← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 10431–10470 · переход к 10436.

стр. 10431

العذاب فجأةً. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا﴾. قال: فجأةً (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. وقال آخرون: معناه: أو يأتِيَهم العذابُ عِيَانًا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا﴾. قال: قُبُلًا: مُعاينةً؛ ذلك القُبُلُ. وقد اختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأَته جماعةٌ ذاتُ عددٍ: ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا﴾. بضمِّ القافِ والباءِ، بمعنى أنه يأتِيهم مِن العذابِ ألوانٌ وضروبٌ، ووجَّهوا القُبُلَ إلى جمعِ قَبيلٍ، كما يُجمَعُ القَتِيلُ: القُتُلُ، والجديدُ: الجُدُدُ. وقرَأته جماعةٌ أخرى: (أَوْ يَأْتِيَهُمُ العَذَابُ قِبَلًا) بكسرِ القافِ وفتحِ الباءِ، بمعنى: أو يأتِيَهم العذابُ عِيانًا. من قولِهم: كَلَّمتُه قِبَلًا. وقد بيَّنت القولَ في ذلك في سورةِ الأنعامِ بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (٢).

стр. 10432

القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا (٥٦)﴾. يقولُ عزَّ ذكرُه: وما نُرسلُ رسلَنا إلَّا ليبشِّروا أهلَ الإيمانِ والتصديقِ باللهِ بجزيلِ ثوابِه في الآخرةِ، وليُنذِروا أهلَ الكفرِ به والتكذيبِ عظيمَ عقابِه وأليمَ عذابِه، فينتَهوا عن الشركِ باللهِ، ويَنْزجِرُوا عن الكفرِ به ومعاصيهِ. ﴿وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾، يقولُ: ويخاصمُ الذين كذَّبوا باللهِ ورسولِه بالباطلِ. وذلك كقولِهم للنبيِّ ﷺ : أخْبِرْنا عن حديثِ فتيةٍ ذهَبوا في أَوَّلِ الدَّهرِ لم يُدرَ ما شأنُهم، وعن الرَّجلِ الذى بلَغ مشارقَ الأرضِ ومغاربَها، وعن الرُّوحِ. وما أشْبَهَ ذلك ممَّا كانوا يخاصِمُونه به، يبتَغون إسقاطَه، تعنيتًا (١) له ﷺ ، فقال اللهُ لهم: إنا لَسْنا نبعثُ إليكم رسلَنا للجدالِ والخصوماتِ، وإنَّما نبعثُهم مُبَشِّرين أهلَ الإيمانِ بالجنةِ، ومُنذِرين أهلَ الكفرِ بالنارِ، وأنتم تجادلونهم بالباطلِ طلبًا مِنكم بذلك أن تُبِطلوا الحقَّ الذى جاءَكم به رسولى. وعنَى بقولِه: ﴿لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾: ليُبطِلوا به الحقَّ ويُزِيلُوه ويذهَبوا به. يُقالُ منه: دَحَض الشيءُ: إذا زال وذهَب. ويُقالُ: هذا مكانٌ دَحْضٌ. أى: مُزِلٌّ مُزلِقٌ لَا يَثْبُتُ فيه خُفٌّ ولا حافرٌ ولا قدمٌ، ومنه قولُ الشاعرِ (٢): رَدِيتُ (٣) ونَجَّى اليَشْكُريَّ حِذارُه … وحاد كما حاد البعيرُ عن الدَّحضِ ويُروَى: ونَحَّى. وأَدْحَضتُه أنا؛ إذا أذهبتَه وأبطلتَه.

стр. 10433

وقولُه [﴿وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا﴾ يقولُ] (١): واتَّخذُوا -الكافرين (٢) باللهِ- حُجَجَه التي احتَجَّ بها عليهم، وكتابَه الذى أنزَله إليهم، والنُّذُرَ التى أنذرَهم بها سِخْرِيًّا يسخَرون بها. يقولون: إنْ هَذَا إِلَّا أَساطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها، فَهِيَ تُمْلَى عليْهِ بُكْرَةً وَأصِيلًا، ولَوْ شِئْنَا لَقُلْنا مِثْلَ هذَا. القولُ في تأويلِ قوله عزَّ ذكرُه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا (٥٧)﴾. يقولُ عزَّ ذكرُه: وأيُّ الناسِ أوضَعُ للإعراضِ والصدِّ في غيرِ موضِعِهما ممَّن ذكَّره بآياتِه وحُجَجِه فدلَّه بها على سبيلِ الرَّشادِ، وهدَاه بها إلى طريقِ النَّجاة، فأعرَض عن آياتِه وأدلَّتِه التى في استدلالِه بها الوصولُ إلى الخلاصِ مِن الهلاكِ. ﴿وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾. يقولُ: ونسِىَ ما أسلَف من الذنوبِ المُهلِكةِ فلم يتبْ منها (٣)، ولم يُنِبْ. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾. أى: نَسِى ما سلَف من الذنوبِ. وقولُه: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إنا جعَلْنا على قلوبِ هؤلاء الذين يُعرضُون عن آياتِ اللهِ إذا ذُكِّروا بها أغطيةً لئلَّا يفقَهُوه. لأن المعنى: أن يفقَهُوا ما ذُكِّروا به. وقولُه: ﴿وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾. يقولُ: في آذَانِهِم ثِقَلًا لِئَلَّا يسمَعوه، ﴿وَإِنْ

стр. 10434

تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى﴾. يقولُ عزَّ ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : وَإِن تَدْعُ يا مُحَمَّدُ هؤلاء المعرضين عن آياتِ اللهِ عندَ التذكيرِ بها، إلى الاستقامةِ على محجَّةِ الحقِّ والإيمانِ باللهِ، وما جئتَهم به مِن عندِ ربِّك - ﴿فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا﴾. يقولُ: فلن يستَقيموا إذًا أبدًا على الحقِّ، ولن يؤمِنوا بما دعوتَهم إليه؛ لأن اللهَ قد طبَع على قُلوبِهم، وسمْعِهم وأبْصارِهم. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا (٥٨)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : وربُّك يا محمدُ الساترُ على ذنوبِ عبادِه بعفوِه عنهم إذا تابوا منها: ﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾ بهم ﴿لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ﴾ هؤلاء المعرضين عن آياتِه إذا ذُكِّروا بها، ﴿بِمَا كَسَبُوا﴾ مِن الذُّنوبِ والآثامِ، ﴿لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ﴾ ولكنَّه لرحمتِه بخلقِه غيرُ فاعلٍ ذلك بهم إلى ميقاتِهم وآجالِهم، ﴿بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ﴾. يقولُ: لكنْ لهم موعدٌ، وذلك ميقاتُ محِلِّ عذابِهم، وهو يومُ بدرٍ، ﴿لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: لن يجِدَ هؤلاء المشركون، وإن لم يُعَجِّلْ لَهم العذابُ فى الدنيا، من دونِ المَوْعِدِ الذي جعَلتُه ميقاتًا لعذابِهم، ملْجَأً يلْجَئون إليه، ومَنْجًى يَنْجُون منه. يعنى أنهم لا يَجِدُون مَعقِلًا يعْتقِلون به من عذابِ اللهِ. يُقالُ منه: وأَلْتُ مِن كذا إلى كذا، أيلُ وُءولًا، مثلُ "وُعولًا"، ومنه قولُ الشاعرِ (١): لا وأَلتْ (٢) نفسكَ خلَّيْتَها … للعامرييْنِ ولم تُكْلَمِ

стр. 10435

يقولُ: لا نَجَتْ. وقولُ الأعشى (١): وقد أُخالسُ ربَّ البيتِ غفلَتَهُ … وقد يُحاذِرُ منِّى ثم ما يئِلُ وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسي، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿مَوْئِلًا﴾. قال: مَحْرِزًا (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثله. حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ الله، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا﴾. يقولُ: مَلْجأً (٣). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا﴾، أي: لن يجِدُوا وليًّا ولا مَلْجأً (٤). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا﴾. قال: ليس من دونِه مَلْجَأً يئلون (٥) إليه.

стр. 10436

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا (٥٩)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وتلك القرى من عادٍ وثمودَ وأصحابِ الأيْكَةِ أَهْلَكْنا أهلَها لمَّا ظلَموا فكفَروا باللهِ وآياتِه، ﴿وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾. يعنى: ميقاتًا وأجلًا، حينَ بلَغوه جاءَهم عذابٌ فأهلَكْناهم به. يقولُ: فكذلك جعَلْنا لهؤلاء المشركين من قومِك يا محمدُ، الذين لا يؤمنون بك أبدًا، موعِدًا، إذا جاءَهم ذلك الموعد أهلَكْناهم، سُنَّتَنا فى الذين خَلَوا من قبلِهم من ضُرَبائِهم. كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾. قال: أجلًا (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثني الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. واختلَفتِ القرأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿لِمَهْلِكِهِمْ﴾؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الحجازِ والعراقِ: (لِمُهْلَكِهِم) بضمِّ الميمِ وفتحِ اللامِ، على توجيهِ ذلك إلى أنَّه مصدرٌ من: أُهْلِكُوا إهْلَاكًا (٢). وقرَأه عاصمٌ: (لِمَهْلَكِهِم). بفتحِ الميمِ واللامِ، على توجيهِه إلى المصدرِ، من: هَلَكُوا هَلاكًا ومَهْلَكًا (٢). وأولى القراءتين بالصوابِ عِندى فى ذلك قراءةُ من قرَأه: (لمُهْلَكِهم) بضمِّ

стр. 10437

الميمِ وفتحِ اللامِ؛ لإجماعِ الحُجَّةِ من القرأةِ عليه، واستِدْلالًا بقولِه: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ﴾. فأن يكونَ المصدرُ من "أهلَكْنا"؛ إذ كان قد تقدَّم قبْلَه - أولى. وقيل: ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ﴾. وقد قال قبلَ ذلكِ: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى﴾؛ لأنَّ الهلاكَ إنَّما حلَّ بأهلِ القُرَى، فعاد إلى المعنى، وأَجْرَى الكلامَ عليه دونَ اللفظِ. وقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: قال: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾، يعني أهلَها، كما قال: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾. ولم يُجْرِ (١) بلفظِ "القُرَى"، ولكنْ أجْرَى اللفظَ على القومِ، وأجْرَى اللفظَ في "القريةِ" عليها إلى قوله: ﴿الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ [يوسف: ٨٢]. وقال: ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ﴾. ولم يقلْ: أَهلَكْناها. حمَله على القومِ، كما قال: جاءت تميمٌ. وجعَل الفعلَ لبنى تميمٍ، ولم يجعَلْه لتميمٍ، ولو فعَل ذلك لقال: جاء تميمٌ. وهذا لا يحسُنُ في نحوِ هذا؛ لأنه قد أراد غيرَ تميمٍ فى نحوِ هذا الموضعِ، فجعَله اسمًا، ولم يحتمِلْ إذ اعتلَّ أَن يَحذِفَ ما قبلَه كلَّه معنى التاءِ من "جاءت" مع "بني" (٢)، وترَك الفعلَ على ما كان ليُعلِمَ أَنَّه قد حذَف شيئًا قبلَ تميمٍ. وقال بعضُهم: إنما جاز أن يُقالَ: ﴿تِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ﴾؛ لأن القريةَ قامَت مَقامَ الأهلِ، فجاز أن تُردَّ على الأهلِ مرَّةً، وعليها مرَّةً، ولا يجوزُ ذلك في تميمٍ؛ لأن القبيلةَ تُعرَفُ به، وليس تميمٌ هو القبيلةَ، وإنما عُرِفتِ القبيلةُ به، ولو كانت القبيلةُ قد سُمِّيت بالرجلِ لجرَت علَيه، كما تقولُ: وقَعتُ في "هودٍ". تريدُ في سورةِ "هودٍ" وليس هودٌ اسمًا للسورةِ؛ وإنما عُرِفتِ السورةُ به، فلو سمَّيتَ

стр. 10438

السورةَ بهودَ لم تُجْرِ (١)، فقلتَ: وقَعتُ في هودَ يا هذا. لم تُجْرِ، وكذلك لو سُمِّى بنُو تميمٍ بتميمَ لَقِيل: هذه تميمُ قد أقْبَلت. فتأويلُ الكلامِ: وتلك القُرَى أهْلَكْناهم لما ظَلَموا، وجَعَلْنا لإهْلَاكِهم موعدًا. القولُ (*) في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (٦٠)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : واذكُرْ يا محمدُ إذ قال موسى بنُ عمرانَ لفَتاه يُوشَعَ بنِ نُونٍ - [وقيل ليوشعَ: فتى موسى؛ لملازمتِه إياه، وهو يوشعُ بنُ نونِ بنِ إفراييمَ بنِ يوسفَ بنِ يعقوبَ] (٢) -: ﴿لَا أَبْرَحُ﴾. يقولُ: لا أزالُ أسيرُ ﴿حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾. كما حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿لَا أَبْرَحُ﴾. قال: لا أنتَهى (٣). وقيل: عنى بقوله: ﴿مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾: اجتماعَ بحرِ فارسَ والرومِ. والمَجمعُ: مصدرٌ من قولِهم: جَمَع يجمَعُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ

стр. 10439

الْبَحْرَيْنِ﴾: والبحران: بحرُ الرومِ وبحرُ فارسَ، وبحرُ الرومِ مما يلى المغربَ، وبحرُ فارسَ مما يلى المشرقَ (١). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾. قال: بحرُ فارسَ وبحرُ الرومِ (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾. قال: بحرُ الروم وبحرُ فارسَ؛ أحدُهما قِبَلَ المشرقِ، والآخرُ قِبَلَ المغربِ (٣). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: ﴿مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ (٤)﴾. حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ الضُّرَيْسِ، قال: ثنا أبو معشرٍ، عن محمدِ ابنِ كعبٍ في قولِه: ﴿لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾. قال: طَنْجَةُ (٥). وقولُه: ﴿أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾. يقولُ: أَو أسيرَ زمانًا ودهرًا. وهو واحدٌ، ويُجمَعُ كثيرُه وقليلُه: أحْقابٌ. وقد تقولُ العربُ: كنتُ عندَه حِقْبَةً من الدَّهرِ. ويجمَعونها حِقَبًا. وكان بعضُ أهلِ العربيةِ يوجِّه تأويلَ قولِه: ﴿لَا أَبْرَحُ﴾. إلى (٦): لا أزولُ.

стр. 10440

ويستشهِدُ لقولِه ذلك ببيتِ الفرزدقِ (١): فما برِحُوا حتى تهادَت نساؤُهم … ببَطْحاءِ ذى قارٍ عِيابَ اللَّطائمِ (٢) وذكَر بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ (٣) أن الحُقُبَ في لغةِ قيسٍ سنةٌ. فأما أهلُ التأويلِ فإنهم (٤) اختلَفُوا فيه؛ فقال بعضُهم: هو ثمانون سنةً. ذكرُ مَن قال ذلك حُدِّثتُ عن هشيمٍ، قال: ثنا أبو بَلْجٍ، عن عمرِو بنِ ميمونٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو، قال: الحُقُبُ ثمانون سنةً (٥). وقال آخرون: هو سبعون سنةً. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾. قال: سبعين خريفًا. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ

стр. 10441

مثلَه (١). وقال آخرون في ذلك نحوَ الذي قلنا فيه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾. قال: دهرًا (٢). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿حُقُبًا﴾. قال: "الحقب" زمانًا (٣). حدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾. قال: الحقبُ الزمانُ. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا (٦١)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فلما بلَغ موسى وفتاه مجمعَ البحرينِ. كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾. قال: بينَ البحرينِ (١).

стр. 10442

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. وقولُه: ﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾. يعنى بقوله ﴿نَسِيَا﴾: ترَكا. كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾. قال: أَضَلَّهما (١). حدَّثنا الحارثُ، قال: حدَّثنا الحسنُ، قال: حدَّثنا ورقاءُ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: أضلَّاه (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: أضَلَّهما (٣). وقال بعضُ أهلِ العربيةِ (٤): إن الحوتَ كان مع يوشعَ، وهو الذى نَسِيه، فأُضيف النسيانُ إليهما، كما قال: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢]. وإنما يخرُجُ من المِلْحِ دونَ العذْبِ (٥). قال أبو جعفرٍ: وإنما جاز عندى أن يقالَ: ﴿نَسْيًا﴾؛ لأنهما كانا جميعًا تَزَوَّداه لسفرِهما، فكان حملُ أحدِهما ذلك مضافًا إلى أنه حَمْلٌ منهما، كما يقالُ: خرَج القومُ من موضعِ كذا، وحمَلُوا معهم كذا من الزادِ. وإنما حمَله أحدُهم، ولكنه لما كان ذلك عن رأيِهم وأمرِهم أُضِيف ذلك إلى جميعهم، فكذلك إذا نَسِيه حاملُه في

стр. 10443

موضعٍ، قِيلَ: نسِى القومُ زادَهم. فأُضِيف ذلك إلى الجميعِ بنسيانِ حاملِه ذلك، فيجرِى الكلامُ على الجميعِ، والفعلُ من واحدٍ، فكذلك ذلك في قولِه: ﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾؛ لأن الله جلَّ وعزَّ خاطَب العربَ بلغتِها، وما يتعارَفونه بينَهم من الكلامِ. وأما قولُه: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾. فإن القولَ في ذلك عندَنا بخلافِ ما قال فيه، وسنبيِّنُه إن شاء اللهُ إذا انتهَيْنَا إليه. وأما قولُه: ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾. فإنه يعنِى أن الحوتَ اتخذَ طريقَه الذي سلَكه في البحرِ سربًا. كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾. قال: الحوتُ اتخذَ. ويعنى بالسَّرب المسلكَ والمذهبَ، يَسْرُبُ فيه: يذهَبُ فيه ويسلُكُه. ثم اختلَف أهلُ العلمِ في صفةِ اتخاذِه سبيلَه في البحرِ سَرَبًا؛ فقال بعضُهم: صار طريقُه الذى سلك فيه كالجُحْرِ (١). ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ قولَه: ﴿سَرَبًا﴾. قال: أَثَرُه كأنه جُحْرٌ (٢). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: ثنى ابنُ إسحاقَ، عن الزهريِّ، عن

стр. 10444

عبيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ، عن ابنِ عباسٍ، عن أُبيِّ بن كعبٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ حينَ ذكَر حديثَ ذلك: "ما انجاب (١) ماءٌ منذُ كان الناسُ غيرَه، ثبَت مكانَ الحوتِ الذي فيه، فانْجاب كالكَوَّةِ (٢) حتَّى رَجَعَ إليه موسى، فرَأى مسلَكَه، فقال: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ (٣) " (٤). حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابنُ عطيةَ، قال: ثنا عمرُو بنُ ثابتٍ، عن أبيه، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾. قال: جاء فرَأى أثرَ جناحَيْه في الطينِ حينَ وقَع في الماءِ. قال ابنُ عباسٍ: ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾. وحلَّق بيده (٥). وقال آخرون: بل صار طريقُه في البحرِ ماءً جامدًا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: سَرَب؛ من الجُدِّ (٦) حتى أفضَى إلى البحرِ، ثم سلَك، فجعَلَ لا يسلُكُ فيه طريقًا إلا صار ماءً جامدًا (٧). وقال آخرون: بل صار طريقُه في البحرِ حَجرًا.

стр. 10445

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: جعَل الحوتُ لا يَمَسُّ شيئًا من البحرِ إلا يبِسَ حتى يكونَ صخرةً (١). وقال آخرون: بل إنما اتخَذ سبيلَه سَرَبًا في البرِّ إلى الماءِ حتى وصَل إليه، لا في البحر. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾. قال: قال: حُشِر (٢) الحوتُ في البطحاءِ بعدَ موتِه حيَن أحياه الله، [ثم اتخذ منها سرَبًا حتى وصَل إلى البحرِ. قال: والسَّرَبُ طريقُه حتى وصَل إلى الماء، وهى بطحاءُ يابسةٌ في البرِّ، بعد ما أُكِل منه دهرًا طويلًا. قال: وهو زادُه. قال: ثم أحياه اللهُ] (٣). قال ابنُ زيدٍ: وأخبرَنى أبو شجاعٍ أنه رآه، قال: أُتِيتُ به فإذا هو شِقَّةُ حوتٍ وعينٌ واحدةٌ، وشِقٌّ آخرُ ليس فيه شيءٌ (٤). والصوابُ من القولِ في ذلك أن يقالَ كما قال اللهُ جلَّ ثناؤُه: واتخَذ الحوتُ طريقَه في البحرِ سَرَبًا. وجائزٌ أن يكونَ ذلك السرَبُ كان بانجيابِ الماءِ (٥) عن

стр. 10446

الأرضِ، وجائزٌ أن يكونَ كان بجمودِ الماءِ، وجائزٌ أن يكونَ كان بتحوُّلِه حجرًا. وأَوْضحُ (١) الأقوالِ فيه ما رُوِى الخبرُ به عن رسولِ اللهِ ﷺ الذي ذكَرْناه عن أُبيٍّ عنه (٢). القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا (٦٢)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فلما جاوز موسى وفتاه مجمعَ البحرين، قال موسى لفتاه يوشعَ: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا﴾. يقولُ: جِئْنا بغدائِنا وأَعْطِناه. وقال: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا﴾. كما يقالُ: أتَى الغداءُ وآتَيْتُه. مثلُ ذهَب وأَذْهبتُه. ﴿لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾. يقولُ: لقد لَقِينا من سفرِنا هذا عناءً وتعبًا. وقال ذلك موسى -فيما ذُكِر- بعدَ ما جاوَز الصخرةَ؛ لأنَّه (٣) أُلْقِى عليه الجوعُ ليتذكَّرَ الحوتَ، ويرجِعَ إلى موضعِ مَطْلَبِه. القولُ في تأويلِ قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (٦٣)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال فتَى موسى لموسى حينَ قال له: آتنا غداءَنا لنَطْعَمَ: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ هنالك، ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ﴾. يقولُ: وما أنسانى الحوتَ إلا الشيطانُ ﴿أَنْ أَذْكُرَهُ﴾. فـ "أن" في موضعِ نصبٍ ردًّا على الحوتِ؛ لأن معنى الكلامِ: وما أنسَاني أن أذكُرَ الحوتَ إلا

стр. 10447

الشيطانُ. فلمَّا (١) سبَق الحوتُ إلى الفعلِ، ردَّ (٢) عليه قولَه: ﴿أَنْ أَذْكُرَهُ﴾. وقد ذُكِر أن ذلك في مصحفِ عبدِ اللهِ: (وَمَا أَنْسَانِيهُ أَنْ أُذَكِّرَكَهُ (٣) إِلَّا الشَّيْطَانُ). حدَّثني بذلك بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ (٤). حدَّثنا العباسُ بنُ الوليدِ، قال: سمِعتُ محمدَ بنَ مَعْقِلٍ، يُحدِّثُ عن أبيه، أن الصخرةَ التى أَوَى إليها موسى هى الصخرةُ التي دونَ نهرِ الزِّيبِ (٥) على الطريقِ (٦). [وقولُه] (٧): ﴿وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾. [يقولُ: واتَّخذَ موسى طريقَ الحوتِ في البحرِ عجبًا] (٨) يَعْجَبُ منه. كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾. قال: موسى يَعْجَبُ من أَثَرِ الحوتِ في البحرِ،

стр. 10448

ودَوَّارتِه (١) التى غاب فيها، فوجد عندها خَضِرًا (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا الحسنُ بن يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾: فكان موسى (٣) اتخَذ سبيلَه في البحرِ عجبًا، فكان (٤) يَعْجَبُ من سَرَبِ الحوتِ (٥). حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾. قال: عَجَبٌ واللهِ، حوتٌ كان يؤكَلُ منه دهرًا، أيُّ شيءٍ أعجبُ من حوتٍ كان دهرًا من الدهورِ يؤكَلُ منه، ثم صار حيًّا حتى حُشِر (٦) في البحرِ (٧). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: جعَل الحوتُ لا يَمَسُّ شيئًا من البحرِ إلا يَبِس حتى يكونَ صخرةً، فجعَل نبيُّ اللهِ يَعْجَبُ من ذلك (٨).

стр. 10449

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا الحسنُ بنُ عطيةَ، قال: ثنا عمرُو بنُ ثابتٍ، عن أبيه، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن بن عباسٍ: ﴿وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾. قال: [اتخذ موسى سبيلَ الحوتِ عجبًا] (١). القولُ في تأويلِ قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا (٦٤) فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (٦٥)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال موسى لفتاه: ﴿ذَلِكَ﴾ يعنى بـ ﴿ذَلِكَ﴾: نسيانَك الحوتَ، ﴿مَا كُنَّا نَبْغِ﴾. يقولُ: الذى كنا نلتمسُ ونطلُبُ؛ لأن موسى كان قِيل له: صاحبُك الذى تُرِيدُهُ حيث تنسَى الحوتَ. كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾. قال موسى: فذاك حيث (٢) أُخبِرتُ أَنِّي واجدٌ خَضِرًا حيث يفوتُني الحوتُ (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه (٤)، إلَّا أنه قال: حيث يفارِقُني الحوتُ. وقولُه: ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾. يقولُ: فرجَعا في الطريقِ الذي كانا

стр. 10450

قطَعاه ناكصين على أدبارِهما يَقُصَّان آثارَهما التي كانا سلَكاها. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿قَصَصًا﴾. قال: اتَّبَع موسى وفتاه أثرَ الحوتِ، فشقَّا (١) البحرَ راجعَين (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾. قال: اتِّباعُ موسى وفتاه أثرَ الحوتِ بشقِّ البحرِ، وموسى وفتاه راجعان، وموسى يعجَبُ من أثرِ الحوتِ في البحرِ ودوَّارتِه (٣) التي غاب فيها. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: رجَعا عودَهما على بدئِهما، ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾. حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: ثنى ابنُ إسحاقَ، عن الزهريِّ، عن عبيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ، عن ابن عباسٍ، عن أبيِّ بنِ كعبٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : " ﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾. أى: يَقُصَّان آثارَهما حتى انتهيا إلى مدخل الحوتِ" (٤).

стр. 10451

وقولُه: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾. [يقولُ: فوجَد موسى وفتاه عنَد الصخرةِ حين رجَعا إليها ﴿عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا﴾. ذُكِر أنه الخضِرُ، ﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾] (١). يقولُ: وهَبنا له رحمةً من عندِنا، ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾. يقولُ: وعلَّمناه من عندِنا أيضًا علمًا. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾. أي: من عندِنا علمًا. وكان سببَ سفرِ موسى وفتاه، ولقائِه هذا العالِمَ الذي ذكَره اللهُ في هذا الموضعِ، فيما ذُكِر، أن موسى سُئِل: هل في الأرضِ أحدٌ أعلمُ منك؟ فقال: لا. أو حدَّثته نفسُه بذلك، فكُرِه ذلك له، فأراد اللهُ تعريفَه أن من عبادِه في الأرضِ من هو أعلمُ منه، وأنه لم يكنْ له أن يَحْتِمَ على ما لا علمَ له به، ولكن كان ينبغي له أن يكِلَ ذلك إلى عالِمه. وقال آخرون: بل كان سببَ ذلك أنه سأَل اللهَ جَلَّ ثناؤُه أَن يَدُلَّه على عالمٍ يزدادُ من علمِه إلى علمِ نفسِه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن هارونَ بنِ عنترةَ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: سأَل موسى ربَّه، فقال: ربِّ، أيُّ عبادِك أحبُّ إليكَ؟ قال: الذي يذكُرُني ولا ينسَاني. قال: فأيُّ عبادِك أقضَى؟ قال: الذى يقضِى بالحقِّ ولا يَتَّبِعُ الهوى. قال: أى ربِّ، أيُّ عبادِك أعلمُ؟ قال: الذي يبتغِي علم الناسِ إلى

стр. 10452

علمِه (١)، عسى أن يُصِيبَ كلمةً تهديه إلى هُدًى، أو تَرُدُّه عن رَدًى. قال: ربِّ، فهل في الأرضِ أحدٌ (٢)؟ قال: نعم. قال: ربِّ، فمَن هو؟ قال: الخَضِرُ. قال: وأين أطلُبُه؟ قال: على الساحلِ عندَ الصخرةِ التى يَنْفَلِتُ عندَها الحوتُ. قال: فخرَج موسى يطلُبُه، حتى كان ما ذكَر اللهُ، وانتهَى موسى إليه عندَ الصخرةِ، فسلَّم كلُّ واحدٍ منهما على صاحبِه، فقال له موسى: إنى أُرِيدُ أن تَستصحِبَني. قال: إنك لن تُطِيقَ صُحبَتى. قال: بلى. قال: فإن صحِبتَى ﴿فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (٧٠) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (٧١) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٢) قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (٧٣) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (٧٤)﴾ إلى قولِه: ﴿لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾. قال: فكان قولُ موسى في الجدارِ لنفسِه، ولطلبِ شيءٍ من الدنيا، وكان قولُه في السفينةِ وفي الغلامِ للَّهِ، ﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾. فَأَخْبَره بما قال اللهُ: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ﴾، ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ﴾، ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ﴾. قال: فسار به في البحرِ حتى انتهَى إلى مجمعِ البحورِ، وليس في الأرضِ مكانٌ أكثرُ ماءً منه. قال: وبعَث ربُّكَ الخُطَّافَ (٣) فجعَل يستقِى منه بمِنقارِه. فقال لموسى: كم ترَى هذا الخطافَ رَزَأَ (٤) من هذا الماءِ؟ قال: ما أقلَّ ما رَزَأ. قال: يا موسى، فإن علمى وعلمَك في علمِ اللهِ كقدْرِ ما استقَى هذا الخطافُ من هذا الماءِ. وكان موسى قد حدَّث نفسَه أنه ليس أحدٌ أعلمَ منه، أو تكلَّم به، فمِن ثَمَّ أُمِرَ أَن يَأْتِيَ

стр. 10453

الخَضِرَ (١). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن أبي إسحاقَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: خطَب موسى بني إسرائيلَ، فقال: ما أحدٌ أعلمَ باللهِ وبأمرِه منى. [فأُمِر أن يلقَى] (٢) هذا الرجلَ (٣). حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ أنه قِيل له: إن آيةَ لُقِيِّك إياه أن تنسَى بعضَ متاعِك. فخرَج هو وفتاه يوشعُ بنُ نونٍ، وتزوَّدوا (٤) حوتًا مملوحًا، حتى إذا كانا حيث شاء اللهُ، ردَّ اللهُ إلى الحوتِ رُوحَه، فسرَب في البحرِ، فاتخَذ الحوتُ طريقَه سَرَبًا في البحرِ، فَسَرَب فيه، ﴿فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا﴾ حتى بلَغ قولَه: ﴿وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾، فكان موسى اتخذ سبيله في البحرِ عجبًا، فكان يَعْجَبُ من سَرَبِ الحَوتِ (٥). حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن أبي إسحاقَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لما اقتصَّ موسى أثرَ الحوتِ انتهَى إلى رجلٍ راقدٍ قد سجَّى عليه ثوبَه، فسلَّم عليه موسى، فكشَف الرجلُ عن وجهِه، فردَّ (٦) عليه¬ السلامَ وقال: مَن أنتَ؟ قال: موسى. قال: صاحبُ بني إسرائيلَ؟ قال: نعم. قال: أوَما كان لك في بنى إسرائيلَ شغلٌ؟ قال: بلى، ولكنى أُمِرتُ أن آتِيكَ

стр. 10454

وأَصْحبَك. قال: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾. كما قصَّ اللهُ، حتى بلَغ (١): ﴿رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا﴾ صاحبُ موسى، ﴿قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾. يقولُ: نُكْرًا. ﴿قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (٧٣) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً (٢) بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ (٣). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، قال: ثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: قلتُ لابنِ عباسٍ: إن نوفًا يزعُمُ أَن الخضِرَ ليس بصاحبِ موسى. فقال: كذَب عدوُّ اللهِ، حدَّثنا أبيُّ بنُ كعبٍ، عن النبيِّ ﷺ قال: "إن موسى قام في بني إسرائيلَ خطيبًا، فقيل: أيُّ الناسِ أعلمُ؟ قال: أنا. [فعتَب اللهُ] (٤) عليه حينَ لم يَرُدَّ العلمَ إليه، فقال: بلى، عبدٌ لي عندَ مجمعِ البحرين. فقال: يا ربِّ، كيف به؟ فقيل: تأخُذُ حوتًا فتجعَله في مِكْتَلٍ، [فحيث تفقِدُه فهو هناك. قال: فأخَذ حوتًا فجعَله في مِكْتلٍ] (٥). ثم قال لفتاه: إذا فقَدتَ هذا الحوتَ فأخبِرْني. فانطلَقا يمشِيان على ساحلِ البحرِ حتى أتيا صخرةً، فرقَد موسي، فاضطرَب الحوتُ في المِكْتَلِ، فخرَج فوقَع في البحرِ، فأمسَك اللهُ عنه جِرْيَةَ الماءِ، فصار مثلَ الطَّاقِ، فصار للحوتِ سَرَبًا، وكان لهما عجبًا، ثم انطلَقا، فلما كان حين الغَداءِ (٦)، قال موسى لفتاه: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾. قال: ولم يَجِدْ موسى النَّصَبَ حتى جاوَز حيث أمره اللهُ. قال: فقال: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ

стр. 10455

أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾. قال: فقال: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾. قال: يَقُصَّان آثارَهما. قال: فأَتَيا الصخرةَ، فإذا رجلٌ نائمٌ مُسَجًّى بثوبِه، فسلَّم عليه موسى، فقال: وأَنَّى بأرضِنا السلامُ! فقال: أنا موسى. فقال: موسى (١) بني إسرائيلَ؟ قال: نعم. قال: يا موسى، إنى على علمٍ من علمِ اللهِ، علَّمنيه اللهُ لا تعلَمُه، وأنت (٢) على علمٍ من علمِه علَّمكه اللهُ (٣) لا أَعلَمُه. قال: فإني ﴿أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾. قال: ﴿فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾. فانطلَقا يمشِيان على الساحلِ، فعُرِف الخضِرُ، فحُمِل بغيرِ نَوْلٍ، فجاء عصفورٌ، فوقع على حرفِها فنقَر -أو: فنقَد- في الماءِ، فقال الخضِرُ لموسى: ما ينتقصُ (٤) عِلْمِي وعلمُك من علمِ اللهِ إلا مقدارَ ما نقَر -أو نقَص- هذا العصفورُ من البحر" -أبو جعفر يشكُّ، وهو في كتابه: نقَر- قال: "فبينما [هم في السفينةِ] (٥) إذ لم يُفْجأْ موسى إلا وهو يتِدُ وَتِدًا أو ينزعُ تَخْتًا منها، فقال له موسى: حُمِلْنا بغيرِ نَوْلٍ وتخرِقُها لتُغرِقَ أَهْلَهَا؟ ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾. قال: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٢) قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾. قال: وكانت الأولى من موسى نِسْيانًا. قال: ثم خرَجَا فانْطَلَقا يَمشِيان، فأبْصَرا غلامًا يلعَبُ مع الغِلْمانِ، فأخَذ برأسِه فقَتَله، فقال له موسى: (أَقَتَلْتَ نفْسًا زَاكِيَةً بغيرِ نَفْسٍ لقد جِئتَ شيئًا نُكْرًا). قال: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٥) قَالَ إِنْ

стр. 10456

سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾. قال: ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا﴾. فلم يجدا أحدًا يُطْعِمُهم ولا يَسقِيهم، ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾ بيدِه، قال: مسَحَه بيدِه، فقال له موسى: لم يُضَيِّفُونا ولم يُنْزِلُونا، ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ (١) عَلَيْهِ أَجْرًا﴾. قال: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ ". قال: فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "لَوَدِدتُ أنَّه كان صبَر حتى يَقُصَّ عَلَيْنا قَصَصَهم" (٢). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: حدَّثني ابنُ إسحاقَ، عن الحسنِ بنِ عُمارةَ، عن الحكمِ بن عُتيبةَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: جلستُ عندَ (٣) ابنِ عباسٍ وعندَه نفرٌ من أهلِ الكتابِ، فقال بعْضُهم: يا أبا العباسِ، إن نوفًا ابنَ امرأةِ كعبٍ يزعُمُ عن كعبٍ، أن موسى النبيَّ الذى طلَب العالمَ إنَّما هو موسى بنُ مَنْسَا (٤). قال سعيدٌ: قال ابنُ عباسٍ: أنَوْفٌ يقولُ هذا؟ قال سعيدٌ: فقلتُ له نعمْ، أنا سمِعتُ نوفًا يقولُ ذلك. قال: أنتَ سمِعتَه يا سعيدُ؟ قال: قلتُ: نعم. قال: كذَب نوفٌ. ثم قال ابنُ عباسٍ: حدَّثني أبيُّ بن كعبٍ عن رسولِ اللهِ ﷺ أَنَّ موسى نبيُّ بنى إسرائيلَ سأل ربَّه فقال: أىْ ربِّ، إن كان في عبادِك أحدٌ هو أعلمُ مِنِّى فَادْلُلْنِي عليه. فقال له: نعمْ في عبادِى مَن هو أعلمُ مِنكَ. ثم نعَت له مكانَه، وأذِن له في لُقِيِّه، فخَرَج موسى ومعه فتاه ومعه حوتٌ مليحٌ، قد قيل له: إذا حَيِىَ هذا الحوتُ في مكانٍ فصاحِبُك هنالك، وقد أدرَكْتَ حاجتَك. فخرَج موسى ومعه فتاه، ومعه

стр. 10457

ذلك الحوتُ يَحْمِلانِه، فسار حتى جَهَدَه السَّيرُ، وانتهى إلى الصَّخرةِ وإلى ذلك الماءِ، [وذلك الماءُ] (١) ماءُ الحياةِ، من شرِب منه خُلِّد، ولا يقارِبُه شَيْءٌ مَيِّتٌ إِلا حَيِيَ، فلمَّا نزَلا ومسَّ الحوتُ الماءَ حيِيَ ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾. فَانْطَلَقا، فلمَّا جاوَزا بمَنْقَلةٍ (٢) قال موسى لفتاه: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾. قال الفَتَى وذكَر: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾. قال ابن عباسٍ: فظَهر موسى على الصخرةِ حين انْتَهَيا إليها، فإذا رجلٌ مُتَلفِّفٌ في كساءٍ له، فسَلَّم موسى، فردَّ عليه العالمُ، ثم قال له: [ومن أنت؟ فقال: أنا موسى بنُ عمرانَ. قال: صاحبُ بني إسرائيلَ؟ قال: نعم. قال] (٣): وما جاء بك؟ إن كان لك في قومِك لشغلٌ؟ قال له موسى: جئتُكَ لتُعَلِّمَنى مما عُلِّمتَ رُشْدًا. ﴿قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ -وكان رجلًا [يَعْمَلُ على] (٤) الغَيْبِ قد عُلِّم ذلك -فقال موسى: بلى. قال: ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾. أى: إنما تعرِفُ ظاهرَ ما ترَى من العَدْلِ، ولم تُحطْ من علمِ الغيبِ بما أعلمُ. ﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾. وإن رأيتُ ما يُخالِفُنى. ﴿قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ [حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾. أى: فلا تسأَلْني عن شيءٍ وإِن أَنْكرتَه ﴿حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾. أى: خَبرًا] (٥). فانْطلَقا يمشيان على ساحلِ البحرِ، يتعرَّضان الناسَ، يَلْتمِسان مَن يحمِلُهما، حتى مرَّت بهما سفينةٌ جديدةٌ وثيقةٌ لم يمرَّ بهما من

стр. 10458

السفنِ شيءٌ أحسنُ ولا أجملُ ولا أوثقُ منها، فسأَلا أهلَها أن يحمِلوهما، فحمَلوهما، فلما اطمأَنَّا فيها، ولَجَّجَتْ (١) بهما مع أهلِها، أخرَج مِنْقَارًا له ومِطْرَقةً، ثم عمَد إلى ناحيةٍ منها فضرَب فيها بالمِنْقارِ حتى خرَقها، ثم أخَذ لوحًا فطبَّقه عليها، ثم جلَس عليها يَرْقَعُها. قال له موسى - [ورأَى أمرًا أُفْظِع به] (٢) -: ﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾: [حمَلونا وآوَونا إلى سفينتِهم، وليس في البحرِ سفينةٌ مثلُها، فلِمَ خرَقتها لتغرِقَ أهلَها؟ لقد جئتَ شيئًا إمرًا] (٣)، ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٢) قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾. أى: بما ترَكتُ من عهدِك، ﴿وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾. ثم خرَجا من السفينةِ، فانطلَقَا حتى أتَيا أهلَ قريةٍ، فإذا غِلْمَانٌ يلعبون خَلْفَها، فيهم غلامٌ ليس في الغلمانِ غلامٌ أظرفُ ولا أَثْرَى (٤) ولا أَوْضَأُ منه، فأَخَذ (٥) بيدِه، وأخَذ حجرًا. قال: فضرَب به رأسَه حتى دمَغه فقتلَه. قال: فرأَى موسى أمرًا فظيعًا لا صبرَ عليه، صبيٌّ صغيرٌ قتَله (٦) لا ذنبَ له، ﴿قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً (٧)﴾. أى: صغيرةً ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (٧٤) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٥) قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾. أى: قد أُعذِرْتَ في شأني. ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ

стр. 10459

يَنْقَضَّ﴾ فهدَمه، ثم قعد يَبْنِيه، فضجر موسى مما رآه يصنَعُ من التكلُّفِ (١) لما ليس عليه صبرٌ، فقال: ﴿قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ (٢) عَلَيْهِ أَجْرًا﴾. أى: قد استطعَمناهم فلم يُطْعِمُونا، وضِفْناهم فلم يُضيِّفُونا، ثم قعَدتَ تعمَلُ (٣) فِي غيرِ ضَيْعةٍ (٤)، ولو شِئْتَ لأُعْطِيتَ عليه أجرًا في عملِه! ﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٧٨) أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ (٥) غَصْبًا﴾ - وفي قراءةِ أبيِّ بنِ كعبٍ: (كلَّ سَفِينَةٍ صالِحَةٍ) (٦) -وإنما عِبتُها لأَرُدَّه عنها، فسَلِمَتْ منه حينَ رأَى العيبَ الذى صنَعتُ بها، ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (٨٠) فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (٨١) وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾. أى: ما فعلتُه عن نفسى، ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾. فكان ابنُ عباسٍ يقولُ: ما كان الكنزُ إلا علمًا (٧). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: ثني ابنُ إسحاقَ، عن الحسنِ بنِ عُمارةَ، عن أبيه، عن عكرمةَ، قال: قيل لابنِ عباسٍ: لم نَسمَعْ لفتى موسى بذكرٍ من حديثٍ، وقد كان معه؟ فقال ابنُ عباسٍ -فيما يَذْكُرُ من حديثِ الفتى- قال:

стр. 10460

شرِب الفتى من الماءِ فخُلِّد، فأخَذه العالِمُ فطابَق به سفينةً، ثم أرسَله في البحرِ، فإنها لتموجُ به إلى يوم القيامة، وذلك أنه لم يَكُنْ له أن يشرب منه فشرِب (١). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾ الآية. قال: لما ظهَر موسى وقومُه على مصرَ، أَنزَل قومَه مصرَ، فلما استقرت بهم الدارُ أنزل الله عليه، أن ذكِّرْهم بأيَّام اللهِ. فخطب قومه، فذكر ما آتاهم اللهُ من الخيرِ والنعمةِ، وذكَّرَهم إذ أنجاهم اللهُ من آلِ فرعونَ، وذكَّرَهم هلاكَ عدوِّهم، وما استخلَفهم اللهُ في الأرضِ، وقال: كلَّم الله نبيَّكم تكليمًا، واصطفَاني لنفسه، وأنزَل عليَّ محبةً منه، وآتاكم اللهُ من كلِّ ما سأَلتموه، فنبيُّكم أفضلُ أهلِ الأرضِ، وأنتم تقرَءُون التوراةَ. فلم يترُكْ نعمةً أنعمَها اللهُ عليهم إلَّا ذكَرها، وعرَّفها إياهم. فقال له رجلٌ من بني إسرائيلَ: هو كذلك يا نبيَّ اللهِ، قد عرَفنا الذي تقولُ، فهل على الأرضِ أحدٌ أعلمُ منك يا نبيَّ الله؟ فقال: لا. فبعَث اللهُ جبريلَ إلى موسى ﵉، فقال: إن اللهَ يقولُ: وما يُدْرِيكَ أين أَضَعُ عِلْمى؟ بلى، إن على شطَّ البحرِ رجلًا أعلمَ منكَ. فقال ابنُ عباسٍ: هو الخَضِرُ. فسأَل موسى ربَّه أن يُرِيَه إياه، فأوحَى اللهُ إليه أن ائْتِ البحرَ، فإنك تجِدُ على شطَّ البحرِ حُوتًا، فخُذْه فادفَعْه إلى فتَاك، ثم الزَمْ شطَّ البحرِ، فإذا نسِيتَ الحوتَ وهلَك منكَ، فثَمَّ تَجِدُ العبدَ الصالحَ الذى تطلُبُ. فلما طال سفرُ موسى نبيِّ اللهِ ﵇، ونَصِب فيه، سأَل فتاه عن الحوتِ، فقال له فتاه، وهو غلامُه: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ لك. قال الفتى: لقد رأَيتُ الحوتَ حينَ اتَّخَذ سبيلَه في البحرِ سَرَبًا. فأعجَب ذلك موسى،

стр. 10461

فرجَع حتى أتَى الصخرةَ، فوجَد الحوتَ، [فجعَل الحوتُ] (١) يضربُ في البحرِ، ويتْبَعُه موسى، وجعَل موسى يُقدِّمُ عصاه يَفرُجُ بها عنه (٢) الماءَ يَتْبَعُ الحوتَ، وجعَل الحوتُ لا يمسُّ شيئًا من البحرِ إلا يبِس حتى يكونَ صخرةً، فجعَل نبيُّ اللهِ ﵇ يَعْجَبُ من ذلك حتى انتهَى به الحوتُ إلى جزيرةٍ من جزائرِ البحرِ، فلقِى الخَضِرَ بها فسلَّم عليه، فقال الخضرُ: وعليك السلامُ، وأنى يكونُ هذا السلامَ بهذه الأرضِ! ومَن أنتَ؟ قال: أنا موسى. فقال له الخضرُ: أصاحبُ بني إسرائيلَ؟ قال: نعم. فرحَّب به، وقال: ما جاء بك؟ قال: جئتُكَ على أَن تُعَلِّمَنى مما عُلِّمتَ رُشدًا. قال: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾. يقولُ: لا تُطِيقُ ذلك. قال موسى: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾. قال: فانطلق به وقال له: لا تسأَلْنى عن شيءٍ أصنَعُه حتى أُبَيِّنَ لك شأنَه. فذلك قولُه: ﴿حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾. فرَكبا في السفينةِ يُرِيدان البرَّ، فقام (٣) الخضرُ فخرق السفينةَ، فقال له موسى: ﴿خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾ (٤). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾: ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ موسى صلى الله عليه لما قطَع البحرَ وأنجاه اللهُ من آلِ فرعونَ، جَمَع بني إسرائيلَ، فخطَبهم فقال: أنتم خيرُ أهلِ الأرضِ وأعلمُه، قد أهلَك الله عدوَّكم، وأقطعكم البحر، وأَنْزَل عليكم التوراةَ. قال: فقيل له: إن ههنا رجلًا هو أعلمُ منك. قال: فانطلق هو وفتاه يوشعُ بنُ نونٍ

стр. 10462

يطلُبانِه، فتزوَّدوا (١) مملوحةً في مِكْتَل لهما، وقيل لهما: إذا نسيتما ما معكما لقِيتما رجلًا عالمًا يقال له: الخَضِرُ. فلما أتيا ذلك المكانَ، ردَّ اللهُ إلى الحوتِ روحَه، فسرَب له من الجُدِّ (٢) حتى أَفْضَى إلى البحر، ثم سلَك، فجعَل لا يسلُكُ فيه طريقًا إلا صار ماءً جامدًا. قال: ومضى موسى وفتاه. يقولُ الله : ﴿فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا (٦٢) قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾. ثم تلا إلى قوله: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾. فلقيا رجلًا عالمًا يقالُ له: الخضرُ، فذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ قال: "إنما سُمِّي الخَضِرُ خضِرًا؛ لأنه قعَد على فَروةٍ (٣) بيضاءَ فاهتزَّت به خضراءَ" (٤). حدثني العباسُ بنُ الوليدِ، قال: أخبرني أبي، قال: حدثنى الأوزاعيُّ، قال: حدثنى الزهريُّ، عن عبيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ بن عتبةَ بنِ مسعودٍ، عن ابن عباسٍ، أنه تمارَى هو والحُرُّ بنُ قيسِ بنِ حِصْنٍ الفزاريُّ في صاحب موسى، فقال ابنُ عباسٍ: هو خضِرٌ. فمرَّ بهما أبيُّ بنُ كعبٍ، فدعاه ابنُ عباسٍ، فقال: إني تمارَيتُ أنا وصاحبي هذا في صاحبِ موسى الذى سأل السبيلَ إلى لُقِيِّه، فهل (٥) سمِعتَ رسولَ اللهِ يذكُرُ شأنَه؟ قال: نعم (٦)، سمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: "بيْنَا موسى في ملأٍ من بنى إسرائيلَ إذ جاءه رجلٌ فقال: تعلَمُ [مكانَ أحدٍ] (٧) أعلمَ منك؟ قال موسى: لا.

стр. 10463

فأَوْحَى الله إلى موسى: بلي، عبدُنا (١) خضِرٌ. فسأل موسى السبيلَ إلى لُقِيِّه، فجعَل اللهُ له الحوتَ آيةً، وقيل له: إذا افتقدتَ (٢) الحوتَ فارجِعْ فإنك ستلقاه. فكان موسى يتْبعُ أثرَ الحوتِ في البحرِ، فقال فتى موسى لموسى: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾. قال موسى: ﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا (٦٤) فَوَجَدَا عَبْدًا﴾ (٣)، خَضِرًا، وكان من شأنهما ما قصَّ الله في كتابِه" (٤). حدَّثني محمدُ بنُ مرزوقٍ، قال: ثنا الحجاجُ بنُ المنهالِ، قال: ثنا عبد اللهِ بنُ عمرَ النُّميريُّ، عن يونسَ بنِ يزيدَ، قال: سمِعتُ الزهريِّ يحدِّثُ، قال: أخبرني عبيدُ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عتبةَ بنِ مسعودٍ، عن ابنِ عباسٍ، أنه تمارَى هو والحرُّ بن قيسِ بن حصنٍ الفَزاريُّ في صاحبِ موسى. ثم ذكَر نحوَ حديثِ العباسِ، عن أبيه (٥). القولُ في تأويلِ قوله جلّ ثناؤُه: ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ (٦) مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (٦٦) قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٦٧)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال موسى للعالمِ: هل أتَّبِعُك على أن تُعلِّمَنى من العلمِ الذى علَّمك اللهُ، ما هو رَشادٌ إلى الحقِّ ودليلٌ على هدًى؟ قال: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال العالمُ: إنَّك لن تُطِيقَ الصبرَ معى؛ وذلك أَنِّي

стр. 10464

أعْمَلُ بباطنِ علمٍ علَّمَنيه اللهُ، ولا عِلمَ لك إلَّا بالظاهرِ من الأُمورِ، فلا تَصبِرُ على ما تَرى منِّى (١) من الأفعالِ. كما ذكَرْنا مِن الخبرِ عن ابنِ عباسٍ قبلُ مِن أنَّه كان رجلًا يعمَلُ على الغيبِ، قد عُلِّم ذلك (٢). القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (٦٨) قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (٦٩)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه مُخْبِرًا عن قولِ العالمِ لموسى: وكيف تَصْبِرُ يا موسى على ما تَرى منِّى من الأفعالِ التى لا علْمَ لك بوجوه صوابِها، وتُقيمُ معى عليها، وأنت إنما تحكُمُ على صوابِ المُصيبِ، وخَطأِ المُخْطئِ، بالظاهرِ الذي عندَك، وبمَبْلغِ علمِك، وأفعالى تَقَعُ بغيرِ دليلٍ ظاهرٍ لرأْيِ عينِك على صوابِها؛ لأنَّها تُبتَدَأُ لأسبابٍ تحدُثُ آجلةً غيرَ عاجلةٍ، لا علمَ لك بالحادثِ عنها؛ لأنَّه (٣) غَيْبٌ، و [لم تُحِطْ] (٤) بعلمِ الغيبِ ﴿خُبْرًا﴾. يقولُ: علمًا. ﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ صَابِرًا﴾. [يقولُ: قال موسى للعالمِ: ستجِدُني إن شاء اللهُ صابرًا] (٥) على ما أرَى منك، وإن كان خلافًا لما هو عندِى صوابٌ، ﴿وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾. يقولُ: وأنتهِى إلى ما تأْمُرُنى وإن لم يكنْ مُوافِقًا هواىَ. القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى

стр. 10465

أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (٧٠)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال العالمُ لموسى: فإنِ اتَّبَعتني الآنَ فلا تَسْألني عن شيءٍ أعْمَلُه مما تَسْتَنكِرُه؛ فإنِّى قد أَعْلَمْتُك أَنِّى أعمَلُ العمل على الغيب الذى لا تُحيطُ به علمًا، ﴿حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾. يقولُ: حتى أُحْدِثُ أنا لك ذِكْرًا (١) مما تَرى من الأفعالِ التي أفعلُها التى تَستَنكِرُها، [أذْكُرُه لك، وأُبَيِّنُ لك شأنَه، وأبْتَدئُك بالخبرِ عنه] (٢). كما حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾: عن شيءٍ أصنعُه حتى أُبَيِّنَ لك شأنَه (٣). القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (٧١)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فانطلَق موسى والعالمُ يَسِيران يطلُبان سَفِينَةً يَرْكَبانِها، حتى إذا أصاباها رَكِبا في السَّفينة، فلمَّا رَكِباها خرَق العالمُ السَّفينةَ، قال له موسى: أَخَرَقْتَها بعدما قد لَجَّجْنا فى البَحرِ؛ لتُغْرِقَ أهلها؟ ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾. يقولُ: لقد جئتَ [بشيءٍ عظيمٍ] (٤)، وفعَلتَ فِعْلًا مُنكَرًا. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قولَه: ﴿لَقَدْ

стр. 10466

جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾. أى: عَجَبًا (١)؛ أن قومًا لَجَّجُوا سفينتَهم [في البحرِ فخُرِقَتْ] (٢) كأَحْوجِ ما يكونون (٣) إليها! ولكنْ عَلِم مِن ذلك ما لم يعلَمْ نبىُّ اللهِ موسى (٤) من علمِ اللهِ الذي أتاه، وقد (٥) قال لنبىِّ اللهِ موسى ﵇: ﴿فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾. يقولُ: نُكْرًا. حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسي، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾. قال: مُنكَرًا (٦). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (٧). والإمْرُ في كلامِ العربِ الداهيةُ، ومنه قولُ الراجزِ (٨):

стр. 10467

قد لَقِيَ الأقرانُ مِنْكَ (١) نُكْرَا داهِيةً دَهياءَ إِدًّا إِمْرَا وكان بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ يقولُ: أَصْلُه كلُّ شيءٍ شديدٍ كثيرٍ. ويقولُ: منه قيل للقومِ: قد أَمِروا. إذا كثُروا واشتدَّ أمْرُهم. قال: والمصدرُ منه: الأمَرُ، والاسمُ: الإمْرُ. واختلَفتِ القرَأَةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا﴾. فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ وبعضِ الكوفيِّين: ﴿لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا﴾. بالتاءِ في ﴿لِتُغْرِقَ﴾، ونصْبِ "الأهلِ" (٢)، بمعنى: لتُغرِقَ أنتَ أيُّها الرجلُ أهلَ السَّفينة بالخَرْقِ الذي خرَقْتَ فيها. وقرَأه عامةُ قرأةِ الكوفةِ: (لِيَغْرَقَ) بالياء (أهلُها) بالرفعِ (٣)، على أن "الأهلَ" هم الذين يَغْرَقون. والصوابُ من القولِ فى ذلك عندى أن يُقالَ: إِنَّهما قراءتان معروفَتان مُسْتفيضَتان في قرَأةِ الأمصارِ، متَّفِقَتا المعنى وإنِ اختَلَفت ألفاظُهما، فبأيِّ ذلك قرَأ القارئُ فمصيبٌ. وإنما قُلنا: هما متَّفِقتا المعنى؛ لأنه معلومٌ أن إنكارَ موسى على العالِم خَرْقَ السَّفينةِ إنما كان؛ لأنَّه كان عندَه أن ذلك سببٌ لغَرَقِ أَهْلِها إِذا أُحْدِث (٤) فيها، فلا خفاءَ على أحدٍ معنى ذلك، قُرِئ بالتاءِ ونَصْبِ "الأهلِ"، أو بالياءِ ورَفْعِ "الأهلِ".

стр. 10468

القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٢) قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (٧٣)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال العالمُ لموسى إذ قال له ما قال: ألم أقلْ: إِنَّكَ لن تُطِيقَ معىَ صبرًا على ما تَرى من أفعالِي؛ لأنَّك تَرى ما لم تُحِطْ به خُبْرًا. قال له موسى: ﴿لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾. فاختلَف أهلُ التأويلِ فى معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: كان هذا الكلامُ من موسى ﵇ للعالمِ معارضةً، لا أنَّه كان نَسِيَ عهدَه، وما كان تقدَّم فيه إليه (١) حينَ استَصْحَبه بقولِه: ﴿فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾. ذكرُ مَن قال ذلك حُدِّثْتُ عن يحيى بنِ زيادٍ، قال: ثني يحيى بنُ المُهَلَّبِ، عن رجلٍ، [عن المِنهالِ] (٢)، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن أُبيِّ بنُ كعبٍ الأنصاريِّ في قولِه: ﴿لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾. قال: لم يَنْسَ، ولكنَّها من معارِيضِ الكلامِ (٣). وقال آخرون: بل معنى ذلك: لا تُؤَاخِذْنى بتَرْكِى عهدَك. ووجَّهَ (٤) معنى النِّسيانِ إلى (٥) التَّرْكِ.

стр. 10469

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى ابنُ إسحاقَ، عن الحسنِ بنِ عُمارة، عن الحكمِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾. أى: بما ترَكتُ من عهدِك (١). والصوابُ مِن القولِ فى ذلك أن يُقالَ: إنَّ موسى سألَ صاحبَه أَلَّا يُؤاخِذَه بما نَسِى فيه عهده من سؤالِه إيَّاه عن (٢) وجْهِ ما فعَل وسببِه، لا بما سألَه عنه وهو لعهدِه ذاكرٌ؛ للصحيحِ عن رسولِ اللهِ ﷺ بأن ذلك معناه، مِن الخبرِ. وذلك ما حدَّثنا به أبو كريبٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، قال: ثنا ابنُ عيينةَ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، عن أُبيِّ بنِ كعبٍ، عن رسولِ اللهِ ﷺ : ﴿لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾. قال: "كانت الأُولى مِن موسى نِسْيانًا" (٣). وقولُه: ﴿وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾. يقولُ: لا تُغْشِنى ﴿مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾. يقولُ: لا [يَضِيقُ عليك] (٤) أمْرِى معك، وصُحْبَتى إيَّاك. القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً (٥) بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (٧٤)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فانطلقا حتى إذا لَقِيا غلامًا قتله العالم، فقال له موسى:

стр. 10470

﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾. واختلَفتِ القرَأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرَأتْه عامَّةُ قرَأةِ الحجازِ والبصرةِ: (أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَاكِيَةً) (١). وقالوا: معنى ذلك: المُطَهَّرَةُ التي لا ذنبَ لها، ولم تُذيب قطُّ لصِغَرِها. وقرَأ ذلك عامَّةُ قرَأةِ أهلِ الكوفةِ: ﴿نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ (٢). بمعنى التائبةِ المغفورِ لها ذنوبُها. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾. قال: فالزكيةُ التائبةُ (٣). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: (قال أَقَتَلْتَ نَفْسًا زاكيَةً) قال: الزاكيةُ التائبةُ. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ: (أقَتَلْتَ نَفْسًا زَاكِيَةً). قال: قال الحسنُ: تائبةً (٤). هكذا [قرَأ في الحديثِ بشرٌ والحسنُ] (٥): (زاكيةً).
следующие страницы →