← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 10641–10680 · переход к 10646.

стр. 10641

﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾. قال: حرِّكيها (١). ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾. قال: كان جِذْعًا يابسًا، فقال لها: هُزِّيه، ﴿تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ (٢). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبد المؤمنِ، قال: سمِعتُ أبا نَهيكٍ يقولُ: كانت نخلةً يابسةً. حدَّثني محمد بن سهلِ بنِ عَسْكَرٍ، قال: ثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: ثنى عبدُ الصمدِ بن معقلٍ قال: سمعتُ وهب بن منبِّهٍ يقولُ في قوله: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾: فكان الرطب يتساقط عليها، وذلك في الشتاء (٣). حدَّثنا موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾: وكان جِذْعًا منها مقطوعا فهزَّته، فإذا هو نخلةٌ، وأُجْرِى لها في المحرابِ نهرٌ، فتساقطتِ النخلةُ رطبًا جنيًّا، فقال لها: ﴿كُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا﴾ (٤). وقال آخرون: بل معنى ذلك: وهزِّى إليك بالنخلةِ.

стр. 10642

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبد الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، [قال: قال] (١) مجاهد في قوله: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾. قال: النخلةُ. حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن عيسى بن ميمونٍ، عن مجاهد في قوله: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ قال: العجوة (٢). حدَّثني يعقوب، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا حُصين، عن عمرو بن ميمونٍ، أنه تلا هذه الآيةَ: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥)﴾. قال: فقال عمرٌو: ما من شيءٍ خيرٌ للنفساءِ من التمرِ والرطبِ (٣). وأُدخلت الباء في قوله: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾. كما يقالُ: زوَّجتُك فلانةَ، وزوَّجتُك بفلانةَ. وكما قال: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠]. بمعنى: تَنْبُتُ الدهنَ. وإنما تفعلُ العربُ ذلك؛ لأن الأفعال يُكنَى عنها بالباءِ، فيقالُ إذا كنَيتَ عن: ضربتُ عمرًا: فعلتُ به. وكذلك كلُّ فعلٍ؛ فلذلك تَدخُلُ الباء في الأفعالِ وتَخرجُ، فيكونُ دخولها وخروجُها بمعنًى، فمعنى الكلام: وهُزِّى إليك جذعَ النخلةِ وقد كان لو أن المفسرين كانوا فسَّروه كذلك: وهزِّى إليك رطبًا بجذع النخلة، بمعنى: على جذعِ النخلةِ - وجهًا صحيحًا، ولكن لستُ أحفظُ عن أحدٍ أنه فسَّره كذلك. ومن الشاهدِ على دخولِ الباءِ في موضعٍ، دخولُها فيه (٤)

стр. 10643

وخروجُها منه سواءٌ - قولُ الشاعرِ (١): بوادٍ يمانٍ يُنبِتُ السِّدرَ صدرُه … وأسفلُه بالمَرْخِ والشَّبَهانِ واختلفتِ القرأة في قراءة قوله: ﴿تُسَاقِطْ﴾؛ فقرَأ ذلك عامَّةُ قرأةِ المدينةِ والبصرة والكوفة: (تَسَّاقَطْ)، بالتاءِ من (تَسَّاقطْ) وتشديد السينِ، بمعنى: تتساقطُ عليك النخلةُ رطبًا جنيًّا، ثم تُدغَمُ إحدى التاءين في الأُخرى فتُشدَّدُ، وكأن الذين قرءوا ذلك كذلك وجَّهوا معنى الكلام إلى: وهزِّى إليك بجذع النخلةِ تَسَّاقط النخلة عليك رطبًا جنيًّا (٢). وقرأ ذلك بعضُ قرأةِ الكوفة: (تَساقَطْ) بالتاء وتخفيف السينِ، ووجَّهوا (٣) معنى الكلامِ، إلى مثْلِ ما وجَّهه (٤) إليه مشدِّدوها، غير أنهم خالفوهم في القراءة (٥). ورُوى عن البراء بن عازبٍ أنه قرَأ ذلك: (يَسَّاقطْ) بالياءِ (٦). حدَّثني بذلك أحمد بن يوسفَ، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا يزيد، عن جرير بن حازمٍ، عن أبي إسحاقَ قال: سمعتُ البراء بن عازبٍ يقرؤه كذلك (٧). وكأنه وجَّه معنى الكلامِ إلى: وهزِّى إليك بجذعِ النخلة (٨) يتساقَطِ الجذعُ عليك رطبًا جنيًّا.

стр. 10644

ورُوى عن أبي نَهيكٍ أنه كان يقرؤه: (تُسْقِطُ) بضمِّ التاء وإسقاط الألفِ (١). حدَّثنا بذلك ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بن واضحٍ، قال: ثنا عبد المؤمن، قال: سمِعتُ أبا نَهِيكٍ يقرَؤه كذلك (٢). وكأنه وجَّه معنى الكلام إلى: تُسقِطُ النخلةُ عليكِ رطبًا جنيًّا. والصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندى أن يقال: إن هذه القراءات الثلاثَ، أعنى: (تَسَّاقَطْ) بالتاءِ وتشديدِ السين، وبالتاءِ وتخفيف السين، وبالياء وتشديدِ السين، قراءاتٌ متقارباتُ المعانى، قد قرأ بكلِّ واحدةٍ منهنَّ قرأةٌ (٣) أهلُ معرفة (٤) بالقرآنِ، فبأيِّ ذلك قرأ القارئ فمصيبٌ الصوابَ فيه، وذلك أن الجذع إذا تساقط رطبًا، وهو ثابتٌ غير مقطوعٍ، فقد تساقطتِ النخلة رطبًا، وإذا تساقطت النخلة رطبًا، فقد تساقطتِ النخلةُ بأجمَعِها، جذعُها وغيرُ جذعها، وذلك أن النخلة ما دامت قائمةً على أصلها، فإنما هي جذعٌ وجريدٌ وسعَفٌ، فإذا قُطِعت صارت جذعًا، فالجذعُ الذى أُمرت مريم بهزِّه لم يَذْكُرْ أحدٌ نعلمُه أنه كان جذعًا مقطوعًا، غيرُ السدىِّ، وقد زعم أنه عاد بهزِّها إياه نخلةً، فقد صار معناه ومعنى من قال: كان المتساقط عليها رطبًا نخلةً. واحدًا، فبيِّنةٌ (٥) بذلك صحة ما قلنا فيه (٦). وقولُه: ﴿جَنِيًّا﴾. يعنى به (٦): مجنيًّا، وإنما كان أصله مفعولًا (٧) فصُرِف إلى فعيلٍ، والمَجْنىُّ المأخوذ طريًّا، وكلُّ ما أُخِذ من ثمرةٍ أو بَقْلَةٍ (٨) مِن موضعه

стр. 10645

بطراتِه (١) فقد اجْتُنِى؛ ولذلك قيل: فلانٌ يجتني الكَمْأَةَ؛ ومنه قولُ ابنِ أختِ جذيمة (٢): هذا جَنايَ وخيارُه فيه … إذْ كُلُّ جانٍ يَدُه إلى فِيهْ القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦)﴾. يقول تعالى ذكرُه: فكُلى من الرُّطَب الذى تساقط (٣) عليكِ، واشْرَبي من ماء السَّرِيِّ الذى جعَله ربُّك تحتَكِ، و (٤) لا تَخْشَىْ جُوعًا ولا عطَشًا، ﴿وَقَرِّي عَيْنًا﴾ يقولُ: وطِيبي نفسًا وافرَحى بولادتِك إِيَّايَ ولا تحزني، ونُصِبتِ العينُ لأنها هي الموصوفةُ بالقَرارِ. وإنَّما معنى الكلام: ولتَقرَرْ عينُكِ بولدِكِ، ثم حُوِّل الفعل عن العين إلى المرأة صاحبة العين، فنُصِبتِ العينُ إذ كان الفعل لها في الأصل على التفسير (٥)، نظير ما فُعِل بقوله: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ [النساء: ٤]. وإنما هو: فإن طابت أنفسهن لكم. وقوله: ﴿وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ [هود: ٧٧]. ومنه قولُه: (يَسَّاقِطْ عليكِ رُطبًا جنيًّا). إنما هو يَسَّاقط عليك رطبُ الجذع، فحُوّل الفعل إلى الجذع في قراءة من قرأَه بالياء. وفي قراءةِ مَن قرأه (تسَّاقطْ) بالتاء، معناه: تساقطْ (٦) عليكِ رُطَبُ النخلة، ثمَّ حُوِّل الفعلُ إلى النخلة (٧).

стр. 10646

وقد اختلفت القرأة فى قراءةِ قوله: ﴿وَقَرِّي﴾؛ فأَمَّا أهل المدينة فقرءوه ﴿وَقَرِّى﴾ بفتح القافِ على لغةِ مَن قال: قَرِرْتُ بالمكان أقرُّ به، وقرِرتُ به (١) عينًا، أقرُّ به قُرُورًا (٢). وهي لغة قريش، فيما ذُكر لى، وعليها القرأة (٣)، وأما أهل نجدٍ، فإنها تقولُ: قَرَرتُ به عينًا أقِرُّ به قرارًا، وقَرَرْتُ بالمكان أقرُّ به. فالقراءةُ على لغتهم: (وقِرِّى عَيْنًا) بكسر القافِ (٤)، والقراءة عندنا على لغة قريشٍ بفتح القاف. وقولُه: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾. يقولُ: فإن رأيتِ من بني آدم أحدًا يُكلّمُكِ أو يسائِلُكِ عن شيءٍ مِن أمرك وأمر ولدِكِ وسبب ولادتِكِه، ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾. يقولُ: فقولي له (٥): إنى أوجبتُ على نفسى للهِ صمتًا (٦) ألَّا أُكلِّم أحدًا من بنى آدمَ اليومَ ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾. وبنحو الذى قُلنا في معنى الصومِ قال أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا معتمر بن سليمان، عن أبيه، قال: سمعتُ أنس بن مالكٍ يقولُ فى هذه الآية: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾. قال: صمتًا (٧). حدَّثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، قال: ثنا حجاج، قال: أخبرنا ابن جريجٍ، قال: أخبرني المغيرة بن عثمانَ، قال: سمعتُ أنس بن مالك يقولُ:

стр. 10647

﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾. قال: صمتًا. حدَّثنا محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾. قال: يعنى بالصومِ الصمت (١). حدَّثني يعقوب، قال: ثنا ابنُ علية، عن سليمان التيمي، قال: سمعتُ أنسًا قرأ: (إنِّي نَذَرْتُ للرَّحْمَن صَوْمًا وَصَمْتًا) (٢). حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرَّزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾: أما قوله: ﴿صَوْمًا﴾. فإنها صامت من الطعام والشراب والكلام (٣). حُدِّثتُ عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضَّحاك يقولُ فى قوله: ﴿نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾: [يعنى: صمتًا (٤). حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿إني نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾] (٥). قال: كان من بني إسرائيل من إذا اجتهد صام من الكلام كما يَصُومُ مِن الطعام، إلا من ذكرِ اللهِ، فقال ذلك لها كذلك (٦)، فقالت: إنى أَصُومُ من الكلام كما أصومُ من الطعام، إلا من ذكر الله. فلما كلَّموها أشارت إليه، فقالوا: ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ فأجابهم. فقال: ﴿قَالَ

стр. 10648

إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣) ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤)﴾ (١). واختلفُوا فى السبب الذى من أجله أمرها بالصومِ عن كلام البشر؛ فقال بعضُهم: أمرها بذلك؛ لأنه لم يكن لها حُجةٌ عند الناس ظاهرة؛ وذلك أنَّها جاءت، وهى أيِّمٌ بولدٍ، فأُمرت بالكفّ عن الكلام ليكفيها الكلامَ ولدُها (٢). ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا هارون بن إسحاق (٣)، قال: ثنا مصعب بن المقدام، قال: ثنا إسرائيل، قال: ثنا أبو إسحاق، عن حارثة، قال: كنتُ عند ابن مسعودٍ، فجاء رجلان فسلَّم أحدهما ولم يسلِّم الآخرُ، فقال: ما شأنك؟ فقال أصحابه: حلف أن لا يكلم الناس اليوم. فقال عبدُ اللهِ: كلِّمِ الناسَ وسلِّمْ عليهم، فإنَّ تلك امرأةٌ علمت أنَّ أحدًا لا يصدِّقُها أنَّها حملت من غير زوجٍ. يعنى بذلك مريم (٤). حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد: لما قال عيسى لمريم: لا تحزني، قالت: وكيف لا أحزن وأنت معى، لا ذاتُ زوجٍ ولا مملوكةٌ. أيُّ

стр. 10649

شيءٍ عُذرى عند الناس ﴿يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾. فقال لها عيسى: أنا أكفيك الكلامَ، ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾. قال: هذا كلُّه كلام عيسى لأمه (١). حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمَّن لا يَتَّهمُ، عن وهب ابن منبه: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾. فإني سأكفيك الكلام (٢). وقال آخرون: إنما كان ذلك آيةً لمريم وابنها. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة في قوله: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾. قال: فى بعض الحروفِ: (صمتًا). و (٣) إنَّكَ لا [تشأُ أن] (٤) تلقَى امرأة جاهلة (٥) تقولُ: نذرتُ كما نذرَت مريم؛ ألَّا تكلَّمَ يومًا إلى الليل. وإنما جعل الله تلك آيةً لمريم ولابنها، ولا يحِلُّ لأحدٍ أن يَنذُرَ صمتَ يومٍ إلى الليل (٦). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿فَقُولِي (٧) إِنِّي نَذَرْتُ

стр. 10650

لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾. وكانت تُقرأُ فى الحرف الأوَّلِ: (صمتًا)، وإنما كانت آيةً بعثها الله لمريم وابنها. وقال آخرون: بل (١) كانت صائمةً فى ذلك اليوم، والصائم في ذلك الزمان كان يصوم عن الطعام والشراب وكلام الناس، فأُذِن لمريم في قدر هذا الكلام ذلك اليوم وهي صائمةٌ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباط، عن السدىِّ: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾ يُكَلِّمُكِ، ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾. فكان مَن صام فى ذلك الزمان لم يتكلَّمْ حتى يُمسى، فقال (٢) لها: لا تزيدى على هذا (٣). القولُ في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (٢٧)﴾. يقول تعالى ذكرُه: فلما قال عيسى ذلك لأمِّه اطمأنت نفسها، وسلمت لأمرِ الله، وحملته حتى أتت به قومها. كما حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة عن ابن إسحاقَ، عمَّن لا يَتَّهِمُ، عن وهب بن منبِّهٍ ﵀، قال: أنساها، يعني مريم، كرْبُ البلاء وخوفُ الناس ما

стр. 10651

كانت تسمعُ، [يعني: ما كانت تسمع] (١) من الملائكة من البشارة بعيسى، حتى إذا كلَّمها، يعنى عيسى، وجاءها مصداق ما كان الله وعدها احتمَلَتْه، ثم أقبلت به إلى قومها. وقال السدىُّ في ذلك ما حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدىِّ، قال: لما ولدته ذهَب الشيطانُ، فأخبر بنى إسرائيل أنَّ مريم قد ولدت، فأقبلوا يشتدُّون، فدعَوْها، ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ﴾ (٢). وقوله: ﴿قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾. يقول تعالى ذكرُه: فلما رأَوْا مريمَ، ورَأَوْا معها الولد الذى ولدته، قالوا لها: يا مريم لقد جئت بأمر عجيب، وأحدثْتِ حدَثًا عظيمًا. وكلُّ عاملٍ عملًا أجادَه وأحسنه فقد فَرَاه، كما قال الراجزُ (٣): قَدْ أَطْعَمْتِنِي دَقَلًا حَجْرِيًّا قدْ كنتِ تَفْرِينَ به الفَرِيَّا وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسي، وحدَّثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ

стр. 10652

في قوله جلَّ وعزَّ: ﴿فَرِيًّا﴾. قال: عظيمًا (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاج، عن ابن جريجٍ، عن مجاهد مثله. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾. قال: عظيمًا (٢). حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباط، عن السدى: ﴿لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾. يقولُ (٣): عظيمًا (٤). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يتَّهم، عن وهبٍ ابن منبِّهٍ، قال: لما رأَوْها ورأَوْه معها، قالوا: يا مريم ﴿لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾: أى الفاحشة غير المقاربة. القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨)﴾. اختلف أهل التأويل فى السبب الذى من أجله قيل لها: يا أُخت هارونَ، ومَن كان هارون هذا الذي ذكره الله، وأخبر أنَّهم نسبوا مريم إلى أنَّها أختُه؛ فقال

стр. 10653

بعضُهم: قيل لها: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾. نسبةً منهم لها إلى الصلاح؛ لأنَّ أهل الصلاح فيهم كانوا يُسمَّوْن هارونَ، وليس بهارون أخى موسى. ذكر من قال ذلك حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾. قال: كان رجلًا صالحًا في بني إسرائيل يُسمَّى هارون، فشبَّهوها به، فقالوا: يا شبيهة هارون فى الصلاحِ (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة في قوله: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾. قال: كانت من أهل بيت يعرفون بالصلاح، ولا يعرفون بالفساد، ومن الناس من يُعرفُ (٢) بالصلاح ويتوالدون به، وآخرون يُعرفون بالفساد ويتوالدون به، وكان هارون مُصْلِحًا محبَّبًا في عشيرته، وليس بهارون أخى موسى، ولكنَّه هارون آخر. قال: وذُكر لنا أنه شيَّع جنازته يوم مات أربعون ألفًا، كلُّهم يُسمَّى (٣) هارونَ من بنى إسرائيل (٤). حدَّثني يعقوب، قال: ثنا ابنُ عُليَّةَ، عن سعيد بن أبي صدقة، عن محمدِ بنِ سيرين، قال: نُبئتُ أنَّ كعبًا قال: إِنَّ قولَه: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾. ليس بهارون أخى موسى. قال: فقالت له عائشةُ: كذبتَ. قال: يا أم المؤمنين، إن كان النبىُّ ﷺ قاله فهو أعلمُ وخيرٌ (٥)، وإلا فإنّى أجدُ بينهما ستمائة سنة. قال:

стр. 10654

فسكتتْ (١). حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾. قال: اسمٌ واطأَ اسمًا، كم بين هارون وبينها (٢) من الأمم؛ أممٌ كثيرةٌ. حدَّثنا أبو كريبٍ وابن المثنى وسفيان بن (٣) وكيعٍ وأبو السائب، قالوا: ثنا عبد الله بن إدريس الأودىُّ، قال: سمعتُ أبى يَذْكرُ عن سماك بن حربٍ، عن علقمة بن وائلٍ، عن المغيرة بن شعبةَ، قال: بعثَنى رسولُ الله ﷺ إلى أهل نجران، فقالوا لى: ألستُم تقرءون ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾؟ قلتُ: بلى. وقد علمتُم ما كان بين عيسى وموسى، فرجعتُ إلى رسولِ اللهِ ﷺ ، فأخبرته، فقال: "ألا أخْبرتَهم أنهم كانوا يُسمَّون بأنبيائهم والصالحين قبلهم" (٤). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا الحكم بن بشيرٍ، قال: ثنا عمرو، عن سماكِ بن حرب، عن علقمة بن وائلٍ، عن المغيرة بن شعبة، قال: أرسلني النبيُّ ﷺ في بعضِ حوائجه إلى أهل نجران، فقالوا: أليس نبيُّك يزعُمُ أن هارون أخو مريم هو أخو موسى؟ فلم أدرِ ما أردُّ عليهم حتى رجعتُ إلى النبىِّ ﷺ فذكرتُ ذلك له، فقال: "إنهم كانوا يُسمَّون بأسماءِ مَن كان قبلهم".

стр. 10655

وقال بعضُهم: عُنى به هارون أخو موسى، ونُسبت مريم إلى أنها أخته؛ لأنَّها من ولده، كما (١) يقال للتميمي: يا أخا تميم. وللمُضَرِيِّ: يا أخا مُضَرٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدى: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾. قال: كانت من بنى هارون أخى موسى، وهو كما يقال (٢): يا أخا بنى فلان (٣). وقال آخرون: بل كان ذلك رجلا منهم فاسقًا مُعْلِنَ الفسق، فنسبوها إليه. والصوابُ من القولِ فى ذلك ما جاء به الخبر عن رسولِ الله ﷺ الذي ذكرناه، وأنَّها نُسبتْ إلى رجل من قومها [يقال له: هارون] (٤). وقوله: ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ﴾. يقولُ: ما كان أبوك رجل سوءٍ يأتى الفواحش، ﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾. يقول: وما كانت أمُّك زانيةً. كما حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباط، عن السدىِّ: ﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾. قال: زانيةً. قال: ﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾. ولم يقُلْ: بغيَّةً؛ لأنَّ ذلك مما يوصَفُ به النساءُ دونَ الرجال، فجرَى مَجْرَى: امرأَةٌ حائضٌ وطالقٌ. وقد كان بعضُهم يُشبِّه ذلك بقولهم: مِلْحَفةٌ جديدٌ (٥)، وامرأةٌ قتيلٌ.

стр. 10656

القول في تأويل قوله جل ثناؤُه: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩)﴾. يقول تعالى ذكره: فلما قال قومُها ذلك لها قالت لهم ما أمرها عيسى بقيله لهم، ثم أشارت لهم إلى عيسى أن كلِّموه. كما حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: لما قالوا لها: ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾. قالت لهم ما أمرها اللهُ به، فلما أرادوها بعد ذلك على (١) الكلام ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾؛ إلى عيسى. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾. [قال: أمرَتْهم بكلامه (٢). حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمَّن لا يتَّهمُ، عن وهب ابنِ منبِّهٍ: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾] (٣). يقولُ: أشارتْ إليه أن كلِّموه. حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج قوله: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ أَن كَلِّموه (٤). وقولُه: ﴿قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾. يقول تعالى ذكرُه، قال قومها لها: كيف نُكلّمُ من وُجِد فى المهدِ صبيًّا (٥)؟ و ﴿كَانَ﴾ في قولِه: ﴿مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ﴾. معناها التمامُ، لا التي تقتضى الخبرَ، وذلك شبيهُ المعنى

стр. 10657

بـ "كان" التي في قولِه: ﴿هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٣]. وإنما معنى ذلك: هل أنا إلَّا بشرٌ رسولٌ؟ وهل وُجِدتُ أو (١) بُعِثتُ؛ وكما قال زهير بن أبى سُلْمَى (٢): زَجَرْتُ عَلَيْهِ حُرَّةً أَرْحَبِيَّةً … وَقَدْ كانَ لَوْنُ اللَّيْلِ مِثْلَ الأَرَنْدَجِ (٣) بمعنى: وقد صار أو وُجد. وقيل: إنه عنى بالمهدِ فى هذا الموضع حِجر أمه (٤). ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾. والمهدُ: الحِجْر (٥). وقد بيَّنا معنَى المهدِ فيما مضى بشواهده، فأغنَى ذلك عن إعادته في هذا الموضع (٦). القولُ في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١)﴾.

стр. 10658

يقول تعالى ذكره: فلما قال قوم مريم لها: ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾. وظَنُّوا أنَّ ذلك منها استهزاءٌ بهم، قال عيسى لهم متكلِّمًا عن أمه: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾. وكانوا حين أشارتْ لهم إلى عيسى فيما ذُكرِ عنهم غضِبوا. كما حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباط، عن السديِّ، قال: لما أشارَتْ لهم إلى عيسى غضبوا، وقالوا: لسخريتها بنا حينَ تَأمُرُنا أن نُكَلِّمَ هذا الصبيَّ أشدُّ علينا من زناها. . . ﴿قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ (١). حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يَتَّهمُ، عن وهب ابنِ منبِّهٍ ﴿قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾. فأجابهم عيسى عنها فقال: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ الآية. حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾: فقال لهم: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾. فقرأ حتَّى بلَغ: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾. فقالوا: إن هذا لأمرٌ (٢) عظيمٌ. حُدِّثتُ عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقولُ: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ: ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾. لم يتكلمْ عيسى إلَّا عند ذلك حينَ ﴿قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾.

стр. 10659

وقولُه: ﴿آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾. يقول القائل: أو آتاه الكتاب والوحى قبل أن يُخلق أو (١) في بطن أمه؟ فإنَّ معنى ذلك بخلاف ما يظُنُّ، وإِنما معناه: وقضَى يومَ قضى أمور خلقه لى (٢) أن يؤتينى الكتابَ. كما حدَّثني بشرُ بنُ آدمَ، قال: ثنا الضحاك، [يعنى ابنَ مَخْلدٍ] (٣)، عن سفيان، عن سماكٍ، عن عكرمة قوله: ﴿آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾. قال: قضَى أن يؤتينى الكتاب فيما قَضَى (٤). حدَّثنا محمد بن بشار، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: أخبرنا سفيان، عن سماكٍ، عن عكرمة فى قوله: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾. قال: القضاء. حدَّثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن إسرائيل، عن سماكٍ، عن عكرمة في قولِ اللهِ: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾. قال: قضى أن يؤتينى الكتاب (٥). وقولُه: ﴿وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾. وقد بيَّنت معنى النبيِّ واختلاف المختلفين فيه، والصحيح من القول فيه عندنا بشواهده فيما مضى بما أغنى عن إعادته (٦). وكان مجاهدٌ يقولُ في معنى النبيِّ وحده ما حدَّثنا به محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارث، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ

стр. 10660

جميعًا، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد، قال: النبيُّ وحده (١) الذي يُكلَّمُ ويُنزَّلُ عليه الوحى (٢) ولا يُرسل (٣). وقوله: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا﴾. اختلف أهل التأويل في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: وجعلني نفَّاعًا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني سليمانُ بنُ عبدِ الرحمنِ بن حماد الطَّلْحيُّ، قال: ثنا العلاء، عن عائشة امرأة ليثٍ، عن ليث، عن مجاهد: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا﴾. قال: نفَّاعًا (٤). وقال آخرون: كانت بركته الأمر بالمعروف والنهي عن المنكرِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني سليمانُ بنُ عبدِ الجبَّارِ، قال: ثنا محمدُ بنُ يَزِيدَ بنِ خُنيسٍ المخزوميُّ، قال: سمعتُ وُهيب بن الورد مولى بني مخزومٍ، قال: لَقِيَ عالمٌ عالمًا (٥) هو فوقه فى العلم، فقال له: يرحمك الله، ما الذي أُعلنُ من عملي (٦)؟ قال: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإنَّه دينُ اللهِ الذي بَعَثَ بهِ أنبياءه إلى عباده. وقد اجتمع الفقهاء على قولِ اللهِ: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾.

стр. 10661

وقيل: ما بركته؟ قال: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أينما كان (١). وقال آخرون: معنى ذلك: جعلنى معلِّمَ الخيرِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونس بن عبد الأعلى، قال: ثنا سفيان في قوله: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾. قال: معلِّم الخيرِ (٢). حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا جريرٌ، عن ليثٍ، عن مجاهد قوله: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾. قال: معلِّمًا للخير حيثما كنتُ (٣). وقولُه: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ﴾. يقول: وقضى أن يوصينى بالصلاة والزكاة. يعنى: بالمحافظة على حدودِ الصلاة وإقامتها على ما فرضها عليَّ. وفى الزكاةِ معنيان: أحدهما؛ زكاة الأموال أن يؤدِّيَها. والآخرُ: تطهير الجسد من دنس الذنوب؛ فيكون معناه: وأوصانى بترك الذنوب واجتناب المعاصى. وقوله: ﴿مَا دُمْتُ حَيًّا﴾. يقولُ: ما كنتُ حيًّا في الدنيا موجودًا، وهذا يُبِينُ عن أن معنى الزكاة في هذا الموضع تطهير البدن من الذنوب؛ لأنَّ الذى يوصف به عيسي صلواتُ الله وسلامه عليه أنه كان لا يدَّخِرُ شيئًا لغدٍ، فتجبَ عليه زكاةُ المالِ، إلَّا أن تكون الزكاة التى كانت فُرضَت عليه الصدقة بكلِّ ما فضل عن قوته، فيكون ذلك وجهًا صحيحًا.

стр. 10662

القول في تأويل قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣)﴾. يقول تعالى ذكره: مُخْبِرًا عن قيل عيسى للقوم: وجعلني مباركًا وبَرًّا. [أى جعلني برًّا] (١) بوالدتى. والبرُّ هو البارُّ، يقال: هو برٌّ بوالده، وبارٌّ به. وبفتح الباء قرأتْ هذا الحرف قرأةُ الأمصار. ورُوى عن أبي نَهيكٍ [ما حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضحٍ، قال: ثنا عبد المؤمن، عن أبى نَهيكٍ] (١) أنه قرأ: (وبرًّا بِوَالِدَتي) من قول عيسى، ﵇، قال أبو نَهيكٍ: أوصانى بالصلاة والزكاة، والبرِّ بوالدتي (٢)، كما أوصاني بذلك (٣). فكأنَّ أبا نَهيكٍ وجَّه تأويل الكلام إلى أنَّ قوله: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي﴾. من خبر عيسى عن وصيَّةِ اللهِ إيَّاه [به، كما (٤) قوله: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ﴾ مِن خبره عن وصيةِ اللهِ إيَّاه] (١) بذلك. فعلى هذا القول يجب أن يكون نصب البر بمعنى عمل الوصية فيه؛ لأنَّ الصلاة والزكاة وإن كانتا مخفوضتين في اللفظ (٥)، فإنهما بمعنى النصب من أجل أنهما (٦) مفعولٌ بهما. وقوله: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾. يقول: ولم يجعلْنى مستكبرًا على

стр. 10663

الله فيما أمرنى به ونهانى عنه، شقيًّا، ولكن ذلَّلنى لطاعته، وجعلنى متواضعًا. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة، قال: ذُكر لنا أنه -يعنى عيسى- كان يقولُ: سلُوني، فإنَّ قلبي ليِّنٌ، وإني صغيرٌ في نفسي. مما أعطاه الله من التواضع (١). وحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾: ذُكر لنا أنَّ امرأة رأتِ ابن مريم يُحيي الموتى، ويُبرئُ الأكْمَهَ والأبرصَ، في آياتٍ سلَّطه الله عليهنَّ، وأذن له فيهنَّ، فقالت: طوبى للبطن الذى حملك، والثدي الذى أُرضِعتَ به. فقال نبيُّ الله ابنُ مريم يجيبُها: طوبى لمن تلا كتاب الله، واتَّبع ما فيه، ولم يَكُنْ جَبَّارًا شقيًّا (٢). حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا محمد بن كثيرٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ واقدٍ أبى رجاءٍ، عن بعض أهل العلم، قال: لا تجد (٣) عاقًّا إلا وجدته جبارًا شقيًّا. ثم قرأ: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾. قال: ولا تجد (٤) سيئ الملكة إلا وجدته مختالًا فخورًا، ثم قرأ: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ (٥) [النساء: ٣٦]. وقولُه: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾. يقولُ: والأَمَنَةُ منَ اللهِ عليَّ من الشيطان وجنده يومَ ولدتُ؛ أن ينالوا منى ما ينالون ممن يُولد

стр. 10664

عندَ الولادة من الطعن فيه، ويومَ أموتُ من هول المطَّلَعِ، ويومَ أُبعثُ حيًّا يومَ القيامةِ؛ أن ينالني الفرع الذي ينالُ الناس بمعاينتهم أهوال ذلك اليوم. كما حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمَّن لا يتهم، عن وهب بن منبهٍ ﵀: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾. قال: يُخبرهم فى قصِّهِ خبره عن نفسه، أنَّه لا أب له وأنَّه سيموتُ ثم يُبعث حيًّا، يقولُ ﵎: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾. القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾. يقول تعالى ذكره: هذا الذى [وصفتُ لكم أيُّها الناسُ] (١) صفته، وأخبرتكم خبره من أمر الغلام الذى حملته مريم، هو عيسى ابن مريم، وهذه الصفة صفته، وهذا الخبر خبره، وهو ﴿قَوْلَ الْحَقِّ﴾. يعنى أن هذا الخبر الذى قصصْتُه عليكم (٢)، والكلام الذى تلوتُه عليكم قولُ اللهِ [وكلامُه] (٣) وخبره، لا خبر غيره الذي قد يقع فيه الوهم والشك والزيادة والنقصان على ما كان يقول تعالى ذكره، فقولوا في عيسى أيها الناسُ هذا القول الذى أخبركم الله به عنه، لا ما قالته اليهود الذين زعموا أنه لغيرِ رِشْدَةٍ (٤)، وأنه كان ساحرًا كذَّابًا، ولا ما قالته النصارى من أنه

стр. 10665

كان لله ولدًا، فإنَّ (١) اللهَ لم يتخذ ولدًا، ولا ينبغى ذلك له. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريج، عن مجاهد قوله: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ﴾. قال: الله الحقُّ (٢). حدَّثني يحيى بن إبراهيم المسعودى، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن جده، عن الأعمش، عن إبراهيم، قال: كانوا يقولون في هذا الحرف في قراءة عبدِ اللهِ: (قالُ اللهِ (٣) الذى فيه يمتَرُون). قال: كلمةُ اللهِ. ولو وُجِّه تأويل ذلك إلى: ذلك عيسى ابنُ مريمَ القولُ الحقُّ، بمعنى: ذلك القولُ الحقُّ، ثم حُذفت الألف واللام من القول، وأُضيف إلى الحقِّ، كما قيل: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥]. وكما قيل: ﴿وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الأحقاف: ١٦]. كان تأويلًا صحيحًا. وقد اختلفتِ القرأةُ فى قراءة ذلك؛ فقرأته عامَّةُ قرأة الحجاز والعراق: (قَوْلُ الحَقِّ) برفعِ القول (٤) على ما وصفتُ لك (٥) من المعنى، وجعلوه في إعرابه تابعًا

стр. 10666

لعيسى كالنعت له، وليس الأمرُ في إعرابه عندى على ما قاله الذين زعموا أنه رُفع على النعت لعيسى، إلا أن يكون معنى القول الكلمة؛ على ما ذكرنا عن إبراهيم من تأويله ذلك كذلك، فيصحَّ حينئذٍ أن يكونَ نعتًا لعيسى، وإلا فرفعُه عندى بمضمرٍ، وهو: هذا قولُ الحقِّ. على الابتداء، وذلك أن الخبر قد تناهى عن قصة عيسى وأمِّه عند قوله: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ ثم ابتُدئ (١) الخبرُ بأنّ الحقَّ فيما فيه تمترى الأممُ من أمر عيسى هو هذا القولُ الذى أخبر الله به عنه عباده دون غيره. وقرأ ذلك عاصم بن أبى النجودِ وعبد الله بن عامر بالنصب (٢)، وكأنهما أرادا بذلك المصدر: ذلك عيسى ابن مريم قولًا حقًّا. ثم أُدخلت فيه الألفُ واللام. وأما ما ذُكر عن ابن مسعودٍ في قراءته: (ذلك عيسى ابن مريم قالُ الحقِّ (٣)). فإنه بمعنى قول الحقِّ، مثل العابِ والعيب، والذامِ والذَّيْمِ. والصوابُ من القراءةِ في ذلك عندنا الرفع (٤)؛ لإجماع الحجة من القرأة عليه. وأما قوله تعالى ذكرُه: ﴿الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾. فإنه يعنى: الذي فيه يختصمون ويختلفون، من قولهم: مارَيتُ فلانًا. إذا جادلته وخاصمته. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿ذَلِكَ عِيسَى

стр. 10667

ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾: امترت فيه اليهود والنصارى؛ فأما اليهودُ فزعموا أنه ساحرٌ كذَّابٌ، وأما النصارى فزعموا أنه ابنُ اللهِ، وثالث ثلاثةٍ، وإلهٌ، وكذبوا كلُّهم، ولكنه عبدُ اللهِ ورسوله وكلمته وروحُه (١). حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريج قوله: ﴿الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾. قال: اختلفوا؛ فقالت فرقة: هو عبد الله ونبيُّه، فآمِنوا به. وقالت فرقةٌ: بل هو الله. وقالت فرقةٌ: هو ابن الله: ﵎ عما يقولون علوًّا كبيرًا. قال: فذلك قوله: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ﴾ [مريم: ٣٧]. والتي في "الزخرف" (٢)، قال: دَقْيوسٌ ونُسْطُورُ ومارِ يعقوبَ. قال أحدُهم حينَ رُفع (٣) عيسى: هو الله. وقال الآخرُ: ابنُ اللهِ. وقال الآخرُ: كلمة الله وعبده. قال المفتريان: إنَّ قولى هو أشبه بقولك، وقولُك بقولى من قول هذا، فهلمَّ فلنقاتلهم. فقاتلوهم وأوطَئوهم [وغلبوهم حتى خرج النبي ﷺ ، وهم مسلمة أهل الكتابِ (١). حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾. قال: اجتمع بنو (٤) إسرائيل، فأخرجوا منهم أربعة نفر، أخرج كلُّ قومٍ عالمهم، فامترَوْا في عيسى حين رُفِع؛ فقال أحدهم: هو الله هبط إلى الأرض فأحيا من أحيا، وأمات من أمات، ثم صعد إلى السماء. وهم اليعقوبية، فقال الثلاثة: كذبت. ثم قال اثنان

стр. 10668

منهم للثالثِ: قُل أنت فيه. قال: هو ابنُ اللهِ. وهم النُّسْطُوريَّةُ، فقال الاثنان: كذبت. ثم قال أحد الاثنين للآخر: قل فيه، قال: هو ثالث ثلاثة: الله إلهٌ، وهو إلهٌ، وأمُّه إلهٌ. وهم الإسرائيلية ملوكُ النصارى، قال الرابعُ: كَذَبْت، هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته. وهم المسلمون، فكان لكل رجل منهم أتباعٌ على ما قال، فاقتتلوا، فظُهِر على المسلمين، وذلك قول الله جلّ وعزّ: ﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ٢١]. قال قتادة: وهم الذين قال الله: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ﴾ [مريم: ٣٧]. اختلفوا فيه فصاروا أحزابًا (١). القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٣٥) وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٣٦)﴾. يقولُ تعالى ذكره: لقد كذب (٢) الذين قالوا: إن عيسى ابنُ اللهِ، وأعظموا الفِرْية عليه، فما ينبغى لله أن يتخذ ولدًا، ولا يصلُحُ ذلك له ولا يكونُ، بل كلُّ شيءٍ دونَه فخلقُه، وذلك نظير قول عمرو بن أحمر (٣): فى رأسِ خَلْقاءَ (٤) مِن عَنْقاءَ مُشْرِفَةٍ … [ما يَنْبَغِي] (٥) دُونهَا سَهْلٌ وَلا جَبَلُ و ﴿أَنْ﴾ من قوله: ﴿أَنْ يَتَّخِذَ﴾ في موضعِ رفعٍ بـ ﴿كَانَ﴾.

стр. 10669

وقوله: ﴿سُبْحَانَهُ﴾. يقولُ: تنزيها لله وتبرئةً له أن يكون له ما أَضاف إليه الكافرون القائلون: عيسى ابنُ اللهِ. وقوله: ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. يقول جلَّ ثناؤه: إنما ابتدأ الله خلق عيسى ابتداءً، وأنشأه إنشاءً، من غيرِ فحلٍ افتحل أمَّه، ولكنه قال له: كُنْ. فكان (١)؛ لأنَّه كذلك يبتدع الأشياء ويخترعُها، إنما يقولُ إذا قضى خلق شيءٍ أو إنشاءه: كُن. فيكونُ، موجودًا حادثًا، لا يعظُمُ عليه خلقه؛ لأنه لا يخلقه بمعاناة وكُلفةٍ، ولا ينشئُه بمعالجة وشدَّةٍ. وقوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾. اختلفت القرأةُ في قراءة ذلك؛ فقرأته عامة قرأة أهل المدينة والبصرة (٢): (وَأَنَّ اللهَ رَبِّى وَرَبُّكُمْ). واختلف أهل العربية فى وجه فتح "أنَّ" إذا فُتحت؛ فقال بعضُ نحويِّى الكوفة (١): فُتِحت ردًّا على عيسى وعطفًا عليه، بمعنى: ذلك عيسى ابن مريم، وذلك أنَّ الله ربِّى وربُّكم، وإذا كان كذلك كانت "أن" رفعًا. قال (٣): وتكون بتأويل خفض، كما قال: ﴿ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى﴾ [الأنعام: ١٣١]. قال: ولو فُتحت على قوله: ﴿وَأَوْصَانِي﴾ بأنَّ الله، كان وجهًا. وكان بعضُ البصريين (٤) يقول - وذكر ذلك أيضًا عن أبي عمرو بن العلاء، وكان ممن يقرؤه بالفتح -: إنما فُتحت "أنَّ" بتأويل: قَضَى أَنَّ اللهَ رَبِّي وربُّكم.

стр. 10670

وكانت عامة قرأةِ الكوفيين (١) يقرءونه: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ﴾ بكسر "إن" بمعنى النسَقِ على قوله: ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ﴾. ورُوى عن أُبيِّ بن كعبٍ أنه كان يقرؤُه: (فإنما يقول له كن فيكون إن الله ربى وربكم) بغير واوٍ (٢). والقراءة التي نختارُ فى ذلك: الكسر على الابتداء. وإذا قُرِئ كذلك لم يكن لها موضعٌ، وقد يجوز أن تكون عطفًا على "إن" التى مع قوله: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾ - ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ﴾. ولو قال قائلٌ، ممن قرأ ذلك نصبًا: نُصِبَ على العطفِ على "الكتاب" بمعنى: أتاني الكتاب، وأتانيَ أنَّ الله ربِّي وربُّكم، كان وجهًا حسنًا. ومعنى الكلام: وإنى وأنتم أيُّها القومُ جميعًا لله عبيدٌ، فإيَّاه فاعبدوا دونَ غيره. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكرُ من قال ذلك: حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاق، عمن لا يَتَّهِمُ، عن وهب ابن منبِّهٍ، قال: عهد إليهم حين أخبرهم عن نفسه ومولده وموته وبعثه: (أنَّ الله ربى ورَبُّكُم فاعبدُوهُ هذا صراطٌ مستقيم)، أي: إنِّى وإيَّاكم عبيد الله، فاعبُدوه ولا تعبُدُوا غيرَه.

стр. 10671

وقوله: ﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾. يقولُ: هذا الذي أوصيتُكم به، وأخبرتكم أنَّ اللهَ أمرنى به هو الطريق المستقيم، الذي من سلكه نجا، ومن ركبه اهتدى؛ لأنه دينُ اللهِ الذى أمرَ به أنبياءه. القول في تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٣٧)﴾. يقول تعالى ذكره: فاختلف المختلفون في عيسى، فصاروا أحزابًا متفرِّقين (١) من بين قومه. كما حدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ﴾. قال: أهل الكتابِ (٢). حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريج، عن مجاهد مثله (٢). وحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ﴾: ذُكر لنا أنه لما رُفع ابنُ مريمَ انتخبت بنو إسرائيل أربعةً من فقهائهم، فقالوا للأوَّلِ: ما تقولُ في عيسى؟ قال: هو الله هبط إلى الأرض، فخلق ما خلق، وأحيا ما أحيا، ثم صَعِد إلى السماء. فتابعه على ذلك ناسٌ من الناسِ، فكانت اليعقوبية من النصارى، وقال الثلاثة الآخرون: نشهَدُ أنك كاذبٌ. فقالوا للثاني: ما تقولُ في عيسى؟ قال: هو ابنُ اللهِ. قال: فتابعه على ذلك ناسٌ من

стр. 10672

الناسِ، فكانت النُّسْطورية من النصارى، وقال الاثنان الآخران: نشهدُ أنَّك كاذبٌ. وقالوا للثالث: ما تقولُ في عيسى؟ قال: هو إلهٌ، وأمُّه إلهٌ، والله إلهٌ. فتابعه على ذلك ناسٌ من الناسِ، فكانت الإسرائيلية من النصارى، فقال الرابع: أشهدُ أنَّك كاذبٌ، ولكنه عبد الله ورسوله، هو كلمة الله وروحه. فاختصم القومُ، فقال المرء المسلم: أنشُدُكم الله هل تعلمون أنَّ عيسى كان يَطْعَمُ الطعام، وأن الله ﵎ لا يَطعَمُ الطعام. قالوا: اللهمَّ نعم. قال: هل تعلمون أنَّ عيسى كان ينام؟ قالوا: اللهمَّ نعم. قال: فخصمهم المسلم. قال: فاقتتل القومُ. قال: فذُكر لنا أن اليعقوبية ظهرت يومئذٍ وأُصيب المسلمون، فأنزل الله في ذلك القرآنَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١]. وحدَّثنا الحسن (١)، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ﴾: اختلفوا فيه فصاروا أحزابًا (٢). وقولُه: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾. يقولُ: فوادى جَهَنَّمَ الذى يُدعى ويلًا للذين كفروا بالله، من الزاعمين أنَّ عيسى لله ولدٌ، وغيرهم من أهل الكفر به، من شهودِهم يومًا عظيمًا شأنُه، وذلك يوم القيامة. وكان قتادةُ يقولُ في تأويل ذلك ما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة، قال الله: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾: شهدوا هَوْلًا (٣) إِذًا عظيمًا.

стр. 10673

القول في تأويل قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٨)﴾. يقول تعالى ذكره مخبرًا عن حال الكافرين به، الجاعلين له أندادًا، والزاعمين أنَّ له ولدًا، يومَ ورودِهم عليه في الآخرة، لئن كانوا في الدنيا عُميًا عن إبصار الحقِّ، والنظر إلى حجج الله التي تدلُّ على وحدانيته صُمًّا عن سماع آي كتابه، وما دعتهم إليه رسل الله فيها من الإقرار بتوحيده، وما بعث به أنبياءه، فما أسمعهم يوم قدومهم على ربِّهم فى الآخرةِ، وأبصَرَهم يومئذٍ حين لا ينفعهم الإبصارُ والسماعُ. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾: ذاك والله يوم القيامة، سمِعوا حين لم (١) ينفعهم السمعُ، وأبصروا حين لم (٢) ينفعهم البصر (٣). حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة في قوله: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾. قال: أَسمَعُ قومٍ وأبصرُه (٤). وحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمرٍ، عن

стр. 10674

قتادةَ، قال: [أسمعُ قومٍ وأبصرُه] (١)، ﴿يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾؛ يوم القيامةِ. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ، عن أبي العاليةِ، قال: ﴿أَسْمِعْ﴾ بحديثهم اليومَ، ﴿وَأَبْصِرْ﴾ كيفَ نَصنعُ بِهِم ﴿يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾. قال: هذا يومُ القيامةِ، فأمَّا الدنيا فلا، كانت على أبصارِهم غشاوةٌ وفي آذانِهم وقرٌ في الدنيا، فلما كان يومُ القيامةِ أبصَروا وسمِعوا فلم ينتفِعوا، وقرَأ: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ (٢) [السجدة: ١٢]. وقولُه: ﴿لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه: لكنِ الكافرون الذين أضافُوا إليه ما ليس من صفتِه، وافترَوْا عليه الكذبَ ﴿الْيَوْمَ﴾ في الدنيا ﴿فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. يقولُ: في ذَهابٍ عن سبيلِ الحقِّ، وأخذٍ على غيرِ استقامةٍ، ﴿مُبِينٍ﴾: أَنَّه جائرٌ عن طريقِ الرشدِ والهُدَى لمن تأمَّله وفكَّر فيه فهُدِيَ لرشدِه. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٩)﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : وأنذِر يا محمدُ هؤلاءِ المشركين باللهِ يومَ حسرتِهم وندمِهم، على ما فرَّطوا في جنبِ اللهِ، وأَورثتُ مساكنَهم من الجنةِ أهلَ الإيمانِ باللهِ والطاعةِ له، وأُدْخِلُوا هم مساكنَ أهلِ الإيمانِ باللهِ من النارِ، وأيقَنَ

стр. 10675

الفريقانِ بالخلودِ الدائمِ، والحياةِ التي لا موتَ بعدَها، فيالها حسرةً وندامةً. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهدىٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن سَلَمَةَ بنِ كُهَيل، قال: ثنا أبو الزَّعْراءِ، عن عبدِ اللهِ في قصةٍ ذكَرها، قال: فليس (١) نفسٌ إلا وهى تنظرُ إلى بيتٍ فى الجنةِ، وبيتٍ فى النارِ، وهو يومُ الحسرةِ، فيرَى أهلُ النارِ البيتَ الذى [فى الجنةِ] (٢) فيقالُ لهم: لو عمِلتُم (٣). فتأخُذُهم الحسرةُ. قال: ويرى أهلُ الجنةِ البيتَ الذى فى النارِ، فيقالُ لهم: لولا أنْ منَّ اللهُ عليكم (٤). وحدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن أبي صالحٍ، عن أبي سعيدٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "يُجاءُ بالموتِ يومَ القيامة فيُوقَفُ بينَ الجنَّةِ والنَّارِ كأَنَّه كبشٌ أملَحُ. قال: "فيُقالُ: يا أهلَ الجنَّة هل تعرفون هذا؟ فَيَشْرَئبُّون وينظرون، فيقولُون: نعم، هذا الموتُ". قال: "فيقولُ: يا أهلَ النَّارِ هل تعرفون هذا؟ فيشرئبُّون وينظُرون، فيقولون: نعم، هذا الموتُ. ثُمَّ يُؤمرُ به فيُذبحُ". قال: "فيقُولُ: يا أهلَ الجنَّةِ خُلُودٌ فلا موتَ، ويا أهلَ النَّارِ خُلُودٌ فلا موتَ". قال: ثم قرَأ رسولُ اللهِ ﷺ : ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. وأشارَ بيده فى الدنيا (٥).

стр. 10676

حدَّثني عبيدُ بنُ أسباطَ بنِ محمدٍ، قال: ثنا أبي، عن الأعمشِ، عن أبى صالحٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ في هذه الآيةِ: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾. قال: "يُنادَى: يا أهلَ الجنَّةِ، فيشرئبُّون، فينظُرون، ثمَّ يُنادَى: يا أهلَ النَّارِ فيشرئبُّون فينظُرُون". قال: "فيُقالُ: هل تعرفون الموتَ؟ " قال: "فيقُولُون: لا (١) ". قال: فيُجاءُ بالموتِ في صورةِ كَبْشٍ أملحَ، فيُقالُ: هذا الموتُ. ثُمَّ يُؤخَذُ فيُذبحُ"، قال: "ثمَّ يُنادَى يا أهلَ الجنة، خُلُودٌ ولا موتَ، ويا أهلَ النارِ، خُلُودٌ ولا موتَ". قال: ثم قرَأ: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثني الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ في قولِه: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾. قال: يصوِّرُ اللهُ الموتَ [في صورةِ] (٣) كبشٍ أملحَ، فيُذبحُ. قال: فييأسُ أهلُ النارِ من الموتِ فلا يرجُونه، فتأخذُهم الحسرةُ من أجلِ الخلودِ في النار، وفيها أيضًا الفزعُ الأكبرُ، ويأمنُ أهلُ الجنةِ الموتَ فلا يخشَوْنه، وأمِنُوا الموتَ وهو الفزعُ الأكبرُ؛ لأنَّهم يُخلدون في الجنةِ. قال ابنُ جريجٍ: يُحشرُ أَهلُ النارِ حينَ يُذبح

стр. 10677

الموتُ والفريقان ينظرون، فذلك قولُه: ﴿إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ﴾. قال: ذَبْحُ الموتِ. ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن أبيه، أنَّه أخبره أنَّه سمِع عبيدَ بنَ عميرٍ في قَصصِه يقولُ: يُؤْتَى بالموتِ كأَنَّه دابةٌ، فيُذبحُ والناسُ ينظرون (٢). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾. قال: يومَ القيامةِ. وقرَأ: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ (٣) [الزمر: ٥٦]. وحدَّثني علىٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾: من أسماءِ يومِ القيامةِ؛ عظَّمه اللهُ، وحذَّره عبادَه (٤). وقولُه: ﴿إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ﴾. يقولُ: إذ فُرغ من الحكمِ لأهلُ النارِ بالخلودِ فيها، ولأهلِ الجنةِ بمقامِ الأبدِ فيها بذبحِ الموتِ. وقولُه: ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾. يقولُ: وهؤلاء المشركون في غفلةٍ عما الله فاعلٌ بهم يومَ يأتونَه خارجين إليه من قبورِهم، من تخليده إيَّاهم في جهنمَ، وتوريثِه مساكنَهم من الجنةِ غيرَهم: ﴿وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وهم لا

стр. 10678

يُصدِّقون بالقيامةِ والبعثِ، ومجازاةِ اللهِ إيَّاهم على سيِّئ أعمالِهم بما (١) أخبَر أنَّه مجازيهم به. القولُ في تأويلِ قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (٤٠)﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : لا يحزنْك تكذيبُ هؤلاء المشركين يا محمدُ لك، فيما أتيتَهم به من الحقِّ، فإنَّ إلينا مرجِعَهم ومصيرَهم ومرجعَ (٢) جميعِ الخلقِ غيرِهم، ونحنُ وارثو الأرضِ ومَن عليها من الناسِ بفَنائهم منها، وبَقائها لا مالكَ لها غيرُنا، ثم علينا جزاءُ كلِّ عاملٍ منهم بعملِه، عند مرجعِه إلينا، المحسنُ منهم بإحسانِه، والمسيءُ منهم بإساءِته. القولُ في تأويلِ قوله جلّ ثناؤه: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٤١) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (٤٢)﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : ﴿وَاذْكُرْ﴾ يا محمدُ في كتابِ اللهِ ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ خليلَ الرحمنِ، فاقصُص على هؤلاء المشركين قصَصَه وقَصصَ أبيهِ، ﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا﴾. يقولُ: [إنَّ إبراهيمَ كان ﴿صِدِّيقًا﴾. يقولُ] (٣): كان من أهلِ الصدقِ في حديثهِ وأخبارِه ومواعيدِه لا يكذبُ. والصدِّيقُ هو الفِعِّيلُ من الصدقِ. وقد بيَّنا ذلك فيما مضَى قبلُ بما أغنى عن إعادتِه في هذا الموضع (٤).

стр. 10679

﴿نَبِيًّا﴾ يقولُ: كان اللهُ قد نبَّأه وأوحَى إليه. وقولُه: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ﴾. يقولُ: اذكرْه حينَ قال لأبيه: ﴿يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ﴾. يقولُ: ما تصنعُ بعبادةِ الوَثَنِ الذى ﴿لَا يَسْمَعُ﴾ صوتًا (١)، ﴿وَلَا يُبْصِرُ﴾ شيئًا، ﴿وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾. يقولُ: ولا يدفعُ عنك ضُرَّ شيءٍ، إنما هو صورةٌ مصوَّرةٌ لا تضرُّ ولا تنفعُ. يقولُ: ما تصنعُ بعبادةِ ما هذه صفتُه، اعبدِ الذي إذا دعوتَه سمِع دعاءَك، وإذا أُحيط بك أبصَرك فنصَرك، وإذا نزَل بك ضرٌّ دفَع عنك. واختلَف أهلُ العربيةِ فى وجهِ دخولِ الهاءِ فى قوله: ﴿يَاأَبَتِ﴾. فكان بعضُ نحويِّى أهلِ البصرةِ يقولُ: إذا وقفتَ عليها قلتَ: يا أَبَه، وهى هاءٌ زيدت نحوَ قولِك: يا أمَّهْ. ثم يقالُ: يا أمَّ. إذا وصَل، ولكنه لما كان الأبُ على حرفين، كان كأنَّه قد أُخِلَّ به، فصارت الهاءُ لازمةً، وصارت الياءُ كأنَّها بعدَها، فلذلك قالوا: يا أبتِ أقبِلْ، وجَعل التاءَ للتأنيثِ. ويجوزُ الترخيمُ من يا أبُ أقبِلْ؛ لأنَّه يجوزُ أن تدعوَ ما تُضيفه إلى نفسِك فى المعنى مضمومًا، نحوُ قولِ العربِ: يا ربُّ، اغفِر لى، وتقِفُ فى القرآنِ: يا أبتْ، [في الكتابِ] (٢). وقد يقفُ بعضُ العربِ على الهاءِ بالتاءِ. وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ: الهاءُ مع "أبةِ" و "أُمَّةِ" هاءُ وقفٍ، كثُرت في كلامِهم حتى صارت كهاءِ التأنيثِ، وأدخلُوا عليها الإضافةَ، فمَن طلَب الإضافةَ، فهى بالتاءِ لا غيرُ؛ لأنَّك تطلُب بعدها الياءَ، ولا تكونُ الهاءُ حينئذٍ إلا تاءً، كقولك: يا أبتِ. لا غيرُ، ومن قال: يا أبَةُ. فهو الذي يقِفُ بالهاءِ؛ لأنَّه لا

стр. 10680

يطلبُ بعدها ياءً؛ ومن قال: يا أَبةَ (١). فإنه يقِفُ عليها بالتاءِ، ويجوزُ بالهاءِ؛ فأمَّا بالتاءِ فلطلبِ ألفِ النُّدبة، فصارتِ الهاءُ تاءً لذلك، والوقفُ بالهاءِ بعيدٌ إلا فيمَن قال: *يا أميمةَ ناصِبِ (٢) * فجعَل هذه الفتحةَ من فتحةِ الترخيمِ، وكأنَّ هذا طرَفُ الاسمِ، قال: وهذا بعيدٌ. القولُ في تأويلِ قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (٤٣)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال إبراهيم لأبيه: يا أبتِ، إِنِّي قد أتانيَ اللهُ من العلم به ما لم يُؤتِك ﴿فَاتَّبِعْنِي﴾. يقولُ: فاقبلْ منِّى نصيحتى ﴿أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾. يقولُ: أُبصِّرْك هدى الطريقِ المستوِى الذى لا تضلُّ فيه إن لزِمتَه، وهو دينُ اللهُ الذى لا اعوجاجَ فيه. القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (٤٤)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يا أبتِ، لا تعبدِ الشيطانَ إنَّ الشيطانَ كان للهِ عصيًّا (٣)، والعَصِىُّ هو ذو العصيانِ، كما العليمُ ذو العلمِ. وقد قال قومٌ من أهلُ العربيةِ:
следующие страницы →