وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال كما قال الله عزَّ ذكرُه: ولبث أصحابُ الكهف في كهفهم رُقودًا إلى أن بعثهم الله ليتسَاءَلُوا بينهم، وإلى أنْ أعْثَر عليهم من أعْثَر، ثلاثمائة سنين (١) وتسع سنين، وذلك أنَّ الله بذلك أخبر في كتابه. وأما الذي ذكر عن ابن مسعودٍ أنه قرأه: (وقَالُوا ولبثوا في كَهْفِهِم). وقولُ من قال: ذلك من قول أهل الكتاب، وقد رَدَّ اللهُ ذلك عليهم. فإنَّ معناهم (٢) في ذلك، إن إِنَّ شاء الله، كان أن أهل الكتاب قالوا فيما ذُكر، على عهد رسول الله ﷺ : إنَّ للفتية مِن لَدُنْ دخلوا الكهف إلى يومنا ثلاثمائةٍ سنين وتسع سنين. فردَّ اللهُ ذلك عليهم، وأخبر نبيَّه أنَّ ذلك قدر لُبثهم في الكهف من لَدُنْ أوَوْا إليه (٣) إلى أن بعثهم ليتساءلوا بينهم. ثم قال جلَّ ثناؤُه لنبيِّه ﷺ : قل يا محمدُ: الله أعلمُ بما لبثوا بعد أن قبض أرواحهم، من بعد أن بعثهم من رقْدَتِهم إلى يومهم هذا، لا يعلمُ ذلك (٤) غيرُ الله، وغيرُ مَن أعلمه الله ذلك.
فإن قال قائلٌ: وما يدلُّ على أن ذلك كذلك؟
قيل: الدالُّ على ذلك أنَّه جلَّ ثناؤُه ابتدأ الخبر عن قدر لُبثِهم في كهفهم ابتداءً، فقال: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾. ولم يَضَعْ دليلًا على أنَّ ذلك خبرٌ منه عن قول (٥) قوم قالوه، وغيرُ جائزٍ أن يُضاف خبرُه عن شيءٍ إلى أنه خبرٌ عن (٦) غيره بغيرِ بُرهان؛ لأنَّ ذلك لو جاز [في شيء] (٧)، جاز في
стр. 10362
كلِّ أخباره، وإذا جاز ذلك في أخباره، جاز في أخبار غيره أن يُضاف إليه أنَّها أخْبارُه، وذلك قلبُ أعيانِ الحقائق وما لا يُخيَّلُ فسادُه.
فإن ظنَّ ظانٌّ أن قوله: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾. دليلٌ على أنَّ قولَه: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ﴾. خبرٌ منه عن قوم قالوه، فإنَّ ذلك كان يجبُ أن يكونَ كذلك لو كان لا يَحْتَمِلُ مِن التأويل غيره، فأمَّا وهو محتملٌ ما قلنا من أن يكونَ معناه: قل الله أعلمُ بما لبثوا إلى يوم أنزَلْنا هذه السورة. وما أشبه ذلك من المعانى، فغيرُ واجبٍ أن يكونَ ذلك دليلًا على أن قوله: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ﴾. خبرٌ من الله عن قومٍ قالوه، وإذا لم يكن دليلًا على ذلك، ولم يأتِ خبرٌ بأنَّ قوله: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ﴾. خبرٌ من الله عن قوم قالوه، ولا قامت بصحة ذلك حجةٌ يجبُ التسليم لها - صحَّ ما قلنا، وفسد ما خالفه.
واختلفتِ القرَأَةُ في قراءة قوله: ﴿ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ﴾؛ فقرأت ذلك عامةُ قرَأةِ المدينة والبصرة وبعضُ الكوفيين: ﴿ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ﴾. بتنوينِ ﴿ثَلَاثَ مِائَةٍ﴾. بمعنى: ولبثوا في كهفهم سنين ثلاثمائةٍ (١).
وقرأته عامةُ قرأة أهل الكوفة: (ثَلاثَمائِةِ سِنِينَ). بإضافة (ثلاثمائة) إلى "السنين"، [غير منوَّنٍ] (٢).
وأولى القراءتين في ذلك عندى بالصواب (٣) قراءةُ مَن قرأه: ﴿ثَلَاثَ مِائَةٍ﴾. بالتنوين، ﴿سِنِينَ﴾. وذلك أن العرب إنما تُضيف المائة إلى ما يفسِّرها إذا جاء تفسيرُها بلفظ الواحد، وذلك كقولهم: عندى (٤) ثلاثُمائة درهمٍ، وعندى مائةُ
стр. 10363
دينارٍ. لأن المائة والألف عددٌ كثيرٌ، والعربُ لا تفسِّر ذلك إلَّا بما كان بمعناه في كثرة العددِ، والواحدُ يُؤدِّى عن الجنسِ، وليس ذلك للقليل (١) من العددِ، وإن كانت العربُ ربَّما وضعت الجمع القليل موضعَ الكثير، وليس ذلك بالكثير، وأما إذا جاء تفسيرها بلفظ الجميع (٢)، فإنَّها تنوِّنُ، فتقولُ: عندى ألفٌ دراهم، وعندى مائةٌ دنانير. على ما قد وصفتُ.
وقوله: ﴿لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. يقولُ تعالى ذكره: للَّهِ علمُ غيبِ السماوات والأرض [وملكه] (٣)، لا يعزُبُ عنه علمُ شيءٍ منه، ولا يَخْفَى عليه شيءٌ. يقولُ: فسلموا له علم مبلغ ما لبثت الفتيةُ في الكهف إلى يومكم هذا، فإنَّ ذلك لا يعلمُه سوى الذي يعلَمُ غيب السماواتِ والأرضِ، وليس ذلك إلا الله الواحدُ القهارُ.
وقوله: ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾. يقول: أبصر بالله وأسْمِعْ. وذلك بمعنى المبالغة في المدحِ، كأنه قيل: ما أبصره وأسمعه.
وتأويل الكلام: ما أبصر الله لكلِّ موجودٍ، وأسمعه لكلِّ مسموع، لا يخفى عليه من ذلك شيءٌ.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾: فلا أحد أبصرُ من الله، ولا أسمعُ، ﵎ (٤).
حدَّثنا يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿أَبْصِرْ
стр. 10364
بِهِ وَأَسْمِعْ﴾. قال: يرى أعمالهم، ويسمعُ ذلك منهم، سميعًا بصيرًا (١).
وقوله: ﴿مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾. يقولُ جلّ ثناؤه: ما لخلقه دونَ ربَّهم الذي خلقهم وليٌّ يلى أمرهم وتدبيرهم، وصرفهم فيما هم فيه مصرَّفون، ﴿وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾. يقولُ: ولا يَجْعَلُ اللَّهُ في قضائه وحكمه في خلقه أحدًا سواه، شريكًا، بل هو المنفرد (٢) بالحكم والقضاء فىهم، وبتدبيرهم وتصريفهم فىما شاء وأحبَّ.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٧)﴾.
يقول تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ: واتَّبع يا محمدُ ما أُنزل إليك من كتاب ربِّك هذا، ولا تترُكَنَّ تلاوته واتِّباع ما فيه من أمر الله ونهيه، والعمل بحلاله وحرامه، فتكونَ من الهالكين، وذلك أنَّ مصير مَن خالفه، وترك اتَّباعَه يومَ القيامة إلى جهنم، ﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾. يقولُ: لا مغيِّر لما أوعد بكلماته التي أنزَلها عليك، أهلَ معاصيه، والعاملين بخلاف هذا الكتاب الذي أوحيناه إليك.
وقوله: ﴿وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾. يقولُ: وإن أنت يا محمدُ لم تَتْلُ ما أُوحى إليك من كتاب ربِّك فتتبعه وتأتمَّ به، فنالك وعيدُ (٣) الله الذي أوعد فيه المخالفين حُدوده، لن تجد من دونِ اللهِ موئلًا تَئِلُ إليه، ومَعدِلًا تعدلُ عنه إليه؛ لأنَّ قدرة الله محيطةٌ بك وبجميع خلقه، لا يقدِرُ أحدٌ منهم على الهرب من أمرٍ أراده
стр. 10365
به.
وبنحو الذي قلنا في معنى قوله: ﴿مُلْتَحَدًا﴾. قال أهلُ التأويل وإن اختلفت ألفاظُهم في البيان عنه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمد بن بشارٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن سفيان، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿مُلْتَحَدًا﴾. قال: مَلْجَأً.
حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مُلْتَحَدًا﴾. قال: ملجأً (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثله.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾. قال: [ملجأ ولا] (٢) موئلًا.
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة في قوله: ﴿مُلْتَحَدًا﴾. قال: ملجأً (٣).
стр. 10366
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾. قال: لا يجدون ملتحدًا يَلْتحدونه، ولا يجدون من دونه ملجأً ولا أحدًا يمنعُهم.
و"الملتحدُ" إنما هو "المفتعلُ" من "اللحدِ"، يقالُ منه: لحَدْتُ إلى كذا. إذا ملت إليه. ومنه قيل للَّحد: لحدٌ، لأنَّه في ناحيةٍ من القبر، وليس بالشَّقِّ الذي في وسطه، ومنه الإلحادُ في الدين، وهو المعاندةُ بالعُدول عنه والتَّرْكِ له.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾.
يقول تعالى ذكره لنبيِّه محمدٍ ﷺ : ﴿وَاصْبِرْ﴾ يا محمد ﴿نَفْسَكَ مَعَ﴾ أصحابك ﴿الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ بذكرهم إياه بالتسبيح والتحميد والتهليل والدعاء والأعمال الصالحة؛ من الصلوات المفروضة وغيرها، ﴿يُرِيدُونَ﴾ بفعلهم ذلك ﴿وَجْهَهُ﴾ لا يُريدون به (١) عرضًا من عرض الدنيا.
وقد ذكرنا اختلاف المختلفين في قوله: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾. في سورة "الأنعام"، والصواب من القول في ذلك عندنا، [فأغنى ذلك] (٢) عن إعادته في هذا الموضع (٣).
والقرأةُ على قراءة ذلك: ﴿بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾. وقد ذُكر عن عبدِ اللَّهِ بن
стр. 10367
عامرٍ وأبى عبدِ الرحمنِ السُّلَميِّ أنَّهما كانا يقرأانِه: (بالغُدْوةِ والعشيِّ) (١). وذلك قراءة عند أهل العلم بالعربية مكروهةٌ؛ لأن "غُدْوةً" مَعْرِفةٌ، ولا ألفَ ولا لامَ فىها، وإنما يُعرفُ بالألف واللام ما لم يكن معرفةً، فأما المعارفُ فلا تُعرَّفُ بهما.
وبعدُ، فإِنَّ "غُدْوَةً" لا تُضافُ إلى شيءٍ، وامتناعُها من الإضافة دليلٌ واضحٌ على امتناع الألف واللام من الدُّخول عليها؛ لأنَّ ما دخلته الألفُ واللامُ من الأسماءِ صلحت فيه الإضافةُ، وإنما تقولُ العرب: أتيتُك غَداةَ الجمُعةِ. ولا تقولُ: أتيتُك غُدوة الجمعة.
والقراءة عندنا في ذلك ما عليه القرأةُ في الأمصار، لا نَسْتجِيزُ غيرَها؛ لإجماعها على ذلك، وللعلة التي بيَّنا من جهة العربية (٢).
وقوله: ﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾. يقولُ جلُّ ثناؤه لنبيِّه ﷺ : ولا تَصْرِفْ عيناك عن هؤلاء الذين أمَرْتُك يا محمد أن تَصْبِرَ نفسك معهم إلى غيرهم من الكفارِ، ولا تُجاوِزْهم إليهم (٣).
وأصلُه من قولهم: عَدَوْتُ ذلك، فأنا أعْدُوه. إذا جاوزته.
وبنحو الذي قلنا في تأويل (٤) ذلك قال أهل التأويل.
стр. 10368
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ في قوله: ﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾. قال: لا تُجاوِزهم إلى غيرهم (١).
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنى عبد الله، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ يقولُ: لا تتعَدَّهم إلى غيرهم.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ﴾ الآية. قال: قال القوم للنبى ﷺ : إِنا نَسْتَحْيِى أَن نُجالس فلانًا وفلانًا وفلانًا فجانبهم يا محمد، وجالس أشراف العرب. فنزل القرآنُ: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾: ولا تحقرهم، قال: "قد أمرونى بذلك". قال: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ (٢).
حدَّثنا الربيع بن سليمان، قال: ثنا ابن وهبٍ، قال: أخبرني أُسامةُ بن زيدٍ، عن أبى حازمٍ، عن عبد الرحمن بن سهل بن حُنيفٍ أنَّ هذه الآيةَ لما نزلت على رسولِ اللَّهِ ﷺ وهو في بعض أبياته: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾. فخرج يَلْتَمِسُ، فوجد قومًا يذكرون الله، منهم ثائرُ الرأس، وجافى (٣) الجلد، وذو الثوب الواحد، فلمّا رآهم جلس معهم، فقال: "الحمدُ
стр. 10369
للَّهِ الذي جَعَل لى في (١) أُمَّتِى مَن أَمَرنى أن (٢) أَصْبِرَ نفْسى معه" (٣).
ورُفعت "العينان" بالفعل، وهو: ﴿وَلَا تَعْدُ﴾.
وقولُه: ﴿تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه ﷺ : لا تَعْدُ عيناك عن هؤلاء المؤمنين الذين يدعون ربَّهم، إلى أشراف المُشركين، تبتغى بمجالستهم الشرَفَ والفخر. وذلك أنَّ رسول الله ﷺ أتاه، فيما ذُكر، قومٌ من عُظَماء أهل الشركِ - وقال بعضُهم: بل مِن عُظَماء قبائل العرب ممن لا بصيرة لهم بالإسلام (٤) - فرأوه جالسًا مع خَبّابٍ وصُهَيْبٍ وبلالٍ، فسألوه أن يُقِيمَهم عنه إذا حضروا. قالوا: فهم رسول الله ﷺ بذلك (٥)، فأنزل الله عليه: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢]. ثم كان يقومُ إذا أراد القيامَ ويتركُهم قُعودًا، فأنزل الله عليه: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ الآية، ﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ يُريد (٦) بـ ﴿زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: مجالسته أولئك العُظماء والأشراف.
وقد ذكَرْتُ الرواية بذلك فيما مضى قبلُ في سورةِ "الأنعام" (٧).
стр. 10370
حدَّثني الحسين بن عمرٍو العَنْقَزِيُّ، قال: ثنا أبى، قال: ثنا أسباطُ بن نصرٍ، عن السدِّيِّ، عن أبي سعيدٍ الأزْدِيِّ - وكان قارئ الأزد - عن أبي الكنود، عن خَبَّابٍ، في قصةٍ ذكرها عن النبيِّ ﷺ ، ذكر فيها هذا الكلامَ مُدْرجًا في الخبر: ﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. قال: تجالسُ الأشراف (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: أُخْبِرْتُ أنَّ عُيينةَ بن حِصْنٍ قال للنبيِّ ﷺ قبل أن يُسلم: لقد آذانى ريحُ سلمان الفارسيِّ، فاجْعَلْ لنا مجلسًا منك لا يُجامِعوننا فيه، واجْعَلْ لهم مجلسًا لا نُجامِعُهم فيه. فنزلت الآيةُ (٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة، قال: ذُكر لنا أنَّه لما نزلت هذه الآية قال نبيُّ الله ﷺ : "الحمد لله الذي جَعَل في أُمَّتِى مَن أُمِرْتُ أَنْ أَصْبِرَ نفسي معه" (٣).
حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. قال: تُريدُ أشراف الدنيا.
حدَّثنا صالحُ بن مسمارٍ، قال: ثنا الوليدُ بن عبد الملكِ، قال: ثنا سليمانُ بنُ عطاءٍ، عن مسلمةَ بن عبدِ اللَّهِ الجُهنيِّ، عن عمِّه أبى مَشْجَعَةَ بن رِبْعِيٍّ، عن سلمان الفارسيِّ، قال: جاءتِ المؤلَّفَةُ قلوبهم إلى رسولِ الله؛ عيينةُ ابن بدرٍ (٤)،
стр. 10371
والأقرع بن حابس وذووهم، فقالوا: يا نبيَّ الله، إنك لو جلسْتَ في صدر المسجد، ونفَيْتَ عنا هؤلاء وأرْواحَ جِبَابِهم - يَعْنُون سلمان وأبا ذرٍّ وفقراء المسلمين، وكانت عليهم جِبابُ الصُّوفِ، ولم يكن عليهم غيرُها - جلسنا إليك وحادَثناك، وأخَذْنا عنك. فأنزل الله: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾. حتى بلغ: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا﴾. يتهدَّدُهم بالنار، فقام نبيُّ الله ﷺ يلتَمسُهم حتى أصابهم في مؤَخَّرِ المسجدِ يَذْكُرون الله، يلْتَمِسُهم فقال: "الحمد لله الذي لم يُمتنى حتى أمرنى أن أصبر نفسى مع رجالٍ من أُمَّتى، معكمُ المحيا، ومعكم المماتُ" (١).
وقوله: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه ﷺ : ولا تُطِعْ يا محمد من شغَلْنا قلبه من الكفار الذين سألُوك طرْدَ الرهط الذين يدْعُون ربَّهم بالغداة والعشيِّ عنك - عن ذكرنا بالكفر وغلبة الشقاء عليه، واتَّبع هواه، وترك اتِّباعَ أمرِ اللهِ ونهيه، وآثر هوى نفسه على طاعة ربِّه.
وهم، فيما ذُكِر، عيينةُ بنُ حِصْنٍ (٢)، والأقرعُ بن حابسٍ وذووهم.
حدَّثني الحسينُ بن عمرو بن محمدٍ العنقزيُّ، قال: ثنا أبى، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ، عن أبي سعيد (٣) الأَزْدِيِّ، عن أبي الكَنُودِ، عَن خَبَّابٍ: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾. قال: عُيينةُ والأقرعُ (٤).
стр. 10372
وأما قوله: ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾. فإنَّ أهل التأويل اختلفوا في تأويله؛ فقال بعضُهم: معناه: وكان أمرُه ضَياعًا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾. قال ابن عمرٍو في حديثه، قال: ضائعًا. وقال الحارثُ في حديثه: ضَياعًا (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: ضَياعًا.
وقال آخرون: بل معناه: وكان أمرُه ندمًا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا بَدَلُ بن المحبَّرِ، قال: ثنا عَبَّادُ بن راشدٍ، عن داود: ﴿فُرُطًا﴾. قال: ندامةً.
وقال آخرون: بل معناه: هلاكًا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني الحسينُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبى، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، عن
стр. 10373
أبى سعيد (١) الأزديِّ، عن أبي الكُنُودِ، عن خبَّابٍ: ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾. قال: هلاكًا (٢).
وقال آخرون: بل معناه: خلافًا للحقِّ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾. قال: مخالفًا للحقِّ، ذلك الفُرْطُ (٣).
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قولُ مَن قال: معناه: ضَياعًا وهلاكًا. من قولهم: أفرط فلانٌ في هذا الأمر إفراطًا. إذا أسرف فيه وتجاوز قدره. وكذلك قولُه: ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾. معناه: وكان أمرُ هذا الذي أغْفَلْنا قلبه عن ذكرنا في البسارِ (٤) والكبرِ، واحتقار أهل الإيمانِ، سَرَفًا قد تجاوز حدَّه، فضَيَّع بذلك الحقَّ وهلك.
وقد حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو بكر بن عيَّاشٍ، قال: قيل له: كيف قرأ عاصمٌ؟ فقال: ﴿كَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾. قال أبو كريب: قال أبو بكرٍ: كان عُيينةُ بنُ حصنٍ يفخَرُ، يقولُ: أنا وأنا.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ
стр. 10374
فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (٢٩)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : وقلْ، يا محمدُ لهؤلاء الذين أغْفَلْنا قلوبَهم عن ذكْرِنا واتَّبَعوا أهواءَهم: الحقُّ أيها الناسُ من عندِ ربِّكم، وإليه التوفيقُ والخِذْلانُ، وبيدِه الهدى والضلالُ؛ يهدِى من يشاءُ مِنكم للرَّشادِ فيؤمنُ، ويُضِلُّ مَن يشاءُ عن الهُدَى فيكفرُ، ليس إليَّ من ذلك شيءٌ، ولستُ بطارِدٍ لهواكم مَن كان للحقِّ مُتَّبِعًا، وباللَّهِ وبما أُنزِل عليَّ مؤمنًا، فإن شئتُم فآمِنوا، وإن شئتُم فاكْفُروا، فإنَّكم إن كفَرتُم فقد أعدَّ لكم ربُّكم على كفرِكم به نارًا أحاط بكم سُرَادِقُها، وإن آمنْتُم به وعمِلتُم بطاعتِه، فإنَّ لكم ما وصَف اللَّهُ لأهلِ طاعتِه.
ورُوى عن ابن عباسٍ في ذلك ما حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾. يقولُ: من شاء اللَّهُ له الإيمانَ آمَن، ومن شاء اللَّهُ له الكفرَ كفَر. وهو قولُه: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (١) [التكوير: ٢٩].
وليس هذا بإطلاقٍ من اللَّهِ الكُفرَ لمَن شاء، والإيمانَ لمَن أراد، وإنَّما هو تهديدٌ ووعيدٌ، وقد بيَّن أن ذلك كذلك قولُه: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا﴾. والآياتُ بعدَها.
كما حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، عن عمرَ بن حبيبٍ، عن داودَ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُر﴾. قال:
стр. 10375
وعيدٌ من الله؛ فليس بمُعْجِزى (١).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُر﴾، وقوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]. قال: هذا كلُّه وعيدٌ (٢) ليس مُصانَعةً ولا مُراشاةً ولا تَفْويضًا.
وقوله: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا﴾. يقول عزَّ ذكرُه: إنا أعْدَدنا، وهو من العُدَّةِ، للظَّالِمين؛ الذين كفَروا بربِّهم نارًا (٣).
كما حدَّثني يونس، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا﴾. قال: للكافرين.
وقوله: ﴿أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾. يقولُ: أحاط سُرادِقُ النارِ التي أعدَّها اللَّهُ للكافرين بربِّهم.
وذلك فيما قيل: حائطٌ من نارٍ يُطِيفُ بهم كسُرادقِ الفُسْطاطِ، وهى الحجرةُ (٤) التي تُطِيفُ بالفُسْطاطِ، كما قال رؤبةُ (٥):
يا حَكَمَ بنَ المُنْذِرِ بْنِ الجارُودُ
стр. 10376
سُرادِقُ المجدِ (١) عَلَيْكَ مَمْدُودْ
وكما قال سلامةُ بنُ جندلٍ (٢):
هُوَ المُولِجُ النُّعْمانَ بَيْتًا سَماؤُهُ … صُدُورُ الفُيُول بعدَ بَيْتٍ مُسَرْدَقِ
يعني: بيتًا له سُرادقٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ في قولِه: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾. قال: حائطٌ من نارٍ (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عمَّن أخبره، قال: ﴿أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾. قال: دُخَانٌ يحيطُ بالكفارِ يومَ القيامةِ، وهو الذي قال اللَّهُ: ﴿ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ﴾ (٤) [المرسلات: ٣٠].
وقد رُوِى عن النبيِّ ﷺ في ذلك خبرٌ يدلُّ على أن معنَى قولِه: ﴿أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾: أحاط بهم ذلك في الدنيا، وأن ذلك السُّرادِقَ هو البحرُ.
ذكرُ الروايةِ بذلك
حدَّثني الحسينُ بنُ نصرٍ والعباسُ بنُ محمدٍ، قالا: [ثنا أبو عاصمٍ، عن عبدِ اللَّهِ] (٥)
стр. 10377
[ابن أميةَ، قال] (١): ثنا محمدُ بنُ حُييِّ (٢) بن يَعْلَى، عن صفوانَ بن يَعْلَى، عن يَعْلى بن أميةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "البَحْرُ هو جَهَنَّمُ". قال: اللَّهِ فقيل له: [كيف ذلك] (٣)؟ فتلا هذه الآية، أو قرأ هذه الآية: ﴿نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾. ثم قال: واللَّهِ لا أدْخُلُها أَبَدًا، أو: ما دُمْتُ حَيًّا، ولا تُصِيبُنى مِنها قَطْرَةٌ (٤).
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا يَعمَرُ بنُ بشرٍ، قال: ثنا ابن المباركِ، قال: أخبرَنا رِشْدينُ بنُ سعدٍ، قال: ثني عمرُو بنُ الحارثِ، عن أبي السَّمْحِ، عن أبي الهيثمِ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، عن النبيِّ ﷺ قال: "سُرَادِقُ النَّارِ أَرْبعَةُ جُدُرٍ، كِثْفُ كُلِّ واحدٍ مِثلُ مَسِيرَةِ أربعينَ سَنةً" (٥).
حدَّثنا يونسُ (٦)، قال: ثنا ابن وهبٍ، قال: أخبرَني عمرُو بنُ الحارثِ، عن درَّاجٍ، عن أبي الهيثمِ، عن أبي سعيدٍ، عن رسولِ اللَّهِ، أَنَّه قال: "إِنَّ لِسُرَادِقِ النَّارِ أَربَعَةَ جُدُرٍ، كِثْفُ كُلَّ [جدارٍ منها] (٧) مَسِيرَةً أَرْبَعِينَ سَنةً" (٨)(٩).
стр. 10378
وقوله: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ﴾. يقولُ عزَّ ذكرُه: وإن يستغِثْ هؤلاء الظالمون يومَ القيامةِ في النَّارِ من شدَّةِ ما بهم من العطشِ، فيطلُبوا الماءَ، يُغاثوا بماءٍ كالمُهْلِ.
واختلَف أهلُ التأويلِ في المُهْلِ؛ فقال بعضُهم: هو كلُّ شيءٍ أُذِيب وانْماعَ (١).
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكِر لنا أن ابنَ مسعودٍ أُهدِيَت إليه سِقايةٌ من ذهبٍ وفضةٍ، فأمَر بأخدودٍ فخُدَّ في الأرضِ، ثم قذَف فيه من جَزْلِ حطبٍ (٢)، ثم قذَف فيه تلك السِّقايةَ، حتى إذا أَزْبَدَت وانماعَت قال لغلامِه: ادعُ مِن يحضُرُنا من أهلِ الكوفةِ فدعا رهطًا، فلمَّا دخَلوا عليه قال: أترَوْنَ هذا؟ قالوا: نعم. قال: ما رأينا في الدنيا شَبِيهًا للمُهْلِ أَدْنَى من هذا الذهبِ والفضةِ، حين أَزْبَدَ وانْماعَ (٣).
وقال آخرون: هو الدمُ والقيحُ الأسودُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عنبسةَ، عن محمدِ بن عبدِ الرحمنِ
стр. 10379
عن القاسمِ بن (١) أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ﴾. قال: القَيحُ والدَّمُ.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ﴾. قال: القَيحُ والدَّمُ الأسودُ، كعَكَر الزيتِ. قال الحارثُ في حديثه: يعني دُرْدِيَّه (٢)(٣).
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿كَالْمُهْلِ﴾. قال: يقولُ: أسودُ كهيئةِ الزَّيتِ (٤).
حُدِّثتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرَنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ﴾: ماءُ جهنَّمَ أسودُ، وهي سوداءُ، وشجرُها أسودُ، وأهلُها سودٌ (٥).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عَمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ﴾. قال: هو ماءٌ غليظٌ مثلُ دُرْدِيِّ الزيتِ (٦).
стр. 10380
[حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، [قال: أخبرني عمرٌو] (١)، عن درَّاجٍ، عن أبي الهيثمِ، عن أبي سعيدٍ، عن رسولِ اللَّهِ ﷺ ، أنَّه قال: ﴿بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ﴾. قال: كعكَرِ الزيتِ، فإذا قرَّبه إليه سقَطتْ فَرُوةُ وجهِه فيه] (٢)(٣).
وقال آخرون: هو الشيءُ الذي قد انتهَى حرُّه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّيُّ، عن جعفرٍ وهارونَ بن عنترةَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: الْمُهلُ هو الذي قد انتهَى حرُّه (٤).
وهذه الأقوالُ وإن اختلَفت بها ألفاظُ قائلِيها، فمتقارباتُ المعنَى، وذلك أن كلَّ ما أُذيب من رَصَاصٍ أو ذهبٍ أو فِضةٍ فقد انتهَى حرُّه، وأن ما أُوقِدت عليه من ذلك النارُ حتى صار كدُرْدِيِّ الزَّيتِ، فقد انتهَى أيضًا حرُّه.
وقد حُدِّثت عن معمرِ بن المثنى، أنه قال: سمِعتُ المُنتَجِعَ (٥) بنَ نبهانَ يقولُ واللَّهِ لَفلانٌ أبغضُ إليَّ من الطَّلْياءِ والمُهلِ. قال: فقُلنا له: وما هما؟ فقال: الجَرْباءُ (٦)، والمَلَّةُ (٧) التي تَنْحَدِرُ عن جوانبِ الخُبزةِ إِذا مُلَّت (٨) في النارِ مِنَ النارِ،
стр. 10381
كأنها سِهْلةٌ (١) حمراءُ مدقَّقةٌ، فهي جَمْرَةٌ (٢).
فالمُهلُ إذًا هو كلُّ مائعٍ قد أُوقِد عليه حتى بلَغَ غايةَ حرَّه، أو لم يكنْ مائعًا، فانْماعَ بالوَقودِ عليه، وبلَغ أقصَى الغايةِ في شدَّةِ الحرِّ.
وقوله: ﴿يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ﴾. يقول جلَّ ثناؤُه: يشْوِي ذلك الماءُ الذي يُغاثُون به وجوهَهم.
كما حدَّثني محمدُ بنُ خلفٍ العسقلانيُّ، قال: ثنا حيوةُ بنُ شريحٍ، قال: ثنا بقيَّةُ، عن صفوانَ بن عمرٍو، عن عبيدِ اللَّهِ بن بُسْرٍ - هكذا قال ابن خلَفٍ - عن أبي أُمامةَ، عن النبيِّ ﷺ في قوله: ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (١٦) يَتَجَرَّعُهُ﴾ [إبراهيم: ١٦]. قال: "يُقَرَّبُ إليه فيتكرَّهُه، فإذا قَرُب منه شَوَى وجْهَه، ووقَعت فَرْوة رأسِه، فَإِذَا شَرِب قطَّع أمعاءَه، يقولُ اللَّهُ: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ﴾ " (٣).
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنَّى، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ إسحاقَ الطالَقانيُّ ويَعْمَرُ بنُ بشرٍ، قالا: ثنا ابن المباركِ، عن صفوانَ، عن عبيدِ (٤) اللَّهِ بن بُسْرٍ (٥)، عن أبي أُمامةَ، عن النبيِّ ﷺ بمثلِه.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ وهارونَ بن عَنْتَرةَ، عن سعيدِ بن
стр. 10382
جبيرٍ - قال هارونُ: إذا عام (١) أهلُ النارِ. وقال جعفرٌ: إذا جاع (٢) أهلُ النارِ - استغاثُوا بشجرةِ الزقُّومِ، فأكَلوا منها، فاخْتَلَست (٣) جلودَ وُجوهِهم، فلو أن مارًّا مرَّ بهم يَعرِفُ (٤) جُلودَ وُجوهِهم فيها، ثم يُصَبُّ عليهم العَطَشُ، فيَسْتَغيثون، فيُغاثُون بماءٍ كالمُهْلِ، وهو الذي قد انتهَى حرُّه، فإذا أدْنَوْهُ مِن أَفْوَاهِهِم انشَوى مِن حرِّه لُحومُ وُجوهِهم التي قد سقَطت عنها الجلودُ (٥).
وقوله: ﴿بِئْسَ الشَّرَابُ﴾. يقولُ عزَّ ذكرُه: بئس الشرابُ هذا الماءُ الذي يُغاثُ به هؤلاء الظالمون في جهنَّمَ، الذي صِفتُه ما وصَف في هذه الآيةِ.
وقولُه: ﴿وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾. يقولُ عزَّ ذكرُه: وساءتْ هذه النارُ التي أعْتَدْناها لهؤلاء الظالمين مُرْتَفَقًا.
والمُرْتَفَقُ في كلامِ العربِ: المتكأُ، يقالُ منه: ارْتفقُتُ. إذا اتَّكأْتَ، كما قال الشاعرُ (٦).
قالَتْ له وارْتَفَقَتْ أَلا فَتَى
يَسُوقُ بالقومِ غَزَالاتِ الضُّحَى
стр. 10383
أراد: واتَّكأت على مِرْفقِها. وقد ارتَفَق الرجلُ. إذا بات على مِرْفقِه (١) لا يأتيه نومٌ. وهو مُرْتفِقٌ. كما قال أبو ذُؤيبٍ الهُذَليُّ (٢):
نام الخِلَيُّ وبتُّ الليلَ مرتفقًا … كأنَّ عَيْنِيَ فيها الصَّابُ (٣) مَذْبُوحُ
وأمَّا مِن الرِّفْقِ فإنَّه يقال: قد ارْتَفَقْتُ بك مُرْتَفَقًا.
وكان مجاهدٌ يتأوَّلُ قولَه: ﴿وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ يعنى المجتمَعَ.
ذكرُ الروايةِ بذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مُرْتَفَقًا﴾. قال: مجتمَعًا (٤).
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا معتمرٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾. قال: مُجتمعًا.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
ولستُ أعرِفُ الارتِفاقَ بمعنى الاجتماعِ في كلامِ العربِ، وإنَّما الارتِفاقُ افتِعالٌ، إما مِن المَرفِقِ، وإما مِن الرِّفْقِ.
стр. 10384
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (٣٠)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: إنَّ الذين صدَّقُوا الله ورسولَه، وعمِلوا بطاعةِ اللَّهِ، وانتهَوْا إلى أمرِه ونهيِه، إنا لا نُضِيعُ ثوابَ مَن أحسَنَ عملًا، فأطاع اللَّهَ، واتَّبع أمرَه ونهيَه، بل نُجازيه بطاعتِه وعملِه الحسنِ جناتِ عَدْنٍ تَجْرِى من تحتِها الأنهارُ.
فإن قال قائلٌ: وأين خَبَرُ ﴿إِنَّ﴾ الأُولَى؟
قيل: جائزٌ أن يكونَ خبرُها قولَه: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ﴾. فيكونَ معنى الكلامِ: إنّا لا نُضِيعُ أجرَ مَن عمِل صالحًا. فترَك الكلامَ الأوَّلَ، واعتَمَد على الثاني بنيةِ التكريرِ، كما قال: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٧]. بمعنى: عن قتالٍ فيه على التكريرِ، وكما قال الشاعرُ (١):
إِنَّ الخَليفَةَ إِنَّ اللَّهَ سَرْبَلَه … سربالَ مُلْكٍ به تُرْجَى الخواتيمُ
ويُرْوَى: تُرْجَى (٢).
وجائزٌ أن يكونَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾. جزاءً، فيكون معنى الكلام: إِنَّ من عمل صالحًا فإنَّا لا نُضِيعُ أجرَه. فتُضمَّن (٣) الفاء في قوله: ﴿إِنَّا﴾.
وجائزٌ أن يكونَ خبرُها: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾. فيكونَ معنى الكلامِ: إِنَّ الذين آمَنوا وعمِلوا الصالحاتِ أولئك لهم جَناتُ عدنٍ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ
стр. 10385
يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا (٣١)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: لهؤلاء الذين آمَنُوا وعمِلوا الصالحات جَنّاتُ عدنٍ. يعني: بساتينُ إقامةٍ في الآخرةِ. ﴿مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ﴾. يَقولُ: تَجْرِى مِن دونِهم [وبينَ (١) أيديهم الأنهارُ. وقال جلَّ ثناؤُه: ﴿مِنْ تَحْتِهِمُ﴾. ومعناه: من دونِهم] (٢) وبينَ أيديهم.
﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾. يقولُ: يَلْبَسون فيها من الحُليِّ أساوِرَ من ذهبٍ. والأساوِرُ جمع إسْوارٍ.
وقوله: ﴿يَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ﴾. والسُّندس جمعٌ، واحدُها سُندُسةٌ، وهى ما رَقَّ من الدبياجِ، والإسْتبرَقُ: ما غلُظ منه وثخُن. وقيل: إنَّ الإستبرَقَ هو الحريرُ. ومنه قولُ المرَقِّشِ (٣):
تراهُنَّ يَلْبَسْنَ المَشاعِرَ مَرَّةً … وإستبرقُ الدَّيباج طَوْرًا لباسُها
يعني: وغليظُ الدِّيباجِ.
وقوله: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ﴾. يقولُ: مُتَّكئين في جناتِ عدنٍ على الأرائِك. وهى السُّرُرُ في الحِجالِ (٤)، واحِدَتُها أَرِيكةٌ. ومنه قولُ الشاعرِ (٥):
стр. 10386
خُدودًا جَفَتْ (١) في السَّيْرِ حتى كأنَّما … يُباشِرْنَ بالمَعْزاءِ (٢) مَسَّ الأرائِكِ
ومنه قولُ الأعشَى (٣):
بينَ الرُّوَاقِ وجانبٍ مِن سترِها … منها وبينَ أريكةِ الأنْضَادِ (٤)
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾. قال: هي الحِجالُ (٥).
قال معمرٌ: وقال غيرُه: السُّررُ (٦) في الحِجالِ (٧).
وقوله: ﴿نِعْمَ الثَّوَابُ﴾. يقولُ: نعمَ الثوابُ جناتُ عدنٍ وما وصَف جلّ ثناؤُه أنه جعَل لهؤلاء الذين آمَنوا وعملوا الصالحاتِ، ﴿وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾. يقولُ: وحسُنت هذه الأرائكُ في هذه الجنانِ التي وصَف تعالى ذكرُه في هذه الآية مُتَّكَأً.
وقال : ﴿وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾. فأنَّثَ الفعلَ بمعنَى: وحسُنت هذه الأرائكُ مرتَفَقًا. ولو ذَكَّر لتذكيرِ المُرتفقِ كان صوابًا، لأن "نِعْمَ" و "بِئسَ" إنما
стр. 10387
تُدْخِلُهما العربُ [في الكلامِ لتدُلَّا على المدح والذمِّ لا للفعلِ، فلذلك تذكِّرُهما مع المؤنَّثِ] (١)، وتوحِّدُهما مع الاثنَين والجماعةِ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (٣٢) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا (٣٣) وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا (٣٤)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : واضْرِبْ يا محمدُ لهؤلاء المشرِكين باللَّهِ، الذين سألُوك أن تطرُدَ الذين يدْعُون ربَّهم بالغداةِ والعشيِّ يُريدون وجهَه، ﴿مَثَلًا﴾ مثلَ رجلينِ جعلنا لأحدهمَا (٢) بستانين (٣) مِن مِن كُرومٍ (٤)، ﴿وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ﴾. يقولُ: وأطَفْنا هذَين البُستانَين بنخلٍ.
وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا﴾. يقولُ: وجعَلْنا وسَطَ هذَين البُستانَين زرْعًا.
وقوله: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا﴾. يقولُ: كلا البستانين أطْعَم ثمَرَه وما فيه مِن الغُروسِ من النخلِ والكَرْمِ وصُنوفِ الزَّروعِ.
وقال: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ﴾. ثم قال: ﴿آتَتْ﴾. فوحَّد الخبرَ؛ لأنَّ "كلتا" لا تُفْرَدُ واحدتُها، وأصلُه "كلّ"، وقد تُفْرِدُ العربُ "كلتا" أحيانًا، ويذْهَبون بها وهى مفرَدةٌ إلى التثْنيةِ، قال بعضُ الرُّجّازِ في ذلك (٥):
стр. 10388
في كِلْتِ (١) رِجْلَيْها سُلامَى (٢) واحِدَه … كلتاهما مَقْرُونةٌ بزَائِدَه
يُريدُ بـ "كلت" "كلتا". وكذلك تفعل بـ "كلتا" و "كِلَا" و "كلّ"؛ إذا أُضِيفَتْ إلى معرفةٍ وجاء الفعلَ بعدَهن (٣)، يُجْمَعُ ويُوحَّدُ.
وقوله: ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾. يقولُ: ولم تَنْقُصْ من الأكلِ شيئًا، بل آتت ذلك تامًّا كاملًا، ومنه قولُهم: ظلَم فلانٌ فلانًا حقَّه، إذا بخَسَه ونقَصه. كما قال الشاعرُ (٤):
تظلَّمنى مالى كَذا ولَوَى يدِى … لَوَى يدَه اللَّهُ الذي هو غالِبُه
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾. أي: لم تَنْقُصْ منه شيئًا.
وقوله: ﴿وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وسيَّلْنا خلالَ هذَين البُسْتانَينْ نَهَرًا. يعنى: بينَهما وبينَ أشجارِهما نَهَرًا.
стр. 10389
وقيل: ﴿وَفَجَّرْنَا﴾. فثقَّل الجيمَ منه؛ لأنَّ التفجيرَ في النهَرِ كلِّه، وذلك أنَّه يَمتدُّ (١) ماءً فيُسيلُ بعضُه بعضًا.
وقوله: ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾. اختَلَفَتِ القرَأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرَأةِ الحجازِ والعراقِ: (وكانَ لَهُ ثُمُرٌ). بضمِّ الثاءِ والميمِ (٢).
واختلَف قارِئو ذلك كذلك؛ فقال بعضُهم: كان له ذهبٌ وفِضَّةٌ. وقالوا: ذلك هو الثمُرُ؛ لأنّها أموال مثمَّرةٌ، يعني: مكثَّرَةٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ : (وكان لَهُ ثُمُرٌ). قال: ذهبٌ وفِضةٌ. وفى قولِ اللَّهِ : (بثُمُرِهِ). قال: هي أيضًا ذهبٌ وفِضةٌ (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: (ثُمُرٌ). قال: ذهبٌ وفضةٌ. قال: وقوله (وأُحيطَ بثُمُرِه): هي هي أيضًا.
وقال آخرون: بل عَنَى به المالَ الكثيرَ من صُنوفِ الأموالِ.
стр. 10390
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أحمدُ بنُ يوسُفَ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثني حجاجٌ، عن هارونَ، عن سعيدِ بن أبي عَرُوبةَ، عن قتادةَ، قال: قرَأها ابن عباسٍ: (وكان لَهُ ثُمُرٌ)، بالضمِّ، وقال: يعنى أنواعَ المالِ (١).
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: (وكان لَهُ ثُمُرٌ) يقولُ: مالٌ (٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: (وكان لَهُ ثُمُرٌ). يقولُ: من كلِّ المالِ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: (وأُحِيطَ بثُمُرِه). قال: الثُّمُرُ مِن المالِ كلِّه، يعنى الثَّمَرَ وغيرَه من المالِ كلِّه (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: الثُّمُرُ المالُ كلُّه. قال: وكلُّ مالٍ إذا اجتَمَع فهو ثُمُرٌ، إذا كان مِن لونِ الثمرةِ وغيرِها من المالِ كلِّه.
وقال آخرون: بل عنَى به الأصلَ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: (وكان لَهُ
стр. 10391
ثُمُرٌ): الثُّمُرُ الأصلُ. قال: (وأُحِيطَ بثُمُرِه). قال: بأصلِه (١).
وكأنَّ الذين وجَّهُوا معناها إلى أنها أنواعٌ من المالِ أرادوا أنها جمعُ "ثمارٍ" جُمِع "ثُمُرًا"، كما يُجْمَعُ الكتاب "كُتُبًا"، والحمارُ "حُمُرًا".
وقد قرَأ بعضُ مَن وافَق هؤلاء في هذه القراءةِ: (ثُمْرٌ) بضمِّ الثاءِ وسكونِ الميمِ (٢)، وهو يُرِيدُ الضمَّ فيها، غيرَ أنه سكَّنها طلب التخفيفِ. وقد يَحتمِلُ أن يكونَ أراد بها جمعَ "ثَمَرِةٍ"، كما تُجمَعُ الخَشَبَةُ "حُشْبًا". وقرأ ذلك بعضُ المدنيّين: ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾. بفتحِ الثاءِ والميمِ (٣)، بمعنى جمعِ "الثَّمَرِةِ"، كما تُجمَعُ الخَشَبَةُ "خَشَبًا"، والقَصَبَةُ "قَصَبًا".
وأولى القراءاتِ في ذلك عندى بالصوابِ (٤) قراءةُ مَن قرَأ: (وكان لَهُ ثُمُرٌ). بضمِّ الثاءِ والميمِ لإجماعِ الحجةِ من القرأةِ عليه، وأن ذلك (٥) جمعُ "ثمارٍ"، كما الكُتُبُ جمعُ "كتابٍ".
ومعنى الكلامِ: وفجَّرنا خلالَهما نهَرًا، وكان له منهما ثُمُرٌ - بمعنى من جنَّتيه (٦) - أنواعٌ من الثمارِ. وقد بَيَّن ذلك لَمَن وُفِّق لفَهمِه - قولُه: ﴿جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا﴾. ثم قال: وكان له من هذه الكُرُومِ والنخل والزرع ثُمُرٌ.
وقولُه: ﴿فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾. يقولُ : فقال هذا الذي جعَلنا له جنَّتين من أعنابٍ، لصاحبِه الذي لا مالَ له وهو يخاطِبُه: ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ
стр. 10392
مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾. يقولُ: وأعزُّ عشيرةً ورَهْطًا. كما قال عُيينةُ والأقرعُ لرسولِ اللَّهِ ﷺ : نحن ساداتُ العربِ وأربابُ الأموالِ، فنَحِّ عنا سلمانَ وخَبَّابًا وصُهيبًا. احتقارًا لهم، وتكبُّرًا عليهم (١).
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾: وتلك واللَّهِ أمنيةُ (٢) الفاجرِ؛ كثرةُ المالِ، وعزَّةُ النفرِ (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (٣٥) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (٣٦)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: هذا الذي جعَلنا له جنتين من أعنابٍ ﴿دَخَلَ جَنَّتَهُ﴾، وهى بستانُه، ﴿وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾. وظلمُه نفسَه كفرُه بالبعثِ، وشكُّه في قيامِ الساعةِ، ونسيانُه المعادَ إلى الله تعالى، فأوجَب لها بذلك سُخْطَ اللَّهِ وأليمَ عقابِه.
وقوله: ﴿قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه: قال لما عايَنَ جنتَه، ورآها وما فيها من الأشجارِ والثمارِ والزروعِ والأنهارِ المُطَّرِدَةِ، شكًّا في المعادِ إلى اللَّهِ: ما أظنُّ أن تَبِيدَ هذه الجنةُ أبدًا، ولا تفنَى ولا تَخْرَبَ. وما أظنُّ الساعةَ التي وعَد اللَّهُ خلْقَه الحشرَ فيها تقومُ فتَحدُثُ. ثم تمنَّى أُمنيةً أخرى على شكٍّ منه، فقال: ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي﴾ فرجَعتُ إليه - وهو غيرُ موقنٍ أنه راجعٌ إليه: ﴿لأَجِدَنَّ
стр. 10393
خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا﴾. يقولُ: لأجِدنَّ خيرًا من جنتى هذه عندَ اللهِ -إن رُدِدتُ إليه- مرجعًا ومردًّا. يقولُ: لم يُعْطِني هذه الجنةَ في الدنيا إلا ولى عندَه أفضلُ منها في المعادِ إِن رُدِدتُ إليه.
كما حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾. قال: شَكَّ. ثم قال: ﴿وَلَئِنْ﴾ كان ذلك ثم ﴿رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا﴾، ما أعطَاني هذه إلا ولى عندَه خيرٌ من ذلك.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (٣٥) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾: كفورٌ لنعمِ ربِّه، مكذِّبٌ بلقائِه، متمنٍّ على اللهِ (١).
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (٣٧) لَكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (٣٨)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: قال لصاحبِ الجنتين صاحبُه الذي هو أقلُّ منه مالًا وولدًا، ﴿وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾. يقولُ: وهو يخاطِبُه ويكلِّمُه: ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ﴾. يعني: خلَق أباك آدمَ من ترابٍ ﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾. يقولُ: ثم أنَشأك من نطفةِ الرجلِ والمرأةِ، ﴿ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا﴾. يقولُ: ثم عدَّلك بشرًا سويًّا، رجلًا ذكرًا لا أنثى. يقولُ: أكفَرتَ بمَن فعَل بك هذا أن يُعِيدَك خلْقًا جديدًا بعدَما تَصِيرُ رُفاتًا .
﴿لَكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي﴾. يقولُ: أما أنا فلا أكفُرُ بربي، ولكن أنا: هو اللهُ ربِّي. معناه
стр. 10394
أنه يقولُ: ولكن أنا أقولُ: هو الله ربِّى، ﴿وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾.
وفي قراءةِ ذلك وجهان؛ أحدهما: ﴿لَكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي﴾ بتشديدِ النونِ وحذفِ الألفِ في حالِ الوصلِ، كما يقالُ: أنا قائمٌ. فتُحذَفُ الألفُ من "أنا"، وذلك قراءةُ عامةِ قرأةِ أهلِ العراقِ (١). وأما في الوقفِ فإن القرأةَ كلَّها تُثْبِتُ فيها الألفَ؛ لأن النونَ إنما شُدِّدت لاندغامِ النونِ من "لَكِنْ"، وهى ساكنةٌ في النونِ التي من "أنا"، إذ سقَطَت الهمزةُ التى في "أنا"، فإذا وُقِف عليها ظهَرت الألفُ التي في "أنا"، فقيل: لكنَّا؛ لأنه يقالُ في الوقف على "أنا" بإثباتِ الألفِ لا بإسقاطِها، وقرَأ ذلك جماعةٌ من أهلِ الحجازِ: ﴿لَكِنَّا﴾ بإثباتِ الألفِ في الوصلِ والوقفِ (٢)، وذلك وإن كان مما يُنْطَقُ به في ضرورةِ الشعرِ، كما قال الشاعرُ (٣):
أنا سيفُ العشيرةِ فاعْرِفوني … حُمَيدًا قد تَذَرَّيْتُ السَّناما
فأثبَتَ الألفَ في "أنا" -فليس ذلك بالفصيحِ من الكلامِ.
والقراءةُ التي هي القراءةُ الصحيحةُ عندَنا ما ذكَرنا عن العراقيين، وهو حذفُ الألفِ من ﴿لَكِنَّا﴾ في الوصلِ، وإثباتُها في الوقفِ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا (٣٩)﴾.
يقولُ عزَّ ذكرُه: وهلَّا إذ دخَلْتَ بستانَك، فأعجَبك ما رأَيتَ منه، قلتَ: ما شاء اللهُ كان. وفى الكلامِ محذوفٌ استُغْنِى بدلالةِ ما ظهَر عليه منه، وهو جوابُ
стр. 10395
الجزاءِ، وذلك "كان".
وإذا وُجِّه الكلامُ إلى هذا المعنى الذى قلنا كانت "ما" نصبًا بوقوعِ فعلِ اللهِ عليه، وهو "شاء"، وجاز طرحُ الجوابِ؛ لأنَّ معنى الكلامِ معروفٌ، كما قيل: ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٣٥]. وترَك الجوابَ، إذ كان مفهومًا معناه، وكان بعضُ أهلِ العربيةِ يقولُ: "ما" من قولِه: ﴿مَا شَاءَ اللهُ﴾ في موضعِ رفعٍ بإضمارِ "هو"، كأنه قيل: قلتَ هو ما شاء اللهُ ﴿لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾. يقولُ: لا قوّةَ على ما نحاوِلُ من طاعتِه إلا به.
وقولُه: ﴿إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا﴾. وهو قولُ المؤمِن الذى لا مالَ له ولا عشيرةَ، مثلَ صاحبِ الجنتين وعشيرته، وهو مثلُ سَلْمَانَ وصُهَيبٍ وخَبابٍ. يقولُ: قال المؤمنُ للكافرِ: إن تَرَنِ أيها الرجلُ أنا أقلَّ منكَ مالًا وولدًا. فإذا جعَلتَ "أنا" عمادًا نصبتَ "أقلَّ"، وبه القراءة عندَنا؛ لأن عليه قراءةُ الأمصارِ، وإذا جعَلتَه اسمًا رَفعتَ "أقلُّ".
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (٤٠) أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (٤١)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه مخبِرًا عن قيلِ المؤمنِ الموقنِ للمعادِ إلى اللهِ، للكافرِ المرتابِ في قيامِ الساعةِ: إن تَرَنِ أيها الرجلُ أنا أقلَّ منك مالًا وولدًا في الدنيا، فعسَى ربي أن يَرْزُقَنى خيرًا من بستانِك هذا ﴿وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا﴾. يعني: على جنةِ الكافرِ التي قال لها: ﴿مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾ - ﴿حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ﴾. يقولُ: عذابًا من السماءِ تُرْمَى به رميًا وتُقْذَفُ، والحُسْبانُ: جمع حُسْبانةٍ. وهى المَرامي.
стр. 10396
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ﴾: عذابًا.
حدِّثتُ عن محمدِ بنِ يزيدَ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ، قال: عذابًا (١).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ﴾. قال: عذابًا. قال: الحُسبانُ: قضاءٌ من اللهِ يَقْضِيه.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثنى عمّى، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قال: الحُسبانُ: العذابُ (٢).
حدَّثنا الحسنُ بن محمدٍ، [قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ] (٣)، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ﴾. قال: عذابًا (٤).
وقولُه: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾. يقولُ عزَّ ذكرُه: فتصبحَ جنَّتُك هذه -أيها الرجلُ- أرضًا ملساءَ لا شيءَ فيها، قد ذهَب كلُّ ما فيها من غَرْسٍ ونَبْتٍ، وعادت خرابًا بلاقِعَ ﴿زَلَقًا﴾ لا يثبتُ في أرضِها قدمٌ لامْلِيساسِها (٥)، ودُروسِ ما كان نابتًا فيها.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا
стр. 10397
زَلَقًا﴾. أى: قد حُصِد ما فيها فلم يُترَك فيها شيءٌ (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾. قال: مثلَ الجُرُزِ (٢).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾. قال: ﴿صَعِيدًا زَلَقًا﴾ و ﴿صَعِيدًا جُرُزًا﴾ [الكهف: ٨]. واحدٌ، ليس فيها شيءٌ من النباتِ.
وقولُه: ﴿أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا﴾. يقولُ: أو يصبحَ ماؤُها غائرًا. فوضَع الغورَ، وهو مصدرٌ، مكانَ الغائرِ، كما قال الشاعرُ (٣):
تَظَلُّ جِيادُهُ نَوْحًا عَلَيهِ … مُقَلَّدَةً أَعِنَّتَهَا صُفُونا (٤)
بمعنى نائحةً؛ وكما قال الآخرُ (٥):
هَرِيقى مِنْ دُموعهما سِجاما (٦) … ضُباعَ (٧) وجَاوِبِي نَوْحًا قِيامَا
والعربُ توحِّدُ الغَورَ مع الجمعِ والاثنين، وتذكِّرُ مع المذكرِ والمؤنثِ، تقولُ: ماءٌ غَورٌ، وماءان غَوْرٌ، ومياهٌ غَورٌ. ويعنى بقوله: ﴿غَوْرًا﴾: ذاهبًا قد غار في الأرضِ فذهَب فلا تلحَقُه الرِّشاءُ.
стр. 10398
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا﴾. أى: ذاهبًا قد غار في الأرضِ.
وقولُه: ﴿فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾. يقولُ: فلن تُطيقَ أن تُدرِكَ الماءَ الذي كان في جنَّتِك بعدَ غَوْرِه، بطلبكَ إِيَّاهُ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (٤٢)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وأحاط الهلاكُ والجوائحُ بثمرِه، وهى صنوفُ ثمارِ جنَّتِه التي كان يقولُ لها: ﴿مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾. فأصبَحَ هذا الكافرُ صاحبُ هاتين الجنَّتَين، يقلِّبُ كفَّيْهِ ظهرًا لبطنٍ، تلَهُّفًا وأسفًا على ذَهَابِ نفقته التي أنفَق في جنَّتِه، ﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾. يقولُ: وهي خاليةٌ على نباتِها وبيوتِها.
وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾. أى: يُصَفِّقُ كفَّيْهِ ﴿عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا﴾ مُتَلهِّفًا على ما فاته وهو يقولُ: ﴿لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾.
﴿وَيَقُولُ يَالَيْتَنِي﴾. يقولُ: يتمَنَّى هذا الكافرُ، بعد ما أُصِيب بجنَّتِه، أنَّه لم يكنْ كان أشرَك بربِّه أحدًا. يعنى بذلك: هذا الكافرُ إذا هلَك وزالت عنه دنياه وانفرَد بعملِه، ودَّ أنه لم يكنْ كفَر باللهِ ولا أشرَك به شيئًا.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا (٤٣) هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا (٤٤)﴾.
стр. 10399
يقولُ تعالى ذكرُه: ولم يكنْ لصاحبِ هاتين الجنَّتَين فِئَةٌ. وهم الجماعةُ، كما قال العَجَّاجُ (١):
كما يَحُورُ الفِئَةَ الكَمِيُّ
وبنحوِ ما قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، وإن خالف بعضُهم في العبارة عنه عبارتَنا، فإن معناهم نظيرُ معنانا فيه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى "ح"، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ : ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ﴾. قال: عشِيرةٌ (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ﴾. أي: جندٌ ينصُرونَهُ (٣).
وقولُه: ﴿يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ يقولُ: يمنَعونه من عقابِ اللهِ وعذابِه إذا عاقَبه وعذَّبه.
وقولُه: ﴿وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا﴾. يقولُ: ولم يكن ممتَنِعا من عذابِ الله إذا عذَّبه.
стр. 10400
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا﴾. أي: ممتَنِعًا (١).
وقولُه: ﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ﴾. يقولُ عزَّ ذكرُه: ثَمَّ، وذلك حينَ حلَّ عذابُ الله بصاحبِ الجَنَّتَينِ في القيامةِ.
واختلَفتِ القرأة في قراءة قوله: ﴿الْوَلَايَةُ﴾؛ فقرَأ بعضُ أهلِ المدينةِ والبصرةِ والكوفةِ: ﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ﴾، بفتحِ الواوِ من ﴿الْوَلَايَةُ﴾ (٢) يعْنُون بذلك: هُنالِك المُوالاةُ للَّهِ. كقولِ اللهِ: ﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥٧]. وكقولِه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [محمد: ١١]. يذهَبون بها إلى الوَلايةِ في الدِّينِ. وقرَأ ذلك عامَّةُ قرأةِ الكوفةِ: (هُنالك الوِلايَةُ). بكسرِ الواوِ (٣)، من المُلْكِ والسُّلطانِ، من قولِ القائلِ: وَلِيتُ عملَ كذا، أو بلْدةَ كذا أَلِيه وِلايَةً.
وأولى القراءتين في ذلك بالصوابِ قراءةُ من قرَأ بكسرِ الواوِ، وذلك أَنَّ اللهَ عقَّبَ ذلك خبرَه عن مُلكِه وسُلطانِه، وأن مَن أحَلَّ به نِقْمَتَه يومَ القيامةِ فلا ناصرَ له يومئذٍ، فإتْباعُ ذلك الخبرَ عن انفرادِه بالمملكةِ والسلطانِ أولى من الخبرِ عن المُوالاةِ التي لم يجرِ لها ذكرٌ، ولا معْنًى لقولِ من قال: لا يُسمَّى سلطانُ اللهِ ولايةً، وإنما يُسمَّى ذلك سلطانُ البشرِ؛ لأنَّ الولايةَ معناها أنَّه يَلى أمرَ خلقِه منفردًا به دونَ جميعِ خَلْقِه، لا أنه يكون أميرًا عليهم.
واخْتلَفوا أيضًا في قراءةِ قولِه: ﴿الْحَقِّ﴾؛ فقرَأ ذلك عامَّةُ قرَأةِ المدينةِ والعراقِ