← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 15191–15230 · переход к 15196.

стр. 15191

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إِسحاقَ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ أبي بكرٍ، أنه حدَّث أن بني النَّضيرِ خلَّوا الأموالَ لرسولِ اللَّهِ ﷺ ، فكانت النَّضيرُ لرسولِ اللَّهِ ﷺ خاصةً، يضَعُها حيثُ يشاءُ، فقَسَمها رسولُ اللَّهِ ﷺ على المهاجرِين الأوَّلين دونَ الأنصارِ، إلا أنَّ سَهْلَ بنَ حُنَيْفٍ وأبا دُجَانَةَ سِمَاكَ بنَ خَرَشَةَ ذكَرا (١) فقرًا، فأعطاهما رسولُ اللَّهِ ﷺ (٢). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾: المهاجِرون. قال: وتكلَّم في ذلك - يعني: أموال بني النضيرِ - بعضُ مَن تكلَّم مِن الأنصارِ، فعاتَبهم اللَّهُ في ذلك فقال: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. قال: وقال رسولُ اللَّهِ ﷺ لهم: "إِنَّ إخوانَكم قد تَرَكوا الأموالَ والأولادَ وخرَجوا إليكم". فقالوا: أموالُنا بينَهم (٣) قطائِعُ. فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "أوَ غيرَ ذلك"؟ قالوا: وما ذلك يا رسولَ اللَّهِ؟ قال: "هم قومٌ لا يَعْرِفون العملَ، فتَكْفُونهم وتُقاسِمونهم الثَّمَرَ". فقالوا: نعم يا رسولَ اللَّهِ (٤). وبنحوِ الذي قلنا في قولِه: ﴿وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾

стр. 15192

قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا سليمانُ أبو داودَ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾. قال: الحسدَ (١). قال: ثنا عبدُ الصمدِ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ: حاجةً فِي صُدورِهم. قال: حسدًا في صدورِهم. حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، قال: أخبَرنا أبو رجاءٍ، عن الحسنِ مثلَه. وقولُه: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه وهو يَصِفُ الأنصارَ الذين تبوَّءوا الدارَ والإيمانَ مِن قبلِ المهاجرِين: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾. يقولُ: ويُعْطُون المهاجِرين أموالَهم، إيثارًا لهم بها على أنفسِهم، ﴿وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾. يقولُ: ولو كان بهم حاجةٌ وفاقةٌ إلى ما آثَروا به مِن أموالِهم على أنفسِهم. والخَصَاصَةُ مصدرٌ، وهي أيضًا اسمٌ، وهو كلُّ ما تخلَّلْته ببصرِك، كالكَوَّةِ والفُرْجةِ في الحائطِ، تُجْمَعُ: خَصاصاتٌ وخَصَاصٌ، كما قال الراجِزُ: قد عَلِمَ المُقاتِلاتُ (٢) كَفْحَا (٣)

стр. 15193

والنَّاظراتُ مِنْ خَصَاصٍ لَمْحَا (١) لَأَرْوينَّها (٢) دَلْجًا أَوْ مَتْحَا (٣) وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ فُضَيْلٍ، عن أبيه، عن أبي حازمٍ، عن أبي هريرةَ، قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ لِيَضِيفَه، فلم يكنْ عندَه ما يُضِيفُه، فقال: "أَلا رجلٌ يُضِيفُ هذا، ﵀"؟ فقام رجلٌ مِن الأنصارِ يقالُ له: أبو طَلْحةَ. فانطَلَق به إلى رَحْلِه، فقال لامرأتِه: أَكْرِمي ضيفَ رسولِ اللَّهِ ﷺ ؛ نَوِّمي الصِّبْيةَ، وأَطْفئِي المصباحَ، وأَرِيه بأنك تأْكُلِين معه، واتْرُكيه لِضَيْفِ رسولِ اللَّهِ ﷺ . فَفعَلتْ، فنزَلت: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (٤). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن فُضَيْلِ بنِ (٥) غَزْوانَ، عن أبي حازمٍ، عن أبي هريرةَ، أنَّ رجلًا مِن الأنصارِ بات به ضَيْفٌ، فلم يكنْ عندَه إلا قوتُه وقوتُ صِبْيانِه، فقال لامْرأَتِه: نَوِّمي الصِّبْيةَ، وأَطْفِئي المصباحَ، وقرِّبي للضيفِ ما عندَك. قال: فنزَلت هذه الآيةُ (٦).

стр. 15194

﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: مَن وقاه اللَّهُ شُحَّ نفسِه، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ المُخَلَّدون في الجنةِ. والشُّحُّ في كلامِ العربِ: البُخْلُ ومَنْعُ الفَضْلِ من المالِ، ومنه قولُ عمرِو بنِ كُلثُومٍ (١): تَرَى اللَّحِزَ (٢) الشَّحِيحَ إِذا أُمِرَّتُ … عليه لمالِه فيها مُهِينا يعني بالشَّحِيحِ البَخِيلَ، يقالُ: إِنَّه لشَحِيحٌ بَيِّنُ الشُّحِّ والشَّحِّ. وفيه شَحَّةٌ شديدةٌ وشَحَاحَةٌ. وأما العلماءُ فإنهم يَرَوْن أنَّ الشُّحَّ في هذا الموضعِ إنما هو أَكْلُ أموالِ الناسِ بغيرِ حقٍّ. [ذكرُ من قال ذلك] (٣) حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا المسعوديُّ، عن أشعثَ، عن أبي الشَّعْثاءِ، عن أبيه، قال: أتى رجلٌ ابنَ مسعودٍ فقال: إني أخافُ أنْ أكونَ قد هلَكتُ. قال: وما ذاك؟ قال: أسمَعُ اللَّهَ يقولُ: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾، وأنا رجلٌ شَحِيحٌ، لا يَكادُ يَخْرُجُ مِن يَدِي شيءٌ. قال: ليس ذاك بالشُّحِّ الذي ذكَر اللَّهُ في القرآنِ (٤)؛ الشُّحُّ أنْ تأكُلَ مالَ أخيك ظلمًا، ذلك البُخْلُ، وبئس

стр. 15195

الشيءُ البُخْلُ. حدَّثني يحيى بنُ إبراهيمَ، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن جدِّه، عن الأعمشِ، عن جامعٍ، عن الأسودِ بنِ هلالٍ، قال: جاء رجلٌ إلى عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ، فقال: يا أبا عبدِ الرحمنِ، إني أخْشَى أنْ (١) تكونَ أصابَتْني هذه الآيةُ: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، واللَّهِ ما أُعْطِي شيئًا أَسْتَطِيعُ مَنْعَه. قال: ليس ذلك بالشُّحِّ، إنما الشُّحُّ أنْ تأكلَ مالَ أخيك بغيرِ حقِّه، ولكن ذلك البُخْلُ (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى وعبدُ الرحمنِ، قالا: ثنا سفيانُ، عن طارقِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن أبي الهَيَّاحِ الأَسَديِّ، قال: كنتُ أطوفُ بالبيتِ، فرأَيتُ رجلًا يقولُ: اللهمَّ قِني شُحَّ نفسي. لا يزيدُ على ذلك، فقلتُ له، فقال: إني إذا وُقِيتُ شُحَّ نفسِي لم أَسْرِقْ، ولم أَزْنِ، ولم أَفعَلْ شيئًا. وإذا الرجلُ عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ (٣). حدَّثني محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا سليمانُ بنُ عبدِ الرحمنِ الدِّمَشْقِيُّ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ عياشٍ، قال: ثنا مُجَمِّعُ بنُ جاريةَ الأنصاريُّ، عن عمِّه يزيدَ بنِ جاريةَ الأنصاريِّ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، عن رسولِ اللَّهِ ﷺ ، قال: "بَرِئَ مِن الشُّحِّ

стр. 15196

مَن أدَّى الزكاةَ، وقَرَى الضيفَ، وأَعْطَى في النائبةِ" (١). حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ عبدِ الحكمِ، قال: ثنا زِيادُ بنُ يونسَ أبو سلامةَ، عن نافعِ بنِ عمرَ المكيِّ، عن ابنِ أبي مُلَيْكةَ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عَمْرٍو (٢)، قال: إن نَجَوتُ مِن ثلاثٍ طَمِعْتُ أَن أَنْجُوَ. قال عبدُ اللَّهِ بنُ صفوانَ: ما هنَّ، أُنْبِيك فيهنَّ؟ قال: أُخْرِجُ المالَ العظيمَ، فأُحْرِزُه (٣) صُرَرًا (٤)، ثم أقولُ: أُقرِضُ ربي هذا (٥) الليلةَ. ثم تَعُودُ نفسِي فيه، حتى أُعِيدَه مِن حيثُ أَخْرجْتُه، وإن نَجَوْتُ مِن شَأْنِ عثمانَ. قال ابنُ صفوانَ: أما عثمانُ [فقُتِل يومَ قُتِل وأنت تُحِبُّ قَتْلَه وتَرْضاه، فأنت ممَّن قتَله] (٦)، وأما أنت فرَجُلٌ لم يَقِكَ اللَّهُ شُحَّ نفسِك. قال: صَدَقْتَ (٧). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللَّهِ : ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾. قال: مَن وُقِيَ شُحَّ نفسِه فلم يأخُذْ مِن الحرامِ شيئًا ولم يَقْرَبُه، ولم يَدْعُه الشُّحُّ أن يَحْبِسَ مِن الحلالِ شيئًا، فهو مِن المُفْلِحين، كما قال اللَّهُ . وحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَنْ

стр. 15197

يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾. قال: مَن لم يأْخُذْ شيئًا لشيءٍ نهاه اللَّهُ عنه، ولم يَدْعُه الشُّحُّ على أنْ يمنعَ شيئًا من شيءٍ أمَره اللَّهُ به، فقد وقاه شُحَّ نفسِه، فهو مِن المُفْلِحين (١). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: والذين جاءوا من بعدِ الذين تبوَّءوا الدارَ والإيمانَ مِن قبلِ المهاجرين الأوَّلين ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾. مِن الأنصارِ. وعُنِي بالذين جاءوا مِن بعدِهم المهاجرون، أنهم يَسْتَغْفِرون لإخوانِهم مِن الأنصارِ. وقولُه: ﴿وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ يعني: غِمْرًا (٢) وضِغْنًا. وقيل: عُنِي بالذين جاءُوا مِن بعدِهم: الذين أَسْلموا مِن بعدِ الذين تبوَّءُوا الدارَ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾. قال: الذين أَسْلموا نُعِتوا أيضًا (٣). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ثم ذكَر اللَّهُ الطائفةَ الثالثةَ، فقال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا

стр. 15198

وَلِإِخْوَانِنَا﴾، حتى بلَغ: ﴿إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ إنما أُمروا أن يَسْتَغْفِرُوا لأصحابِ النبيِّ ﷺ ولم يُؤْمَروا بسَبِّهم. وذُكِر لنا أنَّ غلامًا لحاطبِ بن أبي بَلْتعةَ جاء نبيَّ اللَّهِ ﷺ فقال: يا نبيَّ اللَّهِ، لَيَدْخُلَنَّ حاطبٌ في حيِّ النارِ. قال: "كَذَبْتَ، إنه شَهِد بدرًا والحُدَيْبيةَ". وذُكِر لنا أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ ﵁ أَغْلَظ لرجلٍ مِن أهلِ بدرٍ، فقال نبيُّ اللَّهِ ﷺ : "وما يُدْريك يا عمرُ؟ لَعَلَّه قد شَهِد مَشْهدًا اطَّلَع اللَّهُ فيه إلى أهلِه، فأَشْهَدَ ملائِكتَه: إنِّي قد رَضِيتُ عن عبادِي هؤلاءِ، فَلْيَعْمَلُوا ما شاءُوا". فما زال بعدَها (١) مُنْقَبِضًا من أهلِ بدرٍ، هائبًا لهم. وكان عمرُ ﵁ يقولُ: وإلى أهلِ بدرٍ تَهالك المُتَهالِكون. وهذا الحيُّ مِن الأنصارِ، أحسَن اللَّهُ عليهم الثناءَ (٢). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾. قال: لا تُورِثْ قلوبَنا غِلًّا لأحدٍ مِن أهلِ دينِك. حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن قيسِ بنِ مسلمٍ، عن ابنِ أبي ليلى، قال: كان الناسُ على ثلاثِ منازِلَ؛ المهاجرون الأوَّلون، والذين اتَّبَعُوهم بإحسانٍ، ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾، وأحسَنُ ما يكونُ أنْ نكونَ (٣) بهذه المَنْزِلَةِ (٤).

стр. 15199

وقولُه: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُهُ مُخْبِرًا عن قيلِ الذين جاءُوا مِن بعدِ الذين تبوَّءوا الدارَ والإيمانَ أنَّهم قالوا: لا تَجْعَلْ في قلوبِنا غِلًّا لأحدٍ من أهلِ الإيمانِ بك يا ربَّنا. وقولُه: ﴿إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. يقولُ: إنك ذو رأْفةٍ بخلْقِك، وذو رحمةٍ بمن تاب واسْتَغْفَر مِن ذنوبِه. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١١)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : ألم تَنْظُرْ بعينِ قلبِك يا محمدُ، فتَرَى إلى الذين نافَقوا، وهُم فيما ذُكِر؛ عبدُ اللَّهِ بنُ أُبيٍّ ابنُ سَلُولَ، ووَدِيعةُ، ومالكُ [بنُ أبي قَوْقلٍ] (١)، وسُويدٌ، وداعِسٌ، بَعَثوا إلى بني النَّضيرِ حينَ نزَل بهم رسولُ اللَّهِ ﷺ للحَرْبِ: أن اثْبُتُوا وتمنَّعوا، فإنا لن نُسْلِمَكم، وإنْ قوتِلْتم قاتَلْنا معكم، وإن أُخْرِجْتم (٢) خرَجْنا معكم. فتربَّصوا لذلك مِن نصرِهم، فلم يَفْعَلوا، وقذَف اللَّهُ في قلوبِهم الرعبَ، فسألوا رسولَ اللَّهِ ﷺ أن يُجْلِيَهم (٣) ويَكُفُّ عن دمائِهم، على أن لهم ما حمَلَت الإبلُ مِن أموالِهم إلا الحَلْقةَ. حدَّثنا بذلك ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، عن يزيدَ بنِ رُومانَ (٤).

стр. 15200

وقال مجاهدٌ في ذلك ما حدَّثني به محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا﴾. قال: عبدُ اللَّهِ بنُ أُبيٍّ ابنُ سَلُولَ، ورِفاعةُ أو رَافعةُ بنُ تابوتَ - وقال الحارثُ: رِفاعةُ بنُ تابوتَ، ولم يشكَّ فيه -، وعبدُ اللَّهِ بنُ نَبْتَلَ، وأَوْسُ بنُ قَيْظِيٍّ (١). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ، عن عكرمةَ أو عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا﴾. يعني عبدَ اللَّهِ بنَ أُبيٍّ وأصحابَه، ومن كان منهم على مِثلِ أَمْرِهم (٢). وقولُه: ﴿يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾. يعني بني النَّضيرِ. كما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ، عن عكرمةَ أو عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾. يعني بني النَّضيرِ (٢). وقولُه: ﴿لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ﴾. يقولُ: لئِن أُخْرِجْتم مِن ديارِكم ومنازِلكم، وأُجْلِيتم عنها، ﴿لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ﴾، فنُجْلَى عن منازِلنا وديارِنا معكم.

стр. 15201

وقولُه: ﴿وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا﴾. يقولُ: ولا نُطِيعُ أحدًا سأَلَنا خِذْلانَكم، وتَرْكَ نُصْرتِكم، ولكنا نكونُ معكم، ﴿وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾. يقولُ: وإن قاتَلكم محمدٌ ﷺ ومَن معه لنَنْصُرنَّكم معشرَ النَّضيرِ عليهم. وقولُه: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. يقولُ: واللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ هؤلاء المنافقين الذين وعَدُوا بني النَّضيرِ النُّصْرةَ على محمدٍ ﷺ ، ﴿لَكَاذِبُونَ﴾ في وَعْدِهم إيَّاهم ما وَعَدُوهم مِن ذلك. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (١٢)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: لئن أُخرِج بنو النَّضيرِ مِن ديارِهم، فأُجْلُوا عنها لا يَخْرُجُ معهم المنافقون الذين وعَدُوهم الخروجَ من ديارِهم، ولئِن قاتَلهم محمدٌ ﷺ لا يَنْصُرُهم المنافقون الذين وعَدُوهم النَّصرَ، ولئِن نَصَر المنافقون بني النَّضيرِ ليُولُّنَّ الأدبارَ مُنْهَزِمين عن محمدٍ ﷺ وأصحابِه، هاربين منهم قد خَذَلوهم، ﴿ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾. يقولُ: ثم لا يَنْصُرُ اللَّهُ بني النَّضيرِ على محمدٍ ﷺ وأصحابِه، بل يَخْذُلُهم. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (١٣) لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ (١) بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (١٤)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين به مِن أصحابِ رسولِ اللَّهِ ﷺ : لأَنْتُم أيُّها

стр. 15202

المؤمنون أشدُّ رهبةً في صدورِ اليهودِ مِن بني النَّضيرِ، ﴿مِنَ اللَّهِ﴾. يقولُ: هم يَرْهَبُونكم (١) أَشدَّ مِن رَهْبتِهم مِن اللَّهِ، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: هذه الرهبةُ التي لكم في صدورِ هؤلاءِ اليهودِ، التي هي أشدُّ مِن رهبتِهم مِن اللَّهِ، مِن أَجْلِ أنهم قومٌ لا يَفْقَهون قدرَ عظمةِ اللَّهِ؛ فهم لذلك يَسْتَخِفُّون بمعاصيه، ولا يَرْهَبُون عقابَه، قدرَ رهبتِهم (٢) منكم. وقولُه: ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: لا يُقاتِلُكم هؤلاء - يهودُ بني النَّضيرِ - مُجْتمِعين، إلا في قرًى مُحصَّنةٍ بالحصونِ، لا يَبْرُزُون لكم بالبَرازِ، ﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾. يقولُ: أو مِن خَلْفِ حيطانٍ. واختلَفتِ القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأَتْه عامةُ قرأةِ الكوفةِ والمدينةِ: ﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾ على الجِماعِ، بمعنى الحيطانِ. وقرَأه بعضُ قرأةِ مكةَ والبصرةِ: (مِنْ وَرَاءِ جِدَارٍ) على التوحيدِ، بمعنى الحائطِ (٣). والصوابُ مِن القولِ عندي في ذلك أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ وقولُه: ﴿بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: عداوةُ بعضِ هؤلاءِ الكفارِ مِن اليهودِ بعضًا شديدةٌ، ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا﴾. يعني المنافقين وأهلَ الكتابِ، يقولُ: تَظُنُّهم مُؤْتلفِين مُجْتَمِعةً كلمتُهم، ﴿وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾. يقولُ: وقلوبُهم مختلفةٌ؛ لمعاداةِ بعضِهم بعضًا.

стр. 15203

وقولُه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: هذا الذي وصَفْتُ لكم مِن أمرِ هؤلاءِ اليهودِ والمنافقين، وذلك تَشَتُّتُ أهوائِهم، ومعاداةُ بعضِهم بعضًا؛ مِن أَجْلِ أنهم قومٌ لا يَعْقِلون ما فيه الحظُّ لهم، مما فيه عليهم البَخْسُ والنَّقْصُ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾. قال: تَجِدُ أهلَ الباطلِ مختلفةً شهادتُهم، مختلفةً أهواؤُهم، مختلفةً أعمالُهم، وهم مُجْتَمِعون في عداوةِ أهلِ الحقِّ (١). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾. قال: المنافقون يُخالِفُ دينُهم دينَ النَّضيرِ (٢). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾. قال: هم المنافقون وأهلُ الكتابِ.

стр. 15204

قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، مثلَ ذلك حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن خُصيفٍ، عن مجاهدٍ: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾. قال: المشركون وأهلُ الكتابِ (١). وذُكر أنها في قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (وَقُلُوبُهُمْ أَشَتُّ) (٢)، بمعنى: أشدُّ تَشَتُّتًا. أي: أشدُّ اختلافًا. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٥) كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (١٦)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: مَثَلُ هؤلاءِ اليهودِ مِن بني النَّضيرِ والمنافقين فيما اللَّهُ صانعٌ بهم، من إحلالِ عقوبتِه بهم، ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾. يقولُ: كَشَبَهِهم. واختلَف أهلُ التأويلِ في الذين عُنُوا بالذين مِن قَبلِهم؛ فقال بعضُهم: عُنِي بذلك بنو قَيْنُقَاعٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ، عن عكرمةَ أو سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. يعني بني قَيْنُقاعٍ (٣).

стр. 15205

وقال آخرون: عُنِي بذلك مشركو قريشٍ ببدرٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾. قال: كفارِ قريشٍ (١). وأولى الأقوال بالصوابِ أنْ يقالَ: إنَّ اللَّهَ مَثَّل (٢) هؤلاءِ الكفارَ مِن أهلِ الكتابِ - مما (٣) هو مُذِيقُهم مِن نَكالِه - بالذين مِن قَبلِهم، مِن مُكذِّبي رسولِه ﷺ ، الذين أهلَكهم بسَخَطِه، وأمْرُ بني قَيْنُقاعٍ ووقْعَةُ بدرٍ كانا قبلَ جلاءِ بني النَّضيرِ، وكلُّ أولئك قد ذاقوا وبالَ أمرِهم، ولم يَخْصُصِ اللَّهُ منهم بعضًا في تمثيلِ هؤلاءِ بهم دونَ بعضٍ، وكلٌّ ذائقٌ وبالَ أَمرِه، فمن قَرُبَت مدَّتُه منهم قَبلَهم فهُم ممثَّلون بهم فيما عُنُوا به مِن المثَلِ. وقولُه: ﴿ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾. يقولُ: نالهم عقابُ اللَّهِ على كفرِهم به. وقولُه: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. يقولُ: ولهم في الآخرةِ مع ما نالهم في الدنيا مِن الخزِي، ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. يعني: مُوجِعٌ. وقولُه: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: مثَلُ هؤلاءِ المنافقين الذين

стр. 15206

وعَدوا اليهودَ من النَّضيرِ النُّصرةَ إنْ قُوتِلوا، أو الخُرُوجَ معهم إِنْ أُخْرِجُوا، ومَثَلُ النَّضيرِ في غرورِهم إيَّاهم بإخلافِهم الوعْدَ، وإسلامِهم إيَّاهم عندَ شدَّةِ حاجتِهم إليهم، وإلى نُصْرتِهم إيَّاهم - كمثَلِ الشيطانِ الذي غَرَّ إنسانًا، ووعَده على اتِّباعِه وكفرِه باللَّهِ، النُّصْرةَ عندَ حاجتِه (١) إليه، فكفَر باللَّهِ واتَّبَعه وأطاعه، فلما احتاج إلى نصْرتِه أسلَمه وتبرَّأ منه، وقال له: إني أخافُ اللَّهَ رَبَّ العالمين في نُصْرَتِك. وقد اختلَف أهلُ التأويلِ في الإنسانِ الذي قال اللَّهُ جَلَّ ثناؤُه: ﴿إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ﴾. أهو إنسانٌ بعينِه، أَمْ أُرِيد به المَثَلُ لمَن فعَل الشيطانُ ذلك به؟ فقال بعضُهم: عُنِي بذلك إنسانٌ بعينِه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا خلَّادُ بنُ أسلمَ، قال: ثنا النَّضْرُ بنُ شُمَيْلٍ، قال: أخبَرنا شعبةُ، عن أبي إسحاقَ، قال: سمِعتُ عبدَ اللَّهِ بنَ نَهِيكٍ، قال: سمِعتُ عليًّا ﵁ يقولُ: إنَّ راهبًا تعبَّد سِتِّين سنةً، وإنَّ الشيطانَ أراده فأَعْياه، فعَمَد إلى امرأةٍ فأَجَنَّها، ولها إخْوةٌ، وقال لإخْوتِها: عليكم بهذا القِسِّ فيُداوِيَها. فجاءوا بها، قال: فداواها، وكانت عندَه، فبينما هو يومًا عندَها إذ أَعْجَبَتْه، فأتاها فحَمَلت، فعَمَد إليها فقتَلها، فجاء إخوتُها، فقال الشيطانُ للراهبِ: أنا صاحبُك، إنك أَعْيَيْتَني، أنا صنَعْتُ بك هذا فَأَطِعْني أُنْجِك مما صنَعْتُ بك، اسْجُدْ لي سجدةً. فسجَد له، فلمَّا سجَد له، قال: إني بَرِيءٌ منك، إني أخافُ اللَّهَ رَبَّ العالمين. فذلك قولُه: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢).

стр. 15207

حدَّثني يحيى بنُ إبراهيمَ المسعوديُّ، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن جدِّه، عن الأعمشِ، عن عُمارةَ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ يزيدَ (١)، عن عبدِ اللَّهِ بن مسعودٍ في هذه الآيةِ: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾. قال: كانت امرأةٌ تَرْعَى الغنمَ، وكان لها أربعةُ إخوةٍ، وكانت تَأْوِي بالليلِ إلى صومعةِ راهبٍ. قال: فنزَل الراهبُ، ففجَر بها، فحمَلَت، فأَتاه الشيطانُ، فقال له: اقْتُلْها ثم ادفِنْها، فإنك رجلٌ مُصَدَّقٌ يُسْمَعُ قولُك (٢). فقتَلها ثم دفَنها، قال: فأتى الشيطانُ إخوتَها في المنامِ، فقال لهم: إن الراهبَ صاحبَ الصومعةِ فجَر بأُخْتِكم، فلمَّا أَحْبَلها قتَلها، ثم دفَنها في مكانِ كذا وكذا. فلما أَصْبَحوا قال رجلٌ منهم: واللَّهِ لقد رأَيْتُ البارحةَ رُؤْيا ما أَدْرِي أَقُصُّها عليكم أم أترُكُ؟ قالوا: لا، بل قُصَّها علينا. قال: فقصَّها، فقال الآخرُ: وأنا واللَّهِ، لقد رأيتُ ذلك. قالوا (٣): فما هذا إلا لشيءٍ. فانْطَلَقُوا فَاسْتَعْدَوْا مَلِكَهم على ذلك الراهبِ، فأَتَوه، فأنزَلوه ثم انْطَلَقوا به، فلَقِيَه الشيطانُ فقال: إني أنا الذي أَوْقَعْتُك في هذا، ولن يُنْجِيَك منه غيري، فاسجُدْ لي سجدةً واحدةً وأنا أُنْجِيك مما أوْقَعْتُك فيه. قال: فسجَد له، فلما أَتَوا به مَلِكَهم تبرَّأ منه، وأُخِذ فقُتِل (٤).

стр. 15208

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ﴾ إلى: ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾. قال عبدُ اللَّهِ بنُ عباسٍ: كان راهبٌ مِن بني إسرائيلَ يعبُدُ اللَّهَ فيُحسِنُ عبادتَه، وكان يُؤْتَى مِن كلِّ أرضٍ فيُسْئلُ عن الفقهِ، وكان عالمًا، وإنَّ ثلاثةَ إخوةٍ كانت لهم أختٌ حسنةٌ مِن أحسنِ الناسِ، وإنَّهم أرادوا أن يُسافِروا، فكبُر عليهم أن يُخلِفوها ضائعةً، فجعَلوا يَأْتَمرون ما يفعَلون بها، فقال أحدُهم: أدُلُّكم على مَن تَتْرُكونها عندَه؟ قالوا: مَن هو؟ قال: راهبُ بني إسرائيلَ؛ إن ماتت [قام عليها] (١)، وإن عاشت حَفِظها حتى تَرْجِعوا إليه. فعَمَدوا إليه فقالوا: إنا نريدُ السفرَ، ولا نجدُ أحدًا أوثقَ في أنفسِنا، ولا أحفَظَ لما وُلِّي منك لما جُعِل عندك، فإِنْ رأَيْتَ أنْ نجعَلَ أُخْتَنا عندَك، فإنها ضائعةٌ شديدةُ الوَجَعِ، فإن ماتَتْ فقُمْ عليها، وإن عاشَتْ فأَصْلِحْ إليها حتى نرجِعَ. فقال: أَكْفِيكُم إن شاء اللَّهُ. فَانْطَلَقوا، فقام عليها فداواها حتى بَرَأَتْ، وعاد إليها حسنُها، فاطَّلَع إليها، فوجَدها مُتَصَنِّعةً، فلم يَزَلْ به الشيطانُ يُزَيِّنُ له أنْ يَقَعَ عليها حتى وقَع عليها، فحمَلَتْ، ثم ندَّمه الشيطانُ، فزَيَّن له قَتْلَها، قال: إنْ لم تَقْتُلُها افْتَضَحْتَ، وعُرِف شَبَهُك في الولدِ، فلم يكنْ لك معذرةٌ. فلم يَزَلْ به حتى قتَلها، فلما قَدِم إخوتُها [سأَلوه ما فعَلْتَ؟ قال: ماتت فدَفَنْتُها] (٢). قالوا: قد أَحْسَنْتَ. ثم جعَلُوا يَرَوْن في المنامِ، ويُخْبَرون أنَّ الراهبَ هو قتَلها، وأنها تحتَ شجرةِ كذا وكذا، فعَمَدوا إلى الشجرةِ، فوجَدوها تحتَها قد قُتِلَت، فعَمَدوا إليه فأَخَذوه، فقال له الشيطانُ: أنا زيَّنْتُ لك الزنا وقَتْلَها بعدَ الزنا، فهل لك أن أُنْجِيَك؟ قال: نعم. قال: أَفَتُطِيعُني؟ قال: نعم. قال: فاسْجُدْ لي سَجْدَةً واحدةً. فسجَد له ثم قُتِل. فذلك قولُه: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي

стр. 15209

بَرِيءٌ مِنْكَ﴾ الآية (١). حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن ابنِ طاوسٍ، عن أبيه، قال: كان رجلٌ مِن بني إسرائيلَ عابدًا، وكان ربما داوى المجانينَ، فكانت امرأةٌ جميلةٌ، فأَخَذها الجنونُ، فجِيء بها إليه، فتُرِكَتْ عندَه، فأَعجَبَتْه، فوقَع عليها فحمَلت، فجاءه الشيطانُ فقال: إِنْ عُلِم بهذا افْتَضَحْتَ، فاقْتُلْها وادفِنْها في بيتِك. فقَتَلها ودفَنَها (٢)، [فجاء أهلُها بعدَ ذلك بزمانٍ يسألونه، فقال: ماتَتْ. فلم يَتَّهِمُوه لصلاحِه فيهم، فجاءهم الشيطانُ] (٣) فقال: إنها لم تَمُتْ، ولكنه وقَع عليها، فقتَلها ودفنَها في بيتِه، في مكانِ كذا وكذا. فجاء أهلُها، فقالوا: ما نَتَّهِمُك، فأَخْبِرْنا أين دفَنتَها، ومَن كان معك؟ فوجَدوها حيثُ دفَنها، فأُخِذ وسُجِن، فجاءه الشيطانُ فقال: إنْ كنتَ تريدُ أنْ أُخْرِجَك مما أنت فيه، فتخرُجَ، فاكْفُرْ بِاللَّهِ. فأَطاع الشيطانَ وكفَر باللَّهِ، فأُخِذ وقُتِل، فتبرَّأ الشيطانُ منه حينَئذٍ، قال: فما أَعْلَمُ هذه الآيةَ إلا نزَلت فيه: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ (٤). وقال آخرون: بل عُنِي بذلك الناسُ كلُّهم. وقالوا: إنما هذا مثلٌ ضُرِب للنَّضيرِ في غرورِ المنافقين إيَّاهم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني

стр. 15210

الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ﴾: عامةُ الناسِ (١). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (١٧) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فكان عُقْبى أمرِ الشيطانِ والإنسانِ الذي أطاعه، فكفَر باللَّهِ، أَنَّهما خالدان في النارِ، ماكثان فيها أبدًا، ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾. يقولُ: وذلك ثوابُ اليهودِ مِن النضيرِ، والمنافقين الذين وعَدُوهم النصرةَ، وكلِّ كافرٍ باللَّهِ، ظالمٍ لنفسِه على كفرِه به، أنهم في النارِ مُخَلَّدون. واختلَف أهلُ العربيةِ في وجْهِ نصبِ قولِه: ﴿خَالِدَيْنِ فِيهَا﴾؛ فقال بعضُ نحويِّي البصرةِ: نُصِب على الحالِ، و ﴿فِي النَّارِ﴾: الخبرُ، قال: ولو كان في الكلامِ لكان الرفعُ أجودَ في ﴿خَالِدَيْنِ﴾. قال: وليس قولُهم: إذا جئتَ مرَّتين. فهو نصبٌ لشيءٍ، إنما فيها توكيدٌ، جئتَ بها أو لم تَجِئْ بها، فهو سواءٌ، إلا أنَّ العربَ كثيرًا ما تَجْعَلُه حالًا إذا كان فيها للتوكيدِ وما أشبهه في غيرِ مكانٍ، قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [البينة: ٦]. وقال بعضُ نحويِّي الكوفةِ (٢): في قراءةِ عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ: (فَكَانَ عاقِبَتُهُمَا أَنَّهُمَا (٣) خَالِدَان (٤) [فِي النَّارِ)] (٥). قال: وفي ﴿أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ

стр. 15211

فِيهَا﴾. نصبٌ؛ قال: ولا أَشْتَهِي الرفعَ وإن كان يجوزُ، فإذا رأيتَ الفعلَ بين صِفَتَيْن قد عادَت إحداهما على موضعِ الأخرى نَصَبْتَ، فهذا من ذلك. قال: ومثلُه في الكلامِ قولُكَ: مررتُ برجلٍ على بابِه (١) مُتَحَمِّلًا به. ومثلُه قولُ الشاعرِ (٢): والزَّعْفَرانُ على تَرائِبِها … شَرِقًا به اللَّبَّاتُ والنَّحْرُ لأنَّ الترائبَ هي اللَّبَّاتُ ههنا، فعادت الصفةُ باسمِها الذي وقَعَت عليه، فإذا اختلَفتِ الصفتان جاز الرفعُ والنصبُ على حُسْنٍ؛ مِن ذلك قولُك: عبدُ اللَّهِ في الدارِ راغبٌ فيك. ألا تَرَى أنَّ "في" التي في الدارِ مخالفةٌ لـ "في" التي تكونُ في الرغبةِ، قال: والحجةُ ما يُعرَفُ به النصبُ مِن الرفعِ أنْ لا تَرَى الصفةَ الآخرةَ تَتَقدَّمُ قبلَ الأولى؛ ألا تَرَى أنك تقولُ: هذا أخوك (٣) [في يدِه درهمٌ قابضًا عليه. فلو قُلْتَ: هذا أخوك] (٤) قابضًا عليه في يدِه درهمٌ. لم يَجُزْ، ألا تَرَى أنك تقولُ: هذا رجلٌ قائمٌ إلى زيدٍ في يدِه درهمٌ. فهذا يدُلُّ على (٥) المنصوبِ إذا امتَنَع تقديمُ الآخرِ، ويدُلُّ على الرفعِ إذا سَهُل تقديمُ الآخرِ. وقولُه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يا أيُّها الذين صدَّقوا اللَّهَ ووحَّدُوه، اتَّقوا اللَّهَ بأداءِ فرائضِه، واجتنابِ معاصيه وقولُه: ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾. يقولُ: وليَنْظُرْ أحدُكم ما قدَّم ليومِ القيامةِ مِن الأعمالِ، أَمِن الصالحاتِ التي تُنْجِيه أم من السيئاتِ التي تُوبِقُه؟

стр. 15212

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾: ما زال ربُّكم يُقرِّبُ الساعةَ حتى جعَلها كغدٍ، وغدٌ يومُ القيامةِ. حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾. يعني يومَ القيامةِ (١). حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾. يعني يومَ القيامةِ. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ، وقرَأ قولَ اللَّهِ : ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾. يعني يومَ القيامةِ؛ الخيرَ والشرَّ، قال: والأمسُ في الدنيا، وغدٌ في الآخرِة. وقرَأ: ﴿كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ [يونس: ٢٤]. قال: كأن لم تَكُنْ في الدنيا (٢). وقولُه: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾. يقولُ: وخافوا اللَّهَ بأداءِ فرائضِه، واجتنابِ معاصيه، ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. يقولُ: إِنَّ اللَّهَ ذو خبرةٍ وعلمٍ بأعمالِكم خيرِها وشرِّها، لا يَخْفَى عليه منها شيءٌ، وهو مجازِيكم على جميعِها القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ

стр. 15213

أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (١٩)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولا تكونوا كالذين تَرَكوا أداءَ حقِّ اللَّهِ الذي أَوْجَبه عليهم ﴿فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾. يقولُ: فأَنْساهم اللَّهُ حظوظَ أنفسِهم من الخيراتِ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾. قال: نَسُوا حقَّ اللَّهِ، ﴿فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾. قال: حظَّ أنفسِهم (١). وقولُه: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: هؤلاء الذين نَسُوا اللَّهَ، ﴿هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. يعني: الخارجون من طاعةِ اللَّهِ إلى معصيتِه. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: لا يَعْتَدِلُ أهلُ النارِ وأهلُ الجنةِ، أهلُ الجنةِ هم الفائزون، يعني أنَّهم المُدْرِكون ما طلَبوا وأرادوا، والناجون مما حَذِروا. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٢١)﴾. وقولُه: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ

стр. 15214

اللَّهِ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: لو أنزَلنا هذا القرآنَ على جبلٍ - وهو حجرٌ - لرأَيْتَه [يا محمدُ] (١)، ﴿خَاشِعًا﴾. يقولُ: متذلِّلًا، ﴿مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ على قساوتِه، حَذَرًا مِن ألا يُؤدِّيَ حقَّ اللَّهِ المُفْتَرَضَ (٢) في تعظيمِ القرآنِ، وقد أُنزِل على ابنِ آدمَ، وهو بحقِّه مُستَخِفٌّ، وعنه و (٣) عما فيه من العِبَرِ والذكْرِ مُعْرِضٌ، كأنْ لم يَسْمَعْها، كأَنَّ في أُذُنَيه وقرًا. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ إلى قولِه: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾. قال: يقولُ: لو أني أنزَلتُ هذا القرآنَ على جبلٍ حمَّلْتُه إِيَّاه، تَصَدَّع وخشَع مِن ثِقَلِه ومِن خشيةِ اللَّهِ. فأمَر اللَّهُ الناسَ إذا أُنزِل عليهم القرآنُ، أنْ يأْخُذُوه بالخشيةِ الشديدةِ والتَّخَشُّعِ. قال: كذلِك يَضْرِبُ اللَّهُ الأمثالَ للنَّاسِ لَعَلَّهم يتفَكَّرون (٤). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ الآية: يَعْذِرُ اللَّهُ الجبلَ الأصمَّ، ولم يَعْذِرْ شَقِيَّ ابنِ آدمَ، هل رأَيْتم أحدًا قطُّ تصدَّعَتْ

стр. 15215

جوانِحُه (١) مِن خشيةِ اللَّهِ (٢)؟! [وقولُه] (٣): ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وهذه الأشياءُ تُشَبِّهُها للناسِ. وذلك تعريفُه جلَّ ثناؤُه إيَّاهم أنَّ الجبالَ أشدُّ تعظيمًا لحقِّه منهم مع [قساوتِها وصلابتِها] (٤). وقولُه: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾. يقولُ: يضربُ اللَّهُ لهم هذه الأمثالَ ليتفكَّروا فيها، فيُنِيبوا وينقادوا للحقِّ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢)﴾. يعني (٥) تعالى ذكرُه: الذي يَتَصَدَّعُ مِن خشيتِه الجبلُ أيُّها الناسُ، هو المعبودُ الذي لا تَنْبغي العبادةُ والألوهةُ إلا له، عالمُ غيبِ السماواتِ والأرضِ، وشاهدُ ما فيها مما (٦) يُرى ويُحَسُّ، ﴿هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾. يقولُ: هو رحمنُ الدنيا والآخرةِ، رحيمٌ بأهلِ الإيمانِ به. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣)﴾.

стр. 15216

يقولُ تعالى ذكرُه: هو المعبودُ الذي لا تصلُحُ العبادةُ إلا له، المَلِكُ الذي لا مَلِكَ فوقَه، ولا شيءَ إلا دونَه، ﴿الْقُدُّوسُ﴾. قيل: هو المباركُ. وقد بيَّنتُ فيما مضى قبلُ معنى التقديسِ بشواهدِه، وذكرتُ اختلافَ المختلفِين فيه بما أَغْنى عن إعادتِه (١). ذكرُ مَن قال: عُنِي به المباركُ حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿الْقُدُّوسُ﴾. أي: المباركُ (٢). وقولُه: ﴿السَّلَامُ﴾. يقولُ: هو الذي يَسْلَمُ خَلْقُه مِن ظُلْمِه. وهو اسمٌ مِن أسمائِه. كما حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿السَّلَامُ﴾. اللَّهُ السلامُ (٣). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ، يعني العَتَكِيَّ، عن جابرِ بنِ زيدٍ قولَه: ﴿السَّلَامُ﴾. قال: هو اللَّهُ. وقد ذكرْتُ الروايةَ فيما مضى، وبيَّنتُ معناه بشواهدِه، فأَغْنى ذلك عن إعادتِه (٤).

стр. 15217

وقولُه: ﴿الْمُؤْمِنُ﴾. يعني بالمؤمنِ الذي يُؤمِّنُ خَلْقَه مِن ظُلْمِهِ. وكان قتادةُ يقولُ في ذلك ما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿الْمُؤْمِنُ﴾: آمن لقولِه أنه حقٌّ (١). حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿الْمُؤْمِنُ﴾: آمَن (٢) لقولِه (٣). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿الْمُؤْمِنُ﴾. قال: المُصدِّقُ. حدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿الْمُؤْمِنُ﴾. قال: المؤمنُ المُصَدِّقُ المُوقِنُ؛ آمن الناسُ بربِّهم (٤) فسمَّاهم مؤمنين، وآمن الربُّ الكريمُ لهم بإيمانِهم؛ صدَّقهم أن يسمِّي بذلك الاسمِ (٥). وقولُه: ﴿الْمُهَيْمِنُ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: المهيمنُ: الشهيدُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ

стр. 15218

في قولِه: ﴿الْمُهَيْمِنُ﴾. قال: الشهيدُ (١). وقال مرَّةً أخرى: الأمينُ (٢). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿الْمُهَيْمِنُ﴾. قال: الشهيدُ (٣). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿الْمُهَيْمِنُ﴾. قال: أنزَل اللَّهُ كتابًا فشَهِد عليه (٤). حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿الْمُهَيْمِنُ﴾. قال: الشهيدُ عليه (٥). وقال آخرون: ﴿الْمُهَيْمِنُ﴾: الأمينُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿الْمُهَيْمِنُ﴾: الأمينُ (٦). وقال آخرون: ﴿الْمُهَيْمِنُ﴾: المصدِّقُ.

стр. 15219

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿الْمُهَيْمِنُ﴾. قال: المُصدِّقُ لكلِّ ما حدَث. وقرَأ: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾. قال: فالقرآنُ مُصدِّقٌ على ما قبلَه مِن الكتبِ، واللَّهُ مصدِّقٌ في كلِّ ما حدَّث عما مضى مِن الدنيا، وما بَقِي، وما حدَّث عن الآخرةِ (١). وقد بيَّنتُ أولى هذه الأقوالِ بالصوابِ فيما مضى قبلُ في سورةِ "المائدةِ"، بالعللِ الدالةِ على صحتِه، فأَغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (٢). وقولُه: ﴿الْعَزِيزُ﴾: الشديدُ في انتقامِه، ممَّن انتقم مِن أعدائِه. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿الْعَزِيزُ﴾ (٣): في نقمتِه إِذا انْتَقم. حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿الْعَزِيزُ﴾: في نقمتِه إِذا انْتَقَم (٤). وقولُه: ﴿الْجَبَّارُ﴾. يعني: المُصْلِحُ أمورَ خَلْقِه، المُصرِّفُهم فيما فيه صلاحُهم. وكان قتادةُ يقولُ: جَبَر خَلْقَه على ما يشاءُ مِن أمرِه. حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿الْجَبَّارُ﴾. قال: جَبَر خَلْقَه على ما يشاءُ (٤).

стр. 15220

وقولُه: ﴿الْمُتَكَبِّرُ﴾. قيل: عُنِي به أنه تكبَّر عن كلِّ شرٍّ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿الْمُتَكَبِّرُ﴾. قال: تكبَّر عن كلِّ شرٍّ. حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ مثلَه (١). حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، قال: أخبَرنا أبو رجاءٍ، قال: ثنى رجلٌ، عن جابرِ بنِ زيدٍ، قال: إِنَّ اسمَ اللَّهِ الأعظمَ هو اللَّهُ، أَلم تَسْمَعْ يَقولُ: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ (٢). [وقولُه] (٣): ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. يقولُ: تبرئةً للَّهِ وتنزيهًا له عن شركِ المشركين به القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: هو المعبودُ الخالقُ، الذي لا معبودَ تصلُحُ له العبادةُ غيرُه، ولا خالقَ سِواه، البارئُ الذي بَرَأ الخلْقَ، فأوجَدهم بقدرتِه، المصوِّرُ خَلْقَه كيف شاء، وكيف يشاءُ.

стр. 15221

وقولُه: ﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: للَّهِ الأسماءُ الحسنى، وهي هذه الأسماءُ التي سمَّى اللَّهُ بها نفسَه، التي ذكَرها في هاتين الآيتين، ﴿يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. يقولُ: يسبِّحُ (١) له جميعُ ما في السماواتِ والأرضِ، ويسجُدون (٢) له طوعًا وكرهًا، ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾. يقولُ: وهو الشديدُ الانتقامِ من أعدائِه، ﴿الْحَكِيمُ﴾ في تدبيرِه خَلْقَه، وصرفِهم فيما فيه صلاحُهم. آخرُ تفسيرِ سورةِ "الحشرِ"

стр. 15222

تفسيرُ سورةِ "الممتحنةِ" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١)﴾. قال أبو جعفرٍ: يقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين به مِن أصحابِ رسولِ اللَّه ﷺ : يأيُّها الذين آمنوا لا تتخِذُوا عدوِّي مِن المشركين وعدوَّكم، ﴿أَوْلِيَاءَ﴾. يعني: أنصارًا. وقولُه: ﴿تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: تُلْقون إليهم مودَّتَكم إيَّاهم. ودخولُ الباءِ في قولِه: ﴿بِالْمَوَدَّةِ﴾، وسقوطُها سواءٌ، [وهو] (١) نظيرُ قولِ القائلِ: أريدُ بأن تذهبَ. و: أريدُ أن تذهبَ. سواءٌ، وكقولِه: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ [الحج: ٢٥]. والمعنى: ومَن يُرِدْ فيه إلحادًا بظلمٍ. ومن ذلك قولُ الشاعرِ (٢): فَلَمَّا رَجَتْ بالشُّربِ هزَّ لَها العَصَا (٣) … شَحِيحٌ له عندَ الإزاءِ نَهيمُ بمعنى: فلما رَجَت الشُّرْبَ.

стр. 15223

﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾. يقولُ: وقد كفَر هؤلاء المشركون الذين نهيتُكم أن تتَّخِذُوهم أولياءَ بما جاءكم من عندِ اللَّهِ من الحقِّ. وذلك كفرُهم باللَّهِ ورسولِه، وكتابِه الذي أنزَله على رسولِه. وقولُه: ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: يُخْرِجون رسولَ اللَّهِ وإيَّاكم. بمعنى: ويُخْرِجونكم أيضًا من ديارِكم وأرضِكم. وذلك إخراجُ مشركي قريشٍ رسولَ اللَّهِ ﷺ وأصحابَه مِن مكةَ. وقولُه: ﴿أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: يُخْرِجون الرسولَ وإيَّاكم من ديارِكم لأنْ آمنتم باللَّهِ. وقولُه: ﴿إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي﴾ مِن المؤخَّرِ الذي معناه التقديمُ، ووجْهُ الكلامِ: يأيُّها الذين آمنوا لا تتَّخِذوا عدوِّي وعدوَّكم أولياءَ تُلْقون إليهم بالمودَّةِ، وقد كفَروا بما جاءكم من الحقِّ إن كنتم خرَجْتم جهادًا في سبيلي وابتغاءَ مرضاتي، يخرِجون الرسولَ وإياكم أن تؤمنوا باللَّهِ ربِّكم. ويعني بقولِه تعالى ذكرُه: ﴿إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي﴾: إن كنتم خرَجْتم مِن ديارِكم، فهاجَرْتم منها إلى مُهاجَرِكم للجهادِ في طريقي الذي شرعْتُه لكم، وديني الذي أمَرْتُكم به، والتماسِ مرضاتي. وقولُه: ﴿تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين مِن أصحابِ رسولِ اللَّهِ ﷺ : تُسِرُّون أيُّها المؤمنون بالمودَّةِ إلى المشركين باللَّهِ، ﴿وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ﴾. يقولُ: وأنا أعلمُ منكم بما أَخْفى بعضُكم مِن بعضٍ، فأَسرَّه منه، ﴿وَمَا أَعْلَنْتُمْ﴾. يقولُ: وأعلمُ أيضًا منكم ما أَعْلَنه بعضُكم لبعضٍ، ﴿وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: ومَن يُسِرَّ منكم إلى المشركين بالمودَّةِ أيُّها المؤمنون ﴿فَقَدْ ضَلَّ﴾. يقولُ: فقد جار عن قصدِ السبيلِ التي جعَلها اللَّهُ طريقًا

стр. 15224

إلى الجنةِ ومحجةً إليها. وذُكر أنَّ هذه الآياتِ مِن أوَّلِ هذه السورةِ نزَلت في شأنِ حاطبِ بنِ أبي بلتعةَ، وكان كتَب إلى قريشٍ بمكةَ يُطْلِعُهم على أمرٍ كان رسولُ اللَّهِ ﷺ قد أَخْفاه عنهم، وبذلك جاءت الآثارُ والروايةُ عن جماعةٍ مِن أصحابِ رسولِ اللَّه ﷺ وغيرِهم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عبيدُ بنُ إسماعيلَ الهباريُّ والفضلُ بنُ الصباحِ، قالا: ثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، عن حسنِ بنِ محمدِ بنِ عليٍّ، أخبَرني عبيدُ اللَّهِ بنُ أبي رافعٍ، قال: سمعتُ عليًّا ﵁ يقولُ: بعثني رسولُ اللَّهِ ﷺ أنا والزُّبيرَ بنَ العوَّامِ والمِقْدادَ - قال الفضلُ: قال سفيانُ: نفرٌ من المهاجرين - فقال: "انْطلِقوا حتى تأْتوا روضةَ خاخٍ، فإن بها ظَعينةً معها كتابٌ، فخذوه منها". فانْطلَقْنا تَتَعادى بنا خيْلُنا، حتى انتهَيْنا إلى الروضةِ، فوجَدْنا امرأةً، فقلنا: أَخْرِجِي الكتابَ. قالت: ليس معي كتابٌ. قلنا: لتُخْرِجنَّ الكتابَ، أو لنُلْقِيَّن الثيابَ. فَأَخْرَجَتْه مِن عِقاصِها، وأخَذْنا الكتابَ، فانطلقنا به إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ ، فإذا فيه: مِن حاطبِ بنِ أبي بلتعةَ إلى ناسٍ بمكةَ يخبرُهم ببعضِ أمرِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "يا حاطِبُ، ما هذا؟ ". قال: يا رسولَ اللَّهِ، لا تَعْجَلْ عليَّ، كنتُ امرأً مُلْصَقًا في قريشٍ، ولم يكنْ لي فيهم قرابةٌ، وكان مَن معك مِن المهاجرين لهم قراباتٌ يَحْمون أهليهم بمكةَ، فأحْبَبْتُ إذ فاتني ذلك مِن النسبِ، أنْ أتَّخِذَ فيها يدًا يَحْمون بها قرابتي، وما فعَلتُ ذلك كفرًا ولا ارْتِدادًا عن ديني، ولا رضًا بالكفرِ بعدَ الإسلامِ. فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "قد صَدَقَكم". فقال عمرُ: يا رسولَ اللَّهِ، دعني أضْرِبْ عنقَ هذا المنافقِ. فقال: "إنَّه قد شَهِد بدرًا، وما يُدْريك لعلَّ اللَّهَ

стр. 15225

قد اطَّلَع على أهلِ بدرٍ فقال: اعْمَلوا ما شِئْتم، فقد غفَرْتُ لكم". زاد الفضلُ في حديثِه: قال سفيانُ: ونزَلت فيه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ إلى قولِه: ﴿حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ (١). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن أبي سنانٍ سعيدِ بنِ سنانٍ، عن عمرِو بنِ مرَّةَ الجَمَليِّ، عن أبي البَخْتَريِّ الطائيِّ، عن الحارثِ، عن عليٍّ ﵁، قال: لما أراد النبيُّ ﷺ أن يأتيَ مكة، أسرَّ إلى ناسٍ من أصحابِه أنه يريدُ مكةَ، فيهم حاطبُ بنُ أبي بلتعةَ، وأفشَى في الناسِ أنه يريدُ خيبرَ، فكتَب حاطبُ بنُ أبي بلتعةَ إلى أهلِ مكةَ أنَّ النبيَّ ﷺ يريدُكم. قال: فبعَثني النبيُّ ﷺ وأبا مَرْثَدٍ، وليس منا رجلٌ إلا وعندَه فرسٌ، فقال: "ائتوا روضةَ خاخٍ، فإنكم ستَلْقَون بها امرأةً ومعها كِتابٌ، فخُذُوه منها". فَانْطَلَقْنا حتى رأَيْناها بالمكانِ الذي ذكَر النبيُّ ﷺ ، فقلنا: هاتي الكتابَ. فقالت: ما معي كتابٌ. فوضَعْنا متاعَها وفتَّشْنا، فلم نَجِدْه في متاعِها، فقال أبو مَرْثَدٍ: لعله ألا يكونَ معها. فقلتُ: ما كذَب النبيُّ ﷺ ولا كُذِب. فقلنا لها (٢): أَخْرجِي الكتابَ، وإلا عرَّيْناكِ. قال عمرُو بنُ مرَّةَ: فَأَخْرَجَتْه من حُجْزَتِها. وقال حبيبٌ: أَخْرَجَتْه من قُبُلِهَا. فأتيْنا به النبيَّ ﷺ ، فإذا الكتابُ مِن حاطبِ بنِ أبي بلتعةَ إلى أهلِ مكةَ، فقام عمرُ فقال: خان اللَّهَ ورسولَه، ائذَنْ لِي أَضْرِبْ عنقَه. فقال

стр. 15226

النبيُّ ﷺ : "أليس قد شَهِد بدرًا؟ ". قال: بلى، ولكنه قد نكَث وظاهَر أعداءَك عليك. فقال النبيُّ ﷺ : "فلعل اللَّهَ قد (١) اطَّلَع على أهلِ بدرٍ فقال: اعْمَلوا ما شِئْتم". ففاضَتْ عينا عمرَ، وقال: اللَّهُ ورسولُه أعلمُ. فأَرْسَل إلى حاطبٍ، فقال: "ما حمَلك على ما صنَعْتَ؟ ". فقال: يا نبيَّ اللَّهِ، إني كنتُ امرأً مُلْصَقًا في قريشٍ، وكان لي بها أهلٌ ومالٌ، ولم يكنْ مِن أصحابِك أحدٌ إلا وله بمكةَ مَن يمنَعُ أهلَه ومالَه، فكتبْتُ إليهم، فذلك، واللَّهِ يا نبيَّ اللَّهِ إني لمؤمنٌ باللَّهِ وبرسولِه. فقال النبيُّ ﷺ : "صدَق حاطبٌ، فلا تقولوا لحاطبٍ إلا خيرًا". فقال حبيبُ بنُ أَبي ثابتٍ: فأَنزَل اللَّهُ : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ﴾ الآية (٢). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنا عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ إلى آخرِ الآيةِ: نزَلت في رجلٍ كان مع النبيِّ ﷺ بالمدينةِ مِن قريشٍ، كتَب إلى أهلِه وعشيرتِه بمكةَ يخبِرُهم وينذِرُهم أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ سائرٌ إليهم، فأُخْبِر رسولُ اللَّهِ ﷺ بصحيفتِه، فبعَث إليها عليَّ بنَ أبي طالبٍ ﵁، فأتاه بها (٣). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ جعفرِ بنِ الزُّبيرِ، عن عروةَ بنِ الزبيرِ وغيرِه مِن علمائِنا، قالوا: لما أجمَع رسولُ اللَّهِ ﷺ السيرَ إلى مكةَ، كتَب حاطبُ بنُ أبي بلتعةَ كتابًا إلى قريشٍ يخبرُهم بالذي أَجْمَع عليه رسولُ اللَّهِ ﷺ مِن الأمرِ في السيرِ إليهم، ثم أَعْطاه امرأةً - يزعُمُ

стр. 15227

محمدُ بنُ جعفرٍ أنَّها مِن مُزَيْنَةَ، وزعَم غيرُه أَنَّها سارَةُ؛ مولاةٌ لبعضِ بنِي عبدِ المطلبِ - وجعَل لها جُعْلًا على أن تُبلِّغَه قريشًا، فجعَلتْه في رأسِها، ثم فتَلتْ عليه قرونَها، ثم خرَجَتْ به، وأتى رسولَ اللَّهِ ﷺ الخبرُ مِن السماءِ بما صنَع حاطبٌ، فبعَث عليَّ بنَ أبي طالبٍ والزُّبيرَ بنَ العوَّامِ ﵄، فقال: "أَدْرِكا امرأةً قد كتَب معها حاطبٌ بكتابٍ إلى قريشٍ، يُحذِّرُهم ما قد اجْتَمَعْنا له في أَمْرِهم". فخرَجا حتى أَدْرَكاها بالحُليفةِ (١)؛ حُلَيفةِ ابنِ أبي أحمدَ، فاستَنْزَلاها، فالتمَسا في رَحْلِها، فلم يَجِدا شيئًا، فقال لها عليُّ بنُ أبى طالبٍ ﵁: إني أحلِفُ باللَّهِ ما كذب رسولُ اللَّهِ ﷺ ولا كذبنا، ولتُخْرِجِنَّ إليَّ هذا الكتابَ، أو لنَكْشِفَنَّكِ. فلمَّا رأَت الجِدَّ منه قالت: أَعْرِضْ عني. فأَعْرَض عنها، فحلَّتْ قرونَ رأسِها، فاسْتَخْرَجت الكتابَ، فدفعَتْه إليه، فجاء به إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ ، فدعا رسولُ اللَّهِ ﷺ حاطبًا، فقال: "يا حاطبُ، ما حمَلك على هذا؟ ". فقال: يا رسولَ اللَّهِ، أما واللَّهِ إني لمؤمنٌ باللَّهِ ورسولِه، ما غيَّرْتُ ولا بدَّلْتُ، ولكني كنتُ امرأً ليس لي في القومِ أصلٌ ولا عشيرةٌ، وكان لي بينَ أَظْهُرِهم أهلٌ وولدٌ، فصانَعْتُهم. عليهم (٢). فقال عمرُ بنُ الخطابِ ﵁: دعْني يا رسولَ اللَّهِ، فلأضرِبَ عنقَه، فإِنَّ الرجلَ قد نافَق. فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "وما يُدْرِيك يا عمرُ، لعل اللَّهَ قد اطَّلَع إلى (٣) أصحابِ بدرٍ يومَ بدرٍ فقال: اعْمَلوا ما شِئْتم فقد غَفَرْتُ لكم". فأنزَل اللَّهُ في حاطبٍ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ إلى قولِه:

стр. 15228

﴿وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا﴾ [الممتحنة: ١ - ٤] إلى آخرِ القصةِ (١). حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ، عن عروةَ، قال: لما أُنزِلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾. في حاطبِ بنِ أبي بلتعةَ، كتَب إلى كفارِ قريشٍ كتابًا يَنْصَحُ لهم فيه، فأطلَع اللَّهُ نبيَّه ﵊ على ذلك، فأَرْسَل عليًّا والزُّبيرَ، فقال: "اذهبَا فإنَّكما ستَجِدان امرأةً بمكانِ كذا وكذا، فأْتيا بكتابٍ معها". فانْطَلقا حتى أَدْرَكاها، فقالا: الكتابَ الذي معكِ. قالت: ليس معي كتابٌ. فقالا: واللَّهِ لا نَدَعُ عليك (٢) شيئًا إلا فتَّشناه، أو تُخْرِجِينه. قالت: أوَ لستم مسلمَين؟ قالا: بلى، ولكنَّ النبيَّ ﷺ أَخبَرنا أنَّ معكِ كتابًا قد أَيقَنَت أنفسُنا أنه معك. فلما رأَتْ جِدَّهما أخرَجَتْ كتابًا مِن بينِ قرونِها، فذهبا به إلى النبيِّ ﷺ ، فإذا فيه: مِن حاطبِ بنِ أبي بلتعةَ إلى كفارِ قريشٍ. فدعاه النبيُّ ﷺ فقال: "أنت كتَبْتَ هذا الكتابَ؟ ". قال: نعم. قال: "ما حمَلك على ذلك؟ ". قال: أمَا واللَّهِ ما ارْتبْتُ في اللَّهِ منذُ أسلمتُ، ولكني كنتُ امرأً غريبًا فيكم أيُّها الحيُّ من قريشٍ، وكان لي بمكةَ مالٌ وبنونَ، فَأَرَدْتُ أن أدْفعَ بذلك عنهم. فقال عمرُ ﵁: ائذنْ لي يا رسولَ اللَّهِ فَأَضْرِبَ عنقَه. فقال النبيُّ ﷺ : "مَهْلًا يا بنَ الخطاب، وما يُدريك لعل اللَّهَ قد اطَّلَع إلى أهلِ بدرٍ فقال: اعْمَلُوا ما شِئْتم فإني غافرٌ لكم". قال الزهريُّ: فيه نزَلت حتى: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣) [الممتحنة: ٧]. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾. إلى قولِه: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ

стр. 15229

بَصِيرٌ﴾: في مكاتبةِ حاطبِ بنِ أبي بلتعةَ ومَن معه كفارَ قريشٍ يُحَذِّرُونهم (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾. حتى بلَغ: ﴿سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾: ذُكِر لنا أن حاطبًا كتَب إلى أهلِ مكةَ يُخْبِرُهم [سَيرورةَ نبيِّ اللَّهِ] (٢) ﷺ إليهم زمنَ الحديبيةِ، فأطلَع اللَّهُ نبيَّه ﵊ على ذلك. وذُكِر لنا أنهم وجَدوا الكتابَ مع امرأةٍ في قرنٍ من رأسِها، فدعاه نبيُّ اللَّهِ ﷺ ، فقال: "ما حمَلك على الذي صنَعتَ؟ ". قال: واللَّهِ ما شكَكتُ في أمرِ اللَّهِ، ولا ارتدَدتُ فيه، ولكنَّ لي هناك (٣) أهلًا ومالًا، فأردتُ مصانعةَ قريشٍ على أهلي ومالي. وذكِر لنا أنه كان حليفًا لقريشٍ، لم يَكُنْ من أنفسِهم، فأنزَل اللَّهُ في ذلك القرآنَ، فقال: ﴿إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ (٤). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (٢) لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣)﴾ يقولُ تعالى ذكرُه: إن يَثقَفْكُم هؤلاء الذين تُسِرُّون أيُّها المؤمنون إليهم بالمودةِ، يكونوا لكم حربًا وأعداءً، ويَبْسُطوا إليكم أيديَهم بالقتالِ، وألسِنَتَهم بالسوءِ.

стр. 15230

وقولُه: ﴿وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾. يقولُ: وتمنَّوا لكم أن تَكْفُروا بربِّكم فتكونوا على مثلِ الذي هم عليه. وقولُه: ﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: لا يَدْعُوَنَّكم أرحامُكم وقراباتُكم وأولادُكم إلى الكفرِ باللَّهِ، واتخاذِ أعدائِه أولياءَ تُلْقُون إليهم بالمودةِ، فإنه لن تنفَعَكم أرحامُكم ولا أولادُكم عندَ اللَّهِ يومَ القيامةِ، فتدفَعَ عنكم عذابَ اللَّهِ يومَئذٍ، إن أنتم عصَيْتُموه في الدنيا وكفَرْتم به. وقولُه: ﴿يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾. يقولُ جل ثناؤُه: يَفْصِلُ ربُّكم أَيُّها المؤمنون بينَكم يومَ القيامةِ، بأن يُدْخِلَ أهلَ طاعتِه الجنةَ، وأهلَ معاصِيه والكفرِ به النارَ. واختلَفت القرَأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرَأةِ المدينةِ ومكةَ والبصرةِ: (يُفْصَلُ بَيْنَكُمْ) بضمِّ الياءِ وتخفيفِ الصادِ وفتحِها، على ما لم يُسَمَّ فاعلُه (١). وقرَأه عامةُ قرَأةِ الكوفةِ خلا عاصمٍ بضمِّ الياءِ وتشديدِ الصادِ وكسرِها (٢)، بمعنى: يُفَصِّلُ اللَّهُ بينَكم أيُّها القومُ. وقرَأه عاصمٌ بفتحِ الياءِ وتخفيفِ الصادِ وكسرِها (٣)، بمعنى: يَفْصِلُ اللَّهُ بينَكم. وقرَأ بعضُ قرَأةِ الشامِ: (يُفَصَّلُ) بضمِّ الياءِ وفتحِ الصادِ وتشديدِها، على وجهِ ما لم يُسَمَّ فاعلُه (٤). وهذه القراءاتُ متقارباتُ المعاني، صحيحاتٌ في الإعرابِ، فبأيتِها قرَأ القارئُ فمصيبٌ. وقولُه: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: واللَّهُ بأعمالِكم أيُّها
следующие страницы →