← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

القائلِ: ما زلتُ أَتلو أثرَه. إذا اتَّبَع أثرَه؛ لإجماعِ الحُجَّةِ مِن أهلِ التأويلِ على أن ذلك تأويلُه. وإذ كان ذلك تأويلَه، فمعنى الكلامِ: الذين آتيناهم الكتابَ يا محمدُ، مِن أهلِ التوراةِ الذين آمنوا بك، وبما جئتَهم به مِن الحقِّ مِن عندى - يَتَّبِعون كتابى الذى أنزلْتُ على رسولى موسى صلواتُ اللهِ عليه، فيؤمِنون به، ويقِرُّون بما فيه مِن نعتِك وصفتِك، وأنك رسولى، فَرْضٌ عليهم طاعتى في الإيمانِ بك، والتصديقِ بما جئتَهم به مِن عندى، ويَعمَلون بما أحْلَلتُ لهم، ويتَجنَّبون (١) ما حرَّمتُ عليهم فيه، ولا يُحَرِّفونه عن مواضِعِه، ولا يُبَدِّلونه، ولا يُغَيِّرونه عمَّا (٢) أنزلتُه عليهم، بتأويلٍ ولا غيرِه. وقولُه: ﴿حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾. مبالغةٌ في صفةِ اتِّباعِهم الكتابَ، ولزومِهم العملَ به، كما يقالُ: إن فلانًا لعالمٌ حَقُّ عالمٍ. وكما يقالُ: إن فلانًا لفاضلٌ كلُّ فاضلٍ. وقد اخْتَلَف أهلُ العربيةِ في إضافةِ "حقّ" إلى المعرفةِ؛ فقال بعضُ نحويِّي الكوفةِ: غيرُ جائزةٍ إضافتُه إلى معرفةٍ؛ لأنه بمعنى "أىّ"، وبمعنى قولِك: أفضلُ رجلٍ. قال (٣): و "أَفْعَلُ" لا يُضافُ إلى واحدٍ معرفةٍ، لأنه مُبَعَّضٌ، ولا يكونُ الواحدُ [المعرفةُ مبعَّضًا] (٤). فأحالوا أن يقالَ: مرَرتُ بالرجُلِ حقَّ الرجُلِ، ومرَرتُ بالرجُلِ جِدَّ الرجُلِ. كما أحالوا: مرَرتُ بالرجُلِ أىَّ الرجُلِ. وأجازوا ذلك في: كلّ الرجلِ، وعين (٥) الرجلِ، ونفس الرجلِ. وقالوا: إنما أجَزْنا ذلك لأن هذه

стр. 1402

الحروفَ كانتْ في الأصلِ تواكيدَ، فلمَّا صِرْنَ مُدُوحًا تُرِكْنَ (١) على أصولِهنَّ في المعرفةِ. وزعَموا أن قولَه: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾. إنما جازت إضافتُه إلى "التلاوةِ" وهى مضافةٌ إلى معرفةٍ، لأن العربَ تعتدُّ بالهاءِ إذا عادت [بالنكرةِ نكرةً] (٢)، فيقولون: مرَرتُ برجلٍ واحدِ أُمِّه، ونَسِيجِ وَحْدِه، وسيِّدِ قومِه. قالوا: فكذلك قولُه: ﴿حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾. إنما جازت إضافةُ "حقّ" إلى "التلاوةِ" وهى مضافةٌ إلى الهاءِ؛ لاعتدادِ العربِ بالهاءِ التى في نظائرِها في عِدَادِ النكِراتِ. قالوا: ولو كان تأويلُ (٣) ذلك: حقَّ التلاوةِ. لوجَب أن يكونَ جائزًا: مرَرتُ بالرجُلِ حَقَّ الرجُلِ. فعلى هذا القولِ تأويلُ الكلامِ: الذين آتَيْناهم الكتابَ يَتْلونه حَقَّ تلاوةٍ. وقال بعضُ نحويِّي البصرةِ: جائزةٌ إضافةُ "حقّ" إلى النكِراتِ مع النكراتِ، ومع المعارفِ إلى المعارفِ، وإنما ذلك نظيرُ قولِ القائلِ: مرَرتُ بالرجُلِ غُلامِ الرجُلِ، وبرجُلٍ غُلامِ رجلٍ. فتأويلُ الآيةِ على قولِ هؤلاء: الذين آتيناهم الكتابَ يتلُونه حقَّ التلاوةِ (٤). وأَوْلَى ذلك بالصوابِ عندَنا القولُ الأولُ؛ لأن معنى قولِه: ﴿حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾: أىَّ تلاوةٍ، بمعنى مَدْحِ التلاوةِ التى تلَوْها وتفضيلِها، و "أىّ" غيرُ جائزةٍ إضافتُها إلى واحدٍ معرفةٍ عندَ جميعِهم، فكذلك "حقّ" غيرُ جائزةٍ إضافتُها إلى واحدٍ معرفةٍ، وإنما أُضِيف في قولِه: ﴿حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ إلى ما فيه الهاءُ؛ لِماَ وصفتُ مِن العلَّةِ التى

стр. 1403

تقدَّمَ بيانُناها. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾. يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿أُولَئِكَ﴾: هؤلاء الذين أخْبَر عنهم أنهم يَتْلون ما آتاهم مِن الكتابِ حقَّ تلاوتِه. وأمَّا قولُه: ﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾. فإنه يعنى: يُصَدِّقون به. والهاءُ التى في قولِه: ﴿بِهِ﴾ عائدةٌ على الهاءِ التى في ﴿تِلَاوَتِهِ﴾. وهما جميعًا مِن ذكْرِ الكتابِ الذى قال اللهُ: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾. فأخْبَر اللهُ جلَّ ثناؤه أن المؤمنَ بالتوراةِ هو المُتَّبِعُ ما فيها مِن حلالِها وحرامِها، والعاملُ بما فيها مِن فرائضِ اللهِ التى فرَضها فيها على أهلِها، وأن أهلَها الذين هم أهلُها مَن كان ذلك صفتَه دونَ مَن كان مُحَرِّفًا لها، مُبَدِّلًا تأويلَها، مُغَيِّرًا سُنَنَها، تاركًا ما فرَض اللهُ فيها عليه. وإنما وصَف جلَّ ثناؤُه مَن وصَف بما وصَف به مِن مُتَّبِعى التوراةِ، فأَثْنَى عليهم بما أَثْنَى به عليهم؛ لأن في اتباعِها اتباعَ محمدٍ نبيِّ اللهِ ﷺ وتصديقَه؛ لأن التوراةَ تَأمُرُ أهلَها بذلك، وتُخْبِرُهم عن اللهِ تعالى ذكرُه بنُبُوَّتِه وفرْضِ طاعتِه على جميعِ خلْقِ اللهِ مِن بنى آدمَ، وأن في التكذيبِ بمحمدٍ ﷺ التكذيبَ بها (١)، فأخبَر جلَّ ثناؤُه أن مُتَّبِعى التوراةِ هم المؤمنونَ بمحمدٍ ﷺ ، وهم العاملون بما فيها. كما حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾. قال: مَن آمن برسولِ اللهِ ﷺ مِن بنى إسرائيلَ وبالتوراةِ، وأن الكافرَ بمحمدٍ ﷺ هو الكافرُ بها الخاسرُ، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ

стр. 1404

فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٢١)﴾ يعنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ﴾: ومَن يَكْفُرْ بالكتابِ الذى أخبَرَ أنه يَتْلُوه مَن آتاه مِن المؤمنين حَقَّ تلاوتِه. ويعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿يَكْفُرْ﴾: يَجْحَدْ ما فيه مِن فرائضِ اللهِ ونُبُوَّةِ محمدٍ ﷺ وتصديقِه، ويُبَدِّلْه فيُحَرِّفْ تأويلَه، أولئك هم الذين خسِروا علْمَهم وعمَلَهم، فبَخَسوا أنفسَهم حُظوظَها مِن رحمةِ اللهِ، واسْتَبْدَلوا بها سَخَطَ اللهِ وغضَبَه. وقال ابنُ زيدٍ في ذلك (١) بما حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾. قال: مَن كفَر بالنبيِّ ﷺ مِن يهودَ، فأولئك هم الخاسرون. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٢٢)﴾. وهذه الآيةُ عِظَةٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه لليهودِ الذين كانوا بينَ ظَهْرَانَىْ مُهَاجَرِ رسولِ اللهِ ﷺ ، وتذكيرٌ منه لهم بما سلَف مِن أَيَادِيه إليهم في صُنْعِه بأوائلِهم، استعطافًا منه لهم على دينِه، وتصديقِ رسولِه محمدٍ ﷺ ، فقال: يا بنى إسرائيلَ، اذْكُروا أَيَادِىَّ لديكم، وصنائِعى عندَكم، واستنقاذى إيَّاكم مِن أَيْدِى عدوِّكم فرعونَ وقومِه، وإنزالى عليكم المَنَّ والسَّلْوَى في تِيهِكم، وتمكينى لكم في البلادِ، بعدَ أن كنتُم مُذَلَّلينَ مقهورين، واختصاصى الرسُلَ منكم، وتفضيلى إيَّاكم على

стр. 1405

عالَم مَن كنتُم بينَ ظَهْرَانَيْه، أيامَ أنتم في طاعتى [تَبْتَغون مرضاتى، فراجِعوا طاعتى] (١)، باتِّباعِ رسولى إليكم، وتصديقِه وتصديقِ ما جاءكم به مِن عندى، ودَعُوا التمادىَ في الضلالِ والغيِّ. وقد ذكَرْنا فيما مضَى النِّعَمَ التى أنْعَم اللهُ بها على بنى إسرائيلَ، والمعانىَ التى ذكَّرهم اللهُ جلَّ ثناؤُه مِن آلائِه عندَهم، والعالَمَ الذى فُضِّلوا عليه فيما مضَى قبلُ، بالرِّواياتِ والشواهدِ، فكرِهْنا تطويلَ الكتابِ بإعادتِه؛ إذ كان المعنى في ذلك في هذا الموضعِ وهنالك واحدًا (٢). القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (١٢٣)﴾. وهذه الآيةُ ترهيبٌ مِن اللهِ جلَّ ثناؤُه للذين سلَفت عِظَتُه إيَّاهم بما وعَظهم به في الآيةِ قبلَها، يقولُ اللهُ لهم: واتَّقوا يا معشرَ بنى إسرائيلَ المبُدِّلينَ كتابى وتنزيلى، المحرِّفين تأويلَه عن وجهِه، المكذِّبين برسولي محمدٍ ﷺ عذابَ يومٍ لا تَقْضِى فيه نفسٌ عن نفسٍ شيئًا، ولا تُغْنِى عنها غَناءً؛ أن تَهْلِكوا على ما أنتم عليه مِن كفرِكم، وتكذيبِكم رسولى، فتَمُوتوا عليه، فإنه يومٌ لا يُقْبَلُ مِن نفْسٍ فيما لزِمها فِدْيَةٌ، ولا يَشْفَعُ فيما وجَب عليها مِن حقٍّ لها شافعٌ، ولا هم يَنْصُرُهم ناصرٌ مِن اللهِ إذا انْتَقَم منها بمعصيتِها إيَّاه. وقد مضَى البيانُ عن كلِّ معانى هذه الآيةِ في نظيرتِها قبلُ، فأَغْنى ذلك عن إعادتِه في هذا الموضعِ (٣).

стр. 1406

القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾. يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى﴾: وإذ اخْتَبَر. يقالُ منه: ابْتَلَيتُ فلانًا أَبْتَلِيه ابتلاءً. ومنه قولُ اللهِ : ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٦]. يعنى به: اخْتَبِرُوهم. وكان اختبارُ اللهِ تعالى ذكرُه إبراهيمَ اختبارًا بفرائضَ فرَضها عليه، وأمرٍ أمَره به، وذلك هو الكلماتُ التى أوحاهنَّ إليه فكلَّفه العمَلَ بهنَّ، امتحانًا منه له واختبارًا. ثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في صفةِ الكلماتِ التى ابْتَلى اللهُ بها إبراهيمَ خليلَه، صلواتُ الله عليه، فقال بعضُهم: هى شرائعُ الإسلامِ، وهى ثلاثون سهمًا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: حدثنى عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾. قال: قال ابنُ عباسٍ: لم يُبْتَلَ أحدٌ بهذا الدِّينِ فأقامه إلَّا إبراهيمُ؛ ابتلاه اللهُ بكلماتٍ فأتمهنَّ، قال: فكتَب اللهُ له البراءةَ، فقال: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: ٣٧]. قال: عَشْرٌ منها في "الأحزابِ"، وعشْرٌ منها في "براءةَ"، وعشرٌ منها في "المؤمنين"، و "سأل سائل". وقال: إن هذا الإسلامَ ثلاثون سهمًا (١). وحدثنى إسحاقُ بنُ شاهينٍ الواسطىُّ، قال: ثنا خالدٌ الطَّحَّانُ، عن داودَ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: ما ابتُلى أحدٌ بهذا الدِّينِ فقام به كلِّه غيرُ إبراهيمَ، ابْتُلى بالإسلامِ فأتمَّه، فكتَب اللهُ له البراءةَ، فقال: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾. فذكَر

стр. 1407

عشرًا في "براءةَ"، فقال: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ﴾ [التوبة: ١١٢]. وعشرًا في "الأحزابِ": ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥]، وعشرًا في سورةِ "المؤمنين"، إلى قولِه: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ (١) يُحَافِظُونَ﴾ [المؤمنون:١ - ٩]، وعشرًا في "سأل سائل": ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ (٢) [المعارج: ٢٢ - ٣٤]. وحدَّثنا عبدُ (٣) اللهِ بنُ أحمدَ بنِ شَبُّويَه (٤)، قال: ثنا علىُّ بنُ الحسنِ، قال: ثنا خارجةُ بنُ مُصْعَبٍ، عن داودَ بنِ أبى هندٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الإسلامُ ثلاثون سهمًا، وما ابْتَلى اللهُ بهذا الدِّينِ أحدًا فأقامه إلَّا إبراهيمَ، قال اللهُ: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾. فكتب اللهُ له براءةً مِن النارِ (٥). وقال آخَرون: هى خِصالٌ عَشْرٌ مِن سُنَنِ الإسلامِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن ابنِ طاوسٍ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾. قال: ابتلاه اللهُ بالطَّهارةِ؛ خمسٌ في الرأسِ، وخمسٌ في الجسدِ، في الرأسِ قصُّ الشاربِ، والمَضْمَضَةُ، والاسْتِنْشاقُ، والسِّواكُ، وفَرْقُ الرأسِ، وفى الجسدِ تقليمُ الأظفارِ، وحلْقُ العانةِ، والخِتَانُ، ونَتْفُ الإبطِ، وغَسْلُ أَثَرِ الغائطِ والبولِ بالماءِ (٦).

стр. 1408

وحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، عن مَعْمَرٍ، عن الحَكَمِ بنِ أبانٍ، عن القاسمِ بنِ أبى بَزَّةَ، عن ابنِ عباسٍ بمثلِه، ولم يَذْكُرْ أَثَرَ البولِ (١). وحدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا سليمانُ، قال: ثنا أبو هلالٍ، قال: ثنا قتادةُ في قولِه: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ قال: ابتَلاه؛ أمَره (٢) بالخِتَانِ، وحلْقِ العانةِ، وغسْلِ القُبُلِ والدُّبُرِ، والسواكِ، وقصِّ الشاربِ، وتقليمِ الأظفارِ، ونتْفِ الإبطِ. قال أبو هلالٍ: ونسِيتُ خَصْلةً (٣). وحُدِّثتُ عن عمَّارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن مَطَرٍ، عن أبى الجَلْدِ، قال: ابْتُلِى إبراهيمُ بعشَرةِ أشياءَ، هنَّ في الإنسانِ سُنَّةٌ؛ الاستنشاقُ، وقصُّ الشاربِ، والسواكُ، ونتْفُ الإبطِ، وتقليمُ الأظفارِ، وغسْلُ البراجِمِ (٤)، والخِتَانُ، وحلْقُ العانةِ، وغسْلُ الدُّبُرِ والفرجِ (٥). وقال بعضُهم: بل الكلماتُ التى ابْتُلِى بهنَّ عشْرُ خِلالٍ، بعضُهنَّ في تطهيرِ الجسدِ، وبعضُهنَّ في مناسكِ الحجِّ.

стр. 1409

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا محمدُ بنُ حربٍ، قال: ثنا ابنُ لَهِيعةَ، عن ابنِ هُبَيْرَةَ، عن حَنَشٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾. قال: ستَّةٌ في الإنسانِ، وأربعةٌ في المشاعرِ؛ فالتى في الإنسانِ؛ حلْقُ العانةِ، والختانُ، ونتفُ الإبطَيْن (١)، وتقليمُ الأظفارِ، وقصُّ الشاربِ، والغُسلُ يومَ الجمعةِ، وأربعةٌ في المشاعرِ؛ الطوافُ، والسعىُ بينَ الصَّفا والمروةِ، ورمىُ الجِمارِ، والإفاضةُ (٢). وقال آخَرون: بل ذلك: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾، و (٣) مناسكُ الحجِّ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: سمِعتُ إسماعيلَ بنَ أبى خالدٍ، عن أبى صالحٍ في قولِه: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾: فمنهنَّ: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾، وآياتُ النُّسُكِ (٤) وحدَّثنى أبو السائبِ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: سمِعتُ إسماعيلَ بنَ أبى خالدٍ، عن أبى صالحٍ مولى أُمِّ هانئ في قولِه: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾. قال: منهنَّ: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾، ومنهنَّ آياتُ النسكِ، و: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ (٤). وحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى

стр. 1410

نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾. قال: قال اللهُ لإبراهيمَ: إنى مُبْتَلِيك بأمرٍ، فما هو؟ قال: تَجْعَلُنِى للناسِ إمامًا؟ قال: نعم. قال: ومِن ذُرِّيَّتِى؟ قال: لا يَنالُ عهدى الظالمين. قال. تَجْعَلُ البيتَ مثابةً للناسِ؟ قال: نعم. وأَمْنًا؟ قال: نعم. وتَجْعَلُنا مُسْلِمَين لك ومِن ذُرِّيَّتِنا أمةً مسلمةً لك؟ قال: نعم. وتُرِينا مناسكَنا وتَتُوبُ علينا؟ قال: نعم. قال: وتَجْعَلُ هذا البلدَ آمِنًا؟ قال: نعم. قال: تَرْزُقُ أهلَه مِن الثمراتِ مَن آمَن (١)؟ قال: نعم (٢). وحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيْفَةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ نحوَه. وحدَّثنى المثنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيْفَةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، أخبرَه به عن عكرمةَ، قال: فعرَضتُه على مجاهدٍ فلم يُنْكِرْه (٣). وحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه. قال ابنُ جُرَيْجٍ: فاجتمَع على هذا القولِ مجاهدٌ وعكرمةُ جميعًا (٤). وحدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثنى أبى، عن سفيانَ، عن ابنِ أبى نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ قال: ابْتُلِىَ بالآياتِ التى بعدَها: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ (٥).

стр. 1411

وحُدِّثتُ عن عمَّارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾: فالكلماتُ: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ وقولُه: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾. وقولُه: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾. وقولُه: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ الآية. وقولُه: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ﴾ الآية. قال: فذلك كلُّه (١) مِن الكلماتِ التى ابْتُلِىَ بهنَّ إبراهيمُ (٢). وحدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثنى أبى، قال: حدَّثنى عمِّى، قال: حدَّثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾: فمنهنَّ: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾، ومنهنَّ: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾، ومنهنَّ الآياتُ في شأنِ المَنسَكِ، والمقامُ الذى جُعِل لإبراهيمَ، والرزقُ الذى رُزِق ساكنو البيتِ، ومحمدٌ بُعِث (٣) في ذُرِّيَّتِهما صلى اللهُ عليهم (٢). وقال آخَرون: بل ذلك مناسكُ الحَجِّ خاصَّةً. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا سَلْمُ بنُ قُتَيْبَةَ، قال: ثنا عمرُو بنُ نَبْهانَ، عن قتادةَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾. قال: مناسكُ الحجِّ (٤). وحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كان

стр. 1412

ابنُ عباسٍ يقولُ فى قولِه: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾. قال: هى المناسكُ (١). وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ، قال: قال ابنُ عباسٍ: ابتلاه بالمناسكِ (٢). وحُدِّثْتُ عن عمَّارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، قال: بلغَنا عن ابنِ عباسٍ أنه قال: إن الكلماتِ التى ابْتُلِى بها إبراهيمُ، المناسكُ (٣). وحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْرىُّ، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن أبى إسحاقَ، عن التَّمِيمىِّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾. قال: مناسكُ الحجِّ (١). حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا الحِمَّانىُّ (٤)، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن أبى إسحاقَ، عن التَّمِيمىِّ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾. قال: منهنَّ مناسكُ الحجِّ (١). وقال آخَرون: هى أمورٌ، منهن الخِتانُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا سَلْمُ بنُ قُتَيْبَةَ، عن يونسَ بنِ أبى إسحاقَ، عن

стр. 1413

الشَّعْبىِّ: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾. قال: منهن الخِتانُ (١). وحدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ أبى إسحاقَ، قال: سمِعتُ الشعبىَّ يقولُ. فذكَر مثلَه (٢). حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا يونسُ بنُ أبى إسحاقَ، قال: سمِعتُ الشعبىَّ -وسألَه أبو إسحاقَ عن قولِ اللهِ: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ - قال: منهن الختانُ يا أبا إسحاقَ (٢). وقال آخَرون: بل ذلك الخلالُ الستُّ؛ الكوكبُ، والقمرُ، والشمسُ، والنارُ، والهجرةُ، والختانُ، التى ابْتُلِى بهنَّ فصبَر عليهنَّ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن أبى رجاءٍ، قال: قلتُ للحسنِ: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾؟ قال: ابتلاه بالكوكبِ (٣) فرضِى عنه، وابتلاه بالقمرِ فرضِى عنه، وابْتَلاه بالشمسِ فرضِى عنه، وابْتَلاه بالنارِ فرضِى عنه، وابتلاه بالهجرةِ، وابتلاه بالختانِ (٤). وحدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كان الحسنُ يقولُ: إى واللهِ، لابتلاه (٥) بأمرٍ فصبَر عليه، ابتلاه بالكوكبِ (٣)، والشمسِ، والقمرِ، فأحسَنَ في ذلك، وعرَف أن ربَّه دائمٌ لا يَزولُ،

стр. 1414

فوجَّه وجهَه للذى فطَر السماواتِ والأرضَ حنيفًا، وما كان مِن المشركينَ، ثم ابتلاه بالهجرةِ، فخرَج مِن بلادِه وقومِه حتى لحِق بالشامِ مهاجرًا إلى اللهِ، ثم ابتلاه بالنارِ قبلَ الهجرةِ، فصبَر على ذلك، وابتلاه الله بذَبْحِ ابنِه وبالختانِ، فصبَر على ذلك (١). وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عمَّن سمِع الحسنَ يقولُ في قولِه: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾. قال: ابتلاه بذَبْحِ ولدِه، وبالنارِ، وبالكوكبِ، والشمسِ، والقمرِ (٢). وحدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا سَلْمُ بنُ قُتَيْبَةَ، قال: ثنا أبو هلالٍ، عن الحسنِ: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾. قال: ابتلاه بالكوكبِ، وبالشمسِ، وبالقمرِ، فوجَده صابرًا (٣). وقال آخرون بما حدَّثنى به موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمَّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: الكلماتُ التى ابتَلى بهنَّ إبراهيمَ ربُّه: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ إلى: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ (٤). والصوابُ في ذلك مِن القولِ عندَنا أن يقالَ: إن اللهَ أخبَر عبادَه أنه اخْتَبَر إبراهيمَ خليلَه بكلماتٍ أوحاهنَّ إليه، وأمَره أن يَعمَلَ بهنَّ، [فعمِل بهن] (٥)

стр. 1415

وأتمَّهنَّ، كما أخبرَ اللهُ جل ثناؤه عنه أنه فعَل. وجائزٌ أن تكونَ تلك الكلماتُ جميعَ ما ذكَره مَن ذكَرْنا قولَه في تأويلِ الكلماتِ، وجائزٌ أن تكونَ بعضَه؛ لأن إبراهيمَ صلواتُ اللهِ عليه قد كان امْتُحِنَ فيما بلغَنا بكلِّ ذلك، فعمِل به، وقام فيه بطاعةِ اللهِ وأمرِه الواجبِ عليه فيه. وإذ كان ذلك كذلك، فغيرُ جائزٍ لأحدٍ أن يقولَ: عنَى اللهُ بالكلماتِ اللواتى ابتَلى بهنَّ إبراهيمَ شيئًا مِن ذلك بعينِه دونَ شيءٍ، ولا عنَى به كلَّ ذلك. إلَّا بحُجَّةٍ يَجِبُ التسليمُ لها، مِن خبرٍ عن الرسولِ ﷺ ، أو إجماعٍ مِن الحُجَّةِ، ولم يصحَّ بشيءٍ (١) من ذلك خبرٌ عن الرسولِ بنقلِ الواحدِ، ولا بنقلِ الجماعةِ التى يَجِبُ التسليمُ لِما نَقَلَتْه. غيرَ أنه قد رُوِى عن النبيِ ﷺ في نظيرِ معنى ذلك خبران لو ثَبَتا أو أحدُهما، كان القولُ به في تأويلِ ذلك هو الصوابَ: أحدُهما ما حدَّثنا به أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا رِشْدِينُ (٢) بنُ سعدٍ، قال: حدَّثنى زَبّانُ (٣) بنُ فائدٍ، عن سهلِ بنِ مُعاذِ بنِ أنسٍ، عن أبيه، قال: كان النبىُّ ﷺ يقول: "ألا أُخْبِرُكم لِمَ سَمَّى اللهُ، إبراهيمَ خَلِيلَه، الذى وفَّى؛ لأنَّه كان يَقُولُ كُلَّما أصْبَحَ وكُلَّما أمْسَى: ﴿فَسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧] حتى يَخْتِمَ الآيةَ". والآخَرُ ما حدَّثنا به أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا الحسنُ بنُ عطيَّةَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن جعفرِ بنِ الزبيرِ، عن القاسمِ، عن أبى أُمامةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ :

стр. 1416

﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: ٣٧]. قال: "تدْرُونَ ما وَفَّى؟ " قالوا: اللهُ ورسولُه أعلمُ. قال: "وَفَّى عَمَلَ يَوْمِه أربَعَ رَكَعاتٍ في النَّهَارِ". فلو كان خبرُ سهلِ بنِ مُعاذٍ عن أبيه صحيحًا سَنَدُه، كان بَيِّنًا أن الكلماتِ التى ابْتُلِى بهنَّ إبراهيمُ، فقام بهنَّ، هى قولُه كُلَّما أصبَحَ وأمسَى: ﴿فَسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾. أوْ كان خبرُ أبى أمامةَ عُدُولًا نَقَلَتُه، كان معلومًا أن الكلماتِ التى أُوحِينَ إلى إبراهيمَ فابْتُلى بالعمَلِ بهنَّ، أن يُصَلِّىَ كلَّ يومٍ أربعَ ركَعاتٍ، غيرَ أنهما خبرانِ في أسانيدِهما نَظَرٌ. فالصوابُ مِن القولِ في معنى الكلماتِ التى أخبَر اللهُ أنه ابتَلى بهنَّ إبراهيمَ، ما بيَّنَّا آنفًا. ولو قال قائلٌ في ذلك: إن الذى قاله مجاهدٌ وأبو صالحٍ والربيعُ بنُ أنسٍ، أوْلَى بالصوابِ مِن القولِ الذى قاله غيرُهم. كان مذهبًا؛ لأن قولَه: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ وقولَه: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾، وسائرَ الآياتِ التى هى نظيرةُ ذلك -كالبيانِ عن الكلماتِ التى ذكَر اللهُ أنه ابتَلى بهنَّ إبراهيمَ. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾. ويعنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾: فأتمَّ إبراهيمُ الكلماتِ. وإتمامُه إيَّاهنَّ إكمالُه إيَّاهنَّ بالقيامِ للهِ بما أوجَب عليه فيهنَّ، وهو الوفاءُ الذى قال جلَّ ثناؤه: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾. يعنى بذلك: وفَّى بما عَهِد إليه بالكلماتِ فأمَره به،

стр. 1417

مِن فرائِضه ومِحَنِه فيها. كما حدَّثنى محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾. أى: فأدَّاهنَّ (١). وحدَّثنى بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾. أى: عمِل بهنَّ فأتمهنَّ (٢). وحُدِّثْتُ عن عمَّارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾. أى: عمِل بهنَّ وأتمهنَّ (٣). القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾. يعنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾: فقال اللهُ: يا إبراهيمُ، إنى مُصَيِّرُك للناسِ إمامًا يُؤْتَمُّ به ويُقْتَدَى به. كما حُدِّثتُ عن عمَّارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ ليُؤَمَّ به ويُقتَدى به (٤). يقال منه: أمَمْتُ القومَ فأنا أَؤمُّهم أَمًّا وإمامةً. إذا كنتَ إمامَهم. وإنما أراد جلَّ ثناؤه بقولِه لإبراهيمَ: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾: إنى مُصَيِّرُك

стр. 1418

تَؤُمُّ مَن بعدَك مِن أهلِ الإيمانِ بى وبرُسُلى، فتَقَدَّمُهم أنت، ويتَّبعون هَدْيَك، ويَستَنُّون بسُنَّتِك التى تَعْمَلُ بها، بأمرِى إيَّاك ووحْيى إليك. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾. يعْنى جلَّ ثناؤه بذلك: قال إبراهيمُ -لمَّا رفَع اللهُ منزلتَه وكرَّمه، وأعلَمَه ما هو صانعٌ به، مِن تصييرِه إمامًا في الخيراتِ لمن في عصرِه، ولمن جاء بعدَه مِن ذُرِّيَّته وسائرِ الناسِ غيرِهم، يُهْتَدَى بهدْيِه ويُقْتَدى بأفعالِه وأخلاقِه - يا ربِّ، ومِن ذُرِّيَّتى فاجعلْ أئمةً يُقْتَدَى بهم، كالذى جعَلْتنى إمامًا يُؤْتَمُّ بى ويُقْتَدَى بى. مسألةٌ مِن إبراهيمَ ربَّه سأله إيَّاها. كما حُدِّثْتُ عن عمَّارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع، قال: قال إبراهيمُ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾. يقولُ: واجْعَلْ مِن ذُرِّيَّتى مَن يُؤْتَمُّ ويُقْتَدَى به (١). وقد زعَم بعضُ الناسِ أن قولَ إبراهيمَ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ مسألةٌ منه ربَّه لعَقِبهِ أن يكونوا على عهدِه ودِينِه، كما قال: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥]. فأخبَرَ اللهُ جلَّ ثناؤه أن في عَقِبِه الظالمَ المخالفَ له في دِينِه، بقولِه: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾. والظاهرُ مِن التنزيلِ يَدُلُّ على غيرِ الذى قاله صاحبُ هذه المقالةِ؛ لأن قولَ إبراهيمَ صلواتُ اللهِ عليه: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾. في إثرِ قولِ اللهِ له جلَّ ثناؤه: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾. فمعلومٌ أن الذى سأَل إبراهيمُ لذُرِّيَّته لو كان غيرَ الذى أخبَره ربُّه أنه أعطاه إيَّاه، لكان مُبَيَّنًا، ولكنَّ المسألةَ لمَّا كانت ممَّا قد جرَى ذكرُه، اكْتُفِىَ بالذكْرِ الذى قد مضَى مِن تكريرِه وإعادتِه، فقال: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾. بمعنى: ومِن

стр. 1419

ذُرِّيَّتى فاجْعَلْ مثلَ الذى جعَلْتنى به مِن الإمامةِ للناسِ. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)﴾. وهذا خبرٌ من اللهِ جل ثناؤُه عن أن الظالمَ لا يكونُ إمامًا يَقْتَدِى به أهلُ الخيرِ. وهو مِن اللهِ جلَّ ثناؤه جوابٌ لإبراهيمَ (١) في مسألتِه إياه أن يجعلَ من ذرِّيتِه أئمةً مثلَه. فأخبَره أنه فاعلٌ ذلك إلا بمن كان من أهلِ الظلمِ منهم، فإنه غيرُ مُصَيِّرِه كذلك، ولا جاعلِه في محلِّ أوليائِه عنده بالتَّكْرمةِ بالإمامةِ؛ لأن الإمامةَ إنما هى لأوليائِه وأهلِ طاعتِه، دون أعدائِه والكافرين به. واختَلف أهلُ التأويلِ في العهدِ الذى حرَم اللهُ تعالى ذكرُه الظالمين أن ينالُوه؛ فقال بعضُهم: ذلك العهدُ هو النُّبوَّةُ. ذكرُ من قال ذلك حدثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّىِّ: (قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ). يقولُ: عهدى: نبوّتى (٢). فمعنى تأويلِ (٣) هذا القولِ في تأويله (٤) الآيةَ: لا ينالُ النُّبوَّةَ أهلُ الظلمِ والشركِ. وقال آخَرون: معنى العهدِ عهدُ الإمامةِ. فتأويلُ الآيةِ على قولِهم: لا أجعلُ من كان من ذرِّيتِك [يإبراهيمُ] (٥) ظالمًا،

стр. 1420

إمامًا لعبادى يُقْتَدَى به. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾. قال: لا يكونُ إمامًا ظالمٌ (١). وحدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: ﴿قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾. قال: لا يكونُ [لى إمامًا ظالمٌ] (٢). وحدَّثنى المثنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن عكرمةَ بمثلِه. وحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عامِرٍ (٣)، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾. قال: لا يكونُ إمامًا (٤) ظالمٌ يُقْتَدَى به (٥). وحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأَهْوازىُّ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبَيرىُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. وحدَّثنا مُشَرَّفُ (٦) بنُ أبانٍ الخطّابُ (٧)، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن خُصَيفٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾. قال: لا أجعلُ إمامًا

стр. 1421

ظالمًا يُقْتَدَى به. وحدَّثنى محمدُ بنُ عُبيدٍ المحاربىُّ، قال: ثنا مُسلمُ بنُ خالدٍ الزنْجىُّ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِه: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ قال: لا أجعلُ إمامًا ظالمًا يُقْتَدَى به (١). وحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾. قال: لا يكونُ إمامًا ظالمٌ. قال ابنُ جُريجٍ: وأما عطاءٌ فإنه قال: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ فأبَى أن يجعلَ من ذريته ظالمًا إمامًا. قلت لعطاءٍ: ما عهدُه؟ قال: أمرُه (٢). وقال آخرون: معنى ذلك أنه لا عهْدَ عليك لظالمٍ أن تطيعَه فى ظلمِه. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدثنى أبى، قال: حدثنى عمى، قال: حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾. يعنى: لا عهدَ لظالمٍ عليك فى ظلمِه أن تطيعَه فيه (٣). وحدَّثنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ عبدِ اللهِ، عن إسرائيلَ، عن مسلمٍ الأعورِ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾. قال: ليس للظالمين عهدٌ، وإن عاهدْتَه فانقُضْه.

стр. 1422

وحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدثنى حجاجٌ، عن سفيانَ، عن هارونَ بنِ عنترةَ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: ليس لظالمٍ عهدٌ (١). وقال آخرون: معنى العهدِ فى هذا الموضعِ الأمانُ. فتأويلُ الكلامِ على معنى قولِهم: قال اللهُ: لا ينالُ أمانى أعدائى وأهلَ الظلمِ لعبادى. أى: لا أُؤمِّنُهم مِن عذابى فى الآخرةِ. ذكرُ من قال ذلك حدثنا بشرُ بن معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾: ذلكم يومَ القيامةِ عندَ اللهِ، لا ينالُ عهدَه ظالمٌ، فأما فى الدنيا فقد نالُوا عهدَ اللهِ، فوارثوا به المسلمين وعادُّوهم (٢) وناكَحوهم به، فلما كان يومُ القيامةِ قصَر اللهُ عهدَه وكرامتَه على أوليائِه (٣). وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ فى قولِه: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ قال: لا ينالُ عهدَ اللهِ فى الآخرةِ الظالمون (٤)، فأما فى الدنيا، فقد ناله الظالمُ [فأمِن به] (٥)، وأكَل به وعاشَ (٦). وحدَّثنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ [بنُ عبدِ اللهِ] (٥)، عن

стр. 1423

إسرائيلَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ قال: لا ينالُ عهدَ اللهِ فى الآخرةِ الظالمون، فأما فى الدنيا، فقد ناله الظالمُ فأَمِن به، وأكَل وأبصَر وعاشَ (١). وقال آخرون: بل العهدُ الذى ذكَره اللهُ فى هذا الموضعِ دينُ اللهِ. ذكرُ من قال ذلك حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: قال اللهُ لإبراهيمَ: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾. قال: فعهدُ اللهِ الذى عَهِد إلى عبادِه دينُه. يقولُ: لا ينالُ دينُه الظالمين، ألا ترى أنه قال: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ [الصافات: ١١٣]. يقولُ: ليس كلُّ ذرِّيتِك يا إبراهيمُ على الحقِّ (٢). وحدَّثنى محمدُ (٣) بنُ جعفرٍ، قال: أخبرَنا يزيدُ، قال: أخبرَنا جُويبرٌ، عن الضحاكِ فى قولِه: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾. قال: لا ينالُ طاعَتى (٤) عدوٌّ لى يَعْصِينى، ولا أَنحَلُها إلا وَلِيًّا لى يُطيعُنى (٥). وهذا الكلامُ وإن كان ظاهرُه ظاهرَ خبرٍ عن أنه لا ينالُ مِن ولدِ إبراهيمَ صلواتُ اللهِ عليه عهدُ اللهِ -الذى هو النبوّةُ والإمامةُ لأهلِ الخيرِ، بمعنى الاقتداءِ به فى الدنيا، والعهدُ الذى بالوفاءِ [به للهِ] (٦) ينجو فى الآخرةِ مَن وفَّى للهِ به فى الدنيا- مَن كان

стр. 1424

منهم ظالمًا مُعْتَدِيًا (١)، جائرًا عن قصدِ سبيل الحقِّ، فهو إعلامٌ من اللهِ تعالَى ذكرُه لإبراهيمَ أنَّ مِن ولدِه من يُشرِكُ به، ويَزولُ (٢) عن قصدِ السبيلِ، ويَظلِمُ نفسَه وعبادَه. كالذى حدثنى إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بنِ حبيبِ بنِ الشهيدِ، قال: ثنا عَتّابُ بنُ بشرٍ، عن خُصَيفٍ، عن مجاهدٍ فى قولِه: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾. قال: إنه سيكونُ فى ذرّيتِك ظالمون (٣). وأما نَصْبُ ﴿الظَّالِمِينَ﴾، فلأن العهدَ هو الذى لا يَنالُ الظالمينَ. وقد ذُكر أنه فى قراءةِ ابنِ مسعودٍ: (لا يَنَالُ عَهْدِى الظالمون) (٤). بمعنى أن الظالمين هم الذين لا ينالون عهدَ اللهِ. وإنما جاز الرفعُ فى ﴿الظَّالِمِينَ﴾ والنصبُ، وكذلك فى "العهدِ"، لأن كلَّ ما نال المرءَ فقد ناله المرءُ. كما يقالُ: نالنى خيرُ فلانٍ، ونِلْتُ خيرَه. فيُوجَّهُ الفعلُ مرةً إلى الخيرِ، ومرةً إلى نفسِه. وقد بيّنّا معنى الظُّلمِ فيما مضَى فكَرِهْنا إعادتَه (٥). القول فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾. أما قولُه: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ﴾. فإنه عطَف بـ ﴿إِذْ﴾ على قولِه: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾. وقولُه: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾. معطوفٌ على قولِه: ﴿يَابَنِي

стр. 1425

إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾. واذكُروا إذ ابتَلَى إبراهيمَ رُّبه، وإذ جعَلْنا البيتَ مَثابةً. والبيتُ الذى جعَله اللهُ مَثابةً للناسِ هو البيتُ الحرامُ. وأما المثابةُ، فإن أهلَ العربيةِ مختلِفون فى معناها، والسببِ الذى من أجلِه أُنِّثَتْ؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: أُلْحِقَت الهاءُ فى المثابةِ لمّا كَثُر مَن يَثوبُ إليه، كما يقالُ: سَيّارةٌ. لمن يُكْثِرُ ذلك، ونَسّابةٌ. وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ: بل المَثابُ والمثابةُ بمعنًى واحدٍ، نطيرُ المَقامِ والمَقامَةِ. والمَقامُ ذُكِّر -على قولِه- لأنه أُريدَ به الموضعُ الذى يُقامُ فيه، وأُنِّثَتِ المَقامَةُ لأنه أريد بها البُقْعَةُ. وأَنكرَ هؤلاء أن تكونَ المثابةُ للسيّارةِ (١) والنّسّابةِ نَطيرَةً (٢). وقالوا: إنما أُدخلتِ الهاءُ فى السيّارةِ والنسّابةِ تشبيهًا لها بالداهيةِ (٣). والمَثابةُ مَفْعَلَةٌ من: ثاب القومُ إلى الموضعِ، إذا رجَعوا إليه، فهم يَثُوبون إليه مَثابًا ومَثابةً وثوابًا. فمعنى قولِه: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾: وإذ جعَلْنا البيتَ مَرجِعًا للناسِ ومَعاذًا، يَأْتُونه كلَّ عامٍ، ويَرجِعون إليه فلا يَقْضُون منه وَطَرًا. ومن المثابِ قولُ وَرَقَةَ ابنِ نوفلٍ فما صفةِ الحَرَمِ (٤): مَثابٌ لأفْنَاءِ القبائلِ كلِّها … تَخُبُّ إليه اليَعْمَلاتُ الطَّلائِحُ ومنه قيل: ثاب إليه عقلُه، إذا رجَع إليه بعد عُزوبِه عنه. وبنحوِ ما قلْنا فى تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.

стр. 1426

ذكرُ من قال ذلك حدثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللهِ: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾. قال: لا يَقْضون منه وَطَرًا (١). وحدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (٢). وحدثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾. قال: يثوبون إليه، لا يَقْضُون منه وَطَرًا. وحدثنى موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾. قال: أما المثابةُ، فهو الذى يثوبون إليه كلَّ سنةٍ، لا يَدَعُه الإنسانُ إذا أتاه مرّةً أن يعودَ إليه. وحدثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدثنى أبى، قال: حدثنى عمى، قال: حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾ يقولُ: لا يَقْضُون منه وَطَرًا، يَأتونه، ثم يَرجِعون إلى أهليهم، ثم يَعُودون إليه (٣).

стр. 1427

وحدثنى عبدُ الكريمِ بنُ أبى عُمَيرٍ، قال: حدثنى الوليدُ بنُ مسلمٍ، قال: قال أبو عمرٍو: حدثنى عَبْدةُ بنُ أبى لُبابةَ فى قولِه: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾. قال لا يَنْصَرِفُ عنه مُنْصَرِفٌ وهو يَرى أنه قد قضَى منه وَطَرًا (١). وحدثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرَنا عبدُ الملكِ، عن عطاءٍ فى قولِه: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾. قال: يَثوبون إليه من كلِّ مكانٍ، ولا يَقْضُون منه وَطَرًا (٢). وحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا جريرٌ، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ مثلَه. وحدثنى محمدُ بنُ عُمارةَ الأسدىُّ، قال: ثنا سهلُ بنُ عامرٍ، قال: ثنا مالكُ بنُ مِغْوَلٍ، عن عطيةَ فى قولِه: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾. قال: لا يَقْضون منه وَطَرًا (٣). وحدثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبى الهُذَيلِ، قال: سمِعتُ سعيدَ بنَ جُبيرٍ يقولُ: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾. قال: يَحُجُّون ويَثُوبون (٤). وحدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنَا الثورىُّ، عن أبى الهُذَيلِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ فى قولِه: ﴿مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾ قال: يَحُجُّون [ويَثوبونَ] (٥).

стр. 1428

[وحدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: حدَّثنا عبد الرزّاقِ، قال: أخبرنا الثَّوريُّ، عن أبي الهُذَيْلِ، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ قولَه: ﴿مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾. قال: يحُجُّون] (١)، ثم يَحُجُّون، ولا يَقْضُون منه وَطَرًا (٢). وحدثنى المثنى، قال: ثنا ابنُ دُكَيْنٍ (٣)، قال: ثنا مِسْعَرٌ، عن غالبٍ، عن سعيدِ ابنِ جبيرٍ: ﴿مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾. قال: يَثُوبون إليه. وحدثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾. قال: مَجْمَعًا (٤). وحدثنى المُثَنّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال حدثنى مُعاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طَلْحَةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾. يقولُ: يَثُوبون إليه (٥). وحُدِّثْت عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾. يقولُ: يَثُوبون إليه (٦). وحدثنى يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾. قال: يَثُوبون إليه من البُلْدانِ كلِّها ويَأتُونه (٧).

стр. 1429

القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَأَمْنًا﴾. والأمنُ مصدرٌ؛ من قولِ القائلِ: أَمِن يَأمَنُ أَمْنًا. وإنما سَمّاه اللهُ أَمْنًا؛ لأنه كان في الجاهليةِ مَعاذًا لمن اسْتعاذَ به، وكان الرجلُ منهم لو لَقِىَ به قاتلَ أبيه أو أخيه لم يَهِجْه ولم يَعْرِضْ له حتى يَخرُجَ منه، وكان كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧]. حدثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَأَمْنًا﴾. قال: مَن أَمَّ إليه فهو آمِنٌ، كان الرجلُ يَلقَى قاتلَ أبيه أو أخيه فلا يَعْرِضُ له (١). حدثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: أما ﴿أَمْنًا﴾ فمَن دخَله كان آمنًا (٢). [حدثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَأَمْنًا﴾] (٣). قال: تحريمُه (٤)، لا يخافُ فيه مَن دخَله (٥). وحُدِّثْت عن عَمّارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿وَأَمْنًا﴾. يقولُ: أمنًا مِن العدوِّ أن يَحْمِلَ فيه السلاحَ، وقد كان في الجاهليةِ

стр. 1430

يُتَخَطَّفُ الناسُ مِن حولِهم وهم آمنون لا يُسْبَوْنَ (١). وحُدِّثْت عن المِنجابِ، قال: أخبرَنا بشرٌ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَأَمْنًا﴾. قال: أمنًا للناسِ (٢). وحدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدثني حَجّاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَأَمْنًا﴾. قال: تحريمُه، لا يَخافُ فيه مَن دخَله. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾. اختلف القَرَأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأه بعضُهم: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾. بكسرِ الخاءِ على وجهِ الأمرِ باتخاذِه مصلًّى، وهى قراءةُ عامةِ قَرَأَةِ المِصْرَيْنِ؛ الكوفَةِ والبصرةِ، وقراءةُ عامةِ قَرَأَةِ أهلِ مكةَ، وبعضِ قَرَأَةِ أهلِ المدينةِ (٣). [وذهَب الذين قرءوا ذلك إلى] (٤) الخبرِ الذى حدَّثنا أبو كُريبٍ ويعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قالا: حدَّثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرَنا حُميدٌ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، قال: قال عمرُ بنُ الخطابِ: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، لو اتخذْتَ المَقامَ مُصَلًّى! فأَنزل اللهُ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (٥).

стр. 1431

وحدثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي عَدِيٍّ، وحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، جميعًا عن حُميدٍ، عن أنَسٍ، عن عمرَ، عن النبيِّ ﷺ مثلَه (١). وحدثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا حُمَيدٌ، عن أنسٍ، قال: قال عمرُ بنُ الخطابِ: قلتُ: يا رسولَ اللهِ. فذكَر مثلَه. قالوا: فإنما أنزَل اللهُ تعالى ذكرُه هذه الآيةَ أمرًا منه نبيَّه ﷺ باتِّخاذِ مَقامِ إبراهيمَ مُصَلًّى، فغيرُ جائزةٍ قراءتُها وهى أمرٌ، على وجهِ الخبرِ. وقد زعَم بعضُ نحويِّى البصرةِ أن قولَه: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾. جزمٌ (٢) معطوفٌ على قولِه: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾ واتَّخِذوا مصلًّى من مَقام إبراهيمَ. فكان الأمرُ بهذه الآيةِ، وباتخاذِ المصلَّى من مَقامِ إبراهيمَ -على قولِ هذا القائِلِ- لليهودِ مِن بنى إسرائيلَ الذين كانوا على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ . [وقال] (٣) الربيعُ بنُ أنسٍ بما حدِّثْت به عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، [عن الرَّبيع بنِ أنَسٍ] (٤)، قال: من الكلماتِ التى ابتُلِىَ بها إبراهيمُ قولُه: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾. يأمُرُهم أن يَتَّخِذُوا مِن مَقامِ

стр. 1432

إبراهيمَ مُصَلًّى، فهم يُصَلُّون خلفَ المَقامِ. فتأويلُ قائلِ هذا القولِ: وإذ ابتلَى إبراهيمَ ربُّه بكلماتٍ فأتمهُنَّ، قال: إني جاعِلُك للناسِ إمامًا. قال: اتَّخِذوا من مَقامِ إبراهيمَ مصلًّى. والخبرُ الذى ذكَرْناه عن عمرَ بنِ الخطابِ عن رسولِ اللهِ ﷺ قبلُ، يَدُلُّ على خلافِ الذى قاله هؤلاء، وأنه أمرٌ من اللهِ تعالى ذكرُه بذلك رسولَ اللهِ ﷺ ، والمؤمنين به، وجميعَ الخلقِ المكلَّفِين. وقرَأه بعضُ قرأةِ أهلِ المدينةِ والشامِ: (واتَّخَذوا). بفتحِ الخاءِ، على وجهِ الخبرِ. ثم اختُلِف في الذى عُطِف عليه بقولِه: (واتَّخَذوا). إذا قُرِئ كذلك على وجهِ الخبرِ، فقال بعضُ نحويِّى البَصْرةِ: تأويلُه إذا قُرِئ كذلك: وإذ جعَلْنا البيتَ مَثابةً للناسِ وأمْنًا، [وإذِ اتخَذُوا] (١) من مقامِ إبراهيمَ مُصَلًّى. وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ: بل ذلك معطوفٌ على قولِه: ﴿جَعَلْنَا﴾. فكأن معنى الكلامِ على قولِه: وإذ جعَلْنا البيتَ مثابةً للناسِ، واتَّخَذُوه مُصَلَّى. والصوابُ من القولِ والقراءةِ في ذلك عندنا: ﴿وَاتَّخِذُوا﴾. بكسرِ الخاءِ (٢)، على تأويلِ الأمرِ باتخاذِ مَقامِ إبراهيمَ مُصَلًّى، للخبرِ الثابتِ عن رسولِ اللهِ ﷺ الذى ذكَرْناه آنفًا، وأن عمرَو بنَ عليٍّ حدثنا، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: ثنا جعفرُ بنُ محمدٍ، قال: حدثني أبي، عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ، أن رسولَ اللهِ ﷺ قرَأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (٣).

стр. 1433

ثم اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾. وفى مقامِ إبراهيمَ؛ فقال بعضُهم: مقامُ إبراهيمَ هو الحجُّ كلُّه. ذكرُ من قال ذلك حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا ابنُ جُرَيْجٍ، عن عَطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾. قال: الحجُّ كلُّه مقامُ إبراهيمَ (١). وحدثنى المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا سفيانُ بنُ عُيَيْنَةَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾. قال: الحجُّ كلُّه. وحدثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن ابنِ جريجٍ، عن عطاءٍ، قال: الحجُّ كلُّه مَقامُ إبراهيمَ. وقال آخرون: مَقامُ إبراهيمَ عَرَفةُ والمُزْدَلِفَةُ والجِمارُ. ذكرُ من قال ذلك حدثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصِمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن عطاءِ بنِ أبي رَباحٍ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾. قال: لأنى قد جعَلْتُه إمامًا، فمَقامُه عَرَفةُ والمُزْدَلِفَةُ والجِمارُ (٢). وحدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزّاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ (٣)، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ

стр. 1434

مُصَلًّى﴾. قال: مَقامُه جَمْعٌ (١) وعَرَفةُ ومِنًى. لا أعلمُه إلا وقد ذكَر مكةَ (٢). وحدثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا أبو عاصِمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾. قال: مَقامُه عَرفةُ. وحدثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا داودُ، عن الشعبيِّ، قال: نزلَتْ عليه وهو واقفٌ بعرفةَ مَقامِ إبراهيمَ ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (٣) الآية [المائدة: ٣]. وحدثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا بشرُ بنُ المفُضَّلِ، قال: ثنا داودُ بنُ أبي هندٍ، عن الشعبىِّ مثلَه. وقال آخرون: مَقامُ إبراهيمَ الحرمُ. ذكرُ من قال ذلك حدِّثْتُ عن حمادِ بنِ زيدٍ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾. قال: الحرمُ كلُّه مَقامُ إبراهيمَ (٤). وقال آخرون: بل مَقامُ إبراهيمَ هو الحَجَرُ الذى قام عليه إبراهيمُ حين ارتفَع بناؤُه، وضَعُف عن رَفْعِ الحِجارةِ.

стр. 1435

ذكرُ من قال ذلك حدثنا ابنُ (١) سِنانٍ القَزّازُ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ بنُ عبدِ المجيدِ أبو عليٍّ الحنفيُّ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ نافعٍ، قال: سمِعتُ كَثيرَ بنَ كَثيرٍ يُحدِّثُ عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: جعَل إبراهيمُ يَبْنيه، وإسماعيلُ يُناوِلُه الحجارةَ، ويقولان (٢): ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. فلمّا ارتفع البنيانُ وضعُف الشيخُ عن رَفْعِ الحجارةِ، قام على حجَرٍ، فهو مَقامُ إبراهيمَ (٣). وقال آخرون: بل مَقامُ إبراهيمَ، هو مَقامُه الذى هو في المسجدِ الحرامِ. ذكرُ من قال ذلك حدثنا بشرُ بن معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بن زُرَيعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾: إنما أمِروا أن يُصلُّوا عندَه ولم يُؤْمَروا بمَسْحِه، ولقد تَكَلَّفَت هذه الأمةُ شيئًا ما (٤) تَكَلَّفَتْه الأممُ قبلَها، ولقد ذكَر لنا بعضُ مَن رأى أثَرَ عَقِبِه وأصابِعِه (٥)، فما زالت هذه الأمةُ يمسَحُونه حتى اخْلَوْلَق (٦) وانْمَحَى (٧)

стр. 1436

وحدِّثْت عن عمّارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾: [يَأْمُرُهم أن يتَّخِذوا مِن مَقامِ إبراهيمَ مُصَلًّى] (١)، فهم يُصلُّون خلفَ المقامِ. وحدثنى موسى (٢)، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾: وهو الصلاةُ عند مَقامِه في الحَجِّ. والمقامُ هو الحَجَرُ الذى كانت زوجةُ إسماعيلَ وَضَعَتْ (٣) تحت قَدَمِ إبراهيمَ حين غسَلتْ رأسَه، فوضَع إبراهيمُ رِجْلَه عليه وهو راكِبٌ، فغسَلتْ شِقَّه، ثم رفَعتْه (٤) من تحتِه وقد غابت رِجْلُه في الحَجَرِ، فوضَعتْه تحت الشِّقِّ الآخَرِ فغسَلتْه، فغابت رِجْلُه أيضًا فيه، فجعَلها اللهُ من شعائِرِه، فقال: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (٥). وأولى هذه الأقوالِ بالصوابِ عندنا ما قاله القائلون: إنَّ مَقامَ إبراهيمَ هو المَقامُ المعروفُ بهذا الاسمِ، الذى هو في المسجدِ الحرامِ؛ لما روَيْنا آنفًا عن عمرَ بنِ الخطابِ، ولما حدَّثنا به يوسفُ بنُ سليمانَ، قال: ثنا حاتمُ بنُ إسماعيلَ، قال: ثنا جعفرُ ابنُ محمدٍ، عن أبيه، عن جابرٍ، قال: استلَم رسولُ اللهِ ﷺ الرُّكْنَ، فرَمَل ثلاثًا، ومشَى أربعًا، ثم نفَذ (٦) إلى مَقامِ إبراهيمَ فقرَأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾. فجعَل المَقامَ بينَه وبينَ البيتِ، فصلَّى ركعتين (٧).

стр. 1437

فهذان الخبرانِ يُنْبِئان أنَّ اللهَ تعالى ذِكْرُه إنما عَنَى بمَقامِ إبراهيمَ الذى أمَرنا (١) باتخاذِه مصلًّى منه (٢)، هو الذى وصَفْنا، ولو لم يكنْ على صِحَّةِ ما اختَرْنا في تأويلِ ذلك خبرٌ عن رسولِ اللهِ ﷺ ، لكان الواجبُ من القولِ فيه ما قلْنا؛ وذلك أنَّ الكلامَ مَحْمولٌ معناه على ظاهِرِه المعروفِ دونَ باطِنِه المجهولِ، حتى يأتىَ ما يدلُّ على خِلافِ ذلك مما يَجِبُ التسليمُ له. ولا شكَّ أنَّ المعروفَ في الناسِ بمَقامِ إبراهيمَ، هو [ما وصَفتُ دونَ جميعِ الحَرَمِ، ودونَ مَواقِفِ الحجِّ كلِّها. وأمّا] (٣) المُصَلَّى الذى قال الله تعالى ذِكْرُه: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾. فإنَ أهلَ التأويلِ مُختلِفون في معناه؛ فقال بعضُهم: هو المُدَّعَى. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا سفيانُ بنُ عُيَيْنَةَ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾. قال: مصلَّى إبراهيمَ مُدَّعًى (٤). وقال آخرون: بل معنى ذلك: بل اتخِذُوا مصلَّى تصلُّون عنده. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا بِشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: أُمِروا أن يُصلُّوا عنده (٥).

стр. 1438

وحدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حَمّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ، قال: هو الصلاةُ عندَه (١). فكأنَّ الذين قالوا: تأويلُ المُصَلَّى ههنا المُدَّعَى. وجَّهوا المُصَلَّى إلى أنه مُفَعَّل، مِن قولِ القائلِ: صلَّيتُ. بمعنى: دعوتُ. وقائلو هذه المقالةِ هم الذين قالوا: إن مَقامَ إبراهيمَ هو الحجُّ كلُّه. فكأنَّ معناهم في تأويلِ هذه الآيةِ: واتَّخِذوا عرفةَ والمُزْدَلِفَةَ والمَشْعرَ والجَمَراتِ (٢) وسائرَ أماكنِ الحجِّ التى كان إبراهيمُ يقومُ بها، مُدَّعًى (٣) تَدْعونَنى (٤) عندَها، وتَأْتَمُّون (٥) بإبراهيمَ خليلى صلواتُ اللهِ عليه فيها، فإنى قد جعَلتُه لمَن بعدَه -مِن أوليائى وأهلِ طاعَتى- إمامًا يَقْتَدون به وبآثارِه، فاقْتَدوا به. وأما تأويلُ القائلين القولَ الآخرَ، فإنه: اتَّخِذوا أيها الناسُ مِن مَقامِ إبراهيمَ مُصلًّى تُصَلُّون عندَه، عِبادةً مِنكم لى، وتَكْرِمةً منى لإبراهيمَ. وهذا القولُ هو أوْلَى بالصوابِ عندَنا؛ لما ذَكَرنا مِن الخبَرِ عن عمرَ بنِ الخطّابِ وجابِرِ بنِ عبدِ اللهِ، عن رسولِ اللهِ ﷺ . القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾. يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَعَهِدْنَا﴾: وأَمَرْنا.

стр. 1439

كما حدثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدثنى حَجّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قُلتُ لعطاءٍ: ما عَهْدُه؟ قال: أَمْرُه (١). وحدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾. قال: أَمَرْناه (٢). فمعنى الآيةِ: وأَمَرْنا إبراهيمَ وإسماعيلَ بتطهيرِ بيتى للطائِفين. و"التَّطهيرُ" الذى أمَرَهما اللهُ به في البيتِ هو تطهيرُه مِن الأصنامِ، وعبادةِ الأوثانِ فيه، ومِن الشركِ باللهِ. فإن قال قائلٌ: وما معنى قولِه: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾؟ وهل كان أيامَ إبراهيمَ -قبلَ بنائِه البيتَ- بيتٌ يُطَهَّرُ مِن الشركِ وعبادةِ الأوثانِ في الحَرَمِ، فيجوزَ أن يكونا أُمِرا بتَطْهيرِه؟ قِيل: لذلك وجهانِ مِن التأويلِ، قد [قال بكلِّ] (٣) واحدٍ مِن الوَجْهين مِن أهلِ التأويلِ جماعةٌ؛ أحدُهما: أن يكونَ معناه: وعَهِدْنا إلى إبراهيمَ وإسماعيلَ أن ابْنِيَا بَيْتىَ مُطَهَّرًا مِن الشركِ والرَّيْبِ، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ﴾ [التوبة: ١٠٩]. فكذلك قولُه: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾. أى: ابْنِيا بَيْتىَ على طُهْرٍ مِن الشِّركِ بى والرَّيْبِ. كما حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ،

стр. 1440

عن السُّدِّىِّ: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾. يقولُ: ابْنِيا بيتى للطائفين (١). فهذا أحدُ وَجْهَيْهِ. والوجهُ الآخرُ منهما: أن يكونا أُمِرا بأن يُطَهِّرا مكانَ البيتِ قبلَ بِنائِه (٢) والبيتَ بعدَ بِنائِه (٢)، مما كان أهلُ الشركِ باللهِ يَجْعَلونه فيه، على عهدِ نوحٍ ومَن قبلَه مِن الأوثانِ؛ ليكونَ ذلك سُنَّةً لمنَ بعدَهما، إذ كان اللهُ جلَّ ثناؤُه قد جعَل إبراهيمَ إمامًا يُقْتَدَى به (٣) بعدَه. كما حدَّثنى يونسُ، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾. قال: مِن الأصنامِ التى يَعْبُدون، التى كان المشركون يُعَظِّمونها (٤). [ذكرُ مَن قال: معنى قولِه: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾ أى: طهِّراه من الشِّرْكِ والرَّيْبِ] (٥) حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهوازىُّ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبيرىُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ جُرَيْجٍ (٦)، عن عطاءٍ، عن عُبيدِ بنِ عُمَيرٍ: ﴿طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾
следующие страницы →