← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 11901–11940 · переход к 11906.

стр. 11901

وقرأتْه عامَّةُ قرأةِ الكوفةِ: (لِمَا يأْمُرُنا) بالياء (١)، بمعنى: أنسجُدُ لِما يأمرُنا الرحمنَ. وذكَر بعضُهم أن مُسيلِمةَ كان يُدعى الرحمنَ، فلما قال لهم النبيَّ ﷺ : "اسجُدوا للرحمنِ". قالوا له: أنسجدُ لما يأمرُنا رحمنُ اليمامةِ، يعنون مُسَيلِمةَ، بالسجودِ له؟ قال أبو جعفرٍ: والصوابُ من القولِ في ذلك أنهما قراءتانِ مستفيضتانِ مشهورتانِ، قد قرَأ بكلِّ واحدةٍ منهما علماءُ من القرأةِ، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ. وقولُه: ﴿وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾. يقولُ: وزادَ هؤلاء المشركين قولُ القائلِ لهم: اسجُدوا للرحمنِ. مِن إخلاصِ السجودِ للهِ، وإفرادِ اللهِ بالعبادةِ - بُعدًا، ومما دُعوا إليه من ذلك فِرارًا. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (٦١)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: تقدَّس الربُّ الذي جعَل في السماءِ بروجًا. ويعنى بالبروجِ القصورَ في قولِ بعضِهم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ العلاءِ ومحمدُ بنُ المثنَّى و [سَلْمُ بنُ جنادةَ] (٢)، قالوا: ثنا عبدُ اللهِ بنُ إدريسَ، قال: سمِعتُ أبي، عن عطيةَ بن سعدٍ في قولِه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾. قال: قصورًا في السماءِ فيها الحرسُ (٣).

стр. 11902

حدَّثنا محمدُ بنُ المثنَّى، قال: ثني أبو معاويةَ، قال: ثني إسماعيلُ، عن يحيى بن رافعٍ في قولِه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾. قال: قصورًا في السماءِ (١). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عمرٍو عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾. قال: قصورًا في السماءِ (٢). حدَّثني إسماعيلُ بنُ سيفٍ، قال: ثنا عليُّ بنُ مُسْهِرٍ، عن إسماعيلَ، عن أبي صالحٍ في قولِه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾. قال: قصورًا في السماءِ فيها الحرسُ (٢). وقال آخرون: هي النجومُ الكبارُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن المثنَّى، قال: ثنا يعلى بنُ عبيدٍ، قال: ثنا إسماعيلُ، عن أبي صالحٍ: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾. قال: النجومُ الكبارُ (٣). قال: ثنا الضحاكُ، عن مخلدٍ، عن عيسى بن ميمونٍ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: الكواكبُ (٤).

стр. 11903

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿بُرُوجًا﴾. قال: البروجُ النجومُ (١). قال أبو جعفرٍ: وأولى القولينِ في ذلك بالصوابِ قولُ من قال: هي قصورٌ في السماءِ؛ لأن ذلك في كلامِ العربِ؛ ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨]. وقولُ الأخطلِ (٢): كأَنَّهَا بُرْجُ رُومِيٍّ يُشَيَّدُهُ … بَانٍ (٣) بِجِصٍّ وآجُرٍّ وأحْجارِ يعنى بالبرجِ القصرَ. وقولُه: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا﴾. اختَلَفتِ القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأتْه عامَّةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا﴾. على التوحيدِ (٤). ووجَّهوا تأويلَ ذلك إلى أنه جعَل فيها الشمسَ، وهى السراجُ التي عنَى عندَهم بقولِه: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا﴾. كما حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾. قال: السراجُ الشمسُ (٥). وقرأتْه عامَّةُ قرأةِ الكوفيين: (وَجَعَل فيها سُرُجًا) على الجِماعِ (٦). كأَنَّهم وجَّهوا تأويلَه: وجعَل فيها نجومًا وقَمَرًا مُنِيرًا. وجعَلوا النجومَ سُرُجًا؛ إذ كان يُهتدَى بها.

стр. 11904

والصوابُ من القولِ في ذلك عندى أن يقالَ: إنهما قراءتانِ مشهورتانِ في قرأةِ الأمصارِ، لكلِّ واحدةٍ منهما وجهٌ، مفهومٌ، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ. وقولُه: ﴿وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾. يعنى بالمنيرِ المضيءَ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا (٦٢)﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾؛ فقال بعضُهم: معناه أن الله جعَل كلَّ واحدٍ (١) منهما خَلَفًا من الآخرِ، في أنَّ ما فات في أحدِهما من عملٍ يُعْمَلُ فِيه للهِ أُدرِك قضاؤُه في الآخَرِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّيُّ، عن حفصِ بن حميدٍ، عن شِمْرِ بن عطيةَ، عن شقيقٍ، قال: جاء رجلٌ إلى عمرَ بن الخطابِ ﵁، فقال: فاتَتْنى الصلاةُ الليلةَ. فقال: أدرِكْ ما فاتك من ليلتِك (٢) في نهارِك، فإن الله جعَل الليلَ والنهارَ خِلفةً لمن أراد أن يَذَّكَّرَ أو أراد شُكورًا (٣). حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾. يقولُ: مَن فاته شيءٌ من الليلِ أن يعملَه، أدرَكه بالنهارِ، أو مِن النهارِ، أدرَكه بالليلِ (٤).

стр. 11905

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾. قال: جعَل أحدهما خَلَفًا للآخرِ، إن فات رجلًا من النهارِ شيءٌ أدرَكه من الليلِ، وإن فاته من الليلِ أدرَكه مِن النهارِ (١). وقال آخرون: بل معناه أنه جعَل كلَّ واحدٍ منهما مخالفًا صاحبَه، فجعَل هذا أسودَ، وهذا أبيضَ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾. قال: أسودَ وأبيضَ (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا أبو هشامٍ الرفاعيُّ، قال: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن عمرَ بن قيسِ بن أبي مسلمٍ الماصِرِ، عن مجاهدٍ: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾. قال: أسودَ وأبيضَ. وقال آخرون: بل معنى ذلك أن كلَّ واحدٍ منهما يَخلُفُ صاحبَه، إذا ذهَب هذا جاء هذا، وإذا ذهبَ هذا جاء هذا.

стр. 11906

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزبيريُّ، قال: ثنا قيسٌ، عن عمرَ (١) ابن قيسٍ الماصِرِ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾. قال: هذا يَخلُفُ هذا، وهذا يَخلُفُ هذا (٢). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾. قال: لو لم يجعلْهما خِلْفَةً لم يُدرَ كيف يُعْمَلُ؛ لو كان الدهرُ ليلًا كلُّه، كيف يَدرى أحدٌ كيف يصومُ؟ أو كان الدهرُ نهارًا كلُّه، كيف يدرى أحدٌ كيف يصلِّى؟ قال: والخِلْفةُ: يَخلُفان (٣)، يذهبُ هذا ويأتى هذا، جعَلهما اللهُ خِلْفةً للعبادِ. وقرأ: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ (٤). و "الخِلْفةُ" مصدرٌ؛ فلذلك وُحِّدت، وهى خبرٌ عن الليلِ والنهارِ، والعربُ تقولُ: خَلَف هذا من كذا خلفةً. وذلك إذا جاء شيءٌ مكانَ شيءٍ ذهَب قبلَه، كما قال الشاعرُ (٥): ولها بالماطِرونِ (٦) إذا … أكَل النملُ الذي جَمَعَا

стр. 11907

خِلْفةٌ حتى إذا ارْتَبَعَتْ … سكنَتْ مِنْ جِلِّقٍ (١) بِيَعا وكما قال زُهَيرٌ (٢): بِها العِينُ والآرامُ يَمْشِينَ خِلْفَةً … وأطْلاؤُها يَنهَضْنَ مِن كُلِّ مَجْثَمِ يعنى بقولِه: يَمْشِين خلفةً: تذهبُ منها طائفةٌ، وتخلُفُ مكانَها طائفةٌ أُخرى. وقد يَحتمِلُ أن يكونَ زهيرٌ أراد بقولِه: خِلْفةٌ. مختلفاتِ الألوانِ، وأنها ضروبٌ في ألوانِها وهيئاتِها. ويَحتمِلُ أن يكونَ أراد أنها تذهبُ في مشيِها كذا، وتجِيءُ كذا. وقولُه: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: جعلَ الليلَ والنهارَ، وخُلوفَ كلِّ واحدٍ منهما الآخرَ، حجةً وآيةً لمن أراد أن يذكَّرَ أَمرَ اللهِ، فيُنيبَ إلى الحقَّ، ﴿أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾: أو أراد شكرَ نعمةِ اللهِ التي أنعَمَها عليه في اختلافِ الليلِ والنهارِ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾. قال: شُكرَ نعمةِ ربِّه عليه فيهما (٣).

стр. 11908

حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ﴾: [ذاك آيةٌ له] (١)، ﴿أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾. قال: شُكرَ نعمةِ ربِّه عليه فيهما (٢). واختلفتِ القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿يَذَّكَّرَ﴾؛ فقرَأ ذلك عامَّةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ الكوفيين: ﴿يَذَّكَّرَ﴾ مشددةً، بمعنى: يتذكرُ. وقرَأه عامَّةُ قرأةِ الكوفيين: (يَذْكُرَ) مخففةً (٣). وقد يكونُ التشديدُ والتخفيفُ في مثلِ هذا بمعنًى واحدٍ، يقالُ: ذكرْتُ حاجةً فلانٍ وتذكَّرْتُها. والقولُ في ذلك أنهما قراءتانِ معروفتانِ متقاربتا المعنى، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ الصوابَ فيهما. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾. بالحلمِ والسكينةِ والوقارِ، غيرَ مستكبِرين، ولا متجبِّرين، ولا ساعين فيها بالفسادِ ومعاصى اللهِ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قالُ أهل التأويلِ، غير أنهم اختلَفوا؛ فقال بعضُهم: عنَى بقولِه: ﴿يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾. أنهم يمشون عليها بالسكينةِ والوقارِ.

стр. 11909

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾. قال: بالوقارِ والسكينةِ. قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا محمدُ بنُ أبي الوضَّاحِ، عن عبدِ الكريمِ، عن مجاهدٍ: ﴿يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾. قال: بالحلمِ والوقارِ. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾. قال: بالوقارِ والسكينةِ (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، عن الثوريِّ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾. بالوقارِ والسكينةِ (٢). حدَّثني يحيى بنُ طلحة اليربوعيُّ، قال: ثنا شريكٌ، عن سالمٍ، عن سعيدٍ: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾. قال (٣): بالسكينةِ والوقارِ.

стр. 11910

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ، عن شريكٍ، عن جابرٍ، عن عمارٍ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾. قال: بالوقارِ والسكينةِ. قال: ثنا ابن يمانٍ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن أيوبَ، عن عمرٍو المُلائيِّ: ﴿يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾. قال: بالوقارِ والسكينةِ. وقال آخرون: بل معني ذلك أنهم يمشون عليها بالطاعةِ والتواضعِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾. بالطاعةِ والعفافِ والتواضعِ (١). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾. قال: يمشون على الأرضِ بالطاعةِ. حدَّثني أحمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: ثنى عمِّى عبدُ اللهِ بنُ وهبٍ، قال: كتَب إليَّ إبراهيمُ بنُ سويدٍ، قال: سمِعتُ زيدَ بنَ أسلمَ يقولُ: التمستُ تفسيرَ هذه الآية: ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ فلم أجدْها عندَ أحدٍ، فأُتيتُ في النومِ، فقيل لي: هم الذين [لا يُريدون يُفسدون] (٢) في الأرضِ (٣).

стр. 11911

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ، عن أسامةَ بن زيدِ بن أسلمَ، عن أبيه، قال: لا يُفسدون في الأرضِ (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾. قال: لا يتكبَّرون على الناسِ، ولا يتجبَّرون، ولا يُفسدون. وقرأ قولَ اللهِ: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٢) [القصص: ٨٣]. وقال آخرون: بل معنى ذلك أنهم يمشون عليها بالحلمِ لا يجهَلون على مَن جهِل عليهم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ، عن أبي الأشهبِ، عن الحسنِ في ﴿يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾. قال: حلماءُ، وإن جُهِل عليهم لم يجهَلوا (٣). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن يزيدَ، عن عكرمةَ: ﴿يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾. قال: حلماءُ. حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾. قال: علماءُ حلماءُ لا يجهلون (٤).

стр. 11912

وقولُه: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾. يقولُ: وإذا خاطَبهم الجاهلون باللهِ بما يكرهونه من القولِ، أجابوهم بالمعروفِ من القولِ، والسدادِ من الخطابِ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا أبو الأشهبِ، عن الحسنِ: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ﴾ الآية. قال: حلماءُ، وإن جُهِل عليهم لم يجهَلوا. حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا ابن المباركِ، عن معمرٍ، عن يحيى بن المختارِ، عن الحسنِ: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾. قال: إن المؤمنين قومٌ ذُلُلٌ، ذلَّت (١) واللهِ الأسماعُ والأبصارُ والجوارحُ، حتى يحسَبَهم الجاهلُ مرضى، وإنهم لأصحاءُ القلوبِ، ولكن دخَلهم من الخوفِ ما لم يدخلْ غيرَهم، ومَنعهم من الدنيا علمُهم بالآخرةِ، فقالوا: الحمدُ للهِ الذي أذهَب عنا الحزنَ. واللهِ ما حزَنهم حُزنُ الدنيا، ولا تعاظَمُ في أنفسِهم ما طلَبوا به الجنةَ، أبكاهم الخوفُ النارِ، وإنه من لا يتعزَّ بعزاءِ اللهِ، تَقطَّعْ نفسُه على الدنيا حسراتٍ، ومن لم يرَ للهِ عليه نعمةً إلا في مطعمٍ ومشربٍ، فقد قلَّ علمُه، وحضَر عذابُه (٢). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ،

стр. 11913

عن مجاهدٍ: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾. قال: سدادًا. حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا محمدُ بنُ أبي الوضَّاحِ، عن عبد الكريمِ، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾. قال: سَدَادًا من القولِ. حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، عن الثوريِّ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾: حلماءُ. قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، عن أبي الأشهبِ، عن الحسنِ، قال: حلماءُ لا يجهلون، وإن جُهِلَ عليهم حلِموا، ولم يسفَهوا، هذا نهارُهم فكيف ليلُهم؟ خيرُ ليلٍ؛ صفُّوا أقدامَهم، وأجْرَوا دموعَهم على خدودِهم، يطلبُون إلى اللهِ جلَّ ثناؤُه في فكاكِ رِقابِهم (٢). قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا عبادةُ، عن الحسنِ، قال: حلماءُ لا يجهلون، وإن جُهِلَ عليهم حلِموا. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (٦٤) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (٦٥) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٦٦)﴾.

стр. 11914

يقولُ تعالى ذكرُه: والذين يبِيتون لربِّهم يصلُّون للهِ، يراوحونَ بينَ سجودٍ في صلاتِهم وقيامٍ. وقولُه: ﴿وَقِيَامًا﴾ جمعُ قائمٍ، كما الصيام جمعُ صائمٍ، ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: والذين يدْعون الله أن يَصرِفَ عنهم عقابَه وعذابَه حذَرًا منه ووجَلًا. وقولُه: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾. يقولُ إن عذابَ جَهَنَّمَ كان غرامًا مُلِحًّا (١) دائمًا لازمًا، غيرَ مفارقٍ مَن عُذِّب به مِن الكفارِ، ومُهلِكًا له. ومنه قولُهم: رجلٌ مُغْرَمٌ، من الغُرْمِ والدَّينِ. ومنه قيل للغَريمِ: غَريمٌ. لطلبِه حقَّه، والحاحِه على صاحبِه فيه. ومنه قيل للرجلِ المولَعِ بالنساءِ: إنَّه لمُغرَمٌ بالنساءِ. وفلانٌ مُغرَمٌ بفلانٍ. إذا لم يَصبِرْ عنه. ومنه قولُ الأعشى (٢): إِنْ يُعاقِبْ يَكُنْ غَرَامًا وَإِنْ يُعْـ … ـــــطِ جَزِيلًا فإنَّه لا يُبالي يقولُ: إن يعاقبْ يكنْ عقابُه عقابًا لازِمًا، لا يفارقُ صاحبَه، مُهلِكًا له. وقولُ بشرِ بن أبي خازمٍ (٣): ويومَ النِّسارِ ويومَ الجِفا … رِ كانا (٤) عقابًا وكانا (٤) غَرَاما [قيل: عنَى بقولِه: غرامًا: هلاكًا] (٥).

стр. 11915

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليُّ بنُ الحسنِ اللَّانيُّ (١)، قال: أخبَرنا المعافَى بنُ عمرانَ الموصليُّ، عن موسى بن عبيدةَ، عن محمدِ بن كعبٍ في قولِه: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾. قال: إن الله سأل الكفارَ [ثمنَ نعمِه فلم يُؤدُّوها] (٢) إليه، فأَغرَمَهم، فأَدخَلهم النارَ (٣). قال: ثنا المعافَى، عن أبي الأشْهَبِ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾. قال: قد علِموا أن كلَّ غريمٍ مفارقٌ غريمَه، إلا غريمَ جهنَّمَ (٤). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾. قال: الغرامُ الشرُّ (٥). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجِ في قولِه: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾. قال: لا يُفارقُه. وقولُه: ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾. يقولُ: إن جهنَّمَ ساءت مستقرًّا ومُقامًا. يعنى بالمستقرِّ القرارَ، وبالمُقامِ الإقامةَ. كأن معنى الكلامِ: ساءت جهنَّمُ

стр. 11916

منزلًا ومُقامًا. وإذا ضُمتِ الميمُ من المُقامِ فهو من الإقامةِ، وإذا فُتحت فهو من: قُمتُ. ويقال: المَقامُ إذا فُتحتِ الميمُ أيضًا هو المجلسُ. ومن المُقامِ بضمِّ الميمِ بمعنى الإقامةِ، قولُ سلامةَ بن جندلٍ (١): يومانِ يومُ مُقاماتٍ وأنديةٍ … ويومُ سَيْرٍ إلى الأعداءِ تَأْوِيبِ (٢) ومن المَقامِ الذي بمعنى المجلسِ، قولُ عباسِ بن مرداسٍ (٣): فَأيِّي (٤) ما وأَيُّك كانَ شَرًّا … فَقِيدَ إلى المَقامَةِ لا يَرَاها يعني المجلسَ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (٦٧)﴾. يقول تعالى ذكرُه: والذين إذا أنفَقوا أموالَهم لم يُسرفوا في إنفاقِها. ثم اختَلف أهلُ التأويلِ في النفقةِ التي عناها اللهُ في هذا الموضعِ، وما الإسرافُ فيها (٥) والإقتارُ؛ فقال بعضُهم: الإسرافُ ما كان من نفقةٍ في معصيةِ اللهِ وإن قَلَّت. قال: وإياها عنى الله وسمَّاها إسرافًا. قالوا: والإقتارُ المنعُ من حقِّ اللهِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ

стр. 11917

قولَه: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾. قال: هم المؤمنون، لا يُسْرفون فيُنفقوا في معصيةِ اللهِ، ولا يَقْترون فيَمنعوا حقوقَ اللهِ تعالى (١). حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ، عن عثمانَ بن الأسودِ، عن مجاهدٍ، قال: لو أنفَقتُ مثلَ أبي قُبيسٍ ذهبًا في طاعةِ اللهِ ما كان سَرَفًا، ولو أنفقتُ صاعًا في معصيةِ اللهِ كان سَرَفًا (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال قولَه: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾. قال: في النفقةِ فيما نهَاهم، وإن كان درهمًا واحدًا، ﴿وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾: ولم يَقْصُروا عن النفقةِ في الحقِّ (٣). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾. قال: لم يُسرفوا فيُنفقوا في معاصى اللهِ؛ كلُّ ما أُنفِق في معصيةِ اللهِ، وإن قلَّ، فهو إسرافٌ، ولم يقتُروا فيُمسكوا عن طاعةِ اللهِ. قال: وما أُمْسِك عن طاعةِ اللهِ، وإن كثُر، فهو إقتارٌ (٤). قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرني إبراهيمُ بنُ نَشِيطٍ، عن عمرَ مولى غُفْرةً،

стр. 11918

أنه سُئل عن الإسرافِ ما هو؟ قال: كلُّ شيءٍ أنفَقتَه في غيرِ طاعةِ اللهِ فهو سَرَفٌ (١). وقال آخرون: السَرَفُ المجاوزةُ في النفقةِ الحدَّ، والإقتارُ التقصيرُ عن الذي لا بدَّ منه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا عبدُ السلامِ بنُ حربٍ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ قولَه: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾. [قال: لا يُجِيعُهم] (٢)، ولا يُعْرِيهم، ولا يُنفِقُ نفقةً يقولُ الناسُ: قد أسْرَف (٣). حدَّثني سليمانُ بنُ عبدِ الجبارِ، قال: ثنا محمدُ بنُ يَزِيدَ بن حُنَيْسٍ (٤) أبو عبدِ اللهِ المخزوميُّ المكيُّ، قال: سَمِعْتُ وُهَيْبَ بنَ الوَرْدِ بن أَبي (٥) الوَرْدِ مولى بني مخزومٍ، قال: لقِى عالمٌ عالمًا هو فوقَه في العلمِ، فقال: يَرْحَمُك اللهُ، أخْبِرْني عن هذا البناءِ الذي لا إسرافَ فيه، ما هو؟ قال: هو ما ستَرَك مِن الشمسِ، وأكنَّك مِن المطرِ. قال: يَرْحَمُك اللهُ، فأَخْبِرْني عن هذا الطعامِ الذي نُصِيبُه لا إسرافَ فيه، ما هو؟ قال: ما سدَّ الجوعَ ودونَ الشِّبَعِ. قال: يَرْحَمُكَ اللهُ، فَأَخْبِرْني عن هذا اللِّباسِ الذي لا إسرافَ فيه، ما هو؟ قال: ما ستَر عورتَك، وأَدْفَأك (٦) مِن البردِ (٧).

стр. 11919

حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرني عبدُ الرحمنِ بنُ شُرَيْحٍ، عن يزيدَ بن أبي حَبيبٍ في هذه الآيةِ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا﴾ الآية. قال: كانوا لا يَلْبَسون ثوبًا للجَمالِ، ولا يَأْكُلون طعامًا للَذَّةِ، ولكن كانوا يُريدون مِن اللِّباسِ (١) ما يَسْتُرون به عورتَهم، ويَكْتَنُّون به مِن الحرِّ والقَرِّ، ويُريدون من الطعامِ ما يَسُدُّ (٢) عنهم الجوعَ، وقوَّاهم على عبادةِ ربِّهم (٣). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن العلاءِ بن عبدِ الكريمِ، عن يزيدَ بن مرةَ الجُعْفيِّ، قال: العلمُ خيرٌ مِن العملِ، والحسنةُ بينَ السيِّئتَيْن - يعنى: ﴿إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ - وخيرُ الأعمالِ (٤) أوساطُها (٥). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا كعبُ بنُ فَرُّوخَ، قال: ثنا قتادةُ، عن مُطَرِّفِ بن عبدِ اللهِ، قال: خيرُ هذه الأمورِ أوساطُها، والحسنةُ بينَ السيئتَيْن. فقلتُ لقتادةَ: ما الحسنةُ بين السيئتَيْن؟ فقال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ الآية (٦). وقال آخرون: الإسرافُ هو أن تَأْكُلَ مالَ غيرِك بغيرِ حقٍّ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا سالمُ (٧) بنُ سعيدٍ، عن أبي مَعْدانَ، قال:

стр. 11920

كنتُ عندَ عونِ بن عبدِ اللهِ بن عتبةَ، فقال: ليس المُسْرِفُ مَن يَأْكُلُ مالَه، إنما المسرفُ مَن يَأْكُلُ مالَ غيرِه (١). قال أبو جعفرٍ: والصوابُ مِن القولِ في ذلك قولُ مَن قال: الإسرافُ في (٢) النفقةِ الذي عناه اللهُ في هذا الموضعِ ما جاوَز الحدَّ الذي أباحَه اللهُ لعبادِه، إلى ما فوقَه، والإقتارُ ما قصَر عما أمَر اللهُ به، والقَوامُ بينَ ذلك. وإنما قلنا: إن ذلك كذلك؛ لأن المُسْرِفَ والمُقْتِرَ كذلك، ولو كان الإسرافُ والإقتارُ في النفقةِ مُرَخَّصًا فيهما، ما كانا مَذْمومين، ولا كان المسرفُ ولا المقترُ مذمومًا؛ لأن ما أذِن اللهُ في فعلِه، فغيرُ مُسْتَحِقٍّ فاعلُه الذمَّ. فإن قال قائلٌ: فهل لذلك من حدٍّ معروفٍ تُبَيِّنُه لنا؟ قيل: نعم، ذلك مفهومٌ في كلِّ شيءٍ مِن المطاعمِ والمشاربِ والملابسِ والصدقةِ وأعمالِ البرِّ وغيرِ ذلك، نَكْرَهُ تطويلَ الكتابِ بذكرِ كلِّ نوعٍ مِن ذلك مُفَصَّلًا، غيرَ أن جملةَ ذلك هو ما بَيَّنَّا، وذلك نحوُ أكْلٍ آكِلٍ مِن الطعامِ فوقَ الشِّبَعِ ما يُضْعِفُ بدنَه، ويَنْهَكُ قُواه، ويَشْغَلُه عن طاعةِ ربِّه، وأداءِ فرائضِه، وذلك مِن السَّرفِ، أو (٣) أنْ يَتْرُكَ الأكلَ، وله إليه سبيلٌ حتى يُضْعِفَ (٤) جسمَه، ويَنْهَكَ قُواه، ويُضْعِفَه عن أداءِ فرائضِ ربِّه، فذلك مِن الإقتارِ، وبينَ ذلك القَوامُ، وعلى هذا النحوِ كلُّ ما جانَس ما ذكَرْنا. فأمَّا اتخاذُ الثوبِ للجمالِ؛ يَلْبَسُه عندَ اجتماعِه مع الناسِ، وحضورِه المحافلَ والجُمَعَ والأعيادَ، دونَ ثوبِ مِهْنتِه، أو أكلُه مِن الطعامِ ما قوَّاه على عبادةِ ربِّه، ما

стр. 11921

ارْتَفع عما قد يَسُدُّ الجوع، مما هو دونَه مِن الأغذيةِ، غيرَ أنه لا يُعِينُ البدنَ على القيامِ للهِ بالواجبِ معونتَه، فذلك خارجٌ مِن (١) معنى الإسرافِ، بل ذلك مِن القَوامِ؛ لأن النبيَّ ﷺ قد أمَر ببعضِ ذلك، وحضَّ على بعضِه، كقولِه: "ما على أحدِكم لو اتَّخَذ ثوبين؛ ثوبًا لمهنَتِه، وثوبًا لجمُعتِه وعيدِه" (٢). [وكقولِه] (٣): "إذا أَنْعَم اللهُ على عبدٍ نعمةً أَحَبَّ أن يَرَى أثرَه عليه" (٤). وما أشبَه ذلك مِن الأخبارِ التي قد بيَّناها في مواضعِها. وأما قولُه: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾. فإنه النفقةُ بالعدلِ والمعروفِ، على ما قد بيَّنا. وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي سليمانَ، عن وهبِ بن مُنَبِّهٍ في قولِه: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾. قال: الشَّطْرُ مِن أموالِهم (٥). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ قولَه:

стр. 11922

﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾. النفقةُ بالحقِّ (١). حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾. قال: القوامُ أن تُنْفِقوا في طاعةِ اللهِ، وتُمْسِكوا عن مَحارِم اللهِ (٢). [قال: أخبَرنا ابن وهبٍ] (٣)، قال: أخبَرني إبراهيمُ بنُ نَشِيطٍ، عن عمرَ مولى غُفْرَةَ، قال: قلتُ له، ما القوامُ؟ قال: القَوامُ ألَّا تُنْفِق في غيرِ حقٍّ، ولا تُمْسِكَ عن حقٍّ هو عليك (٤). والقوامُ في كلامِ العربِ، بفتحِ القافِ، هو الشيءُ يكون بينَ الشيئين، يقال للمرأةِ المعتدلةِ الخَلْقِ: إنها لحَسنةُ القَوامِ في اعتداِلها. كما قال الحُطَيْئةُ (٥): طافَت أُمامةُ بالرُّكْبانِ آوِنةً … يا حُسْنَه (٦) مِن قَوامٍ ما (٧) ومُنْتَقَبَا (٨) فأما إذا كُسِرَتْ القافُ فقيل: إنه قِوامُ أهله. فإنه يعنى به أَنَّ به يَقومُ أمرُهم وشأنُهم، وفيه لغاتٌ أُخَرُ، يقالُ منه: هو قِيامُ أهلِه [وقِيَمُ أهلِه، وقَيِّمُ] (٩). في معنى قِوامِهم. فمعنى الكلامِ: وكان إنفاقُهم بينَ الإسرافِ والإقتارِ قوامًا مُعتدلا، لا

стр. 11923

مجاوزةً عن حدِّ اللهِ، ولا تقصيرًا عمَّا فرَضه اللهُ، ولكن عدْلًا بين ذلك على ما أباحه جلَّ ثناؤُه، وأذِن فيه ورخَّص. واختَلفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾؛ فقرَأتْه عامَّةُ قرأةِ المدينةِ: (ولم يُقْتِرُوا) بضمِّ الياءِ وكسرِ التاءِ، من: أقتَر يُقْتِرُ (١). وقرأتْه عامَّةُ قرأةِ الكوفيين: ﴿وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ بفتحِ الياءِ وضمِّ التاءِ، من: قَتَر يَقْتُر (٢). وقرَأتْه عامَّةُ قرأةِ البصرةِ: (ولَمْ يَقْتِرُوا) بفتحِ الياء وكسرِ التاءِ، من: قَتَرَ يَقْتِرُ (٣). والصوابُ من القولِ في ذلك أن كلَّ هذه القراءاتِ على اختلافِ ألفاظِها، لغاتٌ مشهوراتٌ في العربِ، وقراءاتٌ مُسْتفيضاتٌ في قرأةِ الأمصارِ، بمعنًى واحدٍ، فبأيَّتِها قرَأ القارئُ فمصيبٌ. وقد بيَّنا معنى الإسرافِ والإقتارِ بشواهدِهما فيما مضَى من كتابِنا في كلامِ العربِ، فأغنَى ذلك عن إعادتِه في هذا الموضعِ (٤). وفى نصبِ "القوامِ" وجهان؛ أحدُهما، ما ذكرتُ، وهو أن يُجعلَ في "كان" اسمُ الإنفاقِ بمعنى: وكان إنفاقُهم ما أنفقوا بين ذلك قوامًا. أي: عَدْلًا والآخرُ، أن يُجعلَ "بينَ" هو الاسمُ، فيكونَ - وإن كانت في اللفظةِ نصبًا - في معنَى رفعٍ، كما يقالُ: كان دونَ هذا لك كافيًا. يعنى به: أقلَّ من هذا كان لك

стр. 11924

كافيًا. فكذلك يكونُ ذلك في قولِه: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾؛ لأن معناه: وكان الوسطُ من ذلك قَوامًا. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠) وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (٧١)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: والذين لا يعبُدون مع اللهِ إلهًا آخرَ فيُشرِكوه (١) في عبادتِهم إيَّاه، ولكنَّهم يُخلِصون له العبادةَ، ويُفرِدونه بالطاعةِ، ﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾ قتلَها ﴿وَلَا يَزْنُونَ﴾؛ إما بكفرٍ باللهِ بعدَ إسلامِها، أو زنًى بعدَ إحصانٍ، أو قتلِ نفسٍ، فتُقتَلُ بها، ﴿وَلَا يَزْنُونَ﴾ فيأتون ما حرَّم اللهُ عليهم إتيانَه من الفروجِ. ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾. يقولُ: ومَن يأتِ هذه الأفعالَ فدعا مع اللهِ إلهًا آخرَ، وقتَل النفسَ التي حرَّم اللهُ بغيرِ الحقِّ، وزنَى - ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾. يقولُ: يَلْقَ مِن عقابِ اللهِ عقوبةً ونَكالًا، كما وصَفه ربُّنا جلَّ ثناؤُه، وهو أنه ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾. ومن "الأثامِ" قولُ بَلْعَاءَ بن قيسٍ الكنانيِّ (٢): جزَى اللهُ ابنَ عروةَ حيثُ أمسَى … عُقُوقًا والعقوقُ له أثامُ يعنى بالأثامِ العقابَ. وقد ذُكِر أن هذه الآيةَ نزَلت على رسولِ اللهِ ﷺ مِن أجلِ قومٍ من المشركين

стр. 11925

أرادوا الدخولَ في الإسلامِ، ممَّن كان مِنه في شركِه هذه الذنوبُ، فخافوا ألَّا ينفَعَهم مع (١) ما سلف منهم مِن ذلك إسلامٌ، فاستفتَوا رسولَ اللهِ ﷺ في ذلك، فأَنزَلَ اللهُ ﵎ هذه الآيةَ، يُعلِمُهم أن الله قابلٌ توبةَ مَن تاب مِنهم. ذكرُ الروايةِ بذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: ثنى يَعْلَى بنُ مسلمٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، أن ناسًا مِن أهلِ الشركِ قتَلوا فأكثَروا، فأتَوا محمدًا ﷺ ، فقالوا: إن الذي تدعونا إليه لحسنٌ، لو تُخبِرُنا أنَّ لما عمِلنا كفارةً. فنزَلت: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾. ونزَلت: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ إلى قولِه: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ (٢) [الزمر: ٥٣ - ٥٥]. قال ابن جريجٍ: وقال مجاهدٌ مثلَ قولِ ابن عباسٍ سواءً. حدَّثنا عُبيدُ (٣) اللهِ بنُ محمدٍ الفِرْيابيُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي معاويةَ، عن أبي عمرٍو الشيبانيِّ، عن عبد اللهِ، قال: سألتُ النبيَّ ﷺ : ما الكبائرُ؟ قال: "أنْ تَدْعُو للهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ، وأنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ مِنْ أجْلِ أن يأكُلَ مَعَكَ، و (٤) أَنْ تَزْنِي بِحَليلَةِ جارِكَ". وقرَأ علينا رسولُ اللهِ ﷺ مِن كتابِ اللهِ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ

стр. 11926

اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ (١). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ ومنصورٍ، عن أبي وائلٍ، عن عمرِو بن شُرَحْبِيلَ، عن عبدِ اللهِ، قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، أَيُّ الذنبِ أعظمُ؟ قال: "أَنْ تَجْعَلَ للهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ". قلتُ: ثم أيٌّ؟ قال (٢): "أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أنْ يأكُلَ مَعَكَ". قلتُ: ثم أيٌّ؟ قال: "ثُمَّ أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جارِكَ". فأنزَل اللهُ بتصديقِ قولِ النبيِّ ﷺ : ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ الآية (٣). حدَّثنا سليمانُ بنُ عبدِ الجبارِ، قال: ثنا عليُّ بنُ قادمٍ، قال: ثنا أسباطُ بنُ نصرٍ الهَمْدانيُّ، عن منصورٍ، عن أبي وائلٍ، عن أبي ميسرةَ، عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ، عن النبيِّ ﷺ نحوَه (٤). حدَّثني عيسى بنُ عثمانَ بن عيسى الرَّمليُّ، قال: ثنا عمِّى يحيى بنُ عيسى، عن الأعمشِ، عن سفيانَ، عن عبدِ اللهِ، قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ فقال: يا رسولَ اللهِ، أيُّ الذنبِ أكبرُ؟ ثم ذكَر نحوَه. حدَّثني أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهوازيُّ، قال: ثنا عامرُ بنُ مُدرِكٍ، قال: ثنا

стр. 11927

السَّرِيُّ، يعنى ابنَ إسماعيلَ، قال: ثنا الشعبيُّ، عن مسروقٍ، قال: قال عبدُ اللهِ: خرَج رسولُ اللهِ ﷺ ذاتَ يومٍ، فاتَّبَعتُه، فجلَس على نَشَزٍ مِن الأَرضِ، وقعَدتُ أسفلَ منه، ووجهي حِيالَ ركبتيه، فاغتنَمتُ خلوتَه، فقلت: بأبي وأُمى يا رسولَ اللهِ، أيُّ الذنوبِ أكبرُ؟ قال: "أنْ تَدْعُوَ للهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ". قلتُ: ثم مَهْ؟ قال: "أنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ كَرَاهِيَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ". قلتُ: ثم مَهْ؟ قال: "أَنْ تُزانِيَ حَلِيلَةَ جارِكَ". قال: ثم تلا هذه الآيةَ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾. إلى آخرِ الآيةِ (١). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا طَلْقُ بن غنَّامٍ، عن زائدةَ، عن منصورٍ، قال: ثنى سعيدُ بنُ جبيرٍ - أو حُدِّثتُ عن سعيدِ بن جُبيرٍ - أنّ عبدَ الرحمنِ بنَ أبْزى أمَره أن يسألَ ابنَ عباسٍ عن هاتين الآيتين؛ التي (٢) في "النساءِ": ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣] إلى آخرِ الآيةِ. والآيةِ التي في "الفرقانِ": ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾. إلى: ﴿وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾. قال ابن عباسٍ: إذا دخَل الرجلُ في الإسلامِ، وعلِم شرائعَه وأمرَه (٣)، ثم قتَل مؤمنًا متعمِّدًا فلا توبةَ له. والتي في "الفرقانِ"، لما أُنزِلت قال المشركون مِن أهلِ مكةَ: فقد عدَلنا باللهِ، وقتَلنا النفسَ التي حرَّم اللهُ بغيرِ الحقِّ، فما ينفَعُنا الإسلامُ؟ قال: فنزَلت: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾. قال: فمن تاب منهم قُبِل منه (٤). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، قال: ثني سعيدُ بنُ جبيرٍ - أو قال: حدَّثني الحكمُ، عن سعيدِ بن جبيرٍ - قال: أمَرنى عبدُ الرحمنِ بنُ أبزى، فقال: سلِ ابنَ عباسٍ عن هاتين الآيتين ما أمرُهما؛ عن الآيةِ التي في

стр. 11928

"الفرقانِ": ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ الآية. والتي في "النساءِ": ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾. فسألتُ ابنَ عباسٍ عن ذلك، فقال: لما أنزَل اللهُ التي في "الفرقانِ"، قال مشركو أهلِ مكةَ: قد قتلنا النفس التي حرَّم اللهُ، ودعَونا مع اللهِ إِلهَا آخرَ. فقال: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ الآية. فهذه لأولئك، وأما التي في "النساءِ": ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ الآية. فإن الرجلَ إذا عرَف الإسلامَ، ثم قتَل مؤمنًا متعمِّدًا، فجزاؤُه جهنمُ، فلا توبةَ له. فذكرتُه لمجاهدٍ، فقال: إلَّا مَن نَدِم (١). حدَّثنا محمدُ بنُ عوفٍ الطائيُّ، قال: ثنا أحمدُ بنُ خالدٍ الوَهْبيُّ (٢)، قال: ثنا شيبانُ (٣)، عن منصورِ بن المعتمرِ، قال: ثني سعيدُ بنُ جبيرٍ، قال: قال لى سعيدُ بنُ عبدِ الرحمنِ بن أبزَى: سلِ (٤) ابنَ عباسٍ عن هاتين الآيتين؛ عن قولِ اللهِ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾. إلى: ﴿مَنْ تَابَ﴾. وعن قولِه: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ إلى آخرِ الآيةِ. قال: فسألتُ عنها ابنَ عباسٍ، فقال: أُنزِلت هذه الآية في "الفرقانِ" بمكةَ إلى قولِه: ﴿وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾. فقال المشركون: فما يغنى عنا الإسلامُ، وقد عدَلنا باللهِ، وقتلَنا النفسَ التي حرَّم اللهُ، وأتَينا الفواحشَ؟ قال: فأنزَل اللهُ: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا

стр. 11929

صَالِحًا﴾ إلى آخرِ الآيةِ. قال: وأما مَن دخَل في الإسلامِ وعَقَلَه، ثم قتَل، فلا توبةَ له (١). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن شعبةَ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال في هذه الآيةِ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ الآية. قال: نزَلت في أهلِ الشركِ (٢). حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بن جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، قال: أمَرنى عبدُ الرحمنِ بنُ أبزَى أن أسأَلَ ابنَ عباسٍ عن هذه الآيةِ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾. فذكَر نحوَه (٢). حدَّثني عبدُ الكريمِ بنُ عميرٍ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ المنذرِ، قال: ثنا عيسى بن شعيبِ بن ثَوْبَانَ، مولًى لبنى الدِّيلِ من أهلِ المدينةِ، عن فُلَيحٍ الشَّماسِ، عن عبيدِ بن أبي عبيدٍ، عن أبي هريرةَ، قال: صلَّيتُ مع رسولِ اللهِ ﷺ العَتَمةَ، ثم انصرَفتُ، فإذا امرأةٌ عند بابي، ثم سلَّمتُ، ففتحتُ ودخَلتُ، فبينا أنا في مسجدى أصلِّى، إذ نَقَرتِ البابَ، فأذِنتُ لها، فدخَلتْ، فقالت: إني جئتُك أسألُك عن عملٍ عمِلتُ؛ هل لى من توبةٍ. فقالت: إنى زنَيتُ وولدتُ، فقتَلتُه. فقلتُ: لا، ولا نُعْمَةَ (٣) العينِ ولا كرامةَ. فقامت تدعو بالحسرةِ وتقولُ: يا حسرتاه، أَخُلِقَ هذا الحسنُ للنارِ؟ قال: ثم صليتُ مع رسولِ اللهِ ﷺ الصبحَ من تلك الليلةِ، ثم جلَسنا نَنتظِرُ الإذنَ عليه، فأذِن لنا،

стр. 11930

فدخَلنا، ثم خرَج مَن وتخلَّفتُ، فقال: "ما لكَ يا أبا هريرةَ، أَلكَ حاجةٌ؟ ". فقلتُ له: يا رسولَ اللهِ، صلَّيتُ معك البارحةَ، ثم انصرَفتُ، وقصصتُ عليه ما قالت المرأةُ، فقال النبيُّ ﷺ : "ما قُلْتَ لَهَا؟ ". قال: قلتُ لها: لا واللهِ ولا نُعمة (١) العينِ ولا كرامةَ. فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "بِئْسَ مَا قُلْتَ، أَمَا كُنْتَ تَقْرأُ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ الآية ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾؟ " فقال أبو هريرةَ: فخرَجتُ، فلم أترُكْ بالمدينةِ حصنًا ولا دارًا إلا وقفتُ عليها، فقلتُ: إن تكنْ فيكم المرأةُ التي جاءت أبا هريرةَ الليلةَ، فلْتأتِني ولْتُبشِرْ. فلما صلَّيتُ مع النبيِّ ﷺ العشاءَ، فإذا هي عندَ بابي، فقلتُ: أَبشرِى، فإني دخلتُ على النبيِّ فذكرتُ له ما قلتِ لى، وما قلتُ لك، فقال: "بئسَ ما قلتَ لها، أما كنتَ تقرَأُ هذه الآيةَ؟ ". فقرَأتُها عليها، فخرَّت ساجدةً، فقالت: الحمدُ للهِ الذي جعَل لى (٢) مَخْرجًا وتوبةً مما عمِلتُ، إن هذه الجاريةَ وابنَها حُرّانِ لوجهِ اللهِ، وإني قد تبتُ مما عمِلتُ (٣). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا جعفرُ بنُ سليمانَ، عن عمرِو بن مالكٍ، عن أبي الجوزاءِ، قال: اختلَفتُ إلى ابن عباسٍ ثلاثَ عشرةَ سنةً، فما شيءٌ من القرآنِ إلا سألتُه عنه، ورسولى يَختِلفُ إلى عائشةَ، فما سمِعتُه ولا

стр. 11931

سمِعتُ أحدًا من العلماءِ يقولُ: إن الله يقولُ لذنبٍ: لا أغفِرُ. وقال آخرون: هذه الآيةُ منسوخةٌ بالتي في "النساءِ". ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرني المغيرةُ بن عبدِ الرحمنِ الحِزاميُّ (١)، عن أبي الزنادِ، عن خارجةَ بن زيدٍ، أنه دخَل على أبيه وعندَه رجلٌ من أهلِ العراقِ، وهو يسألُه عن هذه الآيةِ التي في "تَبارَكَ، الفرقان"، والتي في "النساءِ": ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣]. فقال زيدُ بن ثابتٍ: قد عرَفتُ الناسخةَ من المنسوخةِ، نسختْها التي في "النساءِ" بعدها بستةِ أشهرٍ (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال الضحاكُ بنُ مزاحمٍ: هذه السورةٌ بينَها وبينَ "النساءِ": ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾. ثمانى حججٍ (٣). وقال ابن جريجٍ: وأخبَرنى القاسمُ بنُ أبي بَزَّةَ، أنه سأل سعيدَ بنَ جبيرٍ: هل لمن قتَل مؤمنًا متعمدًا توبةٌ؟ فقال: لا. فقرَأ عليه هذه الآيةَ كلَّها. فقال سعيدُ بنُ جبيرٍ: قرَأتُها على ابن عباسٍ كما قرَأتَها عليَّ، فقال: هذه مكيةٌ، نسختْها آيةٌ مدنيةٌ، التي في سورةِ "النساءِ" (٤).

стр. 11932

وقد أتينا على البيانِ عن الصوابِ من القول في هذه الآيةِ التي في سورةِ "النساءِ"، بما أغنى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (١). وبنحوِ الذي قُلنا في "الأثامِ" من القولِ قال أهلُ التأويلِ، إلا أنهم قالوا: ذلك عقابٌ يُعاقِبُ اللهُ به مَن أتى هذه الكبائرَ، بوادٍ في جهنمَ يُدعى أثامًا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني أحمدُ بنُ المقدامِ، قال: ثنا المعتمرُ بن سليمانَ، قال: سمِعتُ أبي يحدِّثُ عن قتادةَ، عن أبي أيوبَ الأزديِّ، عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو (٢)، قال: الأثامُ وادٍ في جهنمَ (٣). حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾. قال: واديًا في جهنمَ (٤). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ. حدَّثنا ابن حميدٍ قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن يزيدَ، عن

стр. 11933

عكرِمةَ في قولِه: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾. قال: واديًا في جهنمَ فيه الزُّناةُ (١). حدَّثني العباسُ بنُ أبي طالبٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ زيادٍ، قال: ثنا شَرْقيُّ (٢) بنُ قُطاميٍّ، عن لقمانَ بن عامرٍ الخزاعيِّ، قال: جئتُ أبا أُمَامَةَ صُدَيَّ بنَ عجلانَ الباهليَّ، فقلتُ: حدَّثْني حديثًا سمِعتَه مِن رسولِ الله ﷺ . قال: فدعا لى بطعامٍ، ثم قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "لو أن صخرةً زِنةَ عَشْرِ عَشراواتٍ قُذِفَ بِها مِنْ شَفِيرِ جَهَنَّمَ، ما بلَغتْ قعرَها خمسين خريفًا، ثم تَنتهِى إلى غَيٍّ وأثامٍ". قال: قلتُ: وما غيٌّ وأثامٌ؟ قال: "بِئران في أسفلِ جهنَّمَ، يَسيلُ فيهما صديدُ أهلِ النَّارِ، وهما اللذان ذكَر اللهُ في كتابِه: ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩]. وقولُه في "الفرقانِ": ﴿وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ " (٣). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾. قال: الأثامُ الشرُّ. وقال: سيَكْفِيك (٤) ما وراءَ ذلك: ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾. حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، قتادةَ في قولِه: ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾. قال: نكالًا. قال: ويقالُ (٥) إنه وادٍ في

стр. 11934

جهنمَ (١). حدَّثنا القاسمٌ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن هشيمٍ، قال: أخبَرنا زكريا بنُ أبى مريمَ، قال: سمِعتُ أبا أمامةَ الباهليَّ يقولُ: إن ما بينَ شفيرِ جهنمَ إلى قعرِها مسيرةَ سبعين خريفًا، بحجرٍ يهوِى فيها، أو بصخرةٍ تهوى، عُظْمُها كعَشْرِ عَشْراواتٍ سمانٍ. فقال له رجلٌ: فهل تحتَ ذلك مِن شيءٍ؟ قال: نعم؛ غيٌّ وأنامٌ (٢). قولُه: ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. اختلَفتِ القرأةُ في قراءتِه؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ الأمصارِ سوى عاصمٍ: ﴿يُضَاعَفْ﴾ جزمًا، ﴿وَيَخْلُدْ﴾ جزمًا. وقرَأه عاصمٌ: (يُضاعَفُ) رفعًا، (ويَخْلُدُ) رفعًا، كلاهما على الابتداءِ، وأنّ الكلامَ عندَه قد تناهَى عندَ ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾، ثم ابتدأ قولَه: (يُضَاعَفُ لهُ العَذابُ) (٣). والصوابُ مِن القراءةِ عندَنا فيه جزمُ الحرفين كليهما: ﴿يُضَاعَفْ﴾، و ﴿يَخْلُدْ﴾، وذلك أنه تفسيرٌ لـ "الأثامِ" لا فعلٌ له، ولو كان فعلًا له كان الوجهُ فيه الرفعَ، كما قال الشاعرُ (٤): متى تأتِهِ تَعْشُو إلى ضوءِ نارِهِ … تَجِدْ خيرَ نارٍ عندَها خيرُ مُوقِدِ فرفَع "تعشو"؛ لأنه فعلٌ لقولِه: تأتِهِ. معناه: متى تأتِهِ عاشيًا.

стр. 11935

وقولُه: ﴿وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾: ويبقى فيه إلى غيرِ نهايةٍ في هوانٍ. وقولُه: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ومن يَفعَلْ هذه الأفعالَ التي ذكَرها جلّ ثناؤُه يَلْقَ أثَامًا، ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾. يقولُ: إلا مَن راجَع طاعةَ اللَّهِ ﵎ بتركِه ذلك، وإنابتِه إلى ما يرضاه اللَّهُ، ﴿وَآمَنَ﴾. يقولُ: وصدّق بما جاء به محمدٌ نبيُّ اللَّهِ، ﴿وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾. يقولُ: وعمِل بما أمَره اللَّهُ مِن الأعمالِ، وانتهَى عما نهاه اللَّهُ عنه. قولُه: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: فأولئك يُبدِّلُهم (١) اللَّهُ بقبائحِ أعمالِهم في الشركِ، محاسنَ الأعمالِ في الإسلامِ؛ فيُبدِّلُه بالشركِ إيمانًا، و [بقتلِ أهلِ الإيمانِ باللَّهِ قتْلَ أهلِ الشركِ] (٢) به، وبالزنى عفَّةً وإحصانًا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾. قال: هم المؤمنون كانوا قبلَ إيمانِهم على السيئاتِ، فرغِب اللَّهُ بهم عن ذلك، فحوَّلهم إلى الحسناتِ، وأبدَلهم مكانَ السيئاتِ حسناتٍ (٣).

стр. 11936

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ إلى آخرِ الآيةِ. قال: هم الذين يتوبون فيعمَلون بالطاعةِ، فيبدِّلُ اللَّهُ سيئاتِهم حسناتٍ حينَ يتوبون (١). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، [عن جعفرٍ] (٢)، عن سعيدٍ، قال: نزَلت: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ الآية. في وَحْشِيٍّ وأصحابِه، قالوا: كيف لنا بالتوبةِ، وقد عبَدنا الأوثانَ، وقتَلنا المؤمنين، ونكَحنا المشركاتِ؟ فأنزَل الله فيهم: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾. فأبدَلهم اللَّهُ بعبادةِ الأوثانِ عبادةَ اللَّهِ، وأبدَلهم بقتالِهم مع المشركين قتالًا مع المسلمين للمشركين، وأبدَلهم بنكاحِ المشركاتِ نكاحَ المؤمناتِ (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ، قال ابن عباسٍ في قولِه: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾. قال: بالشركِ إيمانًا، وبالقتلِ إمساكًا، وبالزنى إحصانًا. حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ

стр. 11937

الضحاكُ يقولُ في قولِه: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾: وهذه الآيةُ مكيةٌ نزَلت بمكةَ، ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾. يعنى الشركَ والقتلَ والزنى جميعًا. لمَّا أنزَل اللَّهُ هذه الآيةَ قال المشركون مِن أهلِ مكةَ: يزعُمُ محمدٌ أن من أشرَك وقتَل وزنَى فله النارُ، وليس له عندَ اللَّهِ خيرٌ. فأنزَل اللَّهُ: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾. مِن المشركين مِن أهِل مكةَ، ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾. يقولُ: يبدِّلُ اللَّهُ مكانَ الشركِ والقتلِ والزنى؛ الإيمانَ باللَّهِ والدخولَ في الإسلامِ، وهو التبديلُ في الدنيا، وأنزَل اللَّهُ في ذلك: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾، يَعنيهم بذلك، ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾. يعنى ما كان في الشركِ، يقولُ اللَّهُ لهم: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزمر: ٥٣، ٥٤]. يدْعوهم إلى الإسلامِ، فهاتان الآيتان مكيتان، والتي في (النساء): ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣] الآية. هذه مدنيةٌ، نزَلت بالمدينةِ، وبينَها وبينَ التي نزَلت في "الفرقانِ" ثمانى سنينَ، وهى مبهمةٌ ليس منها مَخرجٌ (١). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا أبو تُمَيْلةَ، قال: ثنا أبو حمزةَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ، قال: سُئل ابن عباسٍ عن قولِ اللَّهِ جلّ ثناؤُه: ﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾. فقال (٢):

стр. 11938

بُدِّلنَ بعدَ [جِرَّةٍ صَرِيفا] (١) … وبعدَ طولِ النَّفَسِ الوَجِيفا (٢) حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ - ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾. فقال (٣) المشركون: ولا واللَّهِ، ما كان هؤلاء الذين معَ محمدٍ إلا معنا. قال: فأنزَل اللَّهُ: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾. قال: تاب من الشركِ ﴿وَآمَنَ﴾. قال: آمَن بعقابِ اللَّهِ ورسولِه، ﴿وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾. قال: صدَّق، ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾. قال: يُبدِّلُ اللَّهُ أعمالَهم السيئةَ التي كانت في (٤) الشركِ الأعمالَ (٥) الصالحةَ حينَ دخَلوا في الإيمانِ. وقال آخرون: بل معنى ذلك: فأولئك يُبدِّلُ اللَّهُ سيئاتِهم في الدنيا حسناتٍ لهم يومَ القيامةِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني أحمدُ بنُ عمرٍو البصريُّ (٦)، قال: ثنا قريشُ بنُ أنسٍ أبو أنسٍ، قال: ثنى صالحُ بنُ رُستمَ، عن عطاءٍ الخراسانيِّ، عن سعيدِ بن المسيّبِ: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾. قال: تصيرُ سيئاتُهم حسناتٍ لهم يومَ القيامةِ.

стр. 11939

حدَّثنا الحسنُ بنُ عرفةَ، قال: ثنا محمدُ بنُ خازمٍ أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن المعرورِ بن سويدٍ، عن أبي ذرٍّ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "إنِّي لأعْرِفُ آخِرَ أهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنَ النَّارِ، وآخِرَ أهْلِ النَّارِ دُخُولًا الجَنَّةَ". قال: "يُؤْتَى بِرجُلٍ يَوْمَ القِيامَةِ، فيُقالُ: نَحُّوا كِبارَ ذُنُوبِه وَسَلُوهُ عن صِغارِها". قال: "فيُقالُ لهُ: عَمِلْتَ كذا وكذا، [وعَمِلْتَ كذا وكذا] (١). . قال: "فَيَقُولُ: يا رَبِّ لقد عَمِلْتُ أشْياءَ ما أرَاها ههُنا". قال: فضحِك رسولُ اللَّهِ ﷺ حتى بدَت نَواجِذُه. قال: "فيُقَالُ له: لك مَكَانَ كُلِّ سيِّئةٍ حَسَنَةٌ" (٢). قال أبو جعفرٍ: وأولَى التأويلين بالصوابِ في ذلك تأويلُ مَن تأوَّله: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ﴾: أعمالَهم في الشركِ، ﴿حَسَنَاتٍ﴾ في الإسلامِ؛ بنقلِهم (٣) عمّا يَسخَطُه اللَّهُ مِن الأعمالِ إلى ما يَرضَى. وإنما قلنا: ذلك أولى بتأويلِ الآيةِ؛ لأن الأعمالَ السيئةَ قد كانت مضَت على ما كانت عليه من القُبحِ، وغيرُ جائزٍ تحويلُ عينٍ قد مضَت بصفةٍ، إلى خلافِ ما كانت عليه، إلا بتغييرِها عمَّا كانت عليه من صفَتِها في حالٍ أُخرى، فيجِبُ إن فعَل ذلك كذلك، أن يصيرَ شركُ الكافرِ الذي كان شركًا في الكفرِ بعينِه إيمانًا يومَ القيامةِ بالإسلامِ، ومعاصيه كلُّها بأعيانِها طاعةً، وذلك ما لا يقولُه ذو حجًا.

стр. 11940

وقولُه: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وكان اللَّهُ ذا عفوٍ عن ذنوبِ مَن تاب مِن عبادِه وراجَع طاعتَه، وذا رحمةٍ به أن يعاقِبَه على ذنوبِه بعدَ توبتِه منها. قولُه: ﴿وَمَنْ تَابَ﴾. يقولُ: ومن تاب من المشركين، فآمَن باللَّهِ ورسولِه، ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾. يقولُ: وعمِل بما أمَره اللَّهُ فأطاعه، فإن اللَّهَ فاعلٌ به من إبدالِه سَيِّئَ أعمالِه في الشركِ بحسَنِها في الإسلامِ، مثلَ الذي فعَل مِن ذلك بمن تاب وآمَن وعَمِل صالحًا قبلَ نزولِ هذه الآيةِ من أصحابِ رسولِ الله ﷺ . وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾. قال: هذا للمشركين الذين قالوا لما أُنزِلت: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ إلى قولِه: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ لأصحابِ رسولِ اللَّهِ ﷺ : ما كان هؤلاء إلا معنا. قال: ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ فإن لهم مثلَ ما لهؤلاء، ﴿فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾؛ لم تُحظَرِ التوبةُ عليكم. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (٧٢)﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى "الزورِ" الذي وصَف اللَّهُ هؤلاء القومَ بأنهم لا يَشهَدونه؛ فقال بعضُهم: معناه الشركُ باللَّهِ.
следующие страницы →