← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 15296–15335 · переход к 15301.

стр. 15296

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾. قال: مَن رَدِف الإسلامَ مِن الناسِ كلِّهم (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زِيدٍ في قولِ اللَّهِ : ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾. قال: هؤلاء كلُّ مَن كان بعدَ النبيِّ ﷺ إلى يومِ القيامةِ، كلُّ مَن دخَل في الإسلامِ مِن العربِ والعجمِ (٢). وأولى القولين في ذلك بالصوابِ عندي قولُ مَن قال: عُنِي بذلك كلُّ لاحِقٍ لَحِق بالذين كانوا صَحِبوا النبيَّ ﷺ في إسلامِهم مِن أيِّ الأجناسِ؛ لأنَّ اللَّهَ عمَّ بقولِه: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ كلَّ لاحِقٍ بهم مِن "آخرين"، ولم يَخْصُصْ منهم نوعًا دونَ نوعٍ، فكلُّ لاحقٍ بهم فهو مِن الآخَرين الذين لم يكونوا في عِدادِ الأوَّلين الذين كان رسولُ اللَّهِ ﷺ يَتْلو عليهم آياتِ اللَّهِ. وقولُه: ﴿لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾. يقولُ: لم يَجِيئوا بعدُ وسَيَجِيئون. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿لَمَّا

стр. 15297

يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾. يقولُ: لم يأْتوا بعدُ. وقولُه: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. يقولُ: واللَّهُ العزيزُ في انتقامِه ممن كفَر به منهم، الحكيمُ في تدبيرِه خلْقَه. وقولُه: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: هذا الذي فعَل تعالى ذكرُه مِن بِعْثتِه في الأمِّيين مِن العربِ وفي آخَرين (١)، رسولًا منهم يَتْلو عليهم آياتِه، ويَفعلُ سائرَ ما وصَف - فَضْلُ اللَّهِ، تفضَّل به على هؤلاء دونَ غيرِهم، ﴿يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾. يقولُ: يُؤْتِي فضلَه ذلك مَن يشاءُ مِن خَلْقِه، لا يستحقُّ الذمَّ ممن حرَمه اللَّهُ إيَّاه، لأنه لم يَمْنَعْه حقًّا كان له قبلَه، ولا ظلَمه في صَرْفِه عنه إلى غيرِه؛ ولكنه عَلِم مِن هو له أهلٌ، فأَوْدعه إيَّاه وجعَله عندَه. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ سنانٍ القزَّازُ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن شبيبٍ (٢)، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾. قال: الفَضْلُ الدِّينُ (٣). ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾. يقولُ: واللَّهُ ذو الفَضْلِ على عبادِه؛ المحسنِ منهم والمسيءِ، والذين بَعث فيهم الرسولَ منهم وغيرِهم، العظيمُ الذي يَقِلُّ فضلُ كلَّ ذي فضلٍ عندَه.

стр. 15298

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: مثَلُ الذين أُوتوا التوراةَ مِن اليهودِ والنصارى، فحُمِّلوا العملَ بها ﴿ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾. يقولُ: ثم لم يَعْملوا بما فيها، وكذَّبوا بمحمدٍ ﷺ ، وقد أُمِروا بالإيمانِ به فيها، واتِّباعِه والتصديقِ به، ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾. يقولُ: كمثَلِ الحمارِ يحمِلُ على ظَهْرِه كتبًا مِن كتبِ العلمِ لا يَنتفِعُ بها، ولا يَعْقِلُ ما فيها، فكذلك الذين أُوتوا التوراةَ التي فيها بيانُ أمرِ محمدٍ ﷺ ، مثلُهم إذا لم يَنْتَفِعوا بما فيها كمثَلِ الحمارِ الذي يحمِلُ أسفارًا فيها عِلْمٌ، فهو لا يَعْقِلُها ولا يَنْتَفِعُ بها. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾. قال: يَحْمِلُ كتبًا لا يَدْري ما فيها، ولا يَعْقِلُها (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾. قال: يحمِلُ كتابًا لا يَدْري ماذا عليه، ولا ماذا فيه.

стр. 15299

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾. قال: كمثَلِ الحمارِ الذي يحمِلُ كتبًا، لا يَدْرِي ما على ظَهْرِه (١). حدَّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾: كتبًا، والكتابُ بالنَّبَطيةِ يُسَمَّى سِفْرًا (٢)، ضرَب اللَّهُ هذا مثلًا للذين أُعْطوا التوراةَ ثم كفَروا. حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾: والأسفارُ الكتبُ، فجعَل اللَّهُ مثَلَ الذي يقرَأُ الكتابَ ولا يَتَّبِعُ ما فيه، كمثلِ الحمارِ يحملُ كتابَ اللَّهِ الثقيلَ، لا يَدْرِي ما فيه، ثم قال: ﴿بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ الآية. حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾. قال: الأسفارُ: التوراةُ يحمِلُها الحمارُ على ظَهْرِه، كما تُحْمَلُ المصاحفُ على الدوابِّ، مثلُ الرجلِ يسافرُ فيحمِلُ مُصْحَفَه. قال: [فلا يَنْتَفِعُ] (٣) الحمارُ بها حينَ يحمِلُها على ظَهْرِه، كذلك لم يَنْتفِعْ هؤلاء بها حينَ لم يَعْملوا بها وقد أُوتوها، كما لم يَنْتفِعْ بها هذا وهي على ظَهْرِه. حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾. يقول: كتبًا (٤).

стр. 15300

والأسفارُ جمعُ سِفْرٍ، وهي الكتبُ العِظامُ وقولُه: ﴿بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾. يقولُ: بئس هذا المثلُ مثلُ القومِ الذين كذَّبوا ﴿بِآيَاتِ اللَّهِ﴾، يعني: بأدلَّتِه وحججِه، ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: واللَّهُ لا يوفِّقُ القومَ الذين ظلَموا أنفسَهم، فكفَروا بآياتِ ربِّهم. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : قلْ يا محمدُ لليهودِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ﴾ سِواكم، ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في قيلِكم أنكم أولياءُ للَّهِ مِن دونِ الناسِ، فإن اللَّهَ لا يُعذِّبُ أولياءَه، بل يُكْرِمُهم ويُنْعِمُهم، وإن كنتم مُحِقِّين فيما تقولون، فتمنَّوا الموتَ لتَسْتريحوا مِن كَرْبِ الدنيا وهمومِها وغمومِها، وتَصيروا إلى رَوْحِ الجنانِ ونعيمِها بالموتِ. حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا﴾: قُلْ يأيُّها الذين تابوا، لليهودِ؛ قال موسى: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦]: إنا تُبْنا إليك. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٧)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : ﴿وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا﴾. يقولُ: ولا

стр. 15301

يتمنَّى اليهودُ الموتَ أبدًا، ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾. يعني: بما اكْتَسبوا في هذه الدنيا مِن الآثامِ، واجْتَرحوا مِن السيئاتِ، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾. يقولُ: واللَّهُ ذو علمٍ بمن ظلَم مِن خلْقِه نفسَه، فأَوْبَقها بكفرِه باللَّهِ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : قُلْ يا محمدُ لليهودِ: إن الموتَ الذي تَفِرُّون منه فتكرَهونه، وتأْبَون أن تتمنَّوه، فإنه مُلاقِيكُم ونازلٌ بكم، ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾. يقولُ: ثم يردُّكم ربُّكم مِن بعدِ مماتِكم إلى عالمِ الغيبِ والشهادةِ، عالمِ غيبِ السماواتِ والأرضِ، ﴿وَالشَّهَادَةِ﴾. يعني: وما شُهِد فظهَر لرأْيِ العينِ، ولم يَغِبْ عن أبصارِ الناظرين. حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، قال: تلا قتادةُ: ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾. فقال: إنَّ اللَّهَ أذلَّ ابنَ آدمَ بالموتِ. لا أعلمُه إلا رفَعه (١). ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. يقولُ: فيخبرُكم حينئذٍ بما كنتم في الدنيا تعملون مِن الأعمال؛ سيِّئِها وحَسنِها؛ لأنه محيطٌ بجميعِها، ثم يجازيكم على ذلك؛ المحسنَ بإحسانِه، والمسيءَ [بما هو أهلُه] (٢). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ

стр. 15302

الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين به مِن عبادِه: يأيُّها الذين صدَّقوا اللَّهَ ورسولَه، ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾. وذلك هو النداءُ الذي (١) يُنادَى بالدعاءِ إلى صلاةِ الجمعةِ عند قعودِ الإمامِ على المنبرِ للخطبةِ. ومعنى الكلامِ: إذا نُودِي للصلاةِ، مِن صلاةِ يومِ الجمعةِ، ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾. يقولُ: فامضُوا إلى ذكرِ اللَّهِ، واعْملوا له. وأصلُ السعْيِ في هذا الموضعِ العملُ، وقد ذكَرْنا الشواهدَ على ذلك فيما مضى قبلُ (٢). وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بن عرفةَ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ عياشٍ، عن شُرَحبيلَ بنِ مسلمٍ الخَوْلانيِّ في قولِ اللَّهِ: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾. قال: فاسْعَوا في العملِ، وليس السعْيُ في المشيِ. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾: والسعْيُ يا بنَ آدمَ أن تسعى بقلبِك وعملِك، وهو المضيُّ (٣) إليها (٤).

стр. 15303

حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا ابنُ أبي عديٍّ، عن شعبةَ، قال: أخبَرني مغيرةُ، عن إبراهيمَ أنه قيل لعمرَ ﵁: إنَّ أُبيًّا يقرَؤُها: ﴿فَاسْعَوْا﴾. قال: أما إنه أَقْرؤنا وأعلمُنا بالمنسوخِ، وإنما هي: (فامْضوا) (١). حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بيانٍ السُّكَّرِيُّ، قال: أخبرَنا سفيانُ، عن الزهريِّ، عن سالمٍ، عن أبيه، قال: ما سمِعتُ عمرَ يقرَؤُها قطُّ إلا (فامْضُوا) (٢). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، قال: ثنا حنظلةُ، عن سالمِ بنِ عبدِ اللَّهِ، قال: كان عمرُ ﵁ يقرَؤُها: (فامْضُوا إلى ذِكْرِ اللَّهِ). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن حنظلةَ، عن سالمِ بنِ عبدِ اللَّهِ أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ قرَأها: (فامْضُوا) (٣). حدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: ثنا حنظلةُ بنُ أبي سفيانَ الجُمَحيُّ، أنه سمِع سالمَ بنَ عبدِ اللَّهِ يحدِّثُ عن أبيه، أنه سمِع عمرَ بنَ الخطابِ يقرَأُ: (إِذَا نُودِيَ للصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ فَامْضُوا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ).

стр. 15304

قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني يونسُ، عن ابنِ شهابٍ، قال: أخبَرني سالمُ بنُ عبدِ اللَّهِ، أَنَّ عبَد اللَّهِ بنَ عمرَ قال: لقد توفَّى اللَّهُ عمرَ بنَ الخطابِ ﵁، وما يقرَأُ هذه الآية التي ذكَر اللَّهُ فيها الجمعةَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾. إلا (١) (فامْضُوا إلى ذكرِ اللَّهِ). حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، قال: كان عبدُ اللَّهِ يقرَؤُها: (فامْضُوا إلى ذِكْرِ اللَّهِ). ويقولُ: لو قرأتُها: ﴿فَاسْعَوْا﴾ لسعَيْتُ حتى يسقُطَ رِدائي (٢). حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا ابنُ أبي عديٍّ، عن شعبةَ، عن سليمانَ، عن إبراهيمَ، قال: قال عبدُ اللَّهِ: لو كان السعْيُ لسعَيْتُ حتى يسقطَ رِدائي. قال: ولكنها: (فامْضُوا إلى ذِكْرِ اللَّهِ). قال: هكذا كان يقرَؤُها. حدَّثني عليُّ بنُ الحسينِ الأزديُّ، قال: ثنا يحيى بنُ يمانٍ الأَزْدِيُّ، عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ، أنه كان يقرَؤُها: (فامْضُوا إلى ذِكْرِ اللَّهِ) (٣). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ أنه قرَأها: (فامْضُوا إلى ذِكْرِ اللَّهِ) حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن سفيانَ، [عن ابنِ جريجٍ] (٤)، عن عطاءٍ، قال: هي للأحرارِ.

стр. 15305

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن رجلٍ، عن مسروقٍ، قال: عندَ الوقْتِ (١). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن رجلٍ، عن مسروقٍ: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ﴾. قال: الوقتِ (٢). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ، قال: هو عندَ العَزْمةِ، عندَ الخطبةِ، عندَ الذكرِ. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾. قال: النداءُ عندَ الذكرِ عزيمةٌ. حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾. قال: العَزْمةُ عندَ الذكرِ عندَ الخطبةِ. قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن المغيرةِ والأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن ابنِ مسعودٍ، قال: لو قرأْتُها: ﴿فَاسْعَوْا﴾، لسَعَيْتُ حتى يسقُطَ رِدائي. وكان يقرَؤُها: (فامْضُوا إلى ذِكْرِ اللَّهِ) (٣). قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن الشعبيِّ، عن ابنِ

стр. 15306

مسعودٍ، قال: قرَأها: (فامْضُوا). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن أبي حيانَ، عن عكرمةَ: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾. قال: السعْيُ العملُ (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ، وسألْتُه عن قولِ اللَّهِ: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾. قال: إذا سمِعْتم الداعيَ الأوَّلَ، فأجِيبوا إلى ذلك وأسْرِعوا ولا تُبْطِئوا. قال: ولم يكنْ في زمانِ النبيِّ ﷺ أذانٌ إلا أذانانِ؛ أذانٌ حينَ يَجلِسُ على المنبرِ، وأذانٌ حينَ تُقامُ الصلاةُ. قال: وهذا الآخرُ شيءٌ أحدَثه (٢) الناسُ بعدُ. قال: ولا يَحِلُّ له البيعُ إذا سَمِع النداءَ الذي يكونُ بينَ يدَيِ الإمامِ إذا قعَد على المنبرِ. وقرَأ: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾. قال: ولم يَأْمُرْهم يَذَرُون شيئًا غيرَه، حرَّم البيعَ، ثم أَذِن لهم فيه إذا فرَغوا مِن الصلاةِ. قال: والسعْيُ أن يُسْرِعَ إليها، أن يُقْبِلَ إليها. حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، أنَّ في حرفِ ابنِ مسعودٍ: (إذَا نُودِيَ للصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ فامْضُوا إلى ذِكْرِ اللَّهِ) (٣). حدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾: السعْيُ هو العملُ، قال اللَّهُ: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ [الليل: ٤]. وقولُه: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾. يقولُ: ودَعُوا البيعَ والشراءَ إذا نُودِي للصلاة عندَ الخطبةِ.

стр. 15307

وكان الضحاكُ يقولُ في ذلك ما حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن سفيانَ، عن جويبرٍ (١)، عن الضحاكِ، قال: إذا زالتِ الشمسُ حرُم البيعُ والشراءُ (٢). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾. قال: إذا زالتِ الشمسُ حرُم البيعُ والشراءُ. حدَّثنا (٣) مهرانُ، عن سفيانَ، عن إسماعيلَ السديِّ، عن أبي مالكٍ، قال: كان قومٌ يجلِسون في بقيعِ الزبيرِ، فيشترون ويَبِيعون إذا نُودِي للصلاةِ يومَ الجمعةِ، ولا يقومون، فنزَلت: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾. وأما الذِّكْرُ الذي أمرَ اللَّهُ ﵎ بالسعْيِ إليه عبادَه المؤمنين، فإنه موعظةُ الإمامِ في خطبتِه فيما قيل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾. قال: العَزْمةُ عندَ الذكرِ عندَ الخطبةِ. حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ محمدٍ الحنفيُّ، قال: ثنا عَبْدانُ، قال: أخبَرنا عبدُ اللَّهِ، قال: أخبَرنا منصورٌ، رجلٌ مِن أهلِ الكوفةِ، عن موسى بنِ أبي كثيرٍ، أنه سمِع سعيدَ بنَ المسيبِ يقولُ: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾. قال: فهي موعظةُ الإمامِ، فإذا قُضِيتِ الصلاةُ بعدُ (٤).

стр. 15308

وقولُه: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. يقولُ: سَعْيُكم إذا نُودِي للصلاةِ مِن يومِ الجمعةِ إلى ذكرِ اللَّهِ، وتَرْكُ البيعِ، خيرٌ لكم مِن البيعِ والشراءِ في ذلك الوقتِ، إن كنتم تعلمون مصالحَ أنفسِكم ومضارَّها. واختلَفتِ القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾؛ فقرَأتْ ذلك عامةُ قرأةِ الأمصارِ: ﴿الْجُمُعَةِ﴾ بضمِّ الميمِ والجيمِ، خلا الأعمشِ فإنه قرَأها بتخفيفِ الميمِ (١). والصوابُ مِن القراءةِ في ذلك عندَنا ما عليه قرأةُ الأمصارِ؛ لإجماعِ الحجةِ مِن القرأةِ عليه. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فإذا قُضِيت صلاةُ الجمعةِ يومَ الجمعةِ، فانتشِروا في الأرضِ إن شِئْتم ذلك؛ رخصةً مِن اللَّهِ لكم في ذلك. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا حُصينٌ، عن مجاهدٍ أنه قال: هي رخصةٌ. يعني قولَه: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾. حدَّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾. قال:

стр. 15309

هذا إذنٌ مِن اللَّهِ، فمَن شاء خرَج، ومَن شاء جلَس. حدَّثني يونُسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: أذِن لهم إذا فرَغوا من الصلاةِ، فقال: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ فقد أحْلَلْتُه لكم. وقولُه: ﴿وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾. ذُكِر عن النبيِّ ﷺ في تأويلِ ذلك ما حدَّثني العباسُ بنُ أبي طالبٍ، قال: ثنا عليُّ بنُ المُعافَى بن يعقوبَ الموصليُّ، قال: ثنا أبو عامرٍ الصائغُ (١) مِن الموصلِ، عن أبي خلفٍ، عن أنسٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ في قولِه: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ قال: "ليس لطلبِ دُنْيَا، ولكن عيادةَ مريضٍ، وحضورَ جنازةٍ، وزيارةَ أخٍ في اللَّهِ" (٢). وقد يَحتَمِلُ قولُه: ﴿وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾. أن يكونَ معنيًّا به: والْتَمِسوا مِن فضلِ اللَّهِ الذي بيدِه مفاتيحُ خَزائِنه لدنياكم وآخرتِكم. وقولُه: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. يقولُ: واذْكُرُوا اللَّهَ كثيرًا بالحمدِ له، والشكرِ على ما أنْعَم به عليكم مِن التوفيقِ لأداءِ فرائضِه، لتُفْلِحوا، فتُدْرِكوا طَلباتِكم عندَ ربِّكم، وتَصِلوا إلى الخلدِ في جنانِه. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وإذا رأَى المؤمنون عيرَ تجارةٍ أو لهوًا، ﴿انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾.

стр. 15310

يعني: أسْرَعوا إلى التجارةِ، ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾. يقولُ النبيِّ ﷺ : وترَكوك يا محمدُ قائمًا على المنبرِ. وذلك أن التجارةَ التي رأَوْها فانْفَضَّ القومُ إليها وترَكوا النبيَّ ﷺ ، قائمًا، كانت زيتًا قدِم به دِحْيةُ بنُ خليفةَ مِن الشامِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن إسماعيلَ السديِّ، عن أبي مالكٍ، قال: قدِم دحيةُ بنُ خليفةَ بتجارةِ زيتٍ من الشامِ والنبيُّ ﷺ يَخْطُبُ يومَ الجمعةِ، فلمَّا رأَوْه قاموا إليه بالبَقيعِ، خشُوا أن يُسْبَقوا إليه. قال: فنزَلَت: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ (١). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يَمانٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن السديِّ، عن مرةَ (٢): ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾. قال: جاء دِحْيةُ الكلبيُّ بتجارةٍ والنبيُّ ﷺ قائمٌ في الصلاةِ يومَ الجمعةِ، فترَكوا النبيَّ ﷺ وخرَجوا إليه، فنزَلَت: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ حتى ختَم السورةَ (١). حدَّثني أبو حَصِينٍ عبدُ اللَّهِ بنُ أحمدَ بنِ يونُسَ، قال: ثنا عَبْثَرٌ، قال: ثنا حُصَيْنٌ، عن سالمِ بنِ أبي الجَعْدِ، عن جابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ، قال: كنا مع رسولِ اللَّهِ ﷺ في الجمعةِ، فمرَّت عِيرٌ تَحْمِلُ الطعامَ. قال: فخرَج الناسُ إلا اثني عشَرَ رجلًا، فنزَلَت آيةُ الجمعةِ (٣).

стр. 15311

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، قال: قال الحسنُ: إن أهلَ المدينةِ أصابهم جوعٌ وغَلاءُ سعرٍ، فقدِمت عِيرٌ والنبيُّ ﷺ يَخْطُبُ يومَ الجمعةِ، فسمِعوا بها، فخرَجوا والنبيُّ ﷺ ، قائمٌ، كما قال اللَّهُ (١). حدَّثني يونُسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾. قال: جاءت تجارةٌ، فانْصَرفوا إليها، وترَكوا النبيَّ ﷺ قائمًا، فإذا رأَوْا لهوًا ولعبًا، قُل: ﴿مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾. قال: رجالٌ كانوا يقومون إلى نَواضحِهم (٢) وإلى السفرِ يَبْتَغون التجارةَ (٣). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: بينما رسولُ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ الناسَ يومَ الجمعةِ، فجعَلوا يَتَسَلَّلون ويَقُومون حتى بقِيَت منهم عِصابةٌ، فقال: "كم أنتم؟ ". فعَدُّوا أنفسَهم، فإذا اثنا عشرَ رجلًا وامرأةٌ، ثم قام في الجمعةِ الثانيةِ فجعَل يَخْطُبُهم. قال سفيانُ: ولا أعْلَمُ إلا أن في حديثِه: ويَعِظُهم

стр. 15312

ويُذَكِّرُهم. فجعَلوا يَتَسَلَّلون ويقومون حتى بقِيَت عِصابةٌ، فقال: "كم أنتم؟ " فعَدُّوا أنفسَهم (١)، فإذا اثنا عشر رجلًا وامرأةٌ، ثم قام في الجمعةِ الثالثةِ، فجعَلوا يَتَسَلَّلون ويقومون حتى بقِيَت منهم عِصابةٌ، فقال: "كم أنتم؟ ". فعَدُّوا أنفسَهم، فإذا اثنا عشر رجلًا وامرأةٌ، فقال: "والذي نفسي بيدِه لو اتَّبَع آخرُكم أولَكم لَالتهَبَ عليكم الوادي نارًا". وأنْزَل اللَّهُ : ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ (٢). حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾. قال: لو اتَّبَع آخرُهم أولَهم لَالْتَهَب عليهم الوادي نارًا (٣). قال: ثنا ابنُ ثورٍ، قال: قال معمرٌ: قال قتادةُ: لم يَبْقَ مع النبيِّ ﷺ يومَئذٍ إلا اثنا عشرَ رجلًا، وامرأةٌ معهم (٣). حدَّثنا محمدُ بنُ عُمارةَ الرازيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ الصَّبَّاحِ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبرَنا حُصَينٌ، عن سالمٍ وأبي سفيانَ، عن جابرٍ في قولِه: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾. قال: قدِمَت عِيرٌ، فانْفَضُّوا إليها، ولم يَبْقَ مع النبيِّ ﷺ إلا اثنا عشرَ رجلًا (٤). حدَّثنا عمرُو بنُ عبدِ الحميدِ الآمُلِيُّ، قال: ثنا جريرٌ، عن حُصينٍ، عن سالمٍ،

стр. 15313

عن جابرٍ، أن النبيَّ ﷺ كان يَخْطُبُ قائمًا يومَ الجمعةِ، فجاءت عِيرٌ مِن الشامِ، فانْفَتل الناسُ إليها، حتى لم يَبْقَ إلا اثنا عشرَ رجلًا. قال: فأُنزلَت هذه الآيةُ في "الجمعةِ": ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ (١). وأما اللهوُ، فإنه اخْتُلِف مِن أيِّ أجناسِ اللهوِ كان؛ فقال بعضُهم: كان كَبَرًا (٢) ومَزاميرَ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ سهلِ بنِ عَسْكَرٍ، قال: ثنا يحيى بنُ صالحٍ، قال: ثنا سليمانُ بنُ بلالٍ، عن جعفرِ بنِ محمدٍ، عن أبيه، عن جابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ، قال: كان الجواري إذا نُكِحوا، كانوا يَمُرُّون بالكَبَرِ والمزاميرِ ويَتْرُكون النبيَّ ﷺ قائمًا على المنبرِ ويَنْفَضُّون إليها، فأنْزَل اللَّهُ: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ (٣). وقال آخرون: كان طَبْلًا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: اللهوُ الطَّبْلُ (٤).

стр. 15314

حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الأَشْيَبُ (١)، قال: ثنا ورقاءُ، قال: ذكَر عبدُ اللَّهِ بنُ أبي نَجيحٍ، عن إبراهيمَ بنِ أبي بكرٍ، عن مجاهدٍ، أن اللهوَ هو الطَّبْلُ. والذي هو أولى بالصوابِ في ذلك الخبرُ الذي روَيْناه عن جابرٍ؛ لأنه قد أدْرَك أمرَ القومِ شاهَدهم (٢). وقولُه: ﴿قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ﴾. يقول جلَّ ثناؤُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : قلْ لهم يا محمدُ: الذي عندَ اللَّهِ مِن الثوابِ، لمن جلَس مُسْتَمِعًا خطبةَ رسولِ اللَّهِ ﷺ وموعظتَه يومَ الجمعةِ إلى أن يَفْرُغَ رسولُ اللَّهِ ﷺ منها - خيرٌ له مِن اللهوِ ومِن التجارةِ التي يَنفَضُّون إليها، ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾. يقولُ: واللَّهُ خيرُ رازقٍ، فإليه فارْغَبوا في طلب أرزاقِكم، وإياه فاسْأَلوا أن يُوَسِّعَ عليكم مِن فضلِه دونَ غيرِه. آخرُ تفسيرِ سورةِ "الجُمُعةِ"

стр. 15315

تفسيرُ سورةِ "المنافقين" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ القولُ في تأويلِ قولِه عزّ ذكرُه: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ يا محمدُ، ﴿قَالُوا﴾ بألسنتِهم: ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾. قال المنافقون ذلك أو لم يقولوه، ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾. يقولُ: واللَّهُ يَشْهَدُ إن المنافقين لَكاذبون في إخبارِهم عن أنفسِهم أنها تَشْهَدُ إنك لرسولُ اللَّهِ، وذلك أنها لا تَعْتَقِدُ ذلك، ولا تُؤْمِنُ به، فهم كاذبون في خبرِهم عنها بذلك. وكان بعضُ أهلِ العربيةِ يقولُ (١) في قولِه: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾: إنما كذَّب ضميرَهم؛ لأنهم أضْمَروا النفاقَ، فكما لم يَقْبَلْ إيمانَهم وقد أظْهَروه، فكذلك جعَلهم كاذبين؛ لأنهم أضْمَروا غيرَ ما أظْهَروا. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: اتَّخَذ المنافقون أيمانَهم جُنَّةً، وهي حَلِفُهم. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾. أي: حلِفَهم جُنَّةً. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني

стр. 15316

الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾. قال: يَجْتَنُّون بها. قال: ذلك بأنهم آمَنوا، ثم كفَروا (١). حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكُ يقولُ في قولِه: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾. يقولُ: حَلِفَهم باللَّهِ إنهم لمنكم، جُنَّةً (٢). وقولُه: ﴿جُنَّةً﴾. أي: سُتْرةً يَسْتَتِرون بها، كما يَسْتَتِرُ المُسْتَجِنُّ بِجُنَّتِه في حربٍ وقتالٍ، فيَمْنَعون بها أنفسَهم وذَراريَّهم وأموالَهم، ويَدْفَعون بها عنهم. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿جُنَّةً﴾: ليَعْصِموا بها دماءَهم وأموالَهم (٣). وقولُه: ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. يقولُ: فأَعْرَضوا عن دينِ اللَّهِ الذي بعَث به نبيَّه ﷺ ، وشريعتِه التي شرَعها لخلقِه، ﴿إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. يقولُ: إن هؤلاء المنافقين الذين اتَّخَذوا أيمانَهم جُنَّةً، ساء ما كانوا يَعْمَلون [في الدنيا] (٤) في اتخاذِهم أيمانَهم جُنَّةً؛ لكذِبِهم ونفاقِهم، وغيرِ ذلك من أمورِهم.

стр. 15317

القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (٣)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إنما (١) ساء ما كانوا يَعْمَلون هؤلاء المنافقون الذين اتَّخَذوا أيمانَهم جُنةً؛ مِن أجلِ أنهم صدَّقوا اللَّهَ ورسولَه، ثم كفَروا بشكِّهم في ذلك وتكذيبِهم به. وقولُه: ﴿فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾. يقولُ: فجعَل اللَّهُ على قلوبِهم خَتْمًا بالكفرِ عن الإيمانِ، وقد بيَّنَّا في موضعٍ غير هذا صفةَ الطَّبْعِ على القلبِ بشواهدِها وأقوالِ أهلِ العلمِ، فأغْنَى ذلك عن إعادتِه في هذا الموضعِ (٢). وقولُه: ﴿فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فهم لا يَفْقَهون صوابًا مِن خطإٍ، وحقًّا من باطلٍ؛ لطبعِ اللَّهِ على قلوبِهم. وكان قتادةُ يقولُ في ذلك ما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾: أَقَرُّوا بلا إلهَ إلا اللَّهُ، وأن محمدًا رسولُ اللَّهِ ﷺ ، وقلوبُهم مُنْكِرَةٌ تَأْبَى ذلك. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٤)﴾. يقولُ جلَّ ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : وإذا رأيْتَ هؤلاء المنافقين يا محمدُ تُعْجِبُك أجسامُهم؛ لاستواءِ خَلْقِها، وحُسنِ صُوَرِها، ﴿وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾.

стр. 15318

يقولُ جلَّ ثناؤُه: وإن يَتَكَلَّموا تَسْمَعْ كلامَهم، يُشْبِهُ مَنْطِقُهم منطقَ الناسِ، ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾. يقولُ: كأن هؤلاء المنافقين خُشُبٌ مُسَنَّدةٌ، لا خيرَ عندَهم، ولا فقهَ لهم ولا علمَ، وإنما هم صورٌ بلا أحلامٍ، وأشباحٌ (١) بلا عقولٍ. وقولُه: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: يَحْسَبُ هؤلاء المنافقون مِن خُبثِهم (٢) وسوءِ ظنِّهم وقلةِ يقينِهم، كلَّ صيحةٍ عليهم؛ لأنهم على وَجَلٍ أن يُنْزِلَ اللَّهُ فيهم أمرًا يَهْتِكُ به أستارَهم ويَفْضَحُهم، ويُبِيحُ للمؤمنين قتلَهم وسَبْيَ ذَراريِّهم وأخْذَ أموالِهم، فهم مِن خوفِهمِ مِن ذلك، كلَّما نزَل بهم مِن اللَّهِ وحيٌّ على رسولِه، ظنُّوا أنه نزَل بهلاكِهم وعَطَبِهم. يقولُ اللَّهُ جلَّ ثناؤُه لنبيِّه ﷺ : هم العدُوُّ يا محمدُ فاحْذَرْهم، فإن ألسنتَهم إذا لَقُوكم معكم، وقلوبَهم عليكم مع أعدائِكم، فهم عينٌ لأعدائِكم عليكم. وقولُه: ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾. يقولُ: أخْزاهم اللَّهُ، إلى أيِّ وجهٍ يُصْرَفون عن الحقِّ. حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ، وسمِعْتُه يقولُ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾ الآية. قال: هؤلاء المنافقون. واختلَفَت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ المدينةِ والكوفةِ خلا الأعمشِ والكِسائيِّ: ﴿خُشُبٌ﴾ بضمِّ الخاءِ والشينِ (٣). كأنهم وجَّهوا ذلك إلى جمعِ الجمعِ، جمَعوا الخشبةَ خِشَابا، ثم جمعوا الخِشابَ خُشُبًا، كما جُمِعَت الثمرةُ ثِمارًا، ثم ثُمُرًا. وقد يَجوزُ أن يكونَ الخُشُبُ بضمِّ الخاءِ

стр. 15319

والشينِ، إلى أنها جمعُ خَشَبةٍ، فتُضَمُّ الشينُ منها مرةً، وتُسَكَّنُ أخرى، كما جمَعوا الأَكَمةَ أُكُمًا وأُكْمًا، بضمِّ الألفِ والكافِ مرةً، وتسكينِ الكافِ منها مرةً، وكما قيل: البُدْنُ والبُدُنُ. بضمِّ الدالِ وتسكينِها لجمعِ البَدَنةِ. وقرَأ ذلك الأعمشُ والكِسائيُّ: (خُشْبٌ) بضمِّ الخاءِ، وسكونِ الشينِ (١). والصوابُ مِن القولِ في ذلك أنهما قراءتان معروفتان، ولغتان فَصيحتان، وبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ. وتسكينُ الأوسطِ فيما جاء مِن جمعِ فَعَلة على فُعْل في الأسماءِ، على ألسنِ العربِ أكثرُ، وذلك كجمعِهم البَدَنةَ بُدْنًا، والأَجَمةَ أُجْمًا. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٥)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وإذا قيل لهؤلاء المنافقين: تعالَوْا إلى رسولِ اللَّهِ يَسْتَغْفِرْ لكم، ﴿لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾. يقولُ: حرَّكوها وهزُّوها؛ استهزاءً برسولِ اللَّهِ ﷺ وباستغفارِه. وبتشديدِ الواوِ مِن ﴿لَوَّوْا﴾ قرَأَت القرأةُ، على وجهِ الخبرِ عنهم أنهم كرَّوا هزَّ رءوسِهم وتحريكَها وأكْثَروا، إلا نافعًا فإنه قرَأ ذلك بتخفيفِ الواوِ: (لوَوْا) على وجهِ أنهم فعَلوا ذلك مرةً واحدةً (٢). والصوابُ مِن القول في ذلك قراءةُ مَن شدَّد الواوَ؛ لإجماعِ الحجةِ مِن القرأةِ عليه. وقولُه: ﴿وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ورأيْتَهم يُعْرِضون عما دُعُوا إليه بوجوهِهم، ﴿وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾. يقولُ: وهم مُسْتَكْبِرون

стр. 15320

عن المصيرِ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ ليستغفرَ لهم. وإنما عُنِي بهذه الآياتِ كلِّها، فيما ذُكِر، عبدُ اللَّهِ بنُ أبيٍّ ابنُ سَلُولَ؛ وذلك أنه قال لأصحابِه: لا تُنْفِقوا على مَن عندَ رسولِ اللَّهِ حتى يَنْفَضُّوا. وقال: لئن رجعنَا إلى المدينةِ ليخرِجَنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ. فسمِع بذلك زيدُ بنُ أرقمَ، فأخبَر به رسولَ اللَّهِ ﷺ ، فدعاه رسولُ اللَّهِ ﷺ ، فسأَله عما أُخْبِر به عنه، فحلَف: إنه ما قاله، وقيل له: لو أتَيْتَ رسولَ اللَّهِ ﷺ ، فسأَلْتَه أن يستغفِرَ لك. فجعَل يَلْوِي رأسَه، ويحرِّكُه استهزاءً، ويعني بذلك أنه غيرُ فاعلٍ ما أشاروا به عليه، فأَنْزَلَ اللَّهُ فيه هذه السورةَ، من أولِها إلى آخرِها. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، وجاءت الأخبار. ذكرُ الرواية التي جاءت بذلك حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن زيدِ بنِ أرقمَ، قال: خرَجْتُ مع عمي (١) في غَزاةٍ، فسمِعْتُ عبدَ اللَّهِ بنَ أبيٍّ ابنَ سَلُولَ يقولُ لأصحابِه: لا تُنْفِقوا على مَن عندَ رسولِ اللَّهِ حتى يَنفَضُّوا، لئن رجَعْنا إلى المدينةِ ليخرِجَنَّ الأعَزُّ منها الأذَلَّ. قال: فذكَرْتُ ذلك لعمي، فذكَره عمي لرسولِ اللَّهِ ﷺ ، فأرْسَل إليَّ، فحدَّثْتُه، فأرْسَل إلى عبدِ اللَّهِ عليًّا ﵁ وأصحابِه، فحلَفوا: ما قالوا. فكذَّبني رسولُ اللَّهِ ﷺ وصدَّقه. فأصابني همٌّ لم يُصِبْني مثلُه قطُّ، فدخَلْتُ البيتَ، فقال لي عمي: ما أردتَ إلى (٢) أن كذَّبك رسولُ اللَّهِ ﷺ ومقَتَك. قال: حتى أنْزَل اللَّهُ : ﴿إِذَا جَاءَكَ

стр. 15321

الْمُنَافِقُونَ﴾. قال: فبَعث إليَّ رسولُ اللَّهِ ﷺ ، فقرَأها، ثم قال: "إِن اللَّهَ قد صدَّقك يا زيدُ" (١). حدَّثنا أبو كريبٍ والقاسمُ بنُ بشرِ بنِ معروفٍ، قالا: ثنا يحيى بنُ أبى (٢) بُكيرٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال: الحكمُ أخْبَرني، قال: سمِعْتُ محمدَ بنَ كعبٍ القُرظيَّ، قال: سمِعْتُ زيدَ بنَ أرقمَ قال: لما قال عبدُ اللَّهِ بنُ أبيٍّ ابنُ سَلُولَ ما قال: لا تُنْفِقوا على مَن عندَ رسولِ اللَّهِ، وقال: لئن رجَعنا إلى المدينةِ. قال: سمِعْتُه، فأتَيْتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ ، فذكَرْتُ ذلك، فلامَني ناسٌ مِن الأنصارِ. قال: وجاء هو، فحلَف: ما قال ذلك. فرجَعْتُ إلى المنزلِ فنِمْتُ. قال: فأتاني رسولُ اللَّهِ ﷺ أو بلَغني - فأتَيْتُ النبيَّ ﷺ ، فقال: "إن اللَّهَ ﵎ قد صدَّقك وعذَرك". قال: فنزَلَت الآيةُ: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ الآية (٣). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا هاشمٌ أبو النضرِ، عن شعبةَ، عن الحكمِ، قال: سمِعْتُ محمدَ بنَ كعبٍ القرظيَّ، قال: سمِعْتُ زيدَ بنَ أرقمَ يُحَدِّثُ بهذا الحديثِ (٤). حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن

стр. 15322

الحكمِ، عن محمدِ بنِ كعبٍ القرظيِّ، عن زيدِ بنِ أرقمَ، قال: كنا مع رسولِ اللَّهِ ﷺ في غزوةٍ، فقال عبدُ اللَّهِ بنُ أُبيٍّ: لئن رجَعنا إلى المدينةِ ليخرِجَنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ. قال: فأتَيْتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ ، فأخبَرتُه، فحلَف عبدُ اللَّهِ بنُ أبيٍّ: إنه لم يكنْ شيءٌ مِن ذلك. قال: فلامني قومي وقالوا: ما أرَدْتَ إلى هذا؟ قال: فانطلَقتُ فنمْتُ كئيبًا - أو حزينًا - قال: فأرسَل إليَّ نبيُّ اللَّهِ ﷺ ، أو أتَيْتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ ، فقال: "إن اللَّهَ قد أنزَل عُذْرَك وصدَّقك". قال: ونزَلَت هذه الآيةُ: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ حتى بلَغ: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ (١). حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا ابنُ أبي عَدِيٍّ، قال: أخْبَرني ابنُ عونٍ، عن محمدٍ، قال: سمِعَها زيدُ بنُ أرقمَ، فرفَعها إلى وليِّه. قال: فرفَعها وليُّه إلى النبيِّ ﷺ . قال: فقيل لزيدٍ: وفَت أذُنُك. حدَّثنا أحمدُ بنُ منصورٍ الرَّماديُّ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ الحكمِ بنِ أبانٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى بشيرُ بنُ مسلمٍ، أنه قيل لعبدِ اللَّهِ بنِ أبيٍّ: يا أبا حُبابٍ، إنه قد أُنْزِل فيك آيٌ شِدادٌ، فاذهَبْ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ يستغفِرْ لك. فلوَّى رأسَه، وقال: أمَرتموني أن أومِنَ فآمَنتُ، وأمَرتموني أن أُعطيَ زكاةَ مالي فأعطَيت، فما بقِي إلا أن أسجدَ لمحمدٍ. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا﴾ الآية كلها، قرَأها إلى: ﴿الْفَاسِقِينَ﴾: أُنْزِلت في عبدِ اللَّهِ بنِ أبيٍّ؛ وذلك أن غلامًا مِن قرابتِه انطلَق إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ ، فحدَّثه

стр. 15323

بحديثٍ عنه وأمرٍ شديدٍ، فدعاه رسولُ اللَّهِ ﷺ ، فإذا هو يحلِفُ ويتبرأُ مِن ذلك، وأقبَلت الأنصارُ على ذلك الغلامِ، فلاموه وعذَلوه، وقيل لعبدِ اللَّهِ: لو أتَيْتَ رسولَ اللَّهِ ﷺ . فجعَل يُلَوِّي رأسَه. أي: لستُ فاعلًا، وكذَب علي، فأَنْزَل اللَّهُ ما تَسْمَعون. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾، قال: عبدُ اللَّهِ بنُ أبيٍّ، قيل له: تَعالَ يستغفرْ لك رسولُ اللَّهِ ﷺ . فلوَّى رأسَه، وقال: ماذا قلتُ؟ (١) حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: قال له قومُه: لو أتَيْتَ النبيَّ ﷺ فاستغفَر لك. فجعل يُلَوِّي رأسه، فنزَلَت فيه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ﴾ (٢). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٦)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : سواءٌ يا محمدُ على هؤلاء المنافقين الذين قيل لهم: تعالَوْا يستغفرْ لكم رسولُ اللَّهِ. أستغفرت لهم ذنوبَهم، ﴿أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾. يقولُ: لن يصفحَ اللَّهُ لهم عن ذنوبِهم، بل يُعاقِبُهم عليها، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾. يقولُ: إن اللَّهَ لا يُوفِّقُ

стр. 15324

للإيمانِ القومَ الكاذبين (١) عليه، الكافرين به، الخارجين عن طاعتِه. وقد حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾. قال: نزَلَت هذه الآيةُ بعدَ الآيةِ التي في سورةِ التوبةِ: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]. فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ : " [سوف أستغفرُ لهم] (٢) زيادةً على سبعين مرةً". فأنْزَل اللَّهُ: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ (٣). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ (٧)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ﴾. يعني المنافقين الذين يقولون لأصحابِهم (٤): ﴿لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ مِن أصحابِه المهاجرين، ﴿حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾. يقولُ: حتى يتفرَّقوا عنه. وقولُه: ﴿وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. يقولُ: وللَّهِ جميعُ ما في السماواتِ والأرضِ مِن شيءٍ، وبيده مفاتيحُ خزائنِ ذلك، لا يقدرُ أحدٌ أن يُعْطِيَ أحدًا شيئًا إلا بمشيئتِه، ﴿وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ﴾ أن ذلك كذلك؛ فلذلك يقولون: لا تُنْفِقوا على مَن عندَ رسولِ اللَّهِ ﷺ حتى ينفَضُّوا.

стр. 15325

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾. يقولُ: لا تُطْعِموا محمدًا وأصحابَه حتى تُصِيبَهم مَجاعةٌ فيَترُكوا نبيَّهم. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ قرَأها إلى آخرِ الآيةِ: وهذا قولُ عبدِ اللَّهِ بن أبيٍّ لأصحابِه المنافقين: لا تُنْفِقوا على (١) محمدٍ وأصحابِه حتى يَدَعوه، فإنكم لولا أنكم تُنْفِقون عليهم لتَرَكوه وأجلَوْا عنه. حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾: إن عبدَ اللَّهِ بْنَ أبيٍّ قال لأصحابِه: لا تُنْفِقوا على مَن عندَ رسولِ اللَّهِ، فإنكم لو لم تُنْفِقوا عليهم قد انفَضُّوا (٢). حُدِّثت عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ، يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُوا﴾. يعني الرِّفْدَ والمعونةَ، وليس يعني الزكاةَ المفروضةَ، والذين قالوا هذا هم المنافقون. حدَّثنا الربيعُ بنُ سليمانَ، قال: ثنا أسدُ بنُ موسى، قال: ثنا يحيى بنُ أبي

стр. 15326

زائدةَ، قال: ثنا الأعمشُ، عن عمرِو بنِ مُرَّةَ، عن عبدِ الرحمنِ بن أبي ليلى، عن زيدِ بنِ أرقمَ، قال: لمَّا قال ابنُ أبيٍّ ما قال أخبَرتُ النبيَّ ﷺ ، فجاء فحلَف، فجعَل الناسُ يقولون لي: تأتى رسولَ اللَّهِ ﷺ بالكذبِ؟! حتى جلَسْتُ في البيتِ؛ مخافةَ إذا رأَوْني قالوا: هذا الذي يكذِبُ. حتى أُنْزِل: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ﴾ (١). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يقولُ هؤلاء المنافقون الذين وصَف صفتَهم قبلُ: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ فيها، ويعني بالأعزِّ الأشدَّ والأقوى. قال اللَّهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ﴾. يعني: الشدةُ والقوةُ، ﴿وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ باللَّهِ، ﴿وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ذلك. وذُكِر أن سببَ قيلِ ذلك عبدُ اللَّهِ بنُ أبيٍّ، كان مِن أجْلِ أن رجلًا مِن المهاجرين كسَع (٢) رجلًا من الأنصارِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ معمرٍ، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا زَمْعةُ (٣)، عن عمرِو، قال: سمِعْتُ جابرَ بنَ عبدِ اللَّهِ، قال: إن الأنصارَ كانوا أكثرَ مِن المهاجرين، ثم إن المهاجرين كَثُروا، فخرَجوا في غزوةٍ لهم، فكسَع رجلٌ من المهاجرين رجلًا مِن

стр. 15327

الأنصارِ. قال: فكان بينَهما قتالٌ إلى أن صرَخ: يا معشرَ الأنصارِ، وصرَخ المهاجرُ: يا معشرَ المهاجرين. قال: فبلَغ ذلك النبيَّ ﷺ ، فقال: "ما لكم ولِدَعْوةِ الجاهليةِ؟ ". فقالوا: كسَع رجلٌ من المهاجرين رجلًا مِن الأنصارِ. قال: فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "دَعُوها فإنها مُنْتِنَةٌ". قال: فقال عبدُ اللَّهِ بنُ أبيٍّ ابنُ سَلولَ: لئن رجَعْنا إلى المدينةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ. فقال عمرُ: يا رسولَ اللَّهِ، دَعْني فأقتُلَه. قال: فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "لا يتحدثُ الناسُ أن رسولَ اللَّهِ يقتلُ أصحابَه" (١). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ إلى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ﴾. قال: قال ذلك عبدُ اللَّهِ بنُ أبيٍّ ابنُ سَلُولَ الأنصاريُّ رأسُ المنافقين وناسٌ معه مِن المنافقين. حدَّثني أحمدُ بنُ منصورٍ الرَّماديُّ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ الحكمِ، قال: ثنى أبي، عن عكرمةَ، أن عبدَ اللَّهِ بنَ أبيٍّ ابنَ سَلُولَ كان له ابنٌ يقالُ له حُبابٌ. فسمَّاه رسولُ اللَّهِ ﷺ عبدَ اللَّهِ، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، إن والدي يُؤْذِي اللَّهَ ورسولَه، فذَرْني حتى أقتلَه. فقال له رسولُ اللَّهِ ﷺ : "لا تَقْتُلْ أباك". ثم جاءه أيضًا فقال: يا رسولَ اللَّهِ، [إن والدي يُؤْذِي اللَّهَ ورسولَه، فذَرْني حتى أقتلَه. فقال له رسولُ اللَّهِ ﷺ : "لا تَقْتُلْ أباك". فقال: يا رسولَ اللَّهِ] (٢)، توَضَّأْ حتى أَسْقِيَه مِن وَضوئِك؛ لعلَّ قلبَه

стр. 15328

أن يَلِينَ. فتَوَضَّأَ رسولُ اللَّهِ ﷺ ، فأعطاه، فذهَب به إلى أبيه فسقاه، ثم قال له: هل تَدْرِي ما سقيتُك؟ فقال له والدُه: نعم، سقيتَني بولَ أمِّك. فقال له ابنُه: لا واللَّهِ، ولكن سقيتُك وَضوءَ رسولِ اللَّهِ ﷺ . قال عكرمةُ: وكان عبدُ اللَّهِ بنُ أبيٍّ عظيمَ الشأنِ فيهم. وفيهم أُنْزِلَت هذه الآيةُ؛ في المنافقين: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾. وهو الذي قال: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾. قال: فلما بلَغوا المدينَة؛ مدينةَ الرسولِ ﷺ ، ومَن معه، أخَذ ابنُه السيفَ، ثم قال لوالدِه: أنت تَزْعُمُ: لئن رجَعْنا إلى المدينةِ ليُخْرِجَنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ، فواللَّهِ لا تدْخُلُها حتى يَأْذَنَ لك رسولُ اللَّهِ ﷺ (١). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، عن جابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ، أن رجلًا مِن المهاجرين كسَع رجلًا مِن الأنصارِ برجلِه، وذلك في أهلِ اليمنِ شديدٌ، فنادَى: يا لَلمهاجرين، ياللأنصارِ. قال: والمهاجرون يومَئذٍ أكثرُ مِن الأنصارِ. فقال النبيُّ ﷺ : "دَعُوها فإنها مُنْتِنَةٌ". فقال عبدُ اللَّهِ بنُ أبيٍّ ابنُ سَلُولَ: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾. حدَّثني عمرانُ بنُ بَكَّارٍ الكَلَاعيُّ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عليُّ بنُ سليمانَ، قال: ثنا أبو إسحاقَ، أن زيدَ بنَ أرقمَ أخبَره أن عبدَ اللَّهِ بنَ أبيٍّ ابنَ سَلُولَ قال: لا تنفِقوا على من عندَ رسولِ اللَّهِ حتى ينفضُّوا. وقال: لئن رجَعنا إلى المدينةِ ليخرِجنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ. قال: فحدَّثني زيدٌ أنه أخْبَر رسولَ اللَّهِ ﷺ بقولِ عبدِ اللَّهِ بن أبيٍّ، قال: فجاء عبدُ اللَّهِ بنُ أبيٍّ فحلَف لرسولِ اللَّهِ ﷺ : ما قال ذلك. قال أبو إسحاقَ: فقال لي زيدٌ: فجلَسْتُ في بيتي حتى أنْزَل اللَّهُ تصديقَ زيدٍ، وتكذيبَ

стр. 15329

عبدِ اللَّهِ في: "إذا جاءك المنافقون". حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾، قرَأ الآيةَ كلَّها إلى: ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾. قال: قد قالها منافقٌ عظيمُ النفاقِ في رجلين اقْتَتَلا؛ أحدُهما غِفاريٌّ، والآخرُ جُهَنيٌّ، فظهَر الغِفاريُّ على الجُهَنيِّ، وكان بينَ جُهَيْنةَ والأنصارِ حِلْفٌ، فقال رجلٌ مِن المنافقين، وهو ابنُ أبيٍّ: يا بني الأوسِ، يا بني الخزرجِ، عليكم صاحبَكم وحليفَكم. ثم قال: واللَّهِ ما مَثَلُنا ومَثَلُ محمدٍ إلا كما قال القائلُ: سَمِّنْ كلبَك يأكلْك (١)، واللَّهِ لئن رجعْنا إلى المدينةِ ليخرِجَنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ. فسعَى بها بعضُهم إلى نبيِّ اللَّهِ ﷺ ، فقال عمرُ: يا نبيَّ اللَّهِ، مُرْ معاذَ بنَ جبلٍ أَن يَضْرِبَ عُنُقَ هذا المنافقِ. فقال: "لا يتحدثُ الناسُ أن محمدًا يقتلُ أصحابَه". ذُكِر لنا أنه كان أُكثِرَ على رجلٍ من المنافقين عندَه. فقال: "هل يُصَلِّي؟ ". فقال: نعم، ولا خيرَ في صلاتِه. فقال: "نُهِيتُ عن المصلِّين، نُهِيتُ عن المصلِّين". حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ قال: اقْتَتَل رجلان؛ أحدُهما من جُهينةَ، والآخرُ مِن غِفارٍ، وكانت جُهَيْنةُ حليفةَ (٢) الأنصارِ، فظهَر عليه الغِفاريُّ. فقال رجلٌ منهم عظيمُ النفاقِ: عليكم صاحبَكم عليكم صاحبَكم، فواللَّهِ ما مثَلُنا ومَثَلُ محمدٍ إلا كما قال القائلُ: سَمِّنْ كلبَك يأكلْك، أما واللَّهِ لئن رجَعْنا إلى المدينةِ ليُخرِجَنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ، وهم في سفَرٍ، فجاء رجلٌ ممن سمِعه إلى النبيِّ ﷺ فأخْبَره ذلك. فقال عمرُ: مُرْ مُعاذًا يضرِبْ عنقَه. فقال: "واللَّهِ

стр. 15330

لا يتحدثُ الناسُ أن محمدًا يقتلُ أصحابَه". فنزَلَت فيهم: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ (١). وقولُه: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾. حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ، أن غلامًا جاء إلى النبيِّ ﷺ ، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، إني سمِعْتُ عبدَ اللَّهِ بنَ أبيٍّ يقولُ كذا وكذا. قال: "فلعلك غضِبْتَ عليه". قال: لا، واللَّهِ يا نبيَّ اللَّهِ لقد سمِعْتُه يقولُه. قال: "فلعلك أخْطَأ سمعُك؟ ". قال: لا واللَّهِ يا نبيَّ اللَّهِ، لقد سمِعْتُه يقولُه. قال: "فلعله شُبِّه عليك". قال: لا واللَّهِ. قال: فأنْزَل اللَّهُ تصديقًا للغلامِ: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾، فأخَذ النبيُّ ﷺ بأُذُنِ الغلامِ، فقال: "وَفَتْ أُذُنُك، وفَت أذنُك يا غلامُ" (٢). حدَّثنا يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ، في قولِ اللَّهِ: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾. قال: كان المنافقون يُسَمُّون المهاجرين الجَلابيبَ. وقال: قال ابنُ أبيٍّ: قد أمَّرْتُكم في هؤلاء الجلابيبِ (٣) أمري. قال: قال هذا بينَ أَمَجَ (٤) وعُسْفانَ (٥) على الكَدِيدِ (٦)؛ تَنازَعوا على الماءِ، وكان المهاجرون قد غلَبوا على الماءِ. قال: وقال ابنُ أبيٍّ أيضًا: أمَا واللَّهِ لئن رجَعْنا إلى المدينةِ لَيُخْرِجَنَّ

стр. 15331

الأعزُّ منها الأذلَّ، لقد قلتُ لكم: لا تُنْفِقوا عليهم، لو ترَكْتُموهم ما وجَدوا ما يَأْكُلون، ولخرجوا وهربوا. فأتَى عمرُ بنُ الخطابِ إلى النبيِّ ﷺ ، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، ألا تَسْمَعُ ما يقولُ ابنُ أبيٍّ؟ قال: "وما ذاك؟ ". فأخبَره، وقال: دَعْني أضرِبْ عنقَه يا رسولَ اللَّهِ. قال: "إذًا تَرْعُدَ له آنُفٌ كثيرةٌ بيثربَ". قال عمرُ: فإن كرِهْتَ يا رسولَ اللَّهِ أن يَقْتُلَه رجلٌ مِن المهاجرين، فمُرْ به سعدَ بنَ مُعاذٍ، ومحمدَ بنَ مَسْلَمةَ فيَقْتُلانه. فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "إني أَكْرَهُ أَن يَتَحَدَّثَ الناسُ أن محمدًا يقتلُ أصحابَه، ادْعُوا لي عبدَ اللَّهِ بنَ عبدِ اللَّهِ بن أبيٍّ". فدعاه له. فقال: "ألا تَرَى ما يقولُ أبوك؟ ". قال: وما يقولُ بأبي أنت وأمي؟ قال: "يقولُ: لئن رجَعْنا إلى المدينةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ". فقال: فقد صدَق واللَّهِ يا رسولَ اللَّهِ، أنت واللَّهِ الأعزُّ، وهو الأذلُّ، أمَا واللَّهِ لقد قدِمْتَ المدينةَ يا رسولَ اللَّهِ، وإن أهلَ يثربَ لَيعلَمون ما بها أحدٌ أبرَّ مني، ولئن كان يُرْضِي اللَّهَ ورسولَه أن آتيَهما برأسِه لآتِيَنَّهما به. فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "لا". فلما قدِموا المدينةَ قام عبدُ اللَّهِ بنُ عبدِ اللَّهِ بن أبيٍّ على بابِها بالسيفِ لأبيه، ثم قال: أنت القائلُ: لئن رجَعْنا إلى المدينةِ ليُخْرِجَنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ؟ أمَا واللَّهِ لتَعْرِفَنَّ العزةُ لك أو لرسولِ اللَّهِ، واللَّهِ لا يَأْوِيك ظلُّه، ولا تَأْوِيه أبدًا إلا بإذنٍ مِن اللَّهِ ورسولِه. فقال: يا للَخزرجِ، ابني يَمْنَعُني بيتي، يا لَلخزرجِ، ابني يَمْنَعُني بيتي. فقال: واللَّهِ لا تَأْوِيه أبدًا إلا بإذنٍ منه. فاجْتَمع إليه رجالٌ فكلَّموه. فقال: واللَّهِ لا يَدْخُلُه إلا بإذنٍ مِن اللَّهِ ورسولِه. فأتَوُا النبيَّ ﷺ فأخْبَروه. فقال: "اذْهَبوا إليه، فقولوا له: خَلِّه ومَسْكنَه". فأتَوْه. فقال: أمَا إذ (١) جاء أمرُ النبيِّ ﷺ فنعم. حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ وعليُّ بنُ مجاهدٍ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ،

стр. 15332

عن عاصمِ بنِ عمرَ بنِ قتادةَ، و (١) عن عبدِ اللَّهِ بن أبي بكرٍ، وعن محمدِ بن يحيى بنِ حَبَّانَ. قال: كلٌّ قد حدَّثني بعضَ حديثِ بني المُصْطَلِقِ، قالوا: بلَغ رسولَ اللَّهِ ﷺ أن بني المُصْطَلِقِ يَجْمَعون له، وقائدُهم الحارثُ بنُ أبي ضِرارٍ، أبو جُوَيْرِيَةَ بنتِ الحارثِ زوجِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، فلمَّا سمِع بهم رسولُ اللَّهِ ﷺ خرَج إليهم حتى لقِيهم على ماءٍ من مياهِهم، يقالُ له: المُرَيْسِيعُ، مِن ناحيةِ قُدَيْدٍ إلى الساحلِ، فتَزاحَف الناسُ فاقْتَتَلوا، فهزَم اللَّهُ بني المُصْطَلِقِ، وقتَل مَن قتَل منه، ونفَّل رسولَ اللَّهِ ﷺ أبناءَهم ونساءَهم وأموالَهم، فأفاءهم اللَّهُ عليه، وقد أُصِيب رجلٌ مِن بني كلبِ بنِ عوفِ بنِ عامرِ بنِ ليثِ بنِ بكرٍ، يقالُ له: هشامُ بن صُبَابةَ، أصابَه رجلٌ مِن الأنصارِ مِن رَهْطِ عُبادةَ بنِ الصامتِ، وهو يَرَى أنه مِن العدوِّ، فقتَله خطأً، فبينا الناسُ (٢) على ذلك الماءِ، ورَدَت واردةُ الناسِ، ومع عمرَ بنِ الخطابِ أجيرٌ له مِن بني غِفارٍ، يقالُ له: [جَهْجاهُ بنُ سعيدٍ] (٣) يقودُ له فرسَه، فازْدَحم جَهْجاهٌ (٤) وسِنانٌ الجُهَنيُّ حليفُ بني عوفِ بنِ الخزرجِ، على الماءِ، فاقْتَتَلا، فصرَخ الجُهَنيُّ: يا معشرُ الأنصارِ. وصرَخ جَهْجاهٌ (٤): يا معشرَ المهاجرين. فغضِب عبدُ اللَّهِ بنُ أبيٍّ ابنُ سَلُولَ، وعندَه رهطٌ مِن قومِه؛ فيهم زيدُ بنُ أرقمَ، غلامٌ حديثُ السنِّ، فقال: أوَقد فعَلوها؟ قد نافَرونا وكاثَرونا في بلادِنا، واللَّهِ ما أَعَدُّنا وجلابيبَ قريشٍ هذه إلا كما قال القائلُ: سَمِّنْ كلبَك يَأكلْك، أمَا واللَّهِ لئن رجَعْنا إلى المدينةِ ليُخْرِجَنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ. ثم أقْبَل على مَن حضَره مِن قومِه، فقال: هذا ما فعَلْتُم بأنفسِكم؛ أحْلَلْتُموهم بلادَكم، وقاسَمْتُموهم أموالَكم، أمَا واللَّهِ لو أَمْسَكْتُم عنهم ما

стр. 15333

بأيديكم، لَتحَوَّلوا إلى غيرِ بلادِكم. فسمِع ذلك زيدُ بن أرقمَ، فمشَى به إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ ، وذلك عندَ فراغِ رسولِ اللَّهِ ﷺ من عدوِّه (١)، فأخْبَره الخبرَ. وعندَه عمرُ ابنُ الخطابِ، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، مُرْ به عَبَّادَ بنَ بشرِ بنِ وَقْشٍ فليَقتلْه. فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "فكيف يا عمرُ إذا تحَدَّث الناسُ أن محمدًا يقتلُ أصحابَه، لا، ولكن أَذِّنْ بالرحيلِ" - وذلك في ساعةٍ لم يَكُنْ رسولُ اللَّهِ ﷺ يَرْتَحِلُ فيها - فارْتَحل الناسُ. وقد مشَى عبدُ اللَّهِ بنُ أبيٍّ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ حينَ بلَغه أن زيدَ بنَ أرقمَ قد بلَّغه ما سمِع منه، فحلَف باللَّهِ: ما قلتُ ما قال، ولا تكَلَّمْتُ به، وكان عبدُ اللَّهِ بنُ أبيٍّ في قومِه شريفًا عظيمًا، فقال مَن حضَر رسولَ اللَّهِ ﷺ مِن أصحابِه مِن الأنصارِ: يا رسولَ اللَّهِ، عسَى أن يكونَ الغلامُ أوْهَم في حديثِه، ولم يَحْفَظْ ما قال الرجلُ، حَدَبًا (٢) على عبدِ اللَّهِ بنِ أبيٍّ، ودفعًا عنه، فلما استقلَّ (٣) رسولُ اللَّهِ ﷺ وسار، لقِيه أُسَيْدُ بنُ حُضَيْرٍ، فحيَّاه بتحيةِ النبوةِ وسلَّم عليه، ثم قال: يا رسولَ اللَّهِ، لقد رُحْتَ في ساعةٍ مُنْكَرةٍ ما كنتَ تَرُوحُ فيها. فقال له رسولُ اللَّهِ ﷺ : "أوَ ما بلَغك ما قال صاحبُكم؟ ". قال: فأيُّ صاحبٍ يا رسولَ اللَّهِ؟ قال: "عبدُ اللَّهِ بنُ أبيٍّ". قال: وما قال؟ قال: "زَعم أنه إن رجَع إلى المدينةِ أخْرج الأعزُّ منها الأذلَّ". قال أُسَيْدٌ: فأنت واللَّهِ يا رسولَ اللَّهِ تُخْرِجُه إن شئتَ، هو واللَّهِ الذليلُ، وأنت العزيزُ. ثم قال: يا رسولَ اللَّهِ، ارْفُقْ به، فواللَّهِ لقد جاء اللَّهُ بك، وإن قومَه لَيَنْظِمون له الخَرَز ليُتَوِّجوه، فإنه لَيَرَى أنك قد اسْتَلَبْتَه مُلكًا. ثم مشَى رسولُ اللَّهِ ﷺ بالناسِ يومَهم ذلك حتى أمْسَى، وليلتَهم حتى أصْبَح، وصَدْرَ يومِهم ذلك حتى آذَتْهم الشمسُ، ثم نزَل بالناسِ، فلم يَكُنْ إلا أن وجَدوا مسَّ الأرضِ ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨)﴾ وقَعوا نِيامًا، وإنما فعَل

стр. 15334

ذلك ليَشْغَلَ الناسَ عن الحديثِ الذي كان بالأمسِ، مِن حديثِ عبدِ اللَّهِ بنِ أبيٍّ، ثم راح بالناسِ، وسلَك الحجازَ، حتى نزَل على ماءٍ بالحجازِ فُوَيْقَ النَّقيعِ (١)، يقالُ له: نقعاءُ (٢). فلمَّا راح رسولُ اللَّهِ ﷺ هبَّت على الناسِ ريحٌ شديدةٌ آذَتْهم وتخَوَّفوها، فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "لا تخافوا فإنما هبَّت لموتِ عظيمٍ مِن عُظماءِ الكفارِ". فلمَّا قدِموا المدينةَ وجَدوا رفاعةَ بنَ زيدِ بنِ التابوتِ أحدَ بني قَيْنُقاعَ، وكان من عظماءِ، يهودَ، وكهفًا للمنافقين، قد مات ذلك اليومَ، نزَلَت السورةُ التي ذكَر اللَّهُ فيها المنافقين في عبدِ اللَّهِ بنِ أبيٍّ ابنِ سَلولَ، ومَن كان معه على مثلِ أمرهِ، فقال: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾، فلمَّا نزَلَت هذه السورةُ أخَذ رسولُ اللَّهِ ﷺ بأذنِ زيدٍ فقال: "هذا الذي أَوْفَى اللَّهُ بأُذُنِه". وبلَغ عبدَ اللَّهِ بنَ عبدِ اللَّهِ بنِ أبيٍّ الذي كان مِن أبيه (٣). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، عن عاصمِ بنِ عمرَ بنِ قتادةَ، أن عبدَ اللَّهِ بنَ عبدِ اللَّهِ بنِ أبيٍّ أتَى رسولَ اللَّهِ ﷺ ، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، إنه بلَغني أنك تُريدُ قتلَ عبدِ اللَّهِ بن أبيٍّ فيما بلَغك عنه، فإن كنتَ فاعلًا، فمُرْني به، فأنا أَحْمِلُ إليك رأسَه، فواللَّهِ لقد علِمَت الخزرجُ ما كان لها (٤) رجلٌ أبرَّ بوالدِه مني، وإني أخْشَى أن تَأْمُرَ به غيري (٥) فيَقْتُلَه، فلا تَدَعُني نفسي أن أَنْظُرَ إلى قاتلِ عبدِ اللَّهِ بنِ أبيٍّ يَمْشِي في الناسِ فأَقْتُلَه، فأَقْتُلَ مؤمنًا بكافرٍ، فأَدْخُلَ

стр. 15335

النارَ. فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "بل [نَرْفُقُ به، ونُحْسِنُ] (١) صحبتَه ما بقِي معنا". وجعَل بعد ذلك اليومِ إذا أحْدَث الحَدَثَ كان قومُه هم الذين يُعاتِبونه، ويَأْخُذونه ويُعَنِّفونه ويتوعدونه، فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ لعمرَ بنِ الخطابِ حينَ بلَغه ذلك عنهم من شأنِهم: "كيف تَرَى يا عمرُ، أمَا واللَّهِ لو قتَلْتُه يومَ أمَرْتَني بقتلِه لَأَرْعَدَت له آنُفٌ، لو أمَرْتُها اليومَ بقتلِه لقتَلَتْه". قال: فقال عمرُ: قد واللَّهِ علِمْتُ لَأَمْرُ رسولِ اللَّهِ ﷺ أعظمُ بركةً مِن أمري (٢). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٩)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يا أيُّها الذين صدَّقوا اللَّهَ ورسولَه ﴿لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ﴾. يقولُ: لا تُوجِبْ لكم أموالُكم ولا أولادُكم اللهوَ عن ذِكْرِ اللَّهِ، وهو مِن: أَلْهَيْتُه عن كذا وكذا، فلَهَا هو يَلْهُو لَهْوًا، ومنه قولُ امرِئِ القيسِ (٣): ومِثْلِكِ حُبْلَى قد طَرَقْتُ ومُرْضِعٍ … فأَلْهَيْتُها عن ذي تَمائمَ مُحْوِلٍ وقيل: عُنِي بذكرِ اللَّهِ جلَّ ثناؤُه في هذا الموضعِ الصلواتُ الخمسُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن أبي سِنانٍ، عن ثابتٍ، عن الضحاكِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾. قال:
следующие страницы →