← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

و"شَرَيتُ" في معنى: ابْتَعتُ. والكلامُ المُسْتَفيضُ (١) هو ما وصَفتُ. وأما معنى قولِه: ﴿بَغْيًا﴾ فإنه يعنى به: تعدِّيًا وحسدًا. كما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قأل: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿بَغْيًا﴾. قال: أى حسدًا، وهم اليهودُ (٢). وحدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدىِّ: ﴿بَغْيًا﴾. قال: بَغَوْا على محمدٍ ﷺ وحسَدوه، وقالوا: إنما كانت الرسلُ مِن بنى إسرائيلَ، فما بالُ هذا مِن بنى إسماعيلَ؟ فحسَدوه أن يُنَزِّلَ اللهُ من فضلِه على مَن يشاءُ مِن عبادِه. وحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ: ﴿بَغْيًا﴾ يعنى: حسدًا ﴿أَنْ يُنَزِّلَ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ وهم اليهودُ، كفروا بما أُنْزِل على محمدٍ ﷺ (٣). وحُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه. فمعنى الآيةِ: بئس الشئُ باعوا به أنفسَهم، الكفرُ بالذي أنْزَله اللهُ في كتابِه على موسى، مِن نبوَّةِ محمدٍ ﷺ والأمرِ بتصديقِه واتباعِه، من أجلِ أن أنْزَل اللهُ مِن فضلِه -وفضلُه حكمتُه وآياتُه ونبوَّتُه- ﴿عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ يعنى به: على محمدٍ ﷺ ، بغيًا وحسدًا لمحمدٍ ﷺ مِن أجل أنه كان مِن ولدِ إسماعيلَ، ولم يكنْ مِن بنى إسرائيلَ.

стр. 1157

فإن قال قائلٌ: وكيف باعت اليهودُ أنفسَها بالكفرِ، فقِيل: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللهُ﴾. وهل يُشْتَرى بالكفرِ شيءٌ؟ قيل: إن معنى الشراءِ والبيعِ عندَ العربِ هو إزالةُ مالكٍ مِلْكَه إلى غيرِه بعِوَضٍ يَعْتَاضُه منه، ثم تَسْتَعملُ العربُ، ذلك فى كلِّ مُعْتاضٍ مِن عملِه عِوَضًا، شرًّا أو خيرًا، فتقولُ: نِعْمَ ما باع به فلانٌ نفسَه، وبئس ما باع به فلانٌ نفسَه. بمعنى: نِعْمَ الكَسْبُ أكْسَبها، وبئس الكَسْبُ أكْسَبها. إذا أوْرَثها بسَعْيِه عليها خيرًا أو شرًّا. فكذلك معنى قولِه جل ثناؤه: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾. لمّا أوْبقوا أنفسَهم بكفرِهم بمحمدٍ ﷺ فأهْلَكوها، خاطَبهم اللهُ والعربَ بالذى يَعْرِفونه في كلامِهم، فقال: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ يعنى بذلك: بئس ما أكْسَبوا أنفسَهم بسعيِهم، وبئس العِوَض اعْتَاضُوا مِن كفرِهم باللهِ في تكذيبِهم محمدًا؛ إذ كانوا قد رَضُوا عِوضًا مِن ثوابِ اللهِ وما أعدَّ لهم -لو كانوا آمَنُوا باللهِ وما أنْزَل على أنبيائِه- بالنارِ وما أعدَّ لهم بكفرِهم بذلك. وهذه الآيةُ -وما أخْبَر اللهُ فيها عن حسدِ اليهودِ محمدًا ﷺ وقومَه مِن العربِ، مِن أجلِ أن اللهَ جعَل النبوةَ والحِكمةَ فيهم دونَ اليهودِ مِن بنى إسرائيلَ، حتى دعَاهم ذلك إلى الكفرِ به مع علمِهم بصدقِه، وأنه للهِ نبىٌّ مبعوثٌ ورسولٌ مُرْسَلٌ- نَظِيرةُ الآيةِ الأُخْرى فى سورةِ النساءِ، وذلك قولُه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (٥٢) أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (٥٣) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٥١ - ٥٤].

стр. 1158

القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿أَنْ يُنَزِّلَ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾. قد ذَكَرْنا تأويلَ ذلك وبَينَّا معناه، ولكنا نذكرُ الرِّوايةَ بتَصْحيحِ ما قلنا فيه: حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: حدَّثنى ابنُ إسحاقَ، عن عاصمِ بنِ عمرَ بنِ قتادةَ الأنْصارىِّ، عن أشْياخٍ منهم قولَه: ﴿بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾. أى: أن اللهَ تعالى جعلَه في غيرِهم (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: هم اليهودُ، لما بعَث اللهُ نبيَّه محمدًا ﷺ فرأَوا أنه بُعِث من غيرِهم، كفَروا به حسدًا للعربِ، وهم يَعْلمون أنه رسولُ اللهِ ﷺ ، يَجِدونه مكتوبًا عندَهم في التوراةِ (٢). وحدَّثنى المثنى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ مثلَه. وحُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه. وحدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدىِّ، قال: قالوا: إنما كانت الرسلُ مِن بنى إسرائيلَ، فما بالُ هذا مِن بنى إسماعيلَ؟ وحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن علىٍّ الأَزْدَىِّ، قال: نزَلت في اليهودِ (٣). القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾.

стр. 1159

يعنى بقولِه جل ثناؤُه: ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾: فرجَعت اليهودُ من بنى إسرائيلَ -بعدَ الذى كانوا عليه مِن الاسْتِنصارِ بمحمدٍ ﷺ والاستفتاحِ به، وبعدَ الذى كانوا يُخْبِرون (١) الناسَ مِن قبلِ مَبْعثِه أنه نبىٌّ مَبْعوثٌ- مُرْتَدين على أعقابِهم حين بعَثه اللهُ نبيًّا مرسلًا، [وانصرَفَت] (٢) بغضبٍ من اللهِ، اسْتَحقوه منه بكفرِهم بمحمدٍ حينَ بعَثه (٣)، وجُحودِهم بنبوَّتِه، وإنكارِهم إياه أن يكونَ هو الذى يَجِدون صفتَه فى كتابِهم، عِنادًا منهم له، وبغيًا وحسدًا له وللعربِ، عَلى غَضَبٍ سالفٍ كان مِن اللهِ عليهم قبلَ ذلك، سابقٍ غضبَه الثانىَ؛ لكفرِهم (٤) كان قبلَ ذلك، بعيسى ابنِ مريمَ، أو لعبادتِهم العجلَ، أو لغيرِ ذلك مِن ذنوبٍ كانت لهم سَلَفت، اسْتحقُّوا (٥) بها الغضبَ مِن اللهِ. كما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، قال: حدَّثنى ابنُ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبى محمدٍ -فيما [يرَى أبو جعفرٍ الطبرىُّ] (٦) - عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، أو عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾: فالغضبُ على الغضبِ، غضبُه عليهم فيما كانوا ضَيَّعوا مِن التوراةِ وهى معهم، وغضبٌ بكفرِهم بهذا النبىِّ الذى أحْدَث اللهُ إليهم (٧). وحدَّثنا ابنُ بشارٍ (٨)، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ وعبدُ الرحمنِ، قالا: ثنا سفيانُ،

стр. 1160

عن أبى بكرٍ (١)، عن عكرمةَ: ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾. قال: كُفْرٌ بعيسى وكفرٌ بمحمدٍ صلَّى اللهُ عليهما وسلَّم. وحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبى بكرٍ (١)، عن عكرمةَ: ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾. قال: كفرُهم بعيسى ومحمدٍ ﷺ . وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا الثورىُّ، عن أبى بكرٍ (١)، عن عكرمةَ مثلَه (٢). وحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن الشعبىِّ، قال: الناسُ يومَ القيامةِ على أربعةِ مَنازلَ: رجلٌ كان مؤمنًا بعيسى فآمَن بمحمدٍ ﷺ ، فله أجْران، ورجلٌ كان كافرًا بعيسى فآمَن بمحمدٍ صلَّى اللهُ عليهما وسلَّم، فله أجرٌ، ورجلٌ كان كافرًا بعيسى فكَفَر بمحمدٍ ﷺ ، فباءَ بغضبٍ على غضبٍ، ورجلٌ كان كافرًا بعيسى مِن مُشرِكى العربِ، فمات بكُفرِه قبلَ محمدٍ ﷺ ، فباءَ بغضبٍ. حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زريعٍ قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾: غَضِب اللهُ عليهم بكفرِهم بالإنجيلِ وبعيسى صلى الله عليه، وغَضِب عليهم بكفرِهم بالقرآنِ وبمحمدٍ ﷺ (٣). وحدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن

стр. 1161

مجاهدٍ: ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ﴾: اليهودُ، غضَبٌ (١) بما كان مِن تبديلِهم التوراةَ قبلَ خروج النبيِّ ﷺ ، ﴿عَلَى غَضَبٍ﴾ جُحودُهم النبيَّ ﷺ وكفرُهم بما جاء به (٢). وحدَّثنى المثنى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ يقولُ: غَضِب اللهُ عليهم بكفرِهم بالإنجيلِ وعيسى، ثم غضِب (٣) عليهم بكفرِهم بمحمدٍ ﷺ وبالقرآنِ (٤). وحدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدىِّ: ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾: أما الغضبُ الأولُ، فهو حين غَضِب اللهُ عليهم فى العجلِ، وأما الغضبُ الثانى، فغَضِب عليهم حين كفَروا بمحمدٍ ﷺ (٥). وحدَّثنى القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن (٦) عطاءٍ وعبيدِ بنِ عميرٍ فى قولِه: ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾. قال: غَضِب اللهُ عليهم فيما كانوا فيه مِن قبلِ خروجِ النبىِّ ﷺ من تبديلِهم وكفرِهم، ثم غَضِب عليهم فى محمدٍ ﷺ إذ خرَج فكَفَروا به. وقد بيّنّا معنى الغضَبِ من اللهِ على مَن غَضِب (٧) من خلقِه، واختلافَ المختلِفِين فى صفتِه فيما مضَى من كتابِنا هذا بما أغْنَى عن إعادتِه (٨).

стр. 1162

القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (٩٠)﴾. يعنى جلّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾: وللجاحدِين نبوّةَ محمدٍ ﷺ من الناسِ كلِّهم عذابٌ من اللهِ، إمَّا في الآخرةِ وإمّا في الدنيا والآخرةِ، ﴿مُهِينٌ﴾: وهو المُذِلُّ صاحبَه المُخْزِى، المُلْبِسُه هوانًا وذِلّةً. فإن قال قائلٌ: وأيُّ عذابٍ هو غيرُ مُهِينٍ صاحبَه، فيكونَ للكافرين المُهِينُ منه؟ قيل: إن المُهِينَ هو الذى قد بَيّنّا أنه المُورِثُ صاحبَه ذِلَّةً وهوانًا، الذى يَخْلُدُ فيه صاحبُه فلا ينتقلُ من هوانِه إلى عزٍّ وكرامةٍ أبدًا، وهو الذى خصَّ اللهُ به أهلَ الكفرِ به وبرسلِه، وأما الذى هو غيرُ مُهِينٍ لصاحبِه، فهو ما كان تمحيصًا لصاحبِه، وذلك (١) كالسارقِ من أهلِ الإسلامِ، يَسْرِقُ ما يجِبُ عليه به القطعُ فتُقْطَعُ يدُه، والزانى منهم يَزْنِى فيقامُ عليه الحدُّ، وما أشبهَ ذلك من العذابِ والنَّكالِ الذى جعَله اللهُ كفاراتٍ للذنوبِ التى عَذَّبَ بها أهلَها، وكأهلِ الكبائر (٢) من أهلِ الإسلامِ الذين يُعَذَّبُون في الآخرةِ بمقاديرِ أجرامِهم التى ارتكَبُوها ليُمَحَّصُوا من ذنوبهم، ثم يَدخُلون الجنةَ، فإن كلَّ ذلك وإن كان عذابًا، فغيرُ مُهِينٍ مَن عُذِّبَ به، إذ كان تعذيبُ اللهِ له (٣) به ليُمَحِّصَه به (٤) من آثامِه، ثم يُورِدُه مَعْدِنَ العزِّ والكرامةِ، ويُخَلِّدُه في نعيمِ الجِنانِ. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾. يَعْنى بقولِه جل ثناؤُه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾: وإذا قيل لليهودِ من بني إسرائيلَ،

стр. 1163

الذين كانوا بين ظَهْرانَىْ مُهاجَرِ رسولِ اللهِ ﷺ : ﴿آمِنُوا﴾ أي: صَدِّقُوا ﴿بِمَا أَنْزَلَ اللهُ﴾ يَعْنِى بقولِه: ﴿بِمَا أَنْزَلَ اللهُ﴾ من القرآنِ على محمدٍ ﷺ ﴿قَالُوا نُؤْمِنُ﴾ أي: نُصَدِّقُ ﴿بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ يعنى: بالتوراةِ التى أنزلَها اللهُ على موسى. القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ﴾. يعنى جل ثناؤُه بقولِه: ﴿وَيَكْفُرُونَ﴾: ويَجْحَدُون، ﴿بِمَا وَرَاءَهُ﴾ يَعْنِى: بما وراءَ التوراةِ. وتأويلُ "وراء" في هذا الموضعِ: "سوى"، كما يقالُ للرجلِ يتكلَّمُ (١) بالحَسَنِ: ما وراءَ هذا الكلامِ شيءٌ. يُرادُ به: ليس عندَ المتكلمِ به شيءٌ سِوَى ذلك الكلامِ. فكذلك معنى قولِه: ﴿وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ﴾ أي: بما سوى التوراةِ وبما بعدَه من كتبِ اللهِ التى أنزلَهَا إلى رسلِه. كما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ﴾ يقولُ: بما بعده (٢). وحدثنا المثنى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ: ﴿وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ﴾ أي: بما بعدَه، يَعْنى: بما بعدَ التوراةِ (٣). حدثنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ﴾ يقولُ: بما بعده (٤). القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾.

стр. 1164

يَعْنِى جل ثناؤُه بقولِه: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ﴾ أي: وما وراء الكتابِ الذى أُنْزِل عليهم، من الكتب التى أنزلها اللهُ إلى أنبيائِه، الحقُّ. وإنما يَعْنى بذلك تعالى ذكرُه القرآنَ الذى أنزَلَه إلى محمدٍ ﷺ . كما حدثنى موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ﴾: وهو القرآنُ، يقولُ اللهُ جل ثناؤُه: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾ (١). وإنما قال تعالى ذكرُه: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾. لأنَّ كتبَ اللهِ يُصَدِّق بعضُها بعضًا، ففى الإنجيلِ والقرآنِ من الأمرِ باتباعِ محمدٍ ﷺ ، والإيمانِ به وبما جاء به، مثلُ الذى من ذلك في توراةِ موسى ﵇، فلذلك قال جل ثناؤُه لليهودِ -إذ أخْبرَهم عما وراءَ كتابِهم الذى أنزَلَه على موسى، من الكتبِ التى أنزَلَها إلى أنبيائِه- أنه الحَقُّ مُصدِّقًا للكتابِ الذى معهم. يَعْنى أنه له مُوافِقٌ فيما اليهودُ به مُكَذِّبون (٢). وذلك خَبَرٌ من اللهِ جل ثناؤُه أنهم من التَّكْذِيبِ بالتوراةِ على مثلِ الذى هم عليه من التكذيبِ بالإنجيلِ والفرقانِ، عنادًا للهِ، وخلافًا لأمرِه، وبَغْيًا على رسلِه صلواتُ اللهِ عليهم. القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩١)﴾. يَعْنِى بقولِه جل ثناؤُه: ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللهِ﴾: قلْ يا محمدُ ليهودِ بني إسرائيلَ الذين إذا قُلْتَ لهم: ﴿آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللهُ﴾ قالوا لك: ﴿نُؤْمِنُ بِمَا

стр. 1165

أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ -: لم تَقْتُلون -إن كنتم يا معشرَ اليهودِ مؤمنين بما أنزلَ اللهُ عليكم- أنبياءَه، وقد حَرَّم اللهُ في الكتابِ الذى أنزلَ عليكم قَتْلَهم، بل أمَركم فيه باتباعِهم وطاعتِهم وتصديقِهم. وذلك من اللهِ جل ثناؤُه تكذيبٌ لهم في قولِهم: ﴿نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ وتَعْيِيرٌ لهم. كما حدثنا موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ، قال: قال اللهُ تعالى ذكرُه وهو يُعَيِّرُهم، يعنى اليهودَ: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (١). فإن قال لنا قائلٌ: وكيف قيل (٢): ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللهِ مِنْ قَبْلُ﴾ فابتدأ الخبرَ على لفظِ المستقبلِ، ثم أخبَر أنه قد مضَى؟ قيل: إن أهلَ العربيةِ مُختلِفون في تأويلِ ذلك، فقال بعضُ البصريِّين: معنى ذلك: فلم قَتَلْتم أنبياءَ اللهِ من قبلُ، كما قال جل ثناؤُه: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾ [البقرة: ١٠٢] أي: ما تَلَتْ. وكما قال الشاعرُ (٣): ولقد أمُرُّ على اللئِيمِ يسُبُّنى … فمَضَيْتُ عنه وقلتُ لا يَعْنِينى يريدُ بقولِه: ولقد أمُرُّ: ولقد مَرَرْتُ. واستدلَّ على أن ذلك كذلك بقولِه: فمضَيْتُ عنه. ولم يَقُلْ: فأمْضِى عنه. وزعَم أن "فعَل" و"يفعَلُ" قد تَشْتَرِكُ في معنًى واحدٍ، واسْتَشْهَدَ على ذلك بقولِ الشاعرِ (٤):

стр. 1166

وإنى لآتِيكم تَشَكُّرَ (١) ما مَضَى … من الأمرِ واسْتِيجابَ ما كانَ فِى غَدِ يعنى بذلك: ما يكونُ في غدٍ. وبقولِ الحُطَيْئَةِ (٢): شَهِد الحُطَيئَةُ يومَ يَلْقَى ربَّه … أنَّ الوَلِيدَ أحَقُّ بالعُذْرِ يعنى: يَشْهَدُ. وكما قال الآخرُ (٣): فما أُضْحِى ولا أَمْسَيتُ إلَّا … [أَرانى منكمُ] (٤) في كُوَّفانِ (٥) فقال: أُضْحِى. ثم قال: ولا أمْسَيْتُ. وقال بعضُ نحويِّى الكوفيِّين (٦): إنما قيل: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللهِ مِنْ قَبْلُ﴾ فخاطَبهم بالمستقبلِ من الفعلِ ومعناه الماضى، كما يُعَنِّفُ الرجلُ الرجلَ على ما سلَف منه من فِعْلٍ، فيقولُ له: ويحكَ لِمَ تَكْذِبُ، ولِمَ تُبَغِّضُ نفسَك إلى الناسِ! كما قال الشاعرُ (٧): إذا ما انْتَسَبْنا لم تَلِدْنى لَئيمَةٌ … ولم تَجِدِى من أن تُقِرِّى بها (٨) بُدًّا

стр. 1167

فالجزاءُ للمستقبَلِ، والولادةُ كلُّها قد مضَت، وذلك أن المعنى معروفٌ، فجاز ذلك. قال: ومثلُه في الكلامِ: إذا نظَرْتَ في سيرةِ عمرَ لم يُسِئْ (١). المعنى: لم تَجِدْه أساء. فلما كان أمرُ عمرَ لا يُشَكُّ في مُضِيِّه، لم يَقَعْ في الوَهْمِ أنه مُسْتَقْبَلٌ، فلذلك صَلَحت: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ مع قولِه: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللهِ مِنْ قَبْلُ﴾. قال: وليس الذين خوطِبوا بالقتلِ هم القَتَلةَ، إنما قتَل الأنبياءَ أسلافُهم الذين مَضَوْا، فتوَلَّوْهم (٢) على ذلك ورَضُوا، فنُسِب القتلُ إليهم. والصوابُ في ذلك من القولِ عندنا أن اللهَ تعالى ذكرُه خاطَب الذين أدرَكُوا رسولَ اللهِ ﷺ من يهودِ بني إسرائيلَ -بما خاطَبهم به (٣) في سورةِ "البقرةِ" وغيرِها من سائرِ السورِ- بما سلَف من إحسانِه إلى أسلافِهم، وما (٤) سلَف من كُفْرانِ أسلافِهم نِعَمَه، وارتكابِهم معاصيَه، واجترائِهم عليه وعلى أنبيائِه، فأضاف (٥) ذلك إلى المخاطَبين به، نظيرَ قولِ العربِ بعضِها لبعضٍ: فعَلْنا بكم يومَ كذا (٦) وكذا، وفعلْتُم بنا يومَ كذا (٦) وكذا -على نحوِ ما قد بيّنّا في غيرِ موضعٍ من كتابِنا هذا (٧) - يَعْنُون بذلك أن أسلافَنا فعَلُوا ذلك بأسلافِكم، وأن أوائلَنا فعَلُوا ذلك بأوائِلكم،

стр. 1168

فكذلك ذلك في قولِه: ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللهِ مِنْ قَبْلُ﴾. [وما أشبَهَه. فإذ كان ذلك معناه، وكان قولُه: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللهِ مِنْ قَبْلُ﴾] (١) -وإن كان قد خرَج على لفظِ الخبرِ عن المخاطَبين به- خبرًا من اللهِ تعالى ذكرُه عن فعلِ السالفين منهم -على نحوِ الذى بَيَّنَّا- جاز أن يُقالَ: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾. إذ كان معناه: قل: فلمَ يَقْتُلُ أسلافُكم أنبياءَ اللهِ من قبلُ. وكان معلومًا بأن قولَه: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللهِ مِنْ قَبْلُ﴾ إنما هو خبرٌ عن فعلِ سَلَفِهم. وتأويلُ قولِه: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبلِ اليومِ. أما قولُه: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. فإنه يَعْنى: إن كنتم مؤمنين بما أنزَل اللهُ عليكم كما تَزْعُمون (٢). وإنما يعْنِى (٣) بذلك اليهودَ الذين أدركُوا رسولَ اللهِ ﷺ وأسلافَهم: إن كانوا وكنتم -كما تزعُمون أيها اليهودُ- مؤمنين. وإنما عَيَّرهم جل ثناؤُه بقتلِ أوائلِهم أنبياءَه عندَ قولِهم -حين قيل لهم: ﴿آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللهُ﴾ (٤) قالوا: ﴿قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ لأنهم كانوا لأوائلِهم الذين تولَّوْا قَتْلَ أنبياءِ اللهِ مع قيلِهم: ﴿قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ مُتَوَلِّين، وبفعلِهم راضِين، فقال لهم: إن كنتم كما تزعُمون مؤمنين بما أُنزِلَ عليكم، فلمَ تَتَوَلَّوْن قَتَلَةَ أنبيائى (٥)، وتَرْضَوْن أفعالَهم. القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ

стр. 1169

الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٩٢)﴾. يعْنى بقولِه جل ثناؤُه: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أي: جاءَكم بالبيناتِ الدالةِ على صدقِه وحقيقةِ (١) نبوَّتِه، كالعصا التى تَحَوَّلَتْ ثعبانًا مُبينًا، ويدِه التى أخرَجها بيضاءَ للناظِرين، وفَلْقِ البحرِ، ومَصيرِ أرضِه له طريقًا يَبَسًا، والجرادِ والقُمَّلِ والضفادِعِ، وسائرِ الآياتِ التى بَيَّنَت صدقَه وحقيقةَ (١) نبوَّتِه. وإنما سمّاها اللهُ جل ثناؤه بَيِّناتٍ، لتَبَيُّنِها للناظرِين إليها أنها مُعجزةٌ لا يَقْدِرُ على أن يَأْتِيَ بها بَشَرٌ إلا بتسخيرِ اللهِ ذلك له، وإنما هي جمعُ بَيّنةٍ مثلَ طَيِّبةٍ وطَيِّباتٍ. ومعنى الكلامِ: ولقد جاءَكم يا معشرَ يهودِ بنى إسرائيلَ موسى بالآياتِ البَيِّناتِ على (٢) أمرِه وصدقِه وحقيقةِ (١) نبوتِه. وقولُه: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ يقولُ جل ثناؤُه لهم: ثم اتَّخَذْتُم العجلَ من بعدِ موسى (٣). فالهاءُ التى في قولِه: ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ من ذكرِ موسى. وإنما قال: من بعدِ موسى؛ لأنهم اتخَذُوا العجلَ من بعدِ أن فارَقَهم موسى ماضيًا إلى ربِّه لموعدِه، على ما قد بَيّنّا فيما مضَى من كتابِنا هذا (٤). وقد يجوزُ أن تكونَ الهاءُ التى في: ﴿بَعْدِهِ﴾ من (٥) ذكرِ المجئِ، فيكونُ تأويلُ الكلامِ حينئذٍ: ولقد جاءكم موسى بالبيناتِ، ثم اتخذتمُ العجلَ من بعدِ مجئِ [موسى بالبيناتِ] (٦) وأنتم ظالمون. كما تقولُ: جِئْتَنى فكَرِهْتُك (٧). يَعْنى: فكَرِهْتُ مجيئَك.

стр. 1170

وأما قولُه: ﴿وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾ فإنه يَعنى بذلك أنكم فعلْتُم ما فعلْتُم من عبادةِ العجلِ وليس ذلك لكم، وعبَدْتُم غيرَ الذي كان يَنْبَغى لكم أن تَعْبُدُوه؛ لأن العبادةَ لا تَنْبَغى لغيرِ اللهِ. وهذا تَوبيخٌ من اللهِ جل ثناؤُه لليهودِ، وتَعْييرٌ منه لهم، وإخبارٌ منه لهم أنهم [إذ كانوا قد] (١) فعلُوا ما فعلُوا من اتخاذِ العجلِ إلهًا وهو لا يَمْلِكُ لهم ضَرًّا ولا نفعًا، بعدَ الذي عَلِموا أن ربَّهم هو الربُّ الذي يَفْعَلُ من الأعاجيبِ وبدائعِ الأفعالِ ما أجْراه على يَدَىْ موسى صلواتُ اللهِ عليه، من الأمورِ التى [عايَنُوها التى] (٢) لا يَقْدِرُ عليها أحدٌ من خلقِ اللهِ، ولم يَقْدِر عليها فرعونُ وجندُه مع بطشِه وكثرةِ أتباعِه، وقُرْبِ عهدِهم بما عايَنُوا من عجائبِ حكمِ اللهِ فيهم، فهم إلى تكذيبِ محمدٍ ﷺ ، وجحودِ ما في كتبِهم التى زعموا أنهم بها مؤْمِنون من صفتِه ونعتِه، مع بُعْدِ ما بينَهم وبين عهدِ موسى مِن المدةِ - أسرعُ، وإلى التكذيبِ بما جاءَهم به موسى مِن ذلك أقربُ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾. يعني بقولِه جل ثناؤُه: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾: واذْكُروا إذ أخَذْنا عُهودَكم بأن خُذوا ما آتيناكم مِن التوراةِ التى أَنْزَلتُها إليكم أن تَعْملوا بما فيها مِن أمْرِى، وتَنْتهوا عما نَهَيْتُكم فيها بجدٍّ منكم في ذلك ونشاطٍ، فأعْطَيتم على العملِ بذلك مِيثاقَكم، إذ رفَعنا فوقَكم الجبلَ. وأما قولُه: ﴿وَاسْمَعُوا﴾ فإن معناه: واسْمَعوا ما أمرتُكم به، وتَقَبَّلوه بالطاعةِ. كقولِ الرجلِ للرجلِ يأمرُه بالأمرِ: سمِعتُ وأطعتُ. يعني بذلك: سمِعتُ قولَك وأطَعتُ أمرَك. كما قال الراجِزُ (٣):

стр. 1171

السَّمْعُ والطَّاعَةُ والتَّسلِيمْ خَيْرٌ وأعْفى لبَنِى تَمِيمْ يعني بقولِه: السمعُ: قبولُ ما تسْمعُ، والطاعةُ لِما تُؤْمرُ. فكذلك معنى قولِه ﴿وَاسْمَعُوا﴾: اقْبَلُوا ما سمِعتم، واعْمَلوا به. قال أبو جعفرٍ: فمعنى الآيةِ إذن: وإذ أخَذْنا مِيثاقَكم أن خُذُوا ما آتيناكم بقوةٍ، واعْمَلوا بما سمِعتم، وأطيعوا اللهَ، ورفَعنا فوقَكم الطورَ مِن أجلِ ذلك. وأما قولُه: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا﴾ فإن الكلامَ خرَج مَخْرجَ الخبرِ عن الغائبِ بعد أن كان الابتداءُ بالخطابِ، وذلك ما وصَفنا مِن أن ابتداءَ الكلامِ إذا كان حكايةً، فالعربُ تُخاطِبُ فيه ثم تَعودُ فيه إلى الخبرِ عن الغائبِ، وتُخْبِرُ عن الغائبِ ثم تُخاطِبُ، كما قد بَيَّنا ذلك فيما مضى قبلُ. فكذلك ذلك في هذه الآيةِ؛ لأن قولَه ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾ بمعنى: قُلْنا لكم فأجَبْتمونا. وأما قولُه: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا﴾ فإنه خبرٌ مِن اللهِ عن اليهودِ الذين أخَذ ميثاقَهم أن يَعْملوا بما في التوراةِ، وأن يُطيعوا اللهَ فيما يَسمعون منها، أنهم قالوا حين قِيلَ لهم ذلك: سمِعنا قولك، وعصَينا أمرَك. القولُ في تأويل قولِه تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾. اخْتَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: تأويلُه: وأُشْرِبوا في قلوبهم حبَّ العِجلِ. ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا مَعْمرٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ قال: أُشْرِبوا حبَّه حتى خَلَص ذلك إلى

стр. 1172

قلوبِهم (١). حدَّثنى المثني، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ قال: أُشْرِبوا حبَّ العِجلِ بكُفرِهم (٢). حدَّثنى المثني، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ قال: أُشْربوا حبَّ العجلِ في قلوبِهم (٣). وقال آخرون: معنى ذلك أنهم سُقُوا الماءَ الذي ذُرِّىَ فيه سُحالةُ (٤) العجلِ. ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدىِّ: لمَّا رجَع موسى إلى قومِه أخَذ العجلَ الذي وجَدهم عاكفين عليه فذبحَه (٥)، ثم حَرقَه (٦) بالمبردِ، ثم ذَرَّاه في اليَمِّ، فلم يَبْقَ بحرٌ يومئذٍ يَجْرِى إلا وقَع فيه شيءٌ منه، ثم قال لهم موسى: اشْرَبوا منه. فشرِبوا منه، فمن كان يُحِبُّه خرَج على شاربِه الذَّهبُ، فذلك حين يَقولُ اللهُ : ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ (٧). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال:

стр. 1173

لما سُحِل فأُلْقِى في اليمِّ استقبلوا جِرْيةَ الماءِ، فشرِبوا حتى ملئوا بطونَهم، فأوْرَث ذلك مَن فعَله منهم جُبْنًا. قال أبو جعفرٍ: وأَوْلَى التأويلين اللذين ذكَرتُ بقولِ اللهِ جل ثناؤُه: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ تأويلُ مَن قال: وأُشْرِبوا في قلوبِهم حبَّ العجلِ؛ لأن الماء لا يُقالُ منه: أُشْرِب فلانٌ في قلبِه. وإنما يُقالُ ذلك في حبِّ الشئِ، فيُقالُ منه: أُشْرِب قَلْبُ فلانٍ حبَّ كذا. بمعنى: سُقِىَ ذلك حتى غلَب عليه وخالطَ قلبَه. كما قال زُهيرٌ (١): فَصَحَوْتُ عَنْهَا بَعْد حُبٍّ داخلٍ … والحُبُّ يُشْرَبُهُ فُؤَادُكَ دَاءُ ولكنه ترَك ذِكْرَ "الحبِّ" اكْتِفاءً بفهمِ السامعِ لمعنى الكلامِ؛ إذ كان معلومًا أن العجلَ لا يُشْرِبُ القلبَ، وأن الذي يُشْرِبُ القلبَ منه حبُّه. كما قال جل ثناؤُه: [﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾] (٢) [الأعراف: ١٦٣]. ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ [يوسف: ٨٢]. وكما قال الشاعر (٣): حسِبتَ بُغامَ (٤) راحلتى عَناقًا (٥) … وما هي وَيْبَ (٦) غيرِك بالعَناقِ يعني بذلك: حسبت بُغامَ راحلتى بُغامَ عناقِ.

стр. 1174

وكما قال طَرفةُ بنُ العبدِ (١): ألا إِنَّنِى سُقِّيتُ أسودَ حالِكًا … ألا بَجَلِى (٢) مِن الشّرَابِ ألا بَجَلْ يعني بذلك: سُقِيتُ سَمًّا أسودَ. فاكْتَفى بذكرِ "أسودَ" من ذِكْرِ "السمِّ" لمعرفةِ السامعِ معنى ما أراد بقولِه: سُقِيتُ أسودَ. ويُرْوَى: ألا إِنَّنى سُقِّيتُ أسْوَدَ سالخًا (٣) وقد تقولُ العربُ: إذا سرَّك أن تَنْظُرَ إلى السخاءِ فانْظُر إلى هَرمٍ أو إلى حاتمٍ. فتَجْتَزِئُ بذِكرِ الاسمِ مِن ذكرِ فعلِه، إذا كان معروفًا بشجاعةٍ أو سخاءٍ، أو ما أشْبَهَ ذلك مِن الصفاتِ، ومنه قولُ الشاعر (٤): يَقُولون جاهِدْ يا جَمِيلُ بِغَزْوَةٍ … وإن جِهادًا طَيِّئٌ وَقِتالُهَا القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩٣)﴾. يَعْنى بذلك جل ثناؤُه: قل يا محمدُ ليهودِ بنى إسرائيلَ: بئس الشئُ يَأْمرُكم به إيمانُكم، إذ كان يأمرُكم بقتلِ أنبياءِ اللهِ ورسلِه، والتكذيبِ بكُتُبِه، وجُحودِ ما جاء مِن عندِه. ومعنى إيمانِهم: تَصْديقُهم الذى زعَموا أنهم به مصدِّقون مِن كتابِ اللهِ، إذ قِيلَ لهم: آمِنوا بما أنزَل اللهُ. فقالوا: نُؤمنُ بما أُنزِلَ علينا. وقولُه: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي: إن كُنتُم مُصدِّقين -كما زعَمتم- بما

стр. 1175

أنزَل اللهُ عليكم. وإنما كذَّبهم اللهُ بذلك لأن التوراةَ تَنْهَى عن ذلك كلِّه، وتَأْمُر بخلافِه، فأخْبَرهم أنّ تصديقَهم بالتوراةِ إن كان يأْمرُهم بذلك، فبئس الأمْرُ تَأْمرُ به. وإنما ذلك نَفْىٌ مِن اللهِ تعالى ذِكْرُه عن التوراةِ أن تكونَ تَأْمرُ بشيءٍ مِمَّا يَكْرهُه اللهُ مِن أفعالِهم، وأن يكونَ التصديقُ بها يدلُّ على شيءٍ مِن مخالفةِ أمرِ اللهِ، وإعلامٌ منه جل ثناؤُه أن الذي يَأْمرُهم بذلك أهواؤُهم، والذى يَحْمِلُهم عليه البغىُ والعدوانُ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٤)﴾. قال أبو جعفرٍ: وهذه الآيةُ مما احتجَّ اللهُ به لنبيِّه محمدٍ ﷺ على اليهودِ الذين كانوا بين ظَهْرَانَىْ مُهاجَرِه، وفضَح بها أحبارَهم وعلماءَهم، وذلك أن اللهَ جل ثناؤُه أمَر نَبيَّه ﷺ أن يَدْعوَهم إلى قضيةٍ عادلةٍ بينَه وبينَهم، فيما كان بينَه وبينَهم مِن الخلافِ، كما أمَره اللهُ أن يَدْعوَ الفريقَ الآخرَ مِن النَّصارَى -إذ خالفوه في عيسى صلواتُ اللهِ عليه، وجادلوه فيه- إلى فاصلةٍ بينَه وبينَهم مِن المُباهَلَةِ، وقال لفريقِ اليهودِ: إن كنتم مُحِقِّين فتَمنَّوُا الموتَ، فإن ذلك غيرُ ضارِّكم إن كنتم مُحِقِّين فيما تَدَّعون مِن الإيمانِ وقُربِ المنزِلةِ مِن اللهِ، بل إن أُعْطيتُم أُمْنِيتَكم مِن الموتِ إذا تمنَّيتم، فإنما تَصِيرون إلى الراحةِ مِن تَعبِ الدنيا ونصبِها وكَدَرِ عَيشِها، والفوزِ بجوارِ اللهِ في جِنانِه، إن كان الأمرُ كما تَزْعُمون، مِن أنّ الدارَ الآخرةَ لكم خالصةٌ دونَنا، وإن لم تُعْطَوْها علِم النَّاسُ أنكم المُبطِلون، ونحن المُحِقُّون في دعوانا، وانْكَشف أمرُنا وأمرُكم لهم. فامْتَنعت اليهودُ مِن إجابةِ النبيِّ ﷺ إلى ذلك لعلْمِها أنها إن تَمنَّت الموتَ هلَكَت، فذَهَبت دنياها، وصارت إلى خِزْى الأبدِ في آخرتِها، كما امتنع فريقُ النَّصارى الذين جادلوا النَّبيَّ ﷺ في عيسى، إذ دُعُوا إلى المبُاهلةِ -مِن المباهلةِ، فبلَغنا أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: "لو أن اليهودَ تَمنَّوا الموتَ لماتوا، ولرأَوا

стр. 1176

مقاعدَهم مِن النارِ، ولو خرَج الذين يُباهِلون رسولَ اللهِ ﷺ لرجَعوا لا يَجِدون أهلًا ولا مالًا". حدَّثنا بذلك أبو كريبٍ، قال: حدثنا (١) زكريا بنُ عدىٍّ، قال: حدثنا عُبيدُ اللهِ ابنُ عمرٍو، عن عبدِ الكريمِ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، عن رسولِ اللهِ ﷺ (٢). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: حدَّثنا عَثَّامُ بنُ عليٍّ، عن الأعْمشِ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ قال: لو تَمنَّوا الموتَ لشَرِقَ أحدُهم برِيقِه (٣). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمرٌ، عن عبدِ الكريمِ الجَزَرىِّ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ قال: قال ابنُ عباسٍ: لو تَمنَّى اليهودُ الموتَ لماتوا (٤). حدَّثنى موسى، قال: أخْبَرنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدىِّ، عن ابنِ عباسٍ مثلَه. حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: حدَّثنا سلَمةُ، قال: حدَّثنى ابنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنى محمدُ بن أبي محمدٍ -قال أبو جعفرٍ: فيما أرى -أنا- عن سعيدٍ، أو عِكْرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لو تَمنَّوه يومَ قال لهم ذلك، ما بقِى على ظَهرِ الأرضِ

стр. 1177

يهوديٌّ إلا مات (١). قال أبو جعفرٍ: فانْكَشف -لمَن كان مُشْكِلًا عليه أمرُ اليهودِ يومَئذٍ- كَذِبُهم وبُهْتُهم وبَغْيُهم على رسولِ اللهِ ﷺ وأصحابه، وظهَرت حُجَّةُ رسولِ اللهِ وحُجةُ أصحابِه عليهم، ولم تَزَلْ -والحمدُ للهِ- ظاهرةً عليهم وعلى غيرِهم مِن سائرِ أهلِ المللِ، وإنما أُمِرَ رسولُ اللهِ ﷺ أن يقولَ لهم: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ لأنهم -فيما ذكر لنا- قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] وقالوا: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١١١]. فقال اللهُ لنبيِّه محمدٍ ﷺ : قل لهم إن كنتم صادقين فيما تَزْعُمون فتَمنَّوُا الموتَ. فأبان اللهُ كَذِبَهم بامْتِناعِهم مِن تَمنِّى ذلك، وأفلَجَ حُجَّةَ رسولِ اللهِ ﷺ . وقد اخْتَلف أهلُ التأويلِ في السببِ الذي مِن أجلِه أمَر اللهُ نبيَّه ﷺ أن يَدْعوَ اليهودَ إلى أن يَتمنَّوُا الموتَ، وعلى أىِّ وجهٍ أُمِروا أن يَتمنَّوه؛ فقال بعضُهم: أُمِروا أن يَتمنَّوه على وجهِ الدعاءِ على الفريقِ الكاذبِ منهما. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، قال: حدَّثنى ابنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنى محمدُ بنُ أبي محمدٍ، عن سعيدٍ، أو عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال اللهُ لنبيِّه ﷺ : ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: ادْعُوا بالموتِ على أىِّ الفريقين أكْذَبُ (٢).

стр. 1178

وقال آخرون بما حدَّثنى بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زريعٍ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ﴾: وذلك أنهم قالوا: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾. وقالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾. فقِيلَ لهم: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (١). حدَّثنى المثني، قال: حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ، قال: قالت اليهودُ: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ وقالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾. فقال اللهُ: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ فلم يَفْعَلوا (٢). حدَّثنى المثني، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنى [ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه] (٣)، عن الربيعِ قولَه. ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللهِ﴾ الآية: وذلك بأنهم قالوا: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ وقالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ (٤). وأما تأويلُ قولِه: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللهِ﴾ فإنه يقولُ: قُلْ يا محمدُ: إن كان نعيمُ الدارِ الآخرةِ ولَذَّاتُها لكم يا مَعْشَرَ اليهودِ عندَ اللهِ. فاكْتَفى بذِكْرِ الدارِ مِن ذِكْرِ نعيمِها لمعرفةِ المُخاطبين بالآيةِ معناها.

стр. 1179

وقد بَينَّا مَعْنى الدارِ الآخرةِ فيما مضى بما أغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (١). وأما تأويلُ قولِه: ﴿خَالِصَةً﴾ فإنه يعني به: صافيةً. كما يُقالُ: خَلَص لي [هذا الأمرُ] (٢). بمعنى: صار لي وَحْدى وصَفَا لي، يُقالُ منه: خَلَصَ لى هذا الشئُ فهو يخْلُصُ خلوصًا وخالصةً. والخالصةُ مصدرٌ، مِثْلُ العافية، ويقالُ للرجلِ: هذا خُلْصَانى. يعني به: خالِصَتى مِن دونِ أصحابِى. وقد رُوِىَ عن ابنِ عباسٍ أنه كان يَتأولُ قولَه: ﴿خَالِصَةً﴾: خاصةً. وذلك تأويلٌ قريبٌ مِن مَعْنى التأويلِ الذي قُلْناه في ذلك. حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عثمانُ بن سعيدٍ، قال: ثنا بشرُ بن عُمَارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ﴾ قال: قلْ يا محمدُ لهم -يَعْنى اليهودَ- إن كانت لكم الدارُ الآخرةُ، يَعْنِى الخيرَ (٣) ﴿عِنْدَ اللهِ خَالِصَةً﴾. يقولُ: خاصةً لكم (٤). وأما قولُه: ﴿مِنْ دُونِ النَّاسِ﴾ فإن الذي يَدلُّ عليه ظاهِرُ التنزيلِ أنهم قالوا: لنا الدارُ الآخرة عندَ اللهِ خالصةً مِن دونِ جميعِ الناسِ. ويُبَيِّنُ أن ذلك كان قولَهم -مِن غيرِ اسْتِثناءٍ منهم مِن ذلك أحدًا مِن بنى آدمَ- إخْبارُ اللهِ عنهم أنهم قالوا: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾. إلا أنه قد رُوِىَ عن ابنِ عباسٍ قولٌ غير ذلك.

стр. 1180

ذكرُ ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضَّحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿مِنْ دُونِ النَّاسِ﴾ يقولُ: مِن دونِ محمدٍ ﷺ وأصحابِه الذين اسْتَهزأتم بهم، وزَعَمْتم أن الحقَّ في أيدِيكم، وأن الدارَ الآخرةَ لكم دونَهم. وأما قولُه: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ﴾ فإن تأويلَه: تَشهَّوه وأَرِيدوه. وقد رُوِى عن ابنِ عباسٍ أنه قال في تأويلِه: فسَلُوا الموتَ. ولا يُعْرَفُ التَّمنى بمعنى المسألةِ في كلامِ العربِ. ولكنى أحْسِبُ أن ابنَ عباسٍ وجَّه مَعْنى الأُمْنِيةِ -إذ كانت محبةَ النفسِ وشهوتَها- إلى معنى الرَّغْبةِ والمسألةِ، إذ كانت المسألةُ هي رغبةَ السائلِ إلى اللهِ فيما سأله. حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضَّحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ﴾ يقولُ: فسَلُوا الموتَ ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٩٥)﴾. وهذا خبرٌ مِن اللهِ جل ثناؤُه عن اليهودِ وكراهتِهم الموتَ، وامتناعِهم من الإجابةِ إلى ما دُعُوا إليه مِن تَمنِّى الموتِ؛ لعلمِهم بأنهم إن فعَلوا ذلك فالوعيدُ بهم نازلٌ، والموتُ بهم حالٌّ، ولمعرفتِهم بمحمدٍ ﷺ أنه رسولٌ مِن اللهِ إليهم مرسلٌ، وهم به مُكذِّبون، وأنَّه لن يُخْبرَهم خبرًا إلا كان حقًّا كما أخْبَر، فهم يَحذَرُون أن يتَمنَّوا الموتَ، خوفًا أن يَحِلَّ بهم عقابُ اللهِ بما كسَبت أيديهم مِن الذنوبِ. كالذى حدَّثنى محمدُ بنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: حدَّثنى محمدُ بنُ

стр. 1181

إسحاقَ، قال: حدَّثنى محمدُ بنُ أبي محمدٍ -فيما يرَى أبو جعفرٍ- عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، أو عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ﴾ الآية. أي: ادْعُوا بالموتِ على أىِّ الفريقين أكذبُ، فأبَوا (١) ذلك على رسولِ اللهِ ﷺ . يقولُ اللهُ لنبيِّه محمدٍ ﷺ : ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: لعلمِهم بما عندَهم مِن العلمِ بك والكفرِ بذلك (٢). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضَّحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ يقولُ: يا محمدُ، ولن يتَمنَّوه أبدًا؛ لأنهم يَعْلَمون أنهم كاذبون، ولو كانوا صادقين لتَمنَّوه، ورَغِبوا في التعجيلِ إلى كَرامتى، فليس يتَمنَّونه أبدًا بما قدَّمت أيديهم (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ قوله: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾: وكانت اليهودُ أشدَّ الناسِ (٤) فرارًا مِن الموتِ، ولم يكونوا ليتَمنَّوه أبدًا. وأما قولُه: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾. فإنه يَعْنى به: بما أسْلَفَتْه أيديهم. وإنما ذلك مَثَلٌ، على نحوِ ما تتَمَثَّلُ به العربُ في كلامِها، فتقولُ للرجلِ يُؤْخَذُ بجَرِيرةٍ جرَّها، أو جنايةٍ جَناها فيعاقبُ عليها: نالك هذا بما جَنَتْ يداك، وبما كَسبت يداك، وبما قَدَّمت يداك. فتُضِيفُ ذلك إلى اليدِ، ولعلَّ الجنايةَ التى جَناها فاستحقَّ عليها العقوبةَ كانت باللسانِ أو بالفَرْجِ أو بغيرِ ذلك مِن أعضاءِ جسدِه سِوَى

стр. 1182

اليدِ. وإنَّما قِيلَ ذلك بإضافتِه إلى اليدِ؛ لأن عُظْمَ جِناياتِ الناسِ بأيديهم، فجَرَى الكلامُ باستعمالِ إضافةِ الجناياتِ التى يجنيها النَّاسُ إلى أيديهم، حتى أُضِيفَ كلُّ ما عُوقِبَ عليه الإنسانُ مما جَناه بسائرِ أعضاءِ جسدِه إلى أنها عقوبةٌ على ما جَنَتْه يَداه (١)، فلذلك قال جل ثناؤُه للعربِ: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ يعني به: ولن يَتَمنَّى اليهودُ الموتَ بما قدَّموا أمامَهم في حياتِهم مِن كفرِهم باللهِ، في مخالفتِهم أمرَه وطاعتَه في اتباعِ محمدٍ ﷺ وما جاءهم (٢) به مِن عندِ اللهِ، وهم يَجِدونه مكتوبًا عندَهم في التوراةِ، ويَعْلمون أنه نبىٌّ مبعوثٌ. فأضاف جل ثناؤُه ما انْطَوت عليه قلوبُهم، وأضْمَرته نفوسُهم، ونَطَقت به ألسنتُهم؛ مِن حسدِ محمدٍ ﷺ والبغىِ عليه، وتكذيبِه وجُحودِ رسالتِه - إلى أيديهم، وأنَّه مما قدَّمته أيديهم لعلمِ العربِ بمعنى ذلك في منطقِها وكلامِها، إذ كان جل ثناؤُه إنما أنزَل القرآنَ بلسانِها، وبلغتِها خاطَبها (٣). ورُوِىَ عن ابنِ عباسٍ في ذلك ما حدَّثنا به أبو كريبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضَّحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ يقولُ: بما أسْلَفت أيديهم (٤). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾. قال: إنهم عَرَفوا أن محمدًا ﷺ نبىٌّ فكَتَموه. وأما قولُه: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ فإنه يعني جل ثناؤُه: واللهُ ذو علمٍ بظَلَمةِ بنى آدمَ -يهودِها ونَصارَاها وسائرِ أهلِ [مللِها غيرِهم] (٥) - وما يَعْملون.

стр. 1183

وظلمُ اليهودِ كفرُهم باللهِ فى خلافِهم أمرَه وطاعتَه فى اتباعِ محمدٍ ﷺ ، بعدَ أن كانوا يَسْتَفْتِحون به وبمبْعثِه، وجُحودِهم نبوتَه وهم عالمون أنه نبىُّ اللهِ ورسولُه إليهم. وقد دَلَّلْنا على معنى الظلمِ فيما مضَى بما أغنَى عن إعادتِه فى هذا الموضعِ (١). القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾. يَعْنِى جل ثناوُه بقولِه: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ اليهودَ. يقولُ: يا محمدُ، لتَجِدَنَّ أشدَّ الناسِ حِرصًا على الحياةِ فى الدنيا، وأشدَّهم كراهةً للموتِ، اليهودَ، كما حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: حدَّثنا سلَمةُ، قال: حدَّثنى ابنُ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبى محمدٍ -فيما يرَى (٢) أبو جعفرٍ- عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، أو عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾. يعنى اليهودَ (٣). وحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، [عن الربيعِ] (٤)، عن أبى العاليةِ: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾. يعنى اليهودَ (٥). وحدَّثنى المثنَّى، [قال: ثنا إسحاق] (٤)، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه (٦). وحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى

стр. 1184

نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. وإنما كراهتُهم الموتَ لعلمِهم بما لَهم فى الآخرةِ من الخزْىِ والهَوانِ الطويلِ. القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾. يَعْنى جل ثناؤُه بقولِه: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾: وأحرصَ من الذين أشرَكُوا على الحياةِ. كما يقالُ: هو أَشجعُ الناسِ ومن عنترةَ. بمعنى: هو أشجعُ من الناسِ ومن عنترةَ. فكذلك قولُه: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾. لأن معنى الكلامِ: ولَتَجِدَنَّ يا محمدُ اليهودَ من بنى إسرائيلَ أحرصَ من (١) الناسِ على حياةٍ ومن الذين أشركُوا. فلمّا أُضِيفَ ﴿أَحْرَصَ﴾ إلى ﴿النَّاسِ﴾، وفيه تأويلُ "مِن" - أُظْهِرَتْ بعدَ حرفِ العطفِ رَدًّا على التأويلِ الذى ذكَرْنا. وإنما وصَف اللهُ جل ثناؤُه اليهودَ بأنهم أحرصُ الناسِ على الحياةِ، لعِلْمِهم بما قد أَعَدَّ لهم فى الآخرةِ على كفرِهم، مما لا يُقِرُّ به أهلُ الشركِ، فهم للموتِ أكْرَهُ من أهلِ الشركِ الذين لا يُؤْمِنون بالبعثِ؛ لأنهم يُؤمنون بالبعثِ ويَعْلَمون ما لهم هنالك من العذابِ، وأنَّ المُشركِينَ لا يُصَدِّقُون ببعثٍ ولا عقابٍ، فاليهودُ أحرصُ منهم على الحياةِ وأكرَهُ للموتِ. وقيل: إن الذين أَشركُوا، الذين أخبرَ اللهُ تعالى ذكرُه أن اليهودَ أحرصُ منهم فى هذه الآيةِ على الحياةِ، هم المجوسُ. [وقيل: هم] (٢) الذين لا يُصَدِّقُون بالبعثِ.

стр. 1185

ذكرُ من قال: هم المجوسُ حدَّثنى المثنَّى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾: يعنى المجوسَ (١). وحدَّثنى المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾. قال: المجوسُ. وحدَّثنى يونسُ، قال: أخبرَنى ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾. قال: يهودُ أحرصُ من هؤلاء على الحياةِ. ذكرُ من قال: هم الذين يُنْكِرون البعثَ حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: ثنا ابنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنى محمدُ ابنُ أبى محمدٍ -فيما يَرَى (٢) أبو جعفرٍ- عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، أو عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾: وذلك أن المشركَ لا يَرْجُو بعثًا بعد الموتِ، فهو يُحبُّ طولَ الحياةِ، وأن اليهودىَّ قد عَرَف ما له فى الآخرةِ من الخِزْىِ، [لما ما ضَيَّع بما] (٣) عنده من العلمِ (٤). القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾. وهذا خبرٌ من اللهِ جل ثناؤُه (٥) عن الذين أشرَكُوا، الذين أخبَر أن اليهودَ

стр. 1186

أحرصُ منهم على الحياةِ، يقولُ جل ثناؤُه: يَوَدُّ أحدُ هؤلاءِ الذين أشرَكُوا - [ليأسِه بفناءِ] (١) دنياه وانقضاءِ أيامِ حياتِه، من (٢) أن يكونَ له بعد ذلك نُشورٌ أو مَحْيَا، أو فَرحٌ أو سُرُورٌ- لو يُعَمَّرُ [فى الدنيا] (٣) ألفَ سنةٍ، حتى جعَل بعضُهم تحيةَ بعضٍ: [عِشْ ألفَ] (٤) عامٍ. حرصًا منهم على الحياةِ. كما حدَّثنا محمدُ بنُ علىِّ بنِ الحسنِ بنِ شقيقٍ، قال: سمِعتُ أبى عليًّا يقولُ (٢): أخبرَنا أبو حمزةَ، عن الأعمشِ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ فى قولِه: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾. قال: هو قولُ الأعاجمِ: هَزار (٢) سال زِه نَوْروز مِهْرْجان دَر (٥) (٦). وحُدِّثت عن نُعَيمٍ النحْوىِّ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾. قال: هو قولُ أهلِ الشركِ بعضِهم لبعضٍ إذا عَطِس: زِه هَزار سال (٧). حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعيدٍ ويعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قالا: ثنا إسماعيلُ ابنُ عُلَيَّةَ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن قتادةَ فى قولِه. ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾. قال: حُبِّبَتْ إليهم الخطيئةُ طولَ العُمُرِ (٨).

стр. 1187

حدَّثنى يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: حدثنى ابنُ مَعْبَدٍ، عن ابنِ عُلَيَّةَ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ فى قولِه: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ﴾. فذكَر مثلَه. حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ حتى بلَغ: ﴿لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾: ويهودُ أحرصُ من هؤلاء على الحياةِ، وقد وَدّ هؤلاءِ لو يُعَمَّرُ أحدُهم ألفَ سنةٍ. (١) وحُدِّثت عن أبى معاويةَ، عن الأعمشِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ فى قولِه: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾. قال: هو قولُ أحدِهم إذا عَطَس: زِه هَزار سال. يقولُ: [عِشْ ألفَ] (٢) سنةٍ (٣). القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ﴾. يعنى جل ثناؤُه بقولِه: ﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ﴾: وما التعميرُ وطولُ البقاءِ بمُزَحْزِحِه من عذابِ اللهِ. و (٤) قوله: ﴿هُوَ﴾. عِمادٌ، لطلَبِ "ما" الاسمَ أكثرَ من طلبِها الفعلَ، كما

стр. 1188

قال الشاعرُ (١): *فهل هو مَرفُوعٌ بما هَاهُنا راسُ* و ﴿أَنْ﴾ التى فى: ﴿أَنْ يُعَمَّرَ﴾ رَفْعٌ بـ ﴿مُزَحْزِحِهِ﴾، و (٢) ﴿هُوَ﴾ التى مع ﴿مَا﴾ [من ذكرِه] (٣)، عمادٌ للفعلِ؛ لاستقباحِ (٤) العربِ النكرةَ قبل المعرفةِ. وقد قال بعضُهم: إن ﴿هُوَ﴾ التى مع ﴿وَمَا﴾ كنايةٌ مِن ذكرِ العُمُرِ. كأنه قال: يَوَدُّ أحدُهم لو يُعَمَّرُ ألفَ سنةٍ، وما ذلك العُمُرُ بمُزَحْزحِه من العذابِ. وجعَل: ﴿أَنْ يُعَمَّرَ﴾ مُتَرْجِمًا (٥) عن ﴿هُوَ﴾. يُريدُ: ما هو بمُزَحْزِحِه التعميرُ. وقال بعضُهم: قولُه: ﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ﴾ نظيرُ قولِك: ما زيدٌ بمُزَحْزِحِه أن يُعَمَّرَ. وأقربُ هذه الأقوالِ عندنا إلى الصوابِ ما قلْناه، وهو أن يكونَ ﴿هُوَ﴾ عمادًا، نظيرُ قولِك: ما هو قائمًا (٦) عمرٌو. وقد قال قومٌ من أهلِ التأويلِ: إنَّ ﴿أَنْ﴾ التى فى قولِه: ﴿أَنْ يُعَمَّرَ﴾ بمَعْنَى: وإنْ عُمِّرَ. وذلك قولٌ لمعانى كلامِ العربِ المعروفِ مخالفٌ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنى المثنَّى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ:

стр. 1189

﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ﴾. يقولُ: وإن عُمِّر (١). وحدَّثنى المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه. وحدَّثنى يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿أَنْ يُعَمَّرَ﴾: ولو عُمِّرَ (٢). وأما تأويلُ قولِه: ﴿بِمُزَحْزِحِهِ﴾ فإنه: بمُبْعِدِه ومُنْجِيه (٣)، كما قال الحُطَيئةُ (٤): وقالُوا تَزَحْزَحْ لا بِنا فَضْلُ حاجةٍ … إليكَ ولا مِنّا لِوَهْيِكَ (٥) راقِعُ يعنى بقولِه: تَزَحْزَحْ: تَباعَدْ. يقالُ منه: زَحْزَحَه يُزَحْزِحُه زَحْزَحَةً وزِحْزَاحًا، وهو عنك يُزَحْزَحُ. أى: هو مُتباعِدٌ. فتأويلُ الآيةِ: وما طولُ العمُرِ بمُبْعِدِه من عذابِ اللهِ ولا مُنْجِيه (٣) منه؛ لأنه لا بُدَّ للعُمُرِ من الفناءِ ومصيرِه إلى اللهِ. كما حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: حدَّثنى ابنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ -قال أبو جعفرٍ: فيما أرى- عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، أو

стр. 1190

عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ﴾. أى: ما هو بمُنْجِيه من العذابِ (١). حَدَّثَنِي المثنَّي، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ: ﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ﴾. يقول: وإنْ عُمِّر، فما [ذلك بمُغْنيه] (٢) من العذَابِ ولا منجِيه (٣). وحَدَّثَنِي المثنَّي، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه. وحَدَّثَنِي محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حَدَّثَنِي أبي، قال: حَدَّثَنِي عمي، عن أبيه، عن جدِّه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ﴾: فهم الذين عادَوْا جبريلَ ﵇ (٤). وحَدَّثَنِي يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ﴾: ويهودُ أحرصُ على الحياةِ من هؤلاءِ، وقد وَدَّ هؤلاءِ لو يعَمَّرُ أحدُهم ألفَ سنةٍ، وليس (٥) بمُزَحْزِحِه من العذابِ لو عُمِّر كما عُمِّر إبليسُ، لَمْ يَنْفَعْه ذلك إذا (٦) كان كافرًا، لَمْ (٧) يُزَحْزِحْه ذلك

стр. 1191

من العذابِ (١). القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٩٦)﴾. يَعنى جل ثناؤُه بقولِه: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾: واللهُ ذو إبصارٍ بما (٢) يَعمَلون، لا يَخْفَى عليه شيءٌ من أعمالِهم، بل هو بجميعِها مُحيطٌ، ولها حافظٌ ذاكرٌ، حتى يُذِيقَهم بها من العقابِ جزاءَها. وأصلُ بصيرٍ مُبْصِرٌ، من قولِك (٣): أبْصَرْتُ فأنا مُبْصِرٌ. ولكنّه صُرِف إلى "فَعِيلٍ"، كما صُرِفَ مُسْمِعٌ إلى سَميعٍ، وعذابٌ مؤلمٌ إلى أليمٍ، ومُبدِعُ السماواتِ إلى بَديعٍ، وما أشبهَ ذلك. القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. أجمع أهلُ العلمِ بالتأويلِ جميعًا على أنَّ هذه الآيةَ نزَلتْ جوابًا لليهودِ مِن بنى إسرائيلَ، إذ زعَموا أنَّ جبريلَ عدوٌّ لهم، وأن ميكائيلَ وَلِيٌّ لهم. ثم اختلَفوا في السببِ الذى مِن أجلِه قالوا ذلك؛ فقال بعضُهم: إنما (٤) كان سببُ قيلِهم ذلك مِن أجلِ مناظرةٍ جرَتْ بينهم وبين رسولِ اللهِ ﷺ في أمرِ نبوَّتِه. ذكرُ مَن قال ذلك حَدَّثَنَا أبو كُريبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ (٥) بُكَيرٍ، عن عبدِ الحميدِ بنِ بَهْرامَ، عن

стр. 1192

شهرِ بنِ حَوْشَبٍ، عن ابنِ عباسٍ أنه قال: حضَرَتْ عِصابةٌ من اليهودِ رسولَ اللهِ ﷺ فقالوا: يا أبا القاسمِ، حدِّثْنا عن خِلالٍ نسألُك عنهنَّ لا يَعْلَمُهن إلَّا نبيٌّ. فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "سَلُوا عمَّا شِئْتُم، ولكن اجعَلُوا لى ذِمّةَ اللهِ وما أخَذ يَعْقُوبُ على بَنِيه، لَئِنْ أنا حَدَّثْتُكم شيئًا فعَرَفْتُموه لَتُتَابِعُنِّى (١) على الإسلامِ". فقالوا: ذلك لك. فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "سَلُونى عمّا شِئْتُم". فقالوا: أَخْبِرْنَا عن أَربعِ خِلالٍ نسألُك عنهن؛ أَخْبِرْنَا أيُّ الطعامِ حرَّم إسرائيلُ على نفسِه من قبلِ أن تُنَزَّلَ التوراةُ، وأَخْبِرْنَا كيف ماءُ المرأةِ وماءُ الرجلِ، وكيف يكونُ الذكرُ منه والأُنثي، وأَخْبِرْنَا بهذا النَّبِيِّ الأُمِّيِّ في [النومِ، ومن] (٢) وَلِيُّه مِن الملائكةِ. فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "عليكم عَهْدُ اللهِ لَئِنْ أنا أَنْبأْتُكم لَتُتَابِعُنِّى (٣) ". فأعطَوْه ما شاء مِن عهدٍ وميثاقٍ، فقال: "نَشَدْتُكم بالذى أنْزَلَ التوْراةَ على موسي، هل تَعْلَمون أن إسْرائِيلَ يعقوبَ (٤) مَرِض مَرَضًا شديدًا، فَطال سَقَمُه منه، فنَذر للهِ (٤) نَذْرًا لئِن عافاه اللهُ مِن سَقَمِه، ليُحَرِّمَنَّ أَحبَّ الطعامِ والشرابِ إليه، وكانَ أحبَّ الطعامِ إليه لُحْمانُ (٥) الإبِلِ" -قال أبو جعفرٍ: فيما أرى أنا- "وأحَبَّ الشرابِ إليه ألْبانُها؟ " فقالوا: اللهمَّ نعم. فقال رسولُ اللهِ ﷺ : " [اللهُمَّ اشْهَدْ عليهم] (٦). وأنْشُدُكم باللهِ الذى لا إلهَ إلَّا هو، الذى أنْزَلَ التوراةَ على موسي، هل تَعْلَمون أنَّ ماءَ الرَّجُلِ أبيَضُ غليظٌ، وأن ماءَ المرأةِ أصفرُ رقيقٌ، فأيُّهما عَلا كان له الوَلَدُ والشَّبَهُ بإذنِ اللهِ، إذا (٧) عَلا ماءُ الرجلِ ماءَ المرأةِ كان الولَدُ ذَكَرًا بإِذنِ اللهِ، وإذا علا ماءُ

стр. 1193

المرأةِ ماءَ الرجلِ كان الولَدُ أُنْثَى بإذنِ اللهِ؟ " قالوا: اللهُمَّ نعَم. قال: "اللهُمَّ اشْهَدْ". قال: "وأَنْشُدُكم بالذى أنْزَل التوراةَ على موسي، هل تَعْلَمون أن هذا النَّبِيَّ الأُمِّيَّ تَنامُ عيناه ولا يَنامُ قلبُه؟ " قالوا: اللهُمَّ نعَم. قال: "اللهُمَّ اشْهَدْ". قالوا (١): أنت الآنَ، فحدِّثْنا مَن وَلِيُّك مِن الملائِكَةِ، فعندَها نجامِعُك (٢) أو نُفَارِقُك. قال: "فإن وَلِيِّى جبريلُ، ولم يَبْعَثِ اللهُ نبيًّا قَطُّ إلَّا وهو وليُّه". قالوا: فعندَها نُفَارقُك؛ لو كان وليُّك سواه مِن الملائِكَةِ تابَعْناك وصدَّقْناك. قال: "فما يَمْنَعُكُم أن تُصَدِّقوه؟! قالوا: إنه عدوُّنا. فأنْزَل اللهُ : ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. إلى قولِه: ﴿كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. فعندَها باءوا بغضَبٍ على غضَبٍ (٣). وحَدَّثَنَا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: حَدَّثَنِي عبدُ اللهِ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ أبي الحسينِ المكِّيُّ، عن شَهْرِ بنِ حَوْشَبٍ الأشعرىِّ، أن نَفرًا مِن اليهودِ جاءوا رسولَ اللهِ ﷺ فقالوا له: يا محمدُ، أَخْبِرْنَا عن أربعِ خصالٍ (٤) نسألُك عنهنَّ، فإن فعَلتَ اتَّبعْناكَ وصدَّقْناكَ وآمنَّا بكَ. فقال لهم (٤) رسولُ اللهِ ﷺ : "عليكم بذلك عهدُ اللهِ وميثاقُه، لئن أنا أخْبَرْتُكم بذلك لَتُصَدِّقُنِّى" قالوا: نعم. قال: "فسلُوا عمَّا بدَا لكم". فقالوا: أَخْبِرْنَا كيف يُشْبِهُ الولدُ أُمَّه وإنما النطفةُ مِن الرجلِ؟ فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "أنْشُدُكم باللهِ وبأيَّامِه (٥) عندَ بَنى إسرائيلَ، هل تَعْلَمونَ أن نُطفةَ الرَّجُلِ بَيْضاءُ غليظةٌ، ونُطْفَةَ المَرْأةِ صفراءُ رَقيقَةٌ، فأيَّتُهما عَلَت (٦) صاحبتَها

стр. 1194

كان لها الشَّبَهُ؟ " قالوا: اللهُمَّ نعم. قالوا: فأَخْبِرْنَا كيف نومُك؟ قال: "أَنْشُدُكم باللهِ وبأيَّامِه عندَ بَنِى إسرائيلَ، هل تعْلَمون أن [نومَ هذا] (١) النبيِّ الذى تزعُمون أنى لستُ به، تنامُ عينُه (٢) وقلبُه يقظانُ؟ " (٣) قالوا: اللهُمَّ نعم. قال: " [فكذلك نَوْمِى؛ تَنامُ عَينى وقَلْبى يقظانُ". قالوا: فأَخْبِرْنَا عمَّا] (٤) حرَّم إسرائيلُ على نفسِه (٥)، فقال: " [أنْشُدُكم باللهِ وبأيَّامِه عندَ بَنِى إسرائيلَ] (٦)، هل تَعْلَمون أنه كان أحبَّ الطعامِ والشرابِ إليه ألْبانُ الإبلِ ولُحُومُها، وأنه اشْتَكَى شكوَى فعافاه اللهُ منها، فحرَّم أحَبَّ الطعامِ والشرابِ إليه شُكْرًا (٧) للهِ، فحرَّم على نَفْسِه لُحُومَ الإبِلِ وأَلْبَانَها؟ " قالوا: اللهمَّ نعَم. قالوا: فأَخْبِرْنَا عن الرُّوح. قال: "أَنْشُدُكم باللهِ وبأيَّامِه عندَ بنى إسْرائيلَ، هل تَعْلَمون أنه جبريلُ، وهو الذى يَأْتِينى؟ " قالوا: نعَم، ولكنه لنا عدوٌّ، وهو مَلَكٌ إنما يأتِي بالشِّدَّةِ وسفْكِ الدماءِ، فلولا ذلك اتبعْناك. فأنْزَل اللهُ فيهم: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. إلى قوله: ﴿كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٨). حَدَّثَنَا القاسمُ، قال ثنا الحسينُ، قال: حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: حَدَّثَنِي القاسمُ بنُ أبي بَزَّةَ، أن يهودَ سألوا النَّبِيَّ ﷺ مَن صاحبُه الذى يَنْزِلُ عليه بالوحىِ؟ فقال: "جبريلُ". قالوا: فإنه لنا عدوٌّ، ولا يأتى إلَّا بالحربِ والشدَّةِ والقتالِ. فنَزَل: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ الآية. قال ابنُ جُرَيْجٍ: وقال

стр. 1195

مجاهدٌ: قالت يهودُ: يا محمدُ، ما يَنْزِلُ جبريلُ إلَّا بشدَّةٍ وحربٍ وقتالٍ (١)، وإنه لنا لعدوٌّ. فنزَل: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ الآية (٢). وقال آخَرون: بل كان سَبَبُ قِيلِهم ذلك مِن أجلِ مُناظرةٍ جرَت بين عمرَ بنِ الخطابِ ﵁ وبينهم في أمرِ النَّبِيِّ ﷺ . ذِكرُ مَن قال ذلك حَدَّثَنِي محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا رِبْعِيُّ ابنُ عُلَيَّةَ، عن داودَ بنِ أبي هندٍ، عن الشَّعْبِيِّ، قال: نزَل عمرُ بنُ الخطابِ الرَّوْحَاءَ (٣)، فرأَى رجالًا يَبْتَدِرُون أحجارًا يُصَلُّون إليها، فقال: ما بالُ (٤) هؤلاءِ؟ قالوا: يَزْعُمون أن رسولَ اللهِ ﷺ صلَّى ههنا. قال: فكرِه ذاك، وقال: إنَّما رسولُ اللهِ ﷺ أدركَتْه الصلاةُ بوادٍ، فصلَّي، ثم ارتحل وترَكه. ثم أنشأ يُحَدِّثُهم فقال: كنتُ أشْهَدُ اليهودَ يومَ مِدْراسِهم (٥)، فأعْجَبُ مِن التوراةِ كيف تُصَدِّقُ الفُرقانَ، ومِن الفرقانِ كيف يُصَدِّقُ التوراةَ، فبينما أنا عندَهم ذاتَ يومٍ قالوا: يا بنَ الخطابِ، ما مِن أصحابِك أحدٌ أحبَّ إلينا منك. قلتُ: ولمَ ذلك؟ قالوا: إنك تَغْشانا وتَأْتِينا. قال: قلتُ: إنِّي آتِيكم فأعْجَبُ مِن الفُرْقانِ كيف يُصَدِّقُ التوراةَ، ومِن التوراةِ كيف تُصَدِّقُ الفرقانَ. قال: ومرَّ رسولُ اللهِ ﷺ فقالوا: يا بنَ الخطابِ، ذاك صاحبُكم فالحَقْ به. قال: فقلتُ لهم عند ذلك: نَشَدْتكم باللهِ الذى لا إلهَ إلَّا هو، وما استرعاكم مِن حَقِّه واسْتَودَعَكم مِن كتابِه، أَتَعْلَمون أنه
следующие страницы →