← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 14596–14635 · переход к 14601.

стр. 14596

قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذِكْرُه: وفِي عادٍ أيضًا وما فعَلْنا بهم آيةٌ لهم وعبرةٌ: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾. يعني بالريحِ العقيمِ: التي لا تُلْقِحُ الشجرَ. وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن خَصِيفٍ، عن عكرِمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الريحُ العقيمُ الريحُ الشديدةُ التي لا تُلْقِحُ شيئًا (١). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾. قال: لا تُلْقِحُ الشجرَ، ولا تُثيرُ السَّحابَ (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ (٣): ﴿الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾. قال: ليس فيها رحمةٌ ولا نباتٌ، ولا تُلْقِحُ نباتًا (٤). حدَّثنا ابنُ المثنَّى، قال: ثنا سليمانُ أبو داودَ، قال: أخبَرنا شعبةُ، عن مُشَاشٍ (٥)، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾. قال: لا

стр. 14597

تُلْقِحُ (١). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا شيخٌ مِن أهلِ خُراسانَ من الأزدِ (٢)، يُكنى أبا ساسانَ، قال: سألتُ الضحاكَ بنَ مزاحمٍ عن قولِه: ﴿الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾. قال: الريحَ التي ليس فيها (٣) بركةٌ، ولا تُلْقِحُ الشجرَ. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ الهلاليُّ، قال: ثنا أبو عليٍّ الحنفيُّ، قال: ثنا ابنُ أبي ذئبٍ، عن الحارثِ [بنِ عبدِ الرحمنِ] (٤)، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ، أنه كان يقولُ: الرّيحُ العَقِيمُ الجنوبُ. [حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: حدَّثني ابنُ أبي ذئبٍ (٥)، عن الحارثِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ أنه كان يقولُ: الريحُ العقيمُ الجنوبُ] (٦). حدَّثنا أحمدُ بنُ الفرجِ، قال: ثنا ابنُ أبي فُدَيكٍ، قال: ثنا ابنُ أبي ذئبٍ، عن خالِه الحارثِ بنِ عبدِ الرحمنِ، [أنه سَمِع سعيدَ بنَ المسيَّبِ] (٧)، يقولُ: العَقِيمُ (٨) الجنوبُ.

стр. 14598

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾: إن من الريحِ عقيمًا وعذابًا حينَ تُرسَلُ، لا تُلْقِحُ شيئًا، ومن الريحِ رحمةً يثيرُ اللَّهُ ﵎ بها السَّحابَ، ويُنزِلُ بها الغَيْثَ. وذُكِر لنا أن رسولَ اللَّهِ ﷺ كان يقولُ: "نُصِرتُ بالصَّبا، وأُهلِكت عادٌ بالدَّبورِ" (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا [شعبةُ، عن الحكمِ، عن مجاهدٍ] (٢)، عن ابنِ عباسٍ مثلَه (٣). حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾. قال: الريحَ التي لا تُنبِتُ (٤). حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾: التي لا تُلْقِحُ شيئًا. حدَّثني ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، قال: ﴿الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾: التي لا تُلْقِحُ (٥) شيئًا. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾. قال: إن اللَّهَ ﵎ يُرسِلُ [الرياحَ نَشْرًا] (٦)

стр. 14599

بينَ يَدَى رحمتِه، فيُحيى بها (١) الأصلَ والشَّجرَ، وهذه لا تُحيى ولا تُلقِحُ، هي عقيمٌ ليس فيها مِن الخيرِ شيءٌ، إنما هي عذابٌ، لا تُلْقِحُ شيئًا، وهذه تُلْقِحُ. وقرَأ: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢]. وقولُه: ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾. [يقولُ تعالى ذكرُه: ما تدَعُ هذه الريحُ شيئًا أتتْ عليه إلا جعَلتْه كالرميمِ] (٢). والرَّميمُ في كلامِ العربِ: ما يَبِس من نباتِ الأرضِ ودِيسَ. وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، وإن اختلَفت ألفاظُهم بالعبارةِ عنه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾. قال: كالشيءِ الهالِكِ (٣). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿كَالرَّمِيمِ﴾. قال: الشيءِ (٤) الهالِكِ (٥). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿كَالرَّمِيمِ﴾: رميمِ

стр. 14600

الشجرِ. حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾. قال: كرميمِ الشجرِ (١). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ (٤٣) فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٤٤)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذِكرُه: وفي ثمودَ أيضًا لهم عبرةٌ ومُتَّعَظٌ، إذ قال لهم ربُّهم: [﴿تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ﴾. يعني: إلى [وقتِ فناءِ آجالِكم] (٢). وقولُه: ﴿فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ﴾] (٣). يقولُ: فتكَبَّروا عن أمرِ ربِّهم، وعَلَوا استكبارًا عن طاعةِ اللَّهِ. كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ﴾. قال: عَلَوْا (٤). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ﴾. قال العاتي العاصي التاركُ لأمْرِ اللَّهِ . وقولُه: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فأخذَتهم صاعقةُ (٥)

стр. 14601

العذابِ (١) فجأةً. وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ (٢): وهم ينتَظِرون، وذلك أن ثمودَ وُعِدَتِ العذابَ قبلَ نزولِه بهم بثلاثةِ أيامٍ، وجُعِل لِنُزولِه عليهم علاماتٌ في تلك الثلاثةِ، فظهَرتِ العلاماتُ التي جُعِلت لهم، الدالةُ على نُزولِها في تلك الأيامِ، فأصبَحوا في اليومِ الرابعِ مُوقنين بأنَّ العذابَ بهم نازلٌ، يَنْتَظِرون حلولَه بهم (٣). وقرَأت قرَأةُ الأمصارِ خلا الكسائيِّ: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ بالألفِ (٤). ورُوِي عن عمرَ بنِ الخطابِ ﵁ أنَّه قرَأ ذلك: (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّعْقَةُ). بغيرِ ألفٍ. حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن السديِّ، عن عمرِو بنِ ميمونٍ الأودِيِّ، أن عمرَ بنَ الخطابِ ﵁ قرَأ: (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّعْقَةُ) (٥).

стр. 14602

وكذلك قرَأ الكسائيُّ. وبالألفِ نقرَأُ: ﴿الصَّاعِقَةُ﴾. لإجماعِ الحجَّةِ من القرَأةِ عليها (١). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ (٤٥) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (٤٦)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذِكرُه: فما استَطاعوا من دفاعٍ لما نزَل بهم من عذابِ اللَّهِ، ولا قَدَروا على نَهوضٍ به. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ﴾. يقولُ: فما استَطاع القومُ نهوضًا لعقوبةِ (٢) اللَّهِ ﵎ (٣). حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ﴾. [قال: من نُهوضٍ (٤). وكان بعضُ أهلِ العربيةِ يقولُ (٥): معنى قولِه: ﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ﴾] (٦): فما قاموا بها. قال: ولو كانت فما استطاعوا من إقامةٍ. لكان صوابًا، وطَرْحُ الألفِ منها كقولِه: ﴿أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [نوح: ١٧]. وقولُه: ﴿وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ﴾. يقولُ: وما كانوا قادِرين على أن

стр. 14603

يستَقِيدوا (١) ممَّن أَحلَّ بهم العقوبةَ التي حلَّت بهم. وكان قتادةُ يقولُ في تأويلِ ذلك ما حدَّثنا به بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ﴾. قال: ما كانت عندَهم من قُوَّةٍ يمتَنِعون بها من (٢) اللَّهِ (٣). وقولُه: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾. اختَلَفَتِ القرَأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾؛ [فقرَأ ذلك عامَّةُ قرأةِ المدينةِ وبعضُ قرأةِ الكوفةِ: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾] (٤) نصبًا (٥). ولنَصْبِ ذلك وجوهٌ؛ أحدُها: أن يكونَ "القومُ" عطفًا على الهاءِ والميمِ في قولِه: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ﴾. إذ كان كلُّ عذابٍ مُهلكٍ تُسَمِّيه العربُ صاعقةً، فيكونَ معنى الكلامِ حينَئذٍ: فأخذَتهم الصاعقةُ، وأخذَت قومَ نوحٍ من قبلُ. والثاني: أن يكونَ منصوبًا بمعنى الكلامِ، إذ كان فيما مضَى من أخبار الأممِ قبلُ دلالةٌ على المرادِ من الكلامِ، وأن (٦) معناه: أهْلَكنا هذه الأممَ، وأهْلَكنا قومَ نوحٍ من قبلُ. والثالثُ أن يُضْمِرَ (٧) له فعلًا ناصبًا، فيكونَ معنى الكلامِ: واذكُر لهم (٨) قومَ نوحٍ، كما قال: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾ [العنكبوت: ١٦]. ونحوِ ذلك، بمعنى: أخْبِرْهم واذْكُر لهم. وقرَأ ذلك عامَّةُ

стр. 14604

قرَأةِ الكوفةِ والبصرةِ (وقَوْمِ نُوحٍ) بخفضِ "القومِ" على معنى: وفي قومِ نوحٍ. عطفًا بالقومِ على موسى في قولِه: ﴿وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ (١) [الذاريات: ٣٨]. والصوابُ من القولِ في ذلك أنهما قراءتان معروفتان في قرأةِ الأمصارِ، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ. وتأويلُ ذلك في قراءةِ من قَرأه خفضًا: وفي قومِ نوحٍ لهم أيضًا عبرةٌ، إذ أهْلَكناهم من قبلِ ثمودَ لمَّا كذَّبوا رسولَنا نوحًا. ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾. يقولُ: إنهم كانوا قومًا (٢) مُخالِفين أمرَ اللَّهِ، خارِجين عن طاعتِه. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧) وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ (٤٨)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذِكرُه: والسماءَ رفَعناها سقفًا بقُوَّةٍ. وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾. يقولُ: بقُوَّةٍ (٣). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ

стр. 14605

قولَه: ﴿بِأَيْدٍ﴾. قال: بقُوَّةٍ (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾. أي: بقُوَّةٍ (٢). حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾. قال: بِقُوَّةٍ. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾. قال: بِقُوَّةٍ، بشدَّةٍ (٣). حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾. قال: بقُوَّةٍ (٤). وقولُه: ﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾. يقولُ: [وإنا] (٥) لذو سَعةٍ، بخَلْقِها وخَلْقِ مَا شِئْنا أن نخلُقَه، وقدرةٍ عليه. ومنه قولُه: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦]. يريدُ (٦) به القويَّ. وقال ابنُ زيدٍ في ذلك ما حدَّثني به يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾. قال: أوسَعَها

стр. 14606

ﷻ (١). وقولُه: ﴿وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: والأرضَ جَعَلْناها فِراشًا للخَلْقِ، ﴿فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ﴾. يقولُ: فنِعمَ الماهِدُون لهم نحنُ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٤٩)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: وخلَقنا (٢) مِن كلِّ شيءٍ خلَقنا زوجين، وترَك "خلَقنا" الأولَ (٣) استغناءً بدلالةِ الكلامِ عليه (٤). واختُلِف في معنى قولِه: ﴿خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾؛ فقال بعضُهم: عُنِي به: ومن كلِّ شيءٍ خَلَقْنا نوعين مُختلِفين؛ كالشقاءِ والسعادةِ، والهُدَى والضلالةِ، ونحوِ ذلك. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، قال: ثنا ابنُ جريجٍ، قال: قال مجاهدٌ في قولِه: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾. قال: الكفرَ والإيمانَ، والشقاءَ والسعادةَ، والهُدَى، والضلالةَ والليلَ والنَّهارَ، والسماءَ والأرضَ، والجنَّ والإنسَ، [والشمسَ والقمرَ] (٥). حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ أبي الوزيرِ، قال: ثنا مَرْوانُ بنُ معاويةَ

стр. 14607

الفزاريُّ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾. قال: الشمسَ والقمرَ (١). وقال آخرون: بل (٢) عُنِي بالزوجين الذَّكرُ والأنثى. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾. قال: ذكرًا (٣) وأنثى، ذاك الزوجان. وقرَأ: ﴿وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ [الأنبياء: ٩٠]. قال: امرأتَه (٤). وأولى القولين في ذلك بالصوابِ قولُ مجاهدٍ، وهو أن اللَّهَ ﵎ خلَق لكلِّ ما خلَق مِن خَلْقِه ثانيًا له (٥) مخالِفًا في معناه، فكلُّ واحدٍ منهما زوجٌ للآخرِ، ولذلك قيل: ﴿خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾. وإنما نبَّه جلَّ ثناؤُه بذلك مَن (٦) خلَقه على قُدرتِه على خَلْقِ ما يشاءُ خَلْقَه من شيءٍ، وأنه ليس كالأشياءِ التي شأنُها فعلُ نوعٍ واحدٍ دونَ خلافِه، إذ كلُّ ما صفتُه فعلُ نوعٍ واحدٍ دونَ ما عداه، كالنارِ التي شأنُها التَّسخينُ ولا تصلحُ للتبريدِ، وكالثلجِ الذي شأنُه التبريدُ ولا يصلحُ للتسخينِ - فلا

стр. 14608

يجوزُ أن يوصفَ بالكمالِ، وإنما كمالُ المدحِ للقادرِ (١) على فعلِ كلِّ ما يشاءُ فِعْلَه من الأشياءِ المتفقةِ والمختلفةِ. وقولُه - جلَّ وعزَّ -: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. يقولُ: لِتَذَكَّروا وتَعتَبروا بذلك، فتَعلَموا، أيها المشرِكون باللَّهِ، أن ربَّكم الذي يستوجبُ عليكم العبادةَ، هو الذي يقدرُ على خلقِ الشيءِ وخلافِه، وابتداعِ زوجين من كلِّ شيءٍ، لا ما لا يقدرُ على ذلك. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: فاهْربُوا أيُّها الناسُ من عقابِ اللَّهِ إلى رحمتِه بالإيمانِ به، واتِّباعِ أمْرِه، والعملِ بطاعتِه: ﴿إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ﴾. يقولُ: إني لكم من اللَّهِ نذيرٌ (٢) أُنذرُكم عقابَه، وأُخوِّفُكم عذابَه الذي أحَلَّه بهؤلاء الأممِ الذين قصَّ عليكم قَصَصَهم (٣)، والذي هو مُذيقُهم في الآخرةِ. وقولُه: ﴿مُبِينٌ﴾. يقولُ: تَبينُ لكم نذارتُه. وقولُه: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: ولا تجعلوا أيها الناسُ، مع مَعْبودِكم الذي خلقَكم معبودًا آخر سِواه؛ فإنه لا معبودَ تصلحُ له العبادةُ (٤) غيرُه. ﴿إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾. يقولُ: إني لكم أيُّها الناسُ نذيرٌ من عقابِه على عبادتِكم إلهًا غيرَه، مبينٌ (٥) قد أبان لكم النَّذَارةَ.

стр. 14609

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٥٣)﴾. قال أبو جعفرٍ: يقولُ تعالى ذِكرُه: كما كذَّبتْ قريشٌ نبيَّها محمدًا ﷺ ، وقالت: هو شاعرٌ أو ساحرٌ أو مجنونٌ. كذلك فعَلتِ الأممُ المُكذِّبةُ رُسُلَها (١)، الذين أحلَّ اللَّهُ بهم نِقْمَتَه؛ كقومِ نوحٍ وعادٍ وثمودَ وفرعونَ وقومِه، ما أتَى هؤلاء (٢) الذين ذكَرناهم ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾. يعني: من قبلِ قريشٍ قومِ محمدٍ ﷺ ، ﴿مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ كما قالت قريشٌ لمحمدٍ ﷺ . وقولُه: ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أأوصَى هؤلاء المكذِّبين مِن قريشٍ محمدًا ﷺ على ما جاءَهم به من الحقِّ - أوائلُهم وآباؤهم الماضون (٣) من قبلِهم، بتكذيبِ محمدٍ ﷺ ، فقَبِلوا ذلك عنهم؟ وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ﴾. قال: أوصَى أُولاهم أُخْراهم بالتكذيبِ؟ (٤) حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ﴾. أي: كأَنَّ الأوّلَ قد أوصَى الآخِرَ بالتكذيبِ.

стр. 14610

وقولُه: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: ما أوصَى أولُ (١) هؤلاء المشركين (٢) آخرَهم بذلك، ولكنهم قومٌ طغاةٌ متعَدُّون عن أمْرِ ربِّهم، لا يأتَمِرون لأمْرِه، ولا ينتَهون عما نَهاهم عنه. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ (٥٤) وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ ، فتولَّ يا محمدُ عن هؤلاء المشرِكين باللَّهِ من قريشٍ. يقولُ: فأَعْرِض عنهم حتى يأتيَك فيهم أمرُ اللَّهِ. يقالُ: وَلَّى فلانٌ عن فلانٍ: إذا أعْرَض عنه وترَكه، كما قال حصينُ بنُ ضَمْضَمٍ (٣): أما بَنو عبسٍ فإِنَّ هَجِينَهم … وَلَّى فَوارِسُه وأَفْلَتَ أعْوَرا والأعورُ في هذا الموضعِ الذي عَوِر فلم يقْضِ حاجتَه، ولم يُصِبْ ما طلَب. وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾. قال: فأَعْرِض عنهم (٤). وقولُه: ﴿فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: فما أنت يا محمدُ بملومٍ،

стр. 14611

لا يلومُك ربُّك على تفريطٍ كان مِنكَ في الإنذارِ، فقد أنذَرتَ قومَك (١)، وبلَّغتَ ما أُرسِلتَ به. وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾. قال: محمدٌ ﷺ (٢). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾. قال: قد بلَّغْتَ ما أرْسَلْناك به، فلستَ بملومٍ. قال: وكيف يَلومُه وقد أدَّى ما أُمِر به. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾. ذُكِر لنا أنها لما نزَلَت هذه الآيةُ اشْتَدَّ على أصحابِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، ورأَوْا أن الوحيَ قد انْقَطَع، وأن العذابَ قد حضَر (٣)، فأنْزَل اللَّهُ ﵎ بعدَ ذلك: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤). حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: أخبَرنا ابنُ عُليةَ، قال: أخبَرنا أيوبُ، عن مجاهدٍ قال: خرَج عليٌّ مُعْتَجِرًا بِبُرْدٍ، مُشْتَمِلًا بخَميصةٍ، فقال: لما نزَلَت: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾ أحْزَننا ذلك وقلنا: أُمِر رسولُ اللَّهِ ﷺ أن

стр. 14612

يَتَوَلَّى عنا. حتى نزَل: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١). وقولُه: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: وعِظْ يا محمدُ مَن أُرْسِلْتَ إليه، فإن العِظةَ تَنْفَعُ أَهلَ الإيمانِ باللَّهِ. كما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال: وعِظْهم (٢). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. فقال بعضُهم: معنى ذلك: وما خَلَقْتُ السُّعداءَ مِن الجنِّ والإنسِ إلَّا لعبادتي، والأشقياءَ منهم إلَّا (٣) لمعصيتي. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن ابنِ جريجٍ، عن زيدِ بنِ أسلمَ: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. قال: ما جُبِلوا عليه مِن الشقاءِ والسعادةِ (٤).

стр. 14613

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ جريجٍ، عن زيدِ بنِ أسلمَ بنحوهِ. حدَّثني عبدُ الأعلى [بنُ واصلٍ] (١)، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ بنُ موسى، قال: أخبَرنا سفيانُ، عن ابنِ جريجٍ، عن زيدِ بن أسلمَ بمثلِه. حدَّثنا حميدُ بنُ الربيعِ الخَزَّازُ (٢)، قال: ثنا ابنُ يَمانٍ، قال: ثنا ابنُ جريجٍ، عن زيدِ بنِ أسلمَ في قولِه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. قال: جَبَلهم على الشقاءِ والسعادةِ. حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. قال: مَن خُلِق للعبادةِ (٣). وقال آخرون: بل معنى ذلك: وما خلَقْتُ الجنَّ والإنسَ إلا ليُذْعِنوا لي (٤) بالعُبوديةِ (٥)، [ويعترِفوا بها] (٦). ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾: إلا ليُقِرُّوا بالعُبوديةِ طَوْعًا وكَرْهًا (٧).

стр. 14614

وأولى القولين في ذلك بالصوابِ القولُ الذي ذكَرْنا عن ابنِ عباسٍ، وهو: ما خَلَقْتُ الجنَّ والإنسَ إلا (١) لعبادتِنا والتذللِ لأمرِنا. فإن قال قائلٌ: فكيف كفَروا، وقد خَلَقَهم للتذللِ لأمرِه؟ قيل: لأنهم (٢) قد تذَلَّلوا لقضائِه الذي قَضاه عليهم؛ لأن قضاءَه جارٍ عليهم، لا يَقْدِرون مِن الامتناعِ منه إذا نزَل بهم، وإنما خالَفه مَن كفَر به [في العملِ] (٣) بما أمَرَه به، فأما التذللُ لقضائِه، فإنه غيرُ ممتنعٍ منه. وقولُه: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ما أُرِيدُ ممن خلَقْتُ مِن الجنِّ والإنسِ من رزقٍ يَرْزُقونه خَلْقى، ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾. يقولُ: وما أُرِيدُ منهم مِن قُوتٍ أن يَقُوتوهم، ومِن طعامٍ أن يُطْعِموهم. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا معاذُ بنُ هشامٍ، قال: ثنا أبي، عن عمرِو بنِ مالكٍ، عن أبي الجَوْزاءِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾. قال: يُطْعِمون أنفسَهم (٤). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨) فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ (٥٩)﴾.

стр. 14615

يقولُ تعالى ذكرُه: إن اللَّهَ هو الرزاقُ خلقَه، المُتَكَفِّلُ بأقواتِهم ﴿ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾. اختَلَفَت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿الْمَتِينُ﴾؛ فقرأَته عامةُ قرأةِ الأمصارِ خلا يحيى بنِ وثابٍ والأعمشِ: ﴿ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ رفعًا، بمعنى: ذو القوةِ الشديدُ، فجعَلوا "المتين" مِن نعتِ "ذى"، ووجَّهوه إلى وصفِ (١) اللَّهِ به. وقرَأه يحيى والأعمشُ: (المَتِين) خفضًا (٢)، فجعَلاه مِن نعتِ «القوةِ»، وإنما اسْتَجاز خفضَ ذلك مَن قرَأَه بالخفضِ، ويُصَيِّرُه مِن نعتِ القوةِ، والقوةُ مؤنثةٌ، والمتينُ في لفظٍ مذكرٍ؛ لأنه ذهَب بالقوةِ [إلى القوةِ] (٣) مِن قُوَى الحبلِ والشيءِ المفتولِ (٤) المُبْرَمِ الفَتْلِ، فكأنه قال على هذا المذهبِ: ذو الحبلِ القويِّ. وذكَر الفرَّاءُ أن بعضَ العربِ أَنْشَدَه (٥): لكلِّ دهرٍ قد لبِسْتُ أَثْؤُبا من رَيْطةٍ واليُمْنَةَ المُعَصَّبا فجعَل "المُعَصَّبَ" نعتَ "اليُمْنةِ"، وهي مؤنثةٌ في اللفظِ؛ لأن "اليمنةَ" ضربٌ وصنفٌ مِن الثيابِ، فذهَب بها إليه. والصوابُ مِن القراءةِ في ذلك عندَنا: ﴿ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ رفعًا على أنه من صفةِ اللَّهِ جلَّ ثناؤُه؛ لإجماعِ الحجةِ من القرأةِ عليها، وأنه لو كان من نعتِ القوةِ،

стр. 14616

لكان التأنيثُ به أولى، وإن كان للتذكيرِ وجهٌ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾. يقولُ: الشديدُ (١). وقولُه: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فإن للذين أشْرَكوا باللَّهِ مِن قريشٍ وغيرِهم ﴿ذَنُوبًا﴾. وهي الدَّلْوُ العظيمةُ، وهو السَّجْلُ أيضًا إذا مُلِئَت أو قارَبَت المِلْءَ، وإنما أُرِيد بالذَّنوبِ في هذا الموضعِ الحظُّ والنصيبُ، ومنه قولُ علقمةَ بنِ عَبَدَةَ (٢): وفي كلِّ قومٍ قد خَبَطْتَ بنعمةٍ … فحُقَّ لشأسٍ مِن نَداك ذَنوبُ أي: نصيبٌ، وأصلُه ما ذكَرْتُ، ومنه قولُ الراجزِ (٣): لنا ذَنوبٌ ولكم ذَنوبُ فإن أبَيْتُمْ فلنا القَلِيبُ ومعنى الكلامِ: فإن للذين ظلَموا نصيبًا من عذابِ اللَّهِ وحظًّا نازلًا بهم، مثلَ نصيبِ أصحابِهم الذين مضَوْا مِن قبلِهم مِن الأممِ، على مِنهاجِهم مِن العذابِ، فلا يَسْتَعْجِلون به.

стр. 14617

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا﴾. يقولُ: دلوًا (١). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ﴾. قال: يقولُ: للذين ظَلَموا عذابًا مثلَ عذابِ أصحابِهم فلا يَسْتَعْجِلون. حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ: ﴿ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ﴾. قال: سَجْلًا مِن العذابِ. حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عفانُ بنُ مسلمٍ، قال: ثنا شهابُ بنُ شُرْنُفَة (٢)، عن الحسنِ في قولِه ﴿ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ﴾. قال: دلوًا مثلَ دلوِ أصحابِهم. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿ذَنُوبًا﴾. قال: سَجْلًا (٣). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا

стр. 14618

ذَنُوبًا﴾. أي: سَجْلًا مِن عذابِ اللَّهِ (١). حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنى محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ﴾. قال: عذابًا مثلَ عذابِ أصحابِهم (٢). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ﴾. قال: يقولُ: ذَنُوبًا مِن العذابِ (٣). يقولُ: لهم سَجْلٌ مِن عذابِ اللَّهِ، وقد فُعِل هذا بأصحابِهم مِن قبلِهم، [فلهم عذابٌ] (٤) مثلُ عذابِ أصحابِهم فلا يَسْتَعْجِلون. حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ﴾. قال: طَرَفًا مِن العذابِ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٦٠)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فالوادي السائلُ في جهنمَ مِن قَيْحٍ وصَديدٍ للذين كفَروا باللَّهِ، وجحَدوا وَحْدانيتَه مِن يومِهم الذي يُوعَدون فيه نزولَ عذابِ اللَّهِ بهم (٥)، إذا نزَل ذلك (٥) بهم ماذا يَلْقَون فيه مِن البلاءِ والجَهْدِ. آخرُ تفسيرِ سورةِ «الذارياتِ»

стр. 14619

تفسيرُ سورة «الطُّور» بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (٤) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (٦) إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ (٨)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَالطُّورِ﴾: والجبلِ الذي يُدْعَى الطورَ. وقد بيَّنْتُ معنى الطورِ بشواهدِه، وذكَرْنا اختلافَ المختَلِفين فيه فيما مضَى، بما أغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (١). وقد حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ - جلَّ وعزَّ -: ﴿وَالطُّورِ﴾. قال: الجبلُ بالسُّرْيانيةِ (٢). وقولُه: ﴿وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾. يقولُ: وكتابٍ مكتوبٍ. ومنه قولُ رُؤْبَةَ بنِ العجّاجِ (٣): إني وآياتٍ سُطِرْنَ سَطْرَا وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

стр. 14620

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَكِتَابٍ﴾. قال: صحفٍ (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾: والمسطورُ المكتوبُ (٢). حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿مَسْطُورٍ﴾. قال: مكتوبٍ (٣). حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سَمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿مَسْطُورٍ﴾. قال: مكتوبٍ (٤). وقولُه: ﴿فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾. يقولُ: في وَرَقٍ (٥) مَنْشورٍ. وقولُه: ﴿فِي﴾ مِن صلةِ ﴿مَسْطُورٍ﴾. ومعنى الكلامِ: وكتابٍ سُطِر وكُتِب في ورقٍ (٦) منشورٍ.

стр. 14621

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾: وهو الكتابُ (١). حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فِي رَقٍّ﴾. قال: الرقُّ صحيفةٌ (١). وقولُه: ﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾. يقولُ: والبيتِ الذي يَعْمُرُ بكثرةِ غاشيتِه، وهو بيتٌ فيما ذُكِر في السماءِ، بحِيالِ الكعبةِ من الأرضِ، يَدْخُلُه كلَّ يومٍ سبعون ألفًا مِن الملائكةِ، ثم لا يَعودون إليه (٢) أبدًا. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا ابنُ أبي عَدِيٍّ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، عن مالكِ بنِ صَعْصَعةَ؛ رجلٍ من قومِه، قال: قال نبيُّ اللَّهِ ﷺ : "رُفِع لي (٣) البيتُ المعمورُ، فقلتُ: يا جبريلُ، ما هذا؟ قال: هذا (٤) البيتُ المعمورُ، يَدْخُلُه كلَّ يومٍ سبعون ألفَ مَلَكٍ، إذا خرَجوا منه لم يَعُودوا آخرَ ما عليهم" (٥). حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا خالدُ بنُ الحارثِ، قال: ثنا سعيدٌ (٦)، عن قتادةَ، عن

стр. 14622

أنسِ بنِ مالكٍ، عن مالكِ بنِ صَعْصَعةَ، رجلٍ مِن قومِه، عن النبيِّ ﷺ بنحوِه (١). حدَّثنا هَنَّادُ بنُ السَّرِيِّ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سماكِ بنِ حربٍ، عن خالدِ بنِ عرعرَةَ، أن رجلًا قال لعليٍّ ﵁: ما البيتُ المعمورُ؟ قال: بيتٌ في السماءِ يقالُ له: الضُّرَاحُ. وهو بحِيالِ الكعبةِ من* فوقِها، حُرْمتُه في السماءِ كحرمةِ البيتِ في الأرضِ، يُصَلِّي فيه كلَّ يومٍ سبعون ألفًا مِن الملائكةِ، ولا يعودون فيه أبدًا (٢). حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن سِماكِ بنِ حربٍ، قال: سمِعْتُ خالدَ بنَ عرعرةَ، قال: سَمِعْتُ عليًّا ﵁، وخرَج إلى الرَّحْبةِ، فقال له ابنُ الكَوَّاءِ أو غيرُه: ما البيتُ المعمورُ؟ قال: بيتٌ في السماءِ السادسةِ، يقالُ له: الضُّراحُ. يَدْخلُه كلَّ يومٍ سبعون ألفَ ملَكٍ، لا يعودون فيه أبدًا. حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا طَلْقُ بنُ غَنَّامٍ، عن زائدةَ، عن عاصمٍ، عن عليِّ بنِ ربيعةَ، قال: سأَل ابنُ الكَوَّاءِ عليًّا ﵁ عن البيتِ المعمورِ، قال: مسجدٌ في السماءِ يقالُ له: الضُّراحُ. يَدْخُلُه كلَّ يومٍ سبعون ألفًا مِن الملائكةِ، ثم لا يَرْجِعون فيه أبدًا (٣). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبَسَةَ، عَن عُبَيدٍ المُكْتِبِ، عن أبي الطُّفَيْلِ، قال: سأَل ابنُ الكَوَّاءِ عليًّا عن البيتِ المعمورِ، قال: بيتٌ بحِيالِ البيتِ

стр. 14623

العَتيقِ في السماءِ، يَدْخُلُه كلَّ يومٍ سبعون ألفَ مَلَكٍ [على راياتِهم] (١)، [يقالُ له: الضُّراحُ. يَدْخُلُه كلَّ يومٍ سبعون ألفًا من الملائكةِ] (٢)، ثم لا يَرْجِعون فيه أبدًا (٣). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ (٤)، قال: ثنا سفيانُ، عن سماكِ بنِ حربٍ، عن خالدِ بنِ عرعرةَ، عن عليٍّ ﵁، قال: سأَله رجلٌ عن البيتِ المعمورِ، قال: بيتٌ في السماءِ يقالُ له: الضَّريحُ. قَصْدَ البيتِ، يَدْخُلُه كلَّ يومٍ سبعون ألفَ مَلَكٍ، ثم لا يعودون فيه. حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾. قال: هو بيتٌ حِذاءَ العرشِ تَعْمُرُه الملائكةُ، يُصَلِّي فيه كلَّ ليلةٍ (٥) سبعون ألفًا من الملائكةِ، ثم لا يعودون إليه (٦). حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أحمدَ بنِ شَبُّويَه، قال: ثنا عليُّ بنُ الحسنِ، قال: ثنا حسينٌ، قال: سُئِل عكرمةُ وأنا جالسٌ عندَه عن البيتِ المعمورِ، قال: بيتٌ في السماءِ بحِيالِ الكعبةِ (٧). [حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن عكرمةَ: ﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾. قال: بيتٌ في السماءِ] (٨).

стр. 14624

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾. قال: بيتٌ في السماءِ يقالُ له: الضُّراحُ. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾: ذُكِر لنا أن نبيَّ اللَّهِ ﷺ قال يومًا لأصحابِه: "هل تَدْرُون ما البيتُ المعمورُ؟ ". قالوا: اللَّهُ ورسولُه أعلمُ. قال: "فإنه مسجدٌ في السماءِ بحيالِ (١) الكعبةِ، لو خَرَّ لخَرَّ عليها، أو عليه، يُصَلِّي فيه كلَّ يومٍ سبعون ألفَ ملكٍ، إذا خرَجوا منه لم يَعُودوا آخرَ ما عليهم" (٢). حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سَمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾: يَزْعُمون أنه يَرُوحُ إليه كلَّ يومٍ سبعون ألفَ ملكٍ مِن قبيلةِ إبليسَ، يقالُ لهم: الجنُّ (٣). حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾. قال: بيتُ اللَّهِ الذي في السماءِ. وقال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "إن بيتَ اللَّهِ في السماءِ لَيَدْخُلُه كلَّ يومٍ طَلَعَت شمسُه سبعون ألفَ ملكٍ، ثم لا يَعُودون فيه أبدًا بعد ذلك". حدَّثنا محمدُ بن مرزوقٍ، قال: ثنا حجاجٌ، قال: ثنا حمادٌ، عن ثابتٍ، عن أنسٍ، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "البيتُ المعمورُ في السماءِ السابعةِ، يَدْخُلُه كلَّ يومٍ سبعون ألفَ ملكٍ، ثم لا يَعُودون إليه حتى تقومَ الساعةُ" (٤).

стр. 14625

حدَّثنا محمدُ بنُ سِنانٍ القَزَّازُ، قال: ثنا موسى بنُ إسماعيلَ، قال: ثنا سليمانُ، عن ثابتٍ، عن أنسٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "لما عرَج بيَ الملكُ إلى السماءِ السابعةِ انْتَهَيْتُ إلى بناءٍ، فقلتُ للملكِ: ما هذا؟ قال: هذا بناءٌ بناه اللَّهُ للملائكةِ. يَدْخُلُه كلَّ يومٍ سبعون ألفَ ملكٍ، يُقَدِّسون اللَّهَ ويُسَبِّحونه، لا يَعُودون فيه" (١). وقولُه: ﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ﴾. يعني بالسقفِ في هذا الموضعِ السماءَ، وجعَلها سقفًا؛ لأنها سماءٌ للأرضِ، كسماءِ البيتِ الذي هو سقفُه. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا هَنَّادُ بنُ السَّرِيِّ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سِماكٍ، عن خالدِ بنِ عرعرةَ، أن رجلًا قال لعليٍّ ﵁: ما السقفُ المرفوعُ؟ قال: السماءُ (٢). حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن سِماكٍ، عن خالدِ بنِ عرعرةَ، عن عليٍّ ﵁، قال: السقفُ المرفوعُ السماءُ (٣). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، قال: ثنا سفيانُ، عن سماكِ بنِ حربٍ، عن خالدِ بنِ عرعرةَ، عن عليٍّ ﵁، قال: سأَله رجلٌ عن السقفِ المرفوعِ،

стр. 14626

فقال: السماءُ. حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن سماكِ بنِ حربٍ، قال: سمِعْتُ خالدَ بن عرعرةَ، قال: سمِعْتُ عليًّا يقولُ: ﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ﴾: هو السماءُ، قال: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾ (١) [الأنبياء: ٣٢]. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ﴾. قال: السماءُ (٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ﴾: سقفٌ، السماءُ (٣). حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ﴾: سقفٌ والسماءُ (٤). وقولُه: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾. اختَلَف أهلُ التأويلِ في معنى البحرِ المسجورِ؛ فقال بعضُهم: المُوقَدُ. وتأَوَّل ذلك: والبحرِ المُوقَدِ المَحْمِيِّ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، عن داودَ، عن سعيدِ بن المسيبِ، قال:

стр. 14627

قال عليٌّ ﵁ لرجلٍ مِن اليهودِ: أين جهنمُ؟ فقال: البحرُ. فقال: ما أُراه إلا صادقًا، ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾، (وَإِذَا البِحارُ سُجِرَتْ) [التكوير: ٦] مخففةً (١). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن حفصِ بنِ حميدٍ، عن شِمْرِ بنِ عطيةَ في قولِه: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾. قال: بمنزلةِ التَّنُّورِ المسجورِ (٢). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾. قال: المُوقَدِ (٣). حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾. قال: المُوقَدِ. وقرَأ قولَ اللَّهِ تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: ٦]. قال: أُوقِدَت (٤). وقال آخرون: بل معنى ذلك: وإذا البحارُ مُلِئَت. وقال: المسجورُ المملوءُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾: الممتلئِ (٥).

стр. 14628

وقال آخرون: بل المسجورُ الذي قد ذهَب ماؤُه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾. قال: سَجْرُه حِينَ يَذْهَبُ مَاؤُه ويُفْجَرُ (١). وقال آخرون: المسجورُ المحبوسُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾. يقولُ: المحبوسِ (٢). وأولى الأقوالِ في ذلك عندي بالصوابِ قولُ مَن قال: معناه: والبحرِ المملوءِ المجموعِ ماؤُه بعضُه في بعضٍ، وذلك أن الأغلبَ مِن معاني السجرِ الإيقادُ، كما يقالُ: سَجَرْتُ التَّنُّورَ. بمعنى: أَوْقَدْتُ، أو الامتلاءُ على ما وصَفْتُ، كما قال لَبيدٌ (٣): فتوسَّطا عُرْضَ السَّرِيِّ وصَدَّعا … مَسْجُورةً مُتَجاورًا قُلَّامُها وكما قال النَّمِرُ بنُ تَوْلَبٍ العُكْليُّ (٤):

стр. 14629

إذا شاء طالَعَ مَسْجورةً … تَرَى حولَها النَّبعَ والسَّاسَما سقَتها رواعدُ مِن صيِّفٍ … وإنْ من خريفٍ فلن يَعْدَما فإذا كان ذلك الأغلبَ مِن معاني السَّجْرِ، وكان البحرُ غيرَ مُوقَدٍ اليومَ، وكان اللَّهُ تعالى ذكرُه قد وصَفَه بأنه مسجورٌ، فبطَل عنه (١) إحدى الصفتين، وهو الإيقادُ، صحَّت الصفةُ الأخرى التي هي له اليومَ، وهو الامتلاءُ؛ لأنه كلَّ وقتٍ مُمْتلئٌ. وقيل: إن هذا البحرَ المسجورَ الذي أقْسَم به ربُّنا ﵎، بحرٌ في السماءِ تحتَ العرشِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ، عن عليٍّ: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾. قال: بحرٌ في السماءِ تحتَ العرشِ (٢). قال: ثنا مِهْرانُ، قال: وسمِعْتُه أنا مِن إسماعيلَ. قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو*: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾. قال: بحرٍ تحتَ العرشِ (٣). حدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا عُبيدُ اللَّهِ بنُ موسى، قال: أخبَرنا إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ في قولِه ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾. قال: بحرٌ

стр. 14630

تحتَ العرشِ (١). وقولُه: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : إنَّ عذابَ ربِّك يا محمدُ لكائنٌ حالٌّ بالكافرين به يومَ القيامةِ. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾: وقَع (٢) القسمُ ههنا، ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾ وذلك يومَ القيامةِ (٣). وقولُه: ﴿مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾. يقولُ: ما لذلك العذابِ الواقعِ بالكافرين مِن دافعٍ يَدْفَعُه عنهم فيُنْقِذَهم منه إذا وقَع. القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (٩) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا (١٠)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: إن عذابَ رَبِّكَ لَواقعٌ يومَ تمورُ السماءُ مورًا. فـ ﴿يَوْمَ﴾ مِن صلةِ ﴿لَوَاقِعٌ﴾. ويعني بقولِه: ﴿تَمُورُ﴾: تَدورُ وتُكْفَأُ. وكان معمرُ بنُ المُثَنَّى (٤) يُنْشِدُ بيتَ الأعْشَى: كأن مِشْيَتَها مِن بيتِ جارتِها … مَوْرُ السَّحابةِ (٥) لا رَيْثٌ ولا عَجَلُ فالمورُ على روايتِه: التَّكَفُّؤُ والتَّرَهْيُؤُ (٦) في المِشْيةِ. وأما غيرُه فإنه

стр. 14631

كان يَرْوِيه (١): مَرُّ (٢) السَّحابةِ. واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم فيه نحوَ الذي قلنا فيه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا﴾. قال: يقولُ: تحريكًا (٣). حدَّثنا ابنُ المثنى (٤) وعمرُو بنُ مالكٍ، قالا (٥): حدَّثنا أبو معاويةَ الضَّريرُ، عن سفيانَ بنِ عُيَيْنةَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا﴾. قال: تَدورُ السماءُ دَوْرًا. حدَّثنا الحسينُ (٦) بنُ عليٍّ الصُّدائيُّ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، قال: أخْبَروني عن أبي (٧) معاويةَ الضَّريرِ، عنى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا﴾ قال: تَدُورُ دَوْرًا (٨). حدَّثنا هارونُ بنُ حاتمٍ المُقْرِي، قال: ثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، [قال: ثنى أبو معاويةَ، عنى] (٩)، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا﴾. قال:

стр. 14632

تَدُورُ دَوْرًا. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا﴾: مَوْرُها تحريكُها. [حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا﴾. قال: مورُها تحرُّكُها] (١). حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سَمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا﴾: يعني اسْتِدارتَها وتحريكَها لأمرِ اللَّهِ، وموجَ بعضِها في بعضٍ (٢). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، قال: قال الضحاكُ: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا﴾ (٣). قال: يموجُ بعضُها في بعضٍ، وتحرُّكُها لأمرِ اللَّهِ حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابُن وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا﴾. قال: هذا يومَ القيامةِ، وأما المَوْرُ فلا علمَ لنا به. وقال آخرون: مورُها تشققُها ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن

стр. 14633

أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا﴾. قال: يومَ تَشَقَّقُ السماءُ (١). وقولُه: ﴿وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا﴾. يقولُ: وتسيرُ الجبالُ عن أماكنِها مِن الأرضِ (٢) فتَصِيرُ هباءً مُنْبَثًّا. القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١١) الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ (١٢) يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣) هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٤)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: فالوادي الذي يَسِيلُ مِن قَيْحٍ ومن صَديدٍ في جهنمَ، يومَ تَمورُ السماءُ مورًا، وذلك يومَ القيامةِ للمُكَذِّبين (٣) بوقوعِ عذابِ اللَّهِ للكافرينِ، يومَ تمورُ السماءُ مورًا. وكان بعضُ نحويِّي البصرةِ يقولُ: أُدْخِلَت الفاءُ في قولِه: ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ﴾. لأنه في معنى: إذا كان كذا وكذا. فأشْبَه المُجازاةَ؛ لأن المجازاةَ يكونُ خبرُها بالفاءِ. وقال بعضُ نحويي (٤) الكوفةِ: الأوقاتُ كلُّها تكونُ جزاءً مع الاستقبالِ، فهذا مِن ذاك؛ لأنهم قد شبَّهوا «إن» (٥) وهي أصلُ الجزاءِ بـ «حين». وقال: إن مع «يوم» إضمارَ فعلٍ، وإن كان التأويلُ جزاءً؛ لأن الإعرابَ يأخُذُ ظاهرَ الكلامِ، وإن كان المعنى جزاءً. وقولُه: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾. يقولُ: الذين هم في فتنةٍ واختلاطٍ في الدنيا يَلْعَبون، غافلين عما هم صائرون إليه من عذابِ اللَّهِ في الآخرةِ.

стр. 14634

وقولُه: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فويلٌ يومَئذٍ للمكذِّبين يومَ يُدَعُّون. وقولُه: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ﴾. ترجمةٌ عن قولِه: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾. وإبدالٌ منه. وعُنِي بقولِه: ﴿يُدَعُّونَ﴾: يُدْفَعون بإرهاقٍ وإزعاجٍ، يقالُ منه: دعَعْتُ في قَفاه. إذا دفَعْتَ فيه. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني سليمانُ بنُ عبدِ الجبارِ، [قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الصلتِ] (١)، قال: ثنا أبو كُدَيْنةَ، عن قابوسَ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾. قال: يُدْفَعُ في أعناقِهم حتى يَرِدوا النارَ (٢). حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾. يقولُ: يُدْفَعون (٣). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾. قال: يُدفَعون فيها دفعًا. حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن يزيدَ، عن عكرمةَ: ﴿يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾. يقولُ: يُدْفَعون إلى نارِ جهنمَ

стр. 14635

دفعًا. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ﴾. قال: يُدْفَعون (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾: يُزْعَجون إليها إزْعاجًا. حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ بنحوِه (٢). حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾: الدَّعُّ الدفعُ والإرهاقُ. حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زِيدٍ في قولِ اللَّهِ : ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾. قال: يُدْفَعون دفعًا. وقرَأ قولَ اللَّهِ : ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾. قال: يَدْفَعُه ويُغْلِظُ عليه. وقولُه: ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾. [يقولُ تعالى ذكرُه: يقالُ لهم: هذه النارُ التي كنتم بها] (٣) في الدنيا تكذِّبون، فتَجحَدون أن تَرِدُوها، وتُصلَوْها، أو يعاقبَكم بها ربُّكم. وترَك ذِكْرَ "يُقالُ لهم"، اجتزاءً بدلالةِ الكلامِ عليه. القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (١٥) اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٦)﴾.
следующие страницы →