← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 14351–14390 · переход к 14356.

стр. 14351

وقولُه: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وكان اللهُ بأعمالِكم وأعمالِهم بصيرًا، لا يَخْفَى عليه منها شيءٌ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٢٥)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: هؤلاء المشركون مِن قريشٍ هم الذين جحَدوا توحيدَ اللهُ، وصدُّوكم أيُّها المؤمنون باللهِ عن دخولِ المسجدِ الحرامِ، وصدُّوا الهَدىَ ﴿مَعْكُوفًا﴾. يقولُ: محبوسًا عن أن يَبْلُغَ مَحِلَّه. فموضعُ "أن" نصبٌ؛ لتعلُّقِه إن شئت بـ "معكوفٍ"، وإن شئتَ بـ "صدوا". وكان بعضُ نحويي البصرةِ يقولُ في ذلك: وصدُّوا الهدىَ معكوفًا، كراهية أن يَبْلُغَ مَحِلَّه. وعُنِى بقولِه تعالى ذكرُه: ﴿أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾: أَن يَبْلُغَ مَحِلَّ نحرِه. وذلك دخولُ الحرمِ، والموضعُ الذي إذا (١) صار إليه حَلَّ نحرُه، وكان رسولُ اللَّهِ ﷺ ساق معه حينَ خرَج إلى مكةَ في سَفْرته تلك سبعين بدنةً. حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، عن محمدِ بن مسلمٍ الزهريِّ، عن عروةَ بن الزبيرِ، عن المِسْوَرِ بن مَحْرَمةً ومَرْوانَ بن الحكمِ، أنهما حدَّثاه قالا: خرَج رسولُ اللهِ ﷺ عامَ الحديبيةِ يُرِيدُ زيارةَ البيتِ، لا يُرِيدُ قتالًا، وساق (٢) معه سبعين بَدَنةً، وكان الناسُ سبعمائةِ

стр. 14352

رجلٍ، فكانت كلُّ بدنة عن عشرةٍ (١). وبنحوِ الذي قلنا في معنى قوله: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾. قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا﴾. أي: محبوسًا ﴿أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾. وأقَبْل نبيُّ اللهِ ﷺ وأصحابُه معتمرين في ذي القَعْدةِ، الهدىُ، ومعهم حتى إذا كانوا بالحديبيةِ صدَّهم المشركون، فصالَحهم نبيُّ اللهُ ﷺ على أن يَرْجِعَ مِن عامِه ذلك، ثم يَرْجِعَ مِن العامِ المُقْبِلِ، فيكونَ بمكَّة ثلاثَ ليالٍ، ولا يَدْخُلَها إلا بسلاحِ الراكبِ، ولا يَخْرُج بأحدٍ مِن أهلِها، فنحَروا الهدىَ، وحلَقوا، وقصَّروا، حتى إذا كان مِن العامِ المُقْبِلِ، أَقْبَل نبيُّ اللهُ ﷺ وأصحابُه، حتى دخَلوا مكةَ معتمرين في ذى القَعْدَةِ، فأقام بها ثلاثَ ليالٍ، وكان المشركون قد فخَروا (٢) عليه حينَ رَدُّوه، فأقَصَّه اللهُ منهم فأدْخَله مكةَ في ذلك الشهرِ الذي كانوا ردُّوه فيه، فأنْزَل اللهُ: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ (٣) [البقرة: ١٩٤]. حدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ الأسديُّ وأحمدُ بنُ منصورٍ الرَّماديُّ، واللفظُ لابنِ عُمارةَ، قالا: حدَّثنا عبيد اللهُ بن موسى، قال: أَخْبَرنا موسى بن عُبيدةَ، عن إياسِ بن سلمةَ بن الأكوعِ، عن أبيه، قال: بعَثَت قريشٌ سُهَيْل بنَ عمرٍو، وحُوَيْطِبَ بنَ عبدِ العُزَّى، وحفصَ بنَ فلانٍ، إلى النبي ﷺ ليُصالحوه، فلما رآهم رسول اللهِ ﷺ

стр. 14353

فيهم سُهَيْلُ بنُ عمرٍو، قال: "قد سهَّل اللهُ لكم مِن أمرِكم، القومُ ماتُّون إليكم بأرحامِهم وسائلوكم الصلحَ، فابعثوا الهَدْىَ، وأظْهرِوا التلبيةَ، لعل ذلك يُليِنُ قلوبَهم". فلبَّوا مِن نَواحى العسكرِ حتى ارْتَجَّت أصواتُهم بالتلبيةِ. قال: فجاءوا فسأَلوه الصلحَ. قال: فبينما الناسُ قد تَوادَعوا، وفي المسلمين ناسٌ مِن المشركين، [وفى المشركين ناسٌ مِن المسلمين] (١). قال: ففتَك (٢) به أبو سفيانَ. قال: فإذا الوادى يَسِيلُ بالرجالِ. قال: قال إياسٌ: قال سلمةُ: فجئتُ بستةٍ مِن المشركين مُتَسَلِّحين أَسُوقُهم، ما يَمْلِكون لأنفسِهم نفعًا ولا ضرًّا، فأتَيْتُ بهم النبيَّ ﷺ ، فلم يَسْلُبْ ولم يَقْتُلْ، وعَفا. قال: فشدَدْنا على مَن في أيدى المشركين منا، فما ترَكْنا في أيديهم منا رجلًا إلا اسْتَنْقَذْناه. قال: وعَلَبْنا على مَن في أيدينا منهم، ثم إن قريشًا بعَثُوا سُهَيْلَ بن عمرٍو، وحُوَيْطِبًا، فوَلُوا صلحَهم، وبعَث النبيُّ ﷺ عليًّا في صلحه، فكتب عليٌّ بينَهم: بسم اللهُ الرحمن الرحيمِ، هذا ما صالَح عليه محمد رسولَ اللهِ ﷺ قريشًا، صالَحهم على أنه [لا إغلالَ ولا إسلالَ] (٣)، وعلى أنه مِن قدم مكة مِن أصحابِ محمد ﷺ حاجًّا أو معتمرًا أو يَبْتَغِى مِن فضلِ اللَّهِ، فهو آمِنٌ على دمِه ومالِه، ومَن قدِم المدينةَ مِن قريش مُجْتازًا إلى مصرَ أو إلى الشامِ يَبْتَغِي مِن فضلِ اللهِ، فهو آمنٌ على دمِه ومالِه، وعلى أنه مِن جاء محمدًا ﷺ مِن قريشٍ فهو إليهم رَدُّ، ومَن جَاءَهم مِن أصحابِ محمدٍ فهو لهم، فاشْتَدَّ ذلك على المسلمين، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "مَن جَاءَهم منا فأَبْعَدَه اللَّهُ،

стр. 14354

ومَن جاءَنا منهم فرَدَدْناه إليهم، فعلِم اللهُ الإسلامَ مِن نفسه، جعَل له مخرجًا". فصالَحوه على أنه يَعْتَمِرُ في عامِ قابلٍ في هذا الشهرِ، لا يَدْخُلُ علينا بخيلٍ ولا سلاحٍ إلا ما يَحْمِلُ المسافرُ في قرابه، يَثْوِى فينا ثلاثَ ليالٍ، وعلى أن هذا الهدْىَ حيثما حبسناه مَحِلُّه (١) لا يُقْدِمُه علينا. فقال لهم رسولُ اللهُ ﷺ : "نحن نَسُوقُه، وأنتم تَرُدُّون وُجوهَه". فسار رسولُ اللهُ ﷺ مع الهلايِ، وسار الناسُ (٢). حدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا عبيد اللهُ بن موسى، قال: أخبَرنا موسى، قال: أخبَرني أبو مُرَّةَ مولى أمِّ هانيء عن ابن عمرَ، قال: كان الهدىُ دونَ الجبالِ التي تَطْلُعُ على وادى الثنية، عرَض له المشركون، فردُّوا وجوهَه. قال: فنحَر النبيُّ ﷺ الهدىَ حينَ حبَسوه، وهى الحديبيةُ، وحلَق، وتأَسَّى به أُناسٌ حينَ رأَوْه حلَق، وتربَّص آخرون فقالوا: لعلنا نَطوفُ بالبيتِ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "رحِم اللهُ المُحَلِّقين". قيل: والمُقَصِّرين. قال: "رحم اللهُ المُحَلِّقين". قيل: والمُقَصِّرين. قال: "والمُقَصِّرِين" (٣). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا الحكمُ بنُ بشيرٍ، قال: ثنا عمرُ بنُ ذَرٍّ الهَمْدانيُّ، عن مجاهدٍ، أن النبيَّ ﷺ اعْتَمر ثلاثَ عُمَرٍ، كلُّها في ذى القَعْدَةِ، يَرْجِعُ في كلِّها إلى المدينةِ، منها العمرةُ التي صُدَّ فيها الهدىُ، فنحَره في مجلِّه عندَ الشجرةِ، وشارَطوه أن يأْتىَ في العامِ المقبلِ معتمرًا فيَدْخُلَ مكةَ، فيَطوفَ بالبيتِ ثلاثةَ أيامٍ ثم يَخْرُجَ، ولا يَحْبسون عنه أحدًا قَدِم معه، ولا يَخْرُجَ مِن مكةَ بأحدٍ كان فيها قبلَ قدومِه مِن المسلمين، فلما كان مِن العامِ المقبل دخَل مكةَ، فأقام بها ثلاثًا يَطوفُ بالبيتِ، فلما كان اليومُ الثالثُ قريبًا مِن الظهرِ أرْسَلوا إليه: إن قومَك قد

стр. 14355

آذاهم مُقامُك. فنُودِى في الناسِ: لا تَغْرُبُ الشمس وفيها أحدٌ مِن المسلمين قدِم مع رسولِ اللهِ ﷺ (١). حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ، عن عروةَ بن الزبيرِ، عن المِسْوَرِ بن مَخْرَمةَ، قال: خرَج النبيُّ ﷺ زمنَ الحديبيةِ في بضعَ عشْرةَ مائةً مِن أصحابِه، حتى إذا كانوا بذى الحُلَيْفَةِ قلَّد الهدىَ وأَشْعَره، وأَحْرَم بالعمرةِ، وبعَث بينَ يديه عينًا له مِن خُزاعةَ يُخْبِرُه عن قريشٍ، وسار النبيُّ ﷺ ، حتى إذا كان بغَديرِ الأشْطاطِ قريبًا مِن عُشفانَ (٢) أتاه عينه الخُزاعيُّ، فقال: إني ترَكْتُ كعبَ بنَ لُوَّيٍّ وعامرَ بنَ لُؤَيٍّ قد جمَعوا لك الأحابيشَ، وجمَعوا لك جُموعًا، وهم مُقاتِلوك وصادُّوك عن البيتِ. فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "أَشِيروا عليَّ، أَتَرَوْن أَن تَمِيلَ على ذَراريِّ هؤلاء الذين أعانوهم فنُصِيبَهم، فإن قعَدوا قعَدوا مَوْتُورين مخروبين (٣)، وإن نجوا (٤) تَكُنْ عُنُقًا قطَعَها اللَّهُ؟ أم تَرَوْن أنا نَؤُمُّ البيتَ، فَمَن صدَّنا عنه قاتَلْنا؟ " فقام أبو بكرٍ فقال: يا رسولَ اللهِ، إنا لم نَأْتِ لقتال أحدٍ، ولكنْ مِن حال بينَنا وبين البيتِ قاتَلْناه، فقال النبيُّ ﷺ : "فرُوحوا إذن" - وكان أبو هريرةَ يقولُ: ما رأيتُ أحدًا قطُّ كان أكثرَ مشاورةً لأصحابِه مِن النبيِّ ﷺ فراحوا حتى إذا كانوا ببعضِ الطريقِ قال النبي ﷺ : "إن خالدَ بنَ الوليدِ بالغَميمِ في خيلٍ لقريشٍ طليعةً، فخُذوا ذاتَ اليمينَ". فوالله ما شعَر بهم خالدٌ حتى إذا هو بَقَتَرةِ الجيشِ، فَانْطَلَقَ يَرْكُضُ نذيرًا لقريشٍ، وسار النبيُّ ﷺ اللهُ حتى إذا كان بالثَّنِيَّة التي يُهْبَطُ عليهم منها برَكَت به

стр. 14356

راحلتُه، فقال الناسُ: حَلْ حَلْ (١). فقال: "ما حَلْ؟ ". فقالوا: خَلأتِ (٢) القَصْواءُ. فقال النبيُّ ﷺ : "ما خَلأتُ، وما ذاك لها بخُلُقٍ، ولكنها حبسَها حابسُ الفيل". ثم قال: "والذي نفسي بيده لا يَسْأَلُونى خُطَّةً يُعَظِّمون بها حرماتِ اللَّهِ إلا أعْطَيْتُهم إياها". ثم زُجِرَتْ فوثَبَتْ، فعدل عنهم، حتى نزل بأقصى الحديبيةِ، على ثَمَدٍ (٣) قليل الماءِ، إنما يَتَبَرَّضُه الناسُ تَبَرُّضًا (٤)، فلم يُلْبِته (٥) الناسُ (٦) أن نزَحوه، فشُكِي إلى رسولِ اللهِ ﷺ العطشُ، فنزَع سهمًا مِن كِنانته، ثم أَمَرَهم أن يَجْعَلوه فيه، فواللهِ ما زال يَجِيشُ لهم بالرِّيِّ حتى صدَروا عنه، فبينا هم كذلك جاء بُدَيْلُ بنُ وَرْقاءَ الخُزاعيُّ في نفرٍ مِن خُزاعةَ. وكانوا عَيْبةً نُصح رسولِ اللَّهِ ﷺ مِن أهلِ تِهامةَ - فقال: إنى ترَكْتُ كعبَ بنَ لُوَّيٍّ، وعامر بن لؤيٍّ، قد نزلوا أعداد (٧) مياهِ الحديبيةِ، معهم العُوذُ المَطافيلُ (٨)، وهم مُقاتِلوك وصادُّوك عن البيت. فقال النبيُّ ﷺ : "إنا لم نأت لقتال أحدٍ، ولكنا جِئْنَا مُعْتَمِرين، وإن قريشًا قد نهِكَتْهم الحربُ وأضَرَّت بهم، فإن شاءوا مادَدْناهم مدةً، ويُخَلُّوا بيني وبين الناس، فإن أَظْهَرْ فإن شاءوا أن يَدْخَلوا فيما دخل فيه الناسُ فعلوا، وإلا فقد جَمُّوا (٩)، وإن هم

стр. 14357

أبَوْا، فوالذي نفسي بيدِه لأُقاتِلَتَّهم على أمرِى هذا حتى تَنْفَرِدَ سالفَتى (١)، أو ليُنْفِذَنَّ اللهُ أمره: فقال بُديلٌ: سنُبَلِّغُهم ما تقولُ. فانْطَلَق حتى أتَى قريشًا، فقال: إنا قد جئْناكم مِن عندِ هذا الرجلِ، وسمِعْناه يقولُ قولًا، فإن شئتُم أَن نَعْرِضَه عليكم فعَلْنا قال سفهاؤُهم: لا حاجةَ لنا في أن تُحَدِّثَنَا عنه بشيءٍ. وقال ذَوُو الرأي منهم: هاتِ ما سمِعْتَه يقولُ. قال: سمِعْتُه يقولُ كذا وكذا. فحدَّثهم بما قال النبيُّ ﷺ ، فقام عروةُ بن مسعودٍ الثَّقَفيُّ فقال: أي قومِ، ألستم بالوالدِ (٢)؟ قالوا: بلى. قال: أوَلستُ بالولدِ (٣)؟ قالوا: بلى. قال: فهل تَتَّهِمونى؟ قالوا: لا. قال: ألستم تَعْلَمون أنى اسْتنْفَرتُ أهلَ عُكاظٍ، فلما بَلَّحوا (٤) عليَّ جئتُكم بأهلى وولدى ومَن أطاعنى؟ قالوا: بلى. قال: فإن هذا الرجلَ قد عرَض عليكم خُطَّةَ رُشْدٍ فاقْبَلُوها، ودَعُونى آتِه. فقالوا: ائتِه. فأتاه فجعَل يُكَلِّمُ النبيَّ ﷺ ، فقال النبيُّ ﷺ نحوًا مِن مقالتِه لبُدَيْلٍ، فقال عروةُ عندَ ذلك: أي محمدُ، أرأيْتَ إن استأصَلتَ قومَك، فهل سمِعْتَ بأحدٍ مِن العربِ اجْتاح أصله قبلك؟ وإن تَكُن الأخرى، فوالله إنى لأَرَى وجُوهًا وأَشْوابًا (٥) مِن الناس خليقًا أن يَفرُوا ويَدَعُوك. فقال أبو بكرٍ: امصصْ بَظْرَ اللَّاتِ (٦) واللاتُ طاغيةُ ثَقيف التي (٧) كانوا يَعْبُدون - أنحن نَفِرُّ ونَدَعُه؟

стр. 14358

فقال: مَن هذا؟ فقالوا: أبو بكرٍ. فقال: أما والذي نفسي بيده لولا يدٌ كانت لك (١) عندى لم أَجْزِك بها لأجَبتُك (٢). وجعل يُكَلِّمُ النبيَّ ﷺ ، فكلما كلَّمه أخَذ بلحيتِه، والمغيرةُ بنُ شعبةَ قائمٌ على رأس النبيِّ ﷺ ، ومعه السيفُ وعليه المغْفَرُ، فكلما أهْوَى عروةُ إلى لحيةِ رسولِ اللهِ ﷺ ما ضرب يدَه بنَعْل (٣) السيفِ وقال: أخِّرْ يدَك عن لحيتِه. فرفَع رأسه فقال: مَن هذا؟ قالوا: المغيرةُ بن شعبةَ. قال: أي غُدَرُ، أوَ لستُ أسْعَى في غَدْرتِك! - وكان المغيرةُ بن شعبةَ صحِب قومًا في الجاهليةِ، فقتَلَهم وأخَذ أموالَهم، ثم جاء فأسْلَم. فقال النبيُّ ﷺ : وأمَّا الإسلامُ فقد قبلناه، وأمَّا المالُ فإنه مالُ غَدْرٍ، لا حاجةَ لنا فيه" - وإن عروةَ جعَل يَرْمُقُ أصحابِ النبي ﷺ بعينِه، فواللهِ إن تنخَّم النبيُّ ﷺ نُخامةً إلا وقَعت في كفِّ رجلٍ منهم، فدلَك بها وجهَه وجلدَه، وإذا أمرَهَم ابْتَدَروا أمرَه، وإذا توَضَّأ كادوا يَقْتَتِلون على وَضوئِه، وإذا تكَلَّم خفَضوا أصواتَهم عنده، وما يُحدُّون النظرَ إليه تعظيمًا له، فرجع عروةُ إلى أصحابِه فقال: أي قومِ، والله لقد وفَدْتُ على الملوكِ، ووفَدْتُ على قيصرَ وكِشرى والنجاشيِّ، والله إن رأَيْتُ ملكًا قطُّ يُعَظِّمُه أصحابُه ما يُعَظِّمُ أصحابُ محمدٍ محمدًا، واللَّهِ إِن تَنَخَّم نُخامةً إلا وقَعَت في كفٌ رجلٍ منهم، فدلَك بها وجهَه وجلدَه، وإذا أمَرَهم ابْتَدَروا أمره، وإذا توَضَّأ كادوا يَقْتَتلون على وَضوئِه، وإذا تكَلَّموا عنده خفَضوا أصواتَهم، وما يُحِدُّون النظرَ إليه تعظيمًا له، وإنه قد عرَض عليكم خُطَّةَ رُشد فاقْتِلُوها. فقال رجلٌ مِن كِنانةَ: دَعُونى آيِهِ. فقالوا: ائْتِه. فلما أشْرَف على النبيِّ ﷺ وأصحابِه، قال النبيُّ ﷺ : "هذا فلانٌ: "هذا فلانٌ، وهو مِن قومٍ يُعَظِّمون البُدْنَ، فابْعَثُوها له". فبُعِثَت له، واسْتَقْبله قومٌ يُلَبُّون فلمَّا رأَى ذلك قال:

стр. 14359

سبحانَ اللَّهِ، ما يَنْبَغِي لهؤلاء أن يُصَدُّوا عن البيت. [فلما رجَع إلى أصحابِه قال: رأيتُ البُدْنَ قد قُلِّدَت وأُشعرت، فما أَرَى أن يُصَدُّوا عن البيت] (١). فقام رجلٌ منهم يقالُ له: مِكْرَزُ بنُ حفصٍ. فقال: دعوُني آته. فقالوا: ائتِه. فلما أَشْرَف على النبيِّ ﷺ وأصحابِه قال النبيُّ ﷺ : "هذا مِكْرَزُ بنُ حفصٍ، وهو رجلٌ فاجرٌ". فجاء فجَعل يُكَلِّمُ النبيَّ ﷺ ، فبينا هو يُكَلِّمُه إذ جاء سُهَيْلُ بن عمرٍو - قال أيوبُ: قال عكرمةُ: إنه لما جاء سُهَيلٌ قال النبيُّ ﷺ : "قد سَهُل لكم مِن أمرِكم" - قال الزهريُّ: فجاء سهيلُ بنُ عمرٍو فقال: هاتِ نَكْتُبْ بيننا وبينك كتابًا. فدعا الكاتبَ. فقال النبيُّ ﷺ : اكْتُبْ: "بسم اللهُ الرحمن الرحيم". فقال: ما الرحمنُ؟ فواللهِ ما أدْرِى ما هو، ولكن اكتُبِ: باسمِك اللهمَّ، كما كنتَ تَكْتُبُ. فقال المسلمون: واللَّهِ لا نَكْتُبُها إلا بسمِ اللهُ الرحمنِ الرحيمِ. فقال النبيُّ ﷺ "اكتُبْ: باسمِك اللهمَّ". ثم قال: "اكتُبْ: هذا ما قاضَى عليه محمدٌ رسولُ اللَّهِ". فقال سهيلٌ: واللهِ لو كنا نَعلَمُ أنك رسولُ اللهِ ما صدَدْناك عن البيت ولا قاتَلْناك، ولكن اكتُبْ: محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ. فقال النبيُّ ﷺ : "واللهِ إنى لرَسولُ اللَّهِ وإِن كَذَّبْتُموني، ولكن اكتُبْ: محمدُ بنُ عبد اللهِ". قال الزهريُّ: وذلك لقوله: "واللهِ لا يَسْأَلُونى خُطَّةً يُعَظِّمون بها حُرُماتِ اللَّهِ إلا أعْطَيْتُهم إياها". فقال النبيُّ ﷺ : "على أن تُخَلُوا بيننا "وبينَ البيتِ، فنطوفَ به". قال سهيلٌ: واللهِ لا تَتَحَدَّثُ العربُ أنا أُخِذْنَا ضُغطةً، ولكن لك مِن العام المُقْبِلِ. فكتَب، فقال سهيلٌ: وعلى أنه لا يَأْتيك منا رجلٌ، وإن كان على دينِك، إلا ردَدْتَه إلينا. فقال المسلمون: سبحانَ اللهِ! وكيف يُرَدُّ إلى المشركين وقد جاءَ مسلما؟! فبينا هم كذلك، إذ جاء أبو جندلِ بنُ سهيلٌ بن عمرٍو يرسُفُ في قُيوده، قد خرَج مِن أسفلِ مكةَ، حتى رمَى بنفسِه بينَ أَظْهُرِ المسلمين، فقال سهيلٌ: هذا يا

стр. 14360

محمدُ أولُ مِن أُقاضِيك عليه أن تَردَّه إلينا. فقال النبيُّ ﷺ : "فَأَجِزه (١) لى". فقال: ما أنا بمُجِيزِه لك. قال: بلى فافعَل". قال: ما أنا بفاعلٍ. قال صاحبُه مِكْرزٌ - وسهيلٌ إلى جنبِه -: قد: قد أَجَزناه لك. فقال أبو جندلٍ: أي معاشرَ المسلمين، أأُرَدُّ إلى المشركين وقد جئتُ مسلمًا؟! ألا تَرَون ما قد لقيتُ؟ وكان قد عُذِّب عذابًا شديدًا في اللَّهِ. قال عمرُ بنُ الخطابِ: واللهِ ما شكَكْتُ منذ أسلَمتُ إلا يومَئذٍ، فأَتَيْتُ النبيَّ ﷺ فقلتُ: ألسْنا على الحقِّ وعدوُّنا على الباطلِ؟ قال: "بلى". قلتُ: فلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ في دينِنا إذن؟ قال: "إنى رسولُ اللَّهِ، ولسْتُ أَعْصِيه، وهو ناصِرِى". قلتُ: أَلسْتَ تُحدِّثنا أنا سنَأْتى البيتَ فتَطوفُ به؟ قال: "بلي". قال: فأَخْبَرْتُك أنك تَأْتيه العام؟ "قلتُ: لا. قال: "فإنك آتِيه ومُتَطَوِّفٌ به". قال: ثم أتَيْتُ أبا بكرٍ فقلت: أليس هذا نبيَّ اللهُ حقًّا؟ قال: بلى. قلتُ: ألسْنا على الحقِّ وعدوُّنا على الباطل؟ قال: بلى. قلتُ: فلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ في دينِنا إذن؟ قال: أيُّها الرجلُ، إنه رسولُ اللَّهِ، وليس يَعْصِى ربَّه، فاسْتَمْسِكْ بِغَرْزِه حتى تموتَ، فواللهِ إنه لعلى الحقِّ قلتُ: أو ليس كان يُحَدِّثُنا أنا ستَأْتى البيتَ ونَطوفُ به؟ قال: بلى، أفَأَخْبَرك أنك تَأْتيه العام؟ قال: لا. قال: فإنك آتِيه ومُطوِّفٌ (٢) به - قال الزهريُّ: قال عمر: فعمِلْتُ لذلك أعمالًا - فلمَّا فرغ مِن قضيتِه (٣) قال النبيُّ ﷺ لأصحابه: "قُوموا فانْحَروا ثم احْلِقوا". قال: فواللهِ ما قام منا رجلٌ حتى قال ذلك

стр. 14361

ثلاثَ مراتٍ، فلمَّا لم يَقُمْ منهم أحدٌ، قام فدخَل على أمِّ سلمةَ، فذكَر لها ما لقِى مِن الناسِ، فقالت أمُّ سلمةَ: يا نبيَّ اللَّهِ، أَتُحِبُّ ذلك؟ اخْرُجْ، ثم لا تُكَلِّمْ أحدًا منهم كلمةً حتى تَنْحَرَ بُدْنَك، وتَدْعُوَ حالِقَك فيَحْلِقَك. فقام فخرَج، فلم يُكَلِّمْ أحدًا منهم كلمةً حتى نحَر بدنَه، ودعا حالِقَه فحلَقه، فلما رأَوْا ذلك قاموا فنحَروا وجعَل بعضُهم يَحْلِقُ بعضًا، حتى كاد بعضُهم يَقْتُلُ بعضًا غَمَّا، ثم جاءه نِسوةٌ مؤمناتٌ، فأنْزَل اللهُ عليه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ حتى بلَغ: ﴿بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠]. قال: فطلَّق عمر يومَئذٍ امرأتين كانتا له في الشركِ. قال: فنهاهم أن يَرُدُّوهن، وأَمَرَهم أن يَرُدُّوا الصداقَ حينَئذٍ - قال رجلٌ للزهريُّ: أمن أجلِ الفروجِ؟ قال: نعم - فتزوَّج إحداهما معاويةُ بن أبي سفيانَ، والأخرى صفوانُ بن أميةَ، ثم رجَع النبيُّ ﷺ إلى المدينةِ، فجاءه أبو بَصيرٍ - رجلٌ مِن قريشٍ - وهو مسلمٌ، فأُرسِل في طلبِه رجلان، فقالا: العهدَ الذي جعَلْتَ لنا. فدفَعه (١) إلى الرجلين، فخرَجا به، حتى إذا بلَغا ذا الحُلَيْفَةِ، فنزَلوا يَأْكُلون مِن تمرٍ لهم، فقال أبو بَصيرٍ لأحدِ الرجلين: واللهِ إني لأَرَى سيفك هذا يا فلانُ جيدًا. فاسْتَلَّه الآخرُ فقال: واللهِ إنه لجيدٌ، لقد جرَّبْتُ به وجرَّبْتُ. فقال أبو بَصِيرٍ: أَرِنِى أَنْظُرْ إليه. فأمْكنه منه، فضربه به حتى برَد (٢)، وفَرَّ الآخرُ حتى أتَى المدينةَ، فدخَل المسجد يَعْدُو، فقال النبيُّ ﷺ : "رأى هذا ذُعْرًا". فقال: قُتِل واللهِ صاحبي، وإني واللهِ لمَقتولٌ. فجاء أبو بَصيرٍ فقال: قد وَاللَّهِ أَوْفَى اللَّهُ ذمتك، وردَدْتَني إليهم، ثم أَنجانى (٣) اللَّهُ فقال النبيُّ ﷺ : "وَيْلُ امِّه، مِسْعَرَ حربٍ، لو كان له أحدٌ". فلما سمع عرف أنه سيَرُدُّه إليهم. قال: فخرَج حتى أتَى سيِفَ البحرِ، وتفَلَّت أبو جَنْدَلِ بن سهيلٌ بنُ عمرِو فلحِق بأبي بَصيرٍ، فجعَل لا

стр. 14362

يَخْرُجُ مِن قريشٍ رجلٌ قد أسْلَم إلا لحِق بأبي بَصيرٍ، حتى اجتمَعت منهم عصابةٌ، فواللهِ ما يسمَعون بِعِيرٍ خرَجَت لقريشٍ إلى الشامِ إلا اعْتَرَضوا لهم فقتَلُوهم وأخَذوا أموالَهم فأرْسَلَت قريشٌ إلى النبيِّ ﷺ يُناشِدونه الله والرَّحِمَ لَمَا أَرْسَل إليهم، فمَن أتاه فهو آمِنٌ، فأنْزَل اللهُ: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ حتى بلغ: ﴿حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ الفتح: ٢٤ - ٢٦]، وكانت حَمِيَّتُهم أنهم لم يُقرُّوا أنه نبيٌّ، ولم يُقِرُّوا بسمِ اللهُ الرحمنِ الرحيمِ، وحالوا بينَهم وبينَ البيتِ (١). حدَّثني يعقوب بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ المباركِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الزهريِّ، عن عروةُ، عن المِسْوَرِ بن مَخْرَمةَ ومروانَ بن الحكمِ، قالا: خرَج رسولُ اللهِ ﷺ مِن الحديبيةِ في بضعَ عشْرةَ. ثم ذكَر نحوَه، إلا أنه قال في حديثهِ: قال الزهريُّ: فحدَّثنى القاسمُ بنُ محمدٍ، أن عمرَ بنَ الخطابِ ﵁ قال: فأَتَيْتُ النبيَّ ﷺ فقلتُ: ألست برسولِ اللَّهِ؟ قال: "بلى" قال أيضًا: وخرج أبو بَصيرٍ والذين أسْلَموا مِن الذين ردَّ رسولَ اللهِ ﷺ ، حتى لحِقوا بالساحل على طريقِ عيرِ قريشٍ، يقتُلون (٢) مَن كان فيها مِن الكفارِ ويَغْنمونها، فلمَّا رأَى ذلك كفارُ قريشٍ ركِب نفرٌ منهم إلى رسولَ اللهِ ﷺ ، فقالوا له: إنها لا تُغْنِى مدتُك شيئًا، ونحن نُقَتَّلُ وتُنْهَبُ أموالُنا، وإِنا نَسْأَلُك أَن تُدْخِلَ هؤلاء الذين أسْلَموا منا في صلحِك وتَمْنَعَهم، وتَحْجِزَ عنا قتالَهم. ففعَل ذلك رسولَ اللهِ ﷺ ، فأنْزَل اللهُ: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾. ثم

стр. 14363

ساق الحديثَ إلى آخرِه، نحوَ حديثِ ابن عبدِ الأعلى (١). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةَ، عن ابن إسحاق، عن محمدِ بن مسلم بن شهابٍ الزهريِّ، عن عروةَ بن الزبيرِ، عن المشورِ بن مَخْرَمةَ ومروان بن الحكمِ، أنهما حدَّثاه، قالا: خرج رسول اللهِ ﷺ عام الحديبيةِ يُرِيدُ زيارةَ البيتِ، لا يُرِيدُ قتالًا، وساق معه هديَه سبعين بَدَنةً، حتى إذا كان بعُسْفانَ لقِيه بشرُ بن سفيانَ الكعبيُّ، فقال له: يا رسولَ اللهِ، هذه قريشٌ قد سمِعَت بمسيرِك، فخرَجوا معهم العُوذُ المطافيلُ، قد لبِسوا جلودَ النمورِ، ونزَلوا بذِى طُوًى، يُعاهدون اللَّهَ لا تَدْخُلُها عليهم أبدًا، وهذا خالدُ بنُ الوليدَ في خيلِهم، قد قدَّموها إلى كُراعِ الغَميم. قال: فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "يا ويحَ قريشٍ، لقد أهلَكتْهم (٢) الحربُ، ماذا عليهم لو خَلَّوْا بينى وبينَ سائرِ العربِ، فإن هم أصابوني كان ذلك الذي أرادوا، وإن أظْهَرَنى اللهُ عليهم دخَلوا في الإسلامَ وافِرين (٣)! ". ثم ذكَر نحوَ حديثِ معمرٍ، بزياداتٍ فيه كثيرة على حديثِ معمرٍ، ترَكتُ ذكرِها (٤). حدَّثني يُونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾. قال: كان الهدىُ بذى طُوًى، والحديبية خارجةٌ مِن الحرمِ، نزَلَها رسولَ اللهِ ﷺ حين غَوَّرَت قريشٍ عليه الماءَ.

стр. 14364

وقولُه: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولولا رجالٌ مِن أهلِ الإيمانِ ونساءٌ منهم، أيُّها المؤمنون باللهِ، أن تَطَئوهم بخَيْلِكم ورجلكم، لم تَعْلَموهم بمكةَ، وقد حبَسهم المشركون بها عنكم، فلا يستطيعون مِن أجلِ ذلك الخروجَ إليكم - فتقتُلوهم. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ﴾. حتى بلَغ: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾: هذا حينَ رُدَّ محمدٌ ﷺ وأصحابُه أن يدخُلوا مكةَ، فكان بها رجالٌ مؤمنون ونساءٌ مؤمناتٌ، فكرِه الله أن يُؤذوا أو يُوطَئوا بغيرِ علمٍ، ﴿فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (١). واختلَف أهلُ التأويلِ في المعَرَّةِ التي عناها اللهُ في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم عُنِي بها الإثمُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾. قال: إثمٌ بغيرِ علمٍ (٢). وقال آخرون: عُنِى بها غُرْمُ الدِّيةِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ

стр. 14365

بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾: [والمعرةُ الغُرْمُ. أي: أن تُصِيبُوا منهم معرةً بغير علمٍ] (١) فتُخرِجوا دِيَتَه، فأمّا إثمٌ فلم يَخْشَه (٢) عليهم (٣). والمَعَرَّةُ هي المَفْعَلَة من العُرِّ، وهو الجَرَبُ. وإنما المعنى: فتُصيبَكم من قِبَلِهم معرَّةٌ تُعَرُّون بها، يَلْزَمُكم من أجلِها كفارةُ قتلِ الخطأ،؛ وذلك عِتْقُ رقبةٍ مؤمنةٍ مَن أطاق ذلك، ومَن لم يُطِق فصيامُ شهرين. وإنما اختَرْتُ هذا القولَ دونَ القولِ الذي قاله ابن إسحاقَ؛ لأنّ الله إنما أوجَب على قاتلِ المؤمنِ في دارِ الحربِ إذا لم يكنْ هاجَر منها، ولم يكنْ قاتِلُه عَلم إيمانَه - الكفارةَ دونَ الدِّيَةِ، فقال: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]. ولم يُوجِبْ على قاتلِه خطأ دِيَةً (٤)، فلذلك قلنا: عُنِى بالمعرَّةِ في هذا الموضعِ الكفارةُ. و ﴿أَنْ﴾ مِن قولِه: ﴿أَنْ تَطَئُوهُمْ﴾ في موضعِ رفعٍ، ردًّا على "الرجال"؛ لأن معنى الكلامِ: ولولا أن تطَئوا رجالًا مؤمنين ونساءً مؤمناتٍ لم تَعْلموهم، فتُصيبَكم منهم مَعَرَّةٌ بغيرِ علمٍ - لأذِن اللهُ لكم أيُّها المؤمنون في دخولِ مكةَ، ولكنه حال بينَكم وبينَ ذلك؛ ﴿لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾. يقولُ: ليُدْخِلَ اللهُ في الإسلامِ مِن أهلِ مكةَ مَن يشاءُ قبل أن تَدْخُلوها. وحُذِف جوابُ "لولا" استغناءً بدلالةِ الكلامِ عليه. وقولُه: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾. يقولُ: لو تَميَّز الذين في مشركي مكةَ مِن الرجالِ المؤمنين والنساءِ المؤمناتِ، الذين لم تَعْلموهم منهم، ففارَقوهم وخرَجوا مِن بين

стр. 14366

أظْهُرِهم ﴿لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. يقولُ: لقتَلْنا مَن بَقِى فيها بالسيفِ، أو: لأهلَكْناهم ببعضِ ما يُؤلِمُهم مِن عذابِنا العاجلِ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾ الآية: إنّ الله يَدفعُ بالمؤمنين (١) عن الكفارِ (٢). حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ﴾: يعنى أهلَ مكةَ، كان فيهم مؤمنون مُستضعَفون، يقولُ اللهُ: لولا أولئك المُستَضْعَفون، لو قد تَزَيَّلوا لعذَّبنا الذين كفَروا مِنهم عذابًا أَلِيمًا. حدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾: لو تَفرَّقوا، فَتَفرَّق المؤمنُ مِن الكافرِ، ﴿لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (٢). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٢٦)﴾. يعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ

стр. 14367

الْجَاهِلِيَّةِ﴾: حينَ جعَل سُهَيلُ بنُ عمرٍو في قلبه الحمِيَّةَ، فامتنَع أن يكتُبِ في كتابِ المقاضاةِ الذي كُتِب بينَ يدَىْ رسولِ اللهِ ﷺ والمشركين: بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ. وأن يكتُبَ فيه: محمدٌ رسولُ اللهِ، وامتنَع هو وقومُه مِن دخولِ رسولِ اللهِ ﷺ العامَه ذلك. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزُّهريِّ، قال: كانت حميَّتُهم التي ذكَر الله: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾. أنهم لم يُقِرُّوا [بـ "بسم] (١) اللهِ الرحمنِ الرحيمِ"، وحالوا بينهم وبينَ البيتِ (٢). حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ المباركِ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ بنحوِه (٣). حدَّثني عمرُو بنُ محمدٍ العثمانيُّ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ أبي أُوَيْسٍ، قال: ثنى أخى، عن سليمانَ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن ابن شهابٍ، عن سعيدِ بن المسيِّبِ أن أبا هريرةَ أخبَره أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: "أُمِرْتُ أَنْ أُقاتِلَ النَّاسَ حتى يَقولوا: لا إلهَ إلا اللهُ. فمن قال: لا إلهَ إلا اللهُ. فقد عصَم منِّي مالَه ونَفْسَه، إلا بحقِّه، وحسابُه على اللهِ". وأنزَل اللهُ في كتابِه، فذكَر قومًا استكبَروا، فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا

стр. 14368

قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات: ٣٥]. وقال اللهُ: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾. وهى: لا إلهَ إلا الله، محمدٌ رسولُ اللهِ، استكبَر عنها المشركون يومَ الحديبيةِ؛ يومَ كاتَبهم رسولُ اللهِ ﷺ على قضيَّة المُدَّة (١). و ﴿إِذْ﴾ مِن قولِه: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. من صلِة قولِه: ﴿لَعَذَّبْنَا﴾. وتأويلُ الكلامِ: لعذَّبنا الذين كفروا منهم عذابًا أليمًا، حينَ جعَل الذين كفروا في قلوبِهم الحَميَّةَ. والحَمِيَّةُ فَعِيلَةٌ، من قولِ القائلٍ: حَمَى فلانٌ أَنْفَه حَمِيَّةٌ ومَحْمِيَّةً، ومنه قولُ المُتَلمِّسِ (٢): أَلَا إِنَّنِي منهم وعِرْضِيَ عِرْضُهُمْ … كذا الرأسُ يَحْمِي أَنْفَه أن يُكَشَّما (٣) يعنى بقولِه: يَحْمِي: يمنعُ. وقال: ﴿حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾؛ لأن الذي فعَلوا من ذلك كان جميعُه من أخلاقِ أهلِ الكفرِ، ولم يكنْ شيءٌ منه مما أذِن الله لهم به، ولا أحدٌ رسلِه. وقولُه: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فأنزل اللهُ الصبرَ والطُّمَأنينة والوقارَ على رسولِه وعلى المؤمنين؛ إذْ حَمِي

стр. 14369

الذين كفروا حمِيَّةَ الجاهليةِ، ومنَعوهم مِن الطوافِ بالبيتِ، وأبَوا أن يَكْتُبوا في الكتابِ بينَه وبينَهم: بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ، ومحمدٌ رسولُ اللهِ. ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾. يقولُ: ألزَمهم قولَ: لا إلهَ إلا الله، [الذي يتَّقون به] (١) النارَ وأليمَ العذابِ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، على اختلافٍ في ذلك منهم، ورُوِى به الخبر عن رسولِ اللهِ ﷺ . ذكرُ قائلى ذلك بما قلنا فيه، والخبرِ الذي ذكَرْنا عن رسولِ اللهِ ﷺ حدَّثنا الحسنُ بنُ قَزَعةَ الباهليُّ، قال: ثنا سفيانُ بنُ حَبيبٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن ثُوَيْرِ (٢) بن أبى فاختةَ، عن أبيه، عن الطفيلِ، عن أبيه، سمِع رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾. قال: لا إلهَ إلا اللهُ" (٣). حدَّثني محمدُ بنُ خالدِ بن خداشٍ العَتَكيُّ، قال: سمِعتُ سَلْمًا (٤)، سمِع شعبةَ، سمِع سلمةَ بنَ كهيلٍ، سمِع عَبايةَ، سمِع عليًّا ﵁ في قولِه: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾. قال: لا إلهَ إلا اللهُ (٥). حدَّثني ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى وعبدُ الرحمنِ، قالا: ثنا سفيانُ، عن سلمةَ، عن عبايةَ بن رِبعيٍّ، عن عليٍّ ﵁ في قولِه: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ

стр. 14370

التَّقْوَى﴾. قال: لا إلهَ إلا اللهُ، واللهُ أكبرُ (١). حدَّثني محمدُ بنُ عيسى الدامَغَانيُّ، قال: ثنا ابن المباركِ، عن سفيانَ وشعبةَ، عن سلمةَ بن كُهيلٍ، عن رجلٍ، عن عليٍّ ﵁ قال: لا إلهَ إلا اللهُ، واللهُ أكبرُ. حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا وهبُ بنُ جريرٍ، عن شعبةَ، عن سلمة، عن عَبايةَ (٢) - رجل من بني تميمٍ - عن عليٍّ ﵁: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾. قال: لا إلهَ إلا اللهُ. حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولِه: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾. يقولُ: شهادةَ ألا إلهَ إلا اللهُ، فهي كلمةُ التقوى. يقولُ: فهى رأسُ التقوى (٣). حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال: سمِعتُ أبا إسحاقَ يُحَدِّثُ عن عمرُو بنُ ميمونٍ أنه كان يقولُ في هذه الآيةِ: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾. قال: لا إلهَ إلا اللهُ (٤). حدَّثني محمد بنُ عيسى، قال: أخبَرنا ابن المباركِ، قال: أخبَرنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن عمرُو بنُ ميمونٍ مثلَه (٥).

стр. 14371

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن عمرِو بن ميمونٍ: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾. قال: لا إلهَ إلا اللهُ. قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾. قال: لا إلهَ إلا اللهُ (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾: وهى شهادةُ ألا إلهَ إلا اللهُ (٢). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾. قال: هي لا إلهَ إلا اللهُ (٣). حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾: هي لا إلهَ إلا اللهُ (٤). حدَّثني سعدُ بنُ عبدِ اللهِ بن عبدِ الحكمِ، قال: ثنا حفصُ بنُ عمرَ، قال: ثنا الحكمُ بنُ أبانٍ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾. قال: شهادة ألا إلهَ إلا اللهُ (٥).

стр. 14372

حدَّثني ابن البَرْقيِّ، قال: ثنا عمرُو بنُ أبي سلمةَ، عن سعيدِ بن عبدِ العزيزِ، عن عطاءٍ الخُراسانيِّ: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾. قال: لا إلهَ إلا اللهُ، محمدٌ رسولُ اللهِ (١). حدَّثني الضِّراريُّ (٢) محمدُ بنُ إسماعيلَ، قال: ثنا محمدُ بنُ سَوارٍ، قال: ثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، عن يزيدَ (٣) أبي خالدٍ المكيِّ، عن عليٍّ الأزْديِّ، قال: كنتُ مع ابن عمرَ بينَ مكةَ ومِنًى بالمَأْزِمَيْن (٤)، فسمِع الناسَ يقولون: لا إلهَ إلا اللهُ، واللهُ أكبرُ. فقال: هي هي. فقلتُ: ما هي؟ قال: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ (٥). وقال آخرون: [بل كلمةُ التقوى الإخلاصُ] (٦). ذكر من قال ذلك حدَّثني عليُّ بنُ الحسينِ الأزْديُّ، قال: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾. قال: الإخلاصَ (٧). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى

стр. 14373

الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾: كلمةَ الإخلاصِ (١). وقال آخرون: هي قولُه: بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عيسى، قال: ثنا ابن المبارك، عن معمرٍ، عن الزهريِّ في قولِه: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾. قال: بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ (٢). وقال آخرون: هي قولُ: لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، له الملكُ وله الحمدُ، وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ، قال: أخبَرنا ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ وعطاءٍ: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾. قال أحدُهما: الإخلاصَ. وقال الآخرُ: كلمةُ التقوى: لا إلهَ إلا اللهُ وحده لا شريكَ له، له الملكُ وله الحمدُ، وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ (٣). وقولُه: ﴿وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وكان رسولُ اللهِ ﷺ والمؤمنون أحقَّ بكلمةِ التقوى من المشركين، ﴿وَأَهْلَهَا﴾. يقولُ: وكان

стр. 14374

رسولُ اللهِ ﷺ والمؤمنون أهل كلمة التقوى دونَ المشركين. وذُكر أنها في قراءة عبدِ اللهِ: (وكانُوا أَهْلَها وَأحَقَّ بِها) (١). وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾: وكان المسلمون أحقَّ بها، وكانوا أهلَها - أي: التوحيدِ وشهادةِ ألا إلهَ إلا اللهُ، وأن محمدًا عبدهُ ورسولُه (٢). وقولُه: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولم يَزَلِ اللهُ بكلِّ شيءٍ ذا علمٍ، لا يخفى عليه شيءٌ هو كائنٌ، ولِعِلْمِه أَيُّها الناسُ بما يَحْدُثُ مِن دخولِكم مكةَ وبها رجالٌ مؤمنون ونساءٌ مؤمناتٌ لم تَعْلموهم - لم يأذنْ لكم بدخولِ مكةَ في سَفْرتِكم هذه. القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (٢٧)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: لقد صدَق اللهُ رسولَه محمدًا رُؤْياه التي أرَاها إيَّاه؛ أنه يدخلُ هو وأصحابُه بيتَ اللهِ الحرامَ آمنين، لا يخافُون أهلَ الشركِ، مقصرًا بعضُهم رأسَه، ومُحلِّقًا بعضُهم. وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

стр. 14375

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾. قال: هو دخولُ محمدٍ ﷺ البيتَ، والمؤمنون مُحلِّقين رءوسَهم ومُقصِّرين (١). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ﴾ قال: أُرِى بالحُديبيةِ أنه يدخلُ مكةَ وأصحابُه محلِّقين، فقال أصحابُه حينَ نَحر بالحُديبيةِ: أين رُؤيا محمدٍ ﷺ (٢)؟ حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ﴾. قال: رأى رسولُ الله ﷺ أنه يطوفُ بالبيتِ وأصحابُه، فصدَّق الله رُؤياه فقال: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾. حتى بلَغ: ﴿لَا تَخَافُونَ﴾. حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ﴾. قال: أُرِى في المنامِ أنَّهم يَدْخُلون المسجدَ الحرامَ، وأنهم آمِنون، محلِّقين رءوَسهم ومُقصِّرين (٣).

стр. 14376

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ﴾ إلى آخرِ الآيةِ، قال: قال لهم النبيُّ ﷺ : "إنِّي قد رأيتُ أنَّكم ستدخُلون المسجدَ الحرامَ محلِّقين رءوسَكم ومقصِّرين". فلمّا نزَل بالحُديبيةِ ولم يَدْخُلْ ذلك العام، طعَن المنافقون في ذلك فقالوا: أين رُؤياه؟ فقال اللهُ: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ﴾. فقرَأ حتى بلَغ: ﴿وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ﴾: إِنِّي لم أُرِهْ أنه يدخُلُها هذا العامَ، وليكوننَّ ذلك (١). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ﴾ إلى قولِه: ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾: الرؤيا رسولِ اللهِ ﷺ التي أُرِيها أنه سيدخلُ مكةَ آمِنًا لا يخافُ، يقولُ: مُحلِّقين ومقصِّرين لا تَخافون (٢). وقولُه: ﴿فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فعَلِم اللهُ جلَّ ثناؤُه ما لم تَعْلَموا. وذلك عِلْمُه تعالى ذكرُه بما بمكةَ من الرجالِ والنساءِ المؤمنين الذين لم يَعْلَمُهم المؤمنون، ولو دخَلوها في ذلك العامِ لوَطِئوهم بالخيلِ والرَّحِل، فأصابتهم منهم مَعَرَّةٌ بغيرِ علمٍ، فردَّهم الله عن مكةَ من أجلِ ذلك. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا﴾. قال: ردَّه لمكانِ مَن بينَ أَظْهُرِهم من المؤمنين والمؤمناتِ، وأخَّرَه ليُدخلَ اللهُ في رحمتِه مَن يَشَاءُ؛ مَن يريدُ أَن يَهْدِيَه (١).

стр. 14377

وقولُه: ﴿فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾. اختَلَف أهلُ التأويلِ في الفتحِ القريبِ الذي جعَله اللهُ للمؤمنين، دون دخولهم المسجدَ الحرامَ محلِّقين رءوسِهم ومُقصِّرين؛ فقال بعضُهم: هو الصلحُ الذي جرَى بينَ رسولِ اللهِ ﷺ وبينَ مُشرِكي قريشٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولِه: ﴿مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾. قال: النحرُ بالحُديبيةِ، ورجَعوا فافتَتَحوا خيبرَ، ثم اعتَمر بعدَ ذلك، فكان تصديقُ رؤياه في السنةِ القابلةِ (١). حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن الزهريِّ قولَه: ﴿فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾. يعنى: صلحَ الحُديبيةِ، وما فُتِح في الإسلامِ فتحٌ كان أعظَمَ منه، إنما كان القتالُ حيث التَقَى الناسُ، فلمّا كانت الهدنةُ وُضِعت الحربُ، وأمِن الناسُ كلُّهم بعضُهم بعضًا، فالتقوا، فتفاوَضُوا في الحديثِ والمنازعةِ، فلم يُكَلَّمْ أحدٌ بالإسلام يَعْقِلُ شيئًا إلا دخَل فيه، فلقد دخَل في تَيْنك السَّنتَين في الإسلامِ مثلُ مَن كان في الإسلامِ قبلَ ذلك وأكثرُ (٢). حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾. قال: صلحَ الحُديبيةِ (٣).

стр. 14378

وقال آخرون: عُنى بالفتحِ القريبِ في هذا الموضعِ فتحُ خيبرِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾. قال: خيبرَ، حين رجَعوا من الحُديبيةِ، فتَحها اللهُ عليهم، فقسَّمَها على أهلِ الحديبيةِ كلِّهم إلَّا رجلًا واحدًا من الأنصارِ يقالُ له: أبو دُجانة سِماكُ بنُ خَرَشةَ. كان قد شَهِد الحديبيةَ وغاب عن خيبرَ (١). وأولى الأقوالِ في ذلك بالصواب أن يُقالَ: إن الله أخبر أنَّه جعَل لرسولِه والذين كانوا معه مِن أهلِ بيعة الرضوانِ فتحًا قريبًا من دون دخولهم المسجدَ الحرامَ، ودون تصديقه رُؤيا رسول الله ﷺ ، وكان صلحَ الحُديبيةِ وفتحُ خيبرَ دونَ ذلك، ولم يَخْصصِ اللهُ تعالى ذكرُه خبرَه ذلك عن فتحٍ من ذلك دونَ فتحٍ، بل عمَّ ذلك، وذلك كلُّه فتحٌ جعَله اللهُ مِن دونِ ذلك. والصوابُ أن يَعُمَّه كما عمَّه، فيقالُ: جعَل اللهُ مِن دونِ تصديقهِ رُؤيا رسولِ اللهِ ﷺ بدخولِه وأصحابِه المسجدَ الحرامَ مُحلِّقين رءوسَهم ومقصِّرين، لا يخافون المشركِين - صُلح الحُديبية وفَتْحَ خيبر. القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٢٨) مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ

стр. 14379

آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾. يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى﴾: اللهُ (١) الذي (٢) أرسَل رسولَه محمدًا ﷺ بالبيانِ الواضحِ، ﴿وَدِينِ الْحَقِّ﴾، وهو الإسلامُ، الذي أرسَله داعيًا خَلْقَه إليه، ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾. يقولُ: ليُبطِلَ به المِلَلَ كلَّها حتى لا يكونَ دينٌ سِواه، وذلك كان كذلك، حتى ينزلَ عيسى ابن مريمَ، فيقتُلَ الدجالَ، فحينئذٍ تبطُلُ الأديانُ كلُّها، غيرَ دينِ اللَّهِ الذي بعَث به محمدًا ﷺ ، ويظهرُ الإسلامُ على الأديانِ كلِّها. وقولُه: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : أشْهَدَك يا محمدُ ربُّك على نفسِه، أنه سيُظهِرُ الدينَ الذي بعَثكَ به، ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾. يقولُ: وحَسْبُك به شاهدًا. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الهُذَليُّ، عن الحسنِ: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾. يقولُ: أَشْهَدَ لك على نفسه أنَّه سيظهرُ دينَك على الدِّينِ كلِّه. وهذا إعلامٌ من اللهِ تعالى نبيِّه ﷺ ، والذين كرِهوا الصُّلحَ يومَ الحديبيةِ من أصحابهِ، أن الله فاتحٌ عليهم مكةَ وغيرَها من البلدانِ، مُسَلِّيهم بذلك عمَّا نالَهم من

стр. 14380

الكآبةِ والحزنِ، بانْصِرافِهم عن مكةَ قبلَ دُخولِهمُوها، وقبلَ طوافِهم بالبيتِ. وقولُه: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: محمدٌ رسولُ اللَّهِ، وأتباعُه مِن أصحابِه الذين هم معه على دينِه، أشداءُ على الكفارِ، غليظةٌ عليهم قلوبُهم، قليلةٌ بهم رحمتُهم، ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾. يقولُ: رقيقةٌ قلوبُ بعضُهم لبعضٍ، ليِّنةٌ أنفسهم لهم، هيِّنةٌ عليهم لَهم. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾: ألْقَى اللَّهُ في قلوبهم الرحمةَ، بعضُهم لبعضٍ (١). ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾. يقولُ: تراهم رُكَّعًا أحيانًا للهِ في صلاتِهم، سُجَّدًا أحيانًا، ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ﴾. يقولُ: يلتمسون بركوعِهم وسُجودهم وشدَّتِهم على الكفارِ، ورحمةِ بعضُهم بعضًا، ﴿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ﴾، وذلك رحمتُه إيَّاهم، بأن يتفضَّلَ عليهم فيُدخلَهم جنَّتَه، ﴿وَرِضْوَانًا﴾. يقولُ: وأن يرضَى عنهم ربُّهم. وقولُه: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾. يقولُ: علامتُهم في وجوهِهم من أثرِ السُّجودِ في صلاتِهم. ثم اختَلَف أهلُ التأويلِ في "السِّيما" الذي عَنَاهِ اللَّهُ في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: ذلك علامةٌ يجعَلُها اللهُ في وجوهِ المؤمنين يومَ القيامةِ، يُعْرَفون بها؛ لِمَا كان من سجودِهم له في الدُّنيا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن

стр. 14381

أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾. قال: صلاتُهم تَبْدُو في وجوهِهم يومَ القيامةِ (١). حدَّثنا ابن حُميد، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ العَتَكِيُّ، عن خالدٍ الحنفيِّ قولِه: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾. قال: يُعرَفُ ذلك يومَ القيامةِ في وجوهِهم، من أثرِ سجودِهم في الدنيا، وهو كقولِه: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ (٢) [المطففين: ٢٤]. حدَّثني عبيدٌ بن أسباط بن محمد، قال: ثنا أبي، عن فُضَيلِ بن مرزوقٍ، عن عطيةَ في قولِه: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾. قال: مواضعُ السجودِ من وجوهِهم يومَ القيامةِ أشدُّ وجوههم بياضًا (٣). حدَّثنا محمدُ بنُ عمارةَ، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ بن موسى، قال: أخبَرنا ابن فُضَيلٍ، عن فُضَيلٍ، عن عطيةَ بنحوِه. حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا ابن فُضَيل، عن فضيلٍ، عن عطيةَ بنحوِه. حدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى، قال: ثنا يزيدُ، قال: أخبَرنا فُضَيلٌ، عن عطيةَ مثلَه. حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ، قال: سمِعتُ شبيبًا يقولُ عن مُقاتلِ بن حيان، قال: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾. قال: النورُ يومَ القيامةِ.

стр. 14382

حدَّثنا ابن سنان القزَّازُ، قال: ثنا هارونُ بنُ إسماعيل، قال: قال عليُّ بنُ المبارَكِ: سمِعتُ غيرَ واحدٍ عن الحسنِ في قولِه: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾. قال: بياضًا في وجوهِهم يومَ القيامةِ (١). وقال آخرون: بل ذلك سيما الإسلامِ وسَمْتُه وخشوعُه، وعُنى بذلك أنه يُرَى من ذلك عليهم في الدُّنيا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ﴾. قال: السَّمْتُ الحسَنُ (٢). حدَّثنا (٣) مجاهدٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا الحسنُ بن عُمارةَ، عن الحكمِ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾. قال: أما إنه ليس بالذي تَرَوْن، ولكنه سيما الإسلامِ وسَخْنتُه (٤) وسَمْتُه وخشوعُه (٥). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن حميدٍ الأعرجِ، عن مجاهدٍ: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾. قال: الخشوعُ والتواضعُ (٦).

стр. 14383

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن حميدٍ الأعرجِ، عن مجاهدٍ مثلَه. قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾. قال: الخشوعُ (١). حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا (٢) محمدُ بنُ جعفرٍ، عن شعبةَ، عن الحكمِ، عن مجاهدٍ في هذه الآية: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾. قال: السَّحْنةُ (٣). حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا جريرٌ عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾. قال: هو الخشوعُ. فقلتُ: هو أثرُ السجودِ؟ فقال: إنه يكونُ بين عينَيْه مثلَ ركبةِ العَنْزِ، وهو كما شاء اللهُ (٤). وقال آخرون: ذلك أثرٌ يكون في وجوه المُصَلِّين مثلَ أَثَرِ السَّهَرِ الذي يَظْهَرُ في الوجْهِ مثلَ (٥) الكَلفِ، والتهيُّجِ، والصَّفْرة، وما أشْبَه ذلك مما يُظهِرُه السَّهَرُ والتَّعبُ في الوجه. ووجُّهوا التأويلَ في ذلك إلى أنه سيما في الدنيا.

стр. 14384

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يمانٍ، عن سفيانَ، عن رجل، عن الحسنِ: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾. قال: الصُّفرةُ. حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمر، عن أبيه، قال: زعَم الشيخُ الذي كان يقُصُّ في عُسْرٍ، وقرَأ: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾. فزعَم أنه السَّهَرُ يُرى في وجوههم. حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّيُّ، عن حفصِ بن حميدٍ، عن شِمْرِ بن عَطيةَ في قولِه: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ﴾. قال: تهيُّجٌ في الوجْهِ مِن سَهَرِ الليل (١). وقال آخرون: ذلك آثارٌ تُرَى في الوجْهِ مِن ثَرَى الأَرضِ، أو نَدَى الطَّهُورِ. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا حَوْثَرَةُ بنُ محمدٍ المنْقَرى، قال: ثنا حمادُ بنُ مَسْعَدَةَ، وحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا جريرٌ، جميعًا عن ثعلبةَ بن سُهَيلٍ، عن جعفرِ بن أبي المُغيرة، عن سعيدِ بن جُبيرٍ في قولِه: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾. قال: ثَرَى الأرض، ونَدَى الطَّهُورِ (٢). حدَّثنا ابن سنان القزَّازُ، قال: ثنا هارونُ بنُ إسماعيلَ، قال: ثنا عليُّ بنُ المبارَكِ، قال: ثنا مالكُ بنُ دينارٍ، قال: سمِعتُ عكرِمة يقولُ: ﴿سِيمَاهُمْ فِي

стр. 14385

وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾. قال: هو أثرُ الترابِ (١). وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يُقالَ: إن الله تعالى ذكرُه أخبَرنا أن سيما هؤلاء القومِ الذين وصف صفتَهم في وجوهِهم من أثرِ السُّجودِ، ولم يخُصَّ ذلك على وقتٍ دونَ وقتٍ. وإذ كان ذلك كذلك، فذلك على كلِّ الأوقاتِ، فكان سيماهم الذي كانوا يُعرفون به في الدنيا آثارَ (٢) الإسلامِ، وذلك خشوعُه وهَدْيُه (٣) وسَمْتُه، وآثارُ عناءِ (٤) فرائضِه وتطوُّعِه، وفى الآخرةِ ما أخبَر أنهم يُعرفون به، وذلك الغُرَّةُ في الوجْهِ والتَّحجيل في الأيْدِى والأَرْجُلِ من أثرِ (٥) الوضوءِ، وبياضُ الوجوهِ من أثرِ (٥) السُّجودِ. وبنحوِ الذي قُلنا في معنى السِّيما قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾. يقولُ (٦): علامتُهم - أو أعلِمتُهم - الصلاةُ (٧). وقولُه: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾. يقولُ: هذه الصفةُ التي وصَفتُ لكم من صفة تُبَّاعِ محمد ﷺ الذين معه صفِتُهم في التوراةِ.

стр. 14386

وقولُه: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾. يقولُ: وصفتُهم في إنجيلِ عيسى صفةُ زرعٍ أخرَج شَطْأَه. وهو فِراخُه، يقالُ منه: قد أَشْطَأ الزرعُ. إذا أفرَخ، فهو يُشْطِيُّ إِشْطَاءً. وإنما مَثْلَهم بالزرع المُشْطِيُّ؛ لأنهم ابتَدَءوا في الدخولِ في الإسلامِ وهم عددٌ قليلون، ثم جعَلوا يتزايدون، ويدخلُ فيه الجماعةُ بعدَهم، ثم الجماعةُ بعدَ الجماعةِ، حتى كَثُرَ عددُهم، كما يحدثُ في أصلِ الزرعِ الفرخُ منه، ثم الفرخُ بعدَه، حتى يَكْثُرَ ويَنْمِيَ. وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولِه: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾: أصحابُه، ﴿مَثَلُهُمْ﴾. يعني: نعتُهم مكتوبٌ (١) في التوراةِ والإنجيلِ قبلَ أن يَخلُقَ السماواتِ والأرضَ (٢). حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عبيدٌ، عن الضحاكِ: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ إلى قولِه: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾. ثم قال: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ الآية. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾. أي: هذا المثلُ في التوراة، ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾: فهذا مثلُ أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ في الإنجيل (٣).

стр. 14387

حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾. قال: ذلك مَثَلُهم في التَّوارةِ، ومَثَلُهم في الإنجيلِ كَزرعٍ أخرَج شَطأه (١). حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾. يعنى: السِّيما في الوجوهِ مَثَلُهم في التوراةِ، وليس بمَثَلِهِم في الإنجيلِ، ثم قال : ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ الآية: هذا مَثَلُهم في الإنجيلِ. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾: ذلك مَثَلُهم في التَّوراةِ، ومَثَلُهم في الإنجيلِ كزرعٍ أخرَج شطأه. حدَّثنا عمرُو بنُ عبدِ الحميد، قال: ثنا مَرْوانُ بنُ معاويةَ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ في قولِ اللهِ: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ الآية. قال: هذا مَثَلُهم في التوراةِ، ومَثَلٌ آخرُ في الإنجيلِ: ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ﴾ الآية (٢). وقال آخرون: هذان المَثَلانِ في التوراةِ والإنجيل مَثَلُهم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ

стр. 14388

في قولِه: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾ والإنجيلِ واحدٌ (١). وأولى القولين في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: مَثَلُهم في التوراةِ غيرُ مَثَلِهم في الإنجيلِ، وأن الخبرَ عن مَثَلِهم في التوراةِ مُتَناهٍ عند قولِه: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾. وذلك أن القولُ لو كان كما قال مجاهدٌ مِن أن مَثَلَهم في التوراةِ والإنجيلِ واحدٌ، لكان التنزيلُ: ومَثَلُهم في الإنجيلِ وكزرعٍ أخرَج شَطْأَه. فكان تمثيلُهم بالزرع معطوفًا على قولِه: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾. حتى يكونَ ذلك خبرًا عن أن ذلك مَثَلُهم في التوراةِ والإنجيلِ، وفى مجيءِ الكلامِ بغيرِ واوٍ في قولِه: ﴿كَزَرْعٍ﴾ دليل بَيِّنٌ على صحَّةِ ما قُلنا، وأن قولِه: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ﴾. خبرٌ مبتدأٌ عن صفتِهم التي هي في الإنجيلِ دونَ ما في التوراةِ منها. وبنحوِ الذي قُلنا في قولِه: ﴿أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾. قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يحيى بنُ إبراهيمَ المسعوديُّ، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن جدِّه، عن الأعمشِ، عن خَيثمةَ، قال: بَيْنا عبدُ اللَّهِ يُقْرِئُ رجلًا عند غروبِ الشمسِ، إذ مرَّ بهذه الآيةِ: ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾. قال: أنتم الزرعُ، وقد دنا حصادُكم (٢). قال: ثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، عن حُميدٍ الطويلِ، قال: قرَأ أنسُ بن مالكٍ: ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ﴾. قال: أتدرون ما شَطْؤُه؟ قال: نباتُه (٣).

стр. 14389

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولِه: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾. قال: سُنْبلَه حين يتسلعُ نباتُه عن حباتِه (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾. قال: هذا مَثَلُ أصحاب محمدٍ ﷺ في الإنجيلِ، قيل لهم: إنه سيخرجُ قومٌ يَنبُتون نباتَ الزرعِ؛ منهم قومٌ يأمرون بالمعروفِ ويَنْهَون عن المنكر (٢). حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ والزهريِّ: ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾. قالا: أخرج نباتُه (٣). حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾. يعني: أصحابَ محمدٍ ﷺ ، يكونون قليلًا، ثم يزدادون ويكثُرون ويستَغْلِظون (٤). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنِ زيدٍ في قولِه: ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾: أولادَه، ثم كثُرت أولادُه (٥). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى

стр. 14390

الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾. قال: ما يخرُجُ بجنبِ الحَقْلةَ، فيتمُّ ويَنمِي (١). وقولُه: ﴿فَآزَرَهُ﴾. يقولُ: فقَوَّاه. أي: قوَّى الزرع شَطوه وأعانَه، وهو من المؤازَرةِ التي بمعنى المعاونةِ، ﴿فَاسْتَغْلَظَ﴾. يقولُ: فغَلُظ الزرعُ ﴿فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾. والسوقُ: جمعُ ساقٍ، وساقً الزرعِ والشجرِ: حاملتُه. وبنحوِ الذي قلُنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿فَآزَرَهُ﴾. يقولُ: نباتُه مع التفافِه (٢) حينَ يُسَنبِلُ، ﴿ذَلِكَ مَ ثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ﴾: فهو مَثَلٌ ضرَبه لأهلِ الكتابِ إذا خرَج قومٌ ينْبُتون كما يَنبُتُ الزرعُ، فيبلغُ فيهم رجالٌ يأمرون بالمعروفِ ويَنْهَون عن المنكرِ، ثم يَغْلُظون، فهم أولئك الذين كانوا معهم. وهو مَثَلٌ ضرَبه اللهُ لمحمدٍ ﷺ ، يقولُ: بعَث اللهُ النبي ﷺ وحده، ثم اجتَمَع إليه ناسٌ قليلٌ يؤمنون به، ثم يكونُ القليلُ كثيرًا ويَسْتَغلِظون، ويغيظُ اللَّهُ بهم الكفارَ (٣). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ
следующие страницы →