← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 14421–14460 · переход к 14426.

стр. 14421

بينَهما حقٌّ، فتَدَارَءا (١) فيه، فقال أحدُهما: لآخذَنَّه عَنْوَةً. لكثرةِ عشيرتِه، وقال الآخرُ: بيني وبينَك رسولُ اللَّهِ ﷺ . فتنازَعا حتى كان بينَهما ضَرْبٌ بالنِّعالِ والأيدي (٢). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: [وأخبَرني عبدُ اللَّهِ بنُ عيَّاشٍ، قال] (٣): قال زيدٌ في قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾، وذلك الرجلان يَقتتلان من أهلِ الإسلام، أو النَّفَرُ والنَّفَرُ، أو القبيلُ والقبيلةُ، فأمَر اللَّهُ أئمةَ المسلمين أن يَقضُوا بينهم بالحقِّ الذي أنزَله في كتابِه؛ إما القِصاصُ والقَوَدُ، وإمَّا العقْلُ والعِيرُ، وإمَّا العَفْوُ، ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى﴾ بعدَ ذلك، كان المسلمون مع المظلومِ على الظالمِ حتى يفيءَ إلى حكمِ (٤) اللَّهِ، ويرضَى به. حدَّثنا ابنُ البرقيِّ، قال: ثنا ابنُ أبي مريمَ، قال: أخبَرنا نافعُ بنُ يزيدَ، قال: أخبَرنا ابنُ جريجٍ، قال: ثنى ابنُ شهابٍ وغيرُه - يَزِيدُ في الحديثِ بعضُهم على بعضٍ، قال: جلَس رسولُ اللَّهِ ﷺ في مجلسٍ فيه عبدُ اللَّهِ بنُ رواحةَ وعبدُ اللَّهِ بنُ أُبيٍّ ابنُ سَلُولَ، فلمَّا ذهَب رسولُ اللَّهِ ﷺ ، قال عبدُ اللَّهِ بنُ أُبيٍّ ابنُ سَلُولَ: لقد آذانا بولُ حمارِه، وسدَّ عنا (٥) الرَّوْحَ. وكان بينَه وبين ابنِ رواحةَ شيءٌ، حتى خرَجوا بالسلاحِ، فأتَى رسولُ اللَّهِ ﷺ (٦) فحجزَ بينَهم، فلذلك يقولُ عبدُ اللَّهِ بنُ

стр. 14422

أُبيٍّ (١): مَتى ما يَكُنْ مولاك خَصمُك جاهدًا … تُظَلَّمْ ويَصْرَعْك الذين تُصارِعُ قال: فأُنزِلت فيهم هذه الآيةُ: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾. وقولُه: ﴿وَأَقْسِطُوا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: واعْدِلوا أيُّها المؤمنون في حُكمِكم بينَ مَن حَكَمْتُم بينَهم، بأن لا تَجاوَزوا في أحكامِكم حُكمَ اللَّهِ وحُكمَ رسولِه ﷺ ، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [من خلقِه] (٢). يقولُ: إِن اللَّهَ يُحِبُّ العادلين في أحكامِهم، القائمين (٣) بينَ خلقِه بالقِسْطِ. القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه لأهلِ الإيمانِ به: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ في الدينِ، ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ إذا اقتَتلا، بأن تَحْمِلوهما على حُكمِ اللَّهِ وحُكمِ رسولِه. ومعنى الأخَوين في هذا الموضعِ: كلُّ مُقْتَتِلين من أهلِ الإيمانِ. وبالتثنيةِ قرَأ ذلك قرَأةُ الأمصارِ، وذُكِر عن ابن سيرينَ أنه قرأَه: (بينَ إخوانِكم) بالنونِ (٤)، على مذهبِ الجمعِ، وذلك من جهةِ العربيةِ صحيحٌ (٥)، غير أنه خلافٌ لِمَا عليه قرَأةُ

стр. 14423

الأمصارِ، فلا أُحبُّ القراءةَ بها. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وخافوا اللَّهَ أَيُّها الناسُ بأداءِ فرائضِه عليكم، في الإصلاحِ بين المُقْتَتِلين من أهلِ الإيمانِ بالعدلِ، وفي غيرِ ذلك من فرائضِه، واجتنابِ معاصِيه؛ ليرحَمَكم ربُّكم، فيصفَحَ لكم عن سالفِ إجرامِكم إذا أنتم أطَعْتُموه، واتَّبعتم أمرَه ونهيَه، واتَّقَيتموه بطاعتِه. القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: يا أيُّها الذين صدَّقوا اللَّهَ ورسولَه، لا يهزَأْ قومٌ مؤمنون من قومٍ مؤمنين، ﴿عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾. يقولُ: لعلَّ (١) المهزوءَ منهم خيرٌ من الهازئين، ﴿وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ﴾. يقولُ: ولا يهزَأْ نساءٌ مؤمناتٌ من نساءٍ مؤمناتٍ، عسى المهزوءُ مِنهنَّ أن يكُنَّ خيرًا من الهازئاتِ. واختَلَف أهلُ التأويلِ في السُّخريةِ التي نهَى اللَّهُ المؤمنين عنها في هذه الآية؛ فقال بعضُهم: هي سُخريةُ الغنيِّ مِن الفقيرِ، نُهِيَ أن يُسخرَ من الفقيرِ لِفَقْرِه.

стр. 14424

ذكرُ مَن قال ذلك [حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسي، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾. قال: لا يستهزئُ (١) قومٌ بقومٍ؛ أَن يَسأَلَ رجلٌ فقيرٌ غنيًّا أو فقيرًا، وإن تَفضَّلَ رجلٌ عليه بشيءٍ فلا يستهزئْ به (٢). وقال آخرون: بل ذلك نَهيٌ مِن اللَّهِ مَن سَتَر عليه من أهلِ الإيمانِ، أن يسخَرَ ممن كُشِف في الدنيا سِترُه منهم. ذكرُ مَن قال ذلك] (٣) حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾: قال: ربما عُثِر على المرءِ عندَ خَطيئَتِه، ﴿عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾. فإن كان ظُهِر على عَثْرَتِه هذه، وسُتِرْتَ أنت على عَثْرَتِك، لعلَّ هذه التي ظَهَرت خيرٌ له في الآخرةِ عندَ اللَّهِ، وهذه التي سُتِرْتَ أنتَ عليها شرٌّ لك، ما يُدرِيكَ لَعلَّه [لا تُغفرُ] (٤) لك. قال: فنَهى [اللَّهُ الرجالَ] (٥) عن ذلك فقال: ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾. وقال في النساءِ مثلَ ذلك (٦).

стр. 14425

والصوابُ من القولِ في ذلك عندنا أن يُقالَ: إِن اللَّهَ عَمَّ بنَهيِه المؤمنينَ (١) أن يسخَرَ بعضُهم من بعضٍ جميعَ معاني السُّخريةِ، فلا يحِلُّ لمؤمنٍ أن يسْخَرَ من مؤمنٍ لا لفقرِه، ولا لذنبٍ ركِبَه، ولا لغيرِ ذلك. وقولُه: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولا يَعِبْ (٢) بعضُكم بعضًا أَيُّها المؤمنون، ولا يطعَنْ بعضُكم على بعضٍ وقال: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ فجعَل اللَّامزَ أخاه لامزَ (٣) نفسِه؛ لأن المؤمنين كرجلٍ واحدٍ، فيما يَلزمُ بعضُهم لبعضٍ؛ من تحسينِ أمرهِ، وطلَبِ صلاحِه، ومحبةِ (٤) الخيرِ. وكذلك (٥) رُوِي الخبرُ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ أنه قال: "إنما (٦) المؤمنون كالجسدِ الواحدِ، إذا اشتكى منه عُضوٌ تَداعى له سائرُ جسدِه بالحُمَّى والسَّهرِ" (٧). وهذا نظيرُ قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾. [النساء: ٢٩]. بمعنى: ولا يقتلْ بعضُكم بعضًا. وبنحوِ الذي قُلنا في معنى ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني

стр. 14426

الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوِله: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾. قال: لا (١) تَطْعُنُوا (٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾. يقولُ: ولا يَطْعُنْ بعضُكم على بعضٍ. حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ مثلَه (٣). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾. يقولُ: لا يطعُنْ بعضُكم على بعضٍ (٤). وقولُه: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾. يقولُ: ولا تَداعَوا بالألقابِ. والنَّبزُ واللَّقَبُ معنًى (٥) واحدٌ، يُجمَعُ النَّبزُ أَنبازًا، واللَّقَبُ ألقابًا. واختَلَف أهلُ التأويلِ في الألقابِ التي نَهى اللَّهُ عن التَّنابزِ بها في هذه الآيةِ؛ فقال بعضُهم: عُني بها الألقابُ التي يَكْرَهُ النبزَ بها الملقَّبُ. وقالوا: إنما نزَلَت هذه الآيةُ في قومٍ كانت لهم أسماءٌ في الجاهليةِ، فلمَّا أسلَموا نُهُوا أن يدعوَ بعضُهم بعضًا بما يكرَهُ من أسمائِه التي كان يُدعَى بها في الجاهليةِ.

стр. 14427

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا حميدُ بنُ مَسْعَدةَ، قال: ثنا بشرُ بنُ المُفضَّلِ، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ، قال: قال أبو جَبِيرةَ بنُ الضحاكِ: فينا نزَلت هذه الآيةُ؛ في بني سَلِمةَ، قدِم رسولُ اللَّهِ ﷺ المدينةَ (١) وما مِنَّا (٢) رجلٌ إلَّا وله اسمان أو ثلاثةٌ، فكان إذا دعا الرجلَ بالاسمِ، قُلنا: يا رسولَ اللَّهِ، إنه يغضَبُ من هذا. فنزَلت هذه الآيةُ: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾، الآيةُ كلُّها (٣). حدَّثني محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال (٤): ثنا داودُ، عن عامرٍ، عن أبي جَبِيرةَ بنِ (٥) الضحاكِ، قال: كان أهلُ الجاهليةِ يُسمُّون الرجلَ بالأسماءِ، فدعا النبيُّ ﷺ رجلًا باسمٍ من تلك الأسماءِ، فقالوا: يا رسولَ اللَّهِ، إنه يغضَبُ من هذا. فأنزَل اللَّهُ: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾. حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ، قال: ثنى أبو جَبِيرةَ بنُ الضحاكِ. فذكَر عن النبيِّ ﷺ نحوَه. حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: ثنا داودُ، عن الشَّعبيِّ، قال: ثنى أبو جَبيرةَ بنُ الضحاكِ، قال: نزَلت في بني سَلِمةَ: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا

стр. 14428

بِالْأَلْقَابِ﴾. قال: قَدِم رسولُ اللَّهِ ﷺ وليس مِنَّا رجلٌ إِلَّا وله اسمان أو ثلاثةٌ، فكان يدعو الرجلَ، [فتقولُ أُمَّةٌ] (١): إنه يغضَبُ من هذا. قال: فنزَلت: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾. وقال مرَّةً: كان (٢) إذا دعا باسمٍ من هذا، قيل: يا رسولَ اللَّهِ، إنه يغضَبُ من هذا. فنزَلت الآيةُ. وقال آخرون: بل ذلك قولُ الرجلِ المسلمِ للرجلِ المسلمِ: يا فاسقُ، يا زاني. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا هنادُ بنُ السَّرِيِّ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن حُصَينٍ، قال: سألتُ عِكرِمةَ عن قولِ اللَّهِ : ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾. قال: هو قولُ الرجلِ للرجلِ: يا منافقُ، يا كافرُ (٣). حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا حُصَينٌ، عن عكرِمةَ في قولِه: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾. قال: هو قولُ الرجلِ للرجلِ: يا فاسقُ، يا منافقُ. حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن حُصَينٍ، عن عكرِمةَ: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾. قال: يا فاسقُ، يا كافرُ. حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن خُصَيفٍ، عن مجاهدٍ

стр. 14429

و (١) عكرِمةَ: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾. قال: يقولُ الرجلُ للرجلِ: يا فاسقُ، يا كافرُ. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾. قال: [يُدْعَى الرجلُ] (٢) بالكفرِ وهو مسلمٌ (٣). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾. يقولُ (٤): لا تقلْ لأخيكَ المسلمِ: ذاك فاسقٌ، ذاك منافقٌ. نهَى اللَّهُ المسلمين (٥) عن ذلك، وقدَّم فيه. حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾. يقولُ: [لا تقلْ لأخيك] (٦) المسلمِ: يا فاسقُ، يا منافقُ (٧). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾. قال: تسميتُه بالأعمالِ السيئة بعدَ الإسلامِ؛ زانٍ، فاسقٍ (٨). وقال آخرون: بل ذلك تسميةُ الرجلِ الرجلَ بالكفرِ بعدَ الإسلامِ، وبالفسوقِ

стр. 14430

و (١) الأعمالِ القبيحةِ بعدَ التوبةِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾ الآية. قال: التنابزُ بالألقابِ: أن يكونَ الرجلُ عمِل السيئاتِ ثم تاب منها، وراجَعَ الحقَّ، فنَهى اللَّهُ أن يُعَيَّرَ بما سلَف من عمَلِه (٢). حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، قال: قال الحسنُ: كان اليهوديُّ والنصرانيُّ يُسلِمُ، فيلقَّبُ؛ فيُقالُ له: يا يهوديُّ، يا نصرانيُّ. فنُهُوا عن ذلك (٣). والذي هو أولى الأقوالِ في تأويلِ ذلك عندي بالصوابِ أن يُقالَ: إن اللَّهَ تعالى ذكرُه نَهَى المؤمنين أن يتَنابزوا بالألقابِ. والتنابزُ بالألقابِ: هو دعاءُ المرءِ صاحبَه بما يَكْرهُه من اسمٍ أو صفةٍ، وعمَّ اللَّهُ بنهيِه ذلك، ولم يَخْصُصْ به بعضَ الألقابِ دونَ بعضٍ، فغيرُ جائزٍ لأحدٍ من المسلمين أن يَنْبِزَ أخاه باسمٍ يَكْرهُه، أو صِفةٍ يَكْرهُها، وإذا كان ذلك كذلك، صحَّت الأقوالُ التي قالها أهلُ التأويلِ في ذلك، التي ذكَرْناها كلَّها، ولم يكنْ بعضُ ذلك أولى بالصوابِ من بعضٍ؛ لأن كلَّ ذلك مما قد (٤) نهَى اللَّهُ المسلمين أن ينبِزَ بعضُهم بعضًا به (٤).

стр. 14431

وقولُه: ﴿بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ومن فعَل ما نَهَيْنا عنه، وتقدَّم على مَعْصيتِنا بعدَ إيمانِه، فسَخِرَ من المؤمنين، ولَمز أخاه المؤمنَ، ونَبَزه بالألقابِ - فهو فاسقٌ، ﴿بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾. يقولُ: فلا تفعَلوا ذلك (١) فتَستحِقُوا إن فعلتُموه أن تُسَمَّوا فُسَّاقًا، بئسَ الاسمُ الفسوقُ. وترَك ذِكْرَ ما وصَفْنا من الكلامِ؛ اكتفاءً بدلالةِ قولِه: ﴿بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ﴾. عليه. وكان ابنُ زيدٍ يقولُ في ذلك، ما حدَّثنا به يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ، وقرَأ: ﴿بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ﴾. قال: بئس الاسمُ الفسوقُ حينَ تُسَمِّيه بالفسقِ بعدَ الإسلامِ، وهو على الإسلامِ. قال: وأهلُ هذا الرأيِ هم المعتزلةُ، قالوا: لا نُكَفِّرُه كما كَفَّرَه أهلُ الأهواءِ، ولا نقولُ له: مؤمنٌ، كما قالت الجماعةُ، ولكِنَّا نُسمِّيه باسمِه، إن كان سارقًا فهو سارقٌ، وإن كان خائنًا سَمَّوْه خائنًا، وإن كان زانيًا سَمَّوْه زانيًا. قال: فاعْتَزلوا الفريقين؛ أهل الأهواءِ وأهلَ الجماعةِ، فلا بقولِ هؤلاءِ قالوا، ولا بقولِ هؤلاءِ، فسُمُّوا بذلك المعتزلةَ. فوجَّه ابنُ زيدٍ تأويلَ قولِه: ﴿بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ﴾. إلى من دُعِي فاسِقًا، وهو تائبٌ من فِسْقِه، فبئسَ الاسمُ ذلك له مِن أسمائِه. وغيرٌ ذلك من التأويلِ أولى بالكلامِ، وذلك أن اللَّهَ تقدَّم بالنَّهْيِ عما تقدَّم بالنَّهْيِ عنه في أوَّلِ هذه الآيةِ، فالذي هو أولى أن يختمَها بالوعيدِ لمَن تقدَّم على نَهْيِه (٢)، أو بقبيحِ ركوبِه ما رَكِب مما (٣) نهَى عنه، لا بالخبرِ (٤) عن قُبحِ ما كان التائبُ أتاه قبلَ توبتِه، إذ كانت الآيةُ لم تُفْتَتَحْ

стр. 14432

بالخبرِ عن ركوبِه ما كان ركِب قبلَ التوبةِ من القبيحِ، فيُختمَ آخرُها بالوعيدِ عليه أو بالقبيحِ. وقولُه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: ومن لم يتُبْ من نَبْزِه أخاه بما نَهَى اللَّهُ [عنه؛ من] (١) نَبْزِه بالألقابِ، أو لمزِه إيَّاه، أو بسخريتِه منه - فأولئك هم الذين ظلَموا أنفسَهم، [بما كسَّبوها] (٢) عقابَ اللَّهِ، بركوبِهم ما نَهاهم عنه. وكان ابنُ زيدٍ يقولُ في ذلك، ما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. قال: ومن لم يتبْ من ذلك الفسوقِ، فأولئك هم الظَّالمون. القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (١٢)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: يا أيُّها الذين صدَّقوا اللَّهَ ورسولَه، لا تقرَبوا كثيرًا من الظنِّ بالمؤمنين، وذلك أن تظُنُّوا بهم سوءًا، فإن الظانَّ غيرُ مُحِقٍّ. وقال جلَّ ثناؤُه: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾. ولم يقُلْ: اجتنِبوا (٣) الظَّنَّ كلَّه. إذ كان قد أذِن للمؤمنين أن يظنَّ بعضُهم ببعضٍ الخيرَ، فقال: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ [النور: ١٢]. فأذِن اللَّهُ جلَّ ثناؤُه للمؤمنين أن يظنَّ بعضُهم ببعضٍ الخيرَ، وأن يقولوه، وإن لم

стр. 14433

يكونوا مِن قيلِه فيهم على يقينٍ. وبنحوِ الذي قُلنا في معنى ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾. يقولُ: نهَى اللَّهُ المؤمنَ أن يظُنَّ بالمؤمنِ شرًّا (١). وقولُه: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾. يقولُ: إِنَّ ظنَّ المؤمنِ بالمؤمنِ الشرَّ لا الخيرَ إثمٌ؛ لأن اللَّهَ قد نَهاه عنه، ففعْلُ ما نَهَى اللَّهُ عنه إثمٌ. وقولُه: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾. يقولُ: ولا يَتَتَبَّعْ بعضُكم عَوْرَةَ أخيه (٢)، ولا يبحثْ عن سرائرِه، يبتغي بذلك الظُّهورَ على عيوبِه، ولكن اقْنَعوا بما (٣) ظهَر لكم من أمرِه، وبه فاحْمَدوا أو ذُمُّوا، [لا على ما لا تَعْلَمونه] (٤) من سرائرِه. وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾. يقولُ: نَهَى اللَّهُ المؤمنَ أَن يَتَتبَّعَ عَوْرَاتِ

стр. 14434

المؤمنِ (١). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾. قال: خُذُوا ما ظهرَ لكم ودَعُوا ما سَتَر اللَّهُ (٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا﴾: هل تدرون ما التجسُّسُ أو التجسيسُ؟ هو أن تتبعَ، أو تبتغيَ غيبَ (٣) أخيك، لتطَّلعَ على سرِّهِ (٤). حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾. قال: البحثُ. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قوِله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا﴾. قال: حتى أنْظُرَ في ذلك وأسألَ عنه، حتى أعرِفَ حقٌّ هو أو (٥) باطلٌ؟ قال: فسمَّاه اللَّهُ تجسُّسًا (٦). قال: يتجَسَّسُ كما يتجسَّسُ الكلابُ. وقرأ قولَ اللَّهِ: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾.

стр. 14435

وقولُه: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾. يقولُ: ولا يقُلْ بعضُكم في بعضٍ بظَهْرِ الغيبِ، ما يكرَهُ المقولُ (١) فيه (٢) ذلك أن [يقالَ له] (٣) في وَجْهِه. وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك جاء الأثرُ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ ، وقال أهلُ التأويلِ. ذِكرُ مَن قال ذلك وذكرُ (٤) الأثرِ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ . حدَّثني يزيدُ بنُ مَخْلدٍ الواسطيُّ، قال: ثنا خالدُ بنُ عبدِ اللَّهِ الطحَّانُ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ إسحاقَ، عن العلاءِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، قال: سُئل رسولُ اللَّهِ ﷺ عن الغِيبةِ، فقال: "هو أن تقولَ لأخيك ما فيه، فإن كنتَ صادقًا فقد اغتَبتَه، وإن كنتَ كاذبًا فقد بَهَتَّه". حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ بَزيعٍ، قال: ثنا بشرُ بنُ المفَضَّلِ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ إسحاقَ، عن العلاءِ بن عبدِ الرحمنِ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ بنحوِه. حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال: سمِعتُ العلاءَ يحدِّثُ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "هل تدرون ما "الغِيابَةُ؟ " (٥). قال: قالوا: اللَّهُ ورسولُه أعلمُ. قال: "ذكرُك أخاكَ بما ليس فيه" (٦).

стр. 14436

قال: أرأيتَ إن كان في أخي ما أقولُ له؟ قال: "إن كان فيه ما تقولُ (١) فقدِ اغْتَبتَه، وإن لم يكُنْ فيه ما تقولُ فقد بَهَتَّه" (٢). حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا سعيدُ بنُ الربيعِ، قال: ثنا شعبةُ، عن العباسِ، عن رجلٍ سمع ابنَ عمرَ يقولُ: إذا ذكَرتَ الرجلَ بما فيه فقد اغْتَبْتَه، وإذا ذكَرتَه بما ليس فيه فقد بَهَتَّه. وقال شعبةُ مَرَّةً أُخْرَى: وإذا ذكَرتَه بما ليس فيه، فهي فِرْيةٌ (٣). قال أبو موسى: هو عباسٌ الجُرَيريُّ. حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا ابنُ أبي عديٍّ، عن شعبةَ، عن سليمانَ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ مُرَّةَ، عن مسروقٍ، قال: إذا ذكَرتَ الرجلَ بأسْوإِ ما فيه فقد اغْتَبْتَه، وإذا ذكَرتَه بما ليس فيه فقد بَهَتَّه (٤). حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن أبي الضُّحَى، عن مسروقٍ، قال: إذا قلتَ في الرجلِ أسوأَ ما فيه فقد اغتَبْتَه، وإذا قلتَ ما ليس فيه فقد بَهَتَّه. حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا عمرُ بنُ عبيدٍ، عن الأعمشِ، عن أبي الضُّحَى، عن مسروقٍ، قال: الغِيبةُ أن تقولَ للرجلِ أسوأَ ما تعلَمُ فيه، والبهتانُ أن تقولَ ما ليس فيه.

стр. 14437

حدَّثنا يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن كثيرِ بن الحارثِ، عن القاسمِ مولى معاويةَ، قال: سمِعتُ ابنَ أمِّ عبدٍ يقولُ: ما الْتَقَم أحدٌ لُقمَةً شرًّا (١) مِن اغتيابِ مؤمنٍ (٢)؛ إن قال فيه ما يعلَمُ (٣) فقد اغْتابَه، وإن قال فيه ما لا يعلمُ فقد بَهَتَه (٤). حدَّثنا أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن مسلمٍ، عن مسروقٍ، قال: إذا ذكَرتَ الرجلَ بما فيه فقد اغتَبْتَه، وإذا ذكَرتَه بما ليس فيه فذلك البُهتانُ. حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ، قال: سمِعتُ يونسَ، عن الحسنِ، أنَّه قال في الغِيبةِ: أن تذكُرَ من أخِيكَ ما تعلَمُ فيه من مساوئِ أعمالِه، فإذا ذكَرْتَه بما ليس فيه فذلك البُهتانُ (٥). حدَّثنا ابنُ أبي الشواربِ، قال: ثنا عبدُ الواحدِ بنُ زيادٍ، قال: ثنا سليمانُ الشيبانيُّ، قال: ثنا حسانُ بنُ المخارقِ، أن امرأةً دخَلت على عائشةَ، فلمَّا قامَت لتَخرُجَ أَشارَت عائشةُ بيدِها إلى النبيِّ ﷺ (٦)؛ إنها قصيرةٌ، فقال النبيُّ ﷺ : "اغْتَبْتِها" (٧).

стр. 14438

حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي إسحاقَ، قال: لو مرَّ بك أقطَعُ فقلتَ: ذاك الأقطَعُ. كانت منك غِيبَةً. قال: وسمِعتُ معاويةَ بنَ قُرَّةَ يقولُ ذلك. حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال: سمِعتُ معاويةَ بنَ قُرَّةَ يقولُ: لو مَرَّ بك (١) رجلٌ أقطعُ، فقلتَ (٢): إنه أقطعُ. كنتَ قد اغْتَبْتَه. قال: فذكَرتُ ذلك لأبي إسحاقَ الهَمْدانيِّ فقال: صدَق (٣). حدَّثني جابرُ بنُ الكُردِيِّ، قال: ثنا ابنُ أبي أُوَيسٍ، قال: ثنى أخي أبو بكرٍ، عن حمادِ بن أبي حميدٍ، عن موسى بن وَرْدانَ، عن أبي هريرةَ، أن رجلًا قام مِن (٤) عندِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، فرَأوا في قيامِه عَجْزًا، فقالوا: يا رسولَ اللَّهِ، ما أعْجزَ فلانًا؟! فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "أَكَلْتُم أخاكُم واغْتَبتُمُوه" (٥). [حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو موسى بنُ داودَ، قال: ثنا ابنُ لهيعةَ، عن عمرِو بنِ شعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه، عن النبيِّ ﷺ نحوَه] (٦).

стр. 14439

حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا [حِبانُ بنُ عليٍّ العَنَزِيُّ] (١)، عن مُثَنَّى بنِ صبَّاحٍ، عن عمرِو بنِ شُعيبٍ، عن معاذِ بنِ جبلٍ، قال: كنا مع رسولِ اللَّهِ ﷺ ، فذكَر القومُ رجلًا، فقالوا: ما يأكلُ إلا ما أُطعِم، وما يَرْحلُ إلا ما رُحِّل له، وما أَضْعَفَه! فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "اغْتَبتُم أخاكُم". قالوا: يا رسولَ اللَّهِ، وغِيبةٌ (٢) أن تُحدِّثَ بما فيه؟ قال: "بِحَسْبِكُم أن تُحدِّثوا عن أخِيكُم بما (٣) فيه" (٤). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا خالدُ بنُ مخلدٍ (٥)، عن محمدِ بنِ جعفرٍ، عن العلاءِ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "إذا ذكَرتَ أخاكَ بما يَكرَهُ، فإن كان فيه ما تقولُ فقد اغْتَبْتَه. وإن لم يَكُنْ فيه ما تقولُ فقد بَهَتَّه" (٦). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كنا نُحدِّثُ أن الغِيبةَ أن تَذكُرَ أخاكَ بما يَشِينُه، وتعيبَه بما فيه، وإن كذَبتَ عليه فذلك البُهْتانُ (٧). وقولُه: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين به (٨): أيُحِبُّ أحدُكم أيُّها القومُ أن يأكلَ لحمَ أخيه بعدَ مماتِه مَيْتًا، فإن لم تُحبُّوا ذلك وكَرِهْتُموه لأنَّ اللَّهَ حرَّم ذلك عليكم، فكذلك لا تُحبُّوا أن تَغْتابوه في حياتِه، فاكْرَهوا غِيبتَه حَيًّا كما كَرِهْتُم أكلَ (٨) لحمِه مَيْتًا؛ فإِنَّ اللَّهَ حَرَّم

стр. 14440

غِيبَتَه حيًّا كما حرَّم أكلَ لحمِه مَيْتًا. وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾. قال: حرَّم اللَّهُ على المؤمنِ أن يغتابَ المؤمنَ بشيءٍ، كما حرَّم المَيْتةَ (١). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾. قالوا: نكْرَهُ ذلك. قال: فكذلك فاتَّقوا اللَّهَ (٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾. يقولُ: كما أنت كارهٌ لو وجَدتَ جِيفةً مُدَوَّدَةً أن تأكلَ منها، فكذلك فاكْرَه غِيبتَه وهو حيٌّ (٣). وقولُه: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: واتَّقوا اللَّهَ أيُّها الناسُ، فخَافوا عقوبتَه، بانتهائِكم عمَّا نهاكُم عنه؛ من ظنِّ أحدِكم بأخيهِ المؤمنِ

стр. 14441

ظنَّ السُّوْءِ، وتَتَبُّعِ عَوْراتِه، والتَّجسُّسِ عما استتَر (١) عنه من أمورِه (٢)، واغْتيابِه بما يكْرهُه، تُريدُون (٣) شَينَه وعَيبَه (٤)، وغيرِ ذلك من الأمورِ التي نَهاكم عنها ربُّكم، ﴿إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾. يقولُ: إِن اللَّهَ راجعٌ لعبده إلى ما يحبُّه، إذا [راجَع العبدُ ربَّه] (٥) إلى ما يحبُّه منه، رحيمٌ به أن (٦) يعاقِبَه على ذنبٍ أذْنَبَه بعدَ توبتِه منه. واختَلَفت القرَأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾؛ فقرَأتْه عامَّةُ قرَأةِ المدينةِ بالتَّثقيلِ: (مَيِّتًا). وقرَأتْه عامَّةُ قرَأةِ أهلِ الكوفةِ والبصرةِ: ﴿مَيْتًا﴾ بالتَّخفيفِ (٧). وهما قراءتان عندنا معروفَتان متقارِبَتا المعنى، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ. القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: يأيُّها الناسُ إنا أنشأنا خَلْقَكُم من ماءِ ذَكَرٍ من الرجالِ، وماءِ أنثى من النساءِ. وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

стр. 14442

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو (١) هشامٍ، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ بنُ موسى، قال: أخبَرنا عثمانُ بنُ الأسودِ، عن مجاهدٍ، قال: خلَق اللَّهُ الولدَ من ماءِ الرجلِ وماءِ المرأةِ، وقد قال ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾. حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، قال: ثنا عثمانُ بنُ الأسودِ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾. قال: ما خَلَقَ اللَّهُ الولدَ إِلَّا مِن نطفةِ الرجلِ والمرأةِ جميعًا؛ لأنَّ اللَّهَ يقولُ: ﴿خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ (٢). وقولُه: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾. يقولُ: وجَعَلْناكم مُتناسبِين؛ فبعضُكم يناسِبُ بعضًا نسبًا بعيدًا، وبعضُكم يناسِبُ بعضًا نسبًا قريبًا، فالمتناسِبُ (٣) النَّسَبَ البعيدَ مَن نَاسَبَه (٤) أهلُ الشُّعوبِ، وذلك أنه (٥) إذا قيل للرَّجُلِ من العربِ: مِن أيِّ شَعْبٍ أنتَ؟ قال: أنا من مُضَرَ. أو (٦): ربيعةَ. وأما أهلُ المناسبةِ القريبةِ فأهلُ القبائلِ؛ وهم كتميمٍ مِن مُضرَ، وبكرٍ من ربيعةَ، وأقربُ من (٥) القبائلِ الأفْخَاذُ؛ وهما كشيبانَ من بكرٍ، ودارمَ من تميمٍ، ونحوِ ذلك، ومن الشَّعْبِ قولُ ابنِ أَحمرَ الباهليِّ (٧): مِن شَعْبِ همدانَ أو سعدِ العَشِيرَةِ أو … خَوْلانَ أو مَذْحِجٍ هاجُوا له طَرَبا

стр. 14443

وبنحوِ الذي قُلنا في معنى قولِه: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ﴾. قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا أبو بكرِ بنُ عيَّاشٍ، قال: ثنا أبو حُصَينٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ﴾. قال: الشُّعوبُ الجُمَّاعُ، والقبائلُ البطونُ. حدَّثنا خلادُ بنُ أَسْلَمَ، قال: ثنا أبو بكرِ بنُ عيّاشٍ، عن أبي حُصَينٍ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾. قال: الشُّعوبُ الجُمَّاعُ - قال خلادٌ: قال أبو بكرٍ: القبائلُ العظامُ، مثلُ بني تميمٍ - والقبائلُ الأفخاذُ (١). حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابنُ عطيةَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي حُصَينٍ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ﴾. قال: الشُّعوبُ الجمهورُ، والقبائلُ الأفخاذُ (٢). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿شُعُوبًا﴾. قال: النَّسَبُ البعيدُ، ﴿وَقَبَائِلَ﴾: دونَ ذلك (٣). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا

стр. 14444

وَقَبَائِلَ﴾. قال: الشُّعوبُ النسبُ البعيدُ، والقبائلُ كقولِه: فلانٌ من بني فلانٍ. و: فلانٌ من بني فلانٍ. حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا﴾. قال: هو النَّسَبُ البعيدُ، ﴿وَقَبَائِلَ﴾: كما تسمَعُه، يقال: فلانٌ مِن بني فلانٍ (١). حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا﴾. قال: أمَّا الشعوبُ: فالنَّسَبُ البعيدُ. وقال بعضُهم: الشعوبُ الأفخاذُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي حُصَينٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ﴾. قال: الشعوبُ الأفخاذُ، والقبائلُ القبائلُ (٢). وقال آخرون: الشعوبُ البطونُ، والقبائلُ الأفخاذُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يحيى بنُ طلحةَ اليربوعيُّ، قال: ثنا أبو بكرِ بنُ عياشٍ، عن أبي حُصَينٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ﴾. قال:

стр. 14445

الشعوبُ البطونُ، والقبائلُ الأفخاذُ الكبارُ. وقال آخرون: الشُّعوبُ الأنسابُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ﴾. قال: الشعوبُ الأنسابُ. وقولُه: ﴿لِتَعَارَفُوا﴾. يقولُ: ليعرفَ بعضُكم بعضًا في النَّسَبِ. يقولُ تعالى ذكرُه: إنما جعَلْنا هذه الشعوبَ والقبائلَ لكم أيُّها الناسُ؛ ليعرفَ بعضُكم بعضًا في قربِ القرابةِ منه وبعدِه، لا لِفَضيلةٍ لكم في ذلك، وقُربةٍ تقرِّبُكم إلى اللَّهِ، بل أكرمُكم عندَ اللَّهِ أتقاكم. وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾. قال: جعَلْنا هذا لِتَعارَفوا؛ فلانُ بنُ فلانٍ من كذا وكذا (١). وقولُه: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن أكرمَكم أيُّها الناسُ عندَ رَبِّكم، أشدُّكُم اتِّقاءً له بأداءِ فرائضِه واجتنابِ معاصيهِ، لا أعظمُكم بيتًا، ولا أكثرُكم عَشِيرةً.

стр. 14446

كما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: ثنى ابنُ لَهِيعَةَ، عن الحارثِ بن يزيدَ، عن عُلَيِّ بنِ رَبَاحٍ، عن عُقْبَةَ بن عامرٍ، أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: "النَّاسُ لآدمَ وحوَّاءَ كطَفِّ الصَّاعِ لم يَملَئوهُ، إِنَّ اللَّهَ لا يسألُكم عن أحسابِكم ولا عن أنسابِكم يومَ القيامةِ، أكرمُكم عندَ اللَّهِ أتقاكم" (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: ثنى ابنُ لَهيعةَ، عن الحارثِ بنِ يزيدَ، عن عُلَيِّ بنِ رَباحٍ، عن عقبةَ بنِ عامرٍ، أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: "إِنَّ مسابَّكم (٢) هذه ليستْ بمَسابٍّ على أحدٍ، وإنما أنتم ولَدُ آدمَ، طَفُّ الصَّاعِ (٣) لم تَملَئوه، ليس لأحدٍ على أحدٍ فضلٌ إلَّا بِدِينٍ أو عملٍ صالحٍ، حَسْبُ الرجلِ أن يكونَ فاحِشًا بَذِيًّا بخيلًا جَبانًا" (٤) حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن ابنِ جُرَيجٍ، قال: سمِعتُ عطاءً يقولُ: قال ابنُ عباسٍ: ثلاثُ آياتٍ جَحَدَهُنَّ الناسُ؛ الإذْنُ كلُّه، وقال: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. وقال الناسُ: أكرمُكم أعظمُكم بيتًا. وقال عطاءٌ: ونَسِيتُ الثالثةَ (٥). وقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن اللَّهَ أيُّها الناسُ ذو علمٍ

стр. 14447

بأَتقَاكُم عندَ اللَّهِ، وأكْرمِكم عندَه، ذو خبرةٍ بكم وبمصالِحكم، وغيرِ ذلك من أمورِكم [وأمورِ (١) غيركم من خلقِه، فاتَّقوه، فإنه] (٢) لا تَخْفَى عليه خافيةٌ. القولُ في تأويلِ قولِه : قَالَتِ ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ (٣) مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: قالت الأعرابُ: صدَّقنا باللَّهِ ورسولِه، فنحنُ مؤمنون. قال اللَّهُ لنبيِّه محمدٍ ﷺ : قلْ يا محمدُ لهم: لم تُؤمنوا، ولَسْتم مؤمنين، ولكن قولوا: أسلمنا. وذُكر أن هذه الآيةَ نزَلت في أعرابِ (٤) بني أسدٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوِله: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا﴾. قال: أعرابُ بني أسدِ بنِ خُزَيمةَ (٥). واختلَف أهلُ التأويلِ في السببِ الذي من أجلِه قيل للنبيِّ ﷺ : قلْ لهؤلاء الأعرابِ: [قولوا: أسلَمْنا] (٦)، ولا تقولوا: آمَنَّا. فقال بعضُهم: إنما أُمِر

стр. 14448

النبيُّ ﷺ بذلك؛ لأنّ القومَ كانوا صدَّقوا بألسنتِهم، ولم يصدِّقوا قولَهم بفعْلِهم، فقيل لهم: قولوا: أسْلَمنا؛ لأن الإسلامَ قولٌ، والإيمانَ قولٌ وعملٌ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾. قال: إن الإسلامَ الكلمةُ، والإيمانَ العملُ (١). حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، وأخبَرني الزهريُّ، عن عامرِ بن سعدِ بن أبي وقاصٍ، عن أبيه، قال: أعطَى النبيُّ ﷺ رجالًا، ولم يُعْطِ رجلًا منهم شيئًا، فقال سعدٌ: يا رسولَ اللَّهِ، أعطَيت فلانًا وفلانًا، ولم تُعْطِ فلانًا شيئًا، وهو مؤمنٌ. فقال النبيُّ ﷺ : "أَوْ مُسلِمٌ". حتَّى أعادَها سعدٌ ثلاثًا، والنبيُّ ﷺ يقولُ: "أوْ مُسلِمٌ". ثم قال النبيُّ ﷺ : "إِنِّي أُعطِي رجالًا، وأدَعُ مَن هو أحَبُّ إليَّ منهم لا أُعْطيه شيئًا؛ مخافَةَ أَنْ يُكَبُّوا في النَّارِ على وُجُوهِهِم" (٢). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾. قال: لم يُصدِّقوا إيمانَهم بأعمالِهم، فردَّ اللَّهُ ذلك عليهم، ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾، وأخبَرهم أن المؤمنين

стр. 14449

﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾: صدَّقوا إيمانَهم بأعمالِهم، فمن قال منهم: أنا مؤمنٌ. فقد صدَق. قال: وأمَّا مَن انْتَحل الإيمانَ بالكلامِ ولم يعمَلْ فقد كذَب، وليس بصادقٍ. حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيان، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ: ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾. قال: هو الإسلامُ (١). وقال آخرون: إنما أمَر اللَّهُ النبيَّ ﷺ بقيلِ ذلك لهم؛ لأنهم أرادوا أن يتَسمَّوا بأسماءِ المهاجرين قبلَ أن يهاجِروا، فأعْلَمَهم اللَّهُ أن لهم أسماءَ الأعرابِ، لا أسماءَ المهاجرين. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا﴾ الآية. وذلك أنهم أرادوا أن يتسَمَّوا باسم الهجرةِ، وألا يتسَمَّوا بأسمائِهم التي سمَّاهم اللَّهُ، وكان هذا (٢) في أوَّلِ الهجرةِ قبلَ أن تنزلَ المواريثُ لهم (٣). وقال آخرون: قيل ذلك لهم؛ لأنهم مَنُّوا على رسولِ اللَّهِ ﷺ بإسلامِهم، فقال اللَّهُ لنبيِّه ﷺ : قلْ لهم: لم تُؤمِنوا، ولكن اسْتَسلَمتم خوفَ السِّباءِ والقَتْلِ.

стр. 14450

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾: ولَعَمْرِي ما عمَّت هذه الآيةُ الأعرابَ، إن من الأعرابِ مَن يؤمنُ باللَّهِ واليومِ الآخرِ، ولكن إنما أُنزِلت في حيٍّ من أحياءِ الأعرابِ (١) امْتَنُّوا بإسلامِهم على نبيِّ اللَّهِ ﷺ ، فقالوا: أسْلَمنا، ولم نُقاتِلك كما قاتَلك بنو فلانٍ وبنو فلانٍ. فقال اللَّهُ: لا تقولوا: آمنَّا، ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ حتى بلَغ: ﴿فِي قُلُوبِكُمْ﴾ (٢). حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾. قال: لم تعمَّ هذه الآيةُ الأعرابَ، إن من الأعرابِ مَن يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ ويَتَّخِذُ ما ينفقُ قُرُباتٍ عندَ اللَّهِ، ولكنها (٣) طوائفُ من الأعرابِ (٤). حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن رَباحِ بنِ (٥) أبي معروفٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾. قال: اسْتَسْلَمْنا لخوفِ السِّباءِ والقتلِ (٦). حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ:

стр. 14451

﴿قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾. قال: اسْتَسْلَمْنا (١). حدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ، وقرَأ قولَ اللَّهِ: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾: اسْتَسْلَمْنا؛ دخَلْنَا فِي السِّلْمِ، وترَكْنا المحاربةَ والقتالَ بقولِهم: لا إلهَ إِلَّا اللَّهُ. وقال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "أُمِرتُ أَن أُقاتِلَ النَّاسَ حتى يقولوا لا إلهَ إِلَّا اللَّهُ، فإذا قالوا لا إلهَ إِلَّا اللَّهُ، عصَموا مني دماءَهم وأموالَهم إلَّا بحقِّها، وحسابُهم على اللَّهِ" (٢). وأولى الأقوالِ بالصوابِ في تأويلِ ذلك القولُ الذي ذكَرْناه عن الزهريِّ، وهو أن اللَّهَ تقدَّم إلى هؤلاء الأعرابِ الذين دخَلوا في الملَّةِ إقرارًا منهم بالقولِ، ولم يُحقِّقوا قولَهم بعمَلِهم أن يقولوا بالإطلاقِ: آمنَّا. دونَ تقييدِ قولِهم ذلك بأن يقولوا: آمنَّا باللَّهِ ورسولِه. ولكن أمَرهم أن يقولوا القولَ الذي لا يُشْكِلُ على سامِعيهِ، والذي قائلُه (٣) فيه مُحِقٌّ، وهو أن يقولوا: أسْلَمنا. بمعنى: دخَلْنا في الملةِ، [وحقَنَّا الدماءَ] (٤) والأموالَ، بشهادةِ (٥) الحقِّ. وقولُه: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولمَّا يدخلِ العلمُ بشرائعِ الإيمانِ وحقائقِ معانِيه في قلوبِكم. وقولُه: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾. يقولُ تعالى

стр. 14452

ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : قلْ لهؤلاء الأعرابِ القائلين: آمنَّا. ولمَّا يدخلِ الإيمانُ في قلوبِهم (١): إن تُطِيعوا اللَّهَ ورسولَه أيُّها القومُ، فتأتَمِروا لأمْرِه وأمرِ رسولِه، وتعمَلوا بما فرَض عليكم، وتنتَهوا عمَّا نهاكم عنه ﴿لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾. يقولُ: لا يَظْلِمْكم من أجورِ أعمالِكم شيئًا، ولا يَنْقُصْكم من ثوابِها شيئًا وبنحوِ الذي قُلنا في تأويلِ (٢) ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿لَا يَلِتْكُمْ﴾: لا يَنقُصْكم (٣). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾. يقولُ: لن يظلِمَكم من أعمالِكم شيئًا (٤). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾. قال: إن تُصَدِّقوا إيمانَكم بأعمالِكم يَقْبَلْ ذلك منكم. وقرَأت قرَأةُ الأمصارِ: ﴿لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾. بغيرِ همزٍ ولا ألفٍ، سِوَى أبي عمرٍو، فإنَّه قرَأ ذلك: (لا يأْلِتْكُمْ). بألفٍ (٥)، اعتبارًا منه في ذلك بقولِه: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور: ٢١]. فمن قال: ألَت. قال: يَأْلَتُ.

стр. 14453

وأمّا الآخرون فإنهم جعَلوا ذلك من لاتَ يَلِيتُ، كما قال رُؤْبةُ بنُ العجَّاجِ (١): وَلَيْلَةٍ ذَاتِ نَدًى سَرَيْتُ ولَمْ يَلِتْنِي عَنْ سُرَاها لَيْتُ والصوابُ من القراءةِ عندَنا في ذلك ما عليه قرَأةُ المدينةِ والكوفةِ: ﴿لَا يَلِتْكُمْ﴾. بغيرِ ألفٍ ولا همزٍ (٢)، على لغةِ مَن قال: لاتَ يَلِيتُ. لعِلَّتَين: إحْدَاهما: إجماعُ الحُجَّةِ من القرَأةِ عليها. والثانيةُ: أنها في المصحفِ بغيرِ ألفٍ، ولا تسقطُ الهمزةُ في مثلِ هذا الموضعِ؛ لأنها ساكنةٌ، والهمزةُ إذا سكَنت ثَبَتت، كما يقالُ: تأمُرون وتأكُلون. وإنما تسقطُ إذا سكَن ما قَبْلَها، ولا يُحْمَلُ حرفٌ في القرآنِ أتَى بلغةٍ على آخَرَ جاء بلغةٍ خلافِها إذا كانت اللغتان (٣) معروفتين من (٤) كلام العرب. وقد ذكَرنا أن ألَتَ ولاتَ لغتانِ معروفتان مِن كلامِهم. وقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن اللَّهَ ذو عَفْوٍ أَيُّها الأعرابُ لمن (٥) أطاعَه وتاب إليه مِن سالفِ ذنوبِه، فأطِيعوه وانْتَهُوا إلى أمرِه ونَهْيِه يَغْفرْ لكم ذنوبَكم، رحيمٌ بخَلقِه التائبين إليه أن يعاقِبَهم بعدَ توبتهم مِن ذنوبِهم على ما قد (٦) تابوا منه، فتُوبوا إليه يَرْحَمْكُم. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: غفورٌ للذنوبِ الكثيرةِ، أو الكبيرةِ - شكَّ يزيدُ - رحيمٌ بعبادِه (٧).

стр. 14454

القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه للأعرابِ الذين قالوا: آمنَّا. ولم يدخُلِ الإيمانُ في قلوبِهم: إنما المؤمنون، أيُّها القومُ، الذين صدَّقوا اللَّهَ ورسولَه، ﴿ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾. يقولُ: ثم لم يشكُّوا في وحدانيةِ اللَّهِ، ولا (١) نبوَّةِ نبيِّه ﷺ ، وألزَم نفسَه طاعةَ اللَّهِ وطاعةَ رسولِه، والعملَ بما وجَب عليه من فرائضِ اللَّهِ، بغيرِ شكٍّ منه في وجوبِ ذلك عليه، ﴿وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. يقولُ: وجاهَدوا المشركين بإنْفاقِ أموالِهم وبذْلِ مُهَجِهم في جهادِهم، على ما أمَرَه (٢) اللَّهُ به من جهادِهم، وذلك سبيلُه، لتكونَ كلمةُ اللَّهِ العُلْيا وكلمةُ الذين كفَروا السُّفْلَى. وقولُه: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: هؤلاء الذين يفعَلون ذلك هم الصادقون في قولِهم: إنا مؤمنون. لا مَن دخَل في الملةِ خوفَ السَّيفِ، ليَحْقِنُ دَمَه ومالَه. وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾. قال: صدَّقوا إيمانَهم بأعمالِهم.

стр. 14455

القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٦)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ لهؤلاءِ الأعرابِ القائلين: آمنَّا. ولمَّا يدخلِ الإيمانُ في قلوبِهم: ﴿أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ﴾ أيُّها القومُ، ﴿بِدِينِكُمْ﴾. يعني: بطاعتِكم ربَّكم، ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾. يقولُ: واللَّهُ الذي تُعَلِّمونه أنكم مؤمنون، عَلَّامُ جمِيعِ ما في السماواتِ السبعِ والأرَضِينَ السبعِ، لا يَخْفى عليه شيءٌ منه فكيف تُعلِّمونه بدينِكم والذي أنتم عليه من الإيمانِ، وهو لا تخفَى عليه خافيةٌ في سماءٍ ولا أرضٍ، فيخفى عليه ما أنتم عليه من الدينِ؟ ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. يقولُ: واللَّهُ بكلِّ ما كان، وما هو كائنٌ، وما (١) يكونُ - ذو علمٍ. وإنما هذا تقدُّمٌ من اللَّهِ إلى هؤلاء الأعرابِ بالنَّهْيِ عن أن يكذِّبوا ويقولوا غيرَ الذي هم عليه في دينِهم. يقولُ: اللَّهُ محيطٌ بكلِّ شيءٍ، عالمٌ به، فاحْذَروا أن تقولوا خلافَ ما يعلمُ مِن ضمائرِ صدورِكم، فَتَنالَكم عقوبتُه، فإنَّه لا يَخْفَى عليه شيءٌ. القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : يَمُنُّ عليك هؤلاء الأعرابُ يا محمدُ أنْ أسلَموا، قلْ لهم (٢): ﴿لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾. يقولُ: بل اللَّهُ يَمُنُّ عليكم أيُّها القومُ أَنْ وفَّقَكم للإيمانِ به وبرسولِه، ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. يقولُ: إن كنتم صادقين في قولِكم: آمنَّا.

стр. 14456

فإن اللَّهَ هو الذي يَمُنُّ عليكم بأن هدَاكم له، فلا تَمُنُّوا عليَّ بإسلامِكم. وذُكِر أن هؤلاء الأعرابَ مِن بني أسدٍ، امْتَنُّوا على رسولِ اللَّهِ ﷺ ، فقالوا: آمنَّا من غيرِ قتالٍ، ولم نقاتِلْك كما قاتَلك غيرُنا. فأَنزَلَ اللَّهُ فيهم هذه الآياتِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ في هذه الآيةِ: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾: أهم بنو أسدٍ؟ قال: قد قيل ذلك. حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا سهلُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، قال: قلتُ لسعيدِ بنِ جبيرٍ: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾: أهم بنو أسدٍ؟ قال: يزعُمون ذلك. حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن حبيبِ بنِ أبي عَمْرةَ، قال: كان بشرُ بنُ غالبٍ ولَبيدُ بنُ عُطارَدٍ، [أو بشرُ بنُ عُطَارِدٍ، ولَبيدُ بنُ غالبٍ] (١)، عندَ الحَجاجِ جالسَين، فقال بشرُ بنُ غالبٍ للبيدِ بن عُطَاردٍ: نزَلت في قومِك من (٢) بني تميمٍ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾. فذكَرتُ ذلك لسعيدِ بنِ جُبيرٍ، فقال [له: أمَا] (٣) إنه لو عَلِم بآخرِ الآيةِ أجابَه؛ ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾، قالوا: أسْلَمْنا ولم نُقاتِلْك. بنو أسدٍ (٤). حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿لَا تَمُنُّوا

стр. 14457

[عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ﴾. قال: مَنُّوا على النبي ﷺ ، حيث جاءوه فقالوا] (١): إِنَّا أَسْلَمْنَا بِغَيْرِ قتالٍ، لم نُقاتِلْك كما قاتَلك بنو فلانٍ وبنو فلانٍ. فقال اللَّهُ لنبيِّه ﷺ : ﴿قُلْ﴾ لهم: ﴿لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ (٢). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ﴾. قال: فهذه الآياتُ نزلت في الأعرابِ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن اللَّهَ أيُّها الأعرابُ لا يَخْفَى عليه الصادقُ منكم من الكاذبِ، ومَن الداخلُ منكم في ملةِ الإسلامِ رغبةً فيه، ومَن الداخلُ فيه رَهْبَةً مِن رسولِنا محمدٍ ﷺ وجُندِه، فلا تعلِّمونا دينَكم وضمائرَ صدورِكم، فإن اللَّهَ يعلمُ ما تُكِنُّه ضمائرُ صدورِكم وتحدِّثون به أنفسَكُم، ويعلمُ ما غاب عنكم، فاسْتَسَرَّ في خبايا السماواتِ والأرضِ، لا يَخْفى عليه شيءٌ مِن ذلك، ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. يقولُ: واللَّهُ ذو بَصَرٍ بأعمالِكم التي تَعملونها؛ أجَهْرًا تعمَلون أم سِرًّا، طاعةً تعمَلون أو معصيةً، وهو مجازيكم على جميعِ ذلك، إنْ خيرًا فخيرٌ، وإن شرًّا فشرٌّ وكُفُؤُه. و ﴿أَنْ﴾ في قولِه: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾ في موضعِ نصبٍ، بوقوعِ ﴿يَمُنُّونَ﴾ عليها. وذُكِر أن ذلك في قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ إسْلامَهُمْ)، وذلك دليلٌ على صحَّةِ ما قُلنا. ولو قيل: هي نصبٌ بمعنى: يَمُنُّون عليك لأن

стр. 14458

أسْلَموا. لكان وجْهًا يتَّجِهُ. وقال بعضُ أهلِ العربيةِ: هي في موضعِ خفضٍ، بمعنى: لأن أسْلموا. وأما ﴿أَنْ﴾ التي في قولِه: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ﴾؛ فإنها في موضعِ نصبٍ بسقوطِ الصِّلةِ. لأن معنى الكلامِ: بل اللَّهُ يَمُنُّ عليكم بأن هَدَاكم للإيمانِ. آخرُ تفسيرِ سورةِ "الحجراتِ"

стр. 14459

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تفسيرُ سورةِ "ق" القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (٢)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قوله: ﴿ق﴾؛ فقال بعضُهم: هو اسمٌ من أسماءِ اللَّهِ تعالى أقْسَم به. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿ق﴾، و ﴿ن﴾ وأشباهِ هذا: فإنه قَسَمٌ [أقسَم اللَّهُ به] (١)، وهو اسمٌ من أسماءِ اللَّهِ (٢). وقال آخرون: هو اسمٌ من أسماءِ القرآنِ. [ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿ق﴾. قال: اسمٌ من أسماءِ القرآنِ] (٣) (٤). [وقال آخرون: معنَى ذلك: قُضِي واللَّهِ. كما قيل في ﴿حم﴾: حُمَّ واللَّهِ] (٥).

стр. 14460

وقال آخرون: ﴿ق﴾. اسمُ الجبلِ المحيطِ بالأرضِ. وقد تقدَّم بيانُنا (١) تأويلَ حروفِ المعجمِ التي في أوائلِ سورِ القرآنِ، بما فيه الكفايةُ عن إعادتِه في هذا الموضعِ (٢). وقولُه: ﴿وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾. يقولُ: والقرآنِ الكريمِ. كما حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، عن أشعثَ بنِ إسحاقَ، عن جعفرِ بنِ أبي المغيرةِ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾. قال: الكريمِ. واختلَف أهلُ العربيةِ في موضعِ جوابِ هذا القَسَمِ؛ فقال بعضُ نحويِّي البصرةِ: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾. قَسَمٌ على قولِه: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾. وقال بعضُ نحويِّي الكوفةِ (٣): ﴿ق﴾ فيها المعنى الذي أقْسَم به. وقال: ذُكِر أنها: قُضِيَ واللَّهِ. وقال: يقالُ: إن "قاف" جبلٌ محيطٌ بالأرضِ. فإن يكنْ كذلك فكأنَّه في موضعِ رفعٍ، أي: هو قافٌ واللَّهِ، قال: وكان يَنْبَغي لرفعِه أن يَظْهَرَ؛ لأنه اسمٌ وليس بهجاءٍ. قال: ولعلَّ القافَ وحْدَها ذُكِرت من اسْمِه، كما قال الشاعرُ (٤): * قلتُ لها قِفِي فقالت (٥) قافْ * ذَكَرت القافَ إرادةَ القافِ من الوقفِ، أي: إنِّي واقفةٌ. وهذا القولُ الثاني عندنا أولى القولين بالصوابِ؛ لأنه لا يُعرفُ في أجوبةِ
следующие страницы →