← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 10291–10330 · переход к 10296.

стр. 10291

وأولى هذه الأقوال بالصواب في "الرَّقيم" أن يكونَ مَعْنِيًّا به لوحٌ أو حجرٌ أو شيءٌ كُتب فىه كتابٌ. وقد قال أهلُ الأخبار: إن ذلك لوحٌ كُتِب فيه أسماء أصحاب الكهف وخبرهم حين أووا إلى الكهف. ثم قال بعضُهم: رفع ذلك اللوح في خزانة الملكِ وقال بعضُهم: بل جُعِل على باب كهفهم. وقال بعضُهم: بل كان ذلك (١) محفوظًا عند بعض (٢) أهل بلدهم. وإنما الرَّقيمُ فَعيلٌ، أصله مرقومٌ، ثم صُرِف إلى فعيلٍ، كما قيل للمجروح: جريحٌ. وللمقتول: قتيلٌ. يقال منه: رقَمْتُ كذا وكذا. إذا كتبته، ومنه قيل للرَّقم في الثوبِ: رَقْمٌ. لأنه الخطُّ الذي يُعرَفُ به ثمنُه. ومن ذلك قيل للحيَّةِ: أَرْقَمُ. لِمَا فيه من الآثار. والعرب تقولُ: عليك بالرَّقْمة، ودع الضَّفَّةَ. بمعنى: عليك برقمة الوادى حيث الماء، ودعِ الضَّفّة الجانبة. والضَّفَّتانِ جانبا الوادى. وأحسبُ أن الذي قال: الرَّقيم الوادِى. ذهَب به إلى هذا، أغنى به إلى رَقْمَةِ الوادِى. القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (١٠)﴾. يقول تعالى ذكره لنبيِّه محمدٍ ﷺ : ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾، حينَ أوَى الفِتْيَةُ أصحاب الكهف إلى كهف الجبل، هربًا بدينهم إلى اللهِ، فقالوا إذ أووه: ﴿رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾؛ رغبةً منهم إلى ربِّهم، في أن يرزقهم من عنده رحمةً. وقوله: ﴿وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا

стр. 10292

رَشَدًا﴾. يقولُ: وقالوا: يسِّر لنا ممَّا (١) نَبْتَغى ونَلْتَمِسُ من رضاك، والهرب من الكفر بك، ومن عبادة الأوثان التي يدعونا إليها قومنا، ﴿رَشَدًا﴾. يقولُ: سَدادًا إلى العمل بالذي تحبُّ. وقد اختلف أهل العلم في سبب مصير هؤلاء الفتية إلى الكهف الذي ذكره الله في كتابه؛ فقال بعضُهم: كان سبب ذلك، أنَّهم كانوا مسلمين على دين عيسى، وكان لهم ملكٌ عابدُ وَثَنٍ، دَعاهم إلى عبادة الأصنام، فهربوا بدينهم منه خشية أن يَفْتِنَهم عن دينهم، أو يقتُلهم، فاسْتَخْفَوْا منه في الكهف. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا الحكمُ بنُ بَشيرٍ، قال: ثنا عمرٌو (٢) في قوله: ﴿أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ﴾: كانت الفتيةُ على دين عيسى على الإسلام، وكان ملكهم كافرًا، وقد أخرج لهم صنمًا، فأبَوْا، وقالوا: ﴿رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾. قال: فاعْتَزلوا عن قومهم لعبادة اللَّهِ، فقال أحدهم: إنَّه كان لأبى كهفٌ يَأْوِى (٣): فيه غنمَه، فانطلقوا بنا نَكِنَّ فيه. فدخلوه وفُقدوا في ذلك الزمانِ فطلبوا، فقيل: دخلوا هذا الكهف. فقال قومُهم: لا نريد لهم عقوبةً ولا عذابًا أشدَّ مِن أن نَرْدِمَ عليهم هذا الكهف. فبَنَوْه عليهم ثم رَدَموه، ثم إنَّ اللَّهَ بعث عليهم ملكًا على دين عيسى، ووقع (٤) ذلك البناء الذي كان رُدِم عليهم، فقال بعضُهم لبعض: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ﴾؟

стр. 10293

فقالُوا: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾، حتى بلغ: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾. وكان وَرِقُ ذلك الزمان كبارًا، فأرسلوا أحدهم يأتيهم بطعامٍ وشرابٍ، فلمَّا ذهب ليَخْرُجَ، ورأى على باب الكهف شيئًا أنكره؛ فأراد أن يرجع، ثم مضى حتى دخل المدينة، فأنكر ما رأى، ثم أخرج درهمًا، فنظروا إليه [فأنكروه، وأنكروا] (١) الدرهم، وقالوا: من أين لك هذا، هذا مِن وَرِقِ غير هذا الزمانِ؟ واجْتَمَعوا عليه يسألونه، فلم يزالوا به حتى انْطَلَقوا به إلى ملكهم، وكان لقومهم لوحٌ يكتبون فيه ما يكونُ، فنظروا في ذلك اللوح، وسأله الملكُ، فأخبره بأمره، ونظَروا في الكتاب متى فُقدوا (٢)، فاسْتَبْشَروا به وبأصحابه، وقيل له: انطلق بنا فأَرِنا أصحابك. فانطلق وانطلقوا معه؛ ليريهم، فدخل قبل القوم، فضرب على آذانهم (٣)، فقال الذين غلبوا على أمرِهم: ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ (٤). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاق، قال: مرج أمرُ أهل الإنجيل وعظمت فيهم الخطايا وطغت (٥) فيهم الملوكُ، حتى عبدوا الأصنام وذبحوا للطَّواغيت، وفيهم على ذلك بقايا على أمر عيسى ابن مريمَ، مُتمسِّكُون بعبادةِ اللَّهِ وتوحيده، فكان ممن فعل ذلك من ملوكهم، ملكٌ من الرومِ يُقالُ له: دَقْيانوس (٦). كان قد عبد الأصنام، وذبَح للطَّواغيت، وقتل من خالفه في ذلك ممن أقامَ على دينِ

стр. 10294

عيسى ابن مريم؛ كان يَنزِلُ [في قُرى الروم] (١)، ولا يَترُكُ في قريةٍ يَنزِلُها أحدًا ممَّن يدينُ بدين عيسى ابن مريم إلا قتله (٢)، حتى يعبُد الأصنام، ويذبَحَ للطَّواغيت (٣)، حتى نزَلَ دقيانوسُ مدينة الفتية أصحاب الكهفِ (٤)، فَلَمَّا نزلها دَقْيانوس (٥) كَبُر ذلك على أهل الإيمان، فاستَخْفُوا منه وهربوا في كلِّ وجهٍ. وكان دَقْيانوسُ قد أَمَرَ حِينَ قدِمَها أَن يُتَّبَعَ أهلُ الإيمان فيُجمعوا له، واتَّخَذ شُرَطًا مِن الكُفَّارِ مِن أهلها، فجعلوا يَتَّبِعون أهل الإيمان في أماكنهم التي يَسْتَخفُون فيها، فىَسْتَخْرِجونهم إلى دقيانوس، فيُقَدِّمُهم إلى المجامع التي يُذبَحُ فيها للطَّواغيت، فيُخَيِّرُهم بين القتل، وبين عبادة الأوثان والذبح للطَّواغيت، فمنهم مَن يرغَبُ في الحياةِ ويَفْظَعُ بالقتل (٦)؛ فيفْتَتِنُ، ومنهم مَن يَأْبَى أَن يعبد غيرَ اللَّهِ؛ فيُقْتَلُ، فَلَمَّا رأى ذلك أهلُ الصلابة مِن أهل الإيمان بالله، جعلوا يُسْلِمون أنفسهم للعذابِ والقتل، فيقتلون ويُقَطَّعون، ثم يُربط ما قُطِّع مِن أجسادِهم، فيُعلَّق على سور المدينة من نواحيها كلِّها، وعلى كل باب من أبوابها، حتى عظُمَتِ الفتنةُ على أهل الإيمان، فمنهم من كفَر فتُرِك، ومنهم مَن صَلْب (٧) على دينه فقُتِل. فلَمَّا رأى ذلك الفتيةُ أصحاب الكهف، حزنوا حُزْنًا شديدًا، حتى تغيَّرَتْ ألوانهم، ونَحَلَتْ أجسامُهم، واستعانوا بالصلاة والصيام والصدقة، والتَّحميد والتَّسبيح، والتَّهليل [والتكبير] (٨)، والبكاء والتَّضرُّع إلى الله. وكانوا فِتْيَةً أَحْداثًا أحرارًا مِن أبناء

стр. 10295

أشراف الروم. فحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاق، عن عبدِ اللهِ بن أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: لقد حُدِّثْتُ أنَّه كان على بعضهم مِن حَداثةِ أسْنانِهم (١) وَضَحُ (٢) الوَرِقِ (٣). قال ابن عباس: فكانوا كذلك في عبادة الله ليلهم ونهارهم، يبكونَ إلى اللهِ، ويَسْتَغِيثُونَه (٤) - وكانوا ثمانية نفَرٍ (٥): مَكْسَلْمِينا (٦)، وكان أكبرهم، وهو الذي كلَّم الملك عنهم، ومحسيميلنينا (٧)، ويمليخا (٨)، ومَرْطُوسُ (٩)،

стр. 10296

وكشطونسُ (١)، وبَيْرُونسُ (٢)، ودَيْنَمُوسُ (٣)، وبطونس (٤)، [وقالوش] (٥)، فلمّا أجمع دقيانوسُ أن يَجْمَعَ أهل القرية لعبادة الأصنام، والذبح للطواغيت، بكوا إلى اللَّهِ وتَضَرَّعوا إليه، وجعلوا يقولون: اللهمَّ ربَّ السموات والأرض، لن نَدْعو مِن دونك إلهًا، ﴿لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ اكشف عن عبادك المؤمنين هذه الفتنة، وادفع عنهم البلاء، وأنعِمْ على عبادك الذين آمنوا بك، ومنعوا عبادتك إلا سرًّا، مُستَخْفِين بذلك، حتى يَعْبدوكَ علانيةً. فبينما هم على ذلك، عرفهم عُرَفاؤُهم مِن الكفار، ممَّن كان يَجْمَعُ أهل المدينة لعبادة الأصنام، والذبح للطواغيت، وذكروا أمرهم، وكانوا قد خَلَوْا (٦) في مُصَلًّى لهم يعبدون فيه الله، ويتضرَّعون إليه، ويتوقَّعون أن يُذْكَروا لدقينوس، فانْطَلق أولئك الكفرة حتى دخلوا عليهم مُصَلَّاهم، فوجدوهم سجودًا على وجوههم، يتضرعون ويبكون ويَرْغَبون إلى اللَّهِ أَن يُنجِّيهم

стр. 10297

من دَقينوسَ وفتنته، فلمّا رآهم أولئك الكفرة من عُرفائهم قالوا لهم: ما خَلَّفكم عن أمر الملك؟ انطلقوا إليه. ثم خرجوا من عندهم، فرفعوا أمرهم إلى دقيانوس، وقالوا: تَجمَعُ الناس للذَّبح لآلهتك، وهؤلاء فتيةٌ من أهلِ بيتِكَ يَسْخَرون مِنكَ ويَسْتَهْزِئُون بك، ويعصون أمرك، ويتركون الهتك، يَعْمدون إلى مُصَلًّى لهم ولأصحاب عيسى ابن مريمَ يُصَلُّون فيه، ويتضرَّعون إلى إلههم وإله عيسى وأصحاب عيسى، فلِمَ تَتْرُكُهم يصنعون (١) هذا وهم بين ظهرانى سلطانك ومُلكِك؟ وهم ثمانيةُ نفرٍ: رأسهم (٢) مَكْسَلْمِينا، وهم أبناء عظماء المدينة. فلَمَّا قالوا ذلك لدقيانوس، بعث إليهم، فأتى بهم من المُصلَّى الذي كانوا فيه، تفيضُ أعينُهم من الدَّمْعِ (٣)، مُعفَّرَةً وُجُوهُهم في التراب، فقال لهم: ما منعكم أن تشهدوا الذَّبح لآلهتنا التي تُعبَدُ في الأرض، وأن تجعلوا أنفسكم أُسْوةً لسراة أهلِ مدينتكم، ولمن حضرها (٤) من الناسِ؟ اختاروا منى: إمَّا أن تَذْبَحوا لآلهتنا كما ذبح الناسُ، وإما (٥) أن أقتُلكم. فقال: مَكْسَلْمِينا: إن لنا (٦) إلها نعبُدُه (٧) ملأ السماوات والأرضَ عَظَمَةً (٨)، لن ندعُوَ مِن دونِه إلهًا أبدًا، ولن نُقِرَّ بهذا الذي تدعونا إليه أبدًا، ولكنَّا نعبُدُ اللَّهَ ربَّنا، له الحمد والتكبيرُ والتسبيحُ من أنفسنا خالِصًا أبدًا، إياه نعبُدُ، وإياه نسألُ النجاة والخير، فأمَّا الطواغيتُ وعبادتها، فلن نُقِرَّ بها أبدًا، ولسنا بكائنينَ عُبَادًا للشياطين، ولا جاعلى

стр. 10298

أنفسنا وأجسادِنا عُبَّادًا لها، بعد إذ هدانا الله له؛ رَهْبَتَك، أو (١) فَرَقًا مِن عُبُودِتِك، اصنع بنا ما بدا لك. ثم قال أصحابُ مَكْسَلْمِينا لدقيانوس مثل ما قال. قال: فلمَّا قالوا ذلك له، أمر بهم فنُزع عنهم لَبُوسٌ كان عليهم من لبوس عظمائِهم، ثم قال: أما إذ فعلتم ما فعلتم، فإنَّى سأُؤَخِّرُكم أن تكونوا من أهل مملكتى وبطانتى وأهل بلاطى (٢) وسأفرُغ لكم، فأُنجزُ لكم ما وعدتُكم من العقوبة، وما يمنعُنى أن أُعَجِّلَ ذلك لكم، إلا أنِّي أراكم فتيانًا حديثةً أسنانُكم، ولا أحبُّ أن أُهلِكُكم حتى أَسْتَأْنِى بكم، وأنا جاعل لكم أجلًا تَذَّكَّرون فيه، وتُراجعون عقولكم. ثم أمر بحليةٍ كانت عليهم من ذهبٍ وفضةٍ، فنُزِعت منهم (٣)، ثم أمر بهم فأُخرجوا من عنده، وانْطَلَق دَقْيانوسُ مكانه إلى مدينةٍ سوى مدينتهم التي هم بها قريبًا منها، لبعض ما يريدُ من أمرِه. فلما رأى الفتيةُ دَقيانوسَ قد خرج من مدينتهم، بادروا قُدومه، وخافوا إذا قدم مدينتهم أن يُذَكَّر بهم، فأْتَمروا بينهم أن يأخذ كلُّ رجُلٍ (٤) منهم نفقةً من بيت أبيه، فيتصدَّقوا منها، ويتزوَّدوا بما بقى، ثم ينطلقوا إلى كهف قريبٍ من المدينة، في جبلٍ يُقال له: بنجلوس (٥). فيمْكُثوا فيه، ويعبدوا الله، حتى إذا رجع دَقْيانوسُ أَتَوْه فقاموا بين يديهِ، فَيَصْنَعُ بهم ما شاء. فَلَمَّا قال ذلك بعضُهم لبعض، عمد كلُّ فتًى منهم، فأخذ من بيت أبيه نفقةً، فتَصَدَّقوا (٦) منها، وانطلقوا بما بقى معهم من نفقتهم، واتَّبعهم كلبٌ لهم، حتى أتَوْا ذلك الكهف الذي في ذلك الجبل، فلبثوا فيه، ليس

стр. 10299

لهم عملٌ إلا الصلاة والصيام والتسبيحَ والتكبير والتحميد (١)، ابتغاء وجه اللع تعالى، والحياة التي لا تَنْقطِعُ، وجعلوا نفقتهم إلى فتًى مِنهم يُقالُ له: يمليخا. فكان على طعامهم، يَبْتاعُ لهم أرزاقهم من المدينة سرًّا من أهلها، وذلك أنه كان من أجملهم (٢) وأجْلَدِهم، فكان يمليخا يصنعُ ذلك، فإذا دخل المدينة يضَعُ ثيابًا كانت عليه حِسانًا، ويأخُذُ ثيابًا كثياب المساكين الذين يَسْتَطْعِمون فىها، ثم يأخُذُ وَرِقَه فينْطلِقُ إلى المدينة، فيشتَرى لهم طعامًا وشرابًا، ويَتَسَمَّعُ ويتجسَّسُ (٣) لهم الخبرَ، هل ذُكر هو وأصحابُه بشيءٍ في بَلاطِ (٤) المدينة، ثم يَرجِعُ إلى أصحابه بطعامهم وشرابهم، ويُخبرهم بما سمع من أخبار الناسِ، فلبثوا كذلك (٥) ما لبثوا، ثم قدم دَقْيانوسُ الجبَّارُ المدينة التي منها خرج (٦) إلى مدينته، وهى مدينةُ أُفْسُوسَ (٧)، فأمر عظماء أهلها، فذبحوا للطَّواغيت، ففزِعَ من ذلك أهلُ الإيمانِ، فَتَخَبَّئوا في كلِّ مَخْبَأ، وكان يَمْليخا بالمدينة يشترى لأصحابه طعامهم وشرابهم ببعض نفقتهم، فرجع إلى أصحابه، وهو يبكى، ومعه طعامٌ قليلٌ، فأخبرهم أن الجبار دقيانوس قد دخل المدينةَ، وأنَّهم قد ذُكروا وافتُقدوا والتُمسوا مع عظماء أهل المدينة

стр. 10300

ليَذْبَحوا للطواغيت. فلمَّا أخبرهم بذلك فزعوا فزَعًا شديدًا، ووقعوا سجودًا على وجوههم يدعُون الله، ويتضرَّعون إليه، ويتعوَّذون به من الفتنة، ثم إِنَّ يَمليخا قال لهم: يا إخْوَتاه، ارفعوا رءوسكم، فاطْعَموا من هذا الطعام الذي جئتُكم به، وتوكَّلوا على ربِّكم. فرفعوا رءوسهم، وأعينهم تفيضُ مِن الدمعِ؛ حَذَرًا وتخوُّفًا على أنفسهم، فطَعِموا منه، وذلك مع غروب الشمس، ثم جلسوا يتحدَّثون ويَتَدارَسون، ويُذَكِّرُ بعضُهم بعضًا، على حزنٍ منهم، مشفقين ممَّا أَتاهم به صاحبُهم من الخبر، فبينا (١) هم على ذلك، إذ (٢) ضرب الله على آذانهم في الكهف (٣)، وكلبُهم باسِطٌ ذِراعَيْه بباب الكهف، فأصابهم (٤) ما أصابهم وهم مؤمنون مُوقِنون مُصدِّقون بالوعد، ونفقتُهم موضوعةٌ عندهم، فلمَّا كان الغدُ فقدهم دَقيانوسُ، فالتَمَسَهم فلم يجدهم، فقال لعظماء أهل المدينة: لقد ساءَنى شأن هؤلاء الفتية الذين ذهَبوا، لقد كانوا يَظُنُّون أنَّ بى غضَبًا عليهم فيما صَنَعوا في أوَّلِ شأنهم، لجهلهم ما جهلوا من أمرى، ما كنتُ لأحمل (٥) عليهم في نفسى، ولا أُؤَاخِذَ أحدًا منهم بشيءٍ إن هم تابوا وعبدوا آلهتى، ولو فعلوا لَتَرَكتُهم، وما عاقبتُهم بشيءٍ سلف منهم. فقال له عظماء أهل المدينة: ما أنت بحقيقٍ أن ترحم قومًا فَجَرَةً مَرَدَةً عُصاةً، مُقيمين على ظُلْمِهم ومعصيتهم، وقد كنتَ أجلتهم أجلًا، وأخَّرتهم عن العقوبة التي أصبتَ بها غيرهم، ولو شاءوا لرجعوا في ذلك الأجَلِ، ولكنَّهم لم يتوبوا ولم يَنْزِعوا ولم يندموا على ما فعلوا، وكانوا منذ انطلَقْتَ يُبذِّرون أموالهم بالمدينةِ، فلمَّا

стр. 10301

علموا بقدومك فَرُّوا فلم يُرَوْا بعدُ، فإن أحبَبتَ أن تُؤْتَى بهم فأَرْسِلْ إلى آبائهم فامْتَحِنَّهم، واشْدُدْ (١) عليهم يدُلُّوك عليهم، فإنَّهم مختبئون منك. فلمَّا قالوا ذلك لدقيانوس الجبار، غضِب غضبًا شديدًا، ثم أرسل إلى آبائهم، فأُتى بهم فسألهم عنهم وقال: أخبرُونى عن أبنائكم المردة الذين عصَوْا أمرى، وتركوا آلهتى، ائتُونى بهم، وأنْبِئونى بمكانهم. فقال له آباؤهم: أمَّا نحنُ فلم نعصِ أمرَك ولم نُخالفك، قد عبدنا آلهتك وذبَحْنا لهم، فلِمَ تقتُلُنا في قومٍ مَرَدةٍ، قد ذهَبوا بأموالنا فبَذَّروها وأهلكوها في أسواق المدينة، ثم انطلقوا، فارتَقَوْا في جبل يُدعَى بنجلوس، وبينه وبين المدينة أرضٌ بعيدةٌ، هربًا مِنك؟! فلمَّا قالوا ذلك خلَّى سبيلهم، وجعل يأتمرُ ماذا يصنَعُ بالفتية، فأَلْقَى اللَّهُ في نفسه أن يأمُرَ بالكهف فيُسَدَّ عليهم، كَرامةً من الله، أراد أنْ يُكرمهم، ويُكرم أجساد الفتية، فلا يجول، [ولا يطوفُ بها شيءٌ] (٢)، وأراد أن يُحْييهم، ويجعلهم آيةً لأمةٍ تُستَخْلَفُ مِن بعدهم، وأن يبيِّن لهم أن الساعة آتيةٌ لا ريب فىها، وأَنَّ اللَّهَ يبعَثُ من في القبور، فأمر دَقْيَنوسُ بالكهفِ أن يُسَدَّ عليهم، وقال: دَعُوا هؤلاء الفتية المردة الذين تركوا آلهتى فليموتوا كما هم في الكهف عطشًا وجوعًا، وليكُن كهفُهم الذي اختاروا لأنفسهم قبرًا لهم. ففعل ذلك بهم عدوُّ الله، وهو يظُنُّ أنهم أيقاظٌ يعلمون ما يُصنَعُ بهم، وقد تَوفَّى الله أرواحهم وفاة النوم، وكلبُهم باسطٌ ذراعَيْهِ بباب الكهف، قد غَشَّاه اللهُ ما غَشَّاهم، يُقلَّبون ذات اليمين وذاتَ الشِّمالِ، ثم إن رجُلين مؤمنين كانا في بيت الملكِ دقيانوس يَكْتُمان إيمانهما؛

стр. 10302

اسمُ أحدهما يندروسُ (١)، واسمُ الآخرِ روناسُ (٢)، فَأَتَمرًا (٣) أن يكتُبا (٤) شأن الفتية أصحاب الكهف؛ أنسابهم وأسماءَهم وأسماء آبائهم، وقصة خبرِهم في لَوْحَين (٥) من رصاصٍ، ثم يَصْنَعا لهما (٦) تابوتًا مِن نُحاسٍ، ثم يجعلا اللَّوْحين فيه، ثم يَكْتُبا عليه في فَمِ الكهف بينَ ظَهْرانَى البُنْيانِ، ويَخْتِما على التابوتِ بخاتمهما، وقالا: لعلَّ اللَّهَ أَن يُظْهِرَ على هؤلاء الفتية قومًا مؤمنين قبل يوم القيامة، فيعلم من فتح عليهم - حين يقرأُ هذا الكتاب - خبرهم، ففعلا ثم بنيا عليه في البُنيانِ، فَبَقِى دَقْيانوس وقرنُه الذين كانوا منهم ما شاء الله أن يَبقوا، ثم هلك دقيانوسُ والقَرْنُ الذين (٧) كانوا معه، وقرونٌ بعده كثيرةٌ، وخَلَفَتِ الخُلُوفُ بعدَ الخُلُوفِ (٨). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن عبدِ اللهِ بن كَثِيرٍ، عن مجاهدٍ، قال: كان أصحاب الكهف أبناءَ عُظَماء مدينتهم، وأهلِ شرفهم (٩)، فخرجوا فاجتمعوا وراءَ المدينة على غير ميعادٍ، فقال رجلٌ منهم [هو أَسَنُّهم] (١٠): إنى لأَجِدُ في نفسى شيئًا ما أظنُّ (١١) أحدًا يَجِدُه.

стр. 10303

قالوا: ماذا تجدُ؟ قال: أجدُ في نفسى أنَّ ربِّي ربُّ السماوات والأرض. [وقالوا: نحن نجدُ] (١). فقاموا جميعًا فقالوا: ﴿رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ] (٢) لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾، فاجتمعوا أن يدخلوا الكهف، وعلى مدينتهم إذ ذاك جبَّارٌ، يُقال له: دقيانوسُ. فلبثوا في الكهف ثلاثمائةٍ سنين وازدادوا تسعًا، رُقَّدًا (٣). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن عبد العزيز بن أَبِي رَوَّادٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن عُبيدِ بن عُميرٍ، قال: كان أصحابُ الكهف فتيانًا مُلوكًا مُطَوَّقين مُسَوَّرين، ذوى ذوائب، وكان معهم كلبُ صَيْدِهم، فخرجوا في عيدٍ لهم عظيمٍ في زيٍّ ومَوْكِبٍ (٤)، وأخرجوا معهم آلهتهم التي يعبُدُون، وقذَف الله في قلوبِ الفِتيةِ الإيمان فآمَنوا، وأخْفَى كلُّ واحدٍ (٥) منهم الإيمان عن صاحبه، فقالوا في أنفسهم، من غير أن يَظْهَرَ إيمانُ بعضهم لبعضٍ: نخرُجُ مِن بين أظْهُرِ هؤلاء القوم، لا يُصيبُنا عقابٌ بجُرمِهم. فخرَج شابٌّ مِنهم حتى انْتَهَى إلى ظلِّ شجرةٍ، فجلس فيه، ثم خرج آخرُ فرآه جالسًا وحدَه، فرَجا أن يكونَ على مثل أمره من غيرِ أن يظهر ذلك منه، فجاء حتى جلس إليه، ثم خرج الآخرون، فجاءُوا حتى جلسوا إليهما، فاجتمعوا، فقال بعضُهم: ما جمعكم؟ وقال آخرُ: بل ما جمَّعَكم؟ وكلٌّ يكتُمُ إيمانَه من صاحبه مخافةً على نفسه. ثم قالوا: ليَخْرُجُ منكم فَتَيانِ، فيَخْلُوا، فيتَواثَقا أن لا يُفْشِى واحدٌ منهما على صاحبه، ثم يُفْشِى كلُّ واحدٍ منهما لصاحبِه أمره، فإنَّا نرجو أن نكونَ على أمرٍ

стр. 10304

واحدٍ. [فخرج فَتَيانِ منهم فتَواثَقَا، ثم تكلَّما فذكر كلُّ واحدٍ منهما أمره لصاحبه، فأَقبَلا مُستَبشِرَيْن إلى أصحابهما فقالا: قد اتَّفَقْنا (١) على أمرٍ واحدٍ] (٢). فإذا هم جميعًا على الإيمان، وإذا كهفٌ في الجبل قريبٌ منهم، فقال بعضُهم لبعض: ائؤُوا (٣) إلى الكهف ﴿يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا﴾، فدخلوا الكهف ومعهم كلب صيدهم فناموا، فجعله الله عليهم رقْدَةً واحدةً، فناموا ثلاثمائةٍ سنين وازدادوا تسعًا. قال: وفقَدَهم قومُهم فطَلَبوهم وبعثوا البُرُدَ (٤)، فَعَمَّى الله عليهم آثارهم وكهفهم، فلَمَّا لم يقدروا عليهم كتبوا أسماءهم وأنسابهم في لَوْحٍ: فلانُ بنُ فلان، وفلان بن فلان أبناءُ ملوكنا، فقَدْناهم في عيدِ كذا وكذا، في شهر كذا وكذا، من (٥) سنة كذا وكذا، في مملكة فلان بن فلانٍ. ورفعوا اللَّوْحَ في الخِزانة، فمات ذلك الملكُ، وغلب عليهم ملكٌ مسلمٌ مع المسلمين، وجاء قَرْنٌ بعد قرنٍ، فلبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعًا (٦). وقال آخرون: بل كان مصيرهم إلى الكهف؛ هربًا من طلب سلطانٍ كان طلبهم بسببِ دَعْوى جنايةٍ، ادُّعِىَ على صاحب لهم أنَّه جناها. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسن بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، قال:

стр. 10305

أخبرني إسماعيلُ بن شَرُوسٍ، أنه سمع وهب بن منبِّهٍ يقولُ: جاء حواريُّ عيسى ابن مريم إلى مدينة أصحاب الكهف، فأراد أن يدخُلَها، فقيل له: إن على بابها صنمًا لا يدخُلُها أحدٌ إلا سجد له، فكره أن يَدْخُلَها، فأتَى حَمَّامًا، فكان فيه قريبًا من تلك المدينة، فكان يَعْمَلُ فيه يُواجرُ نفسَه من صاحب الحمَّام، ورأى صاحب الحمَّام في حمَّامِه البركة، ودُرَّ عليه الرزقُ، فجعل يقومُ (١) عليه (٢)، وجعَل يَسْترسِلُ إليه (٣)، وعَلِقَه فتيةٌ من أهل المدينة، وجعَل يخبرُهم خبر السماء والأرضِ وخبر الآخرة، حتى آمنوا به وصدَّقوه، وكانوا على مثل حاله في حُسنِ الهيئة، وكان يَشْتَرِطُ على صاحب الحمَّام أن الليل لي، لا تَحُولُ بينى وبين الصلاةِ إذا حضَرَتْ. فكان على ذلك حتَّى جاء ابن الملكِ بامرأةٍ، فدخل بها الحمَّام، فعيَّرَه الحواريُّ فقال: أنت ابن الملكِ، وتدخُلُ معك هذه الكذا (٤) فاستحيا، فذهَب فرجع مرًّة أخرى، فقال له مثل ذلك، فسبَّه وانتهره ولم يلتفت، حتى دخل ودخلت معه المرأةُ، فماتا في الحمَّام جميعًا، فأُتِيَ الملكُ فقيل له (٥): قتل صاحبُ الحمَّامِ ابنَك. فالتُمس، فلم يُقْدَرُ عليه فهرب. قال: من كان يَصْحَبُه؟ فسَمَّوا الفتيةَ، فالتُمسوا، فخرجوا من المدينةِ، فمرّوا بصاحبٍ لهم في زرعٍ له، وهو على مثل أمرهم، فذكروا أنهم التُمسوا، فانطلق معهم [ومعه] (٦) الكلبُ، حتى أَوَاهم الليلُ إلى الكهف، فدخلوه، فقالوا: نبيتُ هاهنا الليلةَ، ثم نُصْبحُ إن شاء الله فترون رأيَكم. فضُرب على آذانهم، فخرج الملكُ في أصحابه يتبعونهم،

стр. 10306

حتى وجدوهم قد دخلوا الكهف، فكلَّما أراد رجلٌ أَن يَدْخُلَ أُرْعِب، فلم يُطِقْ أَحدٌ أن يَدْخُلَه، فقال قائلٌ: أليس لو كنتَ قدرت عليهم قتلتهم؟ قال: بلى. قال: فابْنِ عليهم باب الكهف، ودعهم فيه يموتوا عَطَشًا وجوعًا. ففعل (١). القولُ في تأويل قوله: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (١١) ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا (١٢)﴾. يعنى جلَّ ثناؤه بقوله: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ﴾: فضربنا على آذانهم بالنوم في الكهف. أي: ألقينا عليهم النوم، كما يقول القائل لآخر: ضربك الله بالفالج. بمعنى: ابتلاه الله به، وأرسله عليه، وقولُه: ﴿سِنِينَ عَدَدًا﴾. يعنى: سنين معدودةً، ونُصِب العددُ بقوله: ﴿فَضَرَبْنَا﴾. وقوله: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى﴾. يقولُ: ثم بعثنا هؤلاء الفتية الذين أوَوْا إلى الكهف بعد ما ضربنا على آذانهم فيه سنين عددًا من رقْدَتِهم؛ لينظُرَ عبادى فيعْلَموا بالبحث أيُّ الطائفتين اللتين اختَلَفتا في قدْرِ مَبْلَغِ مُكْثِ الفِتية في كهفهم رقودًا ﴿أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا﴾. يقولُ: أصوبُ لقدْرِ لُبثهم فيه، ﴿أَمَدًا﴾، ويَعْنى بالأمد الغاية، كما قال النابغة (٢): إلَّا لمثلك أو مَن أنتَ سابقُهُ … سَبقَ الجَوَادِ إذا استولى على الأمد وذكر أن الذين اختلفوا في ذلك في أمورهم قومٌ من قوم الفتية؛ فقال بعضهم: كان الحزبان جميعًا كافرين. وقال بعضُهم: بل كان أحدهما مسلمًا، والآخرُ كافرًا.

стр. 10307

ذِكرُ مَن قال: كان الحزبان مِن قوم الفتية حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهدٍ: ﴿أَيُّ الْحِزْبَيْنِ﴾، من قومِ الفتية (١). حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد بنحوه (١). حدثني القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن مجاهدٍ مثله (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدُ، عن قتادة قوله: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾. يقولُ: ما كان لواحد من الفريقين علمٌ، لا لكفَّارهم ولا لمؤمنيهم (٢). وأما قوله: ﴿أَمَدًا﴾. فإنَّ أهل التأويل اختلفوا في معناه؛ فقال بعضُهم: معناه: بعيدًا. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾. يقولُ: بعيدًا. وقال آخرون: معناه: عددًا.

стр. 10308

ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَمَدًا﴾. قال: عددًا (١). حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثله (١). وفى نصب قوله: ﴿أَمَدًا﴾. وجهان؛ أحدُهما: أن يكون منصوبًا على التفسير من قوله: ﴿أَحْصَى﴾ كأَنَّه قِيلَ: أيُّ الحزبين أصوبُ عددًا لقدْرِ لُبثهم. وهذا هو أولى الوجهين في ذلك بالصواب؛ لأن تفسير أهل التفسير بذلك جاء. والآخرُ: أن يكون منصوبًا بوقوع قوله: ﴿لَبِثُوا﴾ عليه، كأنَّه قيل (٢): أيُّ الحزبين أحصَى للُبثهم غايةً. القول في تأويل قوله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (١٣) وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا (١٤)﴾. يقول تعالى ذكره لنبيِّه محمدٍ ﷺ : نحن يا محمد نَقُصُّ عليك خبر هؤلاء

стр. 10309

الفتية الذين أَوَوْا إلى الكهفِ ﴿بِالْحَقِّ﴾. يعنى: بالصدق واليقين الذي لا شكَّ فيه، ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ﴾. يقولُ: إن الفتية الذين أوَوْا إلى الكهف الذين سألك عن نبئهم الملأُ مِن مُشرِكى قومك، فتيةٌ آمنوا بربِّهم، ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾. يقولُ: وزدناهم إلى إيمانهم بربِّهم إيمانًا وبصيرةً بدينهم، حتى صبروا على هجران دارِ قومِهم، والهرب من بين أظهُرهم بدينهم إلى الله، وفِراقِ ما كانوا فيه من خفض العيش ولينه، إلى خُشونة المُكْثِ في كهف جبلٍ. وقوله: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾. يقولُ عزَّ ذِكْرُه: وألهمناهم الصبر، وشدَدْنا قلوبهم بنور الإيمان، حتى عزَفَت أنفسهم عمَّا كانوا فيه (١) من خفض العَيْشِ. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾. يقولُ: بالإيمان. وقوله: ﴿إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. يقولُ: حين قاموا بين يدى الجبَّارِ دَقيَنوسَ، فقالوا له إذ عاتبهم (٢) على تركهم عبادة (٣) آلهته: ﴿رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. يقولُ: قالوا: ربُّنا مَلِكُ السماواتِ والأرض وما فيهما من شيءٍ، وآلهتُك مربوبةٌ، وغير جائزٍ لنا (٣) أن نَتْرُكَ عبادةَ الربِّ ونعبُدَ المربوبَ، ﴿لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا﴾. يقولُ: لن نَدْعُوَ من دونِ ربِّ السماواتِ والأرض إلها؛ لأنَّه لا إله غيرُه، وأن كلَّ ما دونه فهو خلقه، ﴿لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾. يقول جلَّ ثناؤُه: لكن دعونا إلهًا غير إله السماوات والأرض، لقد قلنا إذن بدعائنا غيره

стр. 10310

إلهًا، شططًا من القول، يعنى غاليًا من الكذب، مجاوِزًا مقداره في البُطُولِ والغُلوِّ، كما قال الشاعرُ (١): ألا يا لَقَوْمى قَدْ أَشَطَّتْ عَوَاذلِى … ويَزعُمْن أَنْ أَوْدَى بِحَقِّي باطِلى يُقالُ منه: قد أَشَطَّ فلانٌ في السَّوْمِ. إذا جاوز القدْرَ وارتفع، يَشِطُّ إِشْطَاطًا وشَطَطًا، فأمّا من البعدِ فإِنما يُقالُ: شَطّ منزل فلانٍ، يَشُطُ شُطُوطًا. ومن الطُّولِ: شَطَّتِ الجاريةُ تَشِطُ شَطاطًا وشِطاطًا (٢)، إذا طالت. وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله: ﴿شَطَطًا﴾. قال أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾. يقولُ: كَذِبًا (٣). حدَّثنا يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾. قال: لقد قلنا إذن خطأ. قال: الشَّطَطُ الخطأُ من القول (٣). القول في تأويل قوله تعالى: ﴿هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (١٥)﴾. يقول عزَّ ذكرُه مخبرًا عن قيل الفتية من أصحاب الكهف: هؤلاء قومنا اتَّخذوا من دونِ اللهِ آلهةً يعبُدونَها من دونِه، ﴿لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾. يقولُ: هلَّا يأتُون على عبادتهم إيَّاها بحُجَّةٍ بيَّنةٍ.

стр. 10311

وفى الكلامِ محذوفٌ اجتُزِئ بما ظهر عمَّا حُذِف، وذلك في قوله: ﴿لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾، فالهاءُ والميمُ في ﴿عَلَيْهِمْ﴾ مِن ذِكْرِ الآلهة، والآلهة لا يُؤتَى عليها بسلطانٍ، ولا يُسأَلُ السلطانُ عليها، وإنما يُسأَلُ عابِدُوها السلطان على عبادتهمُوها، فمعلومٌ إذ كان الأمر كذلك أنّ معنى الكلام: لولا يأتون على عبادتهمُوها، واتخاذهُموها آلهةً من دونِ اللهِ، بسلطانٍ بيِّنٍ. وبنحو ما قلنا في معنى السلطان قال أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾. يقولُ: بعذرٍ بيِّنٍ. وعنى بقوله عزَّ ذِكرُه: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾. ومَن أَشدُّ اعتداءً وإشراكًا بالله ممَّن اختلق، فتخرَّص على الله كذبًا، وأشرَك مع الله في سلطانه شريكًا يَعْبُدُه دونَه، ويَتَّخِذُه إلهًا. القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا (١٦)﴾. يقول تعالى ذكره مخبِرًا عن قيل بعض الفتية لبعضٍ: وإذ (١) اعتَزَلْتُم أَيُّها الفتيةُ قومكم الذين اتَّخذوا مِن دونِ اللَّهِ آلهة، ﴿وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾. يقولُ: وإذ (٢) اعتزلتم قومَكم و (٣) الذين يُعْبَدُون مِن الآلهة سوى الله. فـ "ما" - إذ كان ذلك

стр. 10312

معناه - في موضع نصبٍ، عطفًا لها على الهاء والميم التي في قوله: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ﴾. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾. وهى في مصحفِ عبدِ اللَّهِ: (ومَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ الله)، هذا تفسيرها (١). وأما قوله: ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ﴾، فإنَّه يعنى به: فصيروا إلى غارِ الجبل الذي يسمى بنجلوسَ، ﴿يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾. يقولُ: يَبْسُطُ لكم ربُّكم من رحمته، بتيسيره لكم المخرج من الأمر الذي قد رميتم به من الكافر دقينوس، وطلبه إياكم لعَرْضِكم على الفتنة. وقوله: ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ﴾ جوابٌ لـ "إذ"، كأنَّ معنى الكلام: وإذ اعتزلتم أيُّها القومُ قومَكم، فأوُوا إلى الكهف. كما يقالُ: إِذ أَذْنَبَتَ فاستغفِرِ الله وتُبْ إِلَيْه. وقوله: ﴿وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا﴾. يقولُ: ويُيسِّر لكم من أمركم الذي أنتم فيه من الغَمِّ والكرب، خوفًا منكم على أنفسكم ودينكم، مرفقًا. ويعنى بالمِرفَقِ: ما تَرْتَفِقون به من شيءٍ. وفى المرفق من اليد وغير اليد لغتان؛ كسرُ الميم وفتح الفاءٍ، وفتح الميم وكسرُ الفاء. وكان الكسائيُّ يُنكرُ في مِرْفَقِ الإنسان الذي في

стр. 10313

اليدِ إلا فتح الفاء وكسر الميم. وكان الفرَّاءُ يحكى فيهما - أعنى في مِرفَقِ الأَمْرِ واليد - اللغتين كِلْتَيهما، وكان يُنْشِدُ في ذلك قول الشاعر (١): * بِتُّ أُجَافِى مِرْفَقًا عن مَرْفِقِى* ويقولُ: كسر الميم فيه أجودُ (٢). وكان بعض نحويِّى أهل البصرة يقولُ في قوله: ﴿مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا﴾. شيئًا تَرتَفِقُون به، مثل المقطع، ومَرْفِقًا جعَله اسمًا كالمسجد، ويكونُ لغةً، يقولون: رفق يَرْفُقُ مَرْفِقًا، وإن شئتَ مَرْفَقًا، تريدُ رفقًا، ولم يُقرأْ. وقد اختلفتِ القَرَأَةُ في قراءة ذلك؛ فقرأته عامَّةُ قرأةٍ أهل المدينة: (ويُهَيِّئ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُم مَرْفِقًا) بفتح الميم وكسر الفاء، وقرأته عامة قرأة العراق في المِصْرَينِ: ﴿مِرْفَقًا﴾ بكسر الميم وفتح الفاء (٣). والصواب من القول في ذلك أن يُقالَ: إنَّهما قراءتان بمعنى واحدٍ، قد قرأ بكلِّ واحدةٍ منهما قرأةٌ من أهل القرآن، فبأيَّتهما قرأ القارئُ فمُصِيبٌ، غير أن الأمر وإن كان كذلك، فإنَّ الذي أختارُ في قراءة ذلك: ﴿وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا﴾. بكسر الميم وفتح الفاء؛ لأن ذلك أفصحُ اللغتين وأشهرُهما في العرب، وكذلك ذلك في كلِّ ما ارتُفِق به من شيءٍ (٤). القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ

стр. 10314

عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا (١٧)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ﴾ يا محمدُ، ﴿إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ﴾. يعنى بقولِه: ﴿تَزَاوَرُ﴾. تعدِلُ وتميلُ، من الزَّورِ، وهو العِوَجُ والمَيلُ؛ يُقالُ منه: في هذه الأرضِ زَوَرٌ. إذا كان فيها اعوجاجٌ، و: في فلانٍ: عن فلانٍ ازْوِرارٌ. إذا كان فيه عنه إعراضٌ؛ ومنه قولُ بشرِ بن أبي خازمٍ (١): تَؤُمُ بِها الحُدَاةُ مِياهَ نَخْلٍ … وَفِيها عَنْ أَبانَيْنِ (٢) ازْوِرَارُ يعنى: إعراضًا وصدًّا. وقد اختلَفتِ القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ المدينةِ ومكةَ والبصرةِ: (تَزَّاوَرُ) بتشديدِ الزاي (٣)؛ بمعنى: تتزاورُ، بتاءين، ثم أدغَم إحدى التاءين في الزَّاي، كما قيل: (تظَّاهَرُون عليهم) [البقرة: ٨٥]. وقرَأ ذلك عامةُ قرَأةِ [أهلِ الكوفةِ] (٤): ﴿تَزَاوَرُ﴾ بتخفيفِ التاءِ والزاى (٥)، كأَنَّه عنَى به: "تفاعل" من الزَّوَرِ. وقد رُوى عن بعضِهم: (تَزْوَرُّ)، بتخفيفِ التاءِ وتسكينِ الزّاى وتشديدِ الراءِ (٦)،

стр. 10315

مثلَ: تَحمَرُّ، وبعضِهم: (تَزْوَارُّ) مثلَ تحمارُّ (١). والصوابُ من القولِ في قراءةِ ذلك عندَنا أن يُقالَ: إنهما قراءتان - أعنى ﴿تَزَاوَرُ﴾ بتخفيفِ الزَّاي، و (تَزَّاوَرُ) بتشديدِها - معروفتان، مستفيضةٌ القراءةُ بكلِّ واحدةٍ منهما في قرأةِ الأمصارِ، متقاربتا المَعْنى، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمُصِيبٌ الصوابَ. وأما القراءتان الأخريان فإنَّهما قراءتان لا أرى القراءةَ بهما، وإن كان لهما في العربيةِ وجهٌ مفهومٌ؛ لشذوذِهما عمَّا عليه قرأةُ الأمصارِ (٢). وبنحو الذي قُلنا في تأويلِ قولِه: ﴿تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ﴾. قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، قال: ثنا محمدُ بنُ أبى الوضَّاحِ، عن سالمٍ الأفْطَسِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ﴾. قال: تميلُ (٣). حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ الله، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ﴾. يقولُ: تميلُ عنهم (٤). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾. يقولُ: تميلُ عن كهفِهم يمينًا وشمالًا.

стр. 10316

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ﴾. يقولُ: تميلُ ذاتَ اليمينِ، تدَعُهم ذاتَ اليمين. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزّاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ﴾. قال: تميلُ عن كهفِهم ذاتَ اليمينِ (١). حُدِّثتُ عن يزيدَ بن هارونَ، عن سفيانَ بن حسينٍ، عن يَعلَى بن مسلمٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: لو أن الشمسَ تطلُعُ عليهم لأحرَقَتْهم، ولو أنهم لا يُقلَّبون (٢) لأكَلَتْهم الأرضُ. قال: وذلك قولُه: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾ (٣). حدَّثني محمدُ بنُ سنانٍ القزّازُ، قال: ثنا موسى بنُ إسماعيلَ، قال: ثنا محمدُ بنُ مسلمِ بن (٤) أبى الوضَّاحِ، عن سالمٍ الأفطَسِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: ﴿تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ﴾. قال (٥): تميلُ (٦). وقولُه: ﴿وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وإذا غرَبتِ الشمسُ تتركُهم من ذاتِ شمالِهم. وإنما معنى الكلامِ: وترَى الشمسَ إذا

стр. 10317

طلَعت تعدِلُ عن كهفِهم، فتطلُعُ عليه (١) من ذاتِ اليمينِ، لئلَّا تصيبَ الفِتيةَ؛ لأنها لو طلَعت عليهم قُبَالَتَهم لأحرَقتهم وثيابَهم، أو (٢) أشحَبَتهم. وإذا غرَبت تتركُهم بذاتِ الشمالِ، فلا تصيبُهم؛ يُقالُ منه: قرَضتُ موضِعَ كذا. إذا قطَعتَه فجاوزتَه، وكذلك كان يقولُ بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ من أهلِ البصرةِ. وأما الكوفيّون فإنهم يزعُمون أنه المحاذاةُ، وذكَروا أنَّهم سمِعوا من العربِ: قرَضتُه قُبُلًا ودُبُرًا، وحذوتُه ذاتَ اليمينِ وذاتَ الشِّمالِ، وقُبُلًا ودُبُرًا. أي كنتُ بحِذائِه. قالوا: والقرْضُ والحَذْوُ بمعنًى واحدٍ. وأصلُ القرْضِ: القَطْعُ. يُقالُ منه: قرَضتُ الثوبَ. إذا قطَعتَه. ومنه قيل للمِقْراضِ مِقراضٌ؛ لأنه يَقْطَعُ. ومنه: قرَض الفأرُ الثوبَ. ومنه قولُ ذي الرُّمَّةِ (٣): إلى ظُعُنٍ يَقرِضُنَ أجْوازَ مُشرِفِ … شِمالًا وعن أيمانهنَّ الفَوارِسُ يعنى بقولِه: يَقْرِضَنَ: يَقْطَعْنَ. وبنحوِ ما قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾. يقولُ: تذَرُهم (٤). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا محمدُ بنُ أبي الوضَّاحِ، عن

стр. 10318

سالم الأفطَسِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: ﴿وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ﴾: تترُكُهم ذاتَ الشِّمالِ. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى. وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ : ﴿تَقْرِضُهُمْ﴾. قال: تترُكُهم (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾. يقولُ: تدَعُهم ذاتَ الشِّمالِ. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾. قال: تَدَعُهم ذاتَ الشِّمالِ (٢). حدَّثنا ابن سنانٍ القزّازُ، قال: ثنا موسى بنُ إسماعيلَ، قال: ثنا محمدُ بنُ مسلمِ بن أبي الوضَّاحِ، عن سالمٍ الأفطسِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ﴾. قال: تترُكُهم. وقولُه: ﴿وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ﴾. يقولُ: والفِتيةُ الذين أَوَوْا إليه في متَّسْعٍ منه. يُجمَعُ فَجَوَاتٍ، وفِجَاءً، ممدودًا. وبنحو الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

стр. 10319

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ﴾. يقولُ: في فضاءٍ من الكهفِ، قال الله: ﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾. حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا محمدُ بنُ أبي الوضَّاحِ، عن سالمٍ الأفطَسِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ﴾. قال: المكانُ الداخلُ. حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ﴾. قال: المكانُ الذاهبُ (١). حدَّثنا ابن سنانٍ (٢)، قال: ثنا موسى بنُ إسماعيلَ، قال: ثنا محمدُ بنُ مسلمٍ أبو سعيدِ بنُ أبي الوضَّاحِ، عن سالمٍ الأفطَسِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ﴾، قال: في مكانٍ داخلٍ (٣). وقولُه: ﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾. يقولُ عزَّ ذكرُه: فِعْلُنا هذا الذي فعَلنا بهؤلاء الفِتيةِ الذين قصَصْنا عليكم أمرَهم من تصيِيرِناهم، إذ أَرَدْنا أَن نَضْرِبَ على آذانِهم بحيثُ تزَاوَرُ الشمسُ عن مضاجِعِهم ذاتَ اليمينِ إذا هي طلَعت، وتقرِضُهم ذاتَ الشِّمالِ إذا هي غَرَبت، مع كونِهم في المتَّسَع من المكانِ، حيثُ (٤) لا تَحرِقُهم الشمسُ فتُشْحِبَهم، ولا تَبْلَى على طولِ رقْدَتِهم ثيابُهم، فتعفَنَ على أجسادِهم (٥) -

стр. 10320

من حُجَحِ اللَّهِ وأدلتِه (١) على خلقِه، والأدلِة التي يستدِلُّ بها أولو الألبابِ على عظيمِ قدرتِه وسلطانِه، وأنه لا يُعجزُه شيءٌ أرادَه. وقولُه: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾. يقولُ : مَن يوفِّقْه الله للاهتداءِ بآياتِه وحُجَجِه إلى الحقِّ الذي (٢) جعَلها أدلةً عليه ﴿فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾. يقولُ: فهو الذي قد أصاب سبيلَ الحقِّ، ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ﴾. يقولُ: ومَن أضَلَّه الله عن آياتِه وأدلتِه، فلم يوفِّقْه للاستدلالِ بها على سبيلِ الرشادِ، ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾. يقولُ: فلن تجِدَ له يا محمدُ خليلًا وحليفًا يُرشدُه لإصابتِها؛ لأن التَّوفيقَ والخذْلانَ بيدِ الله، يوفِّقُ مَن يشاءُ من عبادِه، ويَخذُلُ مَن أرادَ. يقولُ: فلا يَحزُنْك إدبارُ من أدبرَ عنك من قومِك وتكذيبُهم إيَّاكَ (٣)، فإني لو شئتُ هدَيتُهم فَآمَنوا، وبيدى الهِدايةُ والضَّلالُ (٤). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا (١٨)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : وتحسَبُ يا محمدُ هؤلاء الفِتيةَ الذين قصَصْنا عليك قصَّتَهم، لو رأيتَهم في حالِ ضَرْبِنا على آذانِهم في كهفِهم الذي أوَوْا إليه - أيقاظًا. والأيقاظُ: جمعُ يَقِظٍ، ومنه قولُ الراجزِ (٥):

стр. 10321

ووجَدوا إخْوتَهم أيْقاظا وسَيْفَ غَيَّاظٍ لهم غَيَّاظا وقولُه: ﴿وَهُمْ رُقُودٌ﴾. يقولُ: وهم نِيامٌ. والرُّقودُ: جمعُ راقدٍ، [كما الجُلوسُ] (١) جمعُ جالسٍ، والقُعودُ جمعُ قاعِدٍ. وقولُه: ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: ونقلِّبُ هؤلاء الفتيةَ في رقْدَتِهم مرَّةً للجنبِ الأيمنِ، ومرَّةً للجنبِ الأيْسَرِ. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾: وهذا التَّقلِيبُ في رقْدَتِهم الأُولى (٢). قال: وذُكِر لنا أن أبا عِياضٍ قال: لهم في كلِّ عامٍ تقلِيبَتانِ (٣). حُدِّثتُ عن يزيدَ، قال: أخبَرنا سفيانُ بنُ حسينٍ، عن يَعْلَى بن مسلمٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾. قال: لو أنهم لا يُقلَّبون لأَكَلتْهم الأرضُ (٤). وقولُه: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾. اختلَف أهلُ التأويل في الذي عنَى الله بقولِه: ﴿وَكَلْبُهُمْ﴾؛ فقال بعضُهم: هو كلبٌ من كلابِهم كان معهم. وقد ذكَرْنا كثيرًا ممَّن قال ذلك فيما مضَى. وقال بعضُهم: كان إنسانًا (٥) مِن الناسِ

стр. 10322

طبَّاخًا لهم تَبِعهم (١). وأما الوصيدُ، فإن أهلَ التأويلِ اختلَفوا في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: هو الفِناءُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿بِالْوَصِيدِ﴾. يقولُ: بالفِناءِ (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهدِيٍّ، قال: ثنا محمدُ بنُ أبى الوضَّاحِ، عن سالمٍ الأفطسِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾. قال: بالفِناءِ (٣). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿بِالْوَصِيدِ﴾. قال: بالفِناءِ (٤). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿بِالْوَصِيدِ﴾. قال: بالفِناءِ. قال ابن جريجٍ: يُمسِكُ بابَ الكهفِ (٥).

стр. 10323

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾. يقولُ: بفِناءِ الكهفِ (١). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿بِالْوَصِيدِ﴾. قال: فناءُ (٢) الكهف (٣). حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿بِالْوَصِيدِ﴾. قال: يعنى بالفِناءِ (٤). وقال آخرون: الوَصِيدُ الصَّعيدُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾. يعني فِناءَهم، ويُقالُ: الوَصيدُ الصَّعيدُ. حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن هارونَ بن (٥) عنترةَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾. قال: بالصَّعِيدِ (٦). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا الحكمُ بنُ بَشيرٍ، عن عمرٍو في قولِه: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾. قال: الوَصيدُ الصَّعيدُ؛ التُّرابُ.

стр. 10324

وقال آخرون: الوَصيدُ البابُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني زكريا بنُ يحيى بن أبى زائدةَ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن شبيبٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾. قال: بالبابِ، وقالوا: بالفناءِ (١). وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: الوَصيدُ البابُ، أو فناءُ البابِ حيثُ يُغلَقُ البابُ. وذلك أن البابَ يُوصَدُ، وإيصادُه إطباقُه وإغْلاقُه، من قولِ الله : ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ [الهمزة: ٨]. وفيه لُغَتَانِ: الأَصِيدُ، وهى لغةُ أهل نجدٍ. والوَصيدُ، وهى لغةُ أهلِ تهامةَ. وذُكِر عن أبي عمرِو بن العلاءِ، قال: إنها لغةُ أهلِ اليمنِ. وذلك نَظيرُ قولِهم: ورَّختُ الكتابَ وأَرَّخْتُه، ووكَّدتُ الأمرَ وأكَّدتُه (٢). فمَن قال: الوَصيدُ. قال: أوصدتُ البابَ، فأنا أُوصِدُه، وهو مُوصَدٌ. ومَن قال: الأَصِيدُ. قال: آصَدتُ البابَ، فهو مُؤْصَدٌ. فكأن معني الكلامِ: وكلبُهم باسطٌ ذراعَيْه بفِناءِ كهفِهم عندَ البابِ، يحفَظُ عليهم بابَه. وقولُه: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا﴾. يقولُ: لو اطَّلَعتَ عليهم في رَقْدَتِهم التي رَقَدوها في كهفِهم، لأدْبَرتَ عنهم هارِبًا مِنهم فارًّا، ﴿وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾. يقولُ: ولمُلِئَتْ نفسُك اطِّلاعِك عليهم فَرَعًا؛ لِما كان اللَّهُ ألبَسَهم من الهَيْبَةِ؛ [كي لا] (٣) يصلَ إليهم واصِلٌ، ولا تَلْمِسَهم يدُ لامِسٍ، حتى يبلُغَ

стр. 10325

الكتابُ فيهم أجله، ويوقظهم من رقدتهم قدرتهُ وسلطانُه في الوقت الذي أراد أن يجعَلَهم عبرةً لمن شاء من خلقه، وآيةٌ لمن أراد الاحتجاج بهم عليه من عباده؛ ﴿لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ [الكهف: ٢١]. واختلفت القرأةُ في قراءة قوله: ﴿وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾؛ فقرَأَتُه عامةُ قَرَأَةِ المدينة بتشديد اللام من قوله: (ولَمُلِّئتَ). بمعنى أنه كان يمتَلئُ مرَّةً بعد مرَّةٍ. وقرأ ذلك عامةُ قَرَأةِ العراقِ: ﴿وَلَمُلِئْتَ﴾. بالتخفيف، بمعنى: لمُلِئتَ مرَّةً (١). وهما عندنا قراءتان مُستفيضتان في القراءةِ، مُتقارِبتا المعنى، فبأيَّتِهما قرأ القارئُ فمُصِيبٌ. القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (١٩) إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا (٢٠)﴾. يقول تعالى ذكره: كما أرْقَدْنا هؤلاء الفتية في الكهف، فحفظناهم من وُصول واصل إليهم، وعين ناظرٍ أن يَنْظُرَ إليهم، وحفظنا أجسامهم من البلى (٢) على طُولِ الزمانِ، وثيابهم من العفَنِ على مرِّ الأيام بقُدرتنا، فكذلك بعثناهم من رقدتهم، وأيقظناهم من نومهم (٣)؛ لنُعرِّفَهم عظيم سُلطاننا، وعجيب فعلنا في

стр. 10326

خلقنا، وليزدادُوا بصيرةً في أمرهم الذي هم عليه؛ من براءتهم من عبادة الآلهة، وإخلاصهم [العبادة لله] (١) وحده لا شريك له، إذا تبيَّنوا طولَ مَرِّ (٢) الزمانِ عليهم، وهم بهيئتهم حين رقدوا. وقولُه: ﴿لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ﴾. يقولُ: ليسأل بعضُهم بعضًا، ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ﴾. يقولُ عزّ ذكرُه: فتساءلوا فقال قائلٌ منهم لأصحابه: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ﴾؟ وذلك أنَّهم استنْكَروا مِن أنفسهم طول رقدتهم، ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾. يقولُ: فأجابه الآخرون فقالوا: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾. ظنًّا منهم أن ذلك كذلك كان، فقال الآخرون: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ﴾. فسلَّموا العلم إلى اللهِ. وقوله: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾. يعنى مدينتهم التي خرجوا منها هرابًا، التي تُسمَّى أُفْسُوس (٣)، ﴿فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾. ذُكر أنَّهم بعثوا (٤) من رقدتهم جِياعًا، فلذلك طلبوا الطعام. ذكرُ مَن قال ذلك، وذكرُ السبب الذي أجلِه ذُكر أنهم بُعثوا من رقدتهم حين بُعثوا منها حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمرٌ، قال:

стр. 10327

أخبرني إسماعيلُ بن شَرُوسٍ (١)، أنه سمع وهب بن مُنبهٍ يقولُ: إنهم عبروا - يعنى الفتية من أصحاب الكهف - بعد ما بُنى عليهم باب الكهف زمانًا بعد زمانٍ، ثم إِنَّ راعيًا أدْرَكه المطرُ عندَ الكهف، فقال: لو فتحتُ هذا الكهف وأدخَلْتُه (٢) غنمى من المطر. فلم يزَلْ يُعالجُه حتى فتح ما أُدخل (٣) فيه، ورَدَّ الله (٤) إليهم أرواحهم في أجسامهم من الغد حين أصبحوا، فبعثوا أحدهم بوَرِقٍ يشترى لهم (٥) طعامًا، فكلما (٦) أتى باب مدينتهم، رأى شيئًا يُنكرُه، حتى دخل على رجلٍ فقال: يعنى بهذه الدراهم طعامًا. فقال: ومن أين لك هذه الدراهمُ؟ قال: خرَجْتُ (٧) وأصحابٌ لى أمسِ، فآوانا الليلُ، ثم أصبحوا فأرسلونى. فقال: هذه الدراهمُ كانت على عهد الملك (٨). فلانٍ، فأنَّى لك بها؟ فرفعه إلى الملك، وكان ملكًا صالحًا، فقال: من أين لك هذه الوَرِقُ؟ قال: خرَجْتُ أنا وأصحابٌ لى أمس، حتى أدركنا الليلُ في كهف كذا وكذا، ثم أمرونى أن أشترى لهم طعامًا. قال: وأين أصحابك؟ قال: في الكهف. قال: فانطلقوا (٩) معه حتى أَتَوْا بابَ الكهف، فقال: دعُونى أدخُلْ على أصحابى قبلكم. فلما رأَوه ودنا منهم، ضُرب على أُذنه وآذانهم، فجعلوا كلما دخل رجلٌ أُرْعِب، فلم يَقْدِروا على أن يَدخُلوا إليهم (١٠)، فبنوا عندهم كنيسةً،

стр. 10328

واتَّخذوها مسجِدًا يُصلُّون فيه (١). حدَّثنا الحسن بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة، عن عكرمة، قال: كان أصحابُ الكهف أبناء ملوك الروم، رزَقهم الله الإسلام، فتعوَّذوا بدينِهم، واعتزلوا قومهم، حتى انتهَوا إلى الكهف، فضرب اللَّهُ على سُمْخانِهم (٢) فلبثوا دهرًا طويلًا، حتى هلكت أُمتُهم، وجاءت أُمةٌ مسلمةٌ، وكان ملكُهم مسلمًا، فاختلفوا في الروح والجسد؛ فقال قائلٌ: تُبعثُ الروحُ والجسدُ جميعًا. وقال قائلٌ: تُبعثُ الروحُ، فأما الجسدُ فتأكلُه الأرضُ فلا يكون شيئًا. فشقَّ على ملكهم اختلافُهم، فانطلق فليس المُسُوحَ، وجلس على الرَّمادِ، ثم دعا الله تعالى فقال: أي ربِّ، قد تَرى اختلاف هؤلاء، فابعث لهم آيةٌ تُبَيِّنْ لهم. فبعث الله أصحاب الكهف، فبعثوا أحدهم يشترى لهم طعامًا، فدخل السوق، فجعل يُنكرُ الوُجوهَ، ويُعرفُ الطُّرق، ويرى الإيمان بالمدينة ظاهرًا، فانطلق وهو مُستَخْفٍ، حتى أتى رجلًا يشترى منه طعامًا، فلما نظر الرجلُ إلى الوَرِقِ أَنكرها. قال: حسِبتُ أنه قال: كأَنَّها أخفافُ الرُّبَعِ - يعنى الإبل الصِّغار - فقال له الفتى: أليس ملككم فلانٌ (٣)؟ قال: بل مَلِكُنا فلانٌ. فلم يزَلْ ذلك بينهما حتى رفعه إلى الملكِ، فسأله، فأخبره الفتى خبر أصحابه، فبعث الملكُ في الناس فجمعهم، فقال: إنَّكم قد اختلَفْتُم في الرُّوح والجسد، وإنَّ الله قد بعث لكم آية؛ فهذا رجلٌ من قوم فلانٍ.

стр. 10329

يعنى ملكهم الذي مضى، فقال الفتى: انطلقوا بى إلى أصحابى. فركب الملكُ، وركب معه الناسُ، حتى انتهى (١) إلى الكهفِ، فقال الفتى: دعونى أدخُلْ إلى أصحابى. فلمّا أبْصَرهم ضرب الله (٢) على أُذنِه وعلى آذانهم، فلما استبطئوه دخل الملك، ودخل الناس معه، فإذا أجسادٌ لا يُنكرون منها شيئًا، غير أنَّها لا أرواح فيها، فقال الملكُ: هذه آيةٌ بعثها الله لكم. قال قتادة: [وغزا ابن عباسٍ] (٣) مع حبيب بن مَسلَمةَ، فمرُّوا بالكهفِ، فإذا فيه عظامٌ، فقال رجلٌ: هذه عظامُ أصحاب الكهف. فقال ابن عباسٍ: لقد ذهبت عظامُهم منذ أكثر من ثلاثمائة سنةٍ (٤). حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاق فيما ذكر من حديث أصحاب الكهف، قال: ثم ملك أهل تلك البلادِ رجلٌ صالحٌ، يقال له: تيذوسيسُ (٥). فلمّا ملك بقى في (٦) ملكه ثمانيًا وستِّين سنةً، فتحزَّب الناسُ في ملكه، فكانوا أحزابًا، فمنهم من يُؤْمِنُ بالله ويعلَمُ أنَّ الساعةَ حقٌّ، ومنهم من يُكذِّبُ بها (٦)، فكبُر ذلك على الملك الصالح تيذوسيس، وبكى إلى الله وتضرَّع إليه، وحزن حزنًا شديدًا لما رأى أهل الباطل يزيدون ويظهرون على أهل الحقِّ ويقولون: لا حياة إلا الحياةُ الدُّنيا، وإنما تُبعثُ النُّفوسُ، ولا تُبعثُ الأجسادُ. ونسُوا ما في الكتاب، فجعل تيذوسيسُ يُرسل إلى من يظُنُّ فيه خيرًا، وأنَّهم أئمةٌ في الحقِّ، فجعلوا يُكَذِّبون (٧) بالساعة، حتى كادوا أن يُحوِّلوا الناس عن الحقِّ وملة الحواريين، فلمّا رَأى ذلك الملكُ

стр. 10330

الصالح تيذوسيسُ، دخل بيته فأغلقه عليه، ولبس مِسْحًا، وجعل تحته رمادًا، ثم جلس عليه، فدأب ذلك ليله ونهاره زمانًا يتضرع إلى الله، ويَبْكى إليه مما يرى فيه الناسَ، ثم إنَّ الرحمن الرحيم الذي يكره هلكة العبادِ، أراد أن يُظْهِرَ على الفتية أصحاب الكهف، ويبيِّن للناس شأنهم، ويجعلهم آيةً لهم، وحُجةً عليهم؛ ليعلموا أن الساعة آتيةٌ لا ريب فيها، وأن يستجيب لعبده الصالح تيذوسيسَ، ويتمَّ نعمته عليه، فلا يَنْزِعَ منه ملكه، ولا الإيمان الذي أعطاه، وأن يَعْبُدَ اللَّهَ لا يُشْرِكُ به شيئًا، وأن يَجْمَعَ مَن كان تبدَّدَ من المؤمِنين؛ فأَلْقَى اللَّهُ في نفسِ رجلٍ من أهل ذلك البلد الذي به الكهف - وكان الجبل بنجلوس الذي فيه الكهف لذلك الرجل، وكان اسمُ ذلك الرجلِ أولياس - أن يَهْدِمَ البنيان الذي على فم الكهف. فيبني به حظيرةً لغنمه، فاستأجر عامِلَين، فجعَلا يَنزِعان تلك الحجارة، ويبنيان بها تلك الحظيرة، حتى نزعا ما على فم الكهف، حتى فتحا باب الكهف، وحجَبَهم الله من الناس بالرُّعب، فَيَزْعُمون أن أشجَعَ من يُريدُ أن ينظُرَ إليهم [غايةَ ما يُمكنه] (١) أن يَدْخُلَ من باب الكهف، ثم يتقدَّمَ حتى يرى كلبهم دونَهم إلى بابِ الكهف نائمًا، فلما نزعا الحجارة وفتحا (٢) بابَ الكهف، أذن الله ذو القدرة والعظمة والسلطان محيى الموتى للفتية أن يجلسوا بين ظهرى الكهف، فجلسوا فرحين، مُسْفِرةً وجوههم، طيِّبةً أنفسهم، فسلم بعضُهم على بعضٍ، حتى كأَنَّما استَيْقَظوا من ساعتهم التي كانوا يستيقظون لها إذا أصبحوا من ليلتهم التي يبيتُون فيها، ثم قاموا إلى الصلاة فصلوا كالذى كانوا يفعلون، لا يَرون ولا يُرى في وجوههم ولا أبشارهم ولا ألوانهم شيءٌ يُنكرونه، كهيئتهم (٣) حين رقدوا بعشيٍّ أمسٍ، وهم يرون أن ملِكَهم
следующие страницы →