← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

يقالَ: إنَّ ذلك كذلك. وإذ كان ذلك كذلك، فالصوابُ مِن القولِ فيما قالوه أن يُقالَ: إن الدليلَ مِن ظاهرِ كتابِ اللهِ موجودٌ بخلافِ هذا (١) التأويلِ، وهو ما وصفْنَا، وإن كان جائزًا أن تكونَ البهائمُ وسائرُ خلقِ اللهِ تَلْعَنُ الذين يكتُمونَ ما أنزلَ اللهُ في كتابِه من صِفَةِ محمدٍ ﷺ ونَعْتِه ونُبُوتهِ، بعدَ علْمِهم به، وتَلْعَنُ معهم جميعَ الظَّلَمَةِ، [غيرَ أنه غيرُ] (٢) جائزٍ قطعُ الشهادةِ بأنَّ (٣) اللهَ عَنى باللَّاعنين البهائمَ والهوامَّ ودَبيبَ الأرضِ، إلا بخبرٍ للعذرِ قاطعٍ، ولا خبرَ بذلك، وكتابُ اللهِ الذي ذكرناه دالٌّ على خِلافِه. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠)﴾. يعنِي بذلك جلَّ ثناؤه أنَّ اللهَ واللّاعنِينَ يَلْعَنونَ الكاتمِى الناسِ ما عَلِمُوا مِن أمْرِ نُبُوَّةِ محمدٍ ﷺ ونَعتِه وصِفَتِه في الكتابِ الذي أنْزَلَهُ اللهُ وبيَّنهُ للناسِ، إلَّا مَن أنابَ مِن كِتمانِه ذلك مِنهم، ورَاجعَ التوبةَ بالإيمانِ بمحمدٍ ﷺ ، والإقرارِ به وبنُبُوَّتِه، وتَصْدِيقِه فيما جاء به مِن عندِ اللهِ، وبَيانِ ما أنزَل اللهُ في كُتُبِه التي أنزَلها إلى أنبيائِه من الأمرِ باتباعِه، وأصلَحَ حالَ نفسِه بالتقرُّبِ إلى اللهِ مِن صالحِ الأعمالِ بما يُرْضيهِ عنه، وبينَّ الذي علِم من وحْيِ اللهِ الذي أنزَله إلى أنبيائِه وعَهِد إليهم في كُتُبِه، فلم يكْتُمْه، وأظْهرَه فلم يُخْفِه، ﴿فَأُولَئِكَ﴾: فهؤلاء الذين فعَلوا هذا الذي وصَفْتُ منهم، هم الذين أتوبُ عليهم، فأجْعَلُهم من أهلِ الإيابِ إلى طاعتِي، والإنابةِ إلى مَرْضاتِي.

стр. 1647

ثم قال جلَّ ثناؤه: ﴿وَأَنَا التَّوَّابُ﴾. يقولُ: وأنا الذي أَرجِعُ بقلوبِ عبيدِي المُنْصَرِفةِ عنِّي إليَّ، والرادُّها بعدَ إدبارِها عن طاعتي، إلى طلبِ مَحبَّتي، والرحيمُ بالمُقْبِلينَ بعدَ إقبالِهم إليَّ، أَتَغَمَّدُهم منِّي بعفوٍ، وأصْفَحُ عنهم (١) عظيمَ ما كانوا اجترَمُوا فيما بيني وبينَهم بفضلِ رحمتِي لهم. فإنْ قال قائلٌ: وكيف يُتابُ على مَن قد تاب؟ وما وجهُ قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾؟ وهل يكونُ تائبٌ إلا وهو مَتوبٌ عليه، أو مَتوبٌ عليهِ إلَّا وهو تائبٌ؟ قيلَ: ذلك مما لا يكونُ أحدُهما إلَّا والآخرُ معه، فسواءٌ قيلَ: إلَّا الذين تِيبَ عليهم فتابُوا. أو قيلَ: إلَّا الذين تابوا فإنِّي أتوبُ عليهم. وقد بينَّا وجْهَ ذلك فيما جاءَ من الكلام هذا المجئَ في نطيرِه فيما مضَى من كتابِنا هذا، فكرِهْنا إعادتَه في هذا الموضِعِ (٢). وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذِكرُ مَن قال ذلك حدثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾. يقولُ: أصلَحوا فيما بينَهم وبينَ اللهِ، وبَيَّنُوا الذي جاءَهم من اللهِ فلم يكْتُموه، ولم يَجْحَدُوا به، ﴿فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (٣). حدثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾. قال: بيَّنُوا ما في كتابِ اللهِ للمؤمنين، ولِمَا

стр. 1648

سألوهُم عنه من أمرِ النبيِّ ﷺ ، وهذا كلُّه في يهودَ. وقد زعَم بعضُهم أنَّ معنَى قولِه: ﴿وَبَيَّنُوا﴾. إنما هو: وبيَّنوا التوبةَ بإخلاصِ العملِ. ودليلُ ظاهرِ الكتابِ والتنزيلِ بخلافِه؛ لأن القومَ إنما عُوتِبوا في (١) هذه الآيةِ على كتمانِهم ما أنزَل اللهُ تعالى ذِكرُه وبيَّنه في كتابِه من (٢) أمرِ محمدٍ ﷺ ودينِه، ثم استثنَى منهم جلَّ ثناؤه الذين يبيِّنون أَمْرَ محمدٍ ﷺ ودينَه، ويتوبونَ مما كانوا عليهِ من الجُحودِ والكتمانِ، فأخرَجَهم من عِدادِ (٣) مَن يَلْعَنُه اللهُ ويَلْعَنُه اللّاعنون، ولم يكنِ العتابُ على ترْكِهم تبْيِينَ التوبةِ بإخلاصِ العملِ. والذين استثنَى اللهُ مِن الذين يكتُمون ما أنْزَل اللهُ مِن البيناتِ والهدَى مِن بعدِ ما بيَّنه (٤) للناسِ في الكتابِ، عبدُ اللهِ بنُ سَلَامٍ وذَوُوه مِن أهلِ الكتابِ الذين أسْلَموا فحسُنَ إسْلامُهم واتَّبعوا رسولَ اللهِ ﷺ . القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١)﴾. يعني جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: إنَّ الذين جَحدُوا نبوّةَ محمدٍ ﷺ وكذَّبوا به، مِن اليهودِ والنصارَى وسائرِ أهلِ المللِ، والمشركينَ مِن عَبَدَةِ الأوثانِ، ﴿وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ﴾. يعني: وماتوا وهم على جُحُودِهم ذلك وتكذيبِهم

стр. 1649

محمدًا ﷺ ، ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ﴾. يعني [بـ ﴿أُولَئِكَ﴾] (١): الذين كفروا وماتوا وهم كفارٌ، ﴿عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ﴾. يقولُ: أبْعَدَهم اللهُ وأسْحَقَهم مِن رحمتِه، ﴿وَالْمَلَائِكَةِ﴾. يعني: ولعنَتْهم الملائكةُ والناسُ أجمعون. ولعنةُ الملائكةِ والناسِ إيَّاهم قولُهم: عليهم لعنةُ اللهِ. وقد بينَّا معنَى اللعنةِ فيما مضَى قبلُ (٢)، بما أغنَى عن إعادَتِه. فإن قال قائلٌ: وكيف تكونُ على الذي يموتُ كافرًا بمحمدٍ [لعنةُ جميع الناسِ، وقد عَلِمتَ أنَّ من يَكفُرُ بمحمدٍ] (٣) ﷺ مِن أصنافِ الأُمَمِ، [أكثرُ ممَّن يؤمنُ] (٤) به ويُصدِّقُه؟ قيل: إنّ معنَى ذلك على خلافِ ما ذهبتَ إليه. وقد اختلفَ أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: عَنَى اللهُ بقولِه: ﴿وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾. أهلَ الإيمانِ به وبرسولِه خاصةً، دونَ سائرِ البشرِ. ذِكرُ من قال ذلك حدثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾. يعني بالناسِ أجمعينَ: المؤمنين (٥). وحدثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾. يعني بالناسِ أجمعينَ: المؤمنين.

стр. 1650

وقال آخرون: بل ذلك يومَ القيامةِ، يُوقَفُ على رءوسِ الأشهادِ الكافرُ، فيَلْعَنُه الناسُ كلُّهم. ذكرُ من قال ذلك حُدِّثتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ، أن الكافرَ يُوقَفُ يومَ القيامةِ فيَلْعَنُه اللهُ، ثم يلعنُه الملائكةُ، ثم يلعنُه الناسُ أجمعونَ (١). وقال آخرون: بل ذلك قولُ القائلِ كائنًا مَنْ كان: لعَن اللهُ الظالمَ. فيَلْحَقُ ذلك كلَّ كافرٍ؛ لأنه مِن الظَّلَمةِ. ذِكرُ مَن قال ذلك حدثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ قولَه: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾: فإنه لا يتلاعَنُ اثنانِ مؤمنانِ ولا كافرانِ، فيقولُ أحدُهما: لعنَ اللهُ الظالمَ. إلّا وجبتْ تلك اللعنةُ على الكافرِ؛ لأنه ظالمٌ، فكلُّ أحدٍ من الخَلْقِ يَلْعَنُه (٢). وأوْلَى هذه الأقوالِ بالصوابِ عندَنا قولُ مَن قال: عنَى اللهُ بذلك جميعَ الناسِ، بمعنى لَعْنِهم إيّاه (٣) بقولِهم: لعنَ اللهُ الظالمَ أو الظالمين. فإنَّ كلَّ أحدٍ مِن بني آدمَ لا يَمْتَنِعُ (٤) مِن قِيلِ ذلك كائنًا مَن كان، ومِن أيِّ أهلِ مِلةٍ كان، فيَدخُلُ بذلك في لعنتِه كلُّ كافرٍ كائنًا مَن كان، وذلك بمعنَى ما قاله أبو العاليةِ؛ لأنّ اللهَ جلَّ ثناؤه أخبرَ

стр. 1651

عمَّن شَهِدهم يومَ القيامةِ أنَّهم يَلعَنُونهم، فقال جل ثناؤه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨]. وأمّا ما قاله قتادةُ مِن أنه عُنِي به بعضُ الناسِ، فقولٌ ظاهرُ التنزيلِ بخلافِه، ولا برهانَ على حقيقتِه من خبرٍ ولا نظرٍ، فإنْ كان ظَنَّ أنَّ المَعْنِيَّ به المؤمنون، مِن أجلِ أن الكفارَ لا يَلْعَنونَ أنفُسَهم ولا أولياءَهم، فإنَّ اللهَ جلَّ ثناؤه قد أخبرَ أنهم يَلْعَنونهم في الآخرةِ، ومعلومٌ منهم أنهم يَلْعَنون الظَّلَمةَ، وداخلٌ في الظَّلمةِ كلُّ كافرٍ بظُلمِه نفسَه، وجُحودِه نعمةَ ربِّه، ومخالفتِه أمرَه. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (١٦٢)﴾. قال أبو جعفرٍ: إن قال لنا قائلٌ: ما الذي نَصَب ﴿خَالِدِينَ﴾؟ قيل: نُصِب على الحالِ، من الهاءِ والميمِ اللَّتيْن في ﴿عَلَيْهِمْ﴾. وذلك أن معنى قولِه: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ﴾: أولئكَ يَلْعَنهم اللهُ، [فتأويلُ الكلامِ: أولئك يَلْعَنهم اللهُ] (١) والملائكةُ والناسُ أجمعونَ، خالِدِين فيها. ولذلك قرأَ ذلك: (أولئِك عليهم لعنةُ اللهِ والملائكةُ والناسُ أجمعون) (٢) مَن قَرَأه كذلك، توجيهًا منه إلى المعنَى الذي وَصَفتُ، وذلك وإن كان جائزًا في العربيةِ، فغيرُ جائزةٍ القراءةُ به؛ لأنه خلافُ القراءةِ (٣) لمصاحفِ المسلمين، وما جاء به المسلمون مِن القراءةِ مُستفيضًا [فيهم، وغيرُ] (٤) جائزٍ الاعتراضُ بالشاذِّ من القولِ على ما قد ثَبَتَتْ حُجَّتُه بالنقلِ المستفيضِ.

стр. 1652

وأمّا الهاءُ والألفُ اللتان في قوله: ﴿فِيهَا﴾، فإنهما عائدتان على اللعنةِ، والمرادُ بالكلامِ ما صار إليه الكافرُ باللعنةِ مِن اللهِ ومن ملائكتِه ومن النَّاسِ، والذي صار إليه بها، نارُ جهنمَ، فأجْرَى الكلامَ على اللعنةِ؛ والمرادُ بها ما صار إليه الكافرُ، كما قد بيَّنا مِن نظائرِ ذلك فيما مضَى قبلُ. كما حُدِّثْتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾. يقول: خالدين في جهنمَ في اللَّعنةِ (١). وأما قولُه: ﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾، فإنه خبرٌ من اللهِ عن دوامِ العذابِ لهم (٢) أبدًا مِن غيرِ تَوْقيةٍ (٣) ولا تخفيفٍ، كما قال جلّ ثناؤه: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر: ٣٦]. وكما قال: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء: ٥٦]. وأما قولُه: ﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾، فإنه يعني: ولا هم ينتظِرون (٤) لمعذرةٍ (٥) يَعْتَذِرُون. كما حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ ﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾. يقولُ: لا ينظرون فيَعْتَذِرون، كقولِه ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ (٦) [المرسلات: ٣٥، ٣٦].

стр. 1653

القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾. قد بينَّا فيما مضَى معنى الأُلُوهةِ (١)، وأنها اعْتِبادُ الخلقِ، فمعنى قولِه: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ والذي يَسْتَحِقُّ عليكم أيها الناسُ الطاعةَ له، ويَسْتَوجِبُ منكم العبادةَ، معبودٌ واحدٌ وربٌّ واحدٌ، فلا تَعْبُدوا غيرَه ولا تُشْرِكُوا معه سِواه، فإن مَن تُشْرِكونَه معه في عبادتِكم إياه هو خلقٌ مِن خلقِ إلهِكم مثلُكم، وإلهُكم واحدٌ، لَا مِثْلَ له ولَا نطيرَ. واختُلِفَ في معنى وحدانيتِه جلَّ ذِكرُه؛ فقال بعضُهم: معنى وحدانيةِ اللهِ معنى نفيِ الأشباهِ والأمْثالِ عنه، كما يقالُ: فلانٌ واحدُ الناسِ، وهو واحدُ قومِه. يعني بذلك أنه ليسَ له في الناسِ مِثلٌ، ولا له في قومِه شبيهٌ ولا نظيرٌ. قالوا (٢): فكذلك معنى قولِنا (٣): اللهُ واحدٌ. نعْني (٤) به: اللهُ جلَّ ثناؤه لا مِثلَ له ولا نظيرَ. فزَعمُوا أن الذي دلَّهم على صحةِ تأويلِهم ذلك، أن قولَ القائلِ: "واحدٌ". اسمٌ (٥) لمعانٍ أربعةٍ: أحدُها، أن يكونَ واحدًا مِن جنسٍ، كالإنسانِ الواحدِ من الإنسِ. والآخَرُ، أن يكونَ غيرَ مُتَنَصِّفٍ (٦)، كالجزءِ الذي لا يَنْقَسِمُ. والثالثُ، أن يكونَ معنيًّا به: المِثلُ والاتِّفاقُ، كقولِ القائلِ: هذان الشيئانِ واحدٌ. يرادُ بذلكَ أنهمَا متشابهانٍ

стр. 1654

حتى صارَا لاشتباهِهما في المعاني كالشيءِ الواحدِ. والرابعُ، أن يكون مرادًا به نَفْيُ النظيرِ عنه والشبيهِ (١). قالوا: فلمّا كانتِ المعاني الثلاثةُ مِن معاني الواحدِ مُنْتَفِيَةً عنه، صحَّ المعنى الرابعُ الذي وَصَفْناه. وقال آخرون: معنى وحدانيتِه، عزَّ ذِكرُه، معنى انفرادِه مِن الأشياءِ، وانفرادِ الأشياءِ منه. وقالوا: إنما كان منفردًا وحدَه؛ لأنه غيرُ داخلٍ في شيْءٍ، ولا داخلٍ فيه شيْءٌ. قالوا: ولا صِفةَ (٢) لقولِ القائلِ: "واحدٌ" مِن جميعِ الأشياءِ، إلَّا ذلكَ. وأنْكَر قائلو هذه المقالةِ المعانيَ الأربعةَ التي قالها الآخرون. وأما قولُه جلَّ ثناؤه: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، فإنه خبرٌ منه ﷻ أنْ لا ربَّ للعالمين غيرُه، ولا مُسْتَوْجِبَ (٣) على العبادِ العبادةَ سواه، وأنّ كلَّ ما سواه فهُم خلقُه، والواجبُ على جميعِهم طاعتُه، والانقيادُ لأمرِه، وتركُ عبادةِ ما سواه مِن الأندادِ والآلهةِ، وهجرُ الأوثانِ والأصنامِ؛ لأنَّ جميعَ ذلك خلقُه، وعلى جميعِهم الدَّينُونَةُ له بالوحدانيةِ والأُلوُهَةِ، ولا تنبغي الأُلوهةُ إلا له، إذ كان ما بهم مِن نعمةٍ في الدنيا فمنه، دونَ ما يعبدونَه مِن الأوثانِ ويُشرِكون معه مِن الأشْراكِ (٤)، وما يصيرون إليه مِن نعمةٍ في الآخرةِ فمنه، وأن ما أشركوا معه مِن الأشْراكِ لا يَضُرُّ ولا يَنفَعُ في عاجلٍ ولا آجلٍ، ولا في دنيا ولا آخرةٍ. وهذا تنبيهٌ مِن اللهِ جلَّ ثناؤه أهلَ الشِّركِ به على ضَلالِهم، ودعاءٌ منه لهم إلى الأَوْبَةِ مِن كفرِهم، والإنابةِ من شركِهم، ثم عرَّفهم جلَّ ذكرُه بالآيةِ التي تَتلُوها موضعَ استدلالِ ذوِي الألبابِ منهم،

стр. 1655

على حقيقةِ ما نَبَّهَهم عليه مِن توحيدِه وحُجَجِه الواضحةِ القاطعةِ عُذرَهم، فقال عزَّ ذِكرُه: أيها المشركون إنْ جَهِلْتم، أو شَكَكْتم في حقيقةِ ما أخبرتُكم مِن الخبرِ؛ من أنّ إلهَكم إلهٌ واحدٌ، دون ما تدَّعون أُلُوهتَه (١) مِن الأنْدادِ والأوثانِ، فتَدَبَّروا حُجَجِي، وفَكِّروا فيها، فإن مِن حججي خَلْقَ السماواتِ والأرضِ، واختلافَ الليلِ والنهارِ، والفُلْكَ التي تجري في البحرِ بما ينفعُ الناسَ، وما أنزلتُ مِن السماءِ مِن ماءٍ فأحييتُ به الأرضَ بعدَ موتِها، وما بَثَثْتُ فيها مِنْ كلِّ دابةٍ، والسحابَ الذي سَخَّرْتُه بينَ السماءِ والأرضِ، فإن كانَ ما تَعْبُدونه مِن الأوثانِ والآلهةِ والأندادِ وسائرِ ما تُشْرِكون به، إذا اجْتَمَع جميعُه فتَظاهرَ، أو انْفَرَد بعضُه دونَ بعضٍ، يَقْدِرُ على أنْ يَخْلُقَ نظيرَ شيْءٍ مِن خَلْقي الذي سمَّيتُ لكم، فلكم بعبادتِكم ما تَعْبُدون مِن دونِي حينئذٍ عُذرٌ، وإلَّا فلَا عذرَ لكم في اتخاذِ إلهٍ سِوايَ، ولا إلهَ لكم ولما تَعْبدون غَيرِي. قال أبو جعفرٍ: فلْيَتَدَبَّرْ أولو الألبابِ إيجازَ اللهِ جلَّ ثناؤه، واحتجاجَه على جميعِ أهلِ الكفرِ به، والملحدين في توحيدِه، في هذه الآيةِ وفي التي بعدَها، بأوجزِ كلامٍ وأبلغِ حُجَّةٍ وألطفِ معنًى، يُشْرِفُ بهم على معرفةِ فضلِ حكمةِ اللهِ وبيانِه.

стр. 1656

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ القولُ في المعنَى الذي مِن أجلِه أنزلَ اللهُ علَى نبيِّه ﷺ قولِه: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)﴾. اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في السببِ الذي مِن أجلِه أنزلَ اللهُ تعالى ذِكرُه هذه الآيةَ على نبيِّه ﷺ ؛ فقال بعضُهم: أنزلها جلَّ ثناؤه عليه احتجاجًا له على أهلِ الشركِ به من عَبَدَةِ الأَوثانِ، وذلك أنَّ الله تعالى ذكرُه لما أَنْزَل على نبيِّه محمدٍ ﷺ : ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾. فتلا ذلك على الصَّحابةِ، وسَمِع به المشركون من عبدةِ الأَوثانِ، قال المشركون: وما الحجةُ والبرهانُ على أنَّ ذلك كذلك، ونحن نُنْكِرُ ذلك، وَنَزْعُمُ أنَّ لنا آلهةً كثيرةً؟ فأنزلَ اللهُ عند ذلك: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ احتجاجًا لنبيِّه ﷺ على الذين قالوا ما ذكرْنا عنهم. ذِكرُ من قال ذلك حدَّثَنِي المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، أنَّ عطاءً قال: نَزَل على النبيِّ ﷺ بالمدينة: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ فقال كفارُ قريشٍ بمكَّةَ: كيف يَسَعُ الناسَ إلهٌ واحدٌ؟ فأَنْزَل اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ إلى

стр. 1657

قولِه: ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ فبهذا تعلمون (١) أنه إلهٌ واحدٌ، وأنه إلهُ كلِّ شيْءٍ، وخالقُ كلِّ شيْءٍ (٢). وقال آخرون، بل أُنْزِلت هذه الآيةُ على النَّبِيِّ ﷺ مِن أجلِ أنَّ أهلَ الشركِ سألوا رسولَ اللهِ ﷺ آيةً (٣)، فأنْزَلَ اللهُ هذه الآيةَ، يُعْلِمُهم فيها أنَّ لهم في خلقِ السماواتِ والأرضِ وسائرِ ما ذُكِر مع ذلك - آيةً بينةً على وحدانيةِ اللهِ، وأنه لا شريكَ له في مُلكِه لمن عَقَل وتَدَبَّر ذلكَ بفهمٍ صحيحٍ. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثَنَا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن أبيه، عن أبي الضُّحَى، قال: لما نَزَلتْ: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ قال المشركون: إنْ كان هذا هكذا فليَأْتِنا بآيةٍ. فأنْزَل اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ الآية (٤). حَدَّثَنِي المُثَنَّى، قال: حَدَّثَنَا إسحاقُ بنُ الحجاجِ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، قال: حَدَّثَنِي سعيدُ بنُ مسروقٍ، عن أبي الضُّحي، قال: لما نَزَلتْ هذه

стр. 1658

الآيةُ جَعَل المشركون يَعْجَبون ويقُولون: يقولُ: إلهُكم إلهٌ واحدٌ! فليَأْتِنا (١) بآيةٍ إن كنتَ مِن الصادقين. فأنْزَل اللهُ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ الآية (٢). حَدَّثَنِي القاسمُ، قال: حدَّثَنِي الحسينُ، قال: حدَّثَنِي حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن عطاءِ بنِ أبي رَباحٍ، أنَّ المُشركين قالوا للنبيِّ ﷺ : أرِنا آيةً. فنَزَلتْ هذه الآيةُ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. حَدَّثَنَا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّيُّ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ، قال: سألتْ قريشٌ اليهودَ، فقالوا: حَدِّثونا عما جاءَكم به موسى مِن الآياتِ. فحَدَّثوهم بالعصا وبيدِه بَيْضاءَ للناظرين، وسألوا النصارى عما جاءَهم به عيسى مِن الآياتِ، فأحْبَروهم أنه كان يُبرِئُ الأكْمَهَ والأبرصَ ويُحيى الموتى بإذنِ اللهِ، فقالتْ قريشٌ عندَ ذلك للنبيِّ ﷺ : ادعُ اللهَ أن يَجْعَلَ لنا الصَّفا ذهبًا فنَزْدادَ يقينًا، ونَتَقَوَّى به على عدوِّنا. فسأل النبيُّ ﷺ ربَّه، فأوْحَى إليه: إنِّي مُعْطيهم، [أن أجْعَلَ] (٣) لهم الصَّفا ذهبًا، ولكن إن كذَّبوا بَعْدُ (٤)، عَذَّبْتُهم عذابًا لَمْ أُعَذِّبْه أحدًا مِن العالمين. فقال النَّبِيُّ ﷺ : "ذَرْنِي وَقَوْمي فأدْعُوَهُمْ يَوْمًا بِيَوْمٍ". فأنْزَل اللهُ عليه: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية. إنَّ في ذلك لآيةً لهم، إن كانوا إنما يريدون أن أجْعَلَ لهم الصَّفا

стр. 1659

ذهبًا ليَزْدادوا يَقينًا، فخَلْقُ (١) السماواتِ والأرضِ، واختلافُ الليلِ والنهارِ، أعظمُ مِن أن أجعلَ لهم الصَّفا ذهبًا (٢). حدَّثَنِي موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ فقال المشركون للنبيِّ ﷺ : غَيِّرْ لنا الصَّفا ذهبًا إن كنتَ صادقًا، [آيةً منك] (٣). فقال اللهُ: إنَّ في هذا (٤) لآياتٍ لقومٍ يَعْقِلون وقال: قد سأل الآياتِ قومٌ مِن قَبْلِكم، ثم أصْبَحوا بها كافرين. والصوابُ مِن القولِ في ذلك أن اللهَ تعالى ذِكرُه نَبَّه عبادَه على الدَّلالةِ على وحدانيتِه وتَفرُّدِه بالأُلوهةِ، دونَ كلِّ ما سواه مِن الأشياءِ، بهذه الآيةِ. وجائزٌ أن تكونَ نَزَلَتْ فيما قاله عطاءٌ، وَجائزٌ أن تكونَ نَزَلتْ فيما قاله سعيدُ بنُ جبيرٍ وأبو الضُّحَى، ولا خبرَ عندَنا بتصحيحِ قولِ أحدِ الفريقين يَقْطَعُ العذرَ، فيجوزَ أن يَقضيَ أحدٌ لأحدِ الفريقين بصحةِ قولِه على الآخَرَين، وأيِّ القولَينْ كان صحيحًا، فالمرادُ مِن الآيةِ ما قلنا. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. يعني تعالى جل ثناؤُه: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: إن في إنشاءِ اللهِ السماواتِ والأرضَ وابْتدَاعِهما. ومعنى خَلْقِ اللهِ الأشياءَ: ابتداعُه لإيجادُه إيَّاها بعدَ أن لَمْ تكل موجودةً.

стр. 1660

وقد دَلَّلْنا فيما مضَى على المعنى الذي مِن أجلِه قيلَ: الأرض. ولم تُجْمَعْ كما جُمِعَتِ السماواتُ، فأغْنَى ذلك عن إعادَتِهِ (١). فإن قال لنا قائلٌ: وهل للسماواتِ والأرضِ خَلْقٌ هم غيرُها، فيقالَ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾؟! قيل: قد اخْتُلِف في ذلك؛ فقال بعضُ الناسِ: لها خلقٌ هو غيرُها. واعْتَلُّوا في ذلك بهذه الآيةِ، وبالتي في سورةِ "الكهفِ": ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الكهف: ٥١]، وقالوا: لَمْ يخْلُقِ اللهُ شيئًا إلَّا واللهُ له مريدٌ. قالوا: فالأشياءُ كانت، بإرادةِ اللهِ، والإرادةُ خَلْقٌ لها. وقال آخرون: خلْقُ الشيءِ صفةٌ لهُ، لَا هِي هُو، ولَا هي (٢) غيرُه. وقالوا: لو كان غيرَه لوَجَب أن يكونَ مِثْلُه موصوفًا. قالوا: ولو جازَ أن يكونَ خَلْقُه غيرَه وأن يكونَ موصوفًا لوَجَب أن تكون له صفةٌ هي له خَلْقٌ، ولو وَجَب ذلك كذلكَ، لَمْ يكنْ لذلك نهايةٌ. قالوا: فكان معلومًا بذلك أنه صفةٌ للشيْءِ. قالوا: فخَلْقُ السماواتِ والأرضِ صفةٌ لهما، على ما وَصَفْنا. واعْتَلُّوا أيضًا بأن للشيْءِ خلقًا ليس هو به، من كتابِ اللهِ بنَحْوِ الذي اعْتَلَّ به الأَوَّلون. وقال آخرون: خَلْقُ السماواتِ والأرضِ، وخلقُ كلِّ مخلوقٍ، هو ذلك الشيْءُ بعينِه لا غيرُه. فمعنى قولِه: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: إنَّ في السماواتِ والأرضِ. القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾.

стр. 1661

يعنِي جل ثناؤُه بقولِه: ﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾: وتَعاقُبِ الليلِ والنهارِ عليكم أيها، الناسُ، وإنَّما الاختلافُ في هذا الموضِعِ الافْتِعالُ، مِن خُلُوفِ كلِّ واحدٍ منهما الآخرَ، كما قال عز ذكرُه: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان: ٦٢] بمعنى أنَّ كلَّ واحدٍ منهما يَخْلُفُ مكانَ صاحبِه، إذا ذهبَ الليلُ جاء النهارُ بعدَه، وإذا ذهبَ النهارُ جاء الليلُ خِلَافَه (١). ومِن ذلك قيل: خَلَف فلانٌ فلانًا في أهلِه بسوءٍ. ومنه قولُ زُهيرٍ (٢): بها العِينُ والآرَامُ يَمْشِينَ خِلْفَةً … وأطْلاؤُها يَنْهَضْنَ مِن كُلِّ مَجْثَمِ (٣) وأما "الليلُ" فإنه جمعُ لَيْلَةٍ، نظيرُ التَّمْرِ الذي هو جمعُ تَمْرَةٍ، وقد تُجمَعُ "ليالٍ"، فيَزِيدون في جمعِها ما لَمْ يكنْ في واحِدَتِها، وزيادتُهم الياءَ في ذلك نظيرُ زيادَتِهم إيَّاها في رَباعِيَةٍ وثَمانِيَةٍ وكَراهِيَةٍ. وأما "النهارُ" فإنه لا تكادُ العربُ تَجْمَعُه؛ لأنه بمنزلةِ الضَّوْءِ، وقد سُمِع في جمعِه "النُّهُر"، قال الشاعرُ (٤): لَوْلا الثَّرِيدانِ هَلَكْنا بالضُّمُرْ … ثَريدُ لَيْلٍ وثَريدٌ بالنُّهُرْ ولو قِيل في جمعِ قليلِه: أنْهِرَةٌ. كان قياسًا.

стр. 1662

القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾. يعني جل ثناؤُه: وإنَّ في الفُلكِ التي تجري في البحرِ. والفُلكُ هو السُّفنُ، واحدُه وجمعُه بلفظٍ واحدٍ، ويُذكَّرُ ويُؤنَّثُ، كما قال جلَّ ثناؤه في تذكيرِه في آيةٍ أُخرى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ (١) فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [يس: ٤١] فذَكَّرَه، وقد قال في هذه الآيةِ: ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾. [وإنما قِيل: تَجْري في البحرِ] (٢). وهي مُجْراةٌ؛ لأنَّها إذا أُجْرِيَتْ فهي الجاريةُ، فأُضِيف إليها مِن الصِّفةِ ما هو لها. وأما قولُه: ﴿بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ فإنَّ معناه: بنَفْعِ (٣) الناسِ. [فتأويلُ الكلامِ: وإنَّ في جَرْيِ الفُلكِ بنَفْعِ الناسِ] (٢) في البَحرِ. القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾. يعني جلّ ذكرُه بقولِه: ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ﴾: وفيما أنزَل اللهُ مِن السماءِ من ماءٍ؛ وهو المطرُ الذي يُنزِلُه اللهُ مِن السماءِ. وقولُه: ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾. وإحياؤُها: عِمارتُها وإخراجُ نباتِها.

стр. 1663

والهاءُ التي في ﴿بِهِ﴾ عائدةٌ على "الماءِ"، والهاءُ والألفُ في قولِهِ: ﴿بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ على الأرضِ. وموتُ الأرضِ: خرابُها ودُثُورُ عمارتِها، وانقطاعُ نباتِها الذي هو للعبادِ أقْواتٌ، وللأنامِ أرزاقٌ. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾. يعني بقوله: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾: وإنَّ فيما بَثَّ في الأرضِ من دابةٍ. ومعنى قوله: ﴿وَبَثَّ فِيهَا﴾: وفَرَّقَ فيها، مِن قولِ القائلِ: بَثَّ الأميرُ سَراياه. يعني: فَرَّقَ. والهاءُ والألفُ في قولِه: ﴿فِيهَا﴾ عائدَتانِ على "الأرضِ". والدَّابَّةُ: الفاعِلَةُ، من قولِ القائلِ: دَبَّتِ الدَّابَّةُ تَدِبُّ دَبيبًا فهي دابَّةٌ. والدَّابَّةُ اسمٌ لكلِّ ذي رُوحٍ كان غيرَ طائرٍ بِجَناحٍ؛ لدَبِيبهِ على الأرضِ. القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾. يعني بقولِه: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾: وفي تصريفه الرياحَ. فأسْقَطَ ذكْرَ الفاعلِ وأضاف الفِعلَ إلى المفعولِ، كما يقال: يُعْجِبني إكرامُ أخيك. يُرادُ: إكرامُك أخاك. وتصريفُ اللهِ إيَّاها أن يُرْسِلهَا مرةً لَواقِحَ، ومرةً يَجْعَلُها عَقِيمًا، ويَبْعَثُها عذابًا تُدّمِّرُ كلَّ شيْءٍ بأمرِ ربِّها. كما حَدَّثَنَا بشرُ بن مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ﴾ قال: قادرٌ واللهِ ربُّنَا على ذلك، إذا شاءَ جَعَلَها عذابًا ريحًا عَقيمًا لا تُلْقِحُ، إنما هي عذابٌ على من (١) أُرسِلَتْ

стр. 1664

عليه (١). وزَعم بعضُ أهلِ العربيةِ (٢) أنَّ معنى قولِه: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾. أنَّها تأتي مرَّةً جنوبًا، وشمالًا، وقبولًا، ودَبورًا. ثم قال: وذلك تصريفُها (٣). وهذه الصفةُ التي وصَف الرياحَ بها صفةُ تَصَرُّفِها لا صفةُ تَصْرِيفها؛ لأنَّ تصريفَها تصريفُ اللهِ لها، وتصرُّفَها اختلافُ هُبُوبِها. وقد يجوزُ أن يكونَ معنى قولِه: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾: وتصريفِ اللهِ هبوبَ الرياحِ باختلافِ مَهابِّها. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)﴾. يعني بقوله: ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ﴾: وفي السحاب المُسخَّرِ. و"السحابُ" جمعُ سحابةٍ. يَدُلُّ علَى ذلك قولُه جل ذكرُه: ﴿وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ﴾ [الرعد: ١٢]. ووحَّدَ المُسخَّرِ وذَكَّره، كما يُقالُ: هذه تمرةٌ، وهذا تمرٌ كثيرٌ، في جمعِه، وهذه نخلةٌ، وهذا نخلٌ. وإنما قيل للسحاب: سحابٌ - إنْ شاء اللهُ - لجرِّ بعضِه بعضًا، وسَحْبِه إيَّاهُ.

стр. 1665

مِن قولِ القائلِ: مَرَّ فلانٌ يَسْحَبُ (١) ذيلَه. [بمَعْنى: يَجُرُّه] (٢). فأمّا معنى قولِه: ﴿لَآيَاتٍ﴾: فإنه: علاماتٍ ودلالاتٍ على أنَّ خالقَ ذلك كلِّه ومُنْشِئَه إلهٌ واحدٌ. ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ لمن عَقَل مواضعَ الحُجَجِ، وفَهِم عن اللهِ أدِلَّتَه على وحدانيَّتِه. فأعلَم عزّ ذِكرُه عبادَه بأنَّ الأدلةَ والحُجَجَ إنما وُضعتْ مُعْتبَرًا لذوِي العقولِ والتمييزِ، دونَ غيرِهم مِن الخلْقِ، إذ كانوا هم المخصوصين بالأمرِ والنهيِ، والمُكَلَّفين الطاعةِ والعبادةَ، ولهم الثوابُ، وعليهم العقابُ. فإن قال قائلٌ: وكيف احْتَجَّ على أهلِ الكفرِ بقولِه: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية. في توحيدِ اللهِ، وقد عَلِمْتَ أن أصنافًا من أصنافِ الكُفْرِ (٣) تَدْفَعُ أن تكونَ السماواتُ والأرضُ وسائرُ ما ذُكِر في هذه الآيةِ مخلوقةً؟ قيل: إنَّ إنكارَ مَن أنْكَر ذلك غيرُ دافعٍ أن يكونَ جميعُ ما ذَكَر جل ثناؤُه في هذه الآيةِ دليلًا على خالقِه وصانعِه، وأنَّ له مُدَبِّرًا لا يُشبِهُه، وبارئًا لا مِثْلَ له، وذلك وإن كان كذلك، فإن اللهَ إنما حاجَّ بذلكَ قومًا كانوا مُقِرِّين بأن اللهَ خالِقُهم، غيرَ أنهم كانوا يُشرِكون في عبادَتِه عبادةَ الأصنامِ والأوثانِ، فحاجَّهم تعالى ذِكرُه فقال - إذ أنكروا قولَه: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾. وزَعَموا أنَّ له شركاءَ مِن الآلِهةِ -: إنّ إلهَكم الذي خَلَق السماواتِ والأرضَ، وأجْرَى فيها الشمسَ والقمرَ لكم بأرزاقِكم دائِبَيْن في سيرِهما - وذلك هو معنى اختلافِ الليلِ

стр. 1666

والنهارِ -[وحَمَلَكم في البَرِّ والبحرِ] (١) - وذلك هو معنى قولِه: ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ - وأنْزَل لكم الغيثَ مِن السماءِ، فأخْصَب به جَنابَكم (٢) بعدَ جُدُوبِه، وأَمْرَعَه (٣) بعدَ دُثُورِه، فنَعَشَكم (٤) به بعدَ قُنوطِكم - وذلك هو معنى قولِه: ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ - وسخَّر لكم الأنعامَ فيها لكم مطاعِمُ ومآكلُ، ومنها جَمالٌ ومَراكِبُ، ومنها أثاثٌ وملابسُ - وذلك هو معنى قولِه: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ - وأرسلَ لكم الرِّياحَ لَواقِحَ لأشجارِ ثمارِكم وغذائِكم وأقْواتِكم، وسَيَّر لكم السحابَ الذي بوَدْقِه (٥) حياتُكم، وحياةُ نَعَمِكم ومواشِيكم، وذلك هو معنى قولِه: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾. فأخْبَرَهم أن إلهَهم هو اللهُ الذي أنْعَم عليهم بهذه النِّعمِ، وتَفَرَّد لهم بها، ثم قال: ﴿هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الروم: ٤٠]، فتُشْرِكوه في عبادتِكم إياي، وتَجْعلوه لي نِدًّا وعِدْلًا؟ فإنْ لَمْ يكنْ مِن شركائكم مَن يَفْعَلُ من ذلكم مِن شيْءٍ، ففي الذي عدَدْتُ عليكم مِن نِعْمتي، وتَفَرَّدتُ لكم بأياديَّ دَلالاتٌ لكم إنْ كنتم تَعْقِلون مواقعَ الحقِّ والباطلِ، والجَوْرِ والإنصافِ، وذلك أنِّي لكم بالإحسانِ إليكَم مُتفرِّدٌ دونَ غيري، وأنتم تَجْعَلون لي في عبادتِكم إيَّايَ أنْدادًا. فهذا هو معنى الآيةِ.

стр. 1667

والذين، ذُكِّروا بهذه الآيةِ، واحْتُجَّ عليهم بها، هم القومُ الذين، وَصَفْتُ صفتَهم دونَ المعطِّلةِ والدَّهْرِيةِ، وإن كان في أصغرٍ ما عدَّد اللهُ في هذه الآيةِ مِن الحُجَجِ البالغةِ، المَقْنَع لجميعِ الأنامِ، تَرَكْنا البيانَ عنه كراهةَ إطالةِ الكتابِ بذِكرِه. القولُ في تأويلِ قولِه جلُّ ثناؤُه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾. يعني جلُّ ثناؤُه بذلك أنَّ مِن الناسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دونِ اللهِ أندادًا الله. وقد بَيَّنَا فيما مضَى أن النِّدَّ العِدْلُ: بما يَدُلُّ على ذلك مِنْ الشواهدِ، فكَرِهْنا إعادتَه (١)، وأنَّ الذين اتَّخذوا هذه الأندادَ مِن دونِ اللهُ، يُحِبون أندادَهم كحبِّ المؤمنين اللهَ، ثم أخْبَرَهم أن المؤمنين أشدُّ حبًّا للهِ من متَّخذِي هذه الأندادِ لأندادِهم. واختلَف أهلُ التأويلِ في "الأندادِ" التي كان القومُ اتَّخذوها، وما هي؟ فقال بعضُهم: هي آلهتُهم التي كانوا يَعْبُدونها مِن دون اللهِ. ذِكرُ مَن قال ذلك حَدَّثَنَا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾: من الكفارِ لأوثانِهم (٢). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي

стр. 1668

نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ﴾: مباهاةً ومضاهاةً للحقِّ بالأندادَ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ مِن الكفارِ لآلهتِهم (١). حَدَّثَنِي المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. وحُدِّثتُ عن عمارٍ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع قولَه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ﴾. قال: هي الآلهةُ التي تُعْبَدُ مِن دونِ اللهِ، يقولُ: يُحِبُّون أوثانَهم كحبِّ اللهِ. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾. أي: مِن الكفارِ لأوثانِهم (٢). حَدَّثَنِي يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال بن زيدٍ في قولِه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ﴾. قال: هؤلاءِ المشركون، أندادُهم آلهتُهم التي عَبَدوا مع الله، يُحِبُّونهم كما يُحِبُّ الذين آمنوا اللهَ، ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ مِن حُبِّهم همْ آلهتَهم (٣). وقال آخرون: بل الأندادُ في هذا الموضعِ إنما هم سادَتُهم الذين كانوا يُطيعونهم في معصيةِ اللهِ تعالى.

стр. 1669

ذِكرُ مَن قال ذلك حَدَّثَنِي موسى، قال: [حدَّثنا عمرٌو، قال] (١) ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ﴾. قال. الأندادُ مِن الرجالِ، يُطيعونهم كما يطيعون اللهَ، إذا أمروهم أطاعوهم وعَصَوُا اللهَ (٢). فإن قال قائلٌ: وكيف قيل: ﴿كَحُبِّ اللهِ﴾؟! وهل يحبُّ اللهُ الأندادَ؟! أو هل كان مُتَّخِذو الأندادِ يُحِبون اللهَ فيقالَ: ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ﴾؟! قيل: إنَّ معنى ذلك بخلافِ ما ذَهَبْتَ إليه، وإنما نَظيرُ ذلك قولُ القائِلِ: بِعتُ غلامِي كبَيْعِ غلامِك. بمعنى: بِعْتُه كما بِيعَ غُلامُك، وكبَيْعِك غلامَك. واسْتَوْفَيْتُ حقِّي منه استِيفاءَ حقِّك. بمعنى: استيفائِك حقَّكَ. فتَحْذِفُ مِن الثاني كنايةَ اسمِ المخاطَبِ اكتفاءً بكنايتِه في "الغلامِ" و"الحقِّ"، كما قال الشاعرُ (٣): فلستُ مُسَلِّمًا ما دُمْتُ حَيًّا … على زَيْدٍ بتَسْلِيمِ الأميرِ يعني بذلك: كما يُسَلَّمُ على الأميرِ. فمعنى الكلامِ إذن: ومِن الناسِ مَن يَتَّخِذُ - أيها المؤمنون - مِن دونِ اللهِ أندادًا يُحِبُّونهم كحُبِّكم (٤) اللهَ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَوْ يَرَى (٥) الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (١٦٥)﴾.

стр. 1670

اخْتَلَفَتِ القَرَأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقَرَأتْه عامَّةُ قَرَأةِ أهلِ المدينةِ والشامِ: (وَلَوْ تَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا) بالتاءِ، (إذْ يَرَون العذابَ) بالياءِ، (أنَّ القوَّةَ للهِ جميعًا وأنَّ اللهَ شديدُ العذابِ) (١) بفتح "أنَّ" و"أنَّ" كلتيهما بمعنى: ولوْ تَرى يا محمدُ الذين كفروا وظلَموا أنْفُسَهم حينَ يَرَوْن عذابَ اللهِ ويُعايِنُونه، أنَّ القوةَ للهِ جميعًا، وأنَّ اللهَ شديدُ العذابِ. ثم في نَصْبِ "أنّ" و"أنَّ" في هذه القراءةِ وجهانِ: أحدُهما، أن تُفْتَحَ بالمحذوفِ مِن الكلامِ الذي هو مطلوبٌ فيه. فيكونُ تأويلُ الكلامِ حينَئذٍ: ولو ترى يا محمدُ الذين ظَلَموا إذ يَرَوْن عذابَ اللهِ لَأَقَرُّوا. ومعنى (تَرَى). معنى: تُبصِرُ أن القوَّةَ للهِ جميعًا، وأنَّ اللهَ شديدُ العذابِ. ويكونُ الجوابُ حينئذٍ - إذا فَتَحْتَ "أنَّ" على هذا الوجْهِ - متروكًا قد اكْتُفِيَ بدَلالةِ الكلامِ عليه، ويكونُ المعنى ما وَصَفْتُ. فهذا أحدُ وَجْهَي فَتْحِ "أنّ" على قراءةِ من قرَأ: (وَلَوْ تَرَى) بالتاءِ. والوجهُ الآخرُ في الفتحِ، أن يكونَ معناه: ولو تَرَى يا محمدُ إذ يَرى الذين ظلَموا عذابَ اللهِ؛ لأنَّ القوَّةَ للهِ جميعًا، وأنَّ الله شديدُ العذابِ، لَعَلِمْتَ مبلغَ عذابِ اللهِ. ثم تُحْذَفُ اللامُ، فتُفتَحُ بذلك المعنى، لدلالةِ الكلامِ عليها. وقَرَأ ذلك آخرون مِن سَلَفِ القَرَأةِ: ولو تَرَى الذين ظلَموا إذ يَرَون العذابَ إنَّ القوةَ للهِ جميعًا وإنَّ اللهَ شديدُ العذابِ) (٢). بمعنى: ولو تَرَى يا محمدُ الذينَ ظلَمُوا حينَ يعاينُونَ عذابَ اللهِ، لَعَلِمتَ الحالَ التي يَصيرون إليها. ثم أخْبَر جل ثناؤُه خبرًا مُبْتَدأً عن قدرتِه وسلطانِه بعدَ تمامِ الخبرِ الأوَّلِ، فقال: إنَّ القوةَ للهِ جميعًا في الدنيا

стр. 1671

والآخرةِ، دونَ مَن سواه مِن الأندادِ والآلهة، وإنَّ اللهَ شديدُ العذابِ لمن أَشْرَك به، وادَّعَى معه شِرْكًا (١)، وجَعَل له نِدًّا. وقد يَحْتَمِلُ وجهًا آخرَ في قراءةِ من كَسَر "إنَّ" [وقَرَأ] (٢) بالتاء، وهو أن يكونَ معناه: ولو تَرَى يا محمدُ الذين ظلَموا إذ يَرَوْن العذابَ، يقولون: إنَّ القوَّةَ للهِ جميعًا، وإنَّ اللهَ شديدُ العذابِ. ثم يُحْذَفُ القولُ ويُكْتَفَى منه بالمقولِ. وقَرَأ ذلك آخرون: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ بالياء، ﴿إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ بفتحِ الألفِ من ﴿أَنَّ﴾ و ﴿أَنَّ﴾ (٣)، بمعنى: ولو يَرَى الذين ظلَموا عذابَ الله الذي أُعِدَّ لهم في جهنمَ، لعَلِموا حينَ يَرَوْنَه فيُعايِنونَه، أنَّ القوةَ للهِ جميعًا، وأنَّ اللهَ شديدُ العذابِ، إذ يَرَوْن العذابَ. فتكونُ ﴿أَنَّ﴾ الأُولَى منصوبةً لتَعَلُّقِها بجوابِ ﴿وَلَوْ﴾ المحذوفِ، ويكونُ الجوابُ متروكًا، وتكونُ الثانيةُ معطوفةً على الأُولى. وهذه قراءةُ عامَّةِ القَرَأةِ الكوفيين والبصريين وأهلِ مكَّةَ. وقد زعم بعضُ نَحْويِّى أهلِ البصرة أن تأويلَ قراءةِ مَن قَرَأَ: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ بالياءِ في ﴿يَرَى﴾ وفَتْحِ الألفينِ في ﴿أَنَّ﴾ وَ ﴿أَنَّ﴾: ولو يَعْلَمون؛ لأنَّهم لَمْ يكونوا عَلِموا قَدْرِ ما يُعايِنون مِن العذابِ، وقد كان النبيُّ ﷺ عَلِم. فإذا قال: (ولو تَرَى). فإنما يُخاطِبُ النَّبِيَّ ﷺ . قال: ولو كُسِرَتْ "إنَّ" على الابتداءِ إذا قال: (ولو يَرَى). جاز؛ لأنَّ (لو يَرَى): لو يَعْلَمُ. وقد يكون "لو يعلمُ" في معنًى لا يَحتاجُ معها إلى

стр. 1672

شيْءٍ، تقولُ للرجلِ: أمَا واللهِ لو تَعْلَمُ، ولو يَعلَمُ. كما قال الشاعرُ (١): إنْ يَكُنْ طِبُّك (٢) الدلالَ فلَوْ في … سَالِفِ الدَّهْرِ والسِّنِينَ الخَوَالي هذا ليس له جوابٌ إلَّا في المعنى. وقال الشاعرُ (٣): وبحَظٍّ مِمَّا نَعِيشُ ولا تَذْ … هَبْ بَكِ التُّرَّهاتُ في الأهْوالِ فأضْمَر: عِيشي. قال: وقال بعضُهم: (ولو تَرَىَ). وفَتَح (أنّ) على (تَرَى)، وليس ذلك؛ لأن النَّبيَّ ﷺ (٤) يَعْلَمُ، ولكن أرادَ أن يَعْلَمَ ذلك الناسُ، كما قال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ [السجدة: ٣] ليُخْبِرَ (٥) الناسَ عن جهلِهم، وكما قال: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١٠٧]. قال أبو جعفرٍ: وأنْكَر قومٌ أن تكونَ "أنَّ" عاملًا فيها قولُه: ﴿وَلَوْ يَرَى﴾. وقالوا: إنَّ الذين ظلَموا قد علِموا حينَ يَرَوْن العذابَ أنَّ القوَّةَ للهِ جميعًا، فلا وجهَ لقولِ مَن تَأَوَّل ذلك: ولو يَرَى الذين ظلمُوا أنَّ القوةَ للهِ. وقالوا: إنما عَمِل في "أنَّ" جوابُ "لو" الذي هو بمعنى العِلْمِ، لتقدُّمِ العلمِ الأولِ. وقال بعضُ نَحْوِيِّى الكوفةِ: مَن نَصَب ﴿أَنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ﴾، ﴿وَأَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ ممَّن قرَأ: ﴿وَلَوْ يَرَى﴾ بالياءِ، فإنّما نَصَبها بإعمالِ الرؤيةِ فيها، وجَعَل الرؤيةَ واقعةً عليه. وأمَّا مَن نَصَبها مِمَّن قرأَ: (ولو تَرَى) بالتاء؛ فإنه نَصَبها على

стр. 1673

تأويلِ: لأنَّ القوّةَ للهِ جميعًا؛ ولأنّ اللهَ شديدُ العذابِ. قال: ومَن كَسَرهما ممن قرأَ بالتاءِ، فإنه يَكْسِرُهما على الخبرِ. وقال آخرون منهم (١): فتْحُ "أنَّ" في قراءةِ مَن قَرَأ: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ بالياءِ، بإعمالِ "يَرَى"، وجوابُ الكلامِ حينئذٍ متروكٌ، كما تُرِك جوابُ ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ﴾ [الرعد: ٣١]. لأنَّ معنَى الجَنَّةِ والنارِ مُكرَّرٌ معروفٌ. وقالوا: جائزٌ كسرُ "إنَّ" في قراءةِ من قرأَ بالياءِ، وإيقاعُ الرؤيةِ على "إذْ" في المعنى. وأجازوا نَصْبَ "أنَّ" على قراءةِ مَن قَرَأ ذلك بالتاءِ، بمعنى (٢) نيةِ فعلٍ آخرَ، وأن يكونَ تأويلُ الكلامِ: ولو تَرَى الذين ظلَموا إذ يَرَون العذابَ يَرَوْن (٣) أن القوةَ للهِ جميعا. وزَعَموا أنَّ كَسْرَ "إنَّ" الوجهُ، إذا قُرِئَتْ (ولو تَرَى) بالتاءِ على الاستئنافِ؛ لأنَّ قولَه: (ولو تَرى) قد وَقَع على (الذين ظَلموا). قال أبو جعفرٍ: والصوابُ مِن القراءةِ عندَنا في ذلك: (ولو تَرَى الذين ظلَموا). بالتاءِ مِن (تَرَى)، (إذ يرون العذابَ أن القوَّةَ للهِ جميعًا وأن اللهَ شديدُ العذابِ). بمعنى: لرَأَيْت أنَّ القوَةَ للهِ جميعًا، وأنَّ اللهَ شديدُ العذابِ. فيكونُ قولُه: لَرَأَيْتَ. الثانيةُ محذوفًا مُستَغْنًى بدلالةِ قولِه: (ولو تَرَى الذينَ ظلمُوا). عن ذكرِه، وإن كان جوابًا لـ "لو"، ويكونُ الكلامُ وإن كانَ مَخرَجُه مَخْرَجَ الخطابِ لرسولِ اللهِ ﷺ ، مَعْنِيًّا به غيرُه؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان لاشكَّ عالمًا بأنَّ القوةَ للهِ جميعًا، وأنَّ اللهَ شديدُ العذابِ، ويكونُ ذلك نظيرَ قولِه: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١٠٧]. وقد بَيَّنْتُه في موضعِه (٤).

стр. 1674

وإنما اخْتَرْنا ذلك على قراءةِ الياءِ؛ لأنَّ القومَ إذا رَأَوُا العذابَ فقد أيْقَنوا أنَّ القوَّةَ للهِ جميعًا، وأنَّ اللهَ شديدُ العذابِ، فلا وجهَ لأنَّ يُقالَ: لو يَرَوْن أن القوَّةَ للهِ جميعًا. حينئذٍ؛ لأنه إنما يقالُ: لو رَأَيْتَ. لمن لَمْ يَرَ. فأمَّا مَن قد رآه، فلا معنَى لأنَّ يُقالَ له: لو رأيتَ. ومعنى قولِه: ﴿إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾: إذ يُعايِنون العذابَ. كما حُدِّثتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾ يقولُ: لو قد عايَنوا العذابَ (١). وإنما عَنَى جل ثناؤُه بقولِه: (ولو ترى الذين ظَلَموا): ولو تَرَى يا محمدُ الذين ظلَمُوا أنفسَهم، فاتَّخَذوا مِن دُوني أندادًا يُحِبونهم كحُبِّكم إيَّايَ، حينَ يُعايِنون عذابِي يومَ القيامةِ الذي أعْدَدْتُ لهم، لَعَلِمْتم أنَّ القوَّةَ كلَّها لي دونَ الأندادِ والآلهةِ، وأنَّ الأندادَ والآلهةَ لا تُغنِي عنهم هنالك شيئًا، ولا تَدْفَعُ عنهم عذابًا أحْلَلْتُ بهم، وأيْقَنتم أنِّي شديدٌ عذابي لمن كَفَر بي، وادَّعَى معي إلهًا غيري. القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾. يعني بقولِه جل ذكرُه: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾: [وأنَّ اللهَ شديدُ العقابِ] (٢) إذ تَبَرَّأ الذين اتُّبِعوا مِن الذين اتَّبَعوا. ثم اخْتَلَف أهل التأويلِ في الذين عَنَى اللهُ بقولِه: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾. فقال بعضُهم بما حَدَّثَنَا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ،

стр. 1675

قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا﴾: وهم الجبابرةُ والقادةُ والرءوسُ في الشِّركِ [والشَّرِّ] (١)، ﴿مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾: وهم الأتباعُ الضعفاءُ، ﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾ (٢). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾. قال: تَبَرَّأَتِ القادةُ مِن الأتباعِ يومَ القيامةِ (٣). حدَّثني القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، قال (٤): قال ابنُ جُريجٍ: قلتُ لعطاءٍ: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ قال: تَبَرَّأ رؤساؤُهم وقادتُهم وسادَتُهم من الذين اتَّبَعوهم (٥). وقال آخرون بما حدَّثني به موسى بن هارونَ، قال: ثنا عمرُو بن حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾: أمّا الذين اتُّبِعوا فهم الشياطينُ، تَبَرَّءُوا من الإنْسِ (٦). والصوابُ مِن القولِ عندي في ذلك أنَّ اللهَ جلَّ ثناؤُه أخْبَرَ أنَّ المتَّبَعِين على

стр. 1676

الشِّرْكِ باللهِ يَتَبَرَّءُون مِن أتباعِهم حينَ يُعايِنون عذابَ اللهِ، ولم يَخْصُصْ بذلك منهم بعضًا دونَ بعضٍ، بل عَمَّ جميعَهم، فداخِلٌ (١) في ذلك كلُّ متبوعٍ على الكفرِ باللهِ والضلالِ، أنه يَتَبَرَّأُ مِن تُبّاعِه الذين كانوا يَتَّبِعونه على الضلالِ في الدنيا، إذ عاينوا عذابَ اللهِ في الآخرِة. وأمّا دَلالةُ الآيةِ في مَن عَنَى بقولِه: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾. فإنها إنما تَدُلُّ على أنَّ الأندادَ الذين اتَّخَذَهم مِن دونِ اللهِ مَن وَصَف جل ذكرُه صفتَه بقولِه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا﴾. هم الذين يَتَبَرَّءون مِن أتْباعِهم. وإذ كانتِ الآيةُ على ذلك دَالَّةً، صحَّ التأويلُ الذي تَأَوَّلَه السُّدِّيُّ (٢) في قولِه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا﴾. أنَّ "الأنْدادَ" في هذا الموضعِ إنما أُرِيد بها الأندادُ مِن الرجالِ الذين يُطيعونهم فيما أمَروهم به مِن أمرٍ، ويَعْصُون اللهَ في طاعتِهم إيَّاهم، كما يُطِيعُ اللهَ المؤمنون ويَعْصُون غيرَه - وفَسَد تأويلُ قولِ مَن قال: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ أنهم الشياطينُ تَبَرَّءوا مِن أوليائِهم مِن الإنسِ؛ لأنَّ هذه الآيةَ إنما هي في سياقِ الخبرِ عن مُتَّخذي الأندادِ. القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦)﴾. يعني جل ثناؤُه بذلك، وأنَّ اللهَ شديدُ العذابِ إذ تَبَرَّأ الذين اتُّبِعوا مِن الذِين اتَّبَعوا، وإذ تَقَطَّعَتْ بهم الأسبابُ.

стр. 1677

ثم اخْتَلَف أهل التأويلِ في معنى "الأسبابِ"؛ فقال بعضُهم بما حدَّثني به يحيى ابنُ طلحةَ اليَرْبُوعِيُّ، قال: ثنا فُضَيلُ بنُ عياضٍ، وحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عُبيدٍ المُكْتِبِ، عن مجاهدٍ: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ قال: الوِصالُ الذي كان بينَهم في الدنيا (١). حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بنِ حَبيبِ بنِ الشَّهيدِ، قال: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، عن سفيانَ، عن عُبيدٍ المكتِبِ، عن مجاهدٍ: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ قال: تَواصُلُهم في الدنيا (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، وحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهْوازِيُّ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قالا جميعًا: ثنا سفيانُ، عن عُبيدٍ المُكْتِبِ، عن مجاهدٍ بمثلِه. حدثني محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ قال: المَوَدَّةُ (٣). حدثنا المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثني القاسمُ، قال: ثني الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: تَواصُلٌ كان بينهم بالمودَّةِ في الدنيا.

стр. 1678

حدثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، قال: أخبرني قيسُ ابنُ سعدٍ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ قال: المودَّةُ (١). حدثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾: أسبابُ الندامةِ يومَ القيامةِ، وأسبابُ المُواصَلَةِ التي كانت بينَهم في الدنيا يَتَواصَلون بها، ويَتخالُّون (٢) بها، فصارتْ عليهم عَداوةً يومَ القيامةِ ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾: [العنكبوت: ٢٥] ويَتَبَرَّأُ بعضُكم مِن بعضٍ (٣). وقال اللهُ: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧] فصارتْ كلُّ خُلَّةٍ عداوةً على أهلِها، إلا خُلَّةَ المتقين. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ قال: هو الوَصْلُ الذي كان بينَهم في الدنيا (٤). وحُدِّثتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾. يقولُ: أسبابُ (٥) النّدامةِ (٦).

стр. 1679

وقال بعضُهم: بل معنى الأسبابِ: المنازلُ التي كانت لهم مِن أُهلِ الدنيا، ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثني عمي، قال: حدَّثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ يقولُ: تقطَّعت بهم المنازلُ (١). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ سعدٍ، عن أبي جعفرٍ الرازِيِّ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾. قال: الأسبابُ: المنازلُ (٢). وقال آخرون: الأسبابُ: الأرْحامُ. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ (٣)، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، قال: قال ابنُ جُريجٍ: وقال ابنُ عباسٍ: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ قال: الأرحامُ (٤). وقال آخرون: الأسبابُ: الأعمالُ التي كانوا يَعْمَلُونها في الدنيا. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: أمّا ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ فالأعمالُ (٥).

стр. 1680

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ، وهبٍ: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ قال: أسبابُ أعمالِهم؛ فأهلُ التقوَى أُعْطُوا أسبابَ أعمالِهم (١) وثيقةً فيَأْخُذون بها فيَنْجُون، والآخرون أُعْطُوا أسبابَ أعمالِهم الخبيثةِ فتَتَقَطَّعُ (٢) بهم فيَذْهَبونَ في النارِ (٣). قال: والأسبابُ: الشيْءُ يُتَعَلَّقُ به. قال: والسببُ: الحبلُ. والأسبابُ: جمعُ سببٍ، وهو كل ما تَسَبَّبَ به الرجلُ إلى طَلِبَتِه وحاجَتِه، فيقالُ للحبلِ: سببٌ؛ لأنه يُتَسبَّبُ بالتَّعَلُّقِ به إلى الحاجةِ التي لا يُوصَلُ إليها إِلَّا بالتعلُّقِ به. ويقالُ للطريقِ: سببٌ؛ للتَّسَبُّبِ برُكوبِه إلى ما لا يُدرَكُ إلَّا بقَطْعِه. وللمُصاهَرَةِ: سببٌ؛ لأنها سببٌ للحُرْمَةِ. وللوسِيلةِ: سببٌ؛ للوصولِ بها إلى الحاجةِ. وكذلك كلُّ ما كان به إدراكُ الطَّلِبَةِ، فهو سببٌ لإدراكِها. فإذ كان ذلك كذلك، فالصوابُ من القولِ في في تأويلِ قولِه: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ أن يقالَ: إنَّ اللهَ أخْبَرَ أنَّ الذين ظَلَموا أنفسَهم من أهلِ الكُفرِ الذين ماتوا وهم كفارٌ، يتبَرَّأُ عندَ مُعاينَتهِم عذابَ اللهِ المَتبوعُ مِن التابعِ، وتَتَقَطَّعُ بهم الأسبابُ، وقد أَخْبَر اللهُ جل ثناؤُه في كتابِه أن بعضَهم يَلْعَنُ بعضًا، وأخْبَر عن الشيطانِ أنه يقولَ لأوليائِه: ﴿مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ [إبراهيم: ٢٢]. وأخْبَر جل ثناؤُه أنَّ الأخِلَّاءَ يومئذٍ بعضُهم لبعضٍ عدوٌّ إلَّا المتقين، وأن الكافرين لا يَنْصُرُ يومئذٍ بعضُهم بعضًا، فقال تعالى ذِكرُه:

стр. 1681

﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤) مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ﴾ [الصافات: ٢٤، ٢٥]. وأن الرجلَ منهم لا يَنْفَعُه نَسِيبُه ولا ذو رَحِمِه، وإن كان نَسيبُه للهِ وليًّا، فقال جل ثناؤُه في ذلك: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ [التوبة: ١١٤]. وأخبر جل ذِكرُه أن أعمالَهم تَصيرُ عليهم حسراتٍ. وكلُّ هذه المعاني أسبابٌ يُتَسبَّبُ في الدنيا بها إلى مطالبَ، فقَطَع اللهُ منافعَها في الآخرةِ عن الكافرين به [في الدنيا] (١)؛ لأنها كانت بخلافِ طاعتِه ورضاه، فهي منقطعةٌ بأهلِها، فلَا خِلالُ بعضِهم بعضًا نَفَعهم عند وُرودهِم على ربِّهم، ولا عِبادتُهم أَنْدادَهم، ولا طاعتُهم شياطِينَهم، ولا دافَعَتْ عنهم أرحامٌ فنَصَرَتْهم مِن انتقامِ اللهِ منهم، ولا أغنَتْ عنهم أعمالُهم، بل صارتْ عليهم حسراتٍ، فكلُّ أسبابِ الكفارِ منقطعةٌ، فلَا معنى أبلغُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ مِن صفةِ اللهِ، وذلك ما بيَّنَّا مِن جميعِ أسبابِهم دونَ بعضِها، على ما قلنا في ذلك. ومن ادَّعَى أن المَعْنيَّ بذلك خاصٌّ مِن الأسبابِ، سُئِل البُرهانَ (٢) على دعواه مِن أصلٍ لا تَنازُعَ فيه، وعُورِضَ بقولِ مخالِفِه فيه، فلن يقولَ في شيْءٍ من ذلك قولًا إلَّا أُلزِم في الآخَرِ مِثلَه. القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا﴾.

стр. 1682

يعني جلَّ ثناؤُه لقولِه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾: وقال تُبَّاعُ الرجالِ الذين كانوا اتَّخَذوهم أندادًا من دونِ اللهِ، يُطيعونهم في معصيةِ اللهِ، ويَعْصُون ربَّهم في طاعتِهم، إذ يَرَوْن عذابَ اللهِ في الآخرةِ: ﴿لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾. يعني بالكَرَّةِ: الرَّجْعَةَ إلى الدنيا. مِن قولِ القائلِ: كررتُ على القومِ أَكُرُّ عليهم (١) كَرًّا [ومَكَرًّا] (٢). والكرَّةُ: المَرَّةُ الواحدةُ. وذلك إذا حَمَل عليهم راجعًا بعدَ الانصرافِ عنهم، كما قال الأخْطَلُ (٣): ولقد عَطَفْنَ على فزَارَةَ عَطْفَةً … كَرَّ المَنيحِ (٤) وجُلْنَ ثَمَّ مَجَالَا وكما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا﴾ أي (٥): رجعةً إلى الدنيا (٦). وحدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثني إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾ قال: قالت الأتْباعُ: لو أن لنا كرةً إلى الدنيا فنَتَبَرَّأَ منهم كما تَبَرَّءُوا منا (٧). وقولُه: ﴿فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ﴾ منصوبٌ؛ لأنه جوابٌ للتَّمَنى بالفاءِ؛ لأنَّ القومَ تَمَنَّوا رجعةً إلى الدنيا ليَتَبَرَّءُوا مِن الذين كانوا يُطيعونهم في معصيةِ اللهِ، كما تَبَرَّأ

стр. 1683

منهم رؤساؤُهم الذين كانوا في الدنيا، المَتْبوعون فيها على الكفرِ باللهِ، إذ عاينُوا عظيمَ النازلِ بهم مِن عذابِ اللهِ، فقالوا: يا ليتَ لنا كَرَّةً إلى الدنيا، فنَتَبَرَّأَ منهم، و ﴿يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: ٢٧]. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾. ومعنى قولِه: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمَالَهُمْ﴾. يقولُ: كما أراهم العذابَ الذي ذَكَره في قولِه: ﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾ الذي كانوا يُكَذِّبون به في الدنيا، فكذلك يُريهم أيضًا أعمالَهم الخبيثَةَ التي اسْتَحَقُّوا بها العقوبةَ مِن اللهِ ﴿حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾ يعني: نَداماتٍ. والحَسَراتُ جمعُ حَسْرَةٍ، وكذلك كلُّ اسمٍ كان واحِدُه على "فَعْلَةٍ" مفتوحُ الأوَّلِ ساكِنُ الثاني، فإنَّ جمعَه على "فَعَلاتٍ"، مثل: شَهْوَةٍ وتَمْرةٍ، تُجْمَعُ: شَهَواتٍ وتَمَراتٍ. مُثَقَّلَةُ الثَّواني مِن حروفِها. فأمَّا إذا كان نعتًا فإنَّك تَدَعُ ثانِيَه ساكنًا، مِثلَ: ضَخْمةٍ، تَجْمَعُها: ضَخْماتٍ، وعَبْلَةٍ تَجْمعُها عَبْلاتٍ. وربما سُكِّن الثاني في الأسماءِ، كما قال الشاعرُ (١): عَلَّ صُرُوفَ الدَّهْرِ أو دُولاتِها (٢) … يُدِلْنَنا اللَّمَّةَ مِن لَماَّتِها فتَسْتَرِيحَ النَّفْسُ مِن زَفْرَاتِها فسَكَّن الثاني مِن "الزَّفْراتِ" وهي اسمٌ.

стр. 1684

وقيل: إنَّ الحسرةَ أشَدُّ الندامةِ. فإن قال لنا قائلٌ: فكيف يَرَوْن أعمالَهم حسراتٍ عليهم، وإنما يَتَنَدَّمُ (١) المُتنَدِّمُ على تَرْكِ الخيراتِ وفَوْتِها إيَّاه، وقد عَلِمْتَ أنَّ الكفارَ لم يكنْ لهم مِن الأعمال ما يتَنَدَّمون على تركِهم الازديادَ منه، فيُريَهم اللهُ قليلَةً، بل كانت أعمالُهم كلُّها معاصيَ للهِ، ولا حسرةَ عليهم في ذلك، وإنما الحسرةُ عليهم فيما لم يَعْملوا مِن طاعةِ اللهِ؟ قِيل له: إنَّ أهلَ التأويلِ في تأويلِ ذلك مُخْتَلِفون، فنَذْكُرُ في ذلك ما قالوا، ثم نُخْبِرُ بالذي هو أوْلَى بتأويلِه إن شاء اللهُ؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: كذلك يُريهم اللهُ أعمالَهم التي فَرَضها عليهم في الدنيا، فضَيَّعوها ولم يَعْملوا بها، حتى اسْتَوْجَب ما كان اللهُ أعَدَّ [له - لو كان عمِل بها في حياتِه] (٢)، مِن المساكنِ والنِّعَمِ - غيرُه (٣) بطاعتِه ربَّه، فصار ما فاته (٤) مِن الثوابِ - الذي كان اللهُ أعدَّه [له عندَه، لو كان أطاعه في الدنيا، إذ عاينه] (٥) عندَ دخولِ النارِ، أو قبلَ ذلك - أسًى وندامةً وحسرةً عليه (٦). ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ:

стр. 1685

﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾. زَعَم أنه تُرْفَعُ لهم الجنةُ، فيَنْظُرون إليها وإلى بيوتِهم فيها، لو أنَّهم أطاعوا اللهَ، فيقالُ لهم: تلك مساكنكم لو أطَعْتم اللهَ. ثم تُقَسَّمُ بينَ المؤمنين، فيَرِثُونهم، فذلك حينَ يَنْدَمون (١). حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن سَلَمةَ بنِ كُهَيلٍ، قال: ثنا أبو الزَّعْراءِ، عن عبدِ اللهِ في قصةٍ ذَكَرها فقال: فليس نفسٌ إلَّا وهي تَنْظُرُ إلى بيتٍ في الجَنَّةِ وبيتٍ في النارِ، وهو يومُ الحسرةِ. قال: فيَرَى أهلُ النارِ [البيتَ الذي] (٢) في الجنَةِ، فيقالُ لهم: لو عَمِلْتم؟ فتَأْخُذُهم الحسرةُ. قال: ويرَى أهلُ الجَنَّةِ البيتَ الذي في النارِ، فيقالُ: لولا أن مَنَّ اللهُ عليكم (٣). فإن قال قائلٌ: وكيف يكونُ مضافًا إليهم من العمل مالم يَعْمَلوه على هذا التأويلِ؟ قِيل: كما يُعْرَضُ على الرجلِ العملُ، فيقالُ قبلَ أن يَعْمَلَه: هذا عملُك. يعني: هذا الذي يَجبُ عليك أن تَعْمَلَه. كما يقالُ للرجلِ يَحْضُرُ غداؤُه قبلَ أن يَتَغَدَّى به: هذا غَداؤك اليومَ. يَعْني به: هذا ما تتَغَدَّى به اليومَ. فكذلكَ قولُه: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾ يعني: كذلك يُريهم اللهُ أعمالَهم
следующие страницы →