← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

اللهُ،، كذلك من ميثاقِه الذى واثَقَهم به، أن مَن أتاه يومَ القيامةِ بحجَّةٍ تكون له نجاةً مِن النارِ [أن يُنْجيَه] (١) منها، فكلُّ ذلك وإن اخْتَلَفَت ألفاظُ قائليه، فمتَّفِقُ المعانى على ما قُلنا فيه. القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾. وقولُه جلّ ثناؤُه: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ تكذيبٌ من اللهِ جلَّ ثناؤُه القائلين من اليهودِ: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾، وإخْبارٌ منه لهم أنه مُعَذِّبٌ (٢) مَن أشرَك وكفَر به وبرسُلِه، وأحاطتْ به ذنوبُه فمخلِّدُه (٣) في النارِ، وأنَّ الجنةَ لا يَسْكُنُها إلا أهلُ الإيمانِ به وبرسلِه، وأهلُ الطاعةِ له، والقائمون بحُدودِه. كما حدثنا محمدُ بنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا سلَمةُ بنُ الفضْلِ، قال: حدثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، أو عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾. أى: من عمِل مثلَ أعمالِكم وكفَر بمثْلِ ما كفَرتُم به حتى يُحِيطَ كفرُه بما لَه مِن حسنةٍ، ﴿فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٤).

стр. 1087

وأما ﴿بَلَى﴾ فإنها إقرارٌ في كلِّ كلامٍ في أولِه جَحْدٌ، كما "نَعَمْ" إقرارٌ في الاستفهامِ الذى لا جَحْدَ فيه. وأصلُها "بَلْ" التى هى رجوعٌ عن الجَحْدِ المحْضِ في قولِك: ما قام عمْرٌو، بل زيدٌ. فزِيدَتْ فيها الياءُ (١) لِيَصْلُحَ عليها الوقوفُ، إذ كانت (٢) عطفًا ورُجوعًا عن الجَحْدِ، ولتكونَ -أعنى "بَلَى" (٣) - رُجوعًا عن الجحْدِ فقطْ، وإقرارًا بالفعْلِ الذى بعدَ الجحْدِ، فدلَّت الياءُ منها على معنى الإقرارِ والأنعامِ (٤)، ودَلَّ لفظُ "بلْ" على الرجوعِ عن الجحدِ. وأمَّا السيئةُ التى ذكَرها اللهُ في هذا المكانِ فإنها الشِّرْكُ باللهِ. كما حدَّثنى محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا يَحْيى بنُ سعيدٍ، عن سفيانَ، قال: حدثنى عاصِمٌ، عن أبى وائلٍ: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾. قال: الشركُ (٥). حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، وحدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، جميعًا عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾: شركًا (٦). حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾. قال: أما السيئةُ فالشركُ (٦).

стр. 1088

حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معْمرٌ، عن قتادةَ مثلَه (١). حدثنى موسى، قال: ثنا عمْرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾. قال: أمَّا السيئةُ فهى الذنوبُ التى وعَد اللهُ عليها النارَ (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾، قال: الشركُ (٣). قال ابنُ جُرَيْجٍ: قال مجاهدٌ: ﴿سَيِّئَةً﴾: شركًا. حُدِّثْث عن عمَّارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾: يعنى الشركَ (٤). وإنما قلنا: إن السيئةَ التى ذكَرَها اللهُ أن من كسَبها وأحاطتْ به ذُنوبُه (٥)، فهو مِن أهلِ النار -في هذا الموضعِ- المخلَّدِينَ فيها، إنما عنَى جلّ ذكرُه بها بعضَ السيئاتِ دونَ بعضٍ، وإن كان ظاهرُها في التلاوةٍ عامًّا؛ أَنَّ (٦) اللهَ قضَى على أهلِها بالخُلودِ في النارِ. والخلودُ في النارِ لأهلِ الكفرِ باللهِ دونَ أهلِ الإيمانِ به؛ لتظاهرِ الأخبارِ عن رسولِ اللهِ ﷺ أن أهلَ الإيمانِ لا يُخَلَّدُون فيها، وأن الخُلودَ في النارِ لأهلِ الكفرِ باللهِ دونَ أهلِ الإيمانِ به. وبعدُ، فإن اللهَ جلّ ثناؤه قد قرَن بقولِه: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ

стр. 1089

بِهِ خَطِيئَتُهُ (١) فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. قولَه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. فكان معلومًا بذلك أن الَّذين لهم الخلودُ في النارِ مِن أهلِ السيئاتِ، غيرُ الذين لهم الخلودُ في الجَنَّةِ مِن أهلِ الإيمانِ. فإن ظنَّ ظانٌّ أن الذين لهم الخلودُ في الجَنَّةِ مِن الذين آمنوا هم الذين عَمِلوا الصالحاتِ دونَ الذين عَمِلوا السيئاتِ، فإن في إخْبارِ اللهِ تعالى ذكرُه بأنَّه مُكفِّرٌ -باجتنابِنا كبائرَ ما نُنْهى عنه- سيئاتِنا، ومُدْخِلُنا المُدْخلَ الكريمَ، ما يُنْبِئُ عن صِحَّةِ ما قلنا في تأويلِ قولِه: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾. وأن ذلك على خاصٍّ من السيئاتِ دون عامِّها. فإن قال لنا قائلٌ: فإن اللهَ جلَّ ثناؤُه إنما ضمِن لنا تكفيرَ سيئاتِنا باجتنابِنا كبائرَ ما نُنْهَى عنه، فما الدلالةُ على أن الكبائرَ غيرُ داخلةٍ في قولِه: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾؟ قيل: لمَّا صحَّ مِن أن الصغائرَ غيرُ داخلةٍ فيه، وأن المَعْنىَّ بالآيةِ خاصٌّ دونَ عامٍّ، ثبَت وصحَّ أن القضاءَ والحُكْمَ بها غيرُ جائزٍ لأحدٍ على أحدٍ إلَّا على من وَقَفَه (٢) اللهُ عليه بدَلالَةٍ مِن خبرٍ قاطعٍ عُذْرَ مَن بلَغه، وقد ثبَت وصحَّ أن اللهَ جلَّ ثناؤُه قد عنَى بذلك أهلَ الشركِ والكفرِ به بشهادةِ جميع الأمةِ، فوجب بذلك القضاءُ على أن أهلَ الشركِ والكفرِ ممَّن عنَاه اللهُ بالآيةِ، فأمَّا أهل الكبائرِ فإن الأخبارَ القاطعةَ عُذْرَ مَن بلَغتْه قد تظاهرتْ عندَنا بأنهم غيرُ مَعْنيِّينَ بها، ومَنْ أنكر ذلك ممَّن دافَع حُجَّةَ الأخبارِ المُسْتَفِيضةِ والأنباءِ المتَظاهِرةِ، فاللازِمُ له تَرْكُ قَطْعِ الشهادة على أهلِ الكبائرِ بالخُلودِ في النارِ بهذه الآيةِ ونظائرِها التى جاءتْ بعُمومِهِم في الوعيدِ؛ إذ كان تأويلُ القرآنِ غيرَ مُدْرَكٍ إلَّا ببيانِ مَن جعَل اللهُ إليه بيانَ القرآنِ، وكانت الآيةُ فيها تأتى

стр. 1090

عامًّا في صِنْفٍ ظاهرُها، وهى خاصٌّ في ذلك الصنفِ باطنُها. ويُسْألُ مدافِعو هذا الخبرِ بأن أهلَ الكبائرِ مِن أهلِ الاستثناءِ سؤالَنا مُنْكِرِى (١) رجمِ الزانى المحصَنِ، وزوالِ فرض الصلاةِ عن الحائضِ في حالِ الحيضِ، فإن السؤالَ عليهم نظيرُ السؤالِ على أُولاءِ (٢) سواءً. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾. يعنى بقولِه : ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾: اجْتَمَعتْ عليه فمات عليها قبلَ الإنابةِ والتوبةِ منها. وأصلُ الإحاطةِ بالشئِ الإحداقُ به، بمنزلةِ الحائطِ الذى تُحاط به الدارُ فتُحْدِقُ به، ومنه قولُ اللهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩]. فتأويلُ الآيةِ إذن: مَن أشرَكَ باللهِ واقتَرف ذنوبًا جَمَّةً فمات عليها قبلَ الإنابةِ والتوبةِ، فأولئك أصحابُ النارِ هم مُخَلَّدون فيها أبدًا. وبنحوِ الذى قلنا في تأويلِ ذلك قاله المُتَأَوِّلون. ذكرُ مَن قال ذلك منهم حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابنُ يمَانٍ، عن سفيانَ، في الأعْمَشِ، [عن أبى رَزِينٍ] (٣): ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾. قال: مات بذَنْبِه (٤). [حَدَّثنا أبو كريبٍ، قال: حَدَّثنا جابرُ بنُ نوحٍ، قال: حَدَّثنا الأعمشُ، عن أبى رَزِينٍ: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾. قال: مات بذنبِه] (٥).

стр. 1091

حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، قال: ثنا الأعمشُ، عن أبى رَزينٍ، عن الرَّبيعِ بنِ خُثَيْمٍ: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾. قال: فمات عليها (١). حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: حدَّثنى ابنُ إسْحاقَ، قال: حدَّثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، أو عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾. قال: يُحِيطُ كفْرُه بما لَه مِن حسنةٍ (٢). حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾. قال: [[ما وعَد اللهُ عليه النارَ (٣). حدَّثنا المثنى، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال: حدَّثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾. قال] (٤): ما أَوْجَب اللهُ فيه النارَ. حدَّثنا بشرٌ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾. قال] (٥): أمَّا الخطيئةُ فالكبيرةُ المُوجِبةُ (٦).

стр. 1092

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، [قال: أخبرَنا معمرٌ] (١)، عن قتادةَ: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾. قال: الخطيئةُ الكبائرُ (٢). حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا وكيعٌ ويحيى بنُ آدَمَ، عن سَلَّامِ بنِ مِسْكِينٍ، قال: سأل رَجلٌ الحسَنَ عن قولِه: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾. فقال: ما نَدْرِى ما الخطيئةُ يا بُنَىَّ، اتْلُ القرآنَ، فكلُّ آيةٍ وعَد اللهُ عليها النارَ فهى الخطيئةُ (٣). حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهْوَازىُّ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزبَيْرىُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ فى قولِه: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾. قال: كلُّ ذنبٍ مُحِيطٍ فهو ما أوْعَد (٤) اللهُ عليه النارَ (٥). حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعْمَشِ، عن أبى رَزِينٍ: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾. قال: مات بخطيئتِه. حدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا أبو نُعَيْمٍ، قال: ثنا الأعمشُ، قال: ثنا مسعودٌ أبو رَزِينٍ، عن الربيعِ بنِ خُثَيْمٍ (٦) فى قولِه: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾. قال: هو الذى

стр. 1093

يموتُ على خطيئتِه قبلَ أن يتوبَ. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: قال وكيعٌ: سمِعْتُ الأعمشَ يقولُ فى قولِه: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾: مات بذُنُوبِه (١). حُدِّثْتُ عن عَمَّارٍ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبى جعْفَرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾: الكبيرةُ المُوجبةُ (٢). حدَّثنى موسى، قال: ثنا عمْرُو بنُ حمَّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾: فمات ولم يَتُبْ (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجّاجٌ (٤)، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾. قال: الشركُ. ثم تلا: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ [النمل: ٩٠]. القولُ فى تأويلِ قولِه جَلَّ ثناؤُه: ﴿فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨١)﴾. يعنى تعالى ذكرُه: فأولئك الذين كسَبُوا السّيئاتِ وأحاطَت بهم خَطِيئَاتُهم أصحابُ النارِ (٥).

стр. 1094

ويعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿أَصْحَابُ النَّارِ﴾: أهلُ النارِ. وإنما جعَلهم لها أصحابًا؛ لإيثارِهم -كان فى حياتِهم الدنيا- مِن الأعمالِ ما يُورِدُهُموها، ويُصْلِيهم (١) سعيرَها، على الأعمالِ التى تُورِدُهم الجنةَ، فجعَلهم جلَّ ذكرُه بإيثارِهم أسبابَها على أسبابِ الجنةِ لها أصحابًا، كصاحبِ الرجلِ الذى يَصْحَبُه، مُؤْثِرًا صُحْبَتَه على صحبةِ غيرِه حتى يُعْرَفَ به. ﴿هُمْ فِيهَا﴾. يعنى: هم فى النارِ خالدون. ويعنى بقوله: ﴿خَالِدُونَ﴾: مقيمون أبدًا (٢). كما حدَّثنا محمدُ بنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: [حدثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، قال] (٣): حدَّثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، أو عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. أى: خالدون أبدًا (٤). حدَّثنى موسى، قال: ثنا عمْرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّىِّ: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: لا يَخْرُجون منها أبدًا (٥). القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨٢)﴾. يعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾. أى: صدَّقوا بما جاء به محمدٌ ﷺ . ويعنى بقولِه: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: أطاعوا اللهَ فأقامُوا حدودَه،

стр. 1095

وأدَّوْا فرائضَه، واجْتَنَبوا محارمَه. ويعنى بقولِه: ﴿أُولَئِكَ﴾ الذين هم كذلك، ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾. يعنى: أهلُها الذين هم أهلُها، ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ مقيمون أبدًا. وإنما هذه الآيةُ والتى قبلَها إخبارٌ مِن اللهِ عبادَه عن بقاءِ النارِ وبقاءِ أهلِها فيها، [وبقاءِ الجَنَّةِ وبقاءِ أهلِها فيها] (١)، ودوامِ ما أَعَدَّ [اللهُ ] (١) فى كلِّ واحدةٍ منهما لأهلِها، تكذيبًا مِن اللهِ القائلين مِن يهودِ بنى إسرائيلَ أن النارَ لن تَمَسَّهم إلَّا أيامًا معدودةً، وأنَّهم صائرون بعدَ ذلك إلى الجَنَّةِ. فأخبرَهم بخلودِ كُفَّارِهم فى النارِ وخلودِ مؤمنيهم فى الجَنَّةِ. كما حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، أو عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. أى: مَن آمَن بما كفَرتم به وعمِل بما تركتُم مِن دينِه، فلهم الجنةُ خالدين فيها، يُخْبِرُهم أن الثوابَ بالخيرِ والشرِّ مقيمٌ على أهلِه أبدًا، لا انقطاعَ له أبدًا (٢). حدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: محمدٌ ﵇ وأصحابُه، ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللهَ﴾.

стр. 1096

قد دلَّلْنا فيما مضَى مِن كتابِنا هذا على أن الميثاقَ "مِفْعَالٌ"، مِن التوَثُّقِ باليمينِ ونحوِها مِن الأمورِ التى تُؤكدُ القولَ (١). فمعنى الكلامِ إذن: واذكُرُوا أيضًا يا معشرَ بنى إسرائيلَ إذ أخذْنا ميثاقَكم لا تعبُدون إلَّا اللهَ. كما حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: حدَّثنى ابنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، أو عكرمةَ، عن ابنِ عباس: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. أى: ميثاقَكم ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللهَ﴾ (٢). والقَرَأَةُ مختلِفةٌ فى قراءةِ قولِه: ﴿لَا تَعْبُدُونَ﴾؛ فبعضُهم يَقْرَؤُها بالتاءِ، وبعضُهم يَقْرَؤُها بالياءِ (٣)، والمعنى فى ذلك واحدٌ، وإنما جازت القراءةُ بالياءِ والتاءِ، وأن يُقالَ: ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللهَ﴾، و (لا يَعْبُدون). وهم غَيَبٌ (٤)؛ لأن أخْذَ الميثاقِ بمعنى الاستحلافِ. فكما تقولُ: استَحْلَفْتُ أخاكَ لَيَقومَنَّ. فَتُخْبِرُ عنه خَبَرَكَ عن الغائبِ لغَيبتهِ عنك، وتقولُ: اسْتَحْلفتُه لَتَقُومَنَّ. فَتُخْبِرُ عنه خبرَكَ عن المخاطَبِ؛ لأنك قد كنتَ خاطبتَه بذلك، فيكونُ ذلك صحيحًا جائزًا. فكذلك قولُه: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ﴾. و (لا يَعْبُدون). مَن قرَأ ذلك بالتاءِ، فبمعنى (٥) الخطابِ، إذ كان الخطابُ قد كان بذلك، ومَن قرَأ بالياءِ فلأنهم [كانوا غيرَ] (٦) مخاطَبين بذلك فى وقتِ الخبرِ عنهم.

стр. 1097

وأمَّا رفعُ (لا يَعبدون (١)). فبالياءِ (٢) التى فى (يَعبدون (١)). [ولم تُنْصَبْ] (٣) بـ "أن" التى كانت تَصْلُحُ أن تَدْخُلَ معَ: (لا يَعبدُونَ (١) إلَّا اللهَ). لأنها إذا صَلحَ دخولُها على فعْلٍ فحُذِفت ولم تَدْخُلْ، كان وجهُ الكلامِ فيه الرفعَ؛ كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِّي (٤) أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤]. فرُفِع ﴿أَعْبُدُ﴾ -إذ لم تَدْخُلْ فيها "أن"- بالألِفِ الدَّالَّةِ على مَعْنى الاستِقْبالِ، وكما قال الشاعرُ (٥): أَلا أَيُّهذا الزَّاجِرِى أَحْضُرُ الوَغَى … وأنْ أَشْهَدَ اللَّذاتِ هل أنتَ مُخْلِدِى فرفَع "أَحْضُرُ" -وإن كان يصلُح دخولُ "أَنْ" فيها، إذ حُذِفت- بالألفِ التى تأتى بمعنى الاستقبالِ. وإنما صلَح حذْفُ "أن" مِن قولِه: (وإذ أخَذْنا ميثاقَ بنى إسرائيلَ لا يعْبدُونَ). لدلالةِ ما ظهَر مِن الكلامِ عليها، فاكْتُفِى بدلالةِ الظاهرِ عليها منها. وقد كان بعضُ نحْويِّى أهلِ البصرةِ يقولُ: معنى قولِه: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللهَ﴾ حكايةٌ؛ كأنك قلتَ: استحلفْناهم لا تعبدون. أى: قلنا لهم: واللهِ لا تَعبُدون. أو قالوا: واللهِ لا يَعبُدون. والذى قال مِن ذلك قريبٌ معناه مِن معنى القولِ الذى قلناه فى ذلك.

стр. 1098

وبنحوِ التأويلِ الذى قُلْنا فى قولِه: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللهَ﴾ تأوَّلَه أهلُ التأويلِ. ذكْرُ من تأوَّل ذلك كذلك حدَّثنى المثَنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ: أخَذ مواثيقَهم أن يُخْلِصوا له وألا يعبُدوا غيرَه (١). حدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ فى قولِه: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللهَ﴾. قال: أخذْنا ميثاقَهم أن يُخْلِصوا للهِ وألا يعبُدوا غيرَه. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللهَ﴾. قال: الميثاقُ الذى أخَذ عليهم فى "المائدةِ" (٢). القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾. وقولُه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾. عطفٌ على موضعِ "أن" المحذوفةِ فى ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللهَ﴾. فكأنَّ معنى الكلامِ: وإذ أخَذْنا ميثاقَ بنى إسرائيلَ بأن لا تعبُدوا إلا اللهَ وبالولدين إحسانًا. فرُفِع ﴿لَا تَعْبُدُونَ﴾ لمَّا حُذِفت "أن"، ثم عُطِف ﴿بِالْوَالِدَيْنِ﴾ على موضعِها، كما قال الشاعر (٣): مُعَاوىَ إنَّنا بَشَرٌ فَأَسْجِحْ … فَلَسْنا بالجبالِ ولا الحَدِيدا

стр. 1099

فنصَب "الحديدَ" على العطفِ به على موضعِ "الجبالِ"؛ لأنها لو لم تكن فيها باءٌ خافضةٌ كانت نصبًا، فعطَف بـ "الحديدِ" على موضعِ (١) "الجبالِ" لا على لفظِها، فكذلك ما وصَفتُ مِن قولِه: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾. وأمَّا "الإحسانُ" فمنصوبٌ بفعلٍ مُضْمَرٍ يؤدِّى عن (٢) معناه قولُه: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (٣). إذ كان مفهومًا معناه، فكأنَّ معنى الكلامِ لو أُظْهِر المحذوفُ: وإذ أخَذْنا ميثاقَ بني إسرائيلَ بأن لا تعبُدوا إلَّا اللهَ، وبأن تُحْسِنوا إلى الوالدينِ إِحْسانًا. فاكْتُفِى بقَولِه: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ من أن يقالَ: وبأن تُحْسِنُوا إلى الوالِدَيْن إحْسَانًا؛ إذ كان مفهومًا أن ذلك معناه بما ظهَر مِن الكلامِ. وقد زعم بعضُ أهلِ العربيةِ في ذلك أن معناه: وبالوالدين فأحسِنوا إحسانًا. فجعَل الباءَ التى في "الوالِدَين" من صلةِ "الإحسانِ" مقدَّمةً عَليه. وقال آخَرون: بل معنى ذلك: ألا تعبُدوا إلَّا اللهَ، وأحْسِنوا بالوالدينِ إحسانًا. فزعَموا أن الباءَ التى في "الوالدينِ" مِن صلةِ المحذوفِ، أعنى مِن (٢) "أَحْسِنوا"، فجعَلوا ذلك مِن كلامينِ. وإنما يُصْرَفُ الكلامُ إلى ما ادَّعَوْا مِن ذلك إذا لم يُوجَدْ لاتِّساقِ الكلامِ على كلامٍ واحدٍ وجْهٌ. فأمَّا وللكلامِ وجْهٌ مفهومٌ على اتِّساقٍ (٤) على كلامٍ واحدٍ، فلا وجهَ لصرفِه إلى كلامينِ. وأَحْرَى (٥) أن القولَ فى ذلك لو كان على ما قالوا لقيل: وإلى الوالدَيْن إِحسانًا. لأنه إنما يقالُ: أحسَنَ فلانٌ إلى والديْه. ولا يقالُ:

стр. 1100

أحسَن بوالديه. إلا على استكراهٍ للكلامِ، ولكنِ القولُ فيه ما قلنا، وهو: وإذ أخذْنا ميثاقَ بني إسرائيلَ بكذا وبالوالدينِ إحسانًا. على ما بيَّنَّا قبلُ، فيكونُ "الإحسانُ" حينَئذٍ مصدرًا مِن معنى (١) الكلام لا مِن لفظِه، كما قد بَيَّنَّا فيما مضَى مِن نظائره (٢). فإن قال قائلٌ: وما ذلك الإحسانُ الذى أخَذ عليهم بالوالدين الميثاقَ؟ قيل: نظيرُ ما فرَض اللهُ على أُمَّتِنا لهما مِن فعْلِ المعروفِ بهما، والقولِ الجميلِ، وخفْضِ جَناحِ الذُّلِّ رحمةً بهما، والتَّحَنُّنِ عليهما، والرأفةِ بهما، والدعاءِ بالخيرِ لهما، وما أشبهَ ذلك مِن الأفعالِ التى ندَبَ اللهُ جلَّ وعزَّ عبادَه أن يفعَلوا بهما. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ تناؤُه: ﴿وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾. يعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَذِي الْقُرْبَى﴾: وبذى القُربى أن يصلُوا قرابتَه منهم ورحمَه. والقُرْبَى" مصدرٌ على تقديرِ "فُعْلَى"، من قولِك: قرُبتْ منِّى رَحمُ فلانٍ قرابةً وقُرْبى [وقُربةً] (٣) وقُرْبًا. بمعنًى واحدٍ. وأمَّا "اليتامى" فهو جمعُ يتيمٍ، مثلُ أسيرٍ وأَسارى، ويَدْخُلُ في اليتامى الذكورُ منهم وإلإناثُ. فمَعنى ذلك: وإذ أخذْنا ميثاقَ بني إسرائيلَ بأن لا تعبُدوا إلَّا اللهَ وحدَه دونَ مَا (٤) سواه مِن الأندادِ، وبالوالدين إحسانًا، وبذى القُرْبَى، أن تَصِلوا رَحمَه، وتَعْرِفُوا حَقَّه، وباليتامى، أن تتَعَطَّفوا عليهم بالرحمةِ والرأفةِ، وبالمساكينِ؛ أن

стр. 1101

تُؤْتُوهم حقوقَهم التى ألزمَها اللهُ أموالَكم. و"المسكينُ" هو المُتَخَشِّعُ المُتَذَلِّلُ مِن الفاقةِ والحاجةِ، وهو "مِفْعِيلٌ" مِن المَسْكَنَةِ، والمسكنةُ هى ذُلُّ الحاجةِ والفاقةِ. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾. إن قال لنا قائلٌ: كَيف قيل: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾. فأُخْرِج الكلامُ أمرًا ولمَّا يَتَقَدَّمْه أمرٌ، بل الكلامُ جارٍ مِن أوَّلِ الآيةِ مَجْرَى الخبرِ؟ قيل: إن الكلامَ وإن كان قد جرَى في أولِ الآيةِ مَجْرَى الخبرِ، فإنه مِمَّا يَحْسُنُ في موضعهِ الخطابُ بالأمرِ والنهىِ، فلو كان مكانَ ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللهَ﴾، "لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللهَ". على وجْهِ النهىِ مِن اللهِ لهم عن عبادةِ غيرِه - كان حسنًا صوابًا، وقد ذُكِر أن ذلك كذلك في قراءةِ أُبَىِّ بنِ كعبٍ (١)، وإنما حسُن ذلك وجاز لو كان مقروءًا به؛ لأن أخذَ الميثاقِ قولٌ، فكأنَّ (٢) معنى الكلامِ -لو كان مقروءًا كذلك-: وإذ قلنا لبنى إسرائيلَ: لا تعبُدوا إلا اللهَ. كما قال جلَّ ثناؤُه في موضعٍ آخرَ: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة: ٦٣]. [فتُلُقِّى ذلك بالأمرِ، كما تقولُ: قُلنا لهم: خُذوا ما آتيناكم بقوةٍ] (٣). فلما كان حَسَنًا وضعُ الأمرِ والنهىِ في موضعِ ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللهَ﴾ عطَف بقولِه: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ على موضع ﴿تَعْبُدُونَ﴾ (٤) -وإن كان مخالفًا لفظُ (٥) كُلِّ واحدٍ منهما ومعناه معنى صاحبِه (٦) - لما وصَفنا مِن جوازِ وضعِ الخطابِ بالأمرِ والنهىِ موضعَ

стр. 1102

﴿لَا تَعْبُدُونَ﴾. فكأنه قيل: وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيلَ لا تعبدوا إلا اللهَ، وقولوا للناسِ حسنًا. وهو نظيرُ ما قدَّمنا البيانَ عنه، مِن أن العربَ تَبْتَدِئُ الكلامَ أحيانًا على وجهِ الخبرِ عن الغائبِ في مواضعِ الحكاياتِ عَمّا (١) أخْبَرَتْ عنه، ثم تعودُ إلى الخبرِ على وجهِ الخطابِ، وتَبْتَدِئُ أحيانًا على وجهِ الخطابِ، ثم تعودُ إلى الإخبارِ على وجهِ الخبرِ عن الغائبِ، لما في الحكايةِ مِن المَعْنَيَيْنِ، كما قال الشاعرُ (٢). أَسِيئِى بِنا أوْ أَحْسِنِى لا مَلُومَةً … لَدَيْنا وَلَا مَقْلِيةً إنْ تَقَلَّتِ يعنى: تقلَّيْتِ. وأمَّا "الحُسْنُ" فإن القَرَأَةَ اخْتَلَفت في قراءتِه، فقرَأتْه عامَّةُ قَرَأَةِ أهلِ الكوفةِ غيرَ عاصمٍ: (وقُولُوا للنّاسِ حَسَنًا) بفتحِ الحاءِ والسينِ (٣). وقرأتْه عامَّةُ قَرَأَةِ أهلِ المدينةِ: ﴿حُسْنًا﴾ بضمِّ الحاءِ وتسكينِ السينِ (٤). وقد رُوِى عن بعضِ القَرَأَةِ أنه كان يقرؤُها: (وَقُولُوا للنَّاسِ حُسْنَى). على مثالِ "فُعْلَى" (٥). واخْتَلف أهلُ العربيةِ في فرْقِ ما بينَ معنى قولِه: (حَسَنًا)، و ﴿حُسْنًا﴾؛ فقال بعضُ البصريِّين: هو على أحدِ وجهينِ؛ إمَّا أن يكونَ يُرادُ بـ "الحُسْنِ": "الحَسَنُ"، لكنها (٦) لغةٌ، كما تقولُ: "البُخْلُ" و"البَخَلُ". وإمَّا أن يكونَ جُعِلَ "الحُسْنُ" هو "الحَسَنَ" في التشبيهِ، وذلك أن الحُسنَ مصدرٌ،

стр. 1103

و"الحَسَنَ" هو الشئُ الحَسَنُ، فيكونُ ذلك حينَئذٍ كقولِك: إنما أنت أَكْلٌ وشُرْبٌ. كما (١) قال الشاعرُ (٢): وَخَيْلٍ قَدْ دَلَفْتُ (٣) لَهَا بِخَيْلٍ … تَحِيَّةُ بينهم ضَرْبٌ وَجِيعُ فجعَل التحيةَ ضربًا. وقال آخَرُ: بل "الحُسْنُ" هو الاسمُ العامُّ الجامعُ جميعَ معانى الحُسْنِ، و"الحَسَنُ" هو البعضُ مِن معانى "الحُسْنِ". قال: وكذلك (٤) قال جلَّ ثناؤُه إذْ أوصَى بالوالدينِ: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت: ٨]. يعنى بذلك أنه وصَّاه فيهما (٥) بجميعِ معانى "الحُسْنِ"، وأمَره في سائرِ الناسِ ببعضِ الذى أمَره به في والديْه، فقال: (وَقُولُوا للنَّاسِ حَسَنًا). يعنى بذلك بعضَ معانى الحُسْنِ. والذى قاله هذا القائلُ في معنى "الحُسْنِ" -بضم الحاءِ وسكونِ السين- غيرُ بعيدٍ مِن الصوابِ، وأنه اسمٌ لنوعِه الذى سُمِّى به. وأَمَّا "الحَسَنُ" فهو صفةٌ [ونَعْتٌ] (٦) لما وُصِف به، وذلك يَقَعُ لخاصٍّ (٧). وإذا كان الأمرُ كذلك، فالصوابُ مِن القراءةِ في قولِه: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾: (حَسَنًا)؛ لأن القومَ إنما أُمِروا -في هذا العهدِ الذى قيل لهم: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ - باستعمالِ الحَسَنِ من القولِ دونَ سائرِ معانى الحُسْنِ، الذى يكونُ بغيرِ القولِ، وذلك نَعْتٌ

стр. 1104

لخاصٍّ مِن معانى الحُسْنِ وهو القولُ، فلذلك اخترتُ قراءتَه بفتحِ الحاءِ والسينِ، على قراءتِه بضمِّ الحاءِ وسكونِ السينِ (١). وأمَّا الذى قرَأ ذلك: (وَقولُوا للنَّاسِ حُسْنَى). فإنه خالَف بقراءتِه إيَّاه كذلك قراءةَ أهلِ الإسلامِ، وكفَى شاهدًا على خطأِ القراءةِ بها كذلك خروجُها مِن قراءةِ أهلِ الإسلامِ لو لم يكنْ على خطئِها شاهدٌ غيرُه. فكيف وهى مع ذلك خارجةٌ مِن المعروفِ مِن كلامِ العربِ، وذلك أن العربَ لا تَكادُ أن تَتَكَلَّمَ بـ "فُعْلَى" و"أفْعَلَ" إلا بالألفِ واللامِ أو بالإضافةِ، لا تقولُ: جاءنى أحسنُ. حتى يَقُولوا: الأحسنُ. ولا: أجملُ. حتى يَقولُوا: الأجملُ. وذلك أن "الأفْعَل" و"الفُعْلَى" لا يَكادان يُوجَدان صفةً إلا لمعْهودٍ معروفٍ، كما تقولُ: بل أخوك الأحسنُ، و: بل أختُك الحُسْنَى. وغيرُ جائزٍ أن يُقالَ: امرأةٌ حُسْنَى، ورجلٌ أحسنُ. وأمّا تأويلُ القولِ الحَسَنِ الذى أمَر اللهُ به جلَّ ثناؤُه الذين وصَف أمْرَهم مِن بني إسرائيلَ في هذه الآيةِ أن (٢) يَقُولوه للناسِ، فهو ما حدَّثنا به أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ أمَرَهم أيضًا بعدَ هذا الخُلُقِ أن يَقُولوا للناسِ حسنًا؛ أن يَأْمُروا بـ "لا إلهَ إلا اللهُ" مَن لم يَقُلْها ورغِب عنها، حتى يَقُولوها كما قالوها، فإن ذلك قُرْبةٌ لهم مِن اللهِ جلَّ ثناؤُه. [قال: والحسَنُ] (٣) أيضًا (٤) ليِّن القولِ، مِن الأدبِ الحسنِ الجميلِ، والخُلُقِ الكريمِ، وهو مما ارْتَضاه اللهُ وأحَبَّه (٥).

стр. 1105

حدَّثنا المثنى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيع، عن أبى العاليةِ: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾. قال: يَقولُ: قولوا للناسِ معروفًا (١). حدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، في قولِه: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾. قال: صِدقًا في شأنِ محمدٍ ﷺ (٢). حُدِّثْتُ عن يزيدَ بنِ هارونَ، قال: سَمعْتُ سفيانَ الثَّوْرىَّ يقولُ في قولِه: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾. قال: مُرُوهم بالمعروفِ، وانْهَوْهم عن المُنكرِ (٣). حدَّثنى هارونُ بنُ إدريسَ الأصَمُّ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ محمدٍ المحارِبِىُّ، قال: ثنا عبدُ الملكِ بنُ أبى سُليمانَ، قال: سأَلْتُ عطاءَ بنَ أبى رَباحٍ عن قولِ اللهِ: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾. قال: مَن لَقِيتَ مِن الناسِ، فقُلْ له حَسَنًا مِن القولِ. قال: وسأَلْتُ أبا جعفرٍ فقال مثلَ ذلك. حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا هُشَيْمٌ (٤)، قال: أخْبَرَنا عبدُ الملكِ، عن أبى جعفرٍ وعطاءِ بنِ أبى رَباحٍ في قولِه: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾. قال: للناسِ كلِّهم (٥). حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخْبَرَنا عبدُ الملكِ، عن عَطاءٍ مثلَه (٦).

стр. 1106

القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾. يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾: أدُّوها بحدودِها (١) الواجبةِ عليكم فيها. كما حدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، عن بشرِ بنِ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ (٢)، قال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾: [في هذه الأخلاقِ] (٣)، وإقامةُ الصلاةِ تمامُ الركوعِ والسجودِ والتِّلاوةِ والخشوعِ، والإقْبالُ عليها فيها (٤). القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾. قد بيَّنَّا فيما مضَى قبلُ معنى الزكاةِ وما أصلُها (٥). وأما الزكاةُ التى كان اللهُ جلَّ ثناؤُه أمَر بها بنى إسرائيلَ الذين ذكَر أمْرَهم في هذه الآيةِ، فهى ما حدَّثنا به أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا عثمانُ، عن بشرٍ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾. قال: إيتاءُ الزكاةِ ما كان اللهُ فرَض عليهم في أموالِهم مِن الزكاةِ، وهى سُنَّةٌ كانت لهم غيرُ سُنَّةِ محمدٍ ﷺ ، كانت زكاةُ أموالِهم قُربَانًا تَهْبِطُ إليه نارٌ فتَحْمِلُها، فكان ذلك تَقَبُّلَه، ومَن لم تَفْعَلِ النارُ به ذلك كان غيرَ مُتَقَبَّلٍ، وكان الذى قرَّب مِن مَكْسَبٍ لا يَحِلُّ مِن ظُلْمٍ أو غَشْمٍ، أو أخْذٍ بغيرِ ما أمَره اللهُ به وبيَّنه له.

стр. 1107

حدَّثنى المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: حدَّثنى مُعاويةُ بنُ صالحٍ، عن علىِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾: يعنى بالزكاةِ طاعةَ اللهِ تعالى ذكرُه والإخلاصَ (١). القولُ في تأويل قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (٨٣)﴾. وهذا خبرٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه عن يهودِ بنى إسرائيلَ، أنهم نكَثوا عهدَه، ونقَضوا مِيثاقَه، بعدَ ما أخَذ مِيثاقَهم على الوفاءِ له بأن لا يَعْبُدوا غيرَه، وبأن يُحْسِنوا إلى الآباءِ والأمهاتِ، ويَصِلوا الأرْحامَ، ويَتَعَطَّفوا على الأيْتامِ، ويُؤَدُّوا حُقوقَ أهلِ المسكَنةِ إليهم، ويَأْمُرُوا عبادَه بما أمَرَهم اللهُ به، ويَحُثُّوهم على طاعتِه، ويُقِيموا الصلاةَ بحُدودِها وفَرائضِها، ويُؤتوا زَكَواتِ أموالِهم، فخالَفوا أمْرَه في ذلك كلِّه، وتوَلَّوْا عنه مُعْرِضِين، إلا مَن عصَم اللهُ منهم، فوَفَى للهِ بعهدِه وميثاقِه. كما حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا عثمانُ، عن بشرٍ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لا فرَض اللهُ عليهم -يعنى على هؤلاء الذين وصَف اللهُ أمْرَهم في كتابِه مِن بنى إسرائيلَ- هذا الذى ذكَر أنه أخَذ مِيثاقَهم به، أعْرَضوا عنه اسْتِثْقالًا لَه (٢) وكَراهيةً، وطلَبوا ما خَفّ عليهم، إلا قليلًا منهم، وهم الذين استثْنَى اللهُ تعالى ذكرُه فقال: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾. يقولُ: أعْرَضْتُم عن طاعتى ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ﴾. قال: القَلِيلُ الذين اخْتَرتُهم لطاعتى، وسيَحِلُّ عِقابى بمَن تَوَلَّى وأعْرَض عنها. يقولُ: ترَكها اسْتِخْفافًا بها (٣).

стр. 1108

حدَّثنا ابن حُمَيْدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، قال: [ثنا ابنُ إسحاقَ، قال] (١): حدَّثنى محمدُ بن أبى محمدٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، أو عكْرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾: أى: ترَكْتُم ذلك كلَّه (٢). وقال بعضُهم: عنَى اللهُ جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ اليهودَ الذين كانوا على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ ، وعنَى بسائرِ الآيةِ أسْلافَهم. كأنه ذهَب إلى أن معنى الكلامِ: ثم تولَّيتم إلا قليلًا، منكم، ثم توَلَّى سَلَفكم إلا قليلًا منهم. ولكنه جُعِل خطابًا لبَقايا نَسلِهم -على ما قد ذكَرْناه فيما مضَى قبلُ (٣) - ثم قال: وأنتم معشرَ بَقاياهم مُعْرِضون أيضًا عن الميثاقِ الذى أخَذْته عليكم بذلك، وتارِكوه تَركَ أَوائلِكم. وقال آخَرون: بل قولُه: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ خطابٌ لمَن كان بين ظَهْرانَىْ مُهاجَرِ رسولِ اللهِ ﷺ من يهودِ بنى إسرائيلَ، وذَمٌّ لهم بنقضِهم الميثاقَ الذى أُخِذ عليهم في التوراةِ وتبديلِهم أمرَ اللهِ وركوبِهم معاصيَه. القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾. وقولُه: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾. في المعنى والإعرابِ نظيرُ قولِه: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللهَ﴾.

стр. 1109

وأمّا سَفْكُ الدمِ، فإنه صَبُّه وإراقتُه. فإن قال قائلٌ: وما معنى قولِه: ﴿لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾. وقال: أَوَ كان القومُ يَقْتُلُون أنفسَهم، ويُخْرِجُونَها من ديارِها، فيُنْهَوا عن ذلك؟ قيل: ليس الأمرُ في ذلك على ما ظَنَنْتَ، ولكَن نُهُوا عن أن يَقْتُلَ بعضُهم بعضًا، فكان في قتلِ الرجلِ منهم الرجلَ منهم قتلُ نفسِه، إذ كانت مِلَّتُهما [واحدةً، ودينُهما واحدًا، وكأنَّ أهلَ الدينِ الواحدِ في ولايةِ بعضِهم بعضًا] (١) بمنزلةِ رجلٍ واحدٍ، كما قال ﷺ : "إنّما المؤمنون في تَراحُمِهم وتَعاطُفِهم بينَهم بمنزلةِ [الجسدِ الواحدِ] (٢)، إذا اشْتَكَى [منه عُضوٌ] (٣) تدَاعَى له سائرُ الجسدِ بالحُمَّى والسَّهَرِ" (٤). وقد يجوزُ أن يكونَ معنى قولِه: ﴿لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾ أى: لا يَقْتُلُ الرجلُ منكم [الرجلَ منكم] (٥)، فَيُقادَ به قِصاصًا، فيكونَ بذلك قاتلًا نفسَه؛ لأنه كان الذى سبَّب لنفسِه ما استحقَّتْ به القتلَ، فأُضِيف إليه بذلك قتلُ ولىِّ المقتولِ إياه قِصاصًا بوليِّه، كما يقالُ للرجلِ يَرْكَبُ فعلًا من الأفعالِ يَستَحِقُّ به العقوبةَ فيعاقَبُ (٦): أنت جَنَيْتَ هذا على نفسِك. وبنحوِ الذى قلنا في ذلك قال أهلُ التأْويلِ.

стр. 1110

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾ أى: لا يقتلُ بعضُكم بعضًا، ﴿وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ ونفسُك يا بنَ آدمَ أهلُ مِلَّتِك (١). حدَّثنى المُثَنى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جَعْفَرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ في قولِه: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾. يقول: لا يقتلُ بَعْضُكم بَعْضًا، ﴿وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾. يقولُ: لا يُخْرِجُ بعْضُكُم بعضًا من الديارِ (٢). حدَّثنى المثنى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾. يقولُ: لا يَقْتُلُ بعضُكم بعضًا. [حُدِّثتُ عن عمارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن قتادةَ: ﴿لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾. يقولُ: لا يقتلُ بعضُكم بعضًا] (٣) بغيرِ حقٍّ، ﴿وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ فتَسْفِك يا بنَ آدمَ دماءَ أهلِ ملَّتِك ودعوتِك. القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ﴾. يعنى بقولِه جلّ ثناؤه: ﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ﴾ [أى: أقرَرتُم] (٣) بالميثاقِ الذى أَخَذْنا

стр. 1111

عليكم [ألا تَسْفِكُوا] (١) دماءَكُم ولا تُخْرِجوا أنفسَكُم مِن ديارِكُم. كما حدَّثنى المثنى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ: ﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ﴾. يقولُ: أقررْتم بهذا الميثاقِ (٢). حُدِّثْت عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه. القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤)﴾. قال أبو جعفرٍ: اختلَف أهلُ التأويلِ في من خُوطِب بقولِه: ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾؛ فقال بَعْضُهم: ذلك خطابٌ من اللهِ جلّ وعزّ لليهودِ الذين كانوا بين ظهرانَىْ مُهاجَرِ رسولِ اللهِ ﷺ أيامَ هجرتِه إليه مُؤَنِّبًا لهم على تضييعِهم أحكامَ ما في أيدِيهم مِن التوراةِ التى كانوا يُقِرُّون بحُكْمِها، فقال اللهُ لهم: ﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ﴾. يعنى بذلك: أقرَّ (٣) أَوائلُكم وسلفُكم، ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ على إقرارِهم بأخذِ الميثاقِ عليهم بأن لا يَسْفِكوا دماءَهم، ولا يُخْرِجوا أنفسَهم من ديارِهم، [وتُصَدِّقون] (٤) بأنَّ ذلك حقٌّ مِن ميثاقى عليكم (٥). وممن حُكِى هذا القول عنه ابنُ عباسٍ. حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: حدَّثنى ابنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، أو عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ

стр. 1112

وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾: علَى أنَّ هذا حقٌّ من ميثاقِى عليكم (١). وقال آخرون: بل ذلك خَبرٌ من اللهِ جلّ وعزّ عن أوائلِهم، ولكنه تعالى ذكرُه أخرَج الخبرَ بذلك عنهم مُخْرَجَ المخاطبةِ على النحوِ الذى وَصَفْنا في سائرِ الآياتِ التى هى نظائرُها، التى قد بَيَّنّا تأويلَها فيما مضَى (٢). وتأوَّلُوا قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ بمعنى: وأنتم شُهودٌ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنى المثنى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ في قولِه: ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ يقولُ: وأنتم شهودٌ. وأولى الأقاويلِ في تأويلِ ذلك بالصوابِ عندِى أن يكونَ ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ خبرًا عن أسلافِهم، وداخلًا فيه المخاطَبون به (٣) الذين أَدْرَكُوا رسولَ اللهِ ﷺ ، كما كان قولُه: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾ خبرًا عن أسلافِهم وإن (٤) كان خطابًا للذين أَدْرَكُوا رسولَ اللهِ ﷺ ؛ لأن اللهَ عزّ ذكرُه أخَذ ميثاقَ الذين كانوا على عهدِ موسى ﵇ من بنى إسرائيلَ على سبيلِ ما قد بَيّنه لنا في كِتابِه، فأَلْزَمَ جَميعَ مَن بعدَهم مِن ذُرِّيَّتِهِم مِن حُكْمِ التوراةِ مثلَ الذى أَلْزَم منه مَن كان على عهدِ موسى ﵇ منهم، ثم أَنَّب الذين خاطبَهم بهذه الآياتِ على نقضِهم ونقضِ سلفِهم ذلك الميثاقَ، وتبديلهم (٥) ما وَكَّدوا على أنفسِهم له بالوفاءِ من العهودِ بقولِه:

стр. 1113

﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ وإن كان خارجًا على وجهِ الخطابِ للذين كانوا على عهدِ نبيِّنا ﷺ منهم، فإنَّه معنيٌّ به كلُّ مَن أقَرّ (١) بالميثاقِ منهم على عهدِ موسى ﵇ ومَن بعدَه، وكلُّ مَن شَهِد منهم بتصديقِ ما في التوراةِ، لأنَّ اللهَ جلَّ ثناؤُه لَمْ يَخْصُصْ بقولِه: ﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ وما أشبهَ ذلك من الآىِ بعضَهم دون بعضٍ، والآيةُ محتمِلةٌ أن يكونَ أُرِيدَ بها جميعُهم، فإذ كان ذلك كذلك، فليس لأحدٍ أن يَدَّعِىَ أنه أريدَ بها بعضٌ منهم دونَ بعضٍ، وكذلك حكمُ الآيةِ التى بعدَها، أعنِى قولَه: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية؛ لأنه قد ذُكِر أن أوائلَهم قد كانوا يفعلُون من ذلك ما كان يفعلُه أواخرُهم الذين أدركوا عصرَ نبيِّنا ﷺ . القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾. وَيَتَّجِهُ قولُه جلّ ثناؤه: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾ وجهين؛ أحدُهما، أن يكونَ أُريدَ به: ثم أنتم يا هؤلاء. فترَك "يا" استغناءً بدَلالةِ الكلامِ عليه، كما قال جلّ ثناؤه: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ [يوسف: ٢٩]. وتأويلُه: يا يوسفُ أَعْرِضْ عن هذا. فيكونُ معنى الكلامِ حينئذٍ: ثم أنتم (٢) يا معشرَ يهودِ بنى إسرائيلَ، بعد إقرارِكم بالميثاقِ الذى أخذْتُه عليكم [ألا تَسْفِكوا] (٣) دماءَكم، ولا تُخْرِجوا (٤) أنفسَكم من ديارِكم (٥)، وبعد شهادتِكم على أنفسِكم بأن ذلك حقٌّ لى عليكم لازمٌ لكم الوفاءُ لى به -تَقْتلون

стр. 1114

أنفسَكم وتُخْرِجون فريقًا منكم من ديارِهم، متعاونين عليهم (١) في إخراجِكم إياهم بالإثمِ والعدوانِ. والتعاونُ هو التظاهرُ. وإنما قيل للتعاونِ: التظاهرُ. لتقويةِ بعضِهم ظهرَ بعضٍ، فهو تفاعُلٌ من الظَّهْرِ، وهو مساندةُ بعضِهم ظهرَه إلى ظهرِ بعضٍ. والوجهُ الآخرُ أن يكونَ معناه: ثم أنتم، القومَ (٢)، تَقْتلون أنفسَكم، فيَرْجعُ إلى الخبرِ عن "أنتم"، وقد اعْتُرِضَ بينهم وبين الخبرِ عنهم بـ "هؤلاء"، كما تقولُ العربُ: أنا ذا أقوم، أنا ذا أَجْلِسُ. ولو قيل: أنا هذا يَجْلِسُ. كان صحيحًا جائزًا، وكذلك: أنت ذاك تقومُ. وقد زعَم بعضُ البصريين أن قولَه: ﴿هَؤُلَاءِ﴾. في قولِه: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾ [تنبيهٌ وتوكيدٌ] (٣) لـ ﴿أَنْتُمْ﴾. وزعَم أنَّ "أنتم" وإن كانت كنايةَ أسماءِ جماعِ المخاطَبين، فإنما جاز أن يؤكَّدوا بـ "هؤلاء" - [و"هؤلاء" لا يؤكدُ بها] (٤) عن مخاطَبين- كما قال خُفافُ ابنُ نُدْبةَ (٥): أقولُ له والرُّمْحُ يَأْطِرُ مَتْنَه … تأمَّلْ (٦) خُفافًا إنّنِى أنا ذَلكا يريد: أنا هذا (٧). وكما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس: ٢٢]. ثم اختلف أهلُ التأويلِ في مَن عُنِىَ بهذه الآيةِ نحوَ اختلافِهم في من عُنِىَ بقولِه:

стр. 1115

﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾. ذكْرُ اختلافِ المختلِفين في ذلك حدَّثَنَا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: حَدَّثَنِي محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حَدَّثَنِي محمدُ بنُ أبى محمدٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، أو عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾: أَى: أهلَ الشركِ حتى تَسْفِكوا دماءَهم معهم وتُخْرِجوهم من ديارِهم معهم، فقال: ابْتَلاهُم (١) اللهُ بذلك (٢) مِن فعلِهم، وقد حَرَّم عليهم في التوراةِ سفكَ دمائِهم، وافترضَ عليهم فيها فداءَ أَسْراهم، فكانوا فريقَيْن؛ طائفةٌ منهم بنو قينقاعَ ولِفُّهم (٣) حلفاءُ الخزرجِ، والنضيرُ وقريظةُ ولِفُّهم (٣) حلفاءُ الأوسِ، فكانوا إذا كانت بين الأوْسِ والخزرجِ حربٌ خرجتْ بنو قينقاعَ مع الخزرجِ، وخرجتِ النضيرُ وقريظةُ مع الأوسِ، يُظاهرُ كلُّ واحدٍ من الفريقَيْن حلفاءَه على إخوانِه حتى يَتَسافكوا دماءَهم بينهم، وبأيديهم التوراةُ يَعْرفون منها ما عليهم وما لهم، والأوسُ والخزرجُ أهلُ شركٍ يَعبدون الأوثانَ لا يَعْرِفون جنةً ولا نارًا، ولا بعثًا ولا قيامةً، ولا كتابًا ولا حرامًا ولا حلالًا، فإذا وَضَعتِ الحربُ أوزارَها افتدَوْا أَسْراهم، تصديقًا لما في التوراةِ وأخذًا به بعضُهم من بعضٍ. يَفْتَدِى بنو قينقاعَ ما كان من أَسْراهم في أيدى الأوسِ، وتَفْتَدِى النضيرُ وقريظةُ ما كان في أيدى الخزرجِ منهم، ويُطِلُّون (٤) ما أصابُوا من الدماءِ، وقتَلوا مَن قتَلوا منهم فيما بينهم، مظاهرةً لأهلِ الشركِ عليهم، يقولُ اللهُ حين أنْبَأَهُم بذلك: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ

стр. 1116

بِبَعْضٍ﴾ أى: [يُفادِيه بحُكْمِ التوراةِ، ويقتُلُه، وفى حكمِ التوراةِ ألا يفعَلَ، ويُخرِجُه من دارِه، ويُظاهِرُ] (١) عليه مَن يُشرِكُ باللهِ ويعبدُ الأوثانَ من دونِه ابتغاءَ عَرَضِ الدنيا. ففى ذلك من فعلِهم مع الأوسِ والخزرجِ -فيما بلغنى- نزلتْ هذه القصةُ (٢). حَدَّثَنِي موسى بنُ هارونَ، قال: حَدَّثَنَا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾. قال: إن اللهَ جلَّ ذكرُه أَخَذ على بنى إسرائيلَ في التوراةِ ألا يَقْتُلَ بعضُهم بعضًا، وأيُّما عبدٍ أو أمةٍ وجَدْتموه من بنى إسرائيلَ فاشترُوه بما [قام ثَمَنُه] (٣) فأَعْتِقوه، فكانت قريظةُ حلفاءَ الأوسِ، والنضيرُ حلفاءَ الخزرجِ، فكانوا يَقْتَتِلُون في حربِ سُمَيْرٍ (٤)، فتقاتلُ بنو قريظةَ مع حلفائِها النضيرَ وحلفاءَها، وكانت النضيرُ تُقاتِلُ قريظةَ وحلفاءَها ويَغْلِبونَهم، فيُخْرِبون ديارَهم ويُخْرِجونَهم منها، فإذا أُسِر رجلٌ من الفريقَيْن كليهِما، جَمَعوا له حتى يَفْدُوه، فتُعَيِّرُهم العربُ بذلك، ويقولون: كيف تقاتلونهم وتَفْدونهم؟ قالوا: إنا أُمِرْنا أن نَفْدِيَهم وحُرِّم علينا قتالُهم. قالوا: فَلِمَ تُقاتلُونهم؟ قالوا: إنا نَسْتَحْيِى أن يُستَذَلَّ حلفاؤُنا. فذلك حين عَيَّرهم اللهُ جلَّ وعزُّ، فقال: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (٥).

стр. 1117

حَدَّثَنِي يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: كانت قريظةُ والنضيرُ أخوَيْن، وكانوا بهذه البلدةِ (١)، وكان الكتابُ بأيديهم، وكانت الأوسُ والخزرجُ أخوَيْن فافترَقا، وافترَقَتْ قريظةُ والنضيرُ، فكانت النضِيرُ مع الخزرجِ، وكانت قريظةُ مع الأوسِ. قال: فاقْتَتلوا، وكان بعضُهم يَقْتُلُ بعضًا، فقال اللهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ الآية. وقال آخرون بما حَدَّثَنِي المثني، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ، قال: كان في بنى إسرائيلَ إذا اسْتَضْعَفوا قومًا أَخْرَجوهم من ديارِهم، وقد أُخِذ علَيْهم الميثاقُ ألا يَسْفِكوا دماءَهم، ولا يُخْرِجوا أنفسَهم من ديارِهم (٢). وأما العُدْوانُ فهو الفُعْلانُ من التَّعَدِّي، يقالُ منه: عدا فلانٌ في كذا يَعْدُو فيه عَدْوًا وعُدْوانًا، واعْتَدَى فهو يَعْتَدِى اعتداءً. وذلك إذا جاوز حدَّه ظُلْمًا وبَغْيًا. وقد اختلَفت القرأةُ في قراءةِ ﴿تَظَاهَرُونَ﴾؛ فقرَأها بعضُهم: ﴿تَظَاهَرُونَ﴾. على مثالِ "تَفاعَلُون"، بحذفِ التاءِ الزائدة - وهى التاءُ الآخرةُ، وقرَأها آخرون: (تَظَّاهَرُونَ). مُشدَّدةً، بتأويلِ "تَتَظاهَروُن"، غيرَ أنهم أَدْغَموا التاءَ الثانيةَ في الظاءِ لتقاربِ مخرجَيْهما فصَيَّروهما ظاءً مشددةً (٣). وهاتان القراءتان وإن اختلفتْ ألفاظُهما فهما مُتَّفِقَتَا المعني، فسواءٌ بأىِّ ذلك قرَأ به القارئُ؛ لأنهما جميعًا لغتان معروفتان وقراءتان مُسْتَفيضتان في أمْصارِ الإسلامِ بمعنًى واحدٍ، ليس في إحداهما معنًى تَسْتَحِقُّ به اختيارَها على الأخري، إلَّا

стр. 1118

أن يختارَ مختارٌ (تَظَّاهَرُونَ) بالتشديدِ طلبًا منه تتمةَ الكلمةِ. القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾. يعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ﴾. اليهودَ، يُؤنِّبُهم (١) بذلك، ويُعَرِّفُهم به قبيحَ أفعالِهم التى كانوا يَفْعَلونها، فقال لهم: ثم أنتم، بعد إقرارِكم بالميثاقِ الذى أخذْتُه عليكم ألا تَسْفِكوا دماءَكم، ولا تُخْرِجوا أنفسَكم من ديارِكم، تَقْتُلُونَ أنفُسَكم -يعنى به: يَقْتُلُ بعضُكم بعضًا- وأنتم مع قتلِكم مَن تَقْتلون منكم، إذا وجَدْتم الأسيرَ منكم في أيدى غيرِكم من أعدائِكم تَفْدُونهم ويُخْرِجُ بعضُكم بعضًا من دارِه، وقَتْلُكم إياهم وإخراجُكُموهم من ديارِهم حرامٌ عليكم، كما حرامٌ عليكم تَرْكُهم أَسْرى في أيدى عَدُوِّكم، فكيف تَسْتَجِيزونَ قتلَهم ولا تَسْتَجيزونَ تَرْكَ فدائِهم من عدوِّهم؟ أم كيف لا تَسْتَجيزون تَرْكَ فدائِهم، وتَسْتَجيزون قتلَهم، وهما جميعًا في اللازمِ لكم من الحكمِ فيهم سواءٌ؛ لأنَّ الذى حَرَّمْتُ عليكم مِن قَتْلِهم وإخراجِهم من دورِهم نظيرُ الذى حَرَّمْتُ عليكم من تَرْكِهم أَسْرَى في أيدى عدوِّهم، أتؤمنون ببعضِ الكتابِ الذى فرضْتُ عليكم فيه فرائضى وبَيَّنْتُ لكم فيه حُدُودى وأخذْتُ عليكم (٢) بالعملِ بما فيه ميثاقى - فتُصَدِّقون به، فتُفادُون أَسْراكم مِن أيدِى عدوِّكم، وتَكْفُرونَ ببَعْضِه، فتَجْحَدونه فتَقْتُلُون مَن حرَّمْتُ عليكم قتلَه مِن أهلِ دينِكم ومِن قومِكُم، وتُخْرِجونهم مِن ديارِهم، وقد علِمْتُم أن الكفرَ منكم ببَعْضِه نقضٌ منكم عهدى ومِيثاقى؟!

стр. 1119

كما حَدَّثَنَا بشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ [أُسَارَى تُفَادُوهُمْ] (١) وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾: فادين، واللهِ إن فداءَهم لَلْإيمانُ، وإن إخراجَهم لَلْكفرُ، فكانوا يُخْرِجونهم مِن ديارِهم، وإذا رأَوْهم أُسارَى في أيدى عدوِّهم افتَكُّوهم (٢). حَدَّثَنَا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، قال: حَدَّثَنِي ابنُ إسحاقَ، قال: حَدَّثَنِي محمدُ بنُ أبى محمدٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، أو عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ﴾: قد علِمْتُم أن ذلكم عليكم في دينِكم ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ﴾ في كتابِكم ﴿إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾: أتُفادُونهم مؤمنين بذلك، وتُخْرِجونهم كفرًا بذلك (٣). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسي، عن ابنِ أبي نجِيحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ﴾. يقولُ: إن وجدْتَه في يدِ غَيرِكَ فدَيْته وأنت تَقْتُلُه (٤) بيدِك. حَدَّثَنِي المثني، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، قال: قال أبو جعفرٍ: كان قَتادةُ يقولُ في قولِه: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾: فكان إخراجُهم كفرًا وفداؤُهم إيمانًا. حَدَّثَنِي المثني، قال: حَدَّثَنَا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ

стр. 1120

في قولِه: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية، قال: كان في بنى إسْرائيلَ إذا اسْتَضْعَفوا قومًا أخْرَجوهم مِن ديارِهم، وقد أُخِذ عليهم الميثاقُ ألا يَسْفِكوا دماءَهم، ولا يُخْرِجُوا أنفسَهم مِن ديارِهم، وأُخِذ عليهم الميثاقُ إنْ أُسِر بعضُهم أن يُفادُوهم، فأخْرَجوهم مِن ديارِهم، ثم فادوهم، فآمَنوا ببعضِ الكتابِ وكفَروا ببعضٍ، آمَنوا بالفِداءِ ففدَوْا، وكفَروا بالإخراجِ مِن الديارِ فأَخْرَجوا (١). حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، قال: ثنا الربيعُ بنُ أنسٍ، قال: أخْبَرَنى أبو العاليةِ، أن عبدَ اللهِ بنَ سَلَامٍ مرَّ على رأسِ الجالوتِ بالكوفةِ وهو يُفادِى مِن النساءِ مَن لم يَقَعْ عليه العربُ، ولا يُفادِى مَن قد وقَع عليه العربُ، فقال له عبدُ اللهِ بنُ سَلَامٍ: أما إنه مَكْتوبٌ عندَك في كتابِك: أن فَادُوهن كلَّهن (٢). حدَّثنى القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾. قال: كفرُهم القتلُ والإخْراجُ، وإيمانُهم الفِداءُ. قال ابنُ جُرَيْجٍ: يقولُ: إذا كانوا عندَكم تَقْتُلونهم، وتُخْرِجُونهم مِن ديارِهم، وأما إذا أُسِروا تَفْدُونهم؟ وبلَغَنى أن عمرَ بنَ الخطابِ قال في قصةِ بنى إسرائيلَ: إن بنى إسرائيلَ قد مضَوْا، وإنكم [يا أهلَ الإسلامِ] (٣) تُعْنَوْن بهذا الحديثِ. واخْتَلَفت القَرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ﴾؛ فقرَأه بعضُهم: (أَسْرَى تَفْدُوهم). وبعضُهم: (أُسارَى تُفادُوهم). وبعضُهم:

стр. 1121

(أُسارَى تَفْدُوهم). وبعضُهم: (أَسْرى تُفادُوهم) (١). فمَن قرَأ ذلك: (وإن يأتوكم أسْرَى). فإنه أراد جمعَ الأسيرِ، إذ كان على "فَعِيل" على مثالِ جمعِ أسماءِ ذَوِى العاهاتِ التى يأتى واحدُها على تقديرِ "فَعِيل"؛ إذ كان الأسْرُ شَبيهَ المعنى -في الأذَى والمكروهِ الداخلِ به على الأسِيرِ- ببعضِ مَعانى العاهاتِ، وأُلْحِق جَمْعُ المسمى (٢) به بجمعِ ما وصَفْنا، فقيل: أَسيرٌ وأسْرَى. كما قيل: مريضٌ ومَرْضَى، وكَسيرٌ وكَسْرَى، وجَريحٌ وجَرْحَى. وأما الذين قرَءوا ﴿أُسَارَى﴾ فإنَّهم أخرَجوه على مُخرجِ جمعِ "فَعْلان"؛ إذ كان جمعُ "فعلان" الذى له "فَعْلَى"، قد يُشاركُ جمعَ "فعيلٍ"، كما قالوا: سُكَارى وسَكْرى، وكُسالى وكَسْلى، فشبَّهوا أسيرًا -إذ جمَعوه مرةً أُسارى، وأُخرى أَسْرى- بذلك. وكان بعضُهم يَزْعُمُ أن معنى الأسْرَى مخالِفٌ معنى الأسارَى، ويَزْعُمُ أن معنى الأسْرَى اسْتِئْسارُ القومِ بغيرِ أسْرٍ مِن المُسْتَأْسِرِ لهم، وأن معنى الأسارَى معنى مَصيرِ القومِ المأْسُورِين في أيدى الآسِرِين بأسْرِهم إياهم وأخْذِهم قهرًا وغَلَبةً. قال أبو جعفرٍ: وذلك ما لا وجهَ له يُفْهَمُ في لغةِ أحدٍ مِن العربِ، ولكنَّ ذلك على ما وصَفْتُ مِن جمعِ الأسيرِ مرةً على "فَعْلَى" لِمَا بيَّنْتُ مِن العلةِ، ومرةً على "فُعَالى" لمَا ذكَرْتُ مِن تشبيهِهم جمعَه بجمعِ سَكْرانَ وكَسْلانَ وما أشْبَه ذلك. وأولى القراءات (٣) بالصوابِ في ذلك (٤) قراءةُ مَن قرَأ: (وَإنْ يأتُوكُم أسْرَى)؛

стр. 1122

لأن "فُعَالى" في جمعِ "فَعِيل" غيرُ مُسْتَفيضٍ في كلامِ العربِ، فإذ كان ذلك غيرَ مُسْتَفِيضٍ في كلامِهم، وكان مُسْتَفِيضًا فاشيًا فيهم جمعُ ما كان مِن الصفاتِ -التي بمعنى الآلامِ والزَّمَانةِ- واحدُه على تقديرِ "فَعيلٍ" على "فَعْلَى" كالذى وصَفْنا قبلُ، وكان أحدُ ذلك الأسيرَ - كان الواجبُ أن يُلْحَقَ بنَظائرِه وأشْكالِه فيُجْمَعَ جمعَها دونَ غيرِها ممَّن خالَفَها. وأما مَن قرَأ: ﴿تُفَادُوهُمْ﴾. فإنه أراد: إنكم تَفْدُونهم ممن (١) أسرَهم، ويُفْدَى منكم الذين أسَرُوهم؛ ففادُوكم بهم [أسْراهم منكم] (٢). وأما مَن قرَأ ذلك: (تَفْدوُهُمْ) فإنه أراد أنكم يا معشرَ اليهودِ إن أتاكم الذين أخْرَجْتُموهم منكم مِن ديارِهم أسْرَى، فدَيْتُموهم فاسْتَنْقَذْتُموهم. وهذه القراءةُ أعجبُ إلىَّ مِن الأولى -أعْنِى: (أسْرَى تَفْدُوهم) - لأن الذى على اليهودِ في دينِهم فِداءُ أسْراهم بكلِّ حالٍ، فَدَى الآسِرون أسْراهم منهم أم لم يَفْدُوهم. وأمّا قولُه: ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾ فإن في قولِه: ﴿وَهُوَ﴾ وجهين مِن التأويلِ، أحدُهما: أن يكونَ كِنايةً عن الإخراجِ الذى تَقَدَّم ذكرُه، فكأنه قال: وتُخْرِجون فريقًا منكم مِن ديارِهم، وإخراجُهم مُحَرَّمٌ عليكم. ثم كرَّر الإخْراجَ الذي بعدَ ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ﴾ تكريرًا على "هو"، لمَّا حال بينَ "الإخراجِ" و ﴿وَهُوَ﴾ كلامٌ. والتأويلُ الثانى: أن يَكونَ عِمادًا (٣) لمَّا كانت الواوُ التى مع ﴿وَهُوَ﴾ تَقْتَضِى

стр. 1123

اسمًا يَلِيها دونَ الفعلِ (١)، فلما قدَّم الفعلَ قبلَ الاسمِ -الذى تَقْتَضِيه الواوُ أن يَلِيَها- أُولِيَت "هو"؛ لأنه اسمٌ، كما تَقولُ في الكلامِ: أتَيْتُك، وهو قائمٌ أبوك. بمعنى وأبوك قائمٌ؛ إذ كانت الواوُ تَقْتَضِى اسمًا، فعُمِدَت بـ"هو"؛ إذ سبق الفعلُ الاسمَ ليَصْلُحَ الكلامُ به، كما قال الشاعرُ (٢): فأَبْلِغْ أبا يحيى إذا ما لقِيتَه … على العِيسِ في آباطِها عَرَقٌ يَبْسُ بأنَّ السُّلاميَّ الذي بضَرِيَّةٍ (٣) … أَميرَ الحِمَى قد باع حَقِّى بنى عَبْسِ بثوبٍ ودينارٍ وَشاةٍ ودِرْهَمٍ … فهل هو مرفوعٌ بما هاهنا راسُ فأُولِيَت "هل" (٤) لطلبِها الاسمَ العِمادَ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. يعني بقولِه جل ثناؤُه: ﴿فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ﴾: فليس لمن قتَل منكم قَتيلًا -فكفَر بقتلِه إياه [ببعضِ حكمِ] (٥) اللهِ الذى حكَم به عليه في التَّوْراةِ، وأخْرَج منكم فريقًا مِن ديارِهم مُظاهِرًا (٦) عليهم أعداءَهم مِن أهلِ الشركِ ظُلمًا وعُدْوانًا، وخلافًا لمَا أمَرَه اللهُ به في كتابِه الذى أنْزَله إلى موسى- ﴿جَزَاءُ﴾، يعني بـ"الجزاءِ" الثوابَ، وهو العِوَضُ مما فعَل مِن ذلك والأجرُ عليه، ﴿إِلَّا خِزْيٌ

стр. 1124

فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. والخِزْىُ الذُّلُّ والصَّغارُ. يقالُ منه: قد خَزِى الرجلُ يَخْزَى خِزْيًا ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، يعنى: في عاجلِ الدنيا قبلَ الآخِرةِ. ثم اخْتُلِف في الخِزْىِ الذى جزاهم (١) اللهُ بما سلَف منهم (٢) مِن معصيتِهم إياه؛ فقال بعضُهم: ذلك هو حُكْمُ اللهِ الذى أنْزَلَه إلى نبيِّه محمدٍ ﷺ مِن أخْذِ القاتلِ بِمَن قتَل والقَوَدِ به قِصاصًا، والانتقامِ للمظلومِ مِن الظالِم. وقال آخرون: بل ذلك هو أخْذُ الجزيةِ منهم ما أقاموا على دينِهم ذِلَّةً لهم وصَغارًا. وقال آخرون: بل ذلك الخِزْىُ الذى جُوزُوا به في الدنيا إخراجُ رسولِ اللهِ ﷺ النَّضِيرَ عن دِيارهم لأولِ الحَشْرِ، وقَتْلُ مُقاتِلةِ قُرَيْظَةَ وسَبْيُ ذَراريِّهم، فكان ذلك لهم خِزْيًا في الدنيا، ولهم في الآخرةِ عذابٌ عظيمٌ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾. يعنى جل ثناؤُه بقولِه: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾: ويومَ تَقومُ (٣) الساعةُ، يُرَدُّ مَن يَفْعَلُ ذلك منكم بعدَ الخَزْىِ الذى يَحِلُّ به في الدنيا جَزاءً على معصيتِه اللهَ، إلى أشدِّ العذابِ الذى أعَدَّه اللهُ لأعْدائِه. وقد قال بعضُهم: معنى ذلك: ثم يومَ القيامةِ يُرَدُّونَ إلى أشدِّ مِن عذابِ الدنيا. ولا معنى لقولِ قائلِ ذلك؛ لأن اللهَ جل ثناؤُه إنما أخْبَر أنهم يُرَدُّون إلى أشدِّ معانى العذابِ، ولذلك أدْخَل فيه الألفَ واللامَ؛ لأنه عَنَى به جنسَ العذابِ كلِّه دونَ نوعٍ منه.

стр. 1125

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥)﴾. اخْتَلَفت القَرَأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأه بعضُهم: (وما اللهُ بغافلٍ عما يعملون). بالياءِ (١) على وجهِ الإخْبارِ عنهم، فكأنَّهم نحَوْا بقراءتِهم معنى: ﴿فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ويومَ القيامةِ يُرَدُّ من يفعلُ ذلك منكم إلى أشدِّ العذابِ (وما اللهُ بغافلٍ عما يَعْمَلُونَ) يعنى: عَمَّا يَعْمَلُه الذين أخبَرَ اللهُ عنهم أنه ليس لهم جزاءٌ على فعلِهم إلَّا الخِزْىُ في الحياة الدنيا، ومرجِعُهم في الآخرةِ إلى أشدِّ العذابِ. وقرَأه آخَرون: ﴿وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ بالتاءِ على وجهِ المخاطبةِ. قال: فكأنَّهم نَحَوْا بقراءتِهم: أفتُؤمنون ببعضِ الكتابِ وتكفُرون ببعضٍ، وما اللهُ بغافلٍ يا معشرَ اليهودِ عما تعملون أنتم. وأَعْجَبُ القراءتينِ في ذلك إليَّ قراءةُ من قرأ بالياءِ إِتباعًا لقولِه: ﴿فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ﴾ ولقولِه: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ﴾؛ لأن قولَه: (وما اللهُ بغافلٍ عما يَعْمَلُون). إلى ذلك أقربُ منه إلى قولِه: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ فإتباعُه الأقربَ إليه أَوْلَى مِن إلحاقِه بالأبعدِ منه. والوجهُ الآخَرُ غيرُ بعيدٍ مِن الصوابِ. وتأويلُ قولِه: [﴿وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾] (٢): وما اللهُ بساهٍ عن أعمالِهم الخبيثةِ، بل هو مُحْصٍ لها، وحافظُها عليهم حتى يُجَازِيَهم بها في الآخرةِ، ويُخْزِيَهم في الدنيا فَيُذِلَّهم ويَفْضَحَهم بها (٣).
следующие страницы →