صاحبِ الستين سنةً والسبعين" (١).
حدَّثنا أبو صالحٍ الفَزاريُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ سَوَّارٍ، قال: ثنا يعقوبُ بنُ عبدِ الرحمنِ بن عبدٍ (٢) القارِيُّ الإسْكَنْدَرانيُّ، قال: ثنا أبو حازمٍ، عن سعيدٍ المَقْبُريِّ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "مَن عمَّره اللهُ ستين سنةً فقد أعْذَر إليه في العمرِ" (٣).
حدَّثنا محمدُ بنُ سَوَّارٍ، قال: ثنا النضرُ (٤) بنُ حميدٍ، عن سعدِ (٥) بن طريفٍ، عن الأصبغِ بن نُباتةَ، عن عليٍّ ﵁ في قولِه: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾. قال: العمُرُ الذي عمَّرهم (٦) اللهُ به ستون سنةً (٧).
وأشبهُ القولين بتأويلِ الآيةِ، إذ كان الخبرُ الذي ذكَرْناه عن رسولِ اللهِ ﷺ خبرًا
стр. 13127
في إسنادِه بعضُ مَن يَجِبُ التثَبُّتُ في نقلِه (١) - قولُ مَن قال: ذلك أربعون سنةً؛ لأن في الأربعين يَتَناهى عقلُ الإنسانِ وفهمُه، وما قبلَ ذلك وما بعدَه، مُنْتَقَصٌ عن كمالِه في حالِ الأربعين.
وقوله: ﴿وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾.
اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في معنى النذيرِ (٢)؛ فقال بعضُهم: عنَى به محمدًا ﷺ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾. قال: النذيرُ: النبيُّ. وقرَأ: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى﴾ (٣) [النجم: ٥٦].
وقيل: عنَى به الشيبَ.
فتأويلُ الكلامِ إذًا: أولم نُعَمِّرُكم يا معشرَ المشركين باللهِ مِن قريشٍ مِن السنين، ما يَتَذَكَّرُ فيه مَن تذَكَّر، مِن ذَوِى الألبابِ والعقولِ، واتَّعَظ منهم مَن اتَّعَظ، وتاب مَن تاب، وجاءكم من اللهِ منذِرٌ يُنْذِرُكم ما أنتم فيه اليومَ مِن عذابِ اللهِ، فلم تَتَذَكَّروا مَواعظَ اللهِ، ولم تَقْبلوا مِن نذيرِ اللهِ الذي جاءكم، ما أتاكم به مِن عندِ ربِّكم.
стр. 13128
القولُ في تأويلِ قولهِ : ﴿فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٣٧) إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٣٨)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿فَذُوقُوا﴾ عذابَ نارِ جهنمَ الذي قد صَلِيتُموه أيُّها الكافرون باللَّهِ، ﴿فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾. يقولُ: فما للكافرين الذين ظلَموا أنفسَهم، فأَكْسَبُوها غضبَ اللهِ بكفرِهم باللهِ في الدنيا، من نصيرٍ يَنْصُرُهم اليومَ مِن اللَّهِ فيَسْتنقِذُهم مِن عقابِه.
وقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن الله عالمُ ما تُخْفُون أيُّها الناسُ في أنفسِكم وتُضْمِرونه، وما لم تُضْمِروه ولم تَنْوُوه مما ستَنْؤونه، وما هو غائبٌ عن أبصارِكم في السماواتِ والأرضِ، فاتَّقُوه أن يَطَّلِعَ عليكم وأنتم تُضْمِرون في أنفسِكم مِن الشكِّ في وَحْدانيةِ اللهِ، أو في نبوةِ محمدٍ، غيرَ الذي تُبْدونه بألسنتِكم، فإنَّه عَلِيمٌ بذاتِ الصُّدُورِ.
القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا (٣٩)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: [اللهُ الذي جعَلكم أيُّها الناسُ خَلائِفَ] (١) في الأرضِ مِن بعدِ عادٍ وثمودَ، ومَن مضَى قبلَكم مِن الأممِ، فجعَلكم تَخْلُفونهم في ديارِهم ومساكنِهم.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿هُوَ الَّذِى
стр. 13129
جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ﴾: أمةً بعدَ أمةٍ، وقرنًا بعدَ قرنٍ (١).
وقولُه: ﴿فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فمَن كفَر باللهِ منكم أيُّها الناسُ، فعلى نفسِه ضُرُّ كفرِه، لا يَضُرُّ بذلك غيرَ نفسِه؛ لأنه المُعاقَبُ عليه دونَ غيرِه.
وقولُه: ﴿وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا﴾. يقولُ تعالى: ولا يزيدُ الكافرين كفرُهم عندَ ربِّهم إلا بُعْدًا مِن رحمةِ اللهِ، ﴿وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا﴾. يقولُ: ولا يَزِيدُ الكافرين كفرُهم باللهِ إلا هلاكًا.
القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ (٢) مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا (٤٠)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ لمشركي قومِك: ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ أيُّها القومُ ﴿شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ (٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، [أي: تعبدون مِن دونِ اللهِ] (٤)، ﴿أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾. يقولُ: أَرُونى أَيَّ شيءٍ خلَقوا مِن الأرضِ، ﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾. يقولُ: أم لشركائِكم شِرْكٌ مع اللهِ في السماواتِ، إن لم يكونوا خَلَقوا مِن الأرضِ شيئًا؟!
стр. 13130
﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ (١) مِنْهُ﴾. يقولُ: أم آتَيْنا هؤلاء المشركين كتابًا أنْزَلْناه عليهم من السماءِ، بأن يُشْرِكوا باللهِ الأوثانَ والأصنامَ؟! ﴿فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ (١) مِنْهُ﴾. يقولُ: فهم على برهانٍ مما أمَرْتُهم فيه مِن الإشراكِ بي.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾: لا شيءَ واللَّهِ خَلقوا منها، ﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾: لا واللهِ ما لهم فيها مِن شركٍ، ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ﴾. يقولُ: أم آتَيْناهم كتابًا فهو يَأْمُرُهم أن يُشْرِكوا (٢).
وقولُه: ﴿بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا﴾. [يقول تعالى ذكرُه: ليس من هذه الخلالِ شيءٌ، ولكنْ ما يعِدُ الكافرون باللهِ بعضُهم بعضًا إلا غرورًا (٣)، وذلك قولُ بعضِهم لبعضٍ: ما نعْبُدُ الهتنَا إلا لِيُقَرِّبونا إلى اللَّهِ زُلْفَى. خِداعًا مِن بعضِهم لبعضٍ وغُرورًا، وإنما تُزْلِفُهم آلهتُهم إلى النارِ، وتُقْصِيهم مِن اللهِ ورحمتِه.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤١)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: إن الله يُمْسِكُ السماواتِ والأرضَ؛ لئلا تَزُولا مِن أماكنِهما، ﴿وَلَئِنْ زَالَتَا﴾. يقولُ: ولو زالتا، ﴿إِنْ
стр. 13131
أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾. يقولُ: ما أمْسَكهما أحدٌ سواه.
ووُضِعت "لَئِن" في قولِه: ﴿وَلَئِنْ زَالَتَا﴾، في موضعِ "لو"؛ لأنهما يُجابان بجوابٍ واحدٍ، فيَتَشابهان في المعنى، ونظيرُ ذلك قولُه: ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ [الروم: ٥١]. بمعنى: ولو أرْسَلْنا ريحًا. وكما قال: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [البقرة: ١٤٥]. بمعنى: ولو أتَيْتَ. وقد بيَّنا ذلك فيما مضَى بما أغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (١).
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾: مِن مكانِهما (٢).
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن أبي وائلٍ، قال: جاء رجلٌ إلى عبدِ اللَّهِ، فقال: مِن أين جئتَ؟ قال: من الشام. قال: مَن لقِيتَ؟ قال: لقِيتُ كعبًا. فقال: ما حدَّثك كعبٌ؟ قال: حدَّثني أن السماواتِ (٣) تَدورُ على مَنْكِبِ مَلَكٍ. قال: فصدَّقْتَه أو كذَّبْتَه؟ قال: ما صدَّقْتُه ولا كذَّبْتُه. قال: لَودِدْتُ أنك افْتَدَيْتَ مِن رحلتِك إليه براحلتِك ورَحْلِها، كذَب كعبٌ؛ إن الله يقولُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ (٤).
стр. 13132
حدَّثنا [ابن حميدٍ، قال: ثنا] (١) جريرٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: ذهَب جُنْدَبُ البَجَليُّ إلى كعبِ الأحبارِ، فقدِم عليه، ثم رجَع، فقال له عبدُ اللَّهِ: حدِّثْنا ما حدَّثَك. فقال: حدَّثني أن السماءَ في قُطْبٍ كقُطْبِ الرَّحَى، والقُطْبُ عمودٌ على مَنْكِبِ مَلَكٍ. قال عبدُ اللهِ: لودِدْتُ أنك افْتَدَيْتَ رحلتَك (٢) بمثلِ راحلتِك. ثم قال: ما سكَنتِ (٣) اليهوديةُ في قلبِ عبدٍ، فكادَت أن تُفارِقَه. ثم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾، وكفَى بها زوالًا أن تَدورَ (٤).
وقولُه: ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن الله كان ﴿حَلِيمًا﴾ عمَّن أَشْرَك وكفَر به مِن خلقِه، في تركِه تعجيلَ عذابِه له، ﴿غَفُورًا﴾ لذنوبِ مَن تاب منهم وأناب إلى الإيمانِ به والعملِ بما يُرْضِيه.
القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا (٤٢) اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا (٤٣)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: وأَقْسَم هؤلاء المشركون باللهِ ﴿جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾. يقولُ: أشدَّ الأيْمانِ، فبالَغوا فيها، لئن جاءهم مِن اللهِ مُنْذِرٌ يُنذِرُهم بأسَ اللهِ، ﴿لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾. يقولُ: ليَكونُنَّ أسلكَ لطريقِ الحقِّ، وأشدَّ قَبولًا لما يَأْتيهم به النذيرُ مِن عندِ اللهِ، مِن إحدى الأممِ التي قد خلَت قبلَهم، ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ﴾. يعنى بالنذيرِ محمدًا ﷺ ، يقولُ: فلما جاءهم
стр. 13133
محمدٌ يُنْذِرُهم عقابَ اللهِ على كفرِهم.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ﴾. وهو محمدٌ ﷺ (١).
وقولُه: ﴿مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾. يقولُ: ما زادهم مَجئُ النذيرِ مِن الإيمانِ باللهِ واتِّباعِ الحقِّ وسلوكِ هدى الطريقِ، إلا نفورًا وهربًا.
وقولُه: ﴿اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ﴾. يقولُ: نفَروا استكبارًا في الأرضِ [وأنفَةً أن يُقرُّوا بنبوَّةِ محمدٍ ﵇ ويَدْعوا باتِّباعِه، ﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾. يقولُ: فعَلوا ذلك استكبارًا في الأرضِ (٢)، وخُدْعةً سيئةً، وذلك أنهم صدُّوا الضعفاءَ عن اتِّباعِه، مع كفرِهم به. والمكرُ هاهنا هو الشركُ.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾: وهو الشركُ (١).
وأُضِيف المكرُ إلى السيئَ، والسيئُ مِن نعتِ المكرِ، كما قيل: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥]. وقيل: إن ذلك في قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (وَمَكْرًا سَيِّئًا) (٣). وفى ذلك تحقيقُ القولِ الذي قلْناه من أن السيئَ في المعنى مِن نعتِ المكرِ.
وقرَأ ذلك قرأةُ الأمصارِ غيرَ الأعمشِ وحمزةَ [بهمزِ السيئِ وخفضِه. وقرَأه الأعمشُ وحمزةُ بهمزِه (٤) وتسكينِ الهمزةِ، اعْتِلالًا منهما بأن الحركاتِ لما كثُرَت
стр. 13134
في ذلك ثَقُل، فسكَّنا الهمزةَ (١)، كما قال الشاعرُ (٢):
إذا اعْوَجَجْنَ قلتُ صاحِبْ قَوَّمِ
فسكَّن الباءَ؛ لكثرةِ الحركاتِ.
والصوابُ مِن القراءةِ في ذلك عندنا ما عليه قرأةُ الأمصارِ، من تحريكِ الهمزةِ فيه إلى الخفضِ (٣). وغير جائزٍ في القرآنِ أن يُقْرَأَ بكلِّ ما جاز في العربيةِ؛ لأن القراءةَ إنما هي ما قرَأَت به الأئمةُ الماضيةُ، وجاء به السلفُ على النحوِ الذي أخَذوا عمن قبلَهم.
وقولُه: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾. يقولُ: ولا يَنْزِلُ المكرُ السيئُ إلا بأهلِه، يعني: بالذين يَمْكُرونه. وإنما عنَى أنه لا يحِلُّ مكروهُ ذلك المكرِ الذي مكَره هؤلاء المشركون إلا بهم.
وقال قتادةُ في ذلك ما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾: وهو الشركُ (٤).
وقوله: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فهل يَنْتَظِرُ هؤلاء المشركون من قومك يا محمدُ إلا سنةَ اللهِ [في الأولين الذين مضَوْا قبلَهم، وذلك إحلالُ اللهِ] (٥) بهم في عاجلِ الدنيا على كفرهم به، أليمَ العقابِ. يقولُ: فهل يَنْتَظِرُ هؤلاء إلا أن أُحِلَّ بهم من نِقْمتى على شركِهم بي، وتكذيبِهم رسولى، مثلَ الذي أحْلَلْتُ بمَن قبلَهم مِن أشكالِهم مِن الأممِ؟!
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَهَلْ
стр. 13135
يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ﴾. أي: عقوبةَ الأولين (١).
وقولُه (٢): ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾. يقولُ: فلن تَجِدَ يا محمد لسنةِ اللَّهِ تغييرًا.
وقولُه: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾. يقولُ: ولن تَجِدَ لسنةِ اللهِ في خلقِه تبديلًا (٣). يقولُ: لن يُغَيِّرَ ذلك ولن يُبَدِّلَه؛ لأنه لا مَرَدَّ لقضائِه.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا (٤٤)﴾.
قال أبو جعفر ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: أو لم يَسرْ يا محمدُ هؤلاء المشركون باللهِ، في الأرضِ التي أهْلَكْنا أهلَها بكفرِهم بنا، وتكذيبِهم رسلَنا؛ فإنهم تُجَّارٌ يَسْلُكون طريقَ الشامِ، ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ مِن الأممِ التي كانوا بها، ألم نُهْلِكْهم، ونُخْرِبْ مساكنَهم، ونَجْعَلْهم مثلًا لمن بعدَهم، فيتَّعِظوا بهم، ويَنزَجِروا عما هم عليه من عبادة الآلهةِ والشركِ باللهِ، ويَعْلَموا أن الذي فعل بأولئك ما فعَل، وكانوا أشدَّ منهم قوَّةً وبطشًا، لن يَتَعَذَّرَ عليه أن يَفْعَلَ بهم مثلَ الذي فعَل بأولئك، مِن تعجيلِ النِّقْمةِ والعذابِ لهم.
وبنحوِ الذي قلنا في قولِه: ﴿وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾. قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ
стр. 13136
قُوَّةً﴾: يُخْبِرُكم أنه أَعْطَى القومَ ما لم يُعْطِكم.
وقولُه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾. يقول تعالى ذكرُه: ولن يُعْجِزَنا هؤلاء المشركون باللهِ من عَبَدةِ الأوثانِ (١)، المكذِّبون محمدًا، فيَسْبِقونا هَرَبًا في الأرضِ، إذا نحن أرَدْنا هلاكهم؛ لأن الله لم يَكُنْ لِيُعْجِزَه شيءٌ يُرِيدُه في السماواتِ ولا في الأرضِ، ولن يَقْدِرَ هؤلاء المشركون أن يَنْفُذوا أقطارَ السماواتِ والأرضِ.
وقولُه: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن الله كان عليمًا بخلقِه، وما هو كائنٌ، ومَن المستحِقُّ منهم تعجيلَ العقوبةِ، ومَن هو عن ضلالتِه منهم راجعٌ، وإلى الهدى آيبٌ، قديرًا (٢) على الانتقامِ ممن شاء منهم، وتوفيقِ من أراد منهم للإيمانِ.
القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا (٤٥)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ﴾. يقولُ: ولو يُعاقِبُ اللهُ الناسَ ويُكافِئُهم بما عمِلوا مِن الذنوبِ والمعاصى واجْتَرَحوا من الآثامِ، ﴿مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ (٣) يعني: على ظهرِ الأرضِ من دابةٍ تَدِبُّ عليها، ﴿وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾. يقولُ: ولكن يُؤَخِّرُ عقابَهم ومُؤاخَذْتَهم بما كسَبوا، إلى أجلٍ معلومٍ عنده محدودٍ، لا يَقْصُرون
стр. 13137
دونَه، ولا يُجاوِزونه إذا بلَغوه.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولهَ: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾. [قال: قد فَعَل ذلك بهم (١) في زمانِ نوحٍ فأَهلَك ما على ظهرِها من دابَّةٍ] (٢)، إلا ما حمَل نوحٌ في السفينة (٣).
وقولُه: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فإذا جاء أجلُ عقابِهم، فإن الله كان بعبادِه بصيرًا؛ مَن الذي يستحقُّ أن يُعاقَبَ منهم، ومَن الذي يستوجبُ الكرامةَ، ومَن الذي كان منهم في الدنيا له مطيعًا، ومن كان منهم فيها به مشركًا، لا يخفَى عليه أحدٌ منهم، ولا يعزُبُ عليه (٤) علمُ شيءٍ من أمرِهم.
آخرُ تفسيرِ سورةِ "فاطر"
стр. 13138
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تفسيرُ سورةِ "يس"
القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤)﴾.
قال أبو جعفرٍ: اخْتلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿يس﴾؛ فقال بعضُهم: هو قسَمٌ أقسَم اللهُ به، وهو من أسماءِ اللهِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يس﴾. قال: فإنه قسمٌ أَقْسَمه اللهُ، وهو من أسماءِ اللهِ (١).
وقال آخرون: معناه: يا رجلُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا أبو تُميلةَ، قال: ثنا الحسينُ بن واقدٍ، عن يزيدَ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿يس﴾. قال: يا إنسانُ. بالحَبَشيَّةِ (٢).
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن شَرْقيٍّ، قال: سمِعتُ عكرمةَ يقولُ: تفسيرُ ﴿يس﴾: يا إنسانُ (٣).
стр. 13139
وقال آخرون: هو مِفْتاحُ كلامٍ افْتَتح اللهُ به كلامَه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: ﴿يس﴾: مِفتاحُ كلامٍ افْتَتح اللهُ به كلامَه (١).
وقال آخرون: بل هو اسمٌ من أسماء القرآن.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يس﴾. قال: كلُّ هجاء في القرآن اسمٌ من أسماء القرآن (٢).
قال أبو جعفرٍ: وقد بيَّنا القولَ فيما مضَى في نظائرِ ذلك من حروفِ الهجاءِ، بما أغنَى عن إعادتِه وتكريرِه في هذا الموضعِ (٣).
وقوله: ﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾. يقولُ: والقرآن المحكَمِ بما فيه من أحكامِه وبيِّناتِ حُججِه، ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾. يقول تعالى ذكرُه مقسمًا بوحيهِ وتنزيلِه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : إنك يا محمد لمن المرسلين بوحى اللهِ إلى عبادِه.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾: قسَمٌ كما تسمَعون،
﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٤).
стр. 13140
وقولُه: هو ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. يقولُ: على طريقٍ لا اعوجاجَ فيه من الهُدَى، وهو الإسلامُ.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾: أي: الإسلامِ (١).
وفى قولِه: ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وجهان؛ أحدُهما أن يكونَ معناه: إنك لمن المرسلين على استقامةٍ من الحقِّ، فيكونَ حينئذٍ ﴿عَلَى﴾ من قولِه: ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. من صلةِ الإرسالِ. والآخرُ أن يكون خبرًا مبتدأً، كأنه قيل: إنك لمن المرسلين، إنك على صراطٍ مستقيمٍ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٥)﴾
قال أبو جعفرٍ ﵀: اختلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾؛ فقرأته عامة قرأة المدينة والبصرةِ: (تَنزيلُ العزيزِ الرحيمِ) برفعِ "تنزيل" (٢)، والرفعُ في ذلك يتَّجه من وجهين؛ أحدُهما بأن يُجْعَلَ خبرًا؛ فيكونُ معنى الكلامِ حينَئذٍ: إنك (٣) لمن المرسلين، هذا تنزيلُ العزيزِ الرحيمِ. وقرأته عامةُ قرأةِ الكوفةِ وبعضُ أهلِ الشامِ: ﴿تَنْزِيلَ﴾ نصبًا على المصدرِ (٤)، من قولِه: ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾؛ لأن الإرسالَ إنما هو عن التنزيلِ، فكأنه قيل: إنك لَمُنَزَّلٌ تنزيلَ العزيزِ الرحيمِ حقًّا.
стр. 13141
والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أنهما قراءتان مشهورتان في قرأةِ الأمصارِ، متقاربتا المعنى، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ الصوابَ.
ومعنى الكلامِ: إنك لمن المرسلين يا محمدُ إرسالَ الربِّ العزيزِ في انتقامِه من أهل الكفرِ به، الرحيمِ بمن تاب إليه (١)، وأناب من كفرِه وفسوقِه، أن يعاقبَه على سالفِ جُرْمِه بعدَ توبته منه (٢).
القولُ في تأويلِ قوله : ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (٦) لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٧)﴾.
قال أبو جعفرٍ: اخْتلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: لتُنِذرَ قومًا ما أَنْذَر اللهُ من قبلَهم من آبائِهم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بن جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن سماك، عن عكرمةَ في هذه الآيةِ: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾ قال: قد أُنْذِروا (٣).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: لتنذرَ قومًا [لم يُنْذَرُ] (٤) آبَاؤُهم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ
стр. 13142
آبَاؤُهُمْ﴾. قال: قال بعضُهم: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾ [ما أُنْذِر الناسُ من] (١) قبلهم. وقال بعضُهم: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾. أي: هذه الأمةُ لم يأتِهم نذيرٌ، حتى جاءهم محمدٌ ﷺ (٢).
واخْتَلف أهلُ العربيةِ في معنى ﴿مَا﴾ التي في قولِه: ﴿مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾. إذا وُجِّه معنى الكلامِ إلى أن آباءَهم قد كانوا أُنْذِروا، ولم يُرَدُّ بها الجحدُ؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: معنى ذلك - إذا أُريد به غيرُ الجحدِ -: لتنذرَهم الذي أنْذِر آباؤُهم فَهُم غَافِلُونَ. وقال: ودخولُ الفاء في هذا المعنى لا يجوزُ، واللهُ أعلمُ. قال: وهو على الجحدِ أحسنُ، فيكونُ معنى الكلامِ: إنك لمن المرسلين إلى قومٍ لم يُنْذَرْ آباؤُهم؛ لأنهم كانوا في الفترةِ.
وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ (٣): إذا لم يُرَدُّ بـ "ما" الجحدُ، فإن معنى الكلامِ: لتنذرهم بما أُنْذِر آباؤُهم. فتُلْقَى الباءُ، فتكونُ "ما" في موضعِ نصبٍ: [كما قال: ﴿أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت: ١٣].
وقوله] (٤): ﴿فَهُمْ غَافِلُونَ﴾. يقولُ: فهم غافلون عما اللهُ فاعلٌ بأعدائِه المشركين به، من إحلالِ نقمتِه وسطوتِه بهم.
وقولُه: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. يقول تعالى ذكرُه: لقد وجَب العذاب (٥) على أكثرِهم؛ بأن (٦) الله قد حتَم عليهم في أمِّ الكتابِ أنهم لا
стр. 13143
يُؤْمِنون [فلا يؤمنون] (١)، باللهِ، ولا يصدِّقون رسولَه.
القول في تأويلِ قولِه : ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (٨) وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (٩)﴾
قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: إنا جعَلنا أَيْمانَ هؤلاء الكفارِ مغلولةً إلى أعناقِهم بالأغلالِ، فلا تَنْبسِطُ (٢) بشيءٍ من الخيراتِ. وهي في قراءةِ عبد اللهِ فيما ذُكِر: (إنا جعَلنا في أيمانِهم أغلالًا فهى إلى الأذقانِ) (٣).
وقولُه: ﴿فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ﴾. يعنى: فأيمانهم مجموعةٌ بالأغلال في أعناقِهم، فكنَّى عن الأيمانِ، ولم يجرِ لها ذكرٌ؛ لمعرفةِ السامعين بمعنى الكلامِ، وأن الأغلالَ إذا كانت في الأعناقِ لم تكنْ إلَّا وأَيْمُنُ (٤) أيدى المغلولين مجموعةٌ بها إليها، فاسْتُغنىَ بذكرِ كونِ الأغلالِ في الأعناقِ من ذكرِ الأيمانِ، كما قال الشاعرُ (٥):
وما أَدْرى إذا يمَّمتُ وجهًا … أريدُ الخيرَ أيُّهما يَلِيني
أَأَلْخيرُ الذي أنا أبْتَغِيهِ … أمِ الشرُّ الذي لا يَأْتليني
فكنَّى عن الشرِّ، وإنما ذكّر الخيرَ وحدَه؛ لعلم سامعِ ذلك بمعنى قائلِه، إذ كان الشرُّ مع الخيرِ يُذْكَرُ. والأذقانُ: جمعُ ذَقَنٍ، والذَّقَنُ: مجمعُ اللَّحْيَين.
وقوله: ﴿فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾. والمُقْمَحُ: هو المُقْنِعُ، وهو أن يَحْدُرَ (٦) الذقنَ
стр. 13144
حتى يصيرَ في الصدر، ثم يرفَعَ رأسَه، في قولِ بعضِ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ مِن أهل البصرةِ (١). وفى قولِ بعضِ الكوفيين (٢): هو الغاضُّ بصرَه بعدَ رفعِ رأسِه وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾. قال: هو كقولِ اللهِ: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ [الإسراء: ٢٩]. يعنى بذلك أن أيديَهم مُوثَقةٌ إلى أعناقِهم، لا يستطيعون أن يَبْسُطوها بخيرٍ (٣).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾. قال: رافعو رءوسِهم، وأيديهم موضوعةٌ على أفواهِهم (٤).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾. أي: فهم مغلولون عن كلِّ خيرٍ (٥).
стр. 13145
وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وجعَلنا من بين أيدى هؤلاء المشركين سَدًّا، وهو الحاجزُ بين الشيئين؛ إذا فُتح كان من فعلِ بني آدمَ، وإذا كان من فعل اللهِ كان بالضمِّ. وبالضمِّ قرأ ذلك عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ الكوفيين (١). وقرأه بعضُ المكيين وعامةٌ قرأة الكوفيين بفتحِ السينِ: ﴿سَدًّا﴾ في الحرفين كليهما (٢). والضمُّ أعجبُ القراءتين إليَّ في ذلك، وإن كانت الأخرى جائزةً صحيحةً.
وعنى بقولِه: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ أنه زُيِّن لهم سوءُ أعمالِهم، فهم يَعْمَهون، ولا يُبْصِرون رَشَدًا، ولا يتبيَّنون (٣) حقًّا.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني ابن حُميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عَنْبسةَ، عن محمدِ بن عبدِ الرحمنِ، عن القاسمِ بن أبى بَزَّةَ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾. قال: عن الحقِّ.
حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾: عن الحقِّ، فهم يتردَّدون (٤).
стр. 13146
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾. قال: ضلالاتٍ (١).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنِ زيدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾. قال: جعَل هذا السدَّ بينهم وبينَ الإسلامِ والإيمانِ، فهم لا يَخْلُصون إليه. وقرأ: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦]. وقرأ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ الآية كلها [يونس: ٩٦]. وقال: من منَعه اللهُ لا يستطيعُ (٢).
وقوله: ﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾. يقولُ: فَأَغْشَيْنَا أَبصارَ هؤلاء، أي: جعَلنا عليها غشاوةً، فهم لا يُبْصِرون هُدًى ولا ينتفعون به.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ هُدًى، ولا ينتفعون به (٣).
وذُكِر أن هذه الآيةَ نزَلت في أبى جهلِ بن هشامٍ حينَ حلَف أن يقتُلَه، أو يشدَخَ رأسَه بصخرةٍ.
ذكرُ الرواية بذلك
حدَّثني عمرانُ بنُ موسى، قال: ثنا عبد الوارثِ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا عُمارةُ بنُ
стр. 13147
أبي حفصة، عن عكرمة، قال: قال أبو جهل: لئن رأيتُ محمدًا لأفعَلَنَّ ولأفعلَنَّ. فأُنزلت: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا﴾ إلى قولِه: ﴿فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾. قال: فكانوا يقولون: هذا محمدٌ. فيقولُ: أين هو؟ أين هو؟ [لا يُبْصِرُه] (١).
وقد رُوى عن ابن عباسٍ، أنه كان يقرأُ ذلك: ﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ بالعينِ، بمعنى أَعْشَيناهم عنك، وذلك أن العَشا [بالليل؛ و] (٢) هو أن يمشىَ بالليلِ ولا يُبْصِرُ (٣).
القولُ في تأويل قولِه تعالى: ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠) إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (١١)﴾
قال أبو جعفر ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: وسواءٌ يا محمدُ على هؤلاء الذين حق عليهم القولُ، أيُّ الأمرين كان منك إليهم؛ الإنذار، أو ترك الإنذارِ، فإنهم لا يؤمنون؛ لأن الله قد حكم عليهم بذلك.
وقولُه: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾. يقول تعالى ذكرُه: إنما ينفَعُ إنذارُك يا محمدُ من آمن بالقرآنِ، واتَّبع ما فيه من أحكامِ اللَّهِ، ﴿وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾. يقولُ: وخاف الله حينَ يغيبُ عن أبصارِ الناظرين، لا المنافقَ الذي يستخفُّ بدينِ اللهِ إذا خلا، ويُظهرُ الإيمان في الملَا، ولا المشركَ الذي قد طبَع اللهُ على قلبِه.
стр. 13148
وقوله: ﴿فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ﴾. يقولُ: فبشِّرْ يا محمدُ هذا الذي اتَّبع الذكرَ وخشِيَ الرحمنَ بالغيبِ بمغفرةٍ من اللهِ لذنوبِه، ﴿وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾. يقولُ: وثوابٍ منه له في الآخرةِ كريمٍ، وذلك أن يعطيه على عمله ذلك الجنةَ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك (١) قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾: اتباعُ الذكرِ اتباعُ القرآنِ (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (١٢)﴾.
قال أبو جعفر ﵀: يقول تعالى ذكرُه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى﴾ من خلقِنا، وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا﴾ في الدنيا من خيرٍ وشرٍّ، وصالح الأعمال وسيئها.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلٌ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا﴾ [من عملٍ (٣).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه:] (٤)
стр. 13149
[﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا﴾] (١). قال: ما عمِلوا (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿مَا قَدَّمُوا﴾. قال: أعمالَهم (٣).
وقولُه: ﴿وَآثَارَهُمْ﴾. يعنى: وآثارَ خُطاهم بأرجلهم. وذُكِر أن هذه الآيةَ نزَلت في قومٍ أرادوا أن يقرَبوا من مسجدِ رسولِ اللهِ ﷺ ، ليقرَبَ عليهم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا نصرُ بنُ عليٍّ الجَهْضَميُّ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبَيريُّ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: كانت منازلُ الأنصارِ متباعدةً من المسجدِ، فأرادوا أن ينتقلوا إلى المسجدِ، فنزَلت: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾. فقالوا: نثبتُ مكانَنا (٤).
حدَّثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبى، عن إسرائيل، عن سماكٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: كانت الأنصارُ بعيدةً منازلهم من المسجدِ، فأرادوا أن ينتقلوا. قال: فنزَلت: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ فثبتوا (٥).
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبدُ الصمدِ، قال: ثنا شعبةُ، قال: ثنا الجُريريُّ،
стр. 13150
عن أبي نَضْرةَ، عن جابرٍ، قال: أراد بنو سلِمةَ قربَ المسجدِ. قال: فقال لهم رسولُ اللهِ ﷺ : "يا بني سلِمةَ، ديارَكم، فإنها (١) تُكْتَبُ آثارُكم" (٢).
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا معتمرٌ، قال: سمِعتُ كَهْمسًا يحدِّثُ، عن أبي نَضْرةَ، عن جابرٍ، قال: أراد بنو سلِمةَ أن يتحوّلوا إلى قربِ المسجدِ. قال: والبقاعُ خاليةٌ، فبلَغ ذلك النبيَّ ﷺ ، فقال: "يا بني سلِمةَ، ديارَكم، فإنها (١) تُكتب آثارُكم". قال: فأقاموا وقالوا: ما يَسرُّنا أنَّا كنا تحوَّلنا (٣).
حدَّثنا سليمان بن عمر بن خالد الرَّقي، قال: ثنا ابن المبارك، عن سفيانَ، عن طريفٍ، عن أبي نَضْرَةَ، عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ، قال: شكَت بنو سلِمةً بُعدَ منازلِهم إلى النبيِّ ﷺ ، فنزَلت: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾. فقال: "عَلَيْكم منازلَكم تُكتَبْ آثارُكم" (٤).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا أبو تُميلةَ، قال: ثنا الحسينُ، عن ثابتٍ، قال: مشيتُ مع أنسِ بن مالكٍ، فأسرَعتُ المشىَ، فأخَذ بيدى، فمشَينا رُويدًا، فلما قضَينا الصلاةَ قال أنسٌ: مشيتُ مع زيدِ بن ثابتٍ، فأَسْرعتُ المشيَ، فقال: يا
стр. 13151
أنسُ، أما شعَرتَ أن الآثارَ تُكتَبُ؟ [أما شعَرتَ أن الآثارَ تُكْتبُ] (١)؟
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُليَّةَ، عن يونسَ، عن الحسنِ، أن بني سلِمةَ كانت دُورُهم قاصيةً عن المسجدِ، فهمُّوا أن يتحوّلوا قربَ المسجدِ، فيشهَدوا الصلاةَ مع النبيِّ ﷺ ، فقال لهم النبيُّ ﷺ : "ألا تحتسِبون آثارَكم يا بني سلِمةَ؟ ". فمكثوا في ديارهم (٢).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عَنْبسةَ، عن محمدِ عبد الرحمنِ، عن القاسمِ بن أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾. قال: خُطاهم بأرجلِهم.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَآثَارَهُمْ﴾. قال: خُطاهم (٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿وَآثَارَهُمْ﴾. قال: قال الحسنُ [وقتادة] (٤): ﴿وَآثَارَهُمْ﴾: خُطاهم (٥). وقال قتادةُ: لو كان مُغْفِلًا شيئًا من شأنِك يا بنَ آدمَ، أَغْفَل ما تُعَفِّى الرياحُ من هذه الآثارِ (٦).
стр. 13152
وقوله: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وكلَّ شيءٍ كان أو هو كائنٌ أَحْصيناه فأَثْبتناه في أمِّ الكتابِ، وهو الإمامُ المبينُ. وقيل: ﴿مُبِينٍ﴾؛ لأنه يُبِينُ عن حقيقةِ جميعِ ما أُثْبِت فيه.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكر من قال ذلك
حدَّثنا ابنُّ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهد: ﴿فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾. قال: في أمِّ الكتابِ (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾: كلُّ شيءٍ مُحْصى عندَ اللهِ في كتابٍ (٢)
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾. قال: أمُّ الكتابِ الذي (٣) عند الله فيه (٤) الأشياءُ كلُّها، هو (٥) الإمامُ المبينُ (٦).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ
стр. 13153
مُرْسَلُونَ (١٤)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكره لنبيِّه محمدٍ ﷺ : ومثِّلْ يا محمدُ لمشركي قومك مثلًا أصحاب القرية. ذكر أنها أنطاكية (١)، ﴿إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾، اخْتَلف أهلُ العلمِ في هؤلاء الرسلِ، وفيمن كان أَرْسَلهم إلى أصحابِ القريةِ؛ فقال بعضُهم: كانوا رسلَ عيسى ابن مريمَ، وعيسى الذي كان أَرْسَلهم إليهم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدٌ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾. قال: ذُكِر لنا أن عيسى ابنَ مريمَ بعَث رجلين من الحواريِّين إلى أنطاكيةَ، مدينةٌ بالرومِ، فكذَّبوهما، فأعزَّهما بثالثٍ، ﴿فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾ الآية) (٢).
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى وعبدُ الرحمنِ، قالا: ثنا سفيانُ، قال: ثنى السُّديِّ، عن عكرمةَ: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾. قال: أنطاكيةَ (٣).
وقال آخرون: بل كانوا رسلًا من عندِ اللَّهِ أَرْسَلهم اللهُ إليهم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: ثنا ابن إسحاقَ، فيما بلَغه،
стр. 13154
عن ابن عباسٍ، وعن كعبِ الأحبارِ، وعن وهبِ بن مُنَبِّهٍ، قال: كان بمدينةِ أنطاكيَّة، فرعونُ من الفراعنةِ، يقال له: أبطيحسُ (١) بنُ أبطيحسَ [بن أبطيحسَ] (٢). يعبُدُ الأصنامَ، صاحبُ شركٍ، فبعَث اللهُ المرسلين، ثلاثةٌ؛ صادقٌ، و [صدوقٌ، وشلومٌ] (٣)، فقدَّم الله إليه وإلى أهلِ مدينته منهم اثنين، فكذبوهما، ثم عزَّز اللهُ بثالثٍ، فلما دعتْه الرسلُ، ونادتْه بأمرِ اللهِ، وصدَعت بالذي أُمِرت به، وعابَت دينَه، وما هم عليه، قال لهم: ﴿إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٤).
وقوله: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: حينَ أَرْسَلنا إليهم اثنين يدعوانِهم إلى اللهِ، فكذَّبوهما فشدَّدناهما بثالثٍ، وقوَّيناهما به.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾. قال: شدَّدنا (٥).
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عَنْبسةً، عن محمدِ بن عبدِ الرحمنِ،
стр. 13155
عن القاسمِ بن أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾. قال: زِدْنا.
حدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾. قال: جعَلناهم ثلاثةً. قال: ذلك التعزُّزُ. قال: والتعزُّزُ: القوةُ.
وقولُه: ﴿فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾. يقولُ: فقال المرسلون الثلاثةُ لأصحابِ القريةِ: إنا إليكم أيُّها القومُ مرسلون، بأن تُخْلِصوا العبادةَ للهِ وحدَه لا شريكَ له، وتتبرَّءوا مما تعبُدون من الآلهةِ والأصنامِ.
وبالتشديدِ في قولِه: ﴿فَعَزَّزْنَا﴾. قرأت القرأةُ سوى عاصمٍ، فإنه قرأه بالتخفيفِ (١)، والقراءة عندنا بالتشديدِ؛ لإجماعِ الحجةِ من القرأةِ عليه، وأن معناه إذا شُدِّد: فقوَّينا، وإذا خُفِّف: فغلَبنا، وليس لـ "غلَبنا" في هذا الموضعِ كثيرُ معنًى.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ (١٥) قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (١٦) وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٧)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرهُ: قال أصحابُ القريةِ للثلاثةِ الذين أُرْسِلوا إليهم، حينَ أَخْبَروهم أنهم أُرْسلوا إليهم بما أُرْسِلوا به: ما أنتم أيُّها القومُ إلا ناسٌ مثلُنا، ولو كنتم رسلًا، كما تقولون، لكنتم ملائكة، ﴿وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ﴾. يقولُ: قالوا: وما أَنْزَل الرحمنُ إليكم من رسالةٍ ولا كتابٍ، ولا
стр. 13156
أمَركم فينا بشيءٍ، ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾. [يقولُ: ما أنتم في شيءٍ إلا أنكم تكذِبون] (١) في قِيلِكم أنكم إلينا مرسلون،
﴿قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾. يقولُ: قال الرسلُ: ربُّنا يعلَمُ إنا إليكم لمرسلون فيما دَعَوْناكم إليه، وإنا لصادقون،
﴿وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾. يقولُ: وما علينا إلا أن نبلِّغكم رسالةَ اللَّهِ التي أَرْسَلنا بها إليكم، بلاغًا يبين لكم أنا أَبْلَغنا كموها، فإن قبِلتموها فحظَّ أنفسِكم تُصيبون، وإن لم تقبَلوها فقد أدَّينا ما علينا، واللهُ وليُّ الحكمِ فيه.
القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: قال أصحابُ القريةِ للرسلِ: ﴿إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾: يعنون: إنا تشاءَمنا بكم، فإن أصابَنا بلاءٌ فمن أجلِكم.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾: قالوا: إن أصابَنا شر، فإنما هو من أجلِكم (٢).
وقولُه: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ﴾. يقولُ: لئن لم تنتهوا عما ذكَرتم من أنكم أُرْسِلتم إلينا بالبراءةِ من آلهتِنا والنهيِ عن عبادتِنا، ﴿لَنَرْجُمَنَّكُمْ﴾. قيل: عنى بذلك لنَرْجُمَنَّكم بالحجارةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا
стр. 13157
لَنَرْجُمَنَّكُمْ﴾: بالحجارةِ (١).
﴿وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. يقولُ: ولينالَنَّكم منا عذابٌ مُوجِعٌ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (١٩) وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: قالت الرسلُ لأصحابِ القريةِ: ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾. يقولون: أعمالُكم وأرزاقُكم وحظُّكم من الخيرِ والشرِّ معكم، ذلك كلُّه في أعناقِكم، وما ذلك من شؤمِنا؛ إن أصابكم سوءٌ فيما كُتِب عليكم، وسبَق لكم من اللهِ
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾: أي: أعمالُكم معكم (١).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، فيما بلَغه، عن ابن عباس، وعن كعبٍ، وعن وهبِ بن مُنَبِّهٍ: قالت لهم الرسلُ: ﴿طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ أي: أعمالُكم معكم (٢).
وقولُه: ﴿أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾. اختلفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأتْه عامةُ قرأةِ
стр. 13158
الأمصارِ: ﴿أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾. بكسرِ الألفِ من "إن" وفتحِ ألفِ الاستفهامِ (١)، بمعنى: إنْ ذكَّرناكم فمعكم طائرُكم، ثم أُدْخِل على "إِنْ" التي هي حرفُ جزاءٍ أَلفُ استفهامٍ، في قول بعضِ نحويِّى البصرةِ، وفى قولِ بعضِ الكوفيين منويٌّ به التكريرُ، كأنه قيل: قالوا طائرُكم معكم إن ذُكِّرتم فمعكم طائرُكم. فحُذِف الجوابُ اكتفاءً بدلالةِ الكلامِ عليه.
وإنما أَنْكَر قائلُ هذا القولِ القولَ الأولَ؛ لأن ألفَ الاستفهامِ قد حالت بينَ الجزاءِ وبينَ الشرطِ، فلا تكونُ شرطًا لما قبلَ حرفِ الاستفهامِ.
وذُكِر عن أبي رَزِينٍ أنه قرَأ ذلك: ﴿أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾. بمعنى: أَلِأَن ذُكِّرتم، طائرُكم معكم (٢)؟
وذُكِر عن بعض قارئِيه أنه قرأه: (قالوا طائرُكم مَعَكُمْ أَيْنَ ذُكِرْتُمْ). بمعنى: حيثُ ذُكِرْتُم، بتخفيفِ الكافِ مِن ﴿ذُكِّرْتُمْ﴾ (٣):
والقراءةُ التي لا نجيزُ القراءةَ بغيرِها القراءةُ التي عليها قرأَةُ الأمصارِ، وهى دخولُ ألفِ الاستفهامِ على حرفِ الجزاءِ، وتشديدِ الكافِ، على المعنى الذي ذكرناه عن قارئيه كذلك؛ لإجماعِ الحجة من القرأةِ عليه
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾:
стр. 13159
أي: إن ذكَّرناكم الله تطيَّرتم بنا؟! ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ (١).
وقوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾. يقولُ: قالوا لهم: ما بكم التطيُّرُ بنا، ولكنكم قومٌ أهلُ معاصٍ للَّهِ وآثامٍ، قد غلَبت عليكم الذنوبُ والآثامُ.
وقولُه: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى﴾. يقولُ: وجاء من أقصى مدينةِ هؤلاء القومِ الذين أَرْسَلتُ إليهم هذه الرسلَ، رجلٌ يسعى إليهم، وذلك أن أهلَ مدينتِه هذه عزَموا واجْتَمعت آراؤُهم على قتلِ هؤلاء الرسلِ الثلاثةِ، فيما ذُكِر، فبلَغ ذلك هذا الرجلَ، وكان منزلُه أقصى المدينةِ، وكان مؤمنًا، وكان اسمُه، فيما ذُكِر، حبيبَ بنَ مُرَى.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك جاءت الأخبارُ.
ذكرُ الأخبار الواردةِ بذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا مؤمَّلُ بنُ إسماعيلَ، قال: ثنا سفيانُ، عن عاصمٍ الأحولِ، عن أبي مِجْلَزٍ، قال: كان اسمُ صاحبِ "يس" حبيبَ بنَ مُرَى (٢).
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: كان من حديثِ صاحبِ "يس" فيما حدَّثنا محمدُ بن إسحاقَ، فيما بلَغه، عن ابن عباسٍ، وعن كعبِ الأحبارِ، وعن وهبِ بن منبهٍ اليمانيِّ، أنه كان رجلًا من أهلِ أنطاكيَةَ، وكان اسمُه حبيبًا، وكان يعملُ الجَريرَ (٣)، وكان رجلًا سقيمًا قد أَسْرَع فيه الجُذامُ، وكان منزلُه
стр. 13160
عندَ بابٍ من أبوابِ المدينةِ قاصيًا، وكان مؤمنًا ذا صدَقةٍ، يجمَعُ كسبَه إذا أَمْسَى، فيما يذكرون، فيقسِمُه نصفين، فيُطعِمُ نصفًا عيالَه، ويتصدَّقُ بنصفٍ، فلم يُهِمَّه سقمُه ولا عملُه ولا ضعفُه عن عملِ ربِّه، قال: فلما أَجْمَع قومُه على قتلِ الرسلِ، بلَغ ذلك حبيبًا وهو على بابِ المدينةِ الأقصى، فجاء يسعى إليهم يذكِّرُهم باللهِ، ويدعوهم إلى اتباعِ المرسلين، فقال: ﴿يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ (١).
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن عبدِ اللهِ بن عبد الرحمنِ بن معمرِ (٢) بن حزمٍ، أنه حدَّث عن كعبِ الأحبارِ، قال: ذُكِر له حبيبُ بن زيدِ بن عاصمٍ، أخو بنى مازنِ بن النجَّارِ، الذي كان مُسَيْلِمةُ الكذَّابُ قطَّعه باليمامةِ حين جعَل يسألُه عن رسولِ اللهِ ﷺ ، فجعَل يقولُ: أتَشهدُ أن محمدًا رسولُ اللهِ؟ فيقولُ: نعم. ثم يقولُ: أتشهدُ أني رسولُ اللهِ؟ فيقولُ له: لا أسمعُ. فيقولُ مسيلِمةُ: أتسمَعُ هذا، ولا تسمَعُ هذا؟ فيقولُ: نعم. فجعَل يقطِّعُه عضوًا عضوًا، كلَّما سأَله لم يزدْه على ذلك حتى مات في يديه. قال كعبٌ حينَ قيل له: اسمُه حبيبٌ: وكان واللهِ صاحبُ (يس) اسمُه حبيبٌ (٣).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن الحسنِ بن عُمارةَ، عن الحكمِ بن عُتيبةَ، عن مِقْسمٍ أبي القاسمِ، مولى عبدِ اللهِ بن الحارثِ بن نوفلِ، عن مجاهدٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن عباسٍ، أنه كان يقولُ: كان اسمُ صاحبِ "يس" حبيبًا، وكان الجُذامُ قد أَسْرَع فيه (٤).
стр. 13161
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى﴾. قال: ذُكِر لنا أن اسمَه حبيبٌ، وكان في غارٍ يعبُدُ ربَّه، فلما سمِع بهم أَقْبَل إليهم (١).
وقوله: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال الرجلُ الذي جاء من أقصى المدينة لقومِه: يا قومِ، اتَّبِعوا المرسلين الذين أَرْسَلهم اللهُ إليكم، واقْبَلوا منهم ما أَتَوْكم به.
وذُكر أنه لما أتى الرسلَ سألهم: هل يطلُبون على ما جاءوا به أجرًا؟ فقالت الرسلُ: لا. فقال لقومِه حينَئذٍ: ﴿اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ﴾ على نصيحتِهم لكم ﴿أَجْرًا﴾.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشر، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: لما انتهى إليهم، يعنى إلى الرسلِ، قال: هل تسألون على هذا من أجر؟ قالوا: لا. فقال عندَ ذلك: ﴿يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (٢).
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، فيما بلَغه، عن ابن عباسٍ، وعن كعبِ الأحبارِ، وعن وهبِ بن منبِّهٍ: ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾: أي: لا يسألونكم أموالَكم على ما جاءوكم به من الهُدَى، وهم لكم ناصحون، فاتَّبِعوهم تهتدوا بهُداهم (٣).
стр. 13162
وقولُه: ﴿وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾. يقولُ: وهم على إستقامةٍ من طريقِ الحقِّ، فاهْتَدوا أيُّها القومُ بهداهم.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٢) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (٢٣) إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤) إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (٢٥)﴾
قال أبو جعفرٍ ﵀: يقول تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيلِ هذا الرجلِ المؤمنِ: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾. أي: وأيُّ شيءٍ لى لا أعبُدُ الربَّ الذي خلَقني؟ ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. يقولُ: وإليه تصيرون أنتم أيُّها القومُ، وتُردُّون جميعًا. وهذا حينَ أَبْدَى لقومِه إيمانَه باللَّهِ وتوحيدَه.
كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، فيما بلَغه، عن ابن عباسٍ، وعن كعبِ الأحبارِ، وعن وهبِ بن منبهٍ قال: ناداهم، يعني نادي قومَه، بخلافِ ما هم عليه من عبادةِ الأصنامِ، وأَظْهر لهم دينَه وعبادةَ ربِّه، وأَخْبَرهم أنه لا يملِكُ نفعَه ولا ضرَّه غيرُه، فقال: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٢) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾. ثم عابَها، فقال: ﴿إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ (١) لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ﴾ (٢).
وقولُه: ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾. يقولُ: أأعبُدُ من دونِ اللَّهِ آلهةً، يعنى: معبودًا سواه، ﴿إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ شَيْئًا﴾. يقولُ: إن مسَّنىَ الرحمنُ بضرٍّ وشدَّةٍ ﴿لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ﴾. يقولُ: لا تغن عنى شيئًا بكونِها لى شفعاءَ،
стр. 13163
ولا تقدر على دفع ذلك الضر عنى، وَلَا يُنقِذُونِ ?. يقولُ: ولا يخلصونى من ذلك الضرِّ إذا مسَّنى.
وقولُه: ﴿إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. يقول: إنى إذا اتخذتُ من دونِ اللَّهِ آلهةً هذه صفتُها، إذن لفي ضلال مبين، لمن تأمَّله، جورُه عن سبيلِ الحقِّ.
وقولُه: ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾. اخْتُلِف في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: قال هذا القولَ هذا المؤمنُ لقومِه، يُعْلِمُهم إيمانَه باللهِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، فيما بلَغه، عن ابن عباسٍ، وعن كعبٍ، وعن وهبِ بن منبِّهٍ: ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾: إنى آمنت بربِّكم الذي كفَرتم به، فاسمَعوا قولى (١).
وقال آخرون: بل خاطَب بذلك الرسلَ وقال لهم: اسْمَعوا قولى، لتشهَدوا لى بما أقولُ لكم عندَ ربي، وأنى قد آمنتُ بكم واتبعتُكم. فَذُكِر أنه لما قال هذا القولَ، ونصَح لقومِه النصيحةَ التي ذكَرها اللهُ في كتابِه، وثَبوا عليه فقتَلوه.
ثم اخْتَلف أهلُ التأويلِ في صفةِ قتلِهم إياه؛ فقال بعضُهم: رجَموه بالحجارةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: هذا رجلٌ دعا قومَه إلى اللَّهِ، وأَبْدَى لهم النصيحةَ، فقتَلوه على ذلك. وذُكِر لنا أنهم كانوا يرجُمونه بالحجارةِ، وهو يقولُ: اللهمَّ اهدِ قومى،
стр. 13164
اللهمَّ اهدِ قومى، اللهمَّ اهدِ قومى. حتى أَقْعَصوه (١) كذلك (٢).
وقال آخرون: بل وثَبوا عليه، فوطِئوه بأقدامِهم حتى مات.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، فيما بلَغه، عن ابن عباسٍ، وعن كعبٍ، وعن وهبِ بن منبهٍ، قال: [لما قال] (٣) لهم: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ إلى قولِه: ﴿فَاسْمَعُونِ﴾. وثَبوا عليه (٤) وثبةَ رجلٍ واحدٍ، فقتَلوه واستضعفوه، لضعفه وسقمِه، ولم يكنْ أحدٌ يدفَعُ عنه (٥).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن بعضِ أصحابِه، أن عبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ كان يقولُ: وطِئوه بأرجلِهم حتى خرَج قُصْبُه (٦) من دُبِرِه (٧).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (٢٧)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: قال اللهُ له إذ قتَلوه كذلك فلقِيه: ﴿ادْخُلِ الْجَنَّةَ﴾. فلما دخلها وعاين ما أَكْرمه اللهُ به لإيمانِه وصبرِه فيه،
قال: ﴿يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي﴾. يقولُ: يا ليتهم يعلَمون أن السببَ الذي
стр. 13165
من أجلِه غفَر لي ربي ذنوبي، وجعَلنى من الذين أَكْرَمهم اللهٌ [بإدخالهم إياهم] (١) جنتَه، كان إيماني باللهِ وصبرى فيه حتى قُتِلت، فيؤمنوا باللهِ ويَسْتَوجِبوا الجنةَ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: ثنى ابن إسحاقَ، عن بعضِ أصحابهِ، أن عبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ كان يقولُ: قال اللهُ له: ادخلِ الجنةَ. فدخَلها حيًّا يُرْزَقُ فيها، قد أَذْهَب اللهُ عنه سقمَ الدنيا وحزنَها ونصبَها، فلما أَفْضَى إلى رحمةِ اللهِ وجنتِه وكرامتِه قال: ﴿يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ (٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ﴾. فلما دخَلها ﴿قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾. قال: فلا تَلْقى المؤمنَ إلا ناصحًا، ولا تَلْقاه غاشًّا، فلما عايَن ما عايَن من كرامةِ اللهِ قال: ﴿يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾. تمنَّى على اللهِ أن يعلَمَ قومُه ما عايَن من كرامةِ اللهِ، وما هجَم عليه (٣).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ﴾. قال: قيل: قد وجَبت له الجنةُ. قال ذاك حينَ رأى الثوابَ (٤).