به مِن عندِ ربِّك، فوفَّقه لذلك، فهو المُهْتَدِ الرشيدُ المصيبُ الحقَّ، لا مَن هداه غيرُه، فإن الهدايةَ بيدِه، ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ﴾. يقولُ: ومَن يُضْلِلْه اللَّهُ عن الحقِّ، فيَخْذُلْه عن إصابتِه، ولم يوفِّقْه للإيمانِ باللَّهِ وتصديقِ رسولِه، فلن تَجِدَ لهم يا محمدُ أولياءَ يَنْصُرُونهم من دونِ اللَّهِ، إذا أرادَ اللَّهُ عقوبتَهم، والاستنقاذَ منهم، ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾. يقولُ: ونَجْمَعُهم بموقفِ القيامةِ من بعدِ

стр. 10223

تفرُّقِهم في القبورِ عندَ قيامِ الساعةِ ﴿عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا﴾. وهو جمعُ أَبْكَمَ، ويعنى بالبُكْمِ الخُرْسَ. كما حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَبُكْمًا﴾. قال: الخُرْسُ (١). ﴿وَصُمًّا﴾. وهو جمعُ أصمَّ. فإن قال قائلٌ: وكيف وصَف اللَّهُ هؤلاء بأنهم يُحشَرون عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا، وقد قال: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾ [الكهف: ٥٣]. فأخبرَهم (٢) أنهم يَرَوْنَ، وقال: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (١٢) وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ [الفرقان: ١٢، ١٣]. فأخبرَ أنهم يَسْمَعُونَ ويَنْطِقُون؟ قيل: جائزٌ أن يكونَ ما وصَفهم اللَّهُ به من العَمَى والبَكَمِ والصَّمَمِ يكونُ صفتَهم في حالِ حشرِهم إلى موقفِ القيامةِ، ثم يُجْعَلُ لهم أسماعٌ وأبصارٌ ومنطقٌ في أحوالٍ أُخرَ غيرِ حالِ الحشرِ، ويجوزُ أن يكونَ ذلك كما رُوِى (٣) عن ابن عباسٍ في الخبرِ الذي حدَّثَنيه عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾. ثم قال: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا﴾. وقال: ﴿سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ وقال: ﴿دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾: أما قولُه: و ﴿عُمْيًا﴾. فلا يرَون شيئًا

стр. 10224

يسرهم (١)، وقولُه: ﴿بُكْمًا﴾. لا يَنْطِقُون بحجة، وقولُه: ﴿صُمًّا﴾. لا يَسْمَعُون شيئًا يسرُّهم (٢). وقولُه: ﴿مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: مصيرُهم إلى جهنمَ، وفيها مساكُنهم، وهم وَقُودُها. كما حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثني أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾: يعنى أنهم وَقُودُها (٣). وقولُه: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَهُمْ سَعِيرًا)﴾. يعنى بقوله: ﴿خَبَتْ﴾: لانَتْ وسَكَنَتْ. كما قال عديٌّ بنُ زيدٍ العِبَاديُّ في وصفِ مُزْنَةٍ: وَسْطُه كاليَرَاعِ (٤) أَوْ سُرُج المجْدَل (٥) … حِينًا يَخْبُو وحينًا يُنيرُ يعنى بقولِه: يَحْبو السُّرُجُ. أنها تَلِينُ وتَضْعُفُ أحيانًا، وتَقْوَى فتُنِيرُ أُخْرى. ومنه قولُ القُطَاميِّ (٦): * فيَخْبو ساعَةً ويَهُبُّ (٧) ساعا * وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ على اختلافٍ منهم في العبارةِ عن تأويلِه.

стр. 10225

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ بنُ داودَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ﴾. [يقولُ: كلَّما] (١) سكَنت (٢). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَهُمْ سَعِيرًا﴾. يقولُ: كلما أحرَقتهم [تسَّعرُ بهم] (٣) حَطَبًا، فإذا أحرَقتهم فلم تُبْقِ منهم شيئًا، صارَت جمرًا (٤) تتوهَّجُ، فذلك خَبْرُها، فإذا بُدِّلُوا خَلْقًا جديدًا عاوَدَتْهم (٥). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن [ابن أبي نجيحٍ] (٦)، عن مجاهدٍ قولَه (٧). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

стр. 10226

حدَّثنا القاسمُ، قال ثنا الحسينُ، قال ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ﴾. قال: خَبْؤُها أنها تُسَعَرُ بهم حطبًا، فإذا أحرَقتهم فلم يَبْقَ منهم شيءٌ، صارت جمرًا (١) تتوهَّجُ، فإذا بُدِّلوا خلقًا جديدًا عاوَدَتْهم (٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾. يقولُ: كلَّما احترَقت جلودُهم بُدِّلوا جلودًا غيرَها ليَذُوقُوا العذابَ (٣). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ في قوله: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَهُمْ سَعِيرًا﴾. قال: كلما لان منها شيءٌ (٤). حُدِّثْتُ عن مَرْوَانَ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ﴾. قال: سكنت. وقولُه: ﴿زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾. يقولُ: زِدْنا هؤلاء الكفارَ سعيرًا، وذلك إسعارُ النارِ عليهم والتهابُها فيهم وتأجُّجُها بعدَ خَبْوها في أجسامِهم. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٩٨)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: هذا الذي وصَفنا من فعلِنا يومَ القيامةِ بهؤلاءِ المشركين، ما

стр. 10227

ذكَرتُ أنَّا نَفعَلُ بهم من حشرهم على وجوهِهم عُميًا وبُكمًا وصُمًّا، وإصلائِناهم (١) النارَ على ما بَيَّنا من حالِهم فيها - ثوابُهم بكفرِهم في الدنيا ﴿بِآيَاتِنَا﴾. يعنى: بأدلتِه وحججِه، وهم رسلُه الذين دَعَوْهم إلى عبادتِه، وإفرادِهم إياه بالألوهةِ دونَ الأوثانِ والأصنامِ، وبقولِهم إذا أُمِروا بالإيمانِ بالمعادِ، وبثوابِ اللهِ وعقابهِ في الآخرةِ: ﴿أإِذَا كُنَّا عِظَامًا﴾ باليةً، ﴿وَرُفَاتًا﴾: قد صِرْنا ترابًا ﴿أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾. يقولون: تُبْعَثُ بعدَ ذلك خلقًا جديدًا، كما ابتُدِثْنا (٢) أولَّ مرةٍ في الدنيا. استِنكارًا منهم لذلك، واستِعظامًا له (٣)، وتعجُّبًا من أن يكونَ ذلك. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا (٩٩)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : أوَ (٤) لم يَنْظُرْ هؤلاء القائلون من المشركين: ﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ بعيونِ قلوبهم، فيعلَموا ﴿انَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾، فابتدَعها من غيرِ شيءٍ، وأقامَها بقُدرتِه، ﴿قَادِرٌ﴾ بتلك القدرةِ ﴿عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾: أشكالَهم وأمثالَهم من الخلقِ بعدَ فنائِهم وقبلَ ذلك، وأن مَن قدَر على ذلك فلا يَمتَنِعُ عليه إعادتَهم خلقا جديدًا، بعدَ أن يَصِيروا عظامًا ورُفاتًا. وقولُه: ﴿وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وجعَل الله

стр. 10228

لهؤلاء المشركين أجلًا لهلاكِهم، ووقتًا لعذابهم ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾. يقولُ: لا شكَّ فيه أنه آتيهم ذلك الأجلُ، ﴿فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا﴾. يقولُ: فأبَى الكافرون إلا جحودًا بحقيقةِ وعيدِه الذي أوعَدهم، وتكذيبًا به. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا (١٠٠)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه: قُلْ يا محمدُ لهؤلاء المشركين: لو أنتم أيها الناسُ تَمْلِكُون خزائنَ أملاكِ ربى من الأموالِ - وعَنَى بالرحمةِ في هذا الموضعِ المالَ - ﴿إِذًا لأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ﴾. يقولُ: إذن لَبَخِلْتُم به، فلم تجودُوا بها على غيرِكم، خشية من ﴿الْإِنْفَاقِ﴾ (١)؛ الإِقْتارِ. كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿إِذًا لأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ﴾. قال: الفقرِ (٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ﴾. أي: خشيةَ الفاقةِ. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزّاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ مثلَه (٣). وقولُه: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا﴾. يقولُ: وكان الإنسانُ بخيلًا مُمْسِكًا. كما حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ الله، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن

стр. 10229

عباسٍ في قولِه: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا﴾. يقولُ: بخيلًا. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجّاجٌ، عن ابنٍ جُرَيجٍ، قال: قال ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا﴾. قال: بخيلًا. حدًّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا﴾. قال: بخيلًا مُمْسِكًا. وفى "القُتورِ" في كلامِ العربِ لغاتٌ أربعٌ، يقالُ: قَتَر فلانٌ يَقْتُرُ ويَقْتِرُ، وقَتَّر يُقَتِّرُ، وأقْتَر يُقْتِرُ، كما قال أبو دُوادَ (١): لا أعُدُّ الإقْتارَ عُدْمًا ولكنْ … فقدُ مَن قد رُزِيتُه الإِعْدامُ القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا (١٠١)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولقد آتَينا موسى بنَ عِمرانَ ﴿تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ تَبِينُ لَمَن رآها أنَّها حُججٌ لموسى شاهدةٌ على صدقِه وحقيقةِ نبوَّتِه. وقد اختلَف أهلُ التأويلِ فيهنَّ وما هُنَّ؛ فقال بعضُهم في ذلك ما حدَّثني به محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾. قال: التسعُ الآياتِ البينات؛ يدُه، وعَصاه ولسانُه، والبحرُ والطوفانُ، والجرادُ، والقُمَّلُ، والضفادعُ، والدمُ، آياتٌ مفصلاتٌ (٢). حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ

стр. 10230

الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾: إلقاءُ العصا مرَّتينِ عندَ فرعونَ، ونزْعُ يدِه، والعُقدةُ التي كانت بلسانِه، وخمسُ آياتٍ في "الأعراف"؛ الطوفانُ، والجرادُ، والقمَّلُ، والضفادعُ، والدمُ (١). وقال آخرون نحوًا من هذا القولِ، غيرَ أنَّهم جعَلوا اثنتين (٢) مِنهنَّ؛ إحدَاهما، الطَّمسَةَ، والأُخرى، الحَجَرَ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن بريدةَ بن سفيانَ، عن محمدِ بن كعبٍ القُرظيّ، قال: سألني عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ عن قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾. فقلتُ له: هي الطوفانُ، والجرادُ، والقُمَّلُ، والضفادعُ، والدمُ، والبحرُ، وعَصاه، والطَّمْسةُ، والحَجَرُ. فقال: وما الطَّمْسةُ؟ فقلتُ: دعا موسى وأمَّن هارونُ، فقال: ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ [يونس: ٨٩] وقال عمرُ: كيف يكونُ الفقهُ إلا هكَذا! فدعا عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ بخريطةٍ (٣) كانت لعبدِ العزيزِ بن مرْوانَ أُصِيبت بمصرَ، فإذا فيها الجوزةُ (٤) منشاةٌ (٥)، والبيضةُ والعدسةُ ما تُنكَرُ، مُسِخت حجارةً، كانت من أموالِ فرعونَ أُصِيبت بمصرَ (٦).

стр. 10231

وقال آخرون نحوًا من ذلك، إلا أنَّهم جعلوا اثنَتَينِ مِنْهنَّ؛ إحَداهما، السنين، والأخْرى، النقصَ من الثمرات. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ بنُ واقدٍ، عن يزيدَ النحْويِّ، عن عكرمةَ ومطرٍ الورَّاقِ في قولِه: ﴿تِسْعَ آيَاتٍ﴾. قالا: الطوفانُ، والجرادُ، والقُمَّلُ، والضفادعُ، والدمُ، والعصَا، واليدُ، والسنونَ، ونقصٌ مِن الثمراتِ (١). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، عن مغيرةَ، عن الشعبيّ في قولِه: ﴿تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾. قال: الطوفانِ، والجرادِ، والقُمَّلِ، والضفادعِ، والدمِ، والسنينَ، ونقصٍ من الثمراتِ، وعصاه، ويدِه (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريج، قال: مثل سُئل عطاءُ بنُ أبى رباحٍ عن قولِه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾. ما هي؟ قال: الطوفانُ، والجرادُ، والقُمَّلُ، والضفادعُ، والدَّمُ، وعصا موسى، ويدُه. قال ابن جريجٍ: وقال مجاهدٌ مثلَ قولِ عطاءٍ، وزاد: ﴿أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ [الأعراف: ١٣٠]. قال: هما التاسعتان، ويقولون: التاسعتان؛ السنين، وذَهَابِ عُجْمةٍ لسانِ موسى (٣). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن

стр. 10232

قتادةَ، عن ابن عباس في قولِه: ﴿تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾: وهي متتابعاتٌ، وهي في سورة "الأعراف": ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾. قال: ﴿بِالسِّنِينَ﴾ في أهلِ البوادِى، ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾، لأهلِ القُري، فهاتان آيتانِ. والطوفانُ، والجرادُ، والقُمَّلُ، والضفادعُ، والدمُ، هذه خمسٌ، ويدهُ موسى إذ أخرَجها بيضاءَ للنّاظِرين من غيرِ سوءٍ - البرصُ - وعصاه إذ ألقاها فإذا هيَ ثعبانٌ مبينٌ (١). حدُّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾. قال: يدِ موسى، وعصاه، والطوفانِ، والجرادِ، والقُمَّلِ، والضفادِعِ، والدَّمِ، والسنين، ونقصٍ من الثمراتِ. وقال آخرون نحوًا من ذلك؛ إلا أنَّهم جعَلوا السنينَ والنقصَ من الثمراتِ آيةً واحدةً، وجعَلوا التاسعةَ تَلَقُّفَ العصا ما يأفِكون. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرازقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، قال: قال الحسنُ في قولِه: ﴿تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾، ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾. قال: هذه آيةٌ واحدةٌ، والطوفانُ، والجرادُ، والقملُ، والضفادعُ، والدمُ، ويدُ موسى، وعصاه إذ ألْقاها فإذا هي ثعبانٌ مبينٌ، وإذ أَلْقاها فإذا هي تَلْقَفُ ما يأفِكُون (٢).

стр. 10233

وقال آخرون في ذلك ما حدَّثني محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنى محمدُ بنُ جعفر، قال: ثنا شعبةُ، عن عمرِو بن مرَّةَ، قال: سمِعتُ عبدَ الله بنَ سلِمةَ، يحدِّثُ عن صفوانَ بن عسَّالٍ، قال: قال يهوديٌّ لصاحبهِ: اذهبْ بنا إلى النبيِّ حتى نسألَه عن هذه الآيةِ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾. قال: لا تقلْ له: نبيٌّ، فإنَّه إن سمِعك صارت له أربعةُ (١) أعينٍ، قال: فسألا، فقال النبيُّ ﷺ "لا تُشْرِكوا بالله شَيئًا، ولا تسْرقُوا، ولَا تَزْنُوا ولَا تَقْتُلُوا النَّفسَ التي حرَّمَ اللهُ إلَّا بالحَقِّ، ولَا تَسْحَرُوا، ولا تأْكُلوا الرِّبا، ولا تَمشُوا ببَرِئٍ إلى ذى سُلْطَانٍ ليَقْتُلَه، ولا تَقْذِفُوا مُحْصَنَةً". أو (٢) قال: "لا تَفِرُّوا مِن الزَّحْفِ" - شعبةُ الشاكُّ - "وأَنْتُم يا يَهُودُ، علَيكُم خاصَّةً، لا تَعْدُوا في السَّبْتِ". فقبَّلا يَده ورجلَه، وقالا: نشهَدُ أَنَّك نبيٌّ. قال: "فما يَمنَعُكما أنْ تُسلِمَا"؟ قالا: إن داودَ دَعا ألا يزالَ مِن ذرِّيتِه نبيٌّ، وإنا نخشَى أن تقتلَنا يهودُ (٣).

стр. 10234

حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا سهلُ بنُ يوسفَ وأبو داودَ وعبدُ الرحمنِ بنُ مَهديٍّ، عن شعبةَ (١)، عن عمرٍو، قال: سمِعتُ عبدَ اللَّهِ بنَ سلِمةَ، يحدِّثُ عن صفوانَ بن عسَّالٍ المُرادِيِّ (٢)، عن النبيِّ ﷺ بنحوه، إِلَّا أَنَّ ابنَ مهديٍّ قال: "لَا تمشوا إلى ذى سُلطانٍ". وقال ابن مَهدِيٍّ: أُراه قال: "ببَرِئٍ". حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عبدُ الله بنُ إدريسَ وأبو أسامةَ بنحوِه، عن شعبةَ بن الحجاجِ، عن عمرِو بن مَرَّةَ، عن عبدِ اللهِ بن سلِمةَ، عن صفوانَ بن عسَّالٍ، قال: قال يهوديٌّ لصاحبِه: اذهبْ بنا إلى هذا النبيِّ. فقال صاحبُه: لا تقلْ: نبيٌّ. إِنَّه لو سمعِك كان له أربعُ (٣) أعينٍ. قال: فأتيا رسولَ الله ﷺ يسألانِه عن ﴿تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾. فقال: "هنَّ: ولَا تُشْرِكُوا بالله شَيْئًا، ولَا تَسْرِقُوا، ولَا تَزْنُوا، ولا تَقْتُلُوا النَّفسَ التي حَرَّمَ اللهُ إلَّا بالحَقِّ، ولا تَقْذِفُوا المحصنَةَ، ولا تَوَلَّوْا يَوْمَ الزحفِ، وعَلَيكم خاصَّةً يهودُ، أَلَّا تَعْدُوا في السَّبْتِ". قال: فقبَّلوا يدَيه ورجلَيه، وقالوا: نشهَدُ أَنَّك نبيٌّ. قال: "فَمَا يمنعكم أن تتَّبِعُونى"؟. قالوا: إن داودَ دعا ألا يزالَ من ذرِّيِته نبيٌّ، وإنَّا نخافُ إِن اتبَعْناك أنْ تقتُلَنا يهود (٤). حدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا شعبةُ بنُ الحجاجِ، عن عمرِو

стр. 10235

ابن مرَّةَ، عن عبدِ اللَّهِ بن سلِمةَ، عن صفوانَ بن عسَّالٍ، عن النبيِّ ﷺ بنحوه (١). وأما قوله: ﴿فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ﴾. فإن عامَّةَ قرَأَةِ الإسلام على قراءِته على وجْهِ الأمْرِ، بمعنى: فاسألْ يا محمدُ بنى إسرائيلَ إذ جاءَهم موسى. ورُوِى عن الحسنِ البصريِّ في تأويلِه ما حدَّثني به الحارثُ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن هارونَ، عن إسماعيلَ، عن الحسنِ: ﴿فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. قال: سؤالُك إِيَّاهم نظرُك في القرآنِ (٢). ورُوِى عن ابن عباسٍ أنَّه كان يقرأُ ذلك: (فسَألَ). بمعنى: فسألَ موسى فرعونَ بنى إسرائيلَ أنْ يُرسِلَهم معه. على وجْهِ الخبرِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن هارونَ، عن حنظلةَ السَّدُوسيّ، عن شهرِ بن حوشبٍ، عن ابن عباسٍ أنه قرَأها: (فسَأل بنى إسرائيلَ إذْ جاءَهم). يعنى: أنَّ موسى سأل فرعونَ بنى إسرائيلَ أن يُرسِلَهم معه (٣). والقراءةُ التي لا أستجيزُ أن يُقرَأَ بغيرِها، هي القراءةُ التي عليها قرَأةُ الأمصارِ؛ لإجماعِ الحجةِ مِن القرأةِ على تصويبِها، ورغبتِهم عمَّا خالفها.

стр. 10236

وقولُه: ﴿فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا﴾. يقولُ: فقال لموسى فرعونُ: إني لأظنُّك يا موسى مُعاطًى (١) علمَ السِّحرِ، فهذه العجائب التي تفعلُها من سحرِك. وقد يجوزُ أن يكونَ مرادًا به: إنّى لأظُنُّك يا موسى ساحرًا. فوُضِع "مفعولٌ" موضعَ "فاعلٍ"، كما قيل: إنَّك مشئومٌ علينا وميمونٌ. وإنما هو شائمٌ ويامنٌ. وقد تأوَّل بعضُهم ﴿حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ [الإسراء: ٤٥]. بمعنى: حجابًا ساتِرًا. والعربُ قد تُخرِجُ "فاعلًا" بلفظِ "مفعولٍ" كثيرًا. القول في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا (١٠٢)﴾. اختلَفتِ القرَأَةُ في قراءة قولِه: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ﴾؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الأمصارِ: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ﴾. بفتحِ التاءِ، على وجْهِ الخطابِ مِن موسى لفرعونَ (٢). ورُوِى عن عليّ بن أبى طالبٍ رضوانُ الله عليه، في ذلك أنَّه قرَأ: (لَقَدْ عَلِمْتُ). بضمّ التاءِ (٣)، على وجْهِ الخبرِ من موسى عن نفسِه. ومَن قرَأ ذلك على هذه القراءةِ، فإنَّه ينبغى أن يكونَ على مذهبِه تأويلَ قولِه: ﴿إِنِّي لأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا﴾: إنى لأظُنُّك قد سُحِرت، فترَى أنَّك تتكلمُ بصوابٍ وليس بصواب. وهذا وجه من التأويلِ، غيرَ أنَّ القراءةَ التي عليها قرَأَةُ الأمصارِ خلافُها، وغيرُ

стр. 10237

جائز عندَنا خلافُ الحجةِ فيما جاءت به من القراءةِ مجمِعةً عليه. وبعدُ، فإنَّ الله تعالى ذكرُه قد أخبَر عن فرعونَ وقومِه أنهم جحَدوا ما جاءَهم به موسى من الآياتِ التسعِ، مع علمِهم بأنَّها من عندِ اللَّهِ بقوله: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (١٢) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٢ - ١٤]. فأخبرَ جلَّ ثناؤه أنهم قالوا: هي سحرٌ. مع علمِهم واستِيقانِ أنفسِهم بأنَّها من عنِد الله، فكذلك قوله: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ﴾ (١). إنما هو خبرٌ من موسى لفرعونَ بأنَّه عالمٌ بأَنَّها آياتٌ مِن عند الله. وقد ذُكر عن ابن عباسٍ أنَّه احتَجَّ في ذلك بمثل الذي ذكَرْنا من الحُجةِ. قال: حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا أبو بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ أنه كان يقرأُ: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ﴾: يا فرعونُ. بالنصب، ﴿مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، ثم تلا: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ (٢). فإذ كان ذلك كذلك، فتأويلُ الكلامِ: قال موسى لفرعونَ: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ﴾ يا فرعونُ ﴿مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ﴾ الآياتِ التسعَ البيناتِ التي أريتُكها، حجةً لى على (٣) حقيقةِ ما أدْعُوك إليه، وشاهدةً لى على صدقى (٤) وصحَّةِ قوله: إنى للهِ رسولٌ (٥)

стр. 10238

بَعثني إليك - ﴿إلَّا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ لأن ذلك لا يقدِرُ عليه ولا على أمثالِه أحدٌ سواه، ﴿بَصَائِر﴾ يعنى بـ "البصائرِ" الآياتِ أنهنَّ بصائرُ لَمن استبصَر بهنَّ، وهدًى لَمن اهتدَى بهنَّ، يعرِفُ بهنَّ مَن رآهُنَّ أن مَن جاء بهنَّ فَمُحِقٌّ، وأنهنَّ من عندِ اللهِ لا مِن عند غيرِه، إذ كُنَّ معجِزاتٍ لا يقدِرُ عليهنَّ ولا على شيءٍ منهنَّ سوى ربِّ السماواتِ والأرض. وهو جمعُ بصيرةٍ. وقولُه: ﴿وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾. يقولُ: إني لأظُنُّك يا فرعون ملعونًا ممنوعًا من الخيرِ. والعربُ تقولُ: ما ثَبَرَك عن هذا الأمرِ؟ أي: ما مَنعك منه، وما صَرَفَك (١) عنه؟ وثَبَرَه الله فهو يَثْبُرُه ويُثْبِرُه. لغتانِ. ورجلٌ مثبورٌ: محبوسٌ عن الخيراتِ هالكٌ. ومنه قولٌ الشاعر (٢): إذ أُجارِي الشَّيطانَ فِي سَنَنِ الغَيِّ … ومَن مالَ مَيْلَهُ مَثْبُورُ وبنحوِ الذي قُلْنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا عبدُ الله بنُ عبدِ الله الكِلابيٌّ، قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، قال: ثنا عمرُ بن عبدِ اللَّهِ، عن المِنْهالِ بن عمرٍو، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾. قال: ملعونًا (٣).

стр. 10239

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا مرْوانُ بنُ معاويةَ، قال: أخبَرنا عمرُ بنُ عبدِ اللَّهِ الثقفيُّ، عن المِنْهالِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ مثلَه. حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنا معاويةُ، عن عليّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾. يقولُ: ملْعونًا (١). وقال آخرون: بل معناه: إني لأظنُّك يا فرعونُ مغلوبًا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: قولَه: ﴿وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾. قال: مغلوبًا (٢). حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاك يقولُ في قولِه: ﴿وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾. يقولُ: مغلوبًا (٢). وقال بعضُهم: معنى ذلك: إني لأظنُّك يا فرعون هالِكًا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: [﴿مَثْبُورًا﴾. أي: هالكًا] (٣).

стр. 10240

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثله. حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، قتادةَ: ﴿وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾. [أي: مُهْلَكًا. قوله: ﴿مَثْبُورًا﴾] (١). أي: هالِكًا. [حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه] (٢). حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ بنحوِه (٣). وقال آخرون: معناه: إني لأظُنُّك مبدلًا مُغيِّرًا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عبدُ الله بُن موسى، عن عيسى بن موسى، عن عطيةَ: ﴿وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾. قال: مبدِّلًا (٤). وقال آخرون: معناه: مخبولًا لا عقلَ له. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِنِّي

стр. 10241

لأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾. قال: الإنسانُ إذا لم يكنْ له عقلٌ فما ينفعُه؟ [يعنى: إذا لم يكنْ له عقلٌ] (١) ينتَفِعُ به في ديِنه ومعاشِه دعَتْه العربُ مَثْبُورًا. قال: أظنُّك ليس لك عقلٌ يا فرعونُ. قال: بَيْنا هو يخافُه: ﴿وَلَا يَنْطَلِقُ (٢) لِسَانِي﴾ أن أقولَ هذا الفرعونَ. فلَمَّا شرح الله صدرَه اجتَرأ أن يقولَ له فوقَ ما أمرَه اللهُ (٣). وقد بيّنّا الذي هو أولَى بالصوابِ في ذلك قبلُ (٤). القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا (١٠٣) وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا (١٠٤)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فأراد فرعونُ أن يسْتفِزَّ موسى وبنى إسرائيلَ مِن الأرضِ، ﴿فَأَغْرَقْنَاهُ﴾ في البحرِ، ﴿وَمَنْ مَعَهُ﴾ مِن جُندِه، ﴿جَمِيعًا﴾، ونجَّيْنا موسى وبنى إسرائيلَ، وقُلْنا لهم مِن بعدِ هلاكِ فرعونَ: ﴿اسْكُنُوا الْأَرْضَ﴾: أرضَ الشامِ، ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾. يقولُ: فإذا جاءتِ الساعةُ، وهى وعدُ الآخرةِ، ﴿جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾. يقولُ: حشَرْناكم مِن قبورِكم إلى موقفِ القيامةِ ﴿لَفِيفًا﴾. أي: مختلِطين، قد التفَّ بعضُكم على بعضٍ، لا تتعارَفون، ولا ينحازُ أحدٌ منكم إلى قبيلتِه وحيّه. من قولِك (٥): لَفَفْتُ الجيوشَ، إذا ضرَبتَ بعضَها ببعضٍ، فاختَلَطَ الجميعُ. وكذلك كلُّ شيءٍ خُلِط بشيءٍ فقد لُفَ به.

стр. 10242

وقد اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم نحوَ الذي قُلْنا فيه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن (١) أبي رَزين: ﴿جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾. قال: مِن كلِّ قومٍ. وقال آخرون: بل معناه: جِئْنا بكم جميعًا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمى، قال: ثني أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾. قال: جميعًا (٢). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحَّدثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعَا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾: جميعا (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾. أي: جميعًا، أوَّلكم وآخِرَكم (٤).

стр. 10243

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾. قال: جميعًا (١). حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾. يعنى: جميعًا (٢). ووحَّد "اللفيفَ" وهو خبرٌ عن الجميعِ؛ لأنه بمعنى المصدرِ، كقولِ القائلِ: لَففْتُه لفًّا ولَفيفًا. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (١٠٥) وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (١٠٦)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وبالحقِّ أنزَلْنا هذا القرآنَ. يقولُ: أَنزَلْناه نأمرُ فيه بالعدل والإنصافِ والأخلاقِ الجميلةِ، والأُمورِ المُسْتَحسَنةِ الحميدَةِ، ونَنْهى فيه عن الظُّلِمِ والأُمورِ القبيحةِ، والأخلاقِ الرديةِ، والأفعالِ الذَّميمةِ، ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ﴾. يقولُ: وبذلك نزَل مِن عندِ الله على نبيِّه محمدِ ﷺ . وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : وما أرسَلْناك يا محمدُ إلى من أرسَلْناك إليه من عبادِنا، إلا مبشِّرًا بالجنَّة من أطاعَنا، فانتهَى إلى أمْرِنا ونَهْينا، ومنذرًا من عصانا وخالَفَ أَمْرَنا ونَهْيَنا. ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ﴾. اختلَفتِ القرَأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ الأمْصارِ: ﴿فَرَقْنَاهُ﴾. بتخفيفِ الراءِ من ﴿فَرَقْنَاهُ﴾. بمعنى: أَحْكَمناه وفصَّلْناه وبيَّناه.

стр. 10244

وذُكر عن ابن عباسٍ أنه كان يقرؤُه بتشديدِ الراءِ: (فَرّقْناه) (١). بمعنى: نزَّلناه شيئًا بعدَ شيءٍ، آيةً بعدَ آيةٍ، وقصةً بعد قصةٍ. وأولى القراءتين بالصواب عندَنا القراءةُ الأولى؛ لأنَّها القراءةُ التي علَيها الحُجَّةُ مُجمِعةٌ، ولا يجوزُ خلافُها فيما كانت عليه (٢) مجمِعَةً مِن أمرِ الدينِ والقرآنِ. فإذ كان ذلك أولى القراءَتَين بالصوابِ، فتأويلُ الكلامِ: وما أرسَلْناك إلا مبشرًا ونذيرًا، وفصَّلْناه قرآنًا (٣)، وبيَّنّاه وأحْكَمناه لتقرَأه على الناسِ على مكْثٍ. وبنحوِ الذي قُلْنا في ذلك مِن التأويلِ قال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ الله، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ﴾. يقولُ: فصَّلْناه (٤). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي جعفرٍ، عن (٥) الرَّبيع، عن أبي العاليةِ، عن أبيِّ بن كعبٍ أنَّه قرَأ: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ﴾. مخفَّفًا، يعنى: بيَّناه (٦). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ﴾. قال: فصَّلْناه.

стр. 10245

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا بَدَلُ بنُ المُحبَّرِ، قال: ثنا عبادٌ، يعني ابنَ راشدٍ، عن داودَ، عن الحسنِ أنَّه قرَأ: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ﴾. خفَّفها: فرَق الله به (١) بينَ الحقِّ والباطلِ (٢). وأما الذين قرَءوا القراءةَ الأُخرى، فإنَّهم تأوَّلوا ما قد ذكَرتُ من التأويل. ذكرُ مَن قال ما حكَيْتُ من التأويل عن قارئ ذلك كذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيع، عن أبي العاليةِ، قال: كان ابن عباسٍ يقرَؤُها: (وَقُرْآنًا فَرَّقْناه). مثقَّلَةً، يقولُ: أُنزِل آيةً آيةً (٣). حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخبَرنا داودُ، عن عكرمةُ، عن ابن عباسٍ، قال، قال: أُنزِل القرآنُ جملةً واحدةً إلى السماءِ الدنيا في ليلةِ القدْرِ، ثم أُنزِل بعدَ ذلك في عشرين سنةً، قال: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٣]. (وقُرْآنا فَرَّقْناه لِتَقْرأه على النَّاسِ على مُكْثٍ ونَزَّلْناه تَنْزِيلًا) (٤). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: (وَقُرْآنًا فَرَّقْناه). [قال: أُنزِل مُفَرَّقًا] (٥)، لم ينزلْ جميعًا، وكان بينَ

стр. 10246

أوَّله وآخرِه نحوٌ مِن عشرين سنةً (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: (وقُرْآنًا فَرَّقْناه). قال: فرَّقه، لم ينزِّلْه جميعًا (٢). وقرأ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾. حتى بلغ: ﴿وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٢، ٣٣]: يَنقُضُ عليهم ما يأتُون به (٣). وكان بعضُ أهلِ العربيةِ من أهلِ الكوفة يقولُ (٤): نُصِب قولُه: ﴿وَقُرْآنًا﴾. بمعنى: ورحمةً. ويتأوَّلُ ذلك: وما أَرْسَلْناك إلَّا مُبَشِّرًا ونَذِيرًا ورحمةً. ويقولُ: جاز ذلك لأن القرآن رحمةٌ. ونصْبُه (٥) على الوجْهِ الذي قُلناه أولى، وذلك كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ [يس: ٣٩]. وقوله: ﴿لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾. يقولُ: لتقرَأَه على الناسِ على تُؤَدةٍ، فتُرتِّلَه وتبيِّنَه، ولا تعجَلْ في تلاوتِه فلا يُفْهَمَ عنك. وبنحو الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عُبيدٍ

стр. 10247

المُكْتِبِ، قال: قلتُ لمجاهدٍ: رجلٌ قرَأ "البقرةَ" و "آلَ (١) عمرانَ"، وآخرُ قرَأ "البقرةَ"، وركُوعُهما وسجودُهما واحدٌ، أيُّهما أفضَلُ؟ قال: الذي قرَأ "البقرةَ". وقرأ: ? ﴿لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ (٢). حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ الله، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾. يقولُ: على تأييدٍ (٣). حدَّثني محمدُ بنُ عمروٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿عَلَى مُكْثٍ﴾. قال: على تَرَسُّلٍ (٤). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ (٥) قوله: ﴿لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾. قال: في تَرَسُّلٍ (٦). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾. قال: التفسيرُ الذي قال الله: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾

стр. 10248

[المزمل: ٤]: تفسيره. حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن عبيدٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾: على تُؤَدةٍ (١). وفى "المُكْثِ" للعربِ لغاتٌ: مُكْثٌ، ومَكْثُ، ومِكْثٌ، ومِكِّيثَى مقصورٌ، ومُكْثانًا، والقراءةُ بضمِّ الميم. وقوله: ﴿وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فرَّقنا تنزيلَه، وأنزَلناه شيئًا بعدَ شيءٍ. كما حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عليه، قال: حُدِّثْنا عن أبي رجاءٍ، قال: تلا الحسن: ﴿لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾. قال: كان الله ﵎ ينزِّلُ هذا القرآنَ بعضَه قبلَ بعضٍ، لِمَا علِم أنَّه سيكونُ ويحدُثُ في الناسِ، لقد ذُكر لنا أنَّه كان بينَ أوّلِه وآخرِه ثمانىَ عشْرةَ سنةً. قال: فسألتُه يومًا على سُخطةٍ، فقلتُ: يا أبا سعيد: (وقُرآنًا فَرَّقْناه). فثقَّلَها أبو رجاءٍ، فقال الحسنُ: ليس (فَرَّقْناه) ولكن ﴿فَرَقْنَاهُ﴾. فقرَأ الحسنُ مخفَّفةً. قلتُ: مَن يُحدَّثك هذا يا أبا سعيدٍ؟ أصحابُ محمدٍ؟ قال: فمَنْ يُحدِّثُنيه؟! قال: أُنزِل عليه بمكةَ قبلَ أن يُهاجرَ إلى المدينةِ ثمانىَ سنين، وبالمدينةِ عشْرَ سنين. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾: لم ينزَّلْ في ليلةٍ ولا ليلتين، ولا شهرٍ ولا شَهرين، ولا سنةٍ ولا سنتين، ولكنْ كان بين أوَّلِه وآخِرِه عشرون سنةً، وما شاء الله مِن ذلك (٢).

стр. 10249

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ، قال: كان يقولُ (١): أُنزِل على نبيِّ الله القرآنُ ثمانىَ سنين، وعشرًا بعدَما هاجَر. وكان قتادةُ يقولُ: عشرًا بمكة، وعشرًا بالمدينةِ (٢). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : قلْ يا محمدُ لهؤلاءِ القائلين لك: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠]: آمِنوا بهذا القرآنِ الذي لو اجتمَعت الإنسُ والجنُّ على أن يأْتُوا بمثلِه، لم يأْتُوا به ولو كان بعضُهم لبعضٍ ظهيرًا، أو لا تؤمِنوا به، فإن إيمانَكم به لن يزيدَ في خزائنِ رحمةِ الله، ولا ترْكَكم الإيمانَ به ينقُصُ ذلك، وإن تكفُروا به، فإن الذين أُوتوا العلمَ بالله وآياتِه مِن قبلِ نزولهِ من مؤمنى أهلِ الكتابين، إذا يُتلَى عليهم هذا القرآنُ يَخِرُّون؛ تعظيمًا له وتكريمًا، وعلمًا منهم بأنَّه مِن عندِ اللَّهِ، لأذقانِهم سُجَّدًا بالأرضِ. واختلَف أهلُ التأويلِ في الذي عنَى الله بقولِه: ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ﴾؛ فقال بعضُهم: عنَى به الوجوهَ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ الله، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ

стр. 10250

قولَه: ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾. يقولُ: للوجوهِ (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾. أي: للوجوهِ. حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ مثلَه (٢). وقال آخرون: بل عنَى بذلك اللِّحَى. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، قال: قال الحسنُ في: ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ﴾. قال: للِّحَى (٣). وقوله: ﴿وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: ويقولُ هؤلاءِ الذين أُوتُوا العلمَ مِن قبلِ نزولِ هذا القرآنِ، إذا خرُّوا للأذقانِ سُجودًا عندَ سَماعِهم القرآنَ يُتْلَى عليهم: تنزِيهًا لربِّنا وتَبْرِئةً له مما يُضيفُ إليه المشركون به، ما كان وعدُ ربِّنا من ثوابٍ وعقابٍ، إلا مفعولًا حقًّا يقينًا؛ إيمانٌ بالقرآنِ وتصديقٌ به. والأذقانُ في كلامِ العربِ: جمعُ ذَقَنٍ، وهو مَجمَعُ اللَّحْيَيْنِ. وإذ كان ذلك كذلك، فالذى قال الحسنُ في ذلك أشبهُ بظاهرِ التنزيلِ. وبنحوِ الذي قُلْنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ، على اختلافٍ منهم في

стр. 10251

الذين عُنوا بقولِه: ﴿أُوتُوا الْعِلْمَ﴾. وفي: ﴿يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال مجاهدٌ: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ﴾ إلى قوله: ﴿خُشُوعًا﴾. قال: هم ناسٌ من أهلِ الكتابِ، حينَ سمِعوا ما أنزَل الله على محمدٍ، قالوا: ﴿سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾ (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ﴾ من قبلِ النبيِّ ﷺ ﴿إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ ما أُنزِل إليهمِ من عندِ اللَّهِ، ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾ (٢). وقال آخرون: عُنِي بقولِه: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾: محمدٌ ﷺ (٣). ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ في قولِه: ﴿إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾: كِتابُهم (٤).

стр. 10252

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾: ما أُنزِل إليهم مِن عندِ اللَّهِ. وإنما قلنا: عنَى بقولِه: ﴿إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾: القرآنَ؛ لأنه في سياقِ ذكرِ القرآنِ، ولم يَجرِ لغيرِه مِن الكتبِ ذكرٌ، فيُصرَفَ الكلامُ إليه، ولذلك جُعلتِ الهاءُ التي في قولِه: ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾. مِن ذكرِ القرآنِ؛ لأن الكلامَ بذكرِه جرَى قبلَه، وذلك قوله: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ﴾. وما بعدَه في سياقِ الخبرِ عنه، فلذلك وجَبت صحةُ ما قلنا، إذا لم يأتِ بخلافِ ما قلنا فيه حجةٌ يجِبُ التسليمُ لها. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (١٠٩)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ويخِرُّ هؤلاء الذين أُوتوا العلمَ من مؤمنى أهلِ الكتابين من قبلِ نزولِ الفرقانِ، إذا يُتلَى عليهم القرآنُ، لأذقانِهم يبكُون، ويزيدُهم ما في القرآنِ من المواعظِ والعبرِ ﴿خُشُوعًا﴾. يعنى: خضوعًا لأمرِ الله وطاعتِه، واستكانةً له. حدَّثنا أحمدُ بنُ مَنيعٍ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ المباركِ، قال: أَخبَرنا مِسْعَرٌ، عن عبدِ الأعلى التّيميّ، أنَّ مَن أُوتِيَ مِن العلم ما لم يُبكِه، لخليقٌ ألَّا يكونَ أُوتِىَ علمًا يَنْفَعُه؛ لأنَّ اللَّهَ نعَت العلماءَ فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ﴾ الآيتين. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ المباركِ، عن مِسْعَرِ بن كِدَامٍ، عن عبدِ الأعلى التيميِّ بنحوِه، إَّلا أنه قال: ﴿إِذَا

стр. 10253

يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ﴾. ثم قال: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ﴾ الآية (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾. قال: هذه جوابٌ وتفسيرٌ للآيةِ التي في "كهيعص": ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨]. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١١٠)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه: قل يا محمدُ لمشركي قومِك المنكرين دعاءَ الرحمنِ: ﴿ادْعُوا اللَّهَ﴾ أيُّها القومُ، ﴿أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾، بأيِّ أسمائِه ﷻ تَدْعُون ربَّكم، فإِنَّما تَدْعُون واحدًا، وله الأسماء الحُسْنى. وإنما قيل ذلك له ﷺ ؛ لأنَّ المشركين - فيما ذُكِر - سمِعوا النبي ﷺ يدعُو ربَّه: "يا ربَّنا الله، ويا ربَّنا الرحمن" (٢). فظنُّوا أنه يدعو إلهين، فأنزَل الله على نبيّه ﵇ هذه الآية احتجاجا لنبيِّه عليهم. ذكرُ الروايِة بما ذكَرنا حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى محمدُ بنُ كثيرٍ، عن عبدِ اللهِ بن واقدٍ، عن أبي الجوزاءِ، عن ابن عباسٍ، قال: كان النبيُّ ﷺ ساجدًا يدعو: "يا رحمنُ، يا رحيمُ". فقال المشركون: هذا يَزْعُمُ أنه يدعو واحدًا، وهو يدعو مثنَى مثنَى. فأنزَل الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ

стр. 10254

الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ الآية (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني عيسى، عن الأوزاعيِّ، عن مكحولٍ، أنَّ النبيَّ ﷺ كان يتهجَّدُ بمكةَ ذاتَ ليلةٍ، يقولُ في سجودِه: "يا رحمنُ، يا رحيمُ". فسمِعه رجلٌ من المشرِكين، فلمَّا أصبَح قال لأصحابِه: انظُروا ما قال ابن أَبي كَبْشَةَ، يدعُو (٢) الليلةَ الرحمنَ الذي باليمامةِ (٣). وكان باليمامةِ رجلٌ يقالُ له: رحمنُ. فنزَلت: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (٤). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا﴾: بشيءٍ مِن أسمائِه (٥). حدَّثني موسى بن سهلٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بكارٍ البصريُّ، قال: ثنى حمادُ بنُ عيسى بن عَبيدةَ بن الطُّفيلِ الجُهَنيُّ، قال: ثنا ابن جريجٍ، عن عبدِ العزيز بن عمرَ بن عبدِ العزيزِ، عن مكحولٍ، عن عِراكِ بن مالكٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ قال: "إنَّ للهِ تسعَةً وتسعين اسمًا كلُّهن في القرآنِ، مَن

стр. 10255

أحصَاهن دخَل الجنَّةَ" (١). قال أبو جعفرٍ: ولدخولِ ﴿مَا﴾ في قولِه: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا﴾. وجهان؛ أحدُهما: أن تكون صلةً، كما قيل: ﴿عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٠]، والآخرُ: أن تكونَ في معنى أيِّ (٢)، كُرِّرت لمَّا اختلَف لفظاهما، كما قيل: ما إن رأيتُ كالليلةِ ليلةً. وقولُه: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في "الصلاةِ"؛ فقال بعضُهم: عنَى بذلك: ولا تجهَرْ بدُعائِك ولا تُخافِتْ به، ولكنْ بينَ ذلك. وقالوا: عنَى بالصلاةِ في هذا الموضعِ الدعاءَ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يحيى بنُ عيسى الدَّامَغانيُّ، قال: ثنا ابن المباركِ، عن هشامِ بن عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ في قولِه: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾. قالت: في الدُّعاءِ (٣). حدَّثنا ابن (٤) بشارٍ، قال: ثنا هشامُ بنُ عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: نزَلت في الدعاءِ (٣).

стр. 10256

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن هشامِ بن عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ مثلَه (١). حدَّثنا الحسنُ بنُ عرفةَ، قال: ثنا عَبّادُ بنُ العوّامِ، عن أشعثَ بن سَوَّارٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾. قال: كانوا يَجْهَرون بالدعاءِ، فلمَّا نزَلت هذه الآيةُ أَمِروا أَلّا يَجْهَرُوا، ولا يُخافِتوا (٢). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا حمادٌ، عن عمرِو بن مالكٍ النُّكْرِيِّ (٣)، عن أبي الجَوزاءِ، عن عائشةَ، قالت: نزَلت في الدعاءِ. حدَّثني مطرُ بنُ محمدٍ الضَّبِّيُّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ داودَ، قال: ثنا شريكٌ، عن زيادِ بن فَيّاضٍ، عن أبي عِياضٍ في قولِه: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾. قال: الدعاءُ (٤). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن إبراهيمَ الهَجَرِيِّ (٥)، عن أبي عِياضٍ: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾. قال: نزَلت في الدعاءِ (٦).

стр. 10257

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا شريكٌ، عن زيادِ بن فَيَّاضٍ، عن أبي عِياضٍ مثلَه. حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عمن ذكَره، عن عطاءٍ: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾. قال: نزَلت في الدعاءِ (١). حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحكمِ، عن مجاهدٍ في هذه الآيةِ: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾. قال: في الدعاءِ (١). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحكمِ، عن مجاهدٍ، قال: نزَلت في الدعاءِ (٢). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾: في الدعاءِ والمسألةِ (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال: نزَلت في الدعاءِ والمسألةِ (٤).

стр. 10258

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى، قال: ثني سفيانُ، قال: ثني قيسُ بنُ مسلمٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾. قال: في الدعاءِ (١). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزبيريُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن عَيَّاشٍ (٢) العامريِّ، عن عبدِ اللهِ بن شدَّادٍ، قال: كان أعرابٌ إذا سلَّم النبيُّ ﷺ قالوا: اللهمَّ ارزُقْنا إبلًا وولدًا. قال: فنزَلت هذه الآيةُ: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ (٣). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن هشامِ بن عروةَ، عن أبيه في قولِه: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾. قال: في الدعاءِ (٤). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ الآية. قال: في الدعاءِ والمسألةِ (٥). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى عيسى، عن الأوزاعيِّ، عن مكحولٍ: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾. قال: ذلك في الدعاءِ (٦).

стр. 10259

وقال آخرون: عنَى بذلك الصلاةَ. واختلَف قائلو هذه المقالةِ في المعنَى الذي عنَى بالنهيِ عن الجهرِ به منها؛ فقال بعضُهم: الذي نهَى عن الجهرِ به منها القراءةُ. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا أبو بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ. عن ابن عباسٍ، قال: نزَلت هذه الآيةُ ورسولُ اللهِ ﷺ متوارٍ: ﴿لَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾. قال: كان إذا صلَّى بأصحابِه رفَع صوتَه بالقرآنِ، فإذا سمِع ذلك المشركون سبُّوا القرآنَ ومَن أنزَله، ومَن جاء به. قال: فقال اللهُ لنبيِّه ﷺ : ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ فيسمَع المشركونَ، ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [عن أصحابِك] (١)، فلا تُسْمِعَهم القرآنَ حتى يأخُذُوا عنك (٢). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾. قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا جهَر بالصلاةِ بالمسلمين بالقرآنِ، شقَّ ذلك على المشركين إذا سمِعوه، فيُؤْذُون رسولَ اللهِ ﷺ بالشتْمِ والعَيبِ به، وذلك بمكةَ، فأنزَل اللهُ: يا محمدُ: ﴿لَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾. يقولُ: لا تُعلِنْ بالقراءةِ بالقرآنِ إعلانًا شديدًا يَسمعُه المشرِكون فيُؤْذُونك، ولا تُخافِتْ بالقراءةِ بالقرآنِ. يقولُ: لا تخْفِضْ صوتَك حتى لا تُسْمِعَ أُذنيْك، ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾. يقولُ: اطلُبْ بينَ الإعلانِ والجهرِ، وبينَ التخافُتِ والخفضِ طريقًا، لا

стр. 10260

جهرًا شديدًا، ولا خفضًا لا تُسْمِعُ أُذُنيك، فذلك القَدْرُ، فلما هاجَر رسولُ اللهِ ﷺ إلى المدينةِ سقط هذا كلُّه، يفعَلُ الآنَ أيِّ ذلك شاء (١). حُدِّثتُ عن الحسينُ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ الآية: هذا ورسولُ اللهِ ﷺ بمكةَ، كان إذا صلَّى بأصحابِه فرفَع صوتَه بالقراءةِ أسمع المشركين فآذَوْه، فأمَره اللهُ ألَّا يرفَعَ صوتَه فيُسْمِعَ عدوَّه، ولا يُخافتَ فلا يُسْمِعَ مَن خلفَه من المسلمين، فأمرَه اللهُ أن يبتغيَ بينَ ذلك سبيلًا. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن الأعمشِ، عن جعفرِ بن إياسٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: كان النبيُّ ﷺ يرفَعُ صوتَه بالقرآنِ، فكان المشركون إذا سمِعوا صوتَه سبُّوا القرآنَ ومَن جاء به، فكان النبيُّ ﷺ يُخْفِي القرآنَ فما يَسْمَعُه أَصحابُه، فأنزَل اللهُ: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ عليِّ بن الحسنِ بن شَقيقٍ، قال: سمِعتُ أبي يقولُ: أخبَرنا أبو حمزةَ، عن الأعمشِ،، عن جعفرٍ بن إياسٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾. قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا رفَع صوتَه [وسَمِع] (٣) المشركون، سبُّوا القرآنَ ومَن جاء به، وإذا خفَض لم يُسْمِعْ أصحابَه، قال اللهُ: ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾. حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يونسُ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثني
следующие страницы →