← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 11201–11240 · переход к 11206.

стр. 11201

صحيفةً؟ قيل: ليس المعنى [في ذلك] (١)، وإنما معناه: يومَ نطوِى السماءَ [كما يُطوَى] (٢) السِّجِلُّ على ما فيه مِن الكتابِ. ثم جُعِل (نطوِى) مصدرًا، فقيل: (كَطَيِّ السِّجِلِّ للكتابِ). واللامُ في قولِه: (للكتابِ). بمعنى: علَى. واختَلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامَّةُ قرَأةِ الأمصارِ سوى أبى جعفرٍ القارئِ: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ﴾ بالنونِ. وقرَأ ذلك أبو جعفرٍ: (يَوْم تُطْوَى (٣) السَّمَاءُ) بالتاءِ (٤) وضمِّها على وجْهِ ما لم يُسمَّ فاعلُه (٥). والصوابُ من القراءةِ في ذلك ما عليه قرأةُ الأمصارِ بالنونِ؛ لإجماعِ الحجةِ من القرَأةِ عليه، وشذوذِ ما خالَفَه. وأما "السِّجِلُّ" فإنه في قراءةِ [جميعِهم بتشديدِ اللامِ، وأما "الكتابُ"، فإنّ قرأةَ] (٦) أهلِ المدينةِ وبعضَ أهلِ الكوفةِ والبصرةِ قرَءوه بالتوحيدِ: (كطَيِّ السِّجِلِّ للكتابِ) (٧). وقرأ ذلك عامَّةُ قرأةِ الكوفةِ: ﴿لِلْكُتُبِ﴾ على الجماعِ (٨). وأولى القراءتين عندَنا في ذلك بالصوابِ قراءةُ مَن قرَأه على التوحيدِ (للكتاب)؛ لِما ذكَرْنا مِن معناه، فإن المرادَ منه: كطَيِّ السجلِّ على ما فيه مكتوبٌ.

стр. 11202

فلا وجْهَ إذ كان ذلك معناه بجمع (١) الكُتُبِ إِلَّا وجْهٌ يبعُدُ (٢) مِن معروفِ كلامِ العرب. وعند قوله: ﴿كَطَيِّ السِّجِلِّ﴾ انقضاءُ الخبرِ عن صلَةِ قولِه: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾. ثم ابتَدَأ الخبرَ عمَّا اللَّهُ فاعلٌ بخَلْقِه يومَئذٍ، وقال تعالى ذِكْرُه: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾. فالكافُ التي في قولِه: ﴿كَمَا﴾ من صلةِ "نعيد" (٣) تقَدَّمت قبلَها. ومعنى الكلامِ: نعيدُ الخلقَ حُفاةً عُراةً غُرْلًا يومَ القيامةِ، كما بدَأْناهم أوّلَ مرَّةٍ في حالِ خَلْقِناهم في بطونِ أمَّهاتِهم. على اختلافٍ من أهلِ التأويلِ في تأويلِ ذلك. وبالذي قُلنا في ذلك قال جماعةٌ من أهلِ التأويلِ، وبه الخبرُ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ ؛ فلذلك اختَرتُ القولَ به على غيرِه. ذكرُ من قال ذلك والأثرِ الذي جاء فيه حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾. قال: حفاةً عُراةً غُرْلًا (٤). حدَّثنا القاسمُ قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾. قال: حُفَاةً غُلفًا.

стр. 11203

قال ابن جُرَيجٍ: أخبَرني إبراهيمُ بنُ ميسرةَ أنَّه سمِع مجاهدًا يقولُ: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ لإحدَى نسائِه: "يأْتُونَه (١) حُفاةً عُراةً غُلَفًا". فَاسْتَتَرتْ بكُمِّ دِرْعِها وقالت: وَاسَوأَتاه! قال ابن جُرَيجٍ: أُخبِرتُ أَنَّها عائشةُ، قالت: يا نبيَّ اللَّهِ، [ولا يَحتَشِمُ] (٢) الناسُ بعضُهم بعضًا! قال: "لكلِّ امْرئٍ يومئذٍ شأنٌ يُغنِيه". حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: ثنا سفيانُ، قال: ثني المغيرةُ بن النعمانِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، عن النبيِّ ﷺ قال: "يُحشَرُ النَّاسُ حُفاةً عُراةً غُرلًا، فأولُ مَن يُكْسَى إبراهيمُ". ثم قرَأ: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ (٣). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا سفيانُ، عن المغيرةِ بن النعمانِ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: قام (٤) رسولُ اللَّهِ ﷺ بمَوعظةٍ. فذكَر نحوَه (٣). حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن المغيرةِ بن النعمانِ (٥)، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: قام فينا رسولُ اللَّهِ ﷺ . فذكَر نحوَه (٣).

стр. 11204

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ عن شعبةَ، قال: ثنا المغيرةُ بنُ النعمانِ النَّخَعيُّ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ نحوَه (١). حدَّثنا عيسى بنُ يوسفَ بن الطَّبَّاعِ أبو يحيى، قال: ثنا سفيانُ، عن عمرِو بن دينارٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: سمِعتُ النبيَّ ﷺ يخطُبُ، فقال: "إنكم مُلاقو اللَّهِ مُشَاةً غُرْلًا" (٢). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، عن عائشةَ، [قالت: دخَل علَيَّ رسولُ اللَّهِ ﷺ وعندى عجوزٌ مِن بني عامرٍ، فقال: "مَن هذه العجوزُ يا عائشةُ؟ "] (٣). فقلتُ: إحْدَى خالاتي. فقالت: ادعُ اللَّهَ أن يُدخِلَني الجنةَ. فقال: "إِنَّ الجَنَّةَ لا يدخُلُها العُجُرُ (٤) ". قالت: فأَخَذ العجوزَ ما أَخَذها. فقال: "إن اللَّهَ يُنْشِئُهِنَّ خَلْقًا غيرَ خَلْقِهِنَّ". ثم قال: "تُحْشَرون (٥) حُفاةً عُرَاةً غُلْفًا". فقالت: حاشَ للَّهِ مِن ذلك. قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : بلى، إنَّ اللَّهَ قال: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا﴾ إلى آخرِ الآيةِ. فأوَّلُ مَن يُكسَى إبراهيمُ خليلُ اللَّهِ" (٦). حدَّثني محمدُ بنُ عُمارة الأسديُّ، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن

стр. 11205

أبي إسحاقَ، عن عطاءٍ (١)، عن عقبةَ بن عامرٍ الجُهَنيِّ، قال: يُجمَعُ الناسُ في صعيدٍ واحدٍ يَنْفُذُهم البصرُ، ويُسمِعُهم الدَّاعى، حُفاةً عُراةً كما خُلِقوا أَوّلَ يومٍ (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى عبّادُ بنُ العَوَّامِ، عن هلالِ بن حبَّابٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: يُحشَرُ الناسُ يومَ القيامةِ حُفاةً عُراةً مُشاةً غُرْلًا. قلتُ: يا أبا عبدِ اللَّهِ، ما الغُرْلُ؟ قال: الغُلْفُ. فقال بعضُ أزواجِه: يا رسولَ اللَّهِ، أينظُرُ بعضُنا إلى بعضٍ؛ إلى عورتِه؟ فقال: "لكلِّ امْرئٍ منهم يومئذٍ (٣) ما يشغَلُه عن (٤) النَّظر إلى عورةِ أخيه". قال هلالٌ: قال سعيدُ بنُ جبيرٍ: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ٩٤]. قال: كيومَ ولَدتْه أمُّه، يُرَدُّ (٥) عليه كلُّ شيءٍ انتُقِص منه مثلَ يومَ وُلِد (٦). وقال آخرون: بل معنى ذلك: كما كُنَّا ولا شيء غيرُنا قبلَ أن نَخُلقَ شيئًا، كذلك نُهْلِكُ الأشياءَ، فنعيدُها فانيةً حتى لا يكونَ شيءٌ (٧) سوانا.

стр. 11206

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ الآية. يقولُ: يُهْلِكُ كُلَّ شيءٍ كما كان أوّلَ مرَّةٍ (١). وقولُه: ﴿وَعْدًا عَلَيْنَا﴾. يقولُ: وعَدْناكم ذلك وعدًا حقًّا علينا أن نوفِّىَ بما وعَدْنا، إنَّا كُنا فاعِلى (٢) ما وعَدْناكم من ذلك أيُّها الناسُ؛ لأنه قد سبَقَ في حكمِنا وقضائِنا أن نفعلَه، على يقينٍ بأنَّ ذلك كائنٌ، فاستعِدُّوا (٣) وتأهَّبوا. القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥)﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في المعنيِّ بـ "الزَّبورِ" و "الذكرِ" في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: عُنِى بالزَّبورِ كتبُ الأنبياءِ كلُّها التي أنزَلها اللَّهُ عليهم، وعُنِى بالذكرِ أمُّ الكتابِ التي عندَه في السماءِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عيسى بنُ عثمانَ بن عيسى الرمْليُّ، قال: ثنا يحيى بنُ عيسى، عن الأعمشِ، قال: سألتُ سعيدًا عن قولِ اللَّهِ: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾. قال: الذكرِ الذي في السماءِ (٤).

стр. 11207

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا عيسى بنُ يونسَ، عن الأعمشِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ﴾ (١). قال: الزّبور التوراةُ والإنجيلُ والقرآنُ، ﴿مِنْ بَعْدِ الذِّكْر﴾. قال: الذكرِ الذي في السماءِ (٢). حدَّثني محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني والحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿الزَّبُورِ﴾. قال: الكتابِ، ﴿مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾. قال: أمِّ الكتابِ عندَ اللَّهِ (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿الزَّبُورِ﴾. قال: الكتبِ (٤)، ﴿بَعْدِ الذِّكْر﴾. قال: أمِّ الكتابِ عندَ اللَّهِ. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ﴾. [قال: الزبورُ] (٥) الكتبُ التي أُنزِلت على الأنبياءِ. والذكرُ أمُّ الكتاب الذي يُكتبُ فيه الأشياءُ قبلَ ذلك (٦). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن سعيدٍ في قولِه: ﴿وَلَقَدْ

стр. 11208

كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾. قال: كتَبنا في القرآنِ من بعدِ التوراةِ. وقال آخرون: بل عُنى بالزَّبورِ الكتبُ التي أنزَلها اللَّهُ على مَنْ بعدَ موسى من الأنبياءِ، وبالذكرِ التوراةُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ الآية. قال: الذكرُ التوراةُ، والزبورُ الكتبُ (١). حُدِّثت عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ الآية، قال: الذكرُ: التوراةُ، ويعنى بـ: ﴿الزَّبُورِ﴾ من بعدِ التوراةِ الكتبَ (١). وقال آخرون: بل عُنى بالزَّبورِ زَبورُ داودَ، وبالذكرِ تَوراةُ موسى صلى اللَّهُ عليهما. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾. قال: زبورُ داودَ، ﴿مِنْ بَعْدِ الذِّكْر﴾: ذكر موسى؛ التوراةِ (٢).

стр. 11209

حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن داودَ، عن الشعبيِّ أنَّه قال في هذه الآيةِ: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْر﴾. قال: في زبورِ داودَ مِن بعدِ ذكرِ موسى (١). وأولى هذه الأقوال عندى بالصوابِ في ذلك ما قاله سعيدُ بن جُبيرٍ ومجاهدٌ، ومَن قال بقولِهما في ذلك من أنَّ معناه: ولقد كتَبنا في الكُتُبِ مِن بعدِ أمِّ الكتابِ الذي كتَب اللَّهُ كلَّ ما هو كائنٌ فيه قبلَ خلقِ السماواتِ والأرضِ. وذلك أن الزبورَ هو الكتابُ، يقالُ منه: زَبَرْتُ الكتابَ، وذَبَرْتُه. إذا كتَبتَه، وأَنَّ كلَّ كتابٍ أَنْزَلَه اللَّهُ إلى نبيٍّ من أنبيائِه فهو ذِكْرٌ. فإذ كان ذلك كذلك، فإن في إدخالِه الألفَ واللامَ في "الذِّكرِ" الدَّلالةَ البينةَ أنَّه معْنيٌّ (٢) به ذكرٌ بعينِه معلومٌ عندَ المخاطَبين بالآيةِ، ولو كان ذلك غيرَ أمِّ الكتابِ التي ذكَرْنا، لم تكُنِ التوراةُ بأَوْلى مِن أن تكونَ المعنيةَ بذلك مِن صُحُفِ إبراهيمَ، فقد كانت (٣) قبلَ زَبورِ داودَ. فتأويلُ الكلامِ إذن، إذ كان ذلك كما وصَفْنا: ولقد قضَيْنا فَأَثْبَتْنا قضاءَنا في الكُتُبِ مِن بعدِ أمِّ الكتابِ، ﴿أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾. يعني بذلك: أن أرضَ الجنةِ يرِثُها عبادِىَ العامِلُون (٤) بطاعتِه، المُنتَهون إلى أمرِه ونهيِه مِن عبادِه، دونَ العاملين (٥) بمعصيتِه منهم، المُؤثِرين طاعةَ الشيطانِ على طاعتِه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ الهلاليُّ، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ بنُ موسى، قال: ثنا

стр. 11210

إسرائيلُ، عن أبي يحيى القَتَّاتِ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾. قال: أَرضَ الجنةِ (١). حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾. قال: أخبَر سبحانه في التوراةِ والزَّبورِ وسابقِ عِلْمِه قبلَ أن تكونَ السماواتُ والأرضُ، أن يُورثَ أمةَ محمدٍ ﷺ الأرضَ، ويُدخِلَهم الجنةَ، وهم الصَّالحون (٢). حدَّثنا ابن حميدٍ قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ في قولِه: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾. قال: كتَبْنا في القرآنِ بعدَ التوراةِ، و "الأرضُ" أرضُ الجنةِ (٣). حدَّثني عليُّ بن سهلٍ، قال: ثنا حجاجٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ بن أنسٍ، عن أبي العاليةِ: ﴿أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾. قال: الأرضَ (٤) الجنةَ (٥). حدَّثني عيسى بنُ عثمانَ بن عيسى الرَّمْليُّ، قال: ثنا يحيى بنُ عيسى، عن الأعمشِ، قال: سألتُ سعيدًا عن قولِ اللَّهِ: ﴿أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾. قال: أَرضَ الجنةِ (٦).

стр. 11211

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿أَنَّ الْأَرْضَ﴾. قال: أَرضَ (١) الجنةِ ﴿يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾. قال: الجنةَ. وقرَأ قولَ اللَّهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [الزمر: ٧٤]. قال: فالجنةُ مُبتَدؤُها في الأرضِ، ثم تَذهَبُ دَرَجًا عُلُوًّا (٣)، والنارُ مُبتَدؤُها في الأرضِ، وبينهما حجابٌ، سورٌ ما يَدْرِى أحدٌ ما (٤) ذاك السورُ. وقرَأ: ﴿بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ (٥) الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد: ١٣]. قال: ودَرَجُها تَذْهَبُ (٦) سَفَالًا في الأرض، ودَرَجُ الجنةِ تَذْهَبُ (٦) عُلُوًّا في السماواتِ (٧). حدَّثنا محمدُ بنُ عوفٍ، قال: ثنا أبو المغيرةِ، قال: ثنا صفوانُ: سألتُ عامرَ بنَ

стр. 11212

عبدِ اللَّهِ أبا اليمانِ: [هل أنفُس] (١) المؤمنين تَجْتَمِعُ (٢)؟ قال: فقال: إن الأرضَ التي يقولُ اللَّهُ: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾. قال: هي الأرضُ التي تجتمِعُ إليها أرواحُ المؤمنين حتى يكونَ البعثُ (٣). وقال آخرون: هي الأرضُ يورثها اللَّهُ المؤمنين في الدنيا. وقال آخرون: عُنى بذلك بنو إسرائيلَ؛ وذلك أن اللَّهَ وعدهم ذلك فوفَّى (٤) لهم به. واستشهَد لقولِه ذلك بقولِ اللَّهِ: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [الأعراف: ١٣٧]. وقد ذكرنا قول من قال: ﴿أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾: إنها أرضُ الأممِ الكافرةِ ترِثُها أمَّةُ محمدٍ ﷺ . وهو قولُ ابن عباسٍ الذي روَى [عنه عليُّ] (٥) بن أبي طلحة. القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ (١٠٦) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾. يقول تعالى ذِكرُه: إن في هذا القرآنِ الذي أنزَلْناه على نبيِّنا محمدٍ ﷺ لبلاغًا لمَن عبَد اللَّهَ بما فيه مِن الفرائضِ التي فرَضها اللَّهُ إلى رِضوانِه، وإدراكِ الطَّلِبة عندَه وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

стр. 11213

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عليةَ، عن الجُرَيْرِيِّ، عن أبي الوردِ بن ثُمامةَ، عن أبي محمدٍ الحضرميِّ، قال: ثنا كعبٌ في هذا المسجدِ، قال: والذي نفسُ كعبٍ بيدِه: ﴿إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾: إنَّهم لأهلُ، أو أصحابُ، الصلواتِ الخمسِ، سمَّاهم الله عابدين (١). حدَّثنا الحسينُ بنُ يزيدَ الطَّحانُ، قال: ثنا ابن عليةَ، عن سعيدِ بن إياسٍ الجُرَيْرِيِّ، عن أبي الوردِ، عن كعبٍ في قولِه: ﴿إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾. [قال: صومُ شهرِ رمضانَ، وصلاةُ الخمسِ. قال: هي ملءُ اليدَين والنحرِ (٢) عبادةً (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا محمدُ بنُ الحسينِ، عن الجُرَيْرِيِّ، قال: قال كعبُ الأحبارِ: ﴿إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾] (٤): لأمَّةِ محمدٍ (٥).

стр. 11214

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنى معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس قوله: ﴿إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾. يقول: عالمين (١). حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيجٍ قوله: ﴿إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾. قال: يقولون: إنَّ (٢) في هذه السورة لبلاغًا (٣). ويقولُ آخرون: في القرآنِ تنزيل لفرائض (٤) الصلوات الخمسِ؛ مَن أدَّاها كان بلاغًا، ﴿لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾. قال: عالمين (٥). حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾. قال: إن في هذا لمنفعةً وعِلمًا لقومٍ عابدين، ذاك البلاغُ (٦). وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾. يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : وما أرسلناك يا محمد إلى خَلْقِنا إلا رحمةً لمن أرسلناك إليه مِن خَلْقى. ثم اختلف أهل التأويل في معنى هذه الآية؛ أجميع العالم الذين (٧) أُرسل إليهم محمد أريد بها، مؤمنهم وكافرهم؟ أم أُريد بها أهل الإيمان خاصةً دون أهل الكفرِ؟ فقال بعضُهم: عُنى بها جميعُ العالم؛ المؤمنُ والكافرُ.

стр. 11215

ذكرُ مَن قال ذلك حدثني إسحاقُ بن شاهينٍ، قال: ثنا إسحاق بن يوسف الأزرقُ، عن المسعودى، عن رجل يقال له: سعيد، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباس في قول الله في كتابه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾. قال: مَن آمَن بالله واليومِ الآخرِ كُتِب له الرحمة في الدُّنيا والآخرةِ، ومن لم يؤمن بالله ورسوله، عُوفِيَ مما أصاب الأمَم من الخسفِ والقَذْفِ (١). حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا عيسى بن يونس، عن المسعوديِّ، عن أبي سعيد (٢)، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾. قال: تمَّتِ الرحمة لمن آمن به في الدُّنيا والآخرة، ومَن لم يُؤمن به عُوفِىَ مما أصاب الأمَم قبلُ (٣). وقال آخرون: بل أُريدَ بها أهل الإيمانِ دونَ أهل الكفرِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَمَا

стр. 11216

أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾. قال: العالَمون من آمن به وصدَّقه. وقال: ﴿وَإِن أَدْرِى لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [الأنبياء: ١١١] قال: [فهو لهؤلاء] (١) فتنةٌ ولهؤلاء رحمةٌ، وقد جاء الأمرُ مجملًا. ﴿رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾. والعالمون هاهُنا: مَن آمَن به وصدقه وأطاعه (٢). وأولى القولين في ذلك بالصوابِ القولُ الذي رُوى عن ابن عباسٍ، وهو أن الله أرسّل نبيَّه محمدا ﷺ رحمة لجميع العالمين (٣)، مؤمنهم وكافرهم؛ فأَمَّا مؤمنهم فإن الله هداه به وأدخَله بالإيمانِ به وبالعمل بما جاء به (٤) من عند الله، الجنةَ، وأما كافرهم فإنه دفع عنه به عاجل البلاء الذي كان ينزلُ بالأممِ المكذِّبةِ رسلها من قبلِه. القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٨)﴾. يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : قل يا محمد: ما يُوحِي إلى ربِّي إِلَّا أَنَّه لا إلهَ لكم يجوز أن يُعبد إلَّا إلهٌ واحدٌ، لا تصلح العبادة إلا له، ولا ينبغى ذلك لغيرِه، ﴿فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾. يقولُ: فهل أنتم مذعنون له أيُّها المشركون العابدون الأوثانَ والأصنام، بالخضوع بذلك (٥)، ومُتبرَّئون من عبادة ما دونه من آلهتكم؟ القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ (١٠٩)﴾.

стр. 11217

يقول تعالى ذكرُه: فإن أدبَرَ هؤلاء المشركون يا محمد عن الإقرار بالإيمان بأن لا إلهَ لهم إلَّا إلهٌ واحدٌ، فأعْرَضوا عنه وأبَوا الإجابةَ إليه، فقُل لهم: قد ﴿آذَنتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾. يقول: أعلمهم أنَّك وهم على علمٍ من أن بعضكم لبعض حربٌ، لا صلحَ بينكم ولا سِلْمَ. وإنما عنَى بذلك قوم رسول الله ﷺ مِن قُريش، كما حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج قولَه: ﴿فَإِن تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾: فإن تولَّوا: يعنى قريشًا. وقوله: ﴿وَإِنْ أَدْرِى أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكره لنبيِّه: قلْ: وما أدرى متى الوقتُ الذي يَحِلُّ بكم عقاب الله الذي وعدكم، فينتقِمَ به منكم؛ أقريبٌ نزوله بكم أم بعيدٌ؟ وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيجٍ: ﴿وَإِنْ أَدْرِى أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ﴾. قال: الأجلُ. القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ (١١٠) وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (١١١)﴾. يقول تعالى ذكره لنبيِّه محمد ﷺ : قل لهؤلاء المشركين: إن الله يعلم الجهرَ الذي تجهرون به من القولِ، ويعلمُ ما تُخفُونه فلا تجهَرون به، سواء عندَه خَفِيُّه وظاهرُه، وسرُّه وعلانيته، إنَّه لا يخفى عليه منه شيء، فإن أخَّر عنكم عقابَه على ما

стр. 11218

تُخفون (١) مِنَ الشَّركِ به، أو تَجَهَرون به. فما أدْرِى ما السبب الذي من أجله يؤخِّرُ ذلك عنكم؟ لعلَّ تأخيره ذلك عنكم مع وَعْدِه إيَّاكم؛ لفتنةٍ يريدها بكم، ولِتَمتَّعوا (٢) بحياتكم إلى أجل قد جعله لكم تبلغونه، ثم يُنزِلُ بكم حينئذٍ نقمته. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاءٍ الخراساني، عن ابن عباس: ﴿وَإِنْ أَدْرِى لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾. يقول: لعلّ ما [أقرِّبُ لكم] (٣) من العذابِ والساعة أن يؤخَّرَ عنكم لمدتِكم، ومتاعٌ إلى حينٍ، [فيصيرَ قولى ذلك لكم فتنةً] (٤). القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١١٢)﴾. يقول تعالى ذكره: قل يا محمد: يا ربِّ افْصِلْ بينى وبينَ مَن كَذَّبَني مِن مُشرِكى قومى وكفر بك، وعبد غيرك، بإحلالِ عذابك ونقْمِتك بهم. وذلك هو الحقُّ الذي أمر الله تعالى ذكره نبيه أن يسألَ ربَّه الحكم به، وهو نظير قوله جلَّ ثناؤه: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ [وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ] (٥)﴾ [الأعراف: ٨٩].

стр. 11219

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال ابن عباس: ﴿قَالَ رَبَّ احْكُم بِالْحَقِّ﴾. قال: لا يحكم بالحقِّ إلا الله، ولكن أنَّما استعجَل بذلك في الدُّنيا؛ [يسألُ ربَّه] (١) على قومه (٢). حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمرٍ، عن قتادة، أن النبي ﷺ كان إذا شَهِد قتالًا قال: ﴿رَبَّ احْكُم بِالْحَقِّ﴾ (٣). واختلَفت القرأة في قراءة ذلك؛ فقرأته عامة قرأةِ الأمصار: (قُلْ رَبِّ احْكُمْ) بكسرِ الباء، ووصل الألف؛ ألفِ "احكُمْ"، على وجهِ الدعاء والمسألةِ (٤)، سوى أبي جعفر، فإنَّه ضمَّ الباء من الربِّ على وجه نداء المفردِ، وغير الضحاكِ بن مزاحمٍ، فإنَّه رُوى عنه أنَّه كان يقرأُ ذلك: (رَبِّي أَحْكَمُ) (٥) على وجه الخبر بأنَّ اللَّهَ أَحْكَمُ بالحقِّ مِن كلِّ حاكمٍ، فيُثبت الياءَ في الربِّ، ويهمرُ الألفَ مِن "أَحْكَمُ"، ويرفعُ "أحْكَمُ" على أنَّه خبرٌ للرب ﵎. والصوابُ مِن القراءةِ عندَنا في ذلك، وَصْلُ الباءِ مِن الربِّ وكسرها

стр. 11220

بـ "احْكُمْ"، وترك قطع الألفِ مِن "احْكُمْ"، على ما عليه قرأةُ الأمصار؛ لإجماع الحجَّة من القرأة عليه، وشذوذ ما خالفه. وأما الضحاك فإنَّ في القراءةِ التي ذُكِرت عنه زيادةَ حرفٍ على خطِّ المصاحفِ، ولا ينبغى أن يُزادَ ذلك فيها مع صحة معنى القراءة بتَرك زيادته. وقد زعم بعضُهم أن معنى قوله: ﴿رَبِّ احْكم [بِالحَقِّ﴾: قل: ربِّ احْكُم] (١) بحكمِكَ الحَقِّ. ثم حذف "الحكمُ" الذي "الحقُّ" نعت له، وأُقيم "الحقُّ" مُقامَه، ولذلك وجهٌ، غير أنَّ الذي قُلناه أوضحُ وأَشْبَهُ بما قاله أهل التأويل؛ فلذلك اخترناه. وقوله: ﴿وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾. يقول جل ثناؤه: قل يا محمد: وربُّنا الذي يرحم عبادَه، وتَعُمُّهم نِعَمُه (٢)، الذي أستَعِينُه (٣) عليكم فيما تقولون وتصفون، من قولكم لي فيما أتيتُكم به من عندِ اللَّهِ ﴿هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السَّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ" [الأنبياء: ٣]. وقولكم: ﴿افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ﴾ [الأنبياء: ٥]. وفى كذبِكم على الله جل ثناؤه وقيلكم: ﴿اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾ [الأنبياء: ٢٦]. فإنَّه هَيِّنٌ عليه تغييرُ (٤) ذلك، وفصل ما بينى وبينكم بتعجيل العقوبة لكم على ما تصفون من ذلك. [آخر تفسير "سورة الأنبياء" ﵈] (٥)

стр. 11221

تفسيرُ سورة "الحج" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٢)﴾. قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: يا أيُّها الناسُ احْذَروا عقاب ربِّكم بطاعته، فأَطِيعوه ولا تعصُوه، فإنّ عقابه لمن عاقبه يومَ القيامة شديدٌ. ثم وصف جل ثناؤه هولَ أشراط ذلك اليوم وبُدُوِّه، فقال: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾. واختلف أهل العلم في وقتِ كونِ الزلزلةِ التي وصفها جلَّ ثناؤه بالشدَّةِ؛ فقال بعضُهم: هي كائنة [في الدنيا] (١) قبلَ (٢) القيامة. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمةَ في قوله: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٍ عَظِيمٌ﴾. قال: قبل الساعة (٣).

стр. 11222

حدَّثني سليمانُ بن عبد الجبار، قال: ثنا محمدُ بن الصلت، قال: ثنا أبو كُدَينَةَ، عن عطاءٍ، عن عامرٍ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾. قال: هذا في الدُّنيا قبل يوم (١) القيامةِ (٢). حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابن جُرَيج في قوله: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ﴾ فقال: زَلزَلتُها أشراطها؛ الآياتُ، ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَل كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمَلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارى﴾ (٣). حدثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عطاء، عن عامر: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾. قال: هذا في الدنيا من آياتِ الساعة] (٣). وقد روى عن النبي ﷺ بنحو ما قال هؤلاءِ خبرٌ في إسناده نظرٌ، وذلك ما حدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربيُّ، عن إسماعيل بن رافعٍ المدنيِّ، عن يزيد بن أبي زيادٍ، عن رجل من الأنصارِ، عن محمد بن كعب القرظيِّ، عن رجل من الأنصارِ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسول الله ﷺ : "لما فرَغ اللَّهُ مِن خَلْقِ السماوات والأرضِ خَلَقَ الصُّورَ، فأعطاه إسرافيل، فهو واضِعُه على فِيهِ، شاخصٌ ببصره إلى العرشِ ينتظرُ متى يُؤمرُ". قال أبو هريرة: يا رسولَ اللهِ، وما الصُّورُ؟ قال: "قَرْنٌ". قال: وكيف هو؟ قال: "قَرْنٌ عظيمٌ يُنفَخُ فِيهِ ثَلاثُ نفَخاتٍ؛ الأُولى نَفْحَةُ الفَزعِ، والثانية نَفْخةُ الصَّعقِ، والثالثةُ نَفْحَةُ القِيامِ لربِّ

стр. 11223

العالمين؛ يأْمُرُ اللَّهُ إسرافيل بالنفخة الأولى، فيقولُ: انفُخْ نفخة الفزع. فيَفْزَعُ أهل السماوات والأرض إِلَّا مَن شاء الله، ويأْمُرُه اللَّهُ فيُديمها ويطَوِّلُها فَلَا يَفْتُرُ، وهى التي يقولُ الله: ﴿وَمَا يَنظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾ [ص: ١٥]. فيُسَيِّرُ اللَّهُ الجبال فتكونُ سَرابًا، وتُرَجُّ الأرْضُ بأَهلِها رجًّا، وهى التي يقولُ الله: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ﴾ [النازعات: ٦ - ٨]. فتكون الأرضُ كالسَّفينة المُوبقة (١) في البحر تَضْرِبُها الأمواج تُكْفَأُ بأهلها، أو كالقِندِيلِ المُعلَّقِ بالعرشِ تُرجِّحه الأرواح، فيَمِيدُ (٢) الناسُ على ظهرها، فتَذْهَلُ المراضِعُ، وتضَعُ الحوامل، وتَشِيبُ الوِلْدانُ، وتطيرُ الشَّياطين هاربةً حتى تأتىَ الأقطار (٣)، فتلقَّاها الملائكةُ، فتضرِبُ وجوهَها فتَرْجِعُ، ويُولِّى الناسُ مُدبرين، يُنادى بعضُهم بعضًا، وهو الذي يقولُ اللَّهُ: ﴿يَوْمَ التَّنَادِ (٣٢) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُم مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [غافر: ٣٢، ٣٣]. فبينما هم على ذلك، إذ تصَدَّعتِ الأرضُ من قُطْرِ إلى قُطْرٍ، فَرَأَوْا أمرًا عظيمًا، وأخذهم لذلك من الكَرْبِ ما الله أعلمُ به، ثم نظروا إلى السماء فإذا هي كالمُهلِ، ثم خَسَف شمسها، وخَسَف قمَرُها، وانتَثَرت نُجُومُها، ثم كُشِطَت عنهم". قال رسول الله ﷺ : "والأمواتُ لا يعلمون بشيءٍ من ذلك". فقال أبو هريرةَ: فمن استَثْنى الله حينَ يقولُ: ﴿فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللَّهُ﴾ [النمل: ٨٧]؟ قال: "أولئك الشهداءُ، وإِنَّما يصِلُ الفزعُ إلى الأحياء، أولئك أحياءٌ عند ربِّهم يُرزقون، وقاهمُ اللهُ فَزعَ ذلك اليوم وآمنهم، وهو عذابُ اللهِ

стр. 11224

يبعَثه على شِرارِ خَلقِه، وهو الذي يقولُ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾. إلى قوله: ﴿وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ " (١). وهذا القولُ الذي ذكرناه عن علقمة والشعبي ومَن ذكرنا ذلك عنه، قولٌ، لولا مجيءُ الصِّحاحِ من الأخبار عن رسول الله ﷺ بخلافِه، ورسول الله ﷺ أعلم بمعانى وَحْي الله وتنزيله. والصواب مِن القولِ في ذلك ما صح به الخبرُ عنه. ذكرُ الرواية عن رسول الله ﷺ بما ذكَرْنا حدثني أحمدُ بنُ المِقْدامِ، قال: ثنا المعتمر بن سليمانَ، قال: سمعت أبي يحدِّثُ، عن قتادةَ، عن صاحبٍ له حدَّثه، عن عمران بن حصين، قال: بينما رسول الله ﷺ في بعضِ مغازيه، وقد فاوت السَّير بأصحابِه، إذ نادى رسول الله ﷺ بهذه الآية: " ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ ". قال: فحثُّوا المَطِيَّ حتى كانوا حول رسول الله ﷺ ، قال: "هل تَدْرون أيَّ يوم ذلك؟ ". قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "ذلك يومَ يُنادَى آدم؛ يُنادِيه ربُّه: ابعَثْ بَعْثَ النارِ مِن كل ألف تسعمائةٍ وتسعةً وتسعين إلى النار". قال: فأُبْلِس القومُ، فما وَضَح منهم ضاحكٌ (٢)، فقال النبي ﷺ : "ألَا اعْمَلُوا وأبشروا، فإن معكم خَلِيقَتَين ما كانَتا في قَوْمٍ إِلَّا كَثَّرَتاهِ، فَمَن هَلَكَ مِن بنى آدمَ، ومَن هلَك من بنى إبليسَ، ويأجوجَ ومأجوجَ". ثم قال: "أبْشِروا، ما أنتم في

стр. 11225

النَّاسِ إِلَّا كالشَّامةِ (١) في جَنْبِ البعير، أو كالرَّقمةِ (٢) في جَناحِ الدَّابة (٣) ". حدثنا محمد بن بشارٍ، قال: ثنا يحيى بن سعيد، قال: ثنا هشام بن أبي عبدِ اللَّهِ، عن قتادة، عن الحسن، عن عمران بن حصينٍ، عن النبي ﷺ (٤). حدثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا معاذ بن هشامٍ، قال: ثنا أبي، وحدثنا ابن أبي عدى، عن هشام، جميعًا عن قتادةَ، عن الحسن، عن عمران بن حصينٍ، عن النبي ﷺ بمثله (٥). حدثنا أبو كريب، قال: ثنا محمدُ بن بشرٍ، عن سعيد بن أبي عَروبة، عن قتادة، عن العلاء بن زياد، عن عمران، عن رسول الله ﷺ بنحوه (٦). حدثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا محمد بن جعفرٍ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسن،

стр. 11226

قال: بلغنى أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ لمَّا قَفَل من غزوة العُشرة ومعه أصحابه بعد ما شارَف المدينةَ، قرَأ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا﴾ الآية. فقال رسول الله ﷺ : "أتدرون أيَّ يومٍ ذاكم (١)؟ ". قيل: الله ورسوله أعلم. فذكر نحوَه، إلا أنه زادَ: "وإنَّه لم يكنْ رسولان إلَّا كان بينهما فَتْرَةٌ مِن (٢) الجاهليةِ، فهم أهل النارِ، وإنكم بين ظهراني خَليقتين لا يُعادُّهما أحدٌ مِن أهل الأرضِ إِلَّا كَثَّروهم (٣)، يأجوج ومأجوج وهم أهلُ النارِ، وتُكمَّلُ العِدَّةُ مِن المنافقين (٤). حدثني يحيى بن إبراهيمَ المسعودى، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن جده، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ ، قال: "يقال لآدم: أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ. قال: فيقولُ: وما بَعْثُ النَّارِ؟ فيقولُ: مِن كُلِّ أَلْفٍ تسعمائةٍ وتسعةً وتسعين. فعند ذلك يَشِيبُ الصَّغِيرُ، وتَضَعُ الحامل حملها، ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٢)﴾ ". قال: قُلنا: فأينَ النَّاجِى يا رسولَ اللهِ؟ قال: "أبشِروا، فإنَّ واحدًا منكم وألفًا من يَأْجُوجَ ومأجوج. [ثم قال]: "إنّى لأطمع أن تَكُونوا رُبعَ أَهلِ الجَنَّةِ". فَكَبرنا وحمِدْنا الله، [ثم قال] (٥): "إنِّي لأطمَع أن تكونوا ثُلُثَ أهل الجنة". فكبَّرنا وحَمِدْنا الله. ثم قال: "إِنِّي لأطمَعُ أن تَكُونوا نِصْفَ أهل الجنةِ؛ إِنما مَثَلُكم في

стр. 11227

النَّاسِ كَمَثَلِ الشَّعَرَةِ البيضاءِ في الثور الأسودِ، أو كمَثَلِ الشَّعَرِةِ السَّوداء في الثورِ الأبيض" (١). حدثنا أبو السائب، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن أبي صالح، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، قال: قال رسول الله ﷺ : "يقولُ الله لآدمَ يومَ القيامة". ثم ذكَر نحوَه (٢). حدَّثنى عيسى بنُ عثمانَ بن عيسى الرَّمليُّ، قال: ثنا يحيى بن عيسى، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، قال: ذكر رسول الله ﷺ الحشر، قال: "يقولُ اللهُ يومَ القيامةِ: يا آدَمُ. فيقولُ: لبَّيك وسَعْديك، والخَيرُ بيديك. فيقولُ: ابْعَثْ بَعْثًا إلى النَّارِ". ثم ذكر نحوه (٣). حدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة، عن أنس، قال: نزلت: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١)﴾ (٤) الآية (٥). على النبي ﷺ وهو في مَسِيرٍ، فرجع بها صوته حتى ثابَ إليه أصحابه، فقال: "أَتَدْرُونَ أَيَّ يَوْمٍ هذا؟ هذا يومُ يقولُ اللَّهُ لآدمَ: يا آدم، قُمْ

стр. 11228

فابْعَثْ بَعْثَ النَّارِ، مِن كلِّ ألف تسعمائة وتسعة وتسعين". فكبر ذلك على المسلمين، فقال النبي ﷺ : "سدِّدوا وقاربوا وأبشروا، فوالذي نفسي بيده، ما أنتم في النَّاسِ إلا كالشَّامَةِ في جَنْبِ البعيرِ، أو كالرّقْمَة في ذراع الدابةِ، وإن معكم لخلِيقَتَين ما كانتا في شيءٍ قطُّ إلَّا كَثَرَتاه، يأجوج ومأجوجُ، ومَن هَلَكَ مِن كَفَرةِ الجِنِّ والإنسِ" (١). حدثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمر، عن أبي (٢) إسحاقَ، عن عمرو بن ميمونٍ، قال: دخَلتُ على ابن مسعودٍ بيت المالِ، فقال: سمعت النبي ﷺ يقولُ: "أَتَرْضَوْنَ أَن تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الجنةِ؟ ". قُلنا: نعم. قال: "أَتَرضَوْن أن تَكُونوا ثُلُثَ أهل الجنة؟ ". قلنا: نعم. قال: "فوالذي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لأرجو أن تَكُونوا شَطْرَ أهلِ الجنةِ، وسأخبركم عن ذلك، إنَّه لا يدخُلُ الجنةَ إلا نفسٌ مسلمةٌ، وإن قِلةَ المسلمين في الكُفَّارِ يومَ القيامة كالشَّعَرةِ السَّوداء في الثَّورِ الأبيضِ، أو كالشَّعَرةِ البَيضاء في الثُّورِ الأَسْودِ" (٣). حدثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿إنَّ

стр. 11229

زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١)﴾. قال: هذا يوم القيامةِ (١). والزَّلزلة مصدرٌ من قول القائل: زَلْزَلتُ بفلانٍ الأَرضَ، أُزَلْزِلُها (٢) زَلْزَلَةً وزِلزالًا، بكسر "الزَّايِ" من الزِّلْزالِ، كما قال الله: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ [الزلزلة: ١]. وكذلك المصدر من كلّ سليمٍ من الأفعال إذا جاءت على فِعْلالٍ، فيكسرِ أَوَّلِه مثلَ: وَسُوسَ وَسْوسةً ووِسْواسًا. فإذا كان اسما كان بفتح أوَّله "الزَّلزالُ" و "الوَسْواس"، وهو ما وَسْوَس إلى الإنسان، كما قال الشاعر (٣): يَعرِفُ الجَاهِلُ المُضَلَّلُ أَنَّ الـ … ـدَّهرَ فِيهِ النَّكراءُ والزَّلزَالُ وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا﴾. يقول جلَّ ثناؤه: يومَ ترَوْن أَيُّها الناسُ زَلْزَلَةَ الساعةِ تَذهَلُ مِن [عِظَم هولِها] (٤) كلُّ مُرضِعة مولودٍ عَمَّا أرضعت. ويعنى بقوله: ﴿تَذْهَلُ﴾: تَنسَى وتتركُ من شدَّةٍ كَرْبِها. يقالُ: ذَهَلتُ عن كذا، أَذْهَلُ عنه ذُهُولًا. وذَهَلْتُ أيضًا، وهى قليلةٌ، والفصيح الفتح في الهاءِ، فأما في المستقبل فالهاء مفتوحةٌ في اللُّغَتَين، لم يُسمَعْ غيرُ ذلك، ومنه قول الشاعرِ (٥): * صحَا قَلْبُه يا عَزَّ أو كاد يَذْهَلُ * فأما إذا أُريد أن الهولَ أنْسَاه وسَلَّاه، قلتَ: أَذْهَلَه هذا الأمرُ عن كذا، يُذْهِلُه إذْهَالًا. وفي إثباتِ الهاءِ في قوله: ﴿كُلُّ مُرْضِعَةٍ﴾ اختلافٌ بين أهل العربيةِ،

стр. 11230

وكان بعضُ نحويِّى الكوفيين يقولُ (١): إذا أُثبتتِ الهاء في المرضِعةِ، فإِنما يُرادُ أمُّ الصبيِّ المرضَع، وإذا أُسقطت، فإنَّه يُرادُ المرأة التي معها صبيٌّ تُرضِعه؛ لأنَّه أُرِيدَ الفِعْلُ بها. قال (٢): ولو أُريد بها الصِّفةُ فيما يُرَى (٣) لقال: مُرْضِعٌ. قال (٤): وكذلك كلُّ "مُفْعِل" أو "فاعلٍ" يكون (٥) للأنثى ولا يكونُ للذَّكرِ، فهو بغير هاءٍ، نحوَ مُقْرِب (٦)، ومُوقرٍ (٧)، ومُشْدِنٍ (٨)، وحاملٍ، وحائضٍ. قال أبو جعفرٍ: وهذا القولُ عندى أولى بالصواب في ذلك؛ لأن العرب من شأنها إسقاط هاء (٩) التأنيثِ من كلِّ "فاعل" و "مُفْعِلٍ"، إذا وصفوا المؤنَّثَ به، و (١٠) لم يكن للمذكَّرِ فيه حظٌّ. فإذا أرادوا (١١) الخبر عنها أنَّها ستفعله ولم تفعله، أثْبَتوا هاء التأنيثِ؛ ليُفَرِّقوا بين الصِّفة والفعلِ، منه قول الأعشى فيما هو واقعٌ ولم

стр. 11231

يكن وَقَع قبل (١). أيا جارَتا بِينِي فإنَّك طالِقَه … كَذاكَ أُمورُ الناس غادٍ وطارِقَهْ وأما فيما هو صفةٌ، نحو قول امرئِ القيسِ (٢): فمثلُكِ حُبْلَى قد طَرَقتُ ومُرضِع … فألهَيتُها عن ذِى تمائمَ مُحوِلِ (٣) وربما أثبتوا الهاء في الحالتين، وربَّما أسْقَطوها فيهما، غير أن الفصيحَ من كلامهم ما وصَفتُ. فتأويل الكلام إذن: يومَ تَرون أيُّها الناسُ زَلْزَلةَ الساعةِ، تَنسَى وتَتْرُكُ كلُّ والدةِ مولود تُرضع ولدها عما أرضَعَت. كما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾. قال: تتركُ ولدها للكربِ الذي نزل بها (٤). حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي بكرٍ، عن الحسنِ: ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾. قال: ذَهَلت عن أولادها بغيرِ فطامٍ، ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمَلَهَا﴾. قال: ألقَتِ الحوامل ما في بُطونها لغير تَمام (٥). ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمَلَهَا﴾. يقولُ: وتُسقط كلُّ حاملٍ من شدَّةِ

стр. 11232

كربِ ذلك حَمْلَها. وقوله: ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى﴾. قرأت قرَأَةُ الأمصارِ: ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى﴾. على وجْهِ الخطاب للواحدِ، كأنَّه قال: وترَى يا محمد الناس حينئذٍ سُكارَى وما هم بسُكارى. [ورُوِى] (١) عن أبي زُرْعةَ بن (٢) عمرو بن جرير: (وتُرى النَّاسَ). بضم التاء ونصْبِ (الناسَ) (٣). من قول القائل: رُئِيتَ (٤)، تُرى، التي تطلب الاسمَ والفعلَ (٥)، كـ "ظنَّ" (٦) وأخواتِها. والصواب من القراءة في ذلك عندنا ما عليه قرأة الأمصارِ؛ لإجماع الحجَّة من القرأةِ عليه. واختلفتِ القرأة في قراءة قوله: ﴿سُكَارَى﴾؛ فقرأ ذلك عامَّةُ قرأة المدينةِ والبصرةِ وبعضُ أهل الكوفةِ: ﴿سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى﴾ (٧). وقرأته عامَّةُ قرأةِ أهل الكوفة: (وتَرَى الناسَ سَكْرَى وما هم بسَكْرَى) (٨). والصواب من القول في ذلك عندنا (٩) أنَّهما قراءتان مُستفيضَتان في

стр. 11233

قرَأةِ الأمصارِ، متقاربنا المعنى، فبأيَّتهما قرأ القارئُ فمصيب الصوابَ. ومعنى الكلامِ: وترى الناس يا محمد من عظيم ما نزل بهم من الكَرْبِ وشِدَّتِه، سُكَارَى من الفزع، وما هم بسُكارَى مِن شُرْبِ الخَمرِ. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي بكرٍ، عن الحسنِ: ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى﴾: من الخوف، ﴿وَمَا هُم بِسُكَارَى﴾: مِن الشَّرابِ (١). قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاج، عن ابن جريجٍ قوله: ﴿وَمَا هُم بِسُكَارَى﴾. قال: ما هم بسُكارَى من الشَّرابِ، ﴿وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ (٢). حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى﴾. قال: ما شَرِبوا خمرًا، ﴿وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾. [وقوله: ﴿وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾] (٣). يقول تعالى ذِكرُه: ولكنَّهم صاروا شكارى من خوفِ عذابِ اللهِ عندَ معاينتهم ما عاينوا مِن كَرْبِ ذلك وعظيم هَوْلِه، مع عِلْمِهم بشدة عذابِ اللهِ.

стр. 11234

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ (٣)﴾. ذُكِر أنَّ هذه الآية نزلت في النضر بن الحارث. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾. قال: النضر بن الحارث (١). ويعنى بقوله: ﴿مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ﴾: مَن يُخاصمُ في اللهِ، فيَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ غيرُ (٢) قادرٍ على إحياء من قد بَلِى وصار تُرابًا، ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ يعلمُه، بل بجهلٍ منه بما يقولُ، ﴿وَيَتَّبِعُ﴾ في قيلِه ذلك وجدالِه في الله بغير علمٍ ﴿كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ﴾. القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٤)﴾. يقول تعالى ذكره: قُضِىَ على الشيطان - فمعنى ﴿كُتِبَ﴾ هاهنا: قُضِى. والهاء التي في قوله: ﴿عَلَيْهِ﴾ مِن ذِكْرِ الشَّيطانِ. كما حدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلَّاهُ﴾. قال: كُتِب على الشَّيطانِ (٣). أنَّه مَن اتَّبع (٤) الشيطانَ مِن خَلْقِ اللَّهِ.

стр. 11235

كما حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعًا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قولِ اللَّهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلَّاهُ﴾. قال: الشيطانِ، اتَّبَعَه (١). حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهد: ﴿أَنَّهُ مَن تَوَلَّاهُ﴾. قال: اتَّبَعه. وقوله: ﴿فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ﴾. يقولُ: فإنَّ الشيطانَ يُضِلُّه. يعني: يُضِلُّ مَن تولَّاه. والهاء التي في ﴿يُضِلُّهُ﴾ الله عائدة على ﴿مَن] التي في قوله: ﴿مَن تَوَلَّاهُ﴾. وتأويل الكلامِ: قُضى على الشيطان أنَّه يُضِلُّ أتباعه ولا يَهديهم إلى الحقِّ. وقوله: ﴿وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾. يقولُ: وَيَسُوقُ مَن اتَّبعه إلى عذاب جَهَنَّمَ الموقدة. وسياقه (٢) إيَّاه إليه بدعائه إيَّاه إلى طاعته ومعصيةِ (٣) الرحمن، فذلك هدايتُه من تَبِعه إلى عذابِ جَهَنَّمَ. القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾.

стр. 11236

وهذا احتجاجٌ من الله على الذي أخبَر الله على الذي أخبر عنه من الناسِ أَنَّه يُجادِلُ في اللَّهِ بغيرِ علمٍ، اتِّباعًا منه للشيطان المريد، وتنبيه له على موضع خطأَ قيلِه، وإنكاره ما أنكر من قدرةِ ربِّه. قال: يأَيُّها الناسُ إن كنتُم في شَكٍّ من قُدرتنا على بعثكم من قبوركم بعد مماتكم وبلاكم، استعظامًا منكم لذلك، فإن في ابتدائنا خَلْقَ أبيكم آدم ﵇ من ترابٍ، ثم إنشائناكُم من نطفة آدم، ثم تَصْرِيفِناكم أحوالا، حالا بعد حالٍ؛ من نطفة إلى علقةٍ، ثم من علقة إلى مُضْغَةٍ لكم معتبرًا ومُتَّعظًا تعتبرون به، فتعلمون أن من قدر على ذلك فغير متعذِّرَةٍ (١) عليه إعادتكم بعد فنائكم، كما كنتُم أحياءً قبلَ الفناء. واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾؛ فقال بعضُهم: هي من صفة النُّطفةِ. قال: ومعنى ذلك: فإِنَّا خَلَقْناكم من ترابٍ، ثم مِن نطفة مخلقة وغير مخلقة. قالوا: فأمَّا المخلَّقة، فما كان خَلْقًا سَوِيًّا، وأما غيرُ مخلَّقةٍ، فما دفعته الأرحام من النُّطَفِ وألقته قبل أن يكون خلقًا. ذِكرُ مَن قال ذلك حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو معاوية، عن داود بن أبي هند، عن عامر، عن علقمة، عن عبد الله، قال: إذا وقعتِ النُّطْفَةُ في الرَّحِمِ، بَعَثَ اللَّهُ ملكًا، فقال: يا ربِّ، مخلقةٌ أو غيرُ مخلقةٍ؟ فإن قال: غير مخلَّقَةٍ مَجَّتها الأرحامُ دمًا، وإن قال: مخلَّقَةٌ. قال: يا ربِّ، فما صفةُ هذه النُّطفةِ؟ أذكرٌ أم أنثى؟ ما رزقُها؟ ما أجلُها؟ أشقِيٌّ أو سعيدٌ؟ قال: فيقال له: انطلق إلى أُمِّ الكتابِ فَاسْتَنسِخُ منه صفةَ هذه النُّطفةِ. قال: فينطلِقُ المَلكُ فيَنْسَخُها، فلا تزالُ معه حتى يأتى على

стр. 11237

آخر صِفَتِها (١). وقال آخرون: معنى ذلك: تامَّةٍ وغير تامَّةٍ. ذِكرُ مَن قال ذلك حدثنا ابن بشار، قال: ثنا سليمان، قال: ثنا أبو هلال، عن قتادة في قول الله: ﴿مُّخَلَّقَةٍ وَغَير مُخَلَّقَةٍ﴾. قال: تامة وغير تامة. حدثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، [عن معمر] (٢)، عن قتادة: ﴿مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾. فذكر مثله (٣). وقال آخرون: معنى ذلك: المضغة مصوَّرةٌ إنسانًا وغير مصوّرة، فإذا صُوِّرت فهى مخَلَّقَةٌ، وإذا لم تصوّر فهي غيرُ مخَلَّقَةٍ. ذِكرُ مَن قال ذلك حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن محمدِ بن عبدِ الرحمنِ، عن القاسم بن أبي بَزَّةَ، عن مجاهد في قوله: ﴿مُّخَلَّقَةٍ﴾. قال: السِّقطُ؛ مخلَّقةٌ وغيرُ مخلقةٍ. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد

стр. 11238

في قولِ اللَّهِ: ﴿مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾. قال: السِّقط؛ مخلوقٌ وغيرُ مخلوقٍ (١). حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاج، عن ابن جريجٍ، عن مجاهد بنحوه. حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عامر، أنَّه قال في النطفة والمضغةِ: إذا نكست في الخَلْقِ الرابع كانت نَسَمةً مخلقة، وإذا قذَفتها قبلَ ذلك فهى غير مخلقة (٢). قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدى، عن حماد بن (٣) سلمةَ، عن داود بن أبي هندٍ، عن أبي العالية: ﴿مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾. قال: السِّقْطُ] (٢). وأولى الأقوالِ في ذلك بالصواب قولُ مَن قال: المخلقة المصورة خلقًا تامًّا، وغيرُ مخلقةٍ السِّقطُ قبلَ تمامِ خَلْقِه؛ لأن المخلَّقةَ وغيرَ المخلقة مِن نعتِ المضغة، والنطفةُ بعد مصيرها مضغةً لم يبق لها حالٌ (٤) حتى تصير خلقا سويًا، إلا التصوير، وذلك هو المراد بقوله: ﴿مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّفَة﴾ خلقًا سويًا، ﴿وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ بأن تُلْقِيه الأم (٥) مضغةً ولا يُصَوَّرُ ولا يُنفَخُ فيها الروحُ. وقوله: ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾. يقول تعالى ذكره: جعَلْنا المضغة؛ مِنها المخلقة التّامةُ، ومِنها السِّقطُ غيرُ التَّامِّ؛ لنُبَيِّنَ لكم قدرتنا على ما نشاءُ، ونُعَرِّفكم ابْتِداءَنا خَلْقَكم.

стр. 11239

وقوله: ﴿وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى﴾. يقول تعالى ذِكرُه: ومَن كُنَّا كتَبْنا له بقاءً وحياةً إلى آمد وغايةٍ، فإنَّا نقِرُّه في رحم أمه إلى وَقْتِهِ الذي جَعَلْنا له أن يمكث في رحمها، فلا تُسقطه ولا يَخْرُجُ منها حتى يبلُغَ أَجَلَه، فإذا بلغ وقتَ خروجه من رحِمِها أَذِنَّا له بالخروج منها، فخرَجَ. وبنحو الذي قُلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذِكرُ مَن قال ذلك حدثني محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ﴾. قال: التَّمامُ ? (١). القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريج، عن مجاهد مثله. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾. قال: الأجلُ المُسَمَّى إقامته في الرَّحِمِ حتى يخرُجَ (٢). وقوله: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾. يقول تعالى ذكرُه: ثم نُخرِجُكم من أرحامِ أمَّهاتكم إذا بلَغتُم الأجلَ الذي قَدَّرتُه الخروجكم منها طفلا صغارًا. ووحَّده "الطفل" وهو صفةٌ للجميعِ؛ لأنه مصدرٌ مثل "عَدْلٍ" (٣) و "زَورٍ".

стр. 11240

وقوله: ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾. يقولُ: ثم لتبلغوا كمالَ عقولِكم ونهايةَ قُواكم بعُمُرِكم. وقد ذكَرتُ اختلاف المختلفين في "الأشُدِّ"، والصواب من القول [في ذلك عندى] (١) بشواهده فيما مضى بما أغْنَى عن إعادته (٢). القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥)﴾. يقول تعالى ذكره: ومنكم أيها الناسُ من يُتَوفَّى من قبل أن يبلُغَ أَشُدَّه، فيموتُ، ومنكم من يُنسأ في أجَلِهِ فَيُعَمَّرُ حتى يَهرَمَ فيُردُّ مِن بعد انتهاء شبابه وبلوغِه غايةَ أشُدِّه إلى أرذَلِ عُمُرِه، وذلك الهَرَمُ، حتى يعود كهيئته في حالِ صِباهُ، لا يَعْقِلُ مِن بَعدِ عَقْلِهِ الأَوَّلِ شيئًا. ومعنى الكلام: ومنكم من يُرَدُّ إلى أرذل العُمر بعد بلوغه أشدَّه، ﴿لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ﴾ كان يعْلَمُه ﴿شَيْئًا﴾. وقوله: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً﴾. يقول تعالى ذكره: وترى الأرضَ يا محمدُ يابسةً دارسة الآثارِ مِن النبات والزرع. وأصلُ الهُمودِ الدُّروسُ والدُّثور. ويُقالُ منه: هَمَدَتِ الأرضُ تَهمُدُ هُمُودًا. ومنه قول الأعشى ميمون بن قيسٍ: قالت قُتَيْلةُ ما لجِسمِك شاحِبًا … وأرَى ثِيابَك بالياتٍ هُمَّدَا (٣)
следующие страницы →