يَنْسِلُونَ﴾. أى: يخرُجون (١).
وقولُه: ﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال هؤلاء المشركونَ لمَّا نُفِخ في الصور نفخةُ البعثِ لموقفِ القيامةِ، فرُدَّت أرواحُهم إلى أجسامِهم، وذلك بعدَ نومةٍ نامُوها: ﴿يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾. وقد قيل: إن ذلك نومةٌ بينَ النفختين.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بن بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبيْرىُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن خَيْثمةَ، عن الحسنِ، عن أُبَىِّ بن كعبٍ في قولِه: ﴿يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾. قال: نامُوا نومةً قبل البعثِ (٢).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا مُؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن رجلٍ يقالُ له: خَيْثَمَةُ. فى قولِه: ﴿يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾. قال: يَنامُون نومةً قبل البعثِ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾: هذا قولُ أهلِ الضلالة. والرَّقْدةُ: ما بينَ النفختَين (٣).
стр. 13197
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسي، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا﴾. قال: الكافرون يقولونه (١).
ويعنى بقوله: ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا﴾: مَن أيقَظَنَا مِن مَنامِنَا. وهو من قولِهم: بَعَث فلانٌ ناقتَه فانبعَثَت. إذا أثارَها فثارَت. وقد ذُكر أن ذلك في قراءةِ ابنِ مسعودٍ: (مَن أَهَبَّنا (٢) مِن مَرْقَدِنَا هَذَا).
وفى قولِه ﴿هَذَا﴾ وجهان؛ أحدُهما، أن تكونَ إشارةً إلى ﴿مَا﴾، ويكون ذلك كلامًا مبتدأً بعد تَناهى الخبرِ الأوَّلِ بقولِه: ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾، فتكونَ ﴿مَا﴾ حينَئذٍ مرفوعةً بـ ﴿هَذَا﴾، ويكونَ معنى الكلام: هذا وعدُ الرحمن، وصدَق المرسلون. والوجهُ الآخرُ: أن تكونَ مِن صفةِ "المَرْقَدِ"، وتكونَ خفضًا، ردًّا على "المرقدِ"، وعندَها (٣) تمامُ الخبرِ عن الأوَّلِ، فيكونَ معنى الكلام: مَن بعَثنا مِن مَرْقَدِنا هذا. ثم يَبْتَدِئُ الكلامَ فيقالُ: ما وعَد الرحمنُ. بمعنى: بَعْثُكم وعدُ الرحمنِ. فتكونَ ﴿مَا﴾ حينَئذٍ رفعًا على هذا المعنى.
وقد اختَلف أهلُ التأويل فى الذى يقولُ حينئذٍ: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾؛ فقال بعضُهم: يقولُ ذلك أهلُ الإيمان بالله.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن
стр. 13198
مجاهدٍ: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾: [ما بَيَّن، المؤمنون يقولونه] (١)، هذا حينَ البعثِ (٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾. قال: قال أهلُ الهدى: هذا ما وعَد الرحمنُ وصدَق المرسَلون (٣).
وقال آخرون: بل كِلا القولين -أعنى: ﴿يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ - من قول الكفارِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾: ثم قال بعضُهم لبعضٍ: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾، كانوا أخبَرونا أنا نُبعَثُ بعد الموتِ، ونحاسَبُ ونُجازَى (٤).
والقولُ الأوَّلُ أشبهُ بظاهر التنزيلِ، وهو أن يكون من كلام المؤمنين؛ لأن الكفارَ في قيلِهم: ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾. دليلٌ على أنهم كانوا بمَن بعَثهم من مرْقَدِهم جُهَّالًا؛ وذلك من جَهْلِهم استَثْبَتوا، ومحالٌ أن يكونوا استَثْبَتوا ذلك إلَّا من
стр. 13199
غيرِهم، ممن خالفَت صفتُه صفتَهم في ذلك.
وقولُه: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن كانت إعادتُهم أحياءً بعدَ مَماتِهم إلا صيحةً واحدةً، وهى النفخةُ الثالثةُ فى الصور، ﴿فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾. يقولُ: فإذا هم مُجتمعون لدينا قد أُحْضِروا، فأُشْهِدوا مَوْقفَ العرضِ والحسابِ، لم يَتَخَلَّفْ عنه منهم أحدٌ.
وقد بَيَّنَّا اختلافَ المختلفين في قراءتِهم: ﴿إِلَّا صَيْحَةً﴾ بالنصبِ والرفعِ، فيما مضَى، بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (١).
القولُ في تأويل قولِه : ﴿فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا (٥٤) إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (٥٥)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿فَالْيَوْمَ﴾. يعنى يوم القيامةِ، ﴿لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾، كذلك ربُّنا لا يَظْلِمُ نفسًا شيئًا، فلا يوفِّيها جزاء عملِها الصالحِ، ولا يَحْمِلُ عليها وِزْرَ غيرِها، ولكنه يُوَفِّى كلُّ نفسٍ أجرَ ما عمِلت من صالحٍ، ولا يُعاقِبُها إلا بما اجتَرَمت واكتَسَبت من شيءٍ، ﴿وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. يقولُ: ولا تُكافَئُون إلا مكافأةَ أعمالِكم التي كنتم [تعملون بها] (٢) في الدنيا.
وقولُه: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾. اختلف أهلُ التأويل في معنى الشُّغُلِ الذى وصَف اللهُ جلَّ ثناؤُه أصحابَ الجنةِ أنهم فيه يومَ القيامةِ؛ فقال بعضُهم: ذلك افتضاضُ العَذارَى.
стр. 13200
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن حفصِ بنِ حُمَيدٍ، عن شِمْرِ ابن عطيةَ، عن شَقِيقِ بنِ سَلَمةَ، عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ في قولِه: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾. قال: شَغَلَهم افتضاضُ العَذارَى (١).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمِرُ، عن أبيه، عن أبي عمرٍو، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾. قال: افتضاضِ الأبكارِ (٢).
حدَّثني عُبَيدُ بنُ أَسْباط بن محمدٍ، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾. قال: افتضاضِ الأبكارِ (٣).
حدَّثني الحسنُ بنُ زُرَيْقٍ الطَّهَوِيُّ، قال: ثنا أسباطُ بنُ محمدٍ، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ مثلَه.
حدَّثنى الحسينُ بنُ علىٍّ الصَّدَائىُّ، قال: ثنا أبو النضر، عن الأشجعيِّ، عن وائلِ بن داودَ، عن سعيد بن المسيب في قوله: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾. قال: فى افتضاضِ العَذارَى (٤).
стр. 13201
وقال آخرون: بل عُنِى بذلك أنهم في نعمةٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ﴾. قال: فى نعمةٍ (١).
وقال آخرون: بل معنى ذلك أنهم فى شُغُلِ عما فيه أهلُ النارِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا عمرُو بنُ عبدِ الحميدِ، قال: ثنا مَرْوانُ، عن جُوَيبرٍ، عن أبي سَهْلٍ، عن الحسنِ فى قولِ اللهِ: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ الآية. قال شَغَلهم النعيمُ عما فيه أهلُ النارِ من العذابِ (٢).
حدَّثنا نصرُ بنُ علىٍّ الجَهْضَمِيُّ، قال: ثنا أبي، عن شُعْبَةَ، عَن أَبانِ بنِ تَغْلِبَ، عن إسماعيل بن أبي خالدٍ: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ الآية. قال: في شُغُلٍ عما يَلْقَى أهلُ النارِ (٣).
وأَولى الأقوالِ فى ذلك بالصواب أن يقالَ كما قال اللهُ جل ثناؤه: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ وهم أهلُها، ﴿فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾ بنِعَمٍ بأنهم (٤) في شُغُلٍ، وذلك
стр. 13202
الشُّغُلُ الذي هم فيه نعمةٌ، وافتضاضُ أبكارٍ، ولَهْوٌ، ولَذَّةٌ، وشُغُلٌ عما يَلْقَى أهلُ النار.
وقد اختلَفت القَرَأَةُ فى قراءة قولِه: ﴿فِي شُغُلٍ﴾؛ فقرأت ذلك عامةُ قرأة المدينةِ، وبعضُ البَصْريين على اختلافٍ عنه فيه: (فى شُغْلٍ) بضمِّ الشين وتسكينِ الغينِ (١).
وقد رُوِى عن أبي عمرٍو الضمُّ فى الشين والتسكينُ في الغينِ، والفتحُ في الشين والغينِ جميعًا (في شَغَلٍ).
وقَرأ ذلك بعضُ أهل المدينة والبصرة وعامةُ قرأة أهل الكوفة: ﴿فِي شُغُلٍ﴾ بضمِّ الشينِ والغينِ (١).
والصوابُ في ذلك عندى قراءتُه بضَمِّ الشين والغين، أو بضمِّ الشينِ وسكونِ الغين، بأىِّ ذلك قرَأه القارئُ فهو مصيبٌ؛ لأن ذلك هو القراءةُ المعروفةُ في قرأةِ الأمصارِ مع تقارُبِ معنَيَيهما.
وأما قراءتُه بفتح الشين والغين فغيرُ جائزةٍ عندى؛ لإجماع الحجةِ من القرأةِ على خلافِها.
واختلَفوا أيضًا فى قراءة قوله: ﴿فَاكِهُونَ﴾؛ فقرأت ذلك عامةُ قرأة الأمصار: ﴿فَاكِهُونَ﴾ بالألفِ. وذُكر عن أبي جعفرٍ القارئ أنه كان يقرؤُه: (فَكِهُونَ) بغيرِ ألفٍ (٢).
стр. 13203
والصوابُ من القراءة فى ذلك عندى قراءةُ من قرأه بالألف (١)؛ لأن ذلك هو القراءةُ المعروفةُ.
واختلَف أهلُ التأويل في تأويل ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: فَرِحون.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى علىٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾. يقولُ: فَرِحون (٢).
وقال آخرون: معناه: عَجِبون.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسي وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَاكِهُونَ﴾. قال: عَجِبون (٣).
واختلَف أهلُ العلم بكلام العرب فى ذلك؛ فقال بعضُ البَصْريين منهم: الفَكِهُ الذى يَتَفَكَّهُ. وقال: تقولُ العربُ للرجل إذا كان يَتَفكَّهُ بالطعام أو بالفاكهة أو بأعراضِ الناسِ: إن فلانًا لفَكِهٌ بأعراضِ الناسِ. قال: ومَن قرأها: ﴿فَاكِهُونَ﴾ جعَله كثيرَ الفواكهِ (٤)، صاحبَ فاكهةٍ. واستشهَدَ لقولِه ذلك ببيتِ الحُطَيئةِ (٥):
стр. 13204
ودَعَوتَنِي (١) وزَعَمْتَ أَنـ … ـك لَابِنٌ بالصيفِ تامِرْ
أي: عندَه لَبَنٌ كثيرٌ، وتمرٌ كثيرٌ، وكذلك عاسلٌ، ولاحِمٌ، وشاحمٌ (٢).
وقال بعضُ الكُوفيِّين: ذلك بمنزلة: حاذِرون وحَذِرون (٣).
وهذا القولُ الثاني أشبهُ بالكلمة.
القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (٥٦) لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ (٥٧) سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يعني تعالى ذكرُه جميعًا بقولِه: ﴿هُمْ﴾ أصحابَ الجنةِ، ﴿وَأَزْوَاجُهُمْ﴾ مِن أهل الجنة فى الجنةِ.
كما حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ قولَه: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ﴾. قال: حلائلُهم في ظُلَلٍ (٤).
واختلَفت القرأةُ فى قراءة ذلك؛ فقرَأ ذلك بعضُهم: (في ظُلَلٍ) بمعنى: جمعُ ظُلَّةٍ، كما تُجْمَعُ الحُلَّةُ حُلَلًا.
وقَرَأه آخرون: ﴿فِي ظِلَالٍ﴾. وإذا قُرِئ ذلك كذلك كان له وجهان؛ أحدُهما: أن يكون مُرادًا به جمعُ الظلِّ (٥) الذى هو بمعنى الكِنِّ، فيكونُ معنى الكلام حينَئذٍ: هم وأزواجُهم في كِنٍّ لا يَضْحَون لشمسٍ كما يَضْحَى لها أهلُ
стр. 13205
الدنيا؛ لأنه لا شمسَ فيها. والآخرُ: أن يكون مرادًا به جمعُ ظُلَّةٍ، فيكونُ وجهُ جمعِها كذلك نظيرَ جمعِهم الخُلَّةَ فى الكثرة الخِلالَ، والقُلَّةَ القِلالَ (١).
وقولُه: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾. فالأرائكُ هى الحِجالُ (٢) فيها السُّرُرُ والفُرُشُ، واحدتُها أريكةٌ. وكان بعضُهم يَزْعُمُ أَن كلَّ فِراشٍ أريكةٌ، ويَستَشْهِدُ لقولِه ذلك بقولِ ذي الرُّمَّةِ (٣):
. . . . . . . . . . . . كأنَّما … يُباشِرْنَ بالمَعْزاءِ مَسَّ الأرائِكِ
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبَرنا حُصَينٌ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾. قال: هي السُّرُرُ في الحِجَال.
حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا أبو الأحوص، عن حُصَينٍ، عن مجاهدٍ في قول الله: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾. قال: الأرائكُ: السُّرُرُ عليها الحِجالُ.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال ثنا سفيانُ، قال: ثنا حُصَينٌ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾. قال: الأرائكُ: السُّرُرُ فى الحِجالِ (٤).
стр. 13206
حدَّثنا أبو السائبِ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: أخبَرنا حُصَينٌ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾. قال: سُرُرٌ عليها الحِجَالُ.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ، عن أبيه، قال: زعَم محمدٌ أن عكرمة قال: الأرائكُ: السُّرُرُ فى الحِجالِ (١).
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، عن أبي رجاءٍ، قال: سَمِعتُ الحسنَ وسأله رجلٌ عن الأرائكِ، فقال: هى الحِجالُ. وأهلُ اليمن يقولون: أريكةُ فلانٍ. وسَمِعتُ عكرمةَ وسُئِل عنها، فقال: هى الحِجالُ على السُّرُر (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾. قال: هى الحِجالُ فيها السُّرُرُ (٢).
وقولُه: ﴿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ﴾. يقولُ: لهؤلاء -الذين ذكَرهم اللهُ ﵎ من أهلِ الجنةِ- في الجنةِ فاكهةٌ، ﴿وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾. يقولُ: ولهم فيها ما يَتَمَنَّون. وذُكر عن العربِ أنها تقولُ: ادَّعِ (٣) علىَّ ما شئتَ. أى: تَمَنَّ عليَّ ما شئتَ.
وقولُه: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾. وفي رفعِ ﴿سَلَامٌ﴾ وجهان في قولِ بعضِ نحويِّى الكوفةِ؛ أحدُهما: أن يكونَ خبرًا لـ ﴿مَا يَدَّعُونَ﴾، فيكون معنى الكلامِ: ولهم فيها (٤) ما يَدَّعون مُسَلَّمٌ لهم خالصٌ. وإذا وُجِّه معنى الكلامِ إلى ذلك، كان القولُ حينَئذٍ منصوبًا، توكيدًا خارجًا من السلام، كأنه قيل: ولهم فيها
стр. 13207
ما يدَّعون مسلَّمٌ خالصٌ حقًّا، كأنه قيل: قاله قولًا. والوجهُ الثاني: أن يكونَ قولُه: ﴿سَلَامٌ﴾ مرفوعًا على المدح، بمعنى: هو سلامٌ لهم قولًا مِن الله. وقد ذُكر أنها في قراءة عبد اللهِ: (سَلامًا قَوْلًا) (١) على أن الخبرَ مُتَنَاهٍ عندَ قولِه: ﴿وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾، ثم نصَب (سَلامًا) على التوكيد، بمعنى:: مُسَلَّمًا قولًا.
وكان بعضُ نحويِّى البصرة يقولُ: انتَصَب ﴿قَوْلًا﴾ على البدل من اللفظِ بالفعلِ، كأنه قال: أقولُ ذلك قولًا. قال: ومَن نصَبها نصَبها على خبر المعرفة على قولِه: ﴿وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾.
والذى هو أولى بالصوابِ -على ما جاء به الخبرُ عن محمدِ بن كعبٍ القُرَظِىِّ- أن يكونَ: ﴿سَلَامٌ﴾ خبرًا لقولِه: ﴿وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾، فيكونُ معنى ذلك: ولهم فيها ما يدَّعون، وذلك هو سلامٌ من الله عليهم، بمعنى: تسليمٌ من الله، ويكونُ ﴿سَلَامٌ﴾ ترجمةً عما يدَّعون، ويكونُ القولُ خارجًا من قولِه: ﴿سَلَامٌ﴾.
وإنما قلتُ ذلك أولَى بالصوابِ؛ لما حدَّثنا به إبراهيمُ بنُ سعيدٍ الجوهرىُّ، قال: ثنا أبو عبد الرحمن المقرِئُ، عن حَرْملةَ، عن سليمانَ بن حُمَيدٍ، قال: سمعتُ محمدَ بنَ كعبٍ يحدِّثُ عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ، قال: إذا فرَغ اللهُ مِن أهل الجنةِ وأهلِ النارِ، أقبَل يَمْشِى فى ظُلَلٍ مِن الغَمام والملائكةِ، فيَقِفُ على أول أهل درجةٍ، فيُسَلِّمُ عليهم، فيَرُدُّون عليه¬ السلامَ، وهو في القرآن: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾، فيقولُ: سَلُوا. فيقولون: ما نسألُك؟ وعِزَّتِك وجلالِك لو أنك قَسَمْتَ بينَنا أرزاقَ الثَّقَلَين لأطعَمْناهم وسَقَيناهم وكَسَوناهم. فيقولُ: سَلُوا. فيقولون: نسألُك رضاك. فيقولُ: رِضائى أحَلَّكم دارَ كَرامتى. فيَفْعَلُ ذلك بأهلِ كلِّ درجةٍ حتى
стр. 13208
ينتهىَ. قال: ولو أن امرأةً مِن الحُورِ العِينِ اطَّلعَت (١)، لأطفأ ضوءُ سِوارَيها الشمسَ والقمرَ، فكيف بالمُسَوَّرةِ (٢).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: ثنا حَرْمَلَةُ، عن سليمانَ بنِ حُمَيدٍ، قال: سمعتُ محمدَ بنَ (*) كعبٍ القُرَظِىَّ يحدِّثُ عمرَ بنَ عبدِ العزيز، قال: إذا فرَغ اللهُ مِن أهل الجنةِ وأهلِ (٣) النارِ، أقبَل في ظُللٍ مِن الغَمَامِ والملائكةِ. قال: فيُسَلِّمُ على أهل الجنة، فيَرُدُّون عليه¬ السلامَ. قال القُرَظىُّ: وهذا في كتاب الله: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ فيقولُ: سَلُونى. فيقولون: ماذا نسألُك أى ربِّ؟ قال: بل سَلُونى. قالوا: نسألُك أى ربِّ رضاك. قال: رضائى أحَلَّكم دارَ كرامتى. قالوا: ياربّ، وما الذى نسألُك؟ فوعزَّتِك وجلالك وارتفاعِ مكانِك، لو قَسَمتَ علينا رزقَ الثَّقَلَين لأطعَمْناهم ولأسقَيناهم ولألبَسْناهم ولأخْدَمناهم، لا يَنْقُصُنا ذلك شيئًا. قال: إن لدىَّ مزيدًا. قال: فيفعلُ الله ذلك بهم في دَرَجِهم، حتى يستوىَ فى مجلسِه. قال: ثم تأتيهم التحفُ مِن اللهِ تَحْمِلُها إليهم الملائكةُ. ثم ذكَر نحوَه (٤).
حدَّثنا ابنُ سنانٍ القَزَّازُ، قال: ثنا أبو عبد الرحمن، قال: ثنا حَرْملةُ، قال: ثنا سليمانُ بنُ حُمَيدٍ، أنه سمع محمد بن كعبٍ القُرَظِيَّ يحدِّثُ عمر بن عبد العزيز،
стр. 13209
قال: إذا فرَغ اللهُ مِن أهل الجنة وأهل النار، أقبَل يَمْشِي في ظُلَلٍ مِن الغَمَامِ ويقفُ.
قال: ثم ذكَر نحوَه، إلا أنه قال: فيقولون: فماذا نسألُك يا ربِّ؟ فوعزَّتِك وجلالك وارتفاع مكانِك، لو أنك قسَمتَ علينا أرزاق الثقلين؛ الجنِّ والإنسِ، لأطعَمْناهم ولسقَيناهم ولأخدَمْناهم، مِن غير أن يَنتقِصَ ذلك شيئًا مما عندنا. قال: بلي فسَلُونى. قالوا: نسألُك رضاك. قال: رضائى أحلَّكم دارَ كرامتى. فيفعلُ هذا بأهل كلِّ درجةٍ، حتى ينتهىَ إلى مجلسه. وسائرُ الحديث مثلُه. فهذا القولُ الذى قاله محمدُ بنُ كعبٍ، يُنْبِئُ عن أن ﴿سَلَامٌ﴾ بيانٌ عن قوله: ﴿مَا يَدَّعُونَ﴾، وأن "القول" خارجٌ من "السلام".
وقولُه: ﴿مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾. يعني: رحيمٍ بهم، إذ لم يعاقِبْهم بما سلف لهم مِن جُرْمٍ في الدنيا.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (٥٩) أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١)﴾.
يعنى بقولِه: ﴿وَامْتَازُوا﴾: تَمَيَّزوا، وهى افتَعلوا، مِن مازَ يَميزُ، وفعل يفعلُ، منه: امتازَ يمتازُ امتيازًا.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قولَه: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾. قال: عُزِلوا عن كلِّ خيرٍ (١).
стр. 13210
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن بنُ محمدٍ المُحاربيُّ، عن إسماعيلَ بنِ رافعٍ، عمَّن حدَّثه، عن محمدِ بنِ كعبٍ القُرَظِيِّ، عن أبي هريرةَ، أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: "إذا كان يوم القيامة أمَر الله جهنمَ، فيَخْرُجُ منها عُنُقٌ ساطِعٌ مُظْلِمٌ، ثم يقولُ: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢) هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾، امْتَازُوا اليوم أيُّها المجرمون. فيَتَمَيَّزُ الناسُ ويَجْثُون، وهى قولُ اللهِ: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ " (١) [الجاثية: ٢٨].
فتأويلُ الكلام إذن: وتَمَيَّزوا من المؤمنين اليوم أيُّها الكافرون باللهِ، فإنكم واردون غيرَ مَوْرِدِهم، وداخلون غير مَدْخَلِهم.
وقولُه: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾، وفى الكلام متروكٌ استُغْنِى بدلالة الكلام عليه منه، وهو: ثُم يقالُ: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ﴾. يقولُ: ألم أُوصِكم وآمُرْكم في الدنيا ألا تَعْبُدوا الشيطان، فتُطيعوه في معصية الله؟! ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾. يقولُ: وأقولُ لكم: إن الشيطان لكم عدوٌّ مبينٌ، قد أبان لكم عداوتَه، بامتناعه من السجودِ لأبيكم آدمَ؛ حسدًا منه له على ما كان الله أعطاه من الكرامةِ، وغُرورَه إياه، حتى أخرَجه وزوجتَه من الجنةِ.
وقولُه: ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾. يقولُ: وألم أَعْهَدْ إليكم أن اعبُدونى دونَ كلِّ ما سواى من الآلهةِ والأنداد، وإياى فأطيعوا؛ فإن إخلاصَ
стр. 13211
عبادتي، وإفرادَ طاعتى، ومعصية الشيطان، هو الدينُ الصحيحُ، والطريقُ المستقيمُ؟!
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢) هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٦٣) اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٦٤)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى تعالى ذكرُه بقوله: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا﴾: ولقد صَدَّ الشيطانُ منكم خلقًا كثيرًا عن طاعتى وإفرادى بالأُلوهةِ، حتى عبدوه، واتَّخَذوا من دونى آلهةً يَعْبُدونها.
كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا﴾. قال: خلقًا (١).
واختَلَفت القَرَأَةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرأته عامةُ قَرَأةِ المدينة وبعضُ الكُوفيين: ﴿جِبِلًّا﴾ بكسر الجيم وتشديد اللام. وكان بعضُ المكيِّين وعامةُ قرأة الكوفة يَقْرَءُونه: (جُبُلًا) بضمِّ الجيمِ والباءِ وتخفيف اللام، وكان بعضُ قرأةِ البصرةِ يَقْرَؤُه: (جُبْلًا) بضمِّ الجيم وتسكين الباء (٢). وكلُّ هذه لغاتٌ معروفات؛ غير أنى لا أحبُّ القراءة فى ذلك إلَّا بإحدَى القراءتين اللتين إحداهما بكسر الجيم وتشديد اللام، والأخرى: ضمُّ الجيم والباء وتخفيف اللام؛ لأن ذلك هي القراءةُ التي عليها عامةُ
стр. 13212
قَرَأةِ الأمصارِ.
وقولُه: ﴿أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾. يقولُ: أفلم تكونوا تَعْقِلُون أيُّها المشركون -إذ أطَعتم الشيطان فى عبادة غيرِ اللهِ- أنه لا يَنْبَغِى لكم أن تُطِيعوا عدوَّكم وعدوَّ الله، وتَعْبُدوا غير الله.
وقولُه: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾. يقولُ: هذه جهنمُ التي كنتم تُوعَدون بها في الدنيا على كفركم بالله، وتكذيبكم رسله، فكنتم بها تُكَذِّبون. وقيل: إن جهنم أولُ بابٍ من أبواب النارِ.
وقولُه: ﴿اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾. يقولُ: احتَرِقوا بها اليومَ ورِدُوها. يعنى باليوم: يوم القيامة، ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾. يقولُ: بما كنتم تَجْحَدونها في الدنيا، وتُكَذِّبون بها.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٦٥)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى تعالى ذكرُه بقوله: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ﴾: اليومَ نطبعُ على أفْواه المشركين، وذلك يوم القيامةِ، ﴿وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ﴾ بما عملوا في الدنيا من مَعاصى اللهِ، ﴿وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ﴾. قيل: إن الذى ينطقُ مِن أرجلِهم أفخاذُهم من الرِّجْل اليُسرى، ﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ في الدنيا من الآثامِ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيم، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: ثنا يونسُ بنُ عُبَيدٍ، عن حُميد بن هلالٍ، قال: قال أبو بُرْدةَ، قال أبو موسى: يُدْعَى المؤمنُ للحسابِ يومَ
стр. 13213
القيامةِ، فيَعْرِضُ عليه ربُّه عمله فيما بينَه وبينَه، فيعترفُ، فيقولُ: نعم أى ربِّ، عمِلتُ عمِلتُ عمِلتُ. قال: فيغفرُ الله له ذنوبَه، ويسترُه منها، فما على الأرضِ خليقةٌ يرى من تلك الذُّنوبِ شيئًا، وتَبْدو حسناتُه، فودَّ أن الناس كلَّهم يَرَونها، ويُدْعَى الكافرُ والمنافقُ للحسابِ، فيَعرِضُ عليه ربُّه عمله فيَجْحَدُه، ويقولُ: أى ربِّ، وعِزَّتِك لقد كتَب علىَّ هذا المَلَكُ ما لم أعملْ. فيقولُ له المَلَكُ: أما عمِلتَ كذا في يومِ كذا في مكان كذا؟ فيقولُ: لا وعِزَّتِك، أى ربِّ، ما عملتُه. فإذا فعل ذلك خُتِم على فِيهِ. قال الأشعرىُّ: فإنى أحسَبُ أوَّلَ ما ينطقُ منه لَفَخِذَه اليُمْنى. ثم تلا: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (١).
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثني يحيى، عن أبي بكر بن عَيَّاشٍ، عن الأعمش، عن الشعبيِّ، قال: يقالُ للرجل يومَ القيامة: عملت كذا وكذا. فيقولُ: ما عملتُ. فيُخْتَمُ على فِيهِ، وتنطقُ جَوارحُه، فيقولُ لجوارحه: أَبْعَدَكُنَّ اللهُ، ما خاصَمتُ إِلا فيكنَّ (٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ﴾ الآية. قال: قد كانت خصوماتٌ وكلامٌ، فكان هذا آخره، وخُتِم على أفواهِهم (٣).
حدَّثني محمدُ بنُ عوفٍ الطائيُّ (٤)، قال: ثنا ابنُ المباركِ، عن ابنِ عَيَّاشٍ، عن
стр. 13214
ضَمْضَمِ بنِ زُرْعةَ، عن شُرَيحِ بنِ عُبَيدٍ، عن عقبة بن عامرٍ، أنه سمع النبيَّ ﷺ يقولُ: "أوَّلُ شَيْءٍ يتكلمُ من الإنسانِ يومَ يختمُ اللهُ على الأفواهِ، فَخِذُه مِن رِجْلِه اليُسْرَى" (١).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ (٦٦) وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ (٦٧)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: اختلَف أهلُ التأويل في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ﴾؛ فقال بعضُهم: عنى بذلك: ولو نشاءُ لأعْمَيناهم عن الهُدى، وأَضْلَلْناهم عن قَصْدِ الحُجَّةِ (٢).
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني علىٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ﴾. يقولُ: أضْلَلتُهم وأعمَيتُهم عن الهُدى (٣).
وقال آخرون: معني ذلك: ولو نشاءُ لترَكْناهم عُمْيًا.
стр. 13215
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يعقوبُ، [قال: ثنا] (١) ابنُ عُلَيَّةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسن في قوله: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ﴾. قال: لو يشاءُ لطَمَس على أعينهم فترَكهم عُمْيًا يتردَّدون (٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ﴾. يقولُ: ولو شِئْنا لترَكْناهم عُمْيًا يتردَّدون (٣).
وهذا القولُ الذي ذكرناه عن الحسن وقتادة أشبهُ بتأويل الكلام؛ لأن الله إنما تهدَّد به قومًا كفارًا، فلا وجه لأن يقال وهم كفارٌ: لو نشاء لأضْلَلْناهم. وقد أضَلَّهم، ولكنه قال: لو نشاءُ لعاقبناهم على كفرهم، فطَمَسْنا على أعينهم فصَيَّرْناهم عُمْيًا لا يُبْصِرون طريقًا، ولا يَهْتَدون له. والطَّمْسُ على العين: هو أَلَّا يكونَ بينَ جَفْنَى العينِ غَرٌّ؛ وذلك هو الشِّقُّ الذى يكونُ بين الجفنَين، كما تَطْمِسُ الريحُ الأَثَرَ، يقال: أعمى مطموسٌ وطَمِيسٌ.
وقولُه: ﴿فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ﴾. يقولُ: فابتَدَروا الطريق.
كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ
стр. 13216
قولَه: ﴿فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ﴾. قال: الطريق (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ﴾. أى: الطريق (٢).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قوله: ﴿فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ﴾. قال: الصِّراطُ: الطريقُ.
وقولُه: ﴿فَأَنَّى يُبْصِرُونَ﴾. يقولُ: فأَىَّ وَجْهٍ يُبْصرون أن يَسْلُكوه من الطرق، وقد طَمَسْنا على أعينهم!
كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿فَأَنَّى يُبْصِرُونَ﴾ وقد طمَسْنا على أعينهم (٣).
وقال الذين وجَّهوا تأويلَ قوله: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ﴾ إلى أنه معنىٌّ به العَمَى عن الهدَى: تأويلُ قولِه: ﴿فَأَنَّى يُبْصِرُونَ﴾: فأَنّي يَهْتَدُون للحقِّ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى علىٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَأَنَّى يُبْصِرُونَ﴾. يقولُ: فكيف يَهْتَدون (٤)!
стр. 13217
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿فَأَنَّى يُبْصِرُونَ﴾. يقولُ: لا يُبْصِرون الحقَّ (١).
وقولُه: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولو نشاءُ لأقْعَدْنا هؤلاء المشركين من أرجلهم في منازلهم، ﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ﴾. يقولُ: فلا يستطيعون أن يَمْضُوا أمامَهم، ولا أن يرجعوا وراءَهم.
وقد اختلَف أهلُ التأويل فى تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم بنحو الذي قلنا في ذلك.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسن: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ﴾. قال: لو نشاءُ لأقْعَدْناهم (٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ﴾. أى: لأقْعَدْناهم على أرجلهم، ﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ﴾: فلم يستطيعوا أن يتقدَّموا ولا يتأخَّروا (٣).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولو نشاءُ لأهلَكْناهم في منازلهم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن
стр. 13218
أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ﴾. يقولُ: ولو نشاءُ أهلَكْناهم فى مساكِنهِم (١).
والمكانةُ والمكانُ بمعنًى واحدٍ، وقد بَيَّنَّا ذلك فيما مضى قبلُ (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ (٦٨) وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩) لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧٠)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ﴾ فنَمُدَّ له في العُمُرِ، ﴿نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ﴾. يقولُ: نرُدُّه إلى مثل حاله في الصِّبا مِن الهَرَمِ والكِبَرِ، وذلك هو النَّكسُ فى الخلقِ، فيصيرُ لا يعلمُ شيئًا بعد العلم الذي كان يعلمُه.
وبالذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ﴾. يقولُ: مَن نَمُدَّ له في العُمُرِ نُنَكِّسْه في الخلقِ، لكيلا يعلمَ بعدَ علمٍ شيئًا، يعنى الهَرَم (٣).
واختلَفت القرأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿نُنَكِّسْهُ﴾؛ فقرأه عامةُ قرأة المدينةِ
стр. 13219
والبصرةِ وبعضُ الكوفيِّين: (نَنْكُسْهُ) بفتح النون الأولى وتَسْكين الثانية (١). وقرأته عامَّةُ قرأة الكوفة: ﴿نُنَكِّسْهُ﴾ بضمِّ النون الأولى وفتح الثانية وتشديد الكافِ (٢).
والصوابُ من القولِ فى ذلك أنهما قراءتان مشهورتان في قرأةِ الأمصارِ، فبأيَّتِهما قرأ القارئُ فمصيبٌ، غير أن التي عليها عامةُ قرأة الكوفيِّين أعجبُ إليَّ؛ لأن التنكيس من الله فى الخلقِ إنما هو حالٌ بعد حالٍ، وشيءٌ بعد شيءٍ، فذلك [تأكيدُ التشديد] (٣).
وكذلك اختلَفوا فى قراءة قوله: ﴿أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾؛ فقرأته قرأةُ (٤) المدينةِ: (أَفَلا تَعْقِلُونَ) بالتاء على وَجْهِ الخطابِ (٥). وقرأته قرأةُ الكوفة بالياء على الخبرِ (٦)، وقراءةُ ذلك بالياء أشبهُ بظاهر التنزيلِ؛ لأنه احتجاجٌ من الله على المشركين الذين قال لهم (٧): ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ﴾ فإخراجُ ذلك خبرًا على نحو ما خُرِّج قولُه: ﴿لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ﴾ أعجبُ إلىَّ، وإن كان الآخر غير مدفوعٍ.
ويعنى تعالى ذكرُه بقوله: ﴿أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾: أفلا يعقلُ هؤلاء المشركون قُدْرةَ الله على ما يشاءُ بمُعاينتِهم ما يُعايِنون من تَصْريفِ خلقِه فيما شاء وأحبَّ، من
стр. 13220
صِغَرٍ إلى كِبَرٍ، ومن تَنْكيسٍ بعد كِبَرٍ في هَرَمٍ؟
وقولُه: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وما عَلَّمْنا محمدًا الشعرَ، وما ينبغى له أن يكونَ شاعرًا.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾. قال: قيل لعائشةَ: هل كان رسولُ الله ﷺ يَتَمَثَّلُ بشيءٍ مِن الشِّعْرِ؟ قالت: كان أبغض الحديثِ إليه، غير أنه كان يتمثَّلُ ببيت أخي بني قيسٍ، فيجعلُ آخرَه أوَّلَه، وأوَّله آخره، فقال له أبو بكرٍ: إنه (١) ليس هكذا. فقال نبىُّ الله: "إنِّى والله ما أنا بشاعرٍ، ولا يَنْبَغى لى" (٢).
وقولُه: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ما هو إلا ذكرٌ. يعنى بقوله: ﴿إِنْ هُوَ﴾. أى (٣): محمدٌ، ﴿إِلَّا ذِكْرٌ﴾ لكم أيُّها الناسُ، ذكَّركم الله بإرساله إيَّاه إليكم، ونَبَّهَكم به على حَظِّكم، ﴿وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾. يقولُ: وهذا الذي جاءكم به محمدٌ قرآنٌ مبينٌ، يقولُ: يَبِينُ لمَن تَدَبَّره بعقلٍ ولُبٍّ، أنه تنزيلٌ من الله، أنزَله إلى محمدٍ، وأنه ليس بشعْرٍ ولا سَجْعِ كاهنٍ.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾. قال: هذا القرآنُ (٤).
стр. 13221
وقولُه: ﴿لِيُنْذِرَ (١) مَنْ كَانَ حَيًّا﴾. يقولُ: إنْ محمدٌ إلا ذكرٌ لكم ليُنْذِرَ منكم أيُّها الناسُ من كان حىَّ القلبِ، يَعْقِلُ ما يقالُ له، ويفهمُ ما يُبَيِّنُ له، غير ميتِ الفؤادِ بَلِيدٍ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن رجلٍ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا﴾. قال: مَن كان عاقلًا (٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا﴾: حىَّ القلب، حىَّ البصر (٣).
وقولُه: ﴿وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾. يقولُ: ويجب (٤) العذابُ على أهلِ الكفر بالله، المُوَلِّين عن اتِّباعه، المُعْرِضين عما أتاهم به من عند الله.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى
стр. 13222
الْكَافِرِينَ﴾؛ بأعمالِهم (١).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (٧٢)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾؛ هؤلاء المشركون باللهِ الآلهةَ والأوثانَ، ﴿أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾. يقولُ: مما خلَقْنا من الخلقِ، ﴿أَنْعَامًا﴾ وهى المواشى التي خلقها الله لبنى آدم، فسَخَّرها لهم من الإبل والبقر والغنم، ﴿فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾. يقولُ: فهم لها مُصَرِّفون كيف شاءوا بالقهر منهم لها والضَّبْطِ.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾. أى: ضابِطون (٢).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ فقيل له: أهى الإبلُ؟ فقال: نعم. قال: والبقرُ من الأنعام، وليست بداخلةٍ (٣) في هذه الآية. قال: والإبلُ والبقرُ والغنمُ من الأنعامِ. وقرأ: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الأنعام: ١٤٣]. قال: والبقرُ والإبلُ هى النَّعمُ (٤)، وليست تدخُلُ الشاءُ (٥) في النَّعمِ (٤).
стр. 13223
وقولُه: ﴿وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ﴾. يقولُ: وذَلَّلْنا هذه الأنعام لهم، ﴿فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ﴾. يقولُ: فمنها ما يركبون كالإبل يسافرون عليها، يقالُ: هذه دابةٌ رَكُوبٌ. والرُّكُوبُ بالضمِّ: هو الفعلُ، ﴿وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾ لحومَها.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ﴾ يركبونها يسافرون عليها، ﴿وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾ لحومها (١).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٧٣) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (٧٤)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَلَهُمْ﴾ فى هذه الأنعام، ﴿مَنَافِعُ﴾. وذلك منافعُهم فى أصوافِها وأوبارِها وأشعارها، باتخاذهم من ذلك أثاثًا ومتاعًا، ومن جلودها أكنانًا، ﴿وَمَشَارِبُ﴾ يشربون ألبانها.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾: يَلْبَسون أصوافَها، ﴿وَمَشَارِبُ﴾: يشرَبون ألبانَها (١).
وقولُه: ﴿أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾. يقولُ: أفلا يشكُرون نِعْمتى (٢) هذه، وإحْساني إليهم؛ بطاعتى وإفرادِ الأُلوهةِ لى والعبادة، وترك طاعة الشيطان وعبادة الأصنام؟!.
стр. 13224
وقولُه: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً﴾. يقولُ: واتَّخَذ هؤلاء المشركون مِن دونِ اللهِ آلهةً يعبُدونها، ﴿لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ﴾. يقولُ: طَمَعًا أن تنصُرَهم تلك الآلهةُ مِن عقابِ اللهِ وعذابِه.
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (٧٥) فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٦)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: لا تستطيعُ هذه الآلهة نصرَهم مِن اللهِ إن أراد بهم سُوءًا، ولا تدفعُ عنهم ضُرًّا.
وقولُه: ﴿وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾. يقولُ: وهؤلاء المشركون لآلهتِهم جندٌ مُحْضَرون.
واختلَف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ قولِه: ﴿مُحْضَرُونَ﴾. وأين حُضُورُهم إياهم؛ فقال بعضُهم: عنَى بذلك: وهم لهم جندٌ مُحْضَرون عندَ الحسابِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِه: ﴿وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾. قال: عندَ الحسابِ (١).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: وهم لهم جندٌ مُحْضَرون فى الدنيا يغضَبون (٢) لهم.
стр. 13225
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ﴾: الآلهةُ، ﴿وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾: والمشركون يغضَبون للآلهةِ فى الدنيا، وهى لا تسوقُ إليهم خيرًا، ولا تدفع عنهم سوءًا (١)، إنما هي أصنامٌ (٢).
وهذا الذى قاله قتادةُ أولى القولَين عندَنا بالصوابِ فى تأويلِ ذلك؛ لأن المشركين عند الحساب تتبرأُ منهم (٣) الأصنامُ، وما كانوا يعبُدونه، فكيف يكونون لها جندًا حينَئذٍ، ولكنهم فى الدنيا هم لهم جندٌ يغضَبون (٤) لهم، ويُقاتِلون دونَهم.
وقولُه تعالى: ﴿فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : فلا يَحْزُنْك يا محمدُ قولُ هؤلاء المشركين باللهِ مِن قومِك لك: إنك شاعرٌ، وما جِئتَنا به شعرٌ ولا تكذيبُهم بآياتِ اللهِ وجحودُهم نُبُوَّتَك.
وقولُه: ﴿إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إنا نعلمُ أن الذى يَدْعُوهم إلى قيلِ ذلك لك الحسدُ، وهم يعلَمون أن الذى جئتَهم به ليس بشعرٍ، ولا يُشْبِهُ الشعرَ، وأنك لستَ بكذَّابٍ، فنعلمُ ما يُسِرُّون مِن معرفتِهم بحقيقةِ ما تدعوهم إليه، وما يُعْلِنُون مِن جُحُودِهم ذلك بألسنتِهم علانيةً.
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ
стр. 13226
رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ﴾. واختُلِف فى الإنسانِ الذى عُنى بقولِه: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ﴾؛ فقال بعضُهم: عُنِى به أُبىُّ بنُ خلفٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ بنُ موسى، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبى يحيى، عن مجاهدٍ فى قولِه: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾. قال: أُبىُّ بنُ خَلَفٍ أَتَى رسولَ اللهِ ﷺ بعَظْمٍ (١).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:
﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا﴾. قال: أُبىُّ بنُ خلفٍ (٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ،
عن قتادةَ قولَه: ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾: ذُكِر لنا أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أتاه أبىُّ بنُ خلفٍ بعَظْمٍ حائلٍ، فَفَتَّه، ثم ذَرَاه فى الريحِ، ثم قال: يا محمدُ، مَن يُحْيى هذا وهو رميمٌ؟ قال: "اللهُ يُحْيِيه، ثم يُمِيتُك (٣)، ثم يُدْخِلُك النارَ". قال: فقتَله رسولُ اللهِ ﷺ يومَ أُحُدٍ (٤).
وقال آخرون: بل عُنِى به العاصُ بنُ وائلٍ السَّهْمِىُّ.
стр. 13227
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبَرنا أبو بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: جاء العاصُ بنُ وائلٍ السَّهْمِىُّ إلى رسولِ اللهِ ﷺ بعَظْمٍ حائلٍ، فَفَتَّه بينَ يدَيه، فقال: يا محمدُ، أيبعثُ اللهُ هذا حيًّا بعدَما أرَمَّ (١)؟ قال: "نَعَمْ يَبْعَثُ اللهُ هذا، ثم يُمِيتُكَ ثم يُحْيِيكَ، ثم يُدْخِلُك نارَ جهنمَ". قال: فنزَلت الآياتُ: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ إلى آخرِ الآيةِ (٢).
وقال آخرون: بل عُنى به عبدُ اللهِ بنُ أُبىٍّ (٣).
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ إلى قولِه: ﴿وَهِيَ رَمِيمٌ﴾. قال: جاء عبدُ اللهِ بنُ أُبىٍّ إلى النبىِّ ﷺ بعَظْمٍ حائلٍ، فكسَره بيدِه، ثم قال: يا محمدُ، كيف يبعثُ اللهُ هذا وهو رَمِيمٌ؟ فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "يَبْعَثُ اللهُ هذا، ويُمِيتُك، ثم يُدْخِلُك جهنمَ". فقال اللهُ: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ (٤).
стр. 13228
فتأويلُ الكلامِ إذن: أو لم يَرَ هذا الإنسانُ الذى يقولُ: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ أنَّا خلَقناه مِن نطفةٍ فسَوَّيناه خلقًا سَوِيًّا، ﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ﴾. يقولُ: فإذا هو ذو خُصُومةٍ لربِّه، يُخاصِمُه فيما قال له ربُّه إنى فاعلٌ، وذلك إخبارُ اللهِ إيَّاه أنه مُحْيى خلقِه بعدَ مماتِهم، فيقولُ: مَن يُحْيِى هذه العظامَ وهى رَمِيمٌ؟ إنكارًا منه لقُدرةِ اللهِ على إحْيائِها.
وقولُه: ﴿مُبِينٌ﴾. يقولُ: يَبينُ لمَن سمِع خُصومتَه وقيلَه ذلك، أنه مخاصمٌ ربَّه الذى خلَقه.
وقولُه: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾. يقولُ: ومَثَّل لنا شَبَهًا بقولِه: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ إذ كان لا يقدِرُ على إحياءِ ذلك أحدٌ، يقولُ: فجعَلَنا كمَن لا يقدرُ على إحياءِ ذلك مِن الخلقِ، ﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾. يقولُ: ونسِى خَلْقَنا إيَّاه كيف خلَقناه، وأنه لم يَكُنْ إلا نطفةً، فجعَلناها خَلْقًا سَوِيًّا ناطقًا. [يقولُ: فلم يُفكِّرْ فى خَلْقِناه، فيعلمَ أن مَن خَلَقه مِن نطفةٍ حتى صار بَشَرًا سويًّا ناطقًا] (١) مُتَصَرِّفًا، لا يَعْجِزُ أن يُعِيدَ الأمواتَ أحياءً، والعظامَ الرَّميمَ بَشَرًا كهيئتِهم التى كانوا بها قبلَ الفناءِ، يقولُ اللهُ لنبيِّه محمدٍ ﷺ : ﴿قُلْ﴾ لهذا المشركِ القائلِ لك: مَن يُحْيِى العظامَ وهى رَمِيمٌ: ﴿يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾. يقولُ: يُحْيِيها الذى ابتدَع خَلْقَها أولَ مرةٍ ولم تَكُنْ شيئًا، ﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾. يقولُ: وهو بجميعِ خلقِه ذو علمٍ؛ كيف يميتُ، وكيف يُحْيى، وكيف يُبْدِئُ، وكيف يُعيدُ، لا يَخْفَى عليه شيءٌ مِن أمرِ خلقه.
стр. 13229
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: قُلْ يُحْيِيها الذى أنشَأها أوَّلَ مرةٍ، ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا﴾. يقولُ: الذى أخرَج (١) لكم مِن الشجرِ الأخضرِ نارًا تُحْرِقُ الشجرَ، لا يمتنعُ عليه فعلُ ما أرادَ، ولا يعجِزُ عن إحياءِ العظامِ التى قد رَمَّت، وإعادتِها بَشَرًا سويًّا وخلقًا جديدًا، كما بدَأها أوَّلَ مرةٍ.
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا﴾. يقولُ: الذى أخرَج هذه النارَ مِن هذا الشجرِ الأخضرِ (٢) قادرٌ أن يبعثَه (٣).
قولُه: ﴿فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾. يقولُ: فإذا أنتم مِن الشجرِ توقِدون النارَ.
وقال: ﴿مِنْهُ﴾ و "الهاءُ" مِن ذكرِ الشجرِ، ولم يَقُلْ: "منها". والشجرُ جمعُ شجرةٍ؛ لأنه خُرِّج (٤) مخرجَ الثمرِ والحصَى، ولو قيل: "منها". كان صوابًا
стр. 13230
أيضًا؛ لأن العربَ تُذكِّرُ مثلَ هذا وتُؤنِّثُه.
وقولُه: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾. يقوُل تعالى ذكرُه مُنَبِّهًا هذا الكافرُ الذى قال: من يحيى العظامَ وهى رَميمٌ. على خطأِ قولِه وعظيمِ جهلِه: أوَ ليس الذى خلَق السماواتِ السبعَ والأرضَ بقادرٍ على أن يخلُقَ مثلَكم (١)، فإن خلقَ مثلِكم مِن العظامِ الرَّمِيمِ ليس بأعظمَ مِن خلقِ السماواتِ والأرضِ. يقولُ: فمَن لم يَتعذَّرْ عليه خلقُ ما هو أعظمُ مِن خَلْقِكم، فكيف يَتعذَّرُ عليه إحياءُ العظامِ مِن بعدِ ما قد رَمَّت وبَلِيَت؟
وقولُه: ﴿بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ يقولُ: بلى، هو قادرٌ على أن يخلُقَ مثلَهم، وهو الخلّاقُ لِما يشاءُ، الفَعَّالُ لِما يريدُ، العليمُ بكلِّ ما خلَق ويخلُقُ، لا يخفَى عليه خافيةٌ.
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: إنَّما أَمْرُ اللهِ إذا أراد خلقَ شيءٍ أن يقولَ لهُ: كنْ. فيكونُ.
وكان قتادةُ يقولُ فى ذلك ما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾. قال: هذا مِثْلُ: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. قال: ليس مِن كلامِ العربِ شيءٌ هو أخفَّ مِن ذلك، ولا
تفسيُر سورةِ الصَّافَّاتِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
القولُ فى تأويلِ قولِه : ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (٢) فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (٣)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: أقسَم اللهُ تعالى ذكرُه بالصَّافَّات، والزّاجِراتِ، والتّالِياتِ الذِّكرَ (١)؛ فأما الصَّافَّاتُ فإنّها الملائكةُ الصَّافَّاتُ لربِّها فى السماءِ، وهى جمعُ صافَّةٍ، فالصَّافَّاتُ جَمْعُ جَمْعٍ، وبذلك جاء تأويلُ أهلِ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى سلمُ بنُ جُنادةَ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن مسلمٍ، قال: كان مسروقٌ يقولُ فى الصَّافَّاتِ: هى الملائكةُ (٢).
حدَّثنا إسحاقُ بنُ أبى إسرائيلَ، قال: أخبَرنا النضرُ بنُ شُميلٍ، قال: أخبَرنا شُعْبةُ، عن سليمانَ، قال: سمِعتُ أبا الضحى (٣)، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللهِ بمثلِه (٤).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:
стр. 13233
﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا﴾. قال: قسمٌ؛ أقسَم اللهُ بخلقٍ ثم خلقٍ ثم خلقٍ. والصَّافَّاتُ: الملائكةُ صُفوفًا فى السماءِ (١).
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ فى قولِه: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا﴾. قال: هم الملائكةُ (٢).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا﴾. قال: هذا قسمٌ أقسَم اللهُ به.
واختلَف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ قولِه: ﴿فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا﴾؛ فقال بعضُهم: هى الملائكةُ تَزْجُرُ السحابَ تَسُوقُه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِه: ﴿فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا﴾. قال: الملائكةُ (٣).
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ فى قولِه: ﴿فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا﴾. قال: هم الملائكةُ (٤).
وقال آخرون: بل ذلك آىُ القرآنِ التى زجَر اللهُ بها عمّا زجَر بها عنه فى القرآنِ.
стр. 13234
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا﴾. قال: ما زجَر اللهُ عنه فى القرآنِ (١).
قال أبو جعفرٍ: والذى هو أولى بتأويلِ الآيةِ عندَنا ما قاله مجاهدٌ ومن قال: هم الملائكةُ. لأن اللهَ جلَّ ثناؤه ابتدَأ القسَمَ بنوعٍ من
الملائكةِ، وهم الصافُّون بإجماعٍ من أهلِ التأويلِ، فلأن يكونَ الذى بعدَه قسمًا بسائرِ أصنافِهم أشبهُ.
وقولُه: ﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾. يقولُ: فالقارئاتِ كتابًا.
واختلَف أهلُ التأويلِ فى المعنىِّ بذلك؛ فقال بعضُهم: هم الملائكةُ.
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾. قال: الملائكةُ (٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾. قال: هم الملائكةُ (٣).
стр. 13235
وقال آخرون: هو ما يُتلَى مما (١) فى القرآنِ من أخبارِ الأممِ قبلَنا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾. قال: ما يُتلَى عليكم فى القرآنِ من أخبارِ الناسِ [والأممِ قبلَكم] (٢)(٣).
القولُ فى تأويلِ قولِه : ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (٤) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ (٥) إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦) وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (٧) لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (٩) إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ﴾: والصَّافَّاتِ صفًّا، إن معبودَكم الذى يَستوجِبُ عليكم أيُّها الناسُ العبادةَ، وإخلاصَ الطاعةِ منكم له، لواحدٌ لا ثانىَ له ولا شريكَ. يقولُ: فله أخْلِصوا العبادةَ، وإياه فأفرِدوا بالطاعةِ، ولا تجعَلوا له فى عبادتِكم إياه شريكًا.
وقولُه: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ﴾. [يقولُ: هو واحدٌ مدبرٌ (٤) السماواتِ السبعَ والأرضَ (٥) وما بينَهما] (٢) من الخَلْقِ، ومالكٌ ذلك كلَّه، والقيِّمُ على جميعِ ذلك.