← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

بجنازةٍ عليه فأُثْنِى عليها ثناءٌ (١) حسنٌ، فقال: "وَجَبَتْ". ومُرَّ عليه بجِنازةٍ أُخْري، فأُثْنِى عليها دونَ ذلك، فقال: "وَجَبَتْ". قالوا: يا رسولَ اللهِ، ما "وجَبَتْ؟ " قال: "الملائِكةُ شُهداءُ اللهِ في السماءِ، وأنتم شُهداءُ اللهِ في الأرضِ، فما شَهِدْتم عليه [من شيءٍ] (٢) وَجَبَتْ". ثم قرَأ: " ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ " (٣) الآية [التوبة: ١٠٥]. وحَدَّثَنِي محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حَدَّثَنَا أبو عاصمٍ، عن عيسي، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾: تكونوا شهداءَ لمحمدٍ ﷺ على الأُممِ؛ اليهودِ والنصارَى والمجوسِ (٤). وحَدَّثَنِي المثنَّي، قال: حَدَّثَنَا أبو حذيفةَ، قال: حَدَّثَنَا شبلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. وحَدَّثَنِي محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حَدَّثَنَا أبو عاصمٍ، عن عيسي، عن ابنِ أبى نجيحٍ، قال: يأْتى النَّبِيُّ ﷺ يومَ القيامةِ بإذنِه (٥) ليس معه أحدٌ، فتَشْهَدُ له أمةُ محمدٍ ﷺ أن قد (٦) بلَّغهم. وحَدَّثَنِي المثنَّي، قال: حَدَّثَنَا أبو حذيفةَ، قال: حَدَّثَنَا شبلٌ، عن ابن أبى نَجيحٍ، عن أبيه، أنه سمِع عُبيد بنَ عُميرٍ [يقولُ. فذكَر] (٢) مثلَه (٧).

стр. 1542

وحَدَّثَنَا القاسمُ، قال: حَدَّثَنَا الحسين، قال: حَدَّثَنِي حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: حَدَّثَنِي ابنُ أبى نَجيحٍ، عن أبيه، قال: يأتى النَّبِيُّ ﷺ يومَ القيامةِ. فذكَر مثلَه، ولم يذكُرْ عُبيدَ بنَ عُميرٍ (١). وحَدَّثَنَا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حَدَّثَنَا يزيدُ، قال: حَدَّثَنَا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ أى: أنَّ رسلَهم قد بلّغتْ قومَها عن ربِّها، ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ على أنَّه قد بلَّغ رسالاتِ رِّبه إلى أُمتِه. وحَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيي، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادَةَ: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾: لتكونَ هذه الأمةُ شهداءَ على الناسِ أن الرسُلَ قد بلَّغتهم، ويكونَ الرسولُ على هذه الأمةِ شهيدًا أن قد بلَّغ ما أُرْسِل به (٢). حَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيي، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن زيدِ ابنِ أسلمَ، أنّ قومَ نوحٍ يقولون يومَ القيامةِ: لَمْ يبلِّغْنا نوحٌ. فيُدْعَى نوحٌ فيُسألُ: هل بلَّغتَهم؟ فيقولُ: نعم، [قد بلَّغتُهم] (٣). فيقالُ: من شُهودُك؟ فيقولُ: أحمدُ وأُمتُه. فتُدْعَوْن فتُسأَلون فتقولون: نعم قد بلَّغهم. فيقولُ قومُ نوحٍ: كيف تَشْهدون (٤) علينا ولم تُدْرِكونا (٥)؟ قالوا: قد جاءنا (٦) نبيُّ اللهِ فأخبَرنا أنه قد بلَّغكم، وأُنزلَ عليه أنه قد بلَّغكم، فصدَّقْناه. قال: فيُصدَّق نوحٌ [ويكذبون هم] (٧). قال: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (٨).

стр. 1543

حَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيي، قال: أخبرَنا عبد الرزّاق، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، أن الأممَ يقولون يومَ القيامةِ: واللهِ لقد كادت هذه الأمةُ أن يكونوا (١) أنبياءَ كلَّهم. لِما يَرَوْن اللهَ أعطاهم (٢). وحدَّثنى المثنَّي، قال: حَدَّثَنَا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ المباركِ، عن رِشدِينَ (٣) بنِ سعدٍ، قال: أخبَرنى ابنُ أنعمٍ المَعافرِىُّ، عن حِبّانَ بنِ أبى جَبَلةَ، يُسْنِدُه (٤) إلى رسولِ اللهِ ﷺ قال: "إذا جمَع اللهُ عبادَه يومَ القيامَة كان أوَّلَ من يُدْعَى إسْرافيلُ، فيقولُ له ربُّه: ما فعَلْتَ في عَهْدى؟ هل بَلَّغْتَ عَهْدى؟ فيقولُ: نعم رَبِّ، قد بَلَّغْتُه جبْريلَ. فيُدْعَى جبْرِيلُ فيقالُ له: هل بَلَّغَك (٥) إسْرافيلُ عَهْدى؟ فيقولُ: نعم ربِّ، قد بَلَّغنى. فيُخَلَّى عن إسرافيلَ، ويقالُ لجبريلَ: هل بَلَّغْتَ عَهْدى؟ فيقولُ: نعم قد بَلَّغْتُ الرُّسُلَ. فتُدْعَى الرسلُ فيقالُ لهم: هل بَلَّغَكم جبريلُ عَهْدِى؟ فيقولون: نعم رَبَّنا. فيُخَلَّى عن جبريلَ، ثم يقالُ للرسلِ: ما فَعَلتم بعَهْدى؟ فيقولون: بلَّغْنا أُمَمَنا. فتُدْعى الأُممُ فيقالُ: هل بَلَّغَكم الرسلُ عَهْدى؟ فمنهم المُكَذِّبُ، ومنهم المُصدِّقُ، فتقولُ الرسلُ: إن لنا عليهم شُهودًا يَشْهَدون أنْ قد بَلَّغْنا مع شَهادتِك. فيقولُ: من يَشْهَدُ لكم؟ فيقولون: أُمَّةُ أحمدَ. فتُدْعَى أُمةُ أحمدَ. فيقولُ: أتَشْهَدُون أن رُسُلى هؤلاء قد بَلَّغوا عَهْدى إلى من أُرْسِلوا إليه؟ فيقولون: نعم رَبَّنا، شهِدْنا أنْ قد بَلَّغوا. فتقولُ تلك الأُممُ: ربَّنا (٦)، كيف يَشْهَدُ علينا من لَمْ يُدْرِكْنا؟ فيقولُ لهم الرَّبُّ: كيف تَشْهَدون على من لَمْ تُدْرِكوا؟

стр. 1544

فيقولون: رَبَّنا بَعَثْتَ إلينا رسولًا، وأنزَلْت إلينا عهْدَك وكتابَك، وقصَصْتَ علينا أنهم قد بَلَّغُوا، فشهِدْنا بما عَهِدْتَ إلينا. فيقولُ الرَّبُّ: صَدَقُوا. فذلك قولُه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾. والوسطُ العدلُ: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ ". قال ابنُ أنعمٍ: فبلَغنى أنه يشهَدُ يومئذٍ أمةُ محمدٍ إلَّا من كان في قلبِه حِنَةٌ (١) على أخيه (٢). حَدَّثَنَا المثنَّي، قال: حَدَّثَنَا إسحاقُ، قال: حَدَّثَنَا أبو زهيرٍ، عن جُوَيْبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾: يَعنى بذلك الذين استَقاموا على الهدَي، فهم الذين يكونون شهداءَ على الناسِ يومَ القيامةِ، لتكذيبِهم رسلَ اللهِ، وكفرِهم بآياتِ اللهِ. وحدِّثتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾. يقولُ: لتكونوا شهداءَ على الأُمَمِ الذين خلَوْا من قبلِكم بما جاءتهم به (٣) رسلُهم، وبما كذَّبوهم، فقالوا يومَ القيامةِ وعجِبوا: إن أمةً لَمْ يكونوا في زمانِنا، فآمَنوا بما جاءَت به رسلُنا، وكذَّبْنا نحن بما جاءُوا به! فعجِبوا كلَّ العجبِ (٤). وقولُه: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ يعنى: بإيمانِهم به، وبما أُنزِل عليه.

стр. 1545

حَدَّثَنِي محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حَدَّثَنِي أبي، قال: حَدَّثَنِي عمِّي، قال: حَدَّثَنِي أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾: يعنى أنهم شهداءُ (١) على القرونِ بما سمَّى اللهُ لهم. حدَّثنا القاسمُ، قال: حَدَّثَنَا الحسينُ، قال: حَدَّثَنِي حجاجٌ، قال: قال ابنُ جُريجٍ: قلتُ لعطاءٍ: ما قولُه: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ قال: أمةُ محمدٍ شُهداءُ (١) على من ترَك الحقَّ حين جاءَه، [والإيمانَ] (٢) والهدَى ممن كان قبلَنا. [وقالها] (٣) عبدُ اللهِ بنُ كثيرٍ. قال: وقال عطاءٌ: هم (٤) شهداءُ على من ترَك الحقَّ، من (٥) ترَكه من الناسِ أجمعين، جاء ذلك أمةَ محمدِ في كتابِهم، ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ على أنَّهم قد آمَنوا بالحقِّ حين جاءهم، وصدَّقوا به (٦). حَدَّثَنِي يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ قال: رسولُ الله ﷺ شاهدٌ على أمَّتِه، وهم شهداءُ على الأُمَمِ، وهم أحدُ الأشهادِ الذين قال اللهُ: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١] [والأشهادُ أربعةٌ:] (٧) الملائكةُ الذين يُحصُون أعمالَنا، لنا وعلينا. وقرَأ قولَه: ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ [ق: ٢١] وقال: هذا يومُ القيامةِ. قال: والنبيُّون شهداءُ على أُممِهم. قال: وأمةُ محمدٍ شهداءُ

стр. 1546

على الأُممِ. قال: والأطوارُ الأجسادُ والجلودُ (١). القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾. يعنى جل ثناؤُه بقولِه: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾: ولم نجعَلْ صرْفَك عن القبلةِ التى كنتَ على التوجُّهِ إليها يا محمدُ، فصرَفْناكَ عنها، إلَّا لنعلَمَ من يتَّبِعُك (٢) ممن ينقلِبُ على عَقِبيه. والقبلةُ التى كان ﷺ عليها، التى عناها اللهُ بقولِه: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾، هى القبلةُ التى [كان يتوجَّهُ] (٣) إليها قبلَ أن يَصْرِفَه (٤) إلى الكعبةِ. كما حدَّثني موسى بنُ هارونَ قال: حَدَّثَنَا عمرُو بنُ حمادٍ، عن أسباطَ، عن السُّدِّىَّ: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾ يَعنى بيتَ المقدِس (٥). حَدَّثَنَا القاسمُ، قال: حَدَّثَنَا الحسينُ، قال: حَدَّثَنِي حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: قلت لعطاءٍ: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾؟ قال: القبلةُ بيتُ المقدسِ (٦). وإنما ترَك ذكرَ الصرفِ عنها اكتِفاءً بدَلالةِ ما قد ذُكِر من الكلامِ على معْناه،

стр. 1547

كسائرِ ما قد ذكرْنا فيما مضَى من نظائرِه (١). وإنما قلنا ذلك معْناه؛ لأن محنةَ اللهِ أصحابَ رسولِه في القبلةِ إنما كانت -فيما تظاهَرَت به الأخبارُ- عند التحويلِ من بيتِ المقدسِ إلى الكعبةِ، حتى ارتدَّ -فيما ذُكر- رجالٌ ممن كان قد أسلَم واتَّبعَ رسولَ اللهِ ﷺ ، وأظهَر (٢) كثيرٌ من المنافقين من أجلِ ذلك نفاقَهم، وقالوا: ما بالُ محمدٍ يحوِّلُنا مرَّةً إلى ههنا، ومرَّةً إلى ههنا. ومرَّةً إلى ههنا. وقال المسلمون [في أنفسِهم وفي من] (٣) مضَى من إخوانِهم المسلمين، وهم يصلُّون نحوَ بيتِ المقدسِ: بطَلَتْ أعمالُنا وأعمالُهم وضاعتْ. وقال المشرِكون: تحيّرَ محمدٌ في دينِه. فكان ذلك فتنةً للناسِ وتمحيصًا للمؤمنين، فلذلك قال جل ثناؤُه: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ بمعْنى (٤): وما جعلْنا صرْفَك عن القبلةِ التى كنتَ عليها. وتحويلَك إلى غيرِها. كما قال جل ثناؤُه: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠] بمعنى: وما جعلْنا خبرَك عن الرُّؤْيا التى أرَيناك. وذلك أنه لو لم يكنْ أخبرَ القومَ بما كان أُرِىَ ﷺ ، لم يكنْ فيه على أحد فتنةٌ. وكذلك القبلةُ الأُولى التى كانت نحوَ بيتِ المقدسِ لو لم يكنْ صرفٌ عنها إلى الكعبةِ، لم يكنْ فيها على أحدٍ فِتْنةٌ ولا محنةٌ. ذِكرُ الأخبارِ التى رُوِيت في ذلك بمعْنى ما قلنا حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، قال:

стр. 1548

كانت القبلةُ فيها بلاءٌ وتَمْحيصٌ، صلَّتِ الأنصارُ نحوَ بيتِ المقدسِ حولَيْن قبل قدومِ نبيِّ اللهِ ﷺ المدينةَ (١)، وصلَّى نبيُّ اللهِ بعد قُدومِه المدينةَ مهاجرًا نحوَ بيتِ المقدسِ ستةَ (٢) عَشرَ شهرًا، ثم وَجَّهه اللهُ بعدَ ذلك إلى الكعبةِ البيتِ الحرامِ، فقال في ذلك قائلُون من الناسِ: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾؟ لقد اشتاقَ الرجلُ إلى مولدِه! قال اللهُ: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. فقال أناسٌ لمّا صُرِفت القبلةُ نحوَ البيتِ الحرامِ: كيف بأعمالِنا التى كنا نعمَلُ في قبلتِنا الأُولَى؟ فأنزلَ اللهُ جل ثناؤُه: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾، وقد يَبْتلى اللهُ العبادَ بما شاء من أمرِه، الأمرَ بعدَ الأمرِ؛ ليعلمَ من يُطيعُه ممن يَعصِيه، وكلُّ ذلك مقبولٌ إذا كان في إيمانٍ باللهِ، وإخلاصٍ له، وتَسليمٍ لقضائِه (٣). حدَّثنى موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ، قال: كان النبيُّ ﷺ يصلِّى قِبَلَ بيتِ المقدس، فنَسَختها الكعبةُ، فلمّا تَوجَّه قِبلَ المسجدِ الحرامِ، اختلفَ الناسُ فيها فكانوا أصنافًا؛ فقال المنافقون: ما بالُهم كانوا على قبلةٍ زمانًا، ثم ترَكوها وتوجَّهُوا (٤) غيرَها؟ وقال المسلمون: ليت شِعْرَنا عن إخوانِنا الذين ماتوا وهم يصلُّون قِبلَ بيتِ المقدسِ، هل تَقبَّل اللهُ منّا ومنهم أم لا؟ وقالت اليهودُ: إن محمدًا اشتاقَ إلى بلد أبيه ومولدِه، ولو ثبَت على قبلتِنا، لكنا نرجُو أن يكونَ هو صاحبَنا الذي ننتظِرُ. وقال المشرِكون من أهلِ مكةَ: تحيّرَ [محمدٌ على] (٥) دينِه،

стр. 1549

فتوجَّه بقبلتِه إليكم، وعلِم أنكم كنتم أهدَى منه، ويوشِكُ أن يدخُلَ في دينِكم. فأنزَل اللهُ في المنافقين: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ إلى قولِه: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ﴾ وأنزلَ في الآخَرين الآياتِ بعدَها (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾؟ فقال عطاءٌ: يَبْتليهم ليعلمَ من يُسلِمُ لأمرِه. قال ابنُ جُريجٍ: بلَغنى أن ناسًا ممن أسلَم رجَعوا فقالوا: مرَّةً ههنا ومرَّةً ههنا (٢)! فإن قال لنا قائلٌ: أوَ ما كان اللهُ عالمًا بمن يتَّبعُ الرسولَ ممن ينقلِبُ على عَقِبيه، إلا بعدَ اتِّباعِ المتَّبعِ، وانقلابِ المنْقلِبِ على عَقِبيه، حتى قال: ما فعَلْنا الذي فعَلْنا من تحويلِ القبلةِ إلا لنعلَمَ المتَّبِعَ رسولَ اللهِ من المنقلِبِ على عَقِبيه؟ قيل: إن اللهَ جل ثناؤُه هو العالمُ بالأشياءِ كلِّها قبلَ كونِها، وليس قولُه: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [بخبرٍ عن] (٣) أنه لم يعلَمْ ذلك إلا بعدَ وجودِه. فإن قال: فما معْنى ذلك؟ قيل له: أمّا معْناه عندَنا فإنه: وما جعَلْنا القبلةَ التى كنتَ عليها إلا ليعلمَ رسولى وحِزْبى وأوْليائِي مَن يتَّبِعُ الرسولَ ممن ينقلِبُ على عَقِبيه، فقال جل ثناؤُه: ﴿إِلَّا

стр. 1550

لِنَعْلَمَ﴾. ومعناه: ليعلَمَ رسولى وأوليائِى. إذْ كان رسولُه وأولياؤُه من حزْبِه، وكان من شأنِ العربِ إضافةُ ما فعَلته أتباعُ الرئيسِ إلى الرئيسِ، وما فعَل بهم إليه، نحوَ قولِهم: فتَح عمرُ بنُ الخطابِ سوادَ العراقِ، وجبَى خراجَها. وإنما فعَل ذلك أصحابُه عن سببٍ كان منه في ذلك. وكالذي رُوِى في نظيرِه عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "يقولُ اللهُ: مَرِضْتُ فلم يَعُدْنى عَبْدى، واسْتقْرَضْتُه فلم يُقْرِضْنى، وشَتَمَنى ولم يَنْبَغِ له أن يَشْتُمَنى". حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: حدَّثنا خالدٌ، عن محمدِ بنِ جعفرٍ، عن العلاءِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "يقولُ (١) اللهُ: استقْرَضْتُ عَبْدى فلم يُقْرِضنى، وشَتَمَنى ولم يَنْبَغِ له أن يَشْتُمَنى، يقولُ: وادَهْراه. [وأنا] (٢) الدهْرُ، أنا الدهْرُ". حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن العلاءِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ بنحوِه. فأضاف تعالى ذكرُه الاستقراضَ والعيادةَ إلى نفسِه، وإن (٣) كان ذلك بغيرِه، إذْ كان ذلك عن سَببِه. وقد حُكِى عن العربِ سماعًا: أجوعُ في غيرِ بطنى، وأعْرَى في غيرِ ظهرِى. بمعنى جوعِ أهلِه وعيالِه، وعُرْىِ ظهورِهم. فكذلك قولُه: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾ بمعنى:

стр. 1551

يعلَمُ أوليائى وحِزْبى. وبنحوِ ما (١) قلْنا في ذلك [قالت جماعةٌ من] (٢) أهلِ التأويلِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا أبو صالحٍ، قال: حدثنى معاويةُ، عن عليِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾. قال ابنُ عباسٍ: لنَميزَ أهلَ اليقينِ من أهلِ الشكِّ (٣) والرِّيبةِ (٤). وقد (٥) قال بعضُهم: إنما قيلَ ذلك من أجلِ أن العربَ تضَعُ العِلْمَ مكانَ الرؤْيةِ، والرؤيةَ مكانَ العلمِ، كما قال جل ثناؤُه: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل: ١]، فزعَم أن معنى: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ ألم تعْلَمْ؟ وزعَم أن معنى قولِه: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾ بمعنى: إلا لنَرى من يتّبعُ الرسولَ. وزعَم أن قولَ القائلِ: رأيْتُ وعلِمتُ وشهِدتُ. حروفٌ تتعاقَبُ، فيوضَعُ بعضُها موضعَ بعضٍ، كما قال جريرُ ابنُ عطيةَ (٦): كأنّك لم تَشْهَدْ لَقِيطًا وحاجِبًا … وعمرَو بنَ عمرٍو إذ دعا (٧) يا لدارِمِ بمعنى: كأنك لم تعلَمْ لقيطًا؛ لأن بينَ هُلْكِ لَقيطٍ وحاجبٍ وزمانِ جريرٍ ما لا يَخْفى بُعدُه من المُدَّةِ، وذلك أن الذين ذكَرهم هلَكوا في الجاهليةِ، وجريرٌ كان بعدَ

стр. 1552

بُرهةٍ مضَت من مجئِ الإسلامِ. وهذا تأويلٌ بعيدٌ؛ من أجلِ أن الرؤْيةَ وإن استُعْملت في موضعِ العلمِ، من أجلِ أنه مستحِيلٌ أن يَرَى أحدٌ شيئًا، فلا توجِبُ له (١) رؤيتُه إياه علْمًا بأنه قد رآه، إذا كان صحيحَ الفِطرةِ، فجاز من الوجهِ الذي أثبَتَه رؤيةً أن يُضافَ إليه إثباتُه إياه علْمًا، وصحَّ أن يدُلَّ بذكرِ الرؤيةِ على معنى العلمِ من أجلِ ذلك، فليس ذلك وإن جاز (٢) في الرؤيةِ -لما وصفْنا- بجائزٍ في العلمِ، فيدُلَّ بذكرِ الخبرِ عن العلمِ على الرؤْيةِ؛ لأن المرءَ قد يعلَمُ أشياءَ كثيرةً لم يرَها ولا يراها، ويستَحِيلُ أن يَرى شيئًا إلا علِمه، [على ما] (٣) قد قدَّمنا البيانَ، مع أنه غيرُ موجودٍ في شيءٍ من كلامِ العربِ أن يقالَ: علِمتُ كذا. بمعنى: رأيتُه. وإنما يجوزُ توجيهُ معانى ما في كتاب اللهِ الذي أنزَله على محمدٍ ﷺ من الكلامِ، إلى ما كان موجودًا مثلَه في كلامِ العربِ، دونَ ما لم يكنْ موجودًا في كلامِها، فموجودٌ في كلامِها: رأيتُ (٤) بمعنى: علِمتُ (٥). وغيرُ موجودٍ في كلامِها: علِمتُ (٥) بمعنى: رأيتُ (٤). فيجوزُ توجيهُ قولِه (١): ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾ إلى معنى: إلَّا لنرَى. وقال آخرون: إنما قيل: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾ من أجلِ أنّ المنافقين واليهودَ وأهلَ الكفرِ باللهِ أنكَروا أن يكونَ اللهُ تعالى ذكرُه يعلَمُ الشئَ قبلَ كونِه، وقالوا -إذْ قيل لهم: إن قومًا من أهلِ القبلةِ سيرْتدُّون على أعقابِهم إذا حُوِّلت قبلةُ محمدٍ إلى الكعبةِ-: ذلك غيرُ كائنٍ. أو قالوا: ذلك باطلٌ. فلمَّا فعَل اللهُ ذلك، وحوَّل القبلةَ، وكفَر من أجلِ

стр. 1553

ذلك من كفَر، قال جل ثناؤه: ما فعَلتُ إلا ليُعلَمَ (١) عندَكم -أيها (٢) المنكِرون علْمِى بما هو كائنٌ من الأشياءِ قبل كونِه- أنى عالمٌ بما هو كائِنٌ مما لم يكنْ بَعدُ. فكأنّ معْنى قائِلِى (٣) هذا القولِ في تأويلِ قولِه: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾: إلا ليتبيَّن (٤) لكم أنّا نعلمُ من يتَّبعُ الرسولَ ممّن ينقلبُ على عَقِبَيْه. وهذا وإنْ كانَ وجهًا لهُ مَخْرجٌ، فبعيدٌ من المفهومِ. وقال آخرون: إنّما قيل: ﴿لِنَعْلَمَ﴾ -وهو بذلك عالمٌ قبلَ كونِه، وفي [حالِ كونِه] (٥) - على وجهِ الترفُّقِ (٦) بعبادِه واستمالتِهم إلى طاعتِه، كما قال جلَّ ثناؤه: ﴿قُلِ اللهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤] وقد عَلِم أنه على هدًى وأنهم على ضلالٍ مبينٍ، ولكنَّه رفَق بهم في الخطابِ، فلم يقُلْ: إنا على هدًى وأنتم على ضلالٍ. فكذلك قولُه: ﴿إِلَّا لِنَعْلَم﴾ معناه عندَهم: إلا لتعلَموا أنتم إذْ كنتم جُهّالًا به قبلَ أن يكونَ. فأضاف العلمَ إلى نفسِه، رفقًا بخطابِهم. وقد بينَّا القولَ الذي هو أولَى (٧) ذلك بالحقِّ. فأما قولُه: ﴿مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾. فإنه يعنى: الذي يتَّبعُ محمدًا ﷺ رسولَ اللهِ، فيما يأمرُه اللهُ به، فيتوَجَّهُ (٨) نحوَ الوجهِ الذي يتوجَّهُ نحوَه محمدٌ ﷺ .

стр. 1554

وأما قولُه: ﴿مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ فإنه يعنى به (١): من الذي يرتدُّ عن دينِه، فيُنافقُ، أو يكفُرُ، أو يخالفُ محمدًا ﷺ في ذلك، ممن يُظهِرُ اتِّباعَه. كما حدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ قال: من إذا دخَلته شبهةٌ رجَع عن اللهِ، وانقَلب كافرًا على عَقِبيْه. وأصلُ المرتدِّ على عَقِبيه - [وهو] (٢) المنقلِبُ على عَقِبيه- الراجِعُ مستدبِرًا في الطريقِ الذي قد كان قطَعه، منصرِفًا عنه، فقيل ذلك لكلِّ راجعٍ عن أمرٍ كان فيه، من دينٍ أو خبرٍ (٣)، ومن ذلك قولُه: ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٤] بمعنى: رجَعا في الطريقِ الذي كانا سلَكاه. وإنما قيل للمرتدِّ: مُرتدٌّ. [من ذلك] (٤)؛ لرُجوعِه عن دينِه وملَّتِه التى كان عليها. وإنما قيل: رجَع على عَقِبيه. لرُجوعِه دُبُرًا علَى عَقِبيْه (٥) إلى الوجهِ الذي كان فيه بدءُ سيرِه قبلَ مرجِعِه عنه. فجُعل (٦) ذلك مثلًا لكلِّ تاركٍ أمرًا وآخذٍ آخرَ غيرَه، إذا انصَرف عما كان فيه إلى الذي كان له تاركًا فأخذَه، فقيل: ارتدَّ فلانٌ على عَقِبيْه (٥)، وانقلَب على عَقِبيْه. القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ﴾.

стр. 1555

اختلَف أهلُ التأويلِ في التى وصَفها اللهُ جل ثناؤه بأنها كانت كبيرةً إلا على الذين هدَى اللهُ. فقال بعضُهم: عنَى جل ثناؤُه بالكبيرةِ التوليةَ من بيتِ المقدسِ شطرَ المسجدِ الحرامِ والتحويلةَ (١)، وإنما أُنِّثت (٢) الكبيرةُ لتأنيثِ التوليةِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ [قال: حدَّثنى معاويةُ بنُ صالحٍ] (٣)، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: قال اللهُ: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ﴾ يعنى: تحويلَها (٤). حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو الباهليُّ، قال: حدَّثنا الضّحّاكُ بنُ مَخْلَدٍ، قال: حدَّثنا عيسى بنُ ميمونٍ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ﴾ قال: ما أُمِروا به [من التَّحوُّلِ] (٥) إلى الكعبةِ من بيتِ المقدسِ (٦). حدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال: حدَّثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

стр. 1556

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزّاقِ، قال: أخبَرَنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه. ﴿لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ﴾. قال: كبيرةٌ حين حُوِّلتِ القبلةُ إلى المسجدِ الحرامِ، فكانت كبيرةً إلا على الذين هدَى اللهُ (١). وقال آخرون: بل الكبيرةُ هى القبلةُ بعينِها التى كان ﷺ يتوجَّهُ إليها من بيتِ المقدسِ قبلَ التحويلِ. ذكرُ من قال ذلك حُدِّثت عن عمارٍ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، [عن الربيعِ] (٢) عن أبى العاليةِ: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً﴾. أى قبلةَ بيتِ المقدسِ: ﴿إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ﴾ (٣). وقال بعضُهم: بل الكبيرةُ هى الصلاةُ التى كانوا صلَّوْها (٤) إلى القبلةِ الأُولى. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنى يونسُ بنُ عبدِ الأعلَى، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ﴾ قال: صلاتَكم حتى يَهِديَكم اللهُ القبلةَ (٥). وقد حدَّثنى (٦) يونسُ مرَّةً أُخرى فقال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ:

стр. 1557

﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً﴾. قال: صلاتَكم (١) ههنا -يعنى إلى بيتِ المقدسِ ستةَ عشرَ شهرًا- وانحرافَكم (٢) ههنا. وقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: أُنِّثت الكبيرةُ لتأنيثِ القبلةِ، وإيّاها عنَى جل ثناؤُه بقولِه: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً﴾. وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ: بل أُنِّثث الكبيرةُ لتأنيثِ التوليةِ والتحويلةِ. فتأويلُ الكلامِ على معنَى ما تأوَّلَه قائلُو هذه المقالةِ: وما جعلَنا تحويلَتَنا إيّاكَ عن القبلةِ التى كنتَ عليها وتولِيتَنَاكَ عنها، إلا لنعلَمَ من يتبِعُ الرسولَ ممن ينقلِبُ على عَقِبيْه، وإن كانت تحويلَتُنا إياك عنها وتولِيتُنَاكَ لكبيرةً إلا على الذين هدَى اللهُ. وهذا التأويلُ أولَى التأويلاتِ عندى بالصوابِ؛ لأن القومَ إنما كبُر عليهم تحويلُ النبيِّ ﷺ وجهَه عن القبلةِ الأولَى إلى الأُخْرى، لا عينُ القبلةِ، ولا الصلاةُ؛ لأن القبلةَ الأولَى والصلاةَ قد كانت وهى غيرُ كبيرةٍ عليهم. إلا أن يُوجِّهَ موجِّهٌ تأنيثَ الكبيرةِ إلى القبلةِ، ويقولَ: اجتُزِئ بذكرِ القبلةِ من ذكرِ التوليةِ والتحويلةِ؛ لدَلالةِ الكلامِ على معنى ذلك. كما قد وصفنا ذلك (٣) في نظائرِه (٤)، فيكونَ ذلك وجهًا صحيحًا، ومذهبًا مفهومًا. ومعنَى قولِه: ﴿لَكَبِيرَةً﴾: عظيمةً.

стр. 1558

كما حدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ﴾ قال: كبيرةٌ في صدورِ الناسِ، فيما يدخُلُ الشيطانُ به ابنَ آدمَ، قال: ما لهم صلَّوْا إلى ههنا ستةَ عشرَ شهرًا ثم انحرفُوا! فكبُر (١) في صُدورِ من لا يعرِفُ ولا يعقِلُ والمنافقين، قالوا: أيُّ شيءٍ هذا الدينُ؟ وأما الذين آمنوا فثبَّت اللهُ ذلك في قلوبهم. وقرَأ قولَ اللهِ: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ﴾. قال: صلاتُكم حتى يَهدِيَكم للقبلةِ. وأما قولُه: ﴿إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ﴾ فإنه يعنى به: وإن [كانت نَقْلَتُناكَ] (٢) عن القبلةِ التى كنتَ عليها لعظيمةً إلا على من وفَّقه اللهُ فهَداه لتصديقِك، والإيمانِ (٣) بذلك، واتباعِك فيه، وفيما أنزلَ اللهُ عليك. كما حدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا أبو صالحٍ، قال: حدَّثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ﴾. يقولُ: إلا على الخاشِعين، يعْنى المصدِّقين بما أنزَل اللهُ. القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ قيل: عَنَى بالإيمانِ في هذا الموضعِ الصلاةَ. ذكرُ الأخبارِ التى رُوِيت بذلك وذكرُ قولِ من قاله حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: حدَّثنا وكيعٌ وعُبيدُ اللهِ، وحدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: حدَّثنا عبيدُ اللهِ بنُ موسى، جميعًا عن إسرائيلَ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ، عن

стр. 1559

ابنِ عباسٍ، قال: لما وُجِّه رسولُ اللهِ ﷺ إلى الكعبةِ قالوا: كيف بمن مات من إخوانِنا قبلَ ذلك وهم يصلُّون نحوَ بيتِ المقدسِ؟ فأنزلَ اللهُ: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (١). حدَّثنى إسماعيلُ بنُ موسى السُّدِّىُّ، قال: أخبرنا شَرِيكٌ، عن أبي إسحاقَ، عن البراءِ في قولِ اللهِ : ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ قال: صلاتكُم نحوَ بيتِ المقدسِ (٢). حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهوازِيُّ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ الزُّبيرِيُّ، قال: حدَّثنا شريكٌ، عن أبي إسحاقَ، عن البراءِ نحوَه. حدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ نُفَيلٍ (٣) الحرّانيُّ، قال: حدَّثنا زهيرٌ، قال: حدَّثنا أبو إسحاقَ، عن البراءِ، قال: مات على القبلةِ قبلَ أن تُحوَّلَ إلى البيتِ رجالٌ وقُتلوا، فلم ندْرِ ما نقولُ فيهم، فأنزلَ اللهُ: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (٤). حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ،

стр. 1560

قال: قال أناسٌ من الناسِ لما صُرِفَت القبلةُ نحوَ البيتِ الحرامِ: كيف بأعمالِنا التى كنا نَعملُ في قبلَتِنا الأُولى (١)؟. فأنزل اللهُ: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾. حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ، قال: لما توجَّه رسولُ الله ﷺ قِبَلَ المسجدِ الحرامِ، قال المسلمون: ليت شِعْرَنا عن إخوانِنا الذين ماتوا وهم يصلُّون قِبَلَ بيتِ المقدسِ، هل تقبَّل اللهُ منَّا ومنهم أم لا؟ فأنزَل اللهُ فيهم: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ قال: صلاتَكم قِبَلَ بيتِ المقدسِ. يقولُ: إن تلك كانت (١) طاعةً وهذه طاعةٌ. حُدِّثت عن عمارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيهِ، عن الربيعِ، قال: قال ناسٌ لما صُرِفت القبلةُ إلى البيتِ الحرامِ: كيف بأعمالِنا التى كنا نعملُ في قبلَتِنا الأولَى؟ فأنزلَ اللهُ: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ الآية. حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ جريحٍ: أخبرَنى داودُ بنُ أبى عاصمٍ، قال: لما صُرِف [رسولُ اللهِ ﷺ ] (٢) إلى الكعبةِ، قال المسلمون: هلَك أصحابُنا الذين كانوا يصلُّون إلى بيتِ المقدسِ. فنزَلت: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾. حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثنى أبي، قال: حدَّثنى عمِّى، قال: حدَّثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ يقولُ: صلاتَكم التى صلَّيتم (٣) من قبلِ أن تكونَ القبلةُ. وكان المؤمنون قد أشفَقوا على من

стр. 1561

صلَّى منهم أن لا تُقبلَ صلاتُهم (١). حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ قال (٢): صلاتَكم. حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ الضِّرارىُّ (٣)، قال: أخبرنا مؤمَّلٌ، قال: حدَّثنا سفيانُ، حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ فى هذه الآيةِ: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ قال: صلاتَكم نحوَ بيتِ المقدسِ. قال أبو جعفرٍ: قد دلَّلْنا فيما مضَى على أن معنَى (٢) الإيمانِ التصديقُ، وأن التصديقَ قد يكونُ بالقولِ وحدَه، وبالفعلِ وحدَه، وبهما جميعًا (٤). فمعنى قولِه: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ -على ما تظاهَرتْ به الرِّوايةُ من أنه الصلاةُ-: وما كان اللهُ ليُضيعَ تصديقَكم (٥) رسولَه ﵊ بصلاتِكم التى صلَّيتُموها نحوَ بيتِ المقدسِ عن أمرِه؛ لأن ذلك كان منكم تصديقًا لرسولى، واتِّباعًا لأمرِى، وطاعةً منكم لى (٦). وإضاعتُه إياه جل ثناؤُه -لو أضاعَه- تركُ إثابةِ أصحابِه وعامليه عليه، فيذهَبُ ضياعًا، ويصيرُ باطلًا، كهيئةِ إضاعةِ الرجلِ مالَه، وذلك إهلاكُه إياه فيما لا يَعتاضُ منه عِوَضًا فى عاجلٍ ولا آجلٍ. فأخبرَ اللهُ جل ثناؤُه أنه لم يكنْ بالذى (٧) يُبطِلُ عمَلَ عاملٍ عمِل له عملًا وهو له طاعةٌ، فلا يُثيبُه عليه، وإن نُسِخ ذلك الفرضُ بعدَ عملِ العاملِ إياه على ما كلَّفه من عملِه.

стр. 1562

فإن قال لنا (١) قائلٌ: وكيف قال اللهُ: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ فأضاف الإيمانَ إلى الأحياءِ المخاطَبين، والقومُ المخاطَبون بذلك إنما كانوا أشفَقُوا على إخوانِهم الذين كانوا ماتوا وهم يصلُّون نحوَ بيتِ المقدسِ، وفى ذلك من أمرِهم أُنزلت هذه الآيةُ؟ قيل: إن القومَ وإن كانوا قد (١) أشفَقوا من ذلك، فإنهم أيضًا قد كانوا مشفِقين من حُبوطِ ثوابِ صلاتِهم التى صلَّوْها إلى بيتِ المقدسِ قبلَ التحْويلِ إلى الكعبةِ، وظنُّوا أن عملَهم ذلك قد بطَل وذهَب ضياعًا، فأنزلَ اللهُ هذه الآيةَ حينَئذٍ، فوجَّه الخطابَ بها إلى الأحياءِ ودخَل فيهم الموتَى منهم؛ لأن من شأنِ العربِ إذا اجتَمع فى الخبرِ المخاطَبُ والغائبُ، أن يُغَلِّبوا المخاطَبَ، فيُدْخلوا (٢) الغائبَ في الخطابِ، فيقولُوا لرجلٍ خاطَبوه على وجهِ الخبرِ عنه، وعن آخرَ غائبٍ غيرِ حاضرٍ: فعلْنا بكما وصنعْنا بكما. كهيئةِ خِطابِهم لهما وهما حاضِران، ولا يَسْتجِيزون أن يقولوا: فعلْنا بهما. وهم يُخاطِبون أحدَهما، فردُّوا (٣) المخاطَبَ إلى عدادِ الغائبِ (٤). القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثثاؤُه: ﴿إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾. ومعنى قولِه جلّ ثناؤه: ﴿إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ أن اللهَ بجميعِ عبادِه ذُو رأفةٍ. والرأفةُ على معانى الرحمةِ، وهى عامةٌ لجميعِ الخلقِ فى الدنيا ولبعضِهم فى الآخرةِ، وأمّا الرحيمُ، فإنه ذُو الرحمةِ للمؤمنين فى الدنيا والآخرةِ على ما قد بيَّنا فيما مضَى قبلُ (٥).

стр. 1563

وإنما أراد جل ثناؤُه بذلك أن اللهَ أرحمُ بعبادِه من أن يُضِيعَ لهم طاعةً أطاعُوه بها فلا يُثِيبَهم عليها، وأرأفُ بهم من أن يُؤاخذَهم بتركِ ما لم يَفرِضْ عليهم، أى: فلا تأسَوْا على موتاكم الذين ماتوا وهم يصلُّون إلى بيتِ المقدسِ، فإنى لهم -على طاعتِهم إياىَ بصلاتِهم التى صلَّوها كذلك - مثيبٌ؛ لأنى أرحمُ بهم من أن أُضيعَ لهم عملًا عمِلوه لى، ولا تحزَنُوا عليهم، فإنى غيرُ مؤاخِذِهم بتركِهم الصلاةَ إلى الكعبةِ؛ لأنى لم أكنْ فرضْتُ ذلك عليهما، وأنا أرأفُ بخلقى من أن أعاقِبَهم على تركِهم ما لم آمرْهم بعملِه. وفى الرءوفِ لغاتٌ: إحداها، "رَؤُفٌ" على مثالِ (فعُل)، كما قال الوليدُ بنُ عقبةَ (١): وشَرُّ الطّالبين (٢) فلا تَكُنْهُ … بقاتِلِ (٣) عَمِّه الرَّؤُفُ الرَّحيمُ وهى قراءةُ عامَّةِ قرَأةِ أهلِ الكوفةِ. والأُخْرى: رَءوفٌ على مثالِ (فَعولٍ). وهى قراءةُ عامةِ قَرَأَةِ أهلِ (٤) المدينةِ. ورَئِفٌ، وهى لغةُ غَطَفَانَ، على مثالِ (فَعِل)، مثل "حَذِر". ورأْفٌ، على مثالِ (فعْل) بجزمِ الهمزِ (٥)، وهى لغةٌ لبنى أسَدٍ.

стр. 1564

والقراءةُ على أحدِ الوجْهين الأوَّلين. القولُ فى تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾. يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: قد نرَى يا محمدُ نحن تقلُّبَ وجهِك فى السماءِ. ويعْنى بالتقلُّبِ التحوُّلَ والتصرُّفَ. ويعنى بقولِه: ﴿فِي السَّمَاءِ﴾ نحوَ السماءِ وقِبَلَها. وإنما قيل ذلك له ﷺ -فيما بلغَنا- لأنه كان قبلَ تحويلِ قبلتِه من بيتِ المقدسِ إلى الكعبةِ يرفعُ بصرَه إلى السماءِ، تَنظُّرًا (١) من اللهِ جلَّ ثناؤُه أمْرَه بالتحولِ (٢) نحوَ الكعبةِ. كما حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ فى قولِه: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ قال: كان النبيُّ ﷺ يقلِّبُ وجهَه إلى (٣) السماءِ يحبُّ أن يَصرِفَه اللهُ إلى الكعبةِ حتى صرَفه اللهُ إليها (٤). حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ فكان نبىُّ الله ﷺ يصلِّى نحوَ بيتِ المقدسِ، يهوَى ويشتَهِى القبلةَ نحوَ البيتِ الحرامِ، فوجَّهه اللهُ لقبلةٍ كان يهوَاها ويشتَهِيها (٥). حدَّثثا المثنَّى، قال: حدَّثنى إسحاقُ، قال: حدَّثنى ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه،

стр. 1565

عن الربيعِ فى قولِه: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ يقولُ: نظرَك فى السماءِ. وكان النبىُّ ﷺ يقلِّبُ وجهَه فى الصلاةِ وهو يصلِّى نحوَ بيتِ المقدسِ، وكان يهوَى قِبلةَ البيتِ الحرامِ، فولَّاه اللهُ قبلةً كان يهوَاها (١). حدَّثنى موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ، قال: كان الناسُ يصلُّون قِبَلَ بيتِ المقدسِ، فلما قدِمَ النبىُّ ﷺ المدينةَ على رأسِ ثمانيةَ عشرَ شهرًا من مُهاجَرِه، وكان إذا صلَّى رفَع رأسَه إلى السماءِ ينظُرُ ما يُؤْمَرُ، وكان يصلِّى قِبَلَ بيتِ المقدسِ، فنسَخَتْها الكعبةُ. وكان النبىُّ ﷺ يحبُّ أن يُصلِّىَ قِبلَ الكعبةِ، فأنزَل اللهُ: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ الآية. ثم اختُلِف فى السببِ الذى من أجلِه كان النبىُّ ﷺ يهوَى قبلةَ الكعبةِ. فقال بعضُهم: كرِهَ قبلةَ بيتِ المقدسِ من أجلِ أن اليهودَ قالوا: يتَّبعُ قبلتَنا ويخالِفُنا فى دينِنا! ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: قالت اليهودُ: يخالفُنَا محمدٌ ويتَّبعُ قبلَتَنا. فكان يدعوُ اللهَ [ويستفرِضُ القبلةَ] (٢)، فنزَلت: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ -وانقطَع قولُ يهودَ:

стр. 1566

يخالِفُنا ويتَّبعُ قِبلَتَنا! - فى صلاةِ الظهرِ، فجعَل الرجالَ مكانَ النساءِ، والنساءَ مكانَ الرجالِ (١). حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: سمعتُه -يعنى ابنَ زيدٍ- يقولُ: قال اللهُ لنبيِّه: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ [البقرة: ١١٥]. قال: فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "هؤلاء قَوْمُ يَهُودَ يَسْتَقبِلُون بَيْتًا من بُيُوتِ اللهِ -لبيتِ المقدسِ- لو أنا استقْبلْناه". فاستقْبَله النبيُّ ﷺ ستةَ عشرَ شهرًا، فبلَغه أن اليهودَ تقولُ: واللهِ ما دَرَى محمدٌ وأصحابُه أين قِبلتُهم حتى هدَيْناهم. فكرِه ذلك النبىُّ ﷺ ، ورفَع وجهَه إلى السماءِ، فقال اللهُ: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ الآية (٢). وقال آخرون: بل كان يهوَى ذلك من أجلِ أنه كان قبلةَ أبيه إبراهيمَ ﵇. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: حدَّثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن علىِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ، أن رسولَ اللهِ ﷺ لما هاجَر إلى (٣) المدينةِ، وكان أكثرَ أهلِها اليهودُ، أمَرَه اللهُ أن يستقبلَ بيتَ المقدسِ، ففرِحت اليهودُ، فاستقبَلها رسولُ الله ﷺ بضعةَ (٤) عشرَ شهرًا، فكان رسولُ اللهِ ﷺ يحبُّ قبلةَ إبراهيمَ، فكان يدْعو وينظُرُ إلى السماءِ، فأنزَل اللهُ: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي

стр. 1567

السَّمَاءِ﴾ الآية (١). وأما قولُه: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ فإنه يعنى: فلنَصرِفَنَّك عن بيتِ المقدسِ إلى قبلةٍ ترضاها. [ويَعنى بقولِه: ﴿تَرْضَاهَا﴾] (٢) تهوَاها وتُحبُّها. وأما قولُه: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ﴾ فإنه (٣) يعنى به (٣): اصرِفْ وجهَك وحوِّلْه. وقولُه: ﴿شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ يعنى بالشَّطرِ: النحوَ والقصدَ والتِّلقاءَ، كما قال الهُذَلىُّ (٤): إن العَسيرَ (٥) بها داءٌ مُخامِرُها (٦) … فشَطْرَها نَظَرُ العَينَينْ مَحْسُورُ (٧) يعنى بقولِه: شَطْرَها: نحوَها. وكما قال ابنُ أحمرَ (٨): تَعْدُو بنا شَطْرَ جَمْعٍ (٩) وهْى عاقِدَةٌ (١٠) … قد كارَبَ (١١) العَقْدُ من إيفادِها (١٢) الحقَبا (١٣)

стр. 1568

وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: حدَّثنا أبى، عن سفيانَ، عن داودَ بنِ أبى هندٍ، عن (١) أبى العاليةِ: ﴿شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ قال (٢): تلقاءَه (٣). حدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: حدَّثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن علىِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ نحوَه (٤). حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ نحوَه (٥). حدّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال: حدَّثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:

стр. 1569

﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أى: تلقاءَ المسجدِ الحرامِ (١). حدَّثنا الحسنُ (٢) بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ فى قولِه: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ قال: نحوَ المسجدِ الحرامِ (٣). حدَّثنى المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: حدثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أى: تلقاءَه (٤). وحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ جُريجٍ: أخبرنى عمرُو بنُ دينارٍ، عن ابنِ عباسٍ أنه قال: ﴿شَطْرَهُ﴾ نحوَه. حدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا الحِمَّانىُّ، قال: حدَّثنا شَرِيكٌ، عن أبى إسحاقَ، عن البراءِ: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ قال: قِبَلَه (٥). حدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿شَطْرَهُ﴾ ناحيتَه، جانِبَه. قال: وجوانبُه شُطورُه. ثم اختلَفوا فى المكانِ الذى أمَر اللهُ نبيَّه ﷺ أن يولِّىَ وجهَه إليه من المسجدِ الحرامِ: فقال بعضُهم: القِبلةُ التى حُوِّل إليها النبىُّ ﷺ ، وعناها اللهُ جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ حِيالَ مِيزابِ (٦) الكعبةِ.

стр. 1570

ذكرُ من قال ذلك حدَّثنى عبدُ الله بنُ أبى زيادٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ عمرَ، قال: أخبرَنا شعبةُ، عن يعلَى بنِ عطاءٍ، عن يحيى بنِ قمِطَّةَ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ قال: حِيالَ ميزابِ الكعبةِ (١). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: حدَّثنا هُشَيمٌ، عن يعلَى بنِ عطاءٍ، عن يحيى -يَعنى (٢) ابنَ قمِطَّةَ- قال: رأيتُ عبدَ اللهِ بنَ عمرٍو جالسًا فى المسجدِ الحرامِ بإزاءِ الميزابِ، وتلا هذه الآيةَ: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ قال: هذه القِبلةُ (٣)، هذه القِبلةُ (٤). حدَّثنا القاسمُ، قال: حدّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنا هشيمٌ بإسنادِه، عن عبدِ اللهِ ابنِ عمرٍو، نحوَه، إلَّا أنه قال: استقبَل الميزابَ فقال: هذه القبلةُ التى قال اللهُ لنبيِّه: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾. وقال آخَرون: بل ذلك البيتُ كلُّه (٥).

стр. 1571

ذكرُ من قال ذلك [حدَّثنى عمران بنُ موسى القزّازُ، قال: حدّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا عطاءُ بنُ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: البيتُ كلُّه قبلةٌ، وقبلةُ البيتِ البابُ (١). حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا هشيمٌ، قال: أخبرَنا عطاءُ بنُ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ مثلَه] (٢). حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا ابنُ عُليَّةَ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: البيتُ كلُّه قبلةٌ، وهذه قبلةُ البيتِ. يعنى التى فيها البابُ. والصوابُ من القولِ فى ذلك عندى ما قال اللهُ جلَّ ثناؤه: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ فالمولِّى وجهَه شطرَ المسجدِ الحرامِ (٣) هو المصيبُ القبلةَ، وإنما على من توجَّه إليه النيةُ بقلبِه أنه متوجِّهٌ إليه، كما أن على مَن ائتمَّ بإمامٍ فإنما عليه الائتمامُ به وإن لم يكنْ مُحاذيًا بدَنُه بدَنَه، وإن كان فى طرَفِ الصفِّ والإمامُ فى طرَفٍ آخرَ، عن يمينِه أو عن يسارِه، بعد أن يكونَ مَن خلفَه مؤتمًّا به مصلِّيًا إلى الوجهِ الذى يُصلِّى إليه الإمامُ. فكذلك حكمُ القبلةِ، وإن لم يُحاذِها (٤) كلُّ مصلٍّ ومتوجِّهٍ إليها ببدَنِه، غيرَ أنه متوجِّهٌ إليها. وإن كان عن يمينِها أو (٥) عن يسارِها مقابلَها، فهو مستقبلُها، بَعُدَ ما بينَه وبينها أو قرُب، مِن عن يمينِها أو عن يسارِها، بعد أن يكونَ

стр. 1572

غيرَ مستدبِرِها، ولا منحرفٍ عنها ببدنِه ووجهِه. كما حدّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهوازىُّ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ الزبيرىُّ، قال: حدَّثنا إسرائيل، عن أبى إسحاقَ، عن عَمِيرةَ بنِ زيادٍ الكندىِّ، عن علىٍّ: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ قال: شطْرَه فينا قِبلَه (١). وقبلةُ البيتِ الحرامِ (٢) بابُه. كما حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ والفضلُ بنُ الصَّبَّاحِ، قالا: حدَّثنا هُشيمٌ، قال: أخبرَنا عبدُ الملكِ، عن عطاءٍ، قال: قال أسامةُ بنُ زيدٍ: رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ حين خرَج من البيتِ أقبلَ بوجهِه إلى البابِ، فقال: "هذه القبلةُ، هذه القبلةُ" (٣). حدَّثنا ابنُ حُميدٍ وسفيانُ، قالا: حدَّثنا جريرُ بنُ عبدِ الحميدِ، عن عبدِ الملكِ بنِ أبى سليمانَ، عن عطاءٍ، قال: حدَّثنى أسامةُ بنُ زيدٍ، قال: خرَج النبىُّ ﷺ من البيتِ، فصلَّى ركعَتَين مستقبِلًا بوجهِه الكعبةَ، فقال: "هذه القبلةُ". مرَّتين (٤). حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحيمِ بنُ سليمانَ، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ، عن أسامةَ بنِ زيدٍ، عن رسولِ اللهِ ﷺ نحوَه. حدَّثنا سعيدُ بنُ يحيى الأُموىُّ، قال: حدَّثنى أبى، قال: حدَّثنا ابنُ جُريجٍ،

стр. 1573

قال: قلتُ لعطاءٍ: أسمِعتَ ابنَ عباسٍ يقولُ: إنما أُمِرْتم بالطوافِ، ولم تُؤْمروا بدُخولِه؟ قال: لم يكنْ ينهَى عن دُخولِه، ولكنى سمِعتُه يقولُ: أخبرَنى أسامةُ بنُ زيدٍ أن رسولَ اللهِ ﷺ لما دخَل البيتَ دعا فى نواحيه كلِّها، ولم يصلِّ حتى خرَج، فلما خرَج ركَع فى قُبُلِ القبلةِ ركعتين، وقال: "هذه القبلةُ" (١). فأخَبر ﷺ أن البيتَ هو القبلةُ، وأن قبلةَ البيتِ بابُه. القولُ فى تأويلِ قولِه : ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾. يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: وأينما كنتم من الأرضِ أيها المؤمِنون، فحوِّلوا وجوهَكم فى صلاتِكم نحوَ المسجدِ الحرامِ وتلقاءَه. والهاءُ التى فى: ﴿شَطْرَهُ﴾ عائدةٌ إلى المسجدِ الحرامِ. فأوجَب جلَّ ثناؤُه بهذه الآيةِ على المؤمِنين فرضَ التوجُّهِ نحوَ المسجدِ الحرامِ فى صلاتِهم حيثما كانوا من أرضِ اللهِ، وأُدْخلت الفاءُ فى قولِه: ﴿فَوَلُّوا﴾ جوابًا للجزاءَ، وذلك أن قولَه: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ﴾ جزاءٌ، ومعناه: حيثما تكونوا فولُّوا وجوهَكم شطْرَه. القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ يَعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ أحبارَ اليهودِ وعلماءَ النصارى. وقد قيل: إنما عنَى بذلك اليهودَ خاصةً. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السدِّىِّ: ﴿وَإِنَّ

стр. 1574

الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ قال (١): أُنزِل ذلك فى اليهودِ (٢). وقولُه: ﴿لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ يعنى به (١) هؤلاءِ الأحبارَ والعلماءَ من أهلِ الكتابِ، يعلَمون أن التوجُّهَ نحوَ المسجدِ الحرامِ (١) الحقُّ الذى فرَضه اللهُ على إبراهيمَ وذرِّيتِه وسائرِ عبادِه بعدَه. ويَعنى بقولِه: ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾ أنه الفرضُ الواجبُ على عبادِ اللهِ تعالى ذكرُه، وهو الحقُّ من عندِ ربِّهم، فرَضه عليهم. القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تعْمَلُونَ (٣)﴾. يَعنى بذلك جل ثناؤُه: وليس اللهُ بغافلٍ عما تعملون أيها المؤمِنون فى اتِّباعِكم أمرَه، وانتهائِكم إلى طاعتِه، فيما ألزَمكم من فرائضِه، وإيمانِكم به فى صلاِتكم نحوَ بيتِ المقدسِ، ثم صلاتِكم من بعدِ ذلك شطرَ المسجدِ الحرامِ، ولا هو ساهٍ عنه، ولكنه جلَّ ثناؤه مُحصِيه لكم، ومُدَّخِرُه لكم عندَه، حتى يُجازيَكم به أحسنَ جزاءٍ، ويُثيبَكم عليه أفضلَ ثوابٍ. القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾. يَعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ولئن جئتَ يا محمدُ اليهودَ والنصارَى بكلِّ برهانٍ وحُجةٍ، وهى الآيةُ، بأن الحقَّ هو ما جئتَهم به من فرضِ التحوُّلِ من قِبلةِ ييتِ المقدسِ

стр. 1575

فى الصلاةِ إلى قبلةِ المسجدِ الحرامِ، ما صدَّقوا به ولا تبِعوا -مع قيامِ الحُجَّةِ عليهم بذلك- قبلتَك التى حولتُك إليها، وهى التوجُّهُ شَطرَ المسجدِ الحرامِ. وأُجِيبتْ ﴿وَلَئِنْ﴾ بالماضى من الفعلِ، وحكْمُها الجوابُ بالمستقبلِ، تشبيهًا لها بـ "لو"، فأجِيبت بما تُجابُ به "لو" لتقارُبِ معنَيَيْهما. وقد مضَى البيانُ عن نظيرِ ذلك فيما مضَى (١). وأُجِيبتْ ﴿وَلَئِنْ﴾ (٢) بجوابِ الأيْمانِ، ولا تفعَلُ العربُ ذلك إلا فى الجزاءِ خاصةً؛ لأن الجزاءَ مُشابهُ اليمينِ فى أن كلَّ واحدٍ منهما لا يَتِمُّ أولُه إلا بآخرِه، ولا يتمُّ وحدَه، ولا يصِحُّ إلَّا بما يؤكَّدُ به بعدَه. فلما بدَأ باليمينِ فأُدخِلت على الجزاءِ، صارت اللامُ الأُولى بمنزلةِ يمينٍ، والثانيةُ بمنزلةِ جوابٍ لها، كما قيل: لعمرُكَ لتقُومَنَّ. إذْ كثُرت اللامُ من "لعمرُك" حتى صارت كحرفٍ من حروفِه، فأُجِيبتْ بما تجابُ به الأيمانُ، إذْ كانت اللامُ تنوبُ فى الأيْمانِ عن الأيمانِ دونَ سائرِ الحروفِ غيرِها (٣) التى هى أجوبةُ الأيمانِ، فتدلُّ على الأيمانِ، وتعمَلُ عملَ الأجوبةِ، ولا تدُلُّ سائرُ أجوبةِ الأيمانِ (٤) على الأيمانِ، فشُبهت اللَّامُ التى [هى جوابٌ للأيمانِ] (٥) بالأيمانِ، لما وصفْنا، فأُجِيبتْ بأجوبتِها. فكان معنى الكلامِ، إذ كان الأمرُ على ما وصفْنا: [واللهِ] (٦) لو أتيتَ الذين أُوتوا الكتابَ بكلِّ آيةٍ ما تبِعوا قبلتَك. وأما قولُه: ﴿وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ يقولُ: وما لكَ من سبيلٍ يا محمدُ إلى

стр. 1576

اتِّباعِ قبلتِهم، وذلك أن اليهودَ تستقبِلُ بيتَ المقدسِ بصلاتها، وأن النصارى تستقبِلُ المشرِقَ، فأنَّى يكونُ لك السبيلُ إلى اتباعِ قبلتِهم مع اختلافِ وُجوهِها؟! يقولُ: فالزَمْ قبلتَك التى أُمرتَ بالتوجُّهِ إليها، ودعْ عنك ما تقولُه اليهودُ والنصارى، وتدعُوك إليه مِن قِبلتِهم واستقبالِها. وأما قولُه: ﴿وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾ فإنه يَعنى: وما اليهودُ بتابعةٍ قبلةَ النصارى، وما (١) النصارَى بتابعةٍ قبلةَ اليهودِ، فمتوجِّهةٌ نحوَها. كما حدَّثنى موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السدِّىِّ: ﴿وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾ يقولُ: ما اليهودُ بتابِعى قبلةِ النصارَى، ولا النصارَى بتابِعى قبلةِ اليهودِ (٢). قال: وإنما أُنزِلت هذه الآيةُ من أجلِ أن النبيَّ ﷺ لما حُوِّل إلى الكعبةِ، قالت اليهودُ: إن محمدًا اشتاق إلى بلدِ أبيه ومَولِده، ولو ثبَت على قبلتِنا لكنا نَرْجُو أن يكونَ هو صاحبَنا الذى ننتَظِرُ. فأنزَل اللهُ جلَّ ثناؤُه فيهم: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ إلى قولِه: ﴿لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (٣). وحدَّثنى يونسُ بنُ عبدِ الأعلَى، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾ مثلَ ذلك. وإنما قلنا (٤): يعنى جلَّ ثناؤُه بذلك أن اليهودَ والنصارَى لا تجتمِعُ على قبلةٍ واحدةٍ، مع إقامةِ كلِّ حزبٍ منهم على مِلَّتِه. فقال تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : يا محمدُ لا تُشْعِرْ نفْسَك رضا هؤلاء اليهودِ والنصارَى، فإنه أمرٌ لا سبيلَ إليه؛ لأنهم

стр. 1577

مع اختلافِ مِلَلِهم لا سبيلَ لك إلى إرضاءِ كلِّ حزْبٍ منهم، من أجْلِ أنك إن اتبَعتَ قبلةَ اليهودِ أسخَطتَ النصارَى، وإن اتبَعتَ قبلةَ النصارَى أسخَطتَ اليهودَ، فدعْ ما لا سبيلَ إليه، وادْعُهم إلى ما لهم السبيلُ إليه، من الاجتماعِ على مِلَّتِك الحنيفيَّةِ المُسلِمةِ، وقبلتِك قبلةِ إبراهيمَ صلواتُ اللهِ عليه والأنبياءِ من بعدِه. القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٤٥)﴾. يعنى بقولِه جلَّ ذكرُه: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ ولئن التمَستَ يا محمدُ رضَا هؤلاءِ اليهودِ والنصارَى الذين قالوا لك ولأصحابِك: ﴿كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٣٥]. فاتبَعْتَ قبلَتَهم، يَعنى: فرجَعْتَ إلى قبلَتِهم. ويَعنى بقولِه: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ من بعدِ ما وصَل إليك من العلمِ، بإعلامِى إياك أنهم مقيمون على باطلٍ، على (١) عنادٍ منهم للحقِّ، ومعرفةٍ منهم بأن (٢) القبلةَ التى وجهتُك إليها هى القبلةُ التى فَرضْتُ على أبيكَ إبراهيمَ، صلواتُ اللهِ عليه وسائرِ ولدِه، [ومَن] (٣) بعدَه من الرسلِ، التوجُّهَ نحوَها. ﴿إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ يعنى: إنك، إذا فعَلتَ ذلك، من عبادى الظلَمةِ أنْفسَهم، المخالِفين أمرى، والتارِكين طاعتى، وأحدُهم [وفى] (٤) عِدادِهم. القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾.

стр. 1578

يَعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ﴾ أحبارَ اليهودَ وعلماءَ النصارَى. يقولُ: يعرِفُ هؤلاء الأحبارُ من اليهودِ، والعلماءُ من النصارَى، أن البيتَ الحرامَ قبلتُهم وقبلةُ إبراهيمَ وقبلةُ الأنبياءِ قبلك، كما يعرِفون أبناءَهم. كما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولِه: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ يقولُ: يعرِفون أن البيتَ الحرامَ هو (١) القبلةُ (٢). حدَّثنى المثنّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدثنا عبدُ اللهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ فى قولِ اللهِ: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ يَعنى القبلةَ (٣). حُدِّثت عن عمارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ عرَفوا أن قبلة البيتِ الحرامِ هى قبلتُهم التى أُمِروا بها، كما عرَفوا أبناءَهم (٤). حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثنى أبى، قال: حدَّثنى عمِّى، قال: حدَّثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ يعنى بذلك الكعبةَ البيتَ الحرامَ (٥).

стр. 1579

حدَّثنى موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ يعرِفون الكعبةَ [أنها هى] (١) قبلةُ الأنبياءِ، كما يعرِفون أبناءَهم (٢). حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ قال: اليهودُ يعرِفون أنها هى القبلةُ، مكةُ. حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ جُريجٍ فى قولِه: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ قال: القبلةُ والبيتُ. القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦)﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: وإنَّ طائفةً من الذين أوتوا الكتابَ، وهم اليهودُ والنصارَى. وكان مجاهدٌ يقولُ: هم أهلُ الكتابِ. حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ بذلك (٣) حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ مثلَه. حدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال: حدَّثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى

стр. 1580

نَجيحٍ، [عن مجاهدٍ] (١) مثلَه. ﴿لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾ وذلك الحقُّ هو القبلةُ التى وَجَّه اللهُ إليها نبيَّه محمدًا ﷺ بقولِه (٢): ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤]. التى كانت الأنبياءُ مِن قبلِ محمدٍ ﷺ يتوجَّهون إليها، فكَتَمتْها اليهودُ والنصارَى، فوجَّه بعضُهم شرقًا، وبعضُهم بيتَ المقدسِ، ورفَضوا ما أمَرهم اللهُ به، وكتَموا مع ذلك أمرَ محمدٍ ﷺ ، وهم يجِدونه مكتوبًا عندَهم فى التوراةِ والإنجيلِ، فأطلعَ اللهُ نبيَّه محمدًا ﷺ وأمَّتَه على خيانَتِهم اللهَ ﵎ و (٣) عبادَه، بكتمانِهم (٤) ذلك، وأخبَر أنهم يفعَلون ما يفعَلون من ذلك على علمٍ منهم بأن الحقَّ غيرُه، وأن الواجبَ عليهم من اللهِ جلَّ ثناؤه خلافُه، فقال: ﴿لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أنه (٥) ليس لهم كتمانُه، فيتعمَّدون معصيةَ اللهِ ﵎ (٦). كما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ فكتَموا محمدًا ﷺ . حدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال: حدَّثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ قال: يكتُمون محمدًا ﷺ ، وهم يجِدونه مكتوبًا عندَهم فى التوراةِ والإنجيلِ (٧).
следующие страницы →