← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 11761–11800 · переход к 11766.

стр. 11761

مُقِرِّين به، طائِعين غيرَ مُكْرَهِين. يقالُ منه: قد أذعَن فلانٌ بحقِّه. إذا أَقَرَّ به طائعًا غيرَ مُسْتَكْرَه، وانقادَ له وسَلَّمَ. وكان مجاهدٌ فيما ذُكر عنه يقولُ في ذلك ما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾. قال: سِراعًا (١). وقولُه: ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أفي قلوبِ هؤلاء الذين يُعْرِضون إذا دُعُوا إلى اللهِ وإلى (٢) رسولِه ليحكمَ بينَهم - شكٌّ في رسولِ اللهِ ﷺ أنه للَّهِ رسولٌ، فهم يَمْتَنِعُون مِن الإجابةِ إلى حكمِه والرضا به، ﴿أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ﴾ إذا احْتَكَموا إلى حكمِ كتابِ اللهِ، وحكمِ رسولِه. وقال: ﴿أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ﴾. والمعنى: أن يَحِيفَ رسولُ اللَّهِ عليهم. فبدَأ باللَّهِ تعالى ذكرُه؛ تَعْظيمًا للهِ، كما يقالُ: ما شاءَ اللهُ ثم شئتَ. بمعنى: ما شئتَ. ومما يدلُّ على أن معنى ذلك كذلك قولُه: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾. فأفرَد الرسولَ بالحكمِ، ولم يَقُلْ: ليَحْكُما. وقولُه: ﴿بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. يقولُ: ما حافَ (٣) هؤلاء المُعْرِضون عن حكمِ اللهِ وحكمِ رسولِه، إذ أعْرَضوا عن الإجابةِ إلى ذلك، مما دُعُوا إليه، أن يَحِيفَ عليهم رسولُ اللهِ، فيجورَ في حكمِه عليهم، ولكنهم قومٌ أهلُ ظلمٍ لأنفسِهم، بخلافِهم أمرَ ربِّهم، ومعصيتِهم الله فيما أمَرهم مِن الرضا بحكمِ رسولِ اللهِ ﷺ ، فيما أحَبُّوا وكَرِهوا، والتسليمِ له.

стр. 11762

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إنما كان ينبغى أن يكونَ قولَ المؤمنين إذا دُعُوا إلى حكمِ اللَّهِ وإلى حكمِ رسولِه، ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ وبينَ خصومِهم - ﴿أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا﴾ ما قيلَ لنا، ﴿وَأَطَعْنَا﴾ مَن دَعانا إلى ذلك. ولم يُعْنَ بـ ﴿كَانَ﴾ في هذا الموضعِ الخبرُ عن أمرٍ قد مَضَى فتقضَّى (١)، ولكنه تأنيبٌ مِن اللهِ الذين أُنزلت هذه الآيةُ بسببِهم، وتأديبٌ منه آخرين غيرَهم. وقولُه: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: والذين إذا دُعُوا إلى اللهِ ورسولِه ليحكمَ بينَهم وبينَ خُصُومِهم، يقولون (٢): سَمِعْنا وأطَعْنا. ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾. يقولُ: هم المُنْجِحون المُدْرِكون طَلِباتِهم بفعلِهم ذلك، المُخلَّدون في جنانِ اللَّهِ. القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٥٢)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورسولَه فيما [أمَراه ونَهَياه] (٣)، ويُسَلِّمْ لحكمِهما له وعليه، ويَخَفْ عاقبةَ معصيةِ اللهِ ويَحْذَرُه، ويَتَّقِ عذابَ اللهِ بطاعتِه إياه في أمرِه ونَهْيِه، ﴿فَأُولَئِكَ﴾. يقولُ: فالذين يفعلون ذلك ﴿هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ برضا اللهِ عنهم يومَ القيامةِ، وأمنِهم مِن عذابِه.

стр. 11763

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٥٣)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وحَلَف هؤلاء المُعْرِضون عن حُكْمِ اللَّهِ وحُكْمِ رسولِه إذ دُعُوا إليه، ﴿بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾. يقولُ: أغلظَ أيمانِهم وأشدَّها. ﴿لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ﴾ يا محمدُ بالخروجِ إلى جهادِ عدوِّك وعدوِّ المؤمنين، ﴿لَيَخْرُجُنَّ﴾، ﴿قُلْ لَا تُقْسِمُوا﴾: لا تَحْلِفوا؛ فإن هذه ﴿طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ منكم فيها التكذيبُ. كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾. قال: قد عرَفتُ طاعتَكم، أي (١) إنكم تَكذِبون (٢). ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. يقولُ: إن الله ذو خبرةٍ بما تَعْمَلُون مِن طاعتِكم الله ورسولَه، أو خلافِكم أمرَهما، أو غيرِ ذلك مِن أمورِكم، لا يَخْفَى عليه مِن ذلك شيءٌ، وهو مُجازِيكم بكلِّ ذلك. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٥٤)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ لهؤلاء المُقْسِمِين بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهم لئن أمرتَهم ليَخْرُجُنَّ، وغيرِهم مِن أمَّتِك: ﴿أَطِيعُوا الله﴾ أيُّها القومُ، فيما أمَرَكم به ونَهاكم عنه، ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾؛ فإن طاعتَه للهِ طاعةٌ، ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾. يقولُ: فإن تُعْرِضوا وتُدْبِروا عما أمَرَكم به رسولُ اللهِ ﷺ ، أو نَهاكم عنه، وتَأْبَوا أن

стр. 11764

تُذْعِنوا لحكمِه لكم وعليكم، ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ﴾. يقولُ: فإنما عليه فعلُ ما أُمِرَ بفعلِه مِن تَبْليغِ رسالةِ اللهِ إليكم، على ما كَلَّفَه مِن التبليغِ، ﴿وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ﴾. يقولُ: وعليكم أيُّها الناسُ أن تَفْعَلُوا مَا أَلزَمَكم وأوجَب عليكم مِن اتِّبَاعِ رسولِه ﷺ ، والانتهاءِ إلى طاعتهِ فيما أمَرَكم ونَهاكم. وقُلنا: إن قولَه: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾. بمعنى: فإن تَتَولَّوا، فإنه في موضعِ جزمٍ؛ لأنه خطابٌ للذين أُمِرَ رسولُ اللهِ ﷺ بأن يقولَ لهم: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾. يدلُّ على أن ذلك كذلك قولُه: ﴿وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ﴾. ولو كان قولُه: ﴿تَوَلَّوْا﴾. فعلًا ماضيًا، على وَجْهِ الخبرِ عن غَيبٍ، لكان في موضعِ قولِه: ﴿وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ﴾ وعليهم ما حُمِّلُوا. وقوله: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وإن تُطِيعوا أيُّها الناسُ رسولَ اللهِ فيما يأمُرُكم ويَنْهاكم، تَرْشُدُوا وتُصِيبوا الحقَّ في أُمُورِكم. ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾. يقولُ: وغيرُ واجبٍ على مَن أرسَله اللهُ إلى قومٍ برسالةٍ إلا أن يُبَلِّغَهم رسالتَه بلاغًا، يُبيُن لهم ذلك البلاغُ عما أرادَ اللهُ به. يقولُ: فليس على محمدٍ أيُّها الناسُ إلا أداءُ رسالةِ اللهِ إليكم، وعليكم الطاعةُ، وإن أطَعْتُموه، لَحُظُوظَ أنفسِكم تُصِيبون، وإن عَصيتُموه، فأنفُسَكم (١) تُوبِقون (٢). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٥٥)﴾.

стр. 11765

يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ باللهِ ورسولهِ ﴿مِنْكُمْ﴾ أيُّها الناسُ، ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. يقولُ: وأطاعوا اللَّهَ ورسولَه فيما أمَراه ونَهَياه - ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾. يقولُ: لَيُورِثنَّهم اللهُ أرضَ المشركين مِن العربِ والعَجَمِ، فيجعلُهم مُلُوكَها وساستَها، ﴿كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾. يقولُ: كما فعَل مِن قَبْلِهم ذلك ببنى إسرائيلَ، إذ أهْلَك الجبابرةَ بالشامِ، وجعَلهم مُلُوكَها وسُكَّانَها، ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾. يقولُ: وَلَيُوَطِّئَنَّ لهم دينَهم، يعنى مِلَّتَهم التي ارْتَضاها لهم، فأمَرهم بها. وقيل: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾. ثم تَلَقَّى ذلك بجوابِ اليمينِ بقولِه: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾؛ لأن الوعدَ قولٌ يَصْلُحُ فيه "أن" وجوابُ اليمينِ، كقولِه: وَعَدْتُك أن أُكْرِمَك، ووعدتُك لأُكْرِمَنَّك. واختَلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿كَمَا اسْتَخْلَفَ﴾. فقرأَته عامةُ القرأةِ: ﴿كَمَا اسْتَخْلَفَ﴾. بفتحِ التاءِ واللامِ (١)، بمعنى: كما اسْتَخْلَفَ الله الذين مِن قبلِهم مِن الأممِ. وقَرأ ذلك عاصمُ (٢): (كَما اسْتُخْلِفَ) بضمِّ التاءِ، وكسرِ اللامِ، على مذهبِ ما لم يُسَمَّ فاعلُه. واختَلفوا أيضًا في قراءةِ قولِه: ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ﴾. فقَرأ ذلك عامةُ قرأةِ الأمصارِ سوى عاصمٍ: ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ﴾ (٣). بتَشْديدِ الدالِ، بمعنى: وليُغَيِّرَنَّ حالَهم عما هي عليه من الخوفِ إلى الأمنِ. والعربُ تقولُ: قد بُدَّلَ فلانٌ. إذا غُيِّرَت حالُه ولم يأتِ

стр. 11766

مكانَ فلانٍ غيرُه. وكذلك كلُّ مغيَّرٍ عن حالِه، فهو عندَهم مُبَدَّلٌ، بالتَّشْدِيدِ، وربما قيل بالتَّخْفيفِ، وليس بالفصيحِ. فأما إذا جعَل مكانَ الشيءِ المُبَدَّلِ غيرَه، فذلك بالتخفيفِ: أبْدَلتُه فهو مُبْدَلٌ. وذلك كقولِهم: أُبْدِل هذا الثوبُ. أي: جُعِل مكانَه آخَرُ غيرُه، وقد يقالُ بالتشديدِ، غيرَ أن الفصيحَ مِن الكلامِ ما وصَفتُ. وكان عاصمٌ (١) يقرؤُه: ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ﴾ بتَخْفِيفِ الدالِ. والصوابُ مِن القراءةِ في ذلك التشديدُ، على المعنى الذي وصفتُ قبلُ؛ لإجماعِ الحجَّةِ مِن قرأةِ الأمصارِ عليه، وأن ذلك تَغْيِيرُ حالِ الخوفِ إلى الأمنِ، وأَرَى أَنَّ عاصمًا ذهَب إلى أن الأمنَ لمَّا كان خلافَ الخوفِ، وَجَّه المعنى إلى أنه ذهَب بحالِ الخوفِ، وجاء بحالِ الأمنِ، فخَفَّف ذلك. ومِن الدليلِ على ما قُلنا، مِن أن التَّخْفيفَ إنما هو ما كان في إبْدالِ شيءٍ مكانَ آخَرَ - قولُ أَبي النَّجْمِ (٢): عَزْلَ الأميرِ للأميرِ المُبْدَلِ وقولُه: ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾. يقولُ: يَخْضَعون لى بالطاعةِ، ويَتَذَلُّلون لأمْرِى ونَهْيِى، ﴿لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾. يقولُ: لا يُشْرِكون في عبادتِهم إياى الأوثانَ والأصنامَ، ولا شيئًا غيرَها (٣)، بل يُخْلِصون لى العبادةَ، فيُفْرِدونها لى، دونَ كلِّ ما عُبِد مِن شيءٍ غيرى. وذُكِر أن هذه الآيةَ نزَلت على رسولِ اللهِ ﷺ مِن أجلِ شِكايةِ بعضِ أصحابهِ إليه، في بعضِ الأوقاتِ التي كانوا فيها مِن العدوِّ في خوفٍ شديدٍ، مما هم فيه من

стр. 11767

الرُّعْبِ والخوفِ، وما يَلْقَون بسببِ ذلك مِن الأذَى والمَكْروهِ. ذكرُ الروايةِ بذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسيُن، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ قولَه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ الآية. قال: مَكَث النبيُّ ﷺ عَشْرَ سنينَ خائفًا، يَدْعُو إِلى اللَّهِ سِرًّا وعلانيةً. قال: ثم أُمِر بالهجرةِ إلى المدينةِ. قال: فمكَث بها هو وأصحابُه خائفين (١)، يُصْبِحون في السلاحِ ويُمْشون فيه، فقال رجلٌ: ما يأتى علينا يومٌ نأمَنُ فيه ونَضَعُ عَنَّا السلاحَ؟ فقال النبيُّ ﷺ : "لا تَغْبُرُونَ (٢) إِلا يَسِيرًا حتى يَجْلِسَ الرجلُ منكم في الملأ العظيمِ مُحْتَبِيًا فيه، ليس فيه حَدِيدةٌ". فأنزَل اللَّهُ هذه الآيةَ: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ﴾ إلى قولِه: ﴿وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ﴾. قال: يقولُ: مَن كَفَر بهذه النعمةِ، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. وليس يعنى الكفرَ باللهِ. قال: فأظهَره اللهُ على جزيرةِ العربِ، فآمَنوا، ثم تَجَبَّروا، فَغَيَّرَ اللهُ ما بهم، وكَفَروا بهذه النعمةِ، فأدخَل اللهُ عليهم الخوفَ الذي كان رَفَعه عنهم. قال القاسمُ: قال أبو عليٍّ: بِقَتْلِهِم عثمانَ بنَ عفانَ ﵁ (٣). واختَلف أهلُ التأويلِ في معنى الكفرِ الذي ذكَره اللهُ في قولِه: ﴿وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ﴾؛ فقال أبو العاليةِ ما ذكَرنا عنه مِن أنه كفرٌ بالنعمةِ لا كفرٌ باللهِ. ورُوِى عن حُذَيفةَ في ذلك ما حدَّثنا به ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ،

стр. 11768

قال: ثنا سفيانُ، عن حبيبٍ، عن (١) أبي الشَّعْثاءِ، قال: كنتُ جالسًا مع حُذَيفةَ وعبدِ اللهِ بن مسعودٍ، فقال حُذَيفةُ: ذهَب النِّفاقُ، وإنما كان النفاقُ على عهدِ رسول اللهِ ﷺ ، وإنما هو الكفرُ بعدَ الإيمانِ. قال: فضَحِك عبدُ اللهِ، فقال: لِمَ تقولُ ذلك؟ قال: علِمتُ ذلك. قال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾. حتى بَلَغ آخِرَها (٢). حدَّثنا ابن المُثَنَّى، قال: ثنا ابن أَبي عَدِيٍّ، قال: ثنا شعبةُ، [عن أبي إسحاق] (٣)، عن أبي الشَّعْثاءِ، قال: فَعَدْتُ إلى ابن مسعودٍ وحُذَيفةَ، فقال حذيفةُ: ذهَب النِّفاقُ فلا نفاقَ، وإنما هو الكفرُ بعدَ الإيمانِ. فقال عبدُ اللَّهِ: تعلمُ ما تقولُ؟ قال: فتَلا هذه الآيةَ: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. حتى بلغ: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. قال: فضَحِك عبدُ اللهِ. قال: فلَقِيتُ أبا الشَّعْثاءِ بعدَ ذلك بأيامٍ، فقلتُ: مِن أيِّ شيءٍ ضَحِك عبدُ اللهِ؟ قال: لا أدرى، إن الرجلَ ربما ضَحِك مِن الشيءِ الذي يُعْجِبُه، وربما ضَحِك من الشيءِ الذي لا يُعْجِبُه، فمِنْ أَيِّ شيءٍ ضحِك لا أدرى. والذي قاله أبو العاليةِ مِن التأويلِ أشبهُ بتأويلِ الآيةِ، وذلك أن الله وعَد الإنعامَ على هذه الأُمَّةِ (٤) بما أخبرَ في هذه الآيةِ أنه مُنْعِمٌ به عليهم، ثم قال عَقِيبَ ذلك: فمَن كفَر هذه النعمةَ بعدَ ذلك، فأولئك هم الفاسقون. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن

стр. 11769

مجاهدٍ قولَه: ﴿يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾. قال: تلك أمةُ محمد ﷺ (١). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن لَيثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾. قال: لا يَخافون غيرى (٢). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٥٦) لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٥٧)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وأقيمُوا أيُّها الناسُ الصلاةَ بحُدُودِها، فلا تُضَيِّعوها، وآتوا الزكاةَ التي فَرَضها اللهُ عليكم أهلَها، وأَطِيعوا رسولَ ربِّكم فيما أمَركم ونَهاكم ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. يقولُ: كى يرحَمَكم ربُّكم، فيُنَجِّيَكم مِن عذابِه. وقولُه: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: لا تَحْسَبَنَّ يا محمدُ الذين كفروا باللَّهِ مُعْجِزيه في الأرضِ، إذا أرادَ إِهْلاكَهم، ﴿وَمَأْوَاهُمُ﴾ بعدَ هَلَاكِهم ﴿النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ الذي يَصِيرون إليه ذلك المَأْوى. وقد كان بعضُهم يقولُ: (لا يَحْسَبَنَّ الذين كفروا). بالياءِ (٣). وهو مذهبٌ ضعيفٌ عندَ أهلِ العربيةِ، وذلك أن "تحسب" محتاجٌ إلى منصوبَين، وإذا قُرِئ: (يَحْسَبَنَّ) بالياءِ (٤)، لم يَكُنْ واقعًا إِلَّا على منصوبٍ واحدٍ. غيرَ أنى أحسَبُ أن قارِئَه (٥)

стр. 11770

بالياءِ ظَنَّ أَنه قد عَمِل في: ﴿مُعْجِزِينَ﴾، وأن منصوبَه الثانِيَ: ﴿فِي الْأَرْضِ﴾. وذلك لا معنَى له إن كان ذلك قَصَد (١). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٨)﴾. اختَلف أهلُ التأويلِ في المعنيِّ بقولِه: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾؛ فقال بعضُهم: عُنِى بذلك الرجالُ دونَ النساءِ، ونُهُوا عن أن يُدْخِلوا عليهم في هذه الأوقاتِ الثلاثةِ، هؤلاء الذين سُمُّوا في هذه الآيةِ، إلا بإذنٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبسةَ، عن لَيْثٍ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ قولَه: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. قال: هي على الذكورِ دونَ الإناثِ (٢). وقال آخرون: بل عُنِى به الرجالُ والنساءُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي حَصِينٍ، عن

стр. 11771

أبي عبدِ الرحمنِ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. قال: هي في الرجالِ والنساءِ، يَسْتأذِنون على كلِّ حالٍ، بالليلِ والنهارِ (١). وأَوْلى القولَين في ذلك عندى بالصوابِ قولُ مَن قال: عُنِى به الذكورُ والإناثُ؛ لأن اللَّهَ عَمَّ بقولِه: ﴿الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ جميعَ أملاكِ أيمانِنا، ولم يَخْصُصْ منهم ذكَرًا ولا أُنثى، فذلك على جميعِ مَن عَمَّه ظاهرُ التنزيلِ. فتأويلُ الكلامِ: يأيُّها الذين صَدَّقوا الله ورسولَه، ليَسْتأْذِنْكم في الدخولِ عليكم عبيدُكم وإماؤُكم، فلا يَدْخُلوا عليكم إلا بإذنٍ منكم لهم. ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ﴾. يقولُ: والذين لم يَحْتَلِموا مِن أحرارِكم ﴿ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾. يعني: ثلاثَ مراتٍ، في ثلاثةِ أوقاتٍ مِن ساعاتِ لَيْلِكم ونهارِكم. كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. قال: عبيدُكم المَمْلوكون ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ﴾. قال: لم يَحْتَلِموا مِن أحْرارِكم (٢). قال ابن جريجٍ: قال لي عطاءُ بنُ أبي رباحٍ: فذلك على كلِّ صغيرٍ وصغيرةٍ أن

стр. 11772

يَسْتأذِنَ، كما قال: ﴿ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾. قالوا: هي العَتَمَةُ. قلت: فإذا وَضَعوا ثيابَهم بعدَ العَتَمَةِ، استأذَنوا عليهم حتى يُصْبِحوا؟ قال: نعم. قلتُ لعطاءٍ: هل اسْتِئذانُهم إلا عندَ وَضْعِ الناسِ ثيابهم؟ قال: لا. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن صالحِ بن كَيْسانَ ويعقوبَ بن عُتْبَةَ وإسماعيلَ بن محمدٍ، قالوا: لا اسْتِئذانَ على خَدَمِ الرجلِ عليه إلا في العَوْراتِ الثلاثِ. حدَّثني عليُّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. يقولُ: إذا خَلا الرجلُ بأهلِه بعدَ صلاةِ العشاءِ، فلا يدخُلُ عليه خادمٌ ولا صبيٌّ إلا بإذنٍ، حتى يُصَلِّيَ الغَداةَ، فإذا خَلا بأهِله عندَ صلاةِ الظهرِ فمثلُ ذلك (١). حدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرني قُرَّةُ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن ابن شهابٍ، عن ثعلبةَ بن (٢) أبي مالكٍ القُرَظِيِّ، أنه سأَل عبدَ اللهِ بنَ سُوَيدٍ الحارِثيَّ، وكان مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ ، عن الإِذْنِ في العَوْرَاتِ الثلاثِ، فقال: إذا وضَعتُ ثيابى مِن الظَّهِيرةِ، لم يَلِجُ عليَّ أحدٌ مِن الخَدَمِ الذِى بَلَغَ الحُلُمَ، ولا أحدٌ ممن لم يبلُغِ الحُلُمَ مِن الأحرارِ، إلا بإذنٍ (٣).

стр. 11773

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: سمعتُ عطاءً يقولُ: قال ابن عباسٍ: ثلاثُ آياتٍ جَحَدَهنَّ الناسُ؛ الإذنُ كلُّه، وقال اللَّهُ: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]. وقال الناسُ: أكرمُكم أعظمُكم بيتًا. ونسيتُ الثالثةَ (١). حدَّثنا ابن أبى الشواربِ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا يونسُ، عن الحسنِ في هذه الآيةِ: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. قال: كان الحسنُ يقولُ: إذا أباتَ الرجلُ خادمَه معه، فهو إذنُه، وإن لم يُبته معه، استأذنَ في هذه الساعاتِ (٢). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: ثنا سفيانُ، قال: ثنى موسى [بنُ أبى عائشةَ] (٣)، عن الشعبيِّ في قولِه: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. قال: لم تُنْسَخْ. قلتُ: إن الناسَ لا يَعْمَلون به. قال: اللَّهُ المُسْتَعانُ. قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن موسى بن أبى عائشةَ، عن الشعبيِّ، وسألتُه عن هذه الآيةِ: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. قلتُ: منسوخةٌ هي؟ قال: لا واللهِ ما نُسِخت. قلتُ: إن الناسَ لا يَعْمَلون بها. قال: اللَّهُ المُسْتعانُ (٤).

стр. 11774

قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا أبو عَوَانةَ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: إن ناسًا يقولون: نُسِخت. ولكنها مما يَتَهاونُ الناسُ به (١). قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ في هذه الآيةِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ إلى آخرِ الآيةِ. قال: لا يُعْمَلُ بها اليومَ (٢). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: ثنا حنظلةُ، أنه سمِع القاسمَ بنَ محمدٍ يُسْأَلُ عن الإِذْنِ، فقال: يَسْتأْذِنُ عندَ كلَّ عورةٍ، ثم هو طَوَّافٌ. يعنى الرجلَ على أمِّه (٣). حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا عثمانُ بنُ عمرَ، قال: أخبَرنا عبدُ العزيزِ بنُ أبي رَوَّادٍ، قال: أخبَرني رجلٌ مِن أهلِ الطائفِ، عن غَيْلَانَ بن شُرَحْبِيلَ، عن عبدِ الرحمنِ بن عوفٍ، أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: "لا يَغْلِبَنَّكم الأعرابُ على اسْمِ صَلاتِكم، قال اللهُ: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾، وإنما العَتَمَةُ عَتَمَةُ الإِبلِ" (٤). وقولُه: ﴿ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾. اختَلفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأَته عامةُ

стр. 11775

قرأةِ المدينةِ والبصرةِ: ﴿ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾. برفع "الثلاث" (١). بمعنى الخبرِ عن هذه الأوقاتِ التي ذكِرت، كأنه عندَهم قيل: هذه الأوقاتُ الثلاثةُ التي أمَرناكم بأن لا يدخُلَ عليكم فيها مَن ذَكَرنا إلا بإذنٍ، ثلاثُ عَوْراتٍ لكم؛ لأنكم تَضَعُون فيها ثيابَكم، وتَخْلُون بأهْلِيكم. وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفةِ: (ثَلاثَ عَوْرَاتٍ). بنصبِ "الثلاثِ" على الردِّ على "الثلاثِ" الأولى (٢). وكأن معنى الكلامِ عندَهم: لِيَسْتأْذِنْكم الذين مَلَكَت أيمانُكم، والذين لم يَبْلُغوا الحُلُمَ منكم ثلاثَ مراتٍ ثلاثَ عَوْراتٍ لكم. والصوابُ مِن القولِ في ذلك أنهما قراءتان مُتَقارِبتا المعنى، وقد قرَأ بكلِّ واحدةٍ منهما علماءُ مِن القرأةِ، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمُصِيبٌ. وقولُه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ﴾ معشرَ أربابِ البيوتِ والمساكنِ ﴿وَلَا عَلَيْهِمْ﴾ يعني: ولا على الذين مَلَكَت أيمانُكم مِن الرجالِ والنساءِ والذين لم يَبْلُغوا الحُلُمَ مِن أولادِكم الصغارِ - حرَجٌ ولا إثمٌ ﴿بَعْدَهُنَّ﴾، يعني: بعدَ العوراتِ الثلاثِ. والهاءُ والنونُ في قولِه: ﴿بَعْدَهُنَّ﴾. عائدتان على "الثلاثِ" مِن قولِه: ﴿ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾. وإنما يعنى بذلك أنه لا حَرَج ولا جُناحَ على الناسِ أن يدخُلَ (٣) عليهم مَمالِيكُهم البالِغون، وصِبْيانُهم الصغارُ، بغيرِ إذنٍ بعدَ هذه الأوقاتِ الثلاثِ اللاتى ذَكَرَهنَّ في قولِه: ﴿مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾.

стр. 11776

وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ، قال: ثم رَخَّص لهم في الدخولِ فيما بينَ ذلك بغيرِ إذنٍ، يعني: فيما بينَ صلاةِ الغداةِ إلى الظهرِ، وبعدَ الظهرِ إلى صلاةِ العشاءِ، أنه رَخَّص لخادمِ الرجلِ والصبيِّ أن يدخُلَ عليه منزلَه بغيرِ إذنٍ. قال: وهو قولُه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ﴾. فأمَّا مَن بَلَغَ الحُلُمَ، فإنه لا يدخُلُ على الرجلِ وأهلِه إلا بإذْنٍ على كلِّ حال (١). وقولُه: ﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾. رُفِع "الطَّوافون" بمُضْمَرٍ، وذلك "هم"، يقولُ لهؤلاء المماليكِ والصَّبْيانِ الصغارِ: هم طَوَّافون عليكم أيُّها الناسُ. ويعنى بالطَّوَّافين أنهم يدخُلون ويخرُجون على مَوالِيهم وأقْرِبائِهم في منازلِهم غُدْوَةً وعَشِيَّةً بغيرِ إذنٍ، يَطُوفون عليهم. ﴿بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ في غيرِ الأوقاتِ الثلاثِ التي أمَرهم ألا يُدخلوا على سَاداتِهم وأقْرِبائِهم فيها إلا بإذنٍ، ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾. يقولُ جلّ ثناؤُه: كما بَيَّنْتُ لكم أيُّها الناسُ أحكامَ الاسْتئذانِ في هذه الآيةِ، كذلك يُبَيِّنُ اللهُ لكم جميعَ أعْلامِه وأدلتِه وشرائعِ دِينِه، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. يقولُ: واللهُ ذو علم بما يُصْلِحُ عبادَه، حكيمٌ في تَدْبيرِه إياهم، وغيرِ ذلك مِن أمورِه. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٩)﴾.

стр. 11777

يقولُ تعالى ذكرُه: وإذا بلَغ الصغارُ مِن أولادِكم وأقْربائِكم. ويعنى بقولِه: ﴿مِنْكُمُ﴾: مِن أَحْرارِكم - ﴿الْحُلُمَ﴾. يعنى الاحْتلامَ، واحْتَلَموا، ﴿فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾. يقولُ: فلا يدخُلوا عليكم في وقتٍ مِن الأوقاتِ إلا بإذنٍ، لا في أوقاتِ العَوراتِ الثلاثِ ولا في غيرِها. وقوله: ﴿كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾. يقولُ: كما اسْتَأْذَنَ الكبارُ مِن ولَدِ الرجلِ وأقربائِه الأحرارِ. وخَصَّ اللهُ تعالى ذكرُه في هذه الآيةِ الأطفالَ بالذَّكْرِ وتَعْريفِ حكمِهم عبادَه في الاستئذانِ، دونَ ذِكْرِ ما مَلَكَت أيمانُنا، وقد تقدَّمَت الآيةُ التي قبلَها بتَعْريفِهم حكمَ الأطفالِ الأحرارِ والمماليكِ؛ لأن حُكْمَ ما مَلَكَت أيمانُنا مِن ذلك حكمٌ واحدٌ، سواءٌ فيه حكمُ كبارِهم وصغارِهم، في أن الإذنَ عليهم في الساعاتِ الثلاثِ التي ذكَرها اللهُ في الآيةِ التي قبلُ. وبنحوِ ما قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ، قال: أمَّا مَن بَلَغَ الحُلُمَ، فإنه لا يدخُلُ على الرجلِ وأهلِه، يعنى مِن الصبيانِ الأحرارِ، إلا بإذنٍ على كلِّ حالٍ، وهو قولُه: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال:

стр. 11778

قال عطاءٌ: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾. قال: واجبٌ على الناسِ أجمعين أن يَسْتأذِنوا إذا احْتَلَموا على مَن كان مِن الناسِ (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرني يونسُ، عن ابن شهابٍ، عن ابن المسيَّبِ، قال: يَسْتأْذِنُ الرجلُ على أمِّه. قال: إنما أُنزلت: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ﴾ في ذلك (٢). ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ﴾. يقولُ: هكذا يُبَيِّنُ اللهُ لكم (٣). أحكامَه وشرائعَ دينِه، كما بَيَّنَ لكم أمرَ هؤلاء الأطفالِ في الاستئذانِ بعدَ البلوغِ، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. يقولُ: واللَّهُ عليمٌ بما يُصْلِحُ خلقَه وغيرِ ذلك مِن الأشياءِ، حكيمٌ في تَدْبيرِه خلقَه. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٦٠)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: واللَّواتى قد قَعَدْنَ عن الولدِ مِن الكِبَرِ مِن النساءِ، فلا يَحِضْنَ ولا يَلِدْنَ - واحِدتُهنَّ قاعدٌ - ﴿اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾. يقولُ: اللاتي قد يَئِسْنَ مِن البُعُولةِ، فلا يَطْمَعْنَ في الأزواجِ، ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾. يقولُ: فليس عليهنَّ حَرَجٌ ولا إثمٌ ﴿أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾.

стр. 11779

يعني: جَلَابِيبَهنَّ، وهى القِناعُ الذي يكونُ فوقَ الخِمارِ، والرداءُ الذي يكونُ فوقَ الثيابِ، لا حرَجَ عليهنَّ أن يَضَعْنَ ذلك عندَ المحارمِ مِن الرجالِ، وغيرِ المحارمِ مِن الغُرباءِ (١)، غيرَ مُتَبرِّجاتٍ بزينةٍ. وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾: وهى المرأةُ، لا جُناحَ عليها أن تجلسَ في بيتِها بدِرْعٍ وخِمارٍ، وتَضَعَ عنها الجلبابَ، ما لم تَتَبرَّجْ لِما يكرَهُ اللَّهُ، وهو قولُه: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾. ثم قال: ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ (٢). حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرَنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾: يعنى الجلبابَ، وهو القِناعُ، وهذا للكبيرةِ التي قد قَعَدَت عن الولدِ، فلا يَضُرُّها أَلا تَجَلْبَبَ فوقَ الخِمارِ (٣). وأما كلُّ امرأةٍ مسلمةٍ حُرَّةٍ، فعليها إذا بَلَغَت المَحِيضَ أَن تُدْنِيَ الجِلْبابَ على الخِمارِ، وقال اللهُ في سورةِ "الأحزاب": ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ

стр. 11780

جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ [الأحزاب: ٥٩]. وكان بالمدينةِ رجالٌ مِن المنافِقين إذا مَرَّتْ بهم امرأةٌ سيئةُ (١) الهيئةِ والزَّيِّ، حَسِبَ المنافقون أنها مريبةٌ (٢)، وأنها مِن بُغْيِتهم، فكانوا يُؤْذُون المؤمناتِ بالرَّفَثِ، ولا يَعْلَمون الحُرَّةَ مِن الأَمَةِ، فأنزَل اللهُ في ذلك: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾. يقولُ: إِذا كان زِيُّهِنَّ حَسَنًا لم يَطْمَعْ فيهن المُنافقون. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ في قولِه: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ﴾: التي (٣) قَعَدَت مِن الولدِ وكَبِرَت. قال ابن جُرَيجٍ: قال مجاهدٌ: ﴿اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾. قال: لا يُرِدْنَه، ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾. قال: جَلابِيبَهنَّ (٤). حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾. قال: وَضْعُ الخِمارِ. قال: للتى لا تَرْجُو نِكاحًا، التي قد بَلَغَت ألا يكون لها في الرجالِ حاجةٌ، ولا للرجالِ فيها حاجةٌ، فإذا بَلَغْنَ ذلك وَضَعْن الخِمارَ، غيرَ مُتَبَرِّجاتٍ بزينةٍ، ثم قال: ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ

стр. 11781

لَهُنَّ﴾ كان أبي يقولُ هذا كلَّه (١). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى وعبدُ الرحمن، قالا: ثنا سفيانُ، عن علقمةَ بن مَرْثَدٍ، عن زرٍّ (٢)، عن أبي وائلٍ، عن عبدِ اللَّهِ في قولِه: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾. قال: الجِلْبابَ أو الرداءَ. شكَّ سفيانُ (٣). قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن مالكِ بن الحارثِ، عن عبدِ الرحمنِ بن يزيدَ، عن عبدِ اللَّهِ: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾. قال: الرِّداءُ. حدَّثني يحيى بنُ إبراهيمَ المسعوديُّ، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن جَدِّه، عن الأعمش، عن مالكِ بن الحارثِ، عن عبدِ الرحمنِ بن يزيدَ، قال: قال عبدُ اللهِ في هذه الآيةِ: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾. قال: هي المِلْحَفَةُ. حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحكمِ، قال: سمِعتُ أبا وائلٍ، قال: سمِعتُ عبدَ اللهِ يقولُ في هذه الآيةِ: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾. قال: الجِلْبابَ (٤). قال (٥): حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن شعبةَ، قال: أخبَرني الحَكَمُ، عن أبي

стр. 11782

وائلٍ، عن عبدِ اللهِ مثلَه. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، عن الثوريِّ، عن الأعمشِ، عن مالكِ بن الحارثِ، عن عبدِ الرحمنِ بن يزيدَ، عن ابن مسعودٍ في قولِه: ﴿أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾. قال: هو الرداءُ (١). قال الحسنُ: قال عبدُ الرزاقِ: قال الثوريُّ: وأخبرَني أبو حَصِينٍ وسالمٌ الأفطسُ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، قال: هو الرداءُ (٢). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن الشعبيِّ: ﴿أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾. قال: تَضَعُ الجلبابَ المرأةُ التي قد عَجَزَت ولم تَزَوَّجُ. قال الشعبيُّ: فإن (٣) أبيَّ بنَ كعبٍ يقرأُ: (أن يَضَعْنَ مِنْ (٤) ثِيابِهنَّ (٥). حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: قلتُ لابنِ أبي نجيحٍ قولَه: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾. قال: الجلبابُ. قال يعقوبُ: قال أبو يونسَ: قلتُ له: عن مجاهدٍ؟ قال: نعم، في الدارِ والحجرة. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن

стр. 11783

مجاهدٍ قولَه: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾. قال: جَلابِيبَهُنَّ (١). وقولُه: ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾. يقولُ: ليس عليهنَّ جناحٌ في وَضْعِ أَرْدِيتِهِنَّ إذا لم يُرِدْنَ بوضعِ ذلك عنهن أن يُبْدِينَ ما عليهنَّ مِن الزينةِ للرجالِ. والتَّبَرُّجُ (٢) هو أن تُظْهِرَ المرأةُ مِن مَحاسنِها ما ينبَغِي لها أن تَسْتُرَه. وقوله: ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾. يقولُ: [أن يَعْفُفُن] (٣) عن وَضْعِ جَلابيبِهنَّ وأَرْدِيتِهنَّ، فيُلْبِسْنَها، خيرٌ لهنَّ مِن أَن يَضَعْنَها. وبنحوِ الذي قُلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾. قال: أَن يَلْبِسْنَ جَلَابِيبَهن (٤). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مُغِيرةً، عن الشعبيِّ: ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾. قال: تَرْكُ ذلك. يعنى تركَ وضعِ الثيابِ. حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَأَنْ

стр. 11784

يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾. قال: والاسْتِعفافُ شَلُّ (١) الخمارِ على رأسِها، كان أبي يقولُ هذا كلَّه. [﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ﴾ ما تَنْطِقون] (٢) بألسنتِكم، ﴿عَلِيمٌ﴾ بما تُضْمِرُه صُدُورُكم، فاتَّقُوه أن تَنْطِقوا بألسنتِكم ما قد نَهاكم عن أن تَنْطِقوا بها، أو تُضْمِروا في صُدُورِكم ما قد كَرِهَه لكم، فتَسْتَوْجِبوا بذلك منه عُقوبَةً (٣). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦١)﴾. قال أبو جعفرٍ: اختَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ (٤) هذه الآيةِ وفي المعنى الذي أُنزلت فيه؛ فقال بعضُهم: أُنزلت هذه الآيةُ تَرْخِيصًا للمسلمين في الأكْلِ مع العُمْيانِ والعُرْجانِ والمَرْضَى وأهلِ الزَّمانةِ مِن طعامِهم، مِن أجلِ أنهم كانوا قد امتَنَعوا مِن أن يأكُلُوا معهم مِن طعامِهم؛ خشيةَ أن يكونوا قد أَتَوا بأكْلِهم معهم مِن طعامِهم ما (٥) نَهاهم اللَّهُ عنه بقولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ

стр. 11785

بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنى عبدُ اللَّهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا (١) أَوْ أَشْتَاتًا﴾: وذلك لَمَّا أنزَل اللَّهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾. فقال المسلمون: إن اللَّهَ قد نَهانا أن نأكُلَ أموالَنا بينَنا بالباطلِ، والطعامُ هو (٢) من أفضلِ الأموالِ، فلا يَحِلُّ لأحدٍ مِنَّا أن يأكُلَ عندَ أحدٍ. فَكَفَّ الناسُ عن ذلك، [فأنزَل اللَّهُ] (٣) بعدَ ذلك: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ إلى قولِه: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾ (٤). حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ الآية: كان أهلُ المدينةِ قبلَ أن يُبْعَثَ النبيُّ ﷺ لا يُخالِطُهم في طعامِهم أعمى ولا مريضٌ، فقال بعضُهم: إنما كان بهم التَّقَذُّرُ والتَّقَزُّزُ. وقال بعضُهم: قالوا (٥): المريضُ لا يَسْتَوْفِي الطعامَ كما يَسْتَوْفِي الصحيحُ، والأعرجُ المُنْحَبِسُ لا يستطيعُ المُزاحمةَ على الطعامِ، والأعمى لا يُبْصِرُ طَيِّبَ الطعامِ. فأنزَل اللَّهُ: ليس عليكم (٦) حرَجٌ في مُؤاكَلةِ المريضِ والأعمى

стр. 11786

والأعرجِ (١). فمعنى الكلامِ على تأويلِ هؤلاءِ: ليس عليكم أيُّها الناسُ في الأعمى حَرَجٌ أن تأكُلوا منه ومعه، ولا في الأعرجِ حَرجٌ (٢)، ولا في المريضِ حَرَجٌ، ولا في أنفسِكم، أن تأكُلوا من بيوتِكم. فَوَجَّهوا معنى "على" في هذا الموضعِ إلى معنى "في". وقال آخرون: بل نزلَت هذه الآيةُ تَرْخِيصًا لأهلِ الزَّمانةِ، في الأكلِ من بُيُوتِ مَن سَمَّى اللَّهُ في هذه الآيةِ؛ لأن قومًا كانوا من أصحابِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، إذا لم يَكُنْ عندَهم في بيوتِهم ما يُطْعِمونهم، ذهَبوا بهم إلى بيوتِ آبائِهم وأمهاتِهم، أو بعضِ مَن سَمَّى اللَّهُ في هذه الآيةِ، فكان أهلُ الزَّمانةِ يتحوَّبُونَ (٣) من أن يَطْعَموا ذلك الطعامَ؛ لأنه أطعمَهم غيرُ مالِكِه (٤). ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: لا جُناحَ عليكم ﴿أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ﴾. قال: كان رجالٌ زَمْنَى. قال ابن عمرٍو في حديثِه: عُمْيانٌ وعُرْجانٌ. وقال الحارثُ: عُمْىٌ عُرْجٌ أولو حاجةٍ. يَسْتَتْبِعُهم (٥) رجالٌ إلى بيوتِهم، فإن لم يَجِدوا طعامًا ذَهَبوا بهم إلى بيوتِ

стр. 11787

آبائِهم (١)، ومَن عَدَّدَ منهم مِن (٢) البيوتِ، فكَرِةَ ذلك المُسْتَتْبَعون (٣)، فأَنزَل اللَّهُ في ذلك: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾. وأحَلَّ لهم الطعامَ حيثُ وَجَدوه (٤). حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: كان الرجلُ يذهَبُ بالأعْمَى والمريضِ و (٥) الأعْرجِ إلى بيتِ أبيه، أو إلى بيتِ أخيه، أو عمِّه، [أو خالِه] (٦)، أو خالتِه، فكان الزَّمْنَى يتَحرَّجون مِن ذلك، يقولون: إنما يذهَبون بنا إلى بيوتِ غيرِهم. فنزلَت هذه الآيةُ رُخْصةً لهم (٧). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ نحوَ حديثِ ابن عمرٍو، عن أبي عاصمٍ. وقال آخرون: بل نزلَت تَرْخِيصًا لأهلِ الزَّمانةِ الذين وصَفهم اللَّهُ في هذه الآيةِ، أن يأكُلوا مِن بيوتِ مَن خَلَّفهم في بيوتِه مِن الغُزاةِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، عن مَعْمَرٍ، قال: قلتُ للزهريِّ في قولِه: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾: ما بالُ الأعمى ذُكِر ههنا،

стр. 11788

والأعرجِ والمريضِ؟ فقال: أخبَرني عبيدُ (١) اللَّهِ بنُ عبدِ اللَّهِ أَن المسلمين كانوا إذا غَزَوا خَلَّفوا زَمْناهم، وكانوا يَدْفَعون إليهم مفاتيحَ أبوابِهم (٢)، يقولون: قد أحْلَلْنا لكم أن تأكُلوا مما في بيوتِنا. وكانوا يَتَحَرَّجون مِن ذلك، يقولون: لا ندخُلُها وهم غَيَبٌ. فأُنزِلَت هذه الآيةُ رُخْصَةً لهم (٣). وقال آخرون: بل عُنِى بقولِه: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾. في التَّخَلُّفِ عن الجهادِ في سبيلِ اللَّهِ. قالوا: وقولُه: ﴿وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾. كلامٌ مُنقطِعٌ عما قبلَه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾. قال: هذا في الجهادِ في سبيلِ اللَّهِ. وفى قولِه: ﴿وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ إلى قولِه: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾. قال: هذا شيءٌ قد انقطَع، إنما كان هذا في أوَّلَ (٤)، لم يَكُنْ لهم أبوابٌ، وكانت السُّتُورُ مُرْخاةً، فربما (٥) دخَل الرجلُ البيتَ وليس فيه أحدٌ، فربَّما وجَد الطعامَ وهو جائعٌ، فَسَوَّغه اللَّهُ أن يأكُلَه. قال: وقد ذهَب ذلك اليومُ؛ البيوتُ اليومَ فيها أهلُها، وإذا خَرَجوا أغْلَقوها، فقد ذهَب ذلك (٦).

стр. 11789

وقال آخرون: بل نزَلت هذه الآيةُ تَرْخيصًا للمسلمين الذين كانوا يَتَّقون مُؤاكَلةَ أهلِ الزَّمانةِ في مُؤاكَلتِهم إذا شاءُوا ذلك. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن قيسِ بن مسلمٍ، عن مِقْسَمٍ في قولِه: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾. قال: كانوا يَتَّقُون أن يأكُلوا مع الأعمى والأعرجِ، فنزَلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ (١). واختَلفوا أيضًا في معنى قولِه: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾؛ فقال بعضُهم: عَنَى بذلك وكيلَ الرجلِ وقَيِّمَه، أنه لا بأسَ عليه أن يأكُلَ مِن ثَمَرِ (٢) ضَيْعَتِه ونحوِ ذلك. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنا معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾: وهو الرجلُ يُوَكِّلُ الرجلَ بضَيْعتِه، فرخَّص اللَّهُ له أن يأكُلَ مِن ذلك الطعامِ والتمرِ (٣) ويشربَ اللبنَ (٤).

стр. 11790

وقال آخرون: بل عُنِى بذلك منزلُ الرجلِ نفسه، أنه لا بأسَ عليه أن يأكُلَ منه (١). ذكرُ مَن قال ذلك حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عُبَيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾. يعني: بيتَ أحدِهم، فإنه يَمْلِكُه، والعبيدُ منهم مما مَلَكوا (٢). حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾: مما تَخْتَرِنُ (٣) يا بنَ آدمَ (٤). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾. قال: خزائنَ لأنفسِهم، ليست لغيرِهم (٥). وأشبهُ الأقوالِ التي ذكَرنا في تأويلِ قولِه: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ إلى قولِه: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ القولُ الذي ذكَرنا عن الزهريِّ، عن عُبيدِ اللَّهِ بن عبدِ اللَّهِ، وذلك أن أظهرِ معاني قولِه: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ

стр. 11791

حَرَجٌ﴾: أنه لا حَرَجَ على هؤلاء الذين سُمُّوا في هذه الآيةِ أن يأكُلوا مِن بيوتِ مَن ذكَره اللَّهُ فيها، على ما أباحَ لهم مِن الأكلِ منها. فإذ كان ذلك أظهرَ مَعانِيه، فتَوْجِيهُ معناه إلى الأغلبِ الأعرفِ مِن مَعانيه أولَى من تَوْجيهِه إلى (١) الأَنْكَرِ منها. فإذ كان ذلك كذلك، كان ما خالَف (٢) مِن التأويلِ قولَ مَن قال: معناه: ليس في الأعمى والأعرجِ حَرَجٌ - أولى بالصوابِ. وكذلك أيضًا الأغلبُ مِن تأويلِ قولِه: ﴿وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾. أنه بمعنى: ولا عليكم أيُّها الناسُ. ثم جمَع هؤلاء والزَّمْنَى الذين ذكَرهم قبلُ في الخطابِ، فقال: أن تأكُلوا مِن (٣) بيوتِ أنفسِكم. وكذلك تفعلُ العربُ إذا جمعَت بينَ خبرِ الغائبِ والمخاطَبِ، غلَّبَتِ المخاطَبَ فقالت: أنت وأخوك قُمْتُما، وأنت وزيدٌ جلَستُما. ولا تقولُ (٤): أنت وأخوك (٥) جلَسا. وكذلك قولُه: ﴿وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾. والخبرُ عن الأعمى والأعرجِ والمريضِ، غَلَّب المخاطبَ فقال: ﴿أَنْ تَأْكُلُوا﴾. ولم يَقُلْ: أن يأكُلوا. فإن قال قائلٌ: فهذا الأكْلُ مِن بيوتِهم قد عَلِمناه (٦) كان لهم حلالًا (٧) كان مِلْكًا لهم، أَوَ كان أيضًا حلالًا لهم الأكلُ مِن مالِ غيرِهم؟

стр. 11792

قيل له: ليس الأمرُ في ذلك على ما توهَّمْتَ، ولكنه كما ذكَرناه (١) عن عُبَيدِ (٢) اللَّهِ بن عبدِ اللَّهِ، أنهم كانوا إذا غابُوا في مَغازيهم، وتَخلَّف أهلُ الزَّمانةِ منهم، دفَع الغازِي مِفْتَاحَ مَسْكنِه إلى المُتَخَلِّفِ منهم، فأطلَق له في الأكلِ مما يَخْلُفُ (٣) في منزلِه مِن الطعامِ، فكان [المُتَخلِّفُ يتحوَّب] (٤) الأكلَ مِن ذلك وربُّه غائبٌ، فأعلَمه اللَّهُ أنه لا حرجَ عليه في الأكلِ منه، وأذِن لهم في أكْلِه. فإذ كان ذلك كذلك تَبَيَّنَ (٥) ألا معنَى لقولِ مَن قال: إنما (٦) أُنزلت هذه الآيةُ مِن أجلِ كراهةِ المُسْتَتْبِعِ أَكلَ طعامِ غيرِ المُسْتَتْبَعِ؛ لان ذلك لو كان كما (٧) قال مَن قال ذلك لقيل: ليس عليكم حَرَجٌ أن تأكُلوا مِن طعامِ غيرِ مَن أضافَكم، أو مِن طعامِ آباءِ مَن دَعاكم. ولم يَقُلْ: ﴿أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ﴾. وكذلك لا وجهَ لقولِ مَن قال: معنى ذلك: ليس على الأعمى حَرَجٌ في التخلفِ عن الجهادِ في سبيلِ اللَّهِ؛ لأن قولَه: هو ﴿أَنْ تَأْكُلُوا﴾ خبرُ و ﴿لَيْسَ﴾، ﴿أَنْ﴾ في موضعِ نصبٍ على أنها خبرٌ لها، فهي متعلقةٌ بـ ﴿لَيْسَ﴾، فمعلومٌ بذلك أن معنى الكلامِ: ليس على الأعمى حرجٌ أن يأكُلَ (٨) مِن بيتِه. لا ما قاله الذين ذكَرنا، من أنه لا حرجَ عليه في التخلفِ عن الجهادِ. فإذ كان الأمرُ في ذلك على ما وصَفنا، تَبَيَّنَ أن معنى الكلامِ: لا ضِيقَ

стр. 11793

على الأعمى، ولا على الأعرجِ، ولا على المريضِ، ولا عليكم أيُّها الناسُ، أن تأكُلوا مِن بيوتِ أنفسِكم، أو مِن بيوتِ آبائِكم، [أو مِن بيوتِ أمهاتِكم] (١)، أو مِن بيوتِ إخوانِكم، أو مِن بيوتِ أخواتِكم، أو مِن بيوتِ أعْمامِكم، أو مِن بيوتِ عَمَّاتِكم، أو مِن بيوتِ أخوالِكم، أو مِن بيوتِ خالاتِكم، أو مِن البيوتِ التي مَلَكْتُم مَفاتِحَها (٢)، أو مِن بيوتِ صديِقكم، إذا أذِنوا لكم في ذلك عندَ مَغِيبِهم ومَشْهَدِهِم. والمفاتُحِ: الخزائنُ، واحِدُها: مِفْتَحٌ، إذا أُرِيدَ به المصدرُ، وإذا كان مِن المفاتيحِ التي (٣) يُفْتَحُ (٤) بها، فهى مِفْتَحٌ ومَفاتِحُ (٥). وهى ههنا على التأويلِ الذي اخْتَرناه جمعُ مِفْتَحٍ الذي يُفْتَحُ به. وكان قتادةُ يتأوَّلُ في قولِه: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾. ما حدَّثنا به الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾: فلو أكَلْتَ مِن بيتِ صديقِك مِن غيرِ أمرِه، لم يَكُنْ بذلك بأسٌ. قال معمرٌ: قلتُ لقتادةَ: أَوَ (٦) لَا أشربُ مِن هذا الحُبِّ (٧)؟ قال: أنت لي (٨) صديقٌ (٩).

стр. 11794

وأما قولُه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾. فإن أهلَ التأويلِ اختَلفوا في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: كان الغنيُّ مِن الناسِ يَتَحوَّبُ (١) أن يأكُلَ مع الفقيرِ، فرَخَّص لهم في الأكلِ معهم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ الخُرَاسانيِّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾. قال: كان الغنيُّ يدخُلُ على الفقيرِ من ذَوِى قرابتِه وصديقِه، فيَدْعُوه إلى طعامِه ليأكُلَ معه، فيقولُ: [واللَّهِ إنى] (٢) لأَجْنَحُ أن أكُلَ معك - والجُنْحُ: الحَرَجُ - [وأنا غنيٌّ] (٣) وأنت فقيرٌ. فأُمِروا أن يأكُلوا جميعًا أو أشْتاتًا (٤). وقال آخرون: بل عُنِى بذلك حيٌّ مِن أحياءِ العربِ، كانوا لا يأكُلُ أحدُهم وحدَه، [ولا يأكُلُ إلا مع غيرِه، فأَذِن اللَّهُ لهم أن يأكُلَ مَن شاء منهم وحدَه] (٥)، ومَن شاء منهم مع غيرِه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ، قال: كانوا يأنَفُون ويَتَحَرَّجون أن يأكُلَ الرجلُ الطعامَ وحدَه حتى يكونَ معه

стр. 11795

غيرُه، فرَخَّص اللهُ لهم، فقال: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: كانت بنو كِنانةَ (٢) يَسْتَحْيِي الرجلُ منهم أن يأكُلَ وحدَه، حتى نزلَتْ هذه الآيةُ (٣). حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ: كانوا لا يأكُلون إلا جميعًا، ولا يأكُلون مُتَفرِّقين، وكان ذلك فيهم دِينًا، فأنزَل اللهُ: ليس عليكم حَرَجٌ (٤) في مُؤاكَلةِ المريضِ والأعمى، وليس عليكم حَرجٌ أن تأكُلوا جميعًا أو أشْتاتًا (٥). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾. قال: كان مِن العربِ مِن لا يأكُلُ أبدًا جميعًا، ومنهم مَن لا يأكُلُ إلا جميعًا، فقال اللَّهُ ذلك (٦). حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ، قال: نزلَت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ في حيٍّ مِن العربِ كان الرجلُ منهم لا يأكُلُ طعامَه وحدَه، كان يحمِلُه بعضَ يومٍ حتى يَجِدَ مَن يأكُلُه معه. قال: وأحسَبُ أنه ذكَر أنهم مِن كِنانَة (٧).

стр. 11796

[قال آخرون: بل عُنِى بذلك قومٌ كانوا لا يأكُلون إذا نزَل بهم ضيفٌ إلا مع ضَيْفِهم] (١)، فرَخَّص (٢) لهم في (٣) أن يأكُلوا كيف شاءوا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا حفصٌ، عن عمرانَ بن سليمانَ، عن أبي صالحٍ وعكرمةَ، قالا: كانت الأنصارُ إذا نزَل بهم الضيفُ، لا يأكُلون حتى يأكُلَ الضيفُ معهم، فرُخِّصَ لهم، قال اللهُ: لا جُناحَ عليكم أن تأكلوا جميعًا أو أشتاتًا (٤). وأَولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يقالَ: إن الله وضَع الحَرَج عن (٥) المسلمين، أن يأكُلوا جميعًا معًا إذا شاءوا، أو أشْتاتًا مُتَفرِّقين إذا أرادوا، وجائزٌ أن يكونَ ذلك نزَل بسببٍ مَن كان يتحوَّبُ (٦) مِن الأغنياءِ الأكلَ مع الفقيرِ، وجائزٌ أن يكونَ نزَل بسببِ القومِ الذين ذُكر أنهم كانوا لا يَطْعَمون وُحْدانًا، وبسببِ غيرِ ذلك، ولا خبرَ بشيءٍ مِن ذلك يقطَعُ العُذْرَ، ولا دلالةَ في ظاهرِ التنزيلِ على حقيقةِ شيءٍ منه. والصوابُ التسليمُ لِما دلَّ عليه ظاهرُ التنزيلِ، والتوقفُ فيما لم يَكُنْ على صحتِه دليل.

стр. 11797

وقولُه: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾. اختَلف أهلُ التأويلِ في ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: فإذا دخَلتُم أَيُّها الناسُ بيوتَ أنفسِكم، فسَلَّموا على أهْلِيكم وعيالِكم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الزهريِّ وقتادةَ في قولِه: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾. قالا: بيتُك إذا دخَلْتَه، فقُلْ (١): سلامٌ عليكم (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾. قال: سَلِّمْ على أهْلِك. قال ابن جريجٍ: وسُئِل (٣) عطاءُ بنُ أبي رباحٍ: أحقٌّ (٤) على الرجلِ إذا دخَل على أهلِه أَن يُسَلِّمَ عليهم (٥)؟ قال: نعم. وقالها عمرُو بنُ دينارٍ. وتَلَوَا: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾. قال عطاءُ بنُ أبي رباحٍ ذلك غيرَ مَرَّة. قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: أخبَرني أبو الزبيرِ، قال: سمِعتُ جابرَ بنَ عبدِ اللَّهِ يقولُ: إذا دخلتَ على أَهْلِك فسلِّمْ عليهم، ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ

стр. 11798

مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾. قال: ما رأيتُه إلا يُوجِبُه (١). قال ابن جريجٍ: وأخبَرني زيادٌ، عن ابن طاوسٍ أنه كان يقولُ: إذا دخَل أحدُكم بيتَه فليُسلِّمْ (٢). قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: إذا خرجتُ أواجِبٌ السلامُ أن (٣) أُسلِّمَ عليهم؟ فإنما قال: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا﴾. قال: ما أَعْلَمُه واجبًا، ولا آثُرُ عن أحدٍ وجوبَه، ولكن أحبُّ إليَّ، وما أدَعُه إلا ناسيًا (٤). قال ابن جُرَيجٍ: وقال عمرُو بنُ دينارٍ: لا. قال: قلتُ لعطاءٍ: فإن لم يَكُنْ في البيتِ أحدٌ؟ قال: سَلِّمْ؛ قُلْ: السلامُ على النَّبيِّ ورحمةُ اللهِ وبركاتُه، السلامُ علينا وعلى عبادِ اللهِ الصالحين، السلامُ على أهلِ البيتِ ورحمةُ اللهِ. قلتُ له: قولُك هذا إذا دخلتَ بيتًا ليس فيه أحدٌ (٥)، عمَّن تَأْثُرُه؟ قال: سمِعتُه، ولم يُؤْثَرْ لى عن أحدٍ (٦).

стр. 11799

قال ابن جُرَيجٍ: وأخبَرني عطاءٌ الخُراسانيُّ، عن ابن عباسٍ، قال: السلامُ علينا مِن ربِّنا. وقال عمرُو بنُ دينارٍ: السلامُ علينا وعلى عبادِ اللهِ الصالحين. حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الرحيمِ، قال: ثنا عمرُو بنُ أبي سلمةَ، قال: ثنا صَدَقَةُ، عن زُهَيرٍ، عن ابن جريجٍ، عن أبي الزبيرِ، عن جابرِ بن عبدِ اللهِ، قال: إذا دخَلتَ على أهْلِك فسَلِّمْ عليهم؛ ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾. قال: ما رأيتُه إلا يُوجِبُه (١). حدَّثنا محمدُ بنُ عبادٍ الرازيُّ، قال: ثنا [حجاجٌ بنُ محمدٍ] (٢) الأعورُ، قال: قال لى ابن جُرَيجٍ: أخبَرني أبو الزبيرِ أنه سمِع جابرَ بنَ عبدِ اللهِ يقولُ. فذكَر مثلَه. حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عُبَيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾. يقول: سَلِّموا على أهالِيكم إذا دخَلتُم بيوتَكم، وعلى غيرِ أهالِيكم، فسلِّموا إذا دخَلتُم بيوتَهم (٣). وقال آخرون: بل معناه: فإذا دخَلتُم المساجدَ فسلِّموا على أهْلِها.

стр. 11800

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ المباركِ، عن معمرٍ، عن عمرِو بن دينارٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾. قال: هي المساجدُ، يقولُ: السلامُ علينا وعلى عبادِ اللهِ الصالحين (١). قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿فَإِذَا (٢) دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾. قال: إذا دخلتَ المسجدَ فقُل: السلامُ على رسولِ اللَّهِ، وإذا دخلتَ بيتًا ليس فيه أحدٌ فقُل: السلامُ علينا وعلى عبادِ اللهِ الصالحين، وإذا دخلتَ بيتَك فقُل: السلامُ عليكم. وقال آخرون: بل معنى ذلك: إذا دخَلتُم بيوتًا مِن بيوتِ المسلمين فيها ناسٌ منكم، فلْيُسلِّمْ بعضُكم على بعضٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾. أي: لِيُسَلِّمْ بعضُكم على بعضٍ، كقولِه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (٣) [النساء: ٢٩].
следующие страницы →