← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.

стр. 2311

حُدِّثْتُ عن الحسيِن بنِ الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ الفَضْلَ بنَ خالدٍ، قال: أخْبَرنا عبيدُ بنُ سليمانَ الباهليُّ، قال: سمِعتُ الضحاكَ بنَ مُزاحمٍ يقولُ في قولِه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾: كان أصحابُ محمدٍ ﷺ قَتَلوا ابنَ الحَضْرمىِّ في الشهرِ الحرامِ، فعَيَّرَ المشركون المسلمين بذلك، فقال اللهُ: قتالٌ في الشهرِ الحرامِ كبيرٌ، وأكبرُ مِن ذلك صدٌّ عن سبيلِ اللهِ وكفرٌ به وإخراجُ أهلِ المسجدِ الحرامِ مِن المسجدِ الحرامِ. وهذان الخبران اللذان ذَكَرناهما عن مجاهدٍ والضحاكِ يُنْبِئان عن صِحَّةِ ما قُلْنا في رفعِ "الصدّ" به (١)، وأن رافِعَه ﴿أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ﴾. وهما يُؤكِّدان صحةَ ما روَينا في ذلك عن ابنِ عباسٍ، ويَدُلَّان على خطأِ من زعَم أنه مرفوعٌ على العطفِ على "الكبير". وقولِ مَن زعَم أن معناه: وكبيرٌ صدٌّ عن سبيلِ اللهِ. وزعَم أن قولَه: ﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ﴾. خَبرٌ مُنْقطِعٌ عما قبلَه مبتدأٌ. حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال. ثنا هُشَيمٌ، قال: أخْبَرنا إسماعيلُ بنُ سالمٍ، عن الشَّعْبيِّ في قولِه: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾. قال: يعنى به الكُفْرَ. حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ﴾ مِن ذلك. ثم عَيَّر المشركين بأعمالِهم أعمالِ السُّوءِ فقال: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾. أى: الشركُ باللهِ أكبرُ مِن القتلِ (٢). وبمثلِ الذى قُلْنا مِن التأويلِ في ذلك رُوِىَ عن ابنِ عباسٍ. حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبي، عن

стр. 2312

أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: لما قتَلَ أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ عمرَو بنَ الحَضْرميِّ في آخرِ ليلةٍ مِن جُمادَى وأوَّلِ ليلةٍ مِن رجبٍ، أرسَل المشركون إلى رسولِ اللهِ ﷺ يُعَيِّرونه بذلك، فقال: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ وغيرُ ذلك أكبرُ منه، ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ﴾ مِن الذى أصابَ أصحابُ (١) محمدٍ ﷺ (٢). وأما أهلُ العربيةِ فإنهم اخْتَلفوا في الذى ارْتَفَع به قولُه: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾. فقال بعضُ نَحْويِّي الكوفيين (٣): في رفعِه وجهان: أحدُهما، أن يكونَ "الصدّ" مَرْدودًا على "الكبير"، تُريدُ: قل: القتالُ فيه كبيرٌ وصدٌّ عن سبيلِ اللهِ وكُفْرٌ به. وإن شِئْتَ جعَلت الصدَّ كبيرًا، تُريدُ به: قُل: القتالُ فيه كبيرٌ، وكبيرٌ الصدُّ عن سبيلِ اللهِ والكفرُ به. قال: فأخطأ -يعنى الفَرَّاءَ- في كلا تَأْويليه، وذلك أنه إذا رفَع "الصدّ" عطفًا به على ﴿كَبِيرٌ﴾، يَصيرُ تأويلُ الكلامِ: قُل: القتالُ في الشهرِ الحرامِ كبيرٌ، وصدٌّ عن سبيلِ اللهِ، وكفرٌ باللهِ. وذلك مِن التأويلِ خلافُ ما عليه أهلُ الإسلامِ جميعًا؛ لأنه لم يدَّعِ أحدٌ أن اللهَ ﵎ جعَل القتالَ في الأشهرِ الحرمِ كُفرًا باللهِ، بل ذلك غيرُ جائزٍ أن يُتَوهَّمَ على عاقلٍ يَعْقِلُ ما يقولُ أن يقولَه، وكيف يجوزُ أن يقولَه ذو فِطرةٍ صحيحةٍ، واللهُ جلَّ ثناؤُه يقولُ في أثرِ ذلك: ﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ﴾. فلو كان الكلامُ على ما رآه جائزًا في تأويلِه هذا، لوجَب أن يكونَ إخراجُ أهلِ المسجدِ الحرامِ مِن المسجدِ الحرامِ، كان أعظمَ عندَ اللهِ

стр. 2313

مِن الكفرِ به، وذلك أنه يقولُ في أثَرِه: ﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ﴾. وفى قيامِ الحُجَّةِ بأن لا شيءَ أعظمُ عندَ اللهِ مِن الكفرِ به، ما يُبِينُ عن خطأِ هذا القولِ. وأما إذا رفع "الصدّ" بمعنى ما زعَم أنه الوجهُ الآخرُ -وذلك رفعُه بمعنى: وكبيرٌ صدٌّ عن سبيلِ اللهِ. ثم قيل: ﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ﴾ - صار المعنى إلى أن إخراجَ أهلِ المسجدِ الحرامِ مِن المسجدِ الحرامِ، أعظمُ عندَ اللهِ مِن الكفرِ باللهِ والصدِّ عن سبيلِه وعن المسجدِ الحرامِ. ومُتأوِّلُ ذلك كذلك داخَلَ مِن الخَطأِ مثلَ الذى دخَل فيه القائلُ القولَ الأوَّلَ؛ مِن تَصْييرِه بعضَ خِلالِ الكُفرِ أعظَمَ عندَ اللهِ مِن الكفرِ بعينِه، وذلك مما لا يُخِيلُ (١) على أحدٍ خَطؤُه وفسادُه. وكان بعضُ أهلِ العربيةِ مِن أهلِ البصرةِ يقولُ القولَ الأوَّلَ في رفعِ "الصدّ"، ويَزْعُمُ أنه معطوفٌ به على "الكبير"، ويجعَلُ قولَه: ﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ﴾. مرفوعًا على الابتداءِ. وقد بينَّا فسادَ ذلك وخطأَ تأويلِه. ثم اخْتَلف أهلُ التأويلِ في قولِه: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ﴾ هل هو مَنسوخٌ أم ثابتُ الحكمِ؟ فقال بعضُهم: هو منسوخٌ بقولِ اللهِ جل وعز: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٣٦]، وبقولِه: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]. ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال:

стр. 2314

قال عطاءُ بنُ مَيْسرةَ: أحَلَّ القِتالَ في الشهرِ الحرامِ في "براءة" قولُه: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾. يقول: فيهن وفى غيرِهن (١). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْرِىِّ، قال: كان النبىُّ ﷺ فيما بَلَغنا يُحَرِّمُ القِتالَ في الشهرِ الحرامِ، ثم أُحِلَّ بعدُ (٢). وقال آخرون: بل ذلك حكمٌ ثابتٌ لا يَحِلُّ القتالُ لأحدٍ في الأشهرِ الحُرُمِ بهذه الآيةِ؛ لأن اللهَ جعَل القتالَ فيه كبيرًا. ذِكرُ مَن من قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ (٣)، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، [عن مجاهدِ] (٤)، قال: قُلْتُ لعطاءٍ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾. قُلْتُ: ما لهم! وإذ ذاك لا يَحِلُّ لهم أن يَغْزوا أهلَ الشركِ في الشهرِ الحرامِ، ثم غَزَوهم بعدُ فيه، فحلَف لى عطاءٌ باللهِ: ما يَحِلُّ للناسِ أن يَغْزوا في الشهرِ الحرامِ، ولا أن يُقَاتِلوا فيه، وما يُسْتَحبُّ. قال: ولا يُدْعَون إلى الإسلامِ قبلَ أن يُقَاتَلوا، ولا إلى الجِزيةِ، تركوا ذلك (٥). والصوابُ مِن القولِ في ذلك ما قاله عطاءُ بنُ مَيْسرةَ، مِن أن النَّهْىَ عن قتالِ المشركين في الأشْهُرِ الحُرُمِ مَنْسوخٌ بقولِ اللهِ جل ثناؤُه: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا

стр. 2315

أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التربة: ٣٦] وإنما قلنا: ذلك ناسخٌ لقولِه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ لتَظاهرِ الأخبارِ عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه غَزا هوازنَ بحُنَينٍ، وثقيفًا بالطائفِ، وأرْسَل أبا عامرٍ إلى أوطاسٍ لحربِ مَن بها مِن المشركين في بعضِ الأشْهُرِ الحُرُمِ، وذلك في شوالٍ وبعضِ ذى القَعدةِ، وهما (١) مِن الأشهرِ الحُرُمِ، فكان معلومًا بذلك أنه لو كان القتالُ فيهن حرامًا وفيه معصيةٌ، كان أبعدَ الناسِ مِن فعلِه ﷺ . وأُخْرَى، أن جميعَ أهلِ العلمِ بسِيَرِ رسولِ اللهِ ﷺ لا تَتدافعُ أن بيعةَ الرِّضْوانِ على قتالِ قريشٍ كانت في (٢) ذى القَعْدةِ، وأنه ﷺ إنما دعا أصحابَه إليها يومَئذٍ، لأَنه بلَغه أن عثمانَ بنَ عفانَ قتلَه المشركون إذ أرْسَله إليهم بما أرسلَه به مِن الرسالةِ، فبايَع ﷺ على أن يُناجِزَ القومَ الحربَ ويُحاربَهم، حتى رجَع عثمانُ بالرسالةِ، وجرَى بينَ النبيِّ ﷺ وقريشٍ الصُّلْحُ، فكفَّ عن حربهم حينئذٍ وقتالِهم، وكان ذلك في ذى القَعْدةِ، وهو مِن الأشْهُرِ الحُرُمِ. فإذا كان ذلك كذلك، فبَيِّنٌ صحةُ ما قلنا في قولِه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾. وأنه مَنْسوخٌ. فإن ظنَّ ظانٌّ أن النهىَ عن القتالِ في الأشهرِ الحرمِ كان بعدَ استحلالِ النبيِّ ﷺ إياهنَّ؛ لما وَصَفنا من حُروبِه، فقد ظنَّ جهلًا، وذلك أن هذه الآيةَ -أعْنِى قولَه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ - في أمرِ عبدِ اللهِ بنِ جَحْشٍ وأصحابِه، و (٣) ما كان مِن أمرِهم وأمرِ القَتيلِ الذى قتَلوه، فأنزَل اللهُ في أمرِه هذه

стр. 2316

الآيةَ في آخرِ جُمادَى الآخرةِ مِن السنةِ الثانيةِ مِن مَقْدَمِ رسولِ اللهِ ﷺ المدينةَ وهِجْرتِه إليها، وكانت وَقْعةُ حُنَينٍ والطائفِ في شوَّالٍ مِن سنةِ ثمانٍ مِن مَقْدَمِه المدينةَ وهجرتِه إليها، وبينهما مِن المدةِ ما لا يخْفَى على أحدٍ. القولُ في تأويلِ قولِه عز ذِكْرُه: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾. يَعْنِى تعالى ذِكْرُه: ولا يَزالُ مُشْركو قريشٍ يُقاتلونكم حتى يَردُّوكم عن دينِكم إن قدَرُوا على ذلك. كما حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى ابنُ إسحاقَ، قال: ثنى الزهرىُّ ويزيدُ بنُ رومانَ، عن عُروةَ بنِ الزُّبيرِ: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾. أى: هم مُقِيمون على أخبثِ ذلك وأعظمِه غيرَ تائبين ولا نازعين. يعنى: على أن يَفْتِنوا المسلمين عن دينِهم حتى يَرُدُّوهم إلى الكفرِ، كما كانوا يَفْعلون بمن قَدَروا عليه منهم قبلَ الهِجْرةِ (١). حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ : ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾. قال: كفارُ قريشٍ (٢). القولُ في تأويلِ قولِه عز ذِكْرُه: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ

стр. 2317

أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧)﴾. يعنى بقولِه جل ثناؤه: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾: مَن يَرْجِعْ منكم عن دينِه، كما قال جل ثناؤُه: ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٤] يعنى بقولِه: ﴿فَارْتَدَّا﴾: رجَعا. ومِن ذلك قيل: اسْتَردَّ فلانٌ حقَّه مِن فلانٍ. إذا اسْتَرجعه منه. وإنما أظْهَر التَّضْعيفَ في قولِه: ﴿يَرْتَدِدْ﴾؛ لأن لامَ الفعلِ ساكنةٌ بالجزمِ، وإذا سُكِّنت فالقياسُ تركُ التَّضْعِيفِ، وقد تُضَعَّفُ وتُدْغَمُ وهى ساكنةٌ، بِناءً على التثنيةِ والجمع. وقولُه: ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾. يقولُ: مَن يرجعْ عن دينِه، دينِ الإسلامِ، ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾، فيَمُتْ قبلَ أن يتوبَ مِن كفرِه، فهم الذين حَبِطَت أعمالُهم. يعنى بقولِه: ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾: بطَلت وذهَبت. وبُطُولُها ذهابُ ثوابِها، وبُطُولُ الأجرِ عليها والجزاءِ في دارِ الدنيا والآخرةِ. وقولُه: ﴿وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. يعنى: الذين ارْتَدُّوا عن دينِهم فماتوا على كفرِهم، هم أهلُ النارِ المُخلَّدون فيها. وإنما جعَلهم أهلَها؛ لأنهم لا يَخْرجون منها، فهم سكانُها المُقيمون فيها، كما يقالُ: هؤلاء أهلُ مَحَلَّةِ كذا. يعنى: سكانُها المُقيمون فيها. ويعنى بقولِه: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: هم فيها لابِثون لُبثًا مِن غيرِ أمدٍ ولا نهايةٍ. القولُ في تأويلِ قولِه عز ذِكْرُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢١٨)﴾. يعنى بذلك جل ذِكْرُه: إن الذين صدَّقوا باللهِ وبرسولِه وبما جاء به. وبقولِه:

стр. 2318

﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا﴾: الذين هجَروا مُساكنةَ المشركين في أمصارِهم، ومُجاورتَهم في ديارِهم، فتَحوَّلوا عنهم وعن جوارِهم وبلادِهم إلى غيرِها، هجرةً لما انتقل عنه إلى ما انتقل إليه. وأصلُ المهاجَرةِ المفاعلةُ؛ من هجرةِ الرجلِ الرجلَ للشَّحْناءِ تكونُ بينهما، ثم تُسْتَعْمَلُ في كلِّ مَن هجَرَ شيئًا لأمرٍ كرِهه منه. وإنما سُمِّى المهاجرون مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ مهاجرين؛ لما وصَفنا من هجرتِهم دُورَهم ومنازلَهم -كراهةً منهم النزولَ بين أظهرِ المشركين وفى سلطانِهم، بحيثُ لا يَأْمَنون فتنتَهم على أنفسِهم في ديارِهم- إلى الموضعِ الذى يأمنون ذلك. وأمَّا قوله: ﴿وَجَاهَدُوا﴾ فإنه يعنى: وقاتَلوا وحارَبوا. وأصلُ المجاهدةِ المفاعلةُ؛ من قولِ الرجلِ: قد جهَد فلانٌ فلانًا على كذا -إذا كرَبه وشقَّ عليه- يَجْهَدُه جَهْدًا. فإذا كان الفعلُ من اثنين، كلُّ واحدٍ منهما يُكابدُ من صاحبِه شدَّةً ومشقَّةً، قيل: فلانٌ يُجَاهِدُ فلانًا. يعنى أن كلَّ واحدٍ منهما يَفْعَلُ بصاحبِه ما يَجْهَدُه ويَشُقُّ عليه، فهو يُجاهِدُه مجاهدةً وجهادًا. وأَمَّا سبيلُ اللهِ: فطريقُه ودينُه. فمعنى قولهِ إذن: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّه﴾: والذين تحوَّلوا من سلطانِ أهلِ الشركِ؛ هجرةً لهم، وخوفَ فتنتِهم على أديانِهم، وحارَبوهم في دينِ اللهِ لِيُدْخِلوهم فيه، وفيما يُرْضِى اللهَ، ﴿أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ﴾. أى: يَطْمَعون أن يَرْحَمَهم اللهُ فيُدْخِلَهم جنَّتَه بفضلِ رحمتِه إيَّاهم، ﴿وَاللَّهُ غَفُور﴾. أى: ساترٌ ذنوبَ عبادِه بعفوِه عنها، متفضلٌ عليهم بالرحمةِ. وهذه الآيةُ أيضًا ذُكرَ أنها نزَلتْ في عبدِ اللهِ بنِ جحشٍ وأصحابِه.

стр. 2319

ذِكرُ مَن قال ذلك حدثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، عن أبيه، أنه حدَّثه رجلٌ، عن أبى السَّوَّارِ، يُحَدِّثُه عن جُندَبِ بنِ عبدِ اللهِ، قال: لمّا كان من أمرِ عبدِ اللهِ بنِ جحشٍ وأصحابِه، وأمرِ ابنِ الحضْرَميِّ ما كان، قال بعضُ المسلمين: إن لم يكونوا أصابوا في سفرِهم -أظنُّه قال: - وِزْرًا، فليس لهم فيه أجرٌ. فأنزَل اللهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١). حدثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: ثنى الزُّهرىُّ ويزيدُ ابنُ رومانَ، عن عروةَ بنِ الزبيرِ، قال: أنزَل اللهُ القرآنَ بما أنزَل من الأمرِ، وفرّجَ اللهُ عن المسلمينَ في أمرِ عبدِ اللهِ بنِ جحشٍ وأصحابِه -يعنى في قتلِهم ابنَ الحَضْرميِّ- فلمَّا تجلَّى عن عبدِ اللهِ بنِ جحشٍ وأصحابِه ما كانوا فيه حين نزَل القرآنُ، طَمِعُوا في الأجرِ، فقالوا: يا رسولَ اللهِ، أنطمعُ أن تكونَ لنا غزوةً نُعْطَى فيها أجرَ المجاهدين؟ فأنزَل اللهُ فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. فوَقَفهم (٢) اللهُ من ذلكَ على أعظمِ الرجاءِ. (٣). حدثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يَزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: أثنَى اللهُ على أصحابِ نبيِّهِ محمدٍ ﷺ أحسنَ الثناءِ، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ

стр. 2320

آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. هؤلاء خيارُ هذه الأمةِ، ثم جعَلهمُ اللهُ أهلَ رَجاءٍ كما تسمعون (١)، وإنه مَن رَجَا طلَب، ومَنْ خاف هرَب (٢). حُدِّثتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه (٣). القول في تأويل قولِه عزَّ ذكرُه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾. يعني بذلك جلَّ ثناؤُه: يسألك أصحابُك يا محمدُ عن الخمرِ وشُرْبِها. والخمرُ كلُّ شرابٍ خامَر العقلَ فستَره وغَطَّى عليه، وهو من قولِ القائلِ: خمَرْتُ الإناءَ. إذا غطَّيتَه. وخَمِرَ الرجلُ. إذا دخلَ في الخَمَرِ (٤). ويقالُ: هو في خُمارِ النَّاسِ وغُمارِهم. يرادُ به: دخَل في عُرْضِ الناسِ. ويقالُ للضَّبعِ: [خامرِى أمَّ عامرٍ] (٥). أي: استترِى (٦). وما خامَر العقلَ من دَاءٍ وسُكْرٍ فخالَطه وغمَره فهو خَمْرٌ، ومن ذلك أيضًا خِمارُ المرأةِ، وذلك لأنها تسترُ به (٧) رأسَها فتغطِّيه. ومنه يقال: هو يمشي لك الخمَرَ. أي مُستخْفِيًا، كما قال العجاجُ (٨):

стр. 2321

في لامعِ العِقْبانِ لا يأتي الخَمَرْ يُوجِّهُ الأرْضَ (١) ويَشتاقُ الشَّجَرْ ويعنى بقولِه: لا يأتي الخمَر: لا يأتي مُستخفيًا ولا مُسارقَةً، ولكن ظاهرًا براياتٍ وجيوشٍ. والعِقبانُ جمعُ عُقابٍ، وهي الراياتُ. وأما الميسرُ فإنها الفعِلُ، من قولِ القائلِ: يَسَر لي هذا الأمرُ. إذا وجَب لي، فهو يَيْسِرُ لي يَسَرًا ومَيسِرًا. والياسرُ الواجبُ، بقداحٍ وجَبَ ذلك أو مباحهِ (٢) أو غيرِ ذلك. ثم قيل للمُقامرِ: ياسرٌ ويَسَرٌ. كما قال الشاعرُ (٣): فَبِتُّ كأنَّنِى يَسَرٌ غَبِينٌ … يُقَلِّبُ بعدَ ما اخْتُلِعَ (٤) القِدَاحا وكما قال النابغةُ (٥): أَوْ ياسِرٌ ذَهَبَ القِداحُ بوَفْرِه (٦) … أسِفٌ تآكَلُه (٧) الصَّديقُ مُخَلَّعُ يعني بالياسرِ المقامِرَ. وقيل للقِمارِ: مَيسِرٌ. وكان مجاهدٌ يقولُ نحوَ ما قلنا في ذلك. حدثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي

стр. 2322

نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾. قال: القِمارِ، وإنما سُمّىَ الميسرَ، لقولِهم: أيْسِرُوا واجزُرُوا. كقولِك: ضعْ كذَا وكذَا (١). حدثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال: كلُّ القمارِ من الميسرِ، حتى لَعِبُ الصبيانِ بالجوْزِ (٢). حدثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عبدِ الملكِ ابنِ عُميرٍ، عن أبي الأحوصِ، قال: قال عبدُ اللهِ: إياكم وهذه الكِعابَ (٣) الموسومةَ التى تزجُرُون (٤) زجرًا، فإنهنَّ من الميْسِرِ (٥). حدثنا محمدُ بنُ المثني، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن عبدِ الملكِ بنِ عُميرٍ، عن أبي الأحوصِ مثلَه. حدثنا محمدُ بنُ المثني، قال: ثنا محمدُ بنُ نافعٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن يزيدَ بنِ أبي زيادٍ، عن أبي الأحوصِ، عن عبدِ اللهِ أنه قال: إياكم وهذه الكِعابَ التى

стр. 2323

تزْجُرون (١) زَجرًا، فإنها مِن الميسرِ (٢). حدثني عليُّ بنُ سعيد الكِندىُّ، قال: ثنا علي بنُ مُسهِرٍ، عن عاصمٍ، عن محمدِ بنِ سيرينَ، قال: القمارُ ميسرٌ (٣). حدثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن عاصمٍ الأحولِ، عن محمدِ بنِ سيرينَ، قال: كلُّ شيءٍ له خَطَرٌ (٤)، أو فى خَطَرٍ -أبو عامرٍ شكّ- فهو من الميسرِ (٥). حدثنا الوليدُ بنُ شجاعٍ أبو همامٍ، قال: ثنا عليُّ بنُ مُسهرٍ، عن عاصمٍ، عن محمدِ بنِ سيرينَ، قال: كلُّ قِمارٍ ميسرٌ، حتى اللعبُ بالنَّردِ على القيامِ، والصياحُ، والريشةُ يجعلُها الرجلُ في رأسِه. حدثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عاصمٍ، عن ابنِ سيرينَ، قال: كلُّ لعبٍ فيه قِمارٌ من شُربٍ أو صِياحٍ أو قيامٍ، فهو من الميسرِ (٦). حدثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلَى، قال: ثنا خالدُ بنُ الحارثِ، قال: ثنا الأشعثُ، عن الحسنِ أنه قال: الميسرُ القمارُ (٧).

стр. 2324

حدثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا المعتمرُ، عن ليثٍ، عن طاوسٍ وعطاءٍ، قالا: كلُّ قمارٍ فهو من الميسرِ، حتى لعِبُ الصبيانِ بالكِعابِ والجوْزِ (١). حدثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَمرٍو، عن عطاءٍ، عن سعيدٍ، قال: الميسرُ القمارُ (٢). حدثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا عبدُ الملكِ بنُ عُميرٍ، عن أبي الأحوصِ، عن عبدِ (٣) اللهِ، قال: إيّاكم وهاتينِ الكَعْبتينِ، يُزجرُ بهما زَجرًا، فإنهما من الميسرِ (٤). حدثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُليّةَ، عن ابنِ أبي عَروبةَ، عن قتادةَ، قال: أمّا قولُه: ﴿وَالْمَيْسِرِ﴾ فهو القمارُ كلُّه (٥). حدثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلَى، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرني يحيى بنُ عبدِ اللهِ بنِ سالمٍ، عن عُبيدِ اللهِ بنِ عُمرَ، أنه سمِعَ عُمرَ بنَ عُبيدِ اللهِ يقولُ للقاسمِ بنِ محمدٍ: النَّردُ ميسرٌ، أرأيتَ الشِّطْرَنْجَ مَيسرٌ هو؟ فقال القاسمُ: كلُّ ما ألْهَى عن ذكرِ اللهِ وعن الصلاةِ فهو (٦) ميسرٌ (٧).

стр. 2325

حدثني عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الميسرُ القمارُ، كان الرجلُ في الجاهليةِ يُخاطرُ على (١) أهلِه ومالِه، فأيُّهما قمَر صاحبَه، ذهَب بأهلِه ومالِه (٢). حدثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدىِّ، قال: الميسرُ القمارُ (٣). حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرنا مَعمرٌ، عن قتادةَ، قال: الميسرُ القمارُ (٤). حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرنا مَعمرٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ وسعيدِ بنِ جُبيرٍ، قالا: الميسرُ القمارُ كلُّه، حتى الجوْزُ الذي يلعَبُ به الصبيانُ (٥). حُدِّثْتُ عن الحسين، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ الفضلَ بنَ خالدٍ، قال: سمِعتُ عُبيدَ بنَ سليمانَ يُحدِّثُ عن الضحاكِ قولَه: ﴿وَالْمَيْسِرِ﴾. قال: القمارِ. حدثنا بشرُ بن مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: الميسرُ القمارُ.

стр. 2326

حدثنا المثني، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو بدرٍ شجاعُ بنُ الوليدِ، قال: ثنا موسى بنُ عقبةَ، عن نافعٍ، أن ابنَ عُمرَ كان يقولُ: القمارُ من الميسرِ (١). حدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: الميسرُ قِداحُ العربِ وكِعابُ فارسَ (٢). وقال ابنُ جُريجٍ: وزعَم عطاءُ ابنُ ميسرةَ أنَّ الميسرَ القمارُ كلُّه (٣). حدثنا ابنُ البرقىِّ، قال: ثنا عَمرُو بنُ أبي سَلَمةَ، عن سعيدِ بنِ عبدِ العزيزِ، قال: قال مكحولٌ: الميسرُ القمارُ. حدثنا الحسينُ بنُ محمدٍ الذَّارعُ، قال: ثنا الفضلُ بنُ سليمانَ وشجاعُ بنُ الوليدِ، عن موسى بنِ عقبةَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: الميسرُ القمارُ. وأما قولُه: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ فإنه يعني بذلك جلّ ثناؤُه: قلْ يا محمدُ لهم: ﴿فِيهِمَا﴾ يعني: في الخمرِ والميسرِ ﴿إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ فالإثم الكبيرُ الذي فيهما ما ذُكِرَ عن السدىِّ فيما حدَّثنى به موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: أما قولُه: ﴿فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾. فإثمُ الخمرِ أن الرجلَ يشرَبُ فيسْكَرُ فيؤذِى الناسَ، وإثمُ الميسرِ أن يُقامرَ الرجلُ فيمنعَ الحقَّ ويظلمَ. حدثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي

стр. 2327

نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾. قال: هذا أولُ ما عِيبَتْ به الخمرُ (١). حدثني علىُّ بنُ داودَ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن علىِّ بنِ أبى طلْحَةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾. يعني: ما يَنقُصُ من الدِّينِ عندَ مَن يَشربُها (٢). والذي هو أوْلى بتأويلِ الآيةِ بالإثمِ (٣) الكبيرِ الذي ذكَر اللهُ جلَّ ثناؤُه أنَّه في الخمرِ والميسرِ مما (٤) قاله السُّدىُّ، زوالُ عقلِ شاربِ الخمرِ إِذا سكِرَ من شُرْبهِ إيّاها، حتى يَعزُبَ عنه معرفةُ ربِّه، وذلك أعظمُ الآثامِ، وذلك معنى قولِ ابنِ عباسٍ إن شاءَ اللهُ. وأما في الميسرِ فما فيه من الشُّغُلِ به عن ذكرِ اللهِ وعن الصلاةِ، ووقوعِ العداوةِ والبغضاءِ بين المتياسِرينَ بسبَبِه، كما وصَف ذلك به ربُّنا جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٩١]. وأما قولُه: ﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾. فإنّ منافعَ الخمرِ كانت أثمانَها قبلَ تحرِيمِها، وما يَصِلونَ إليه بشرْبِها من اللذةِ، كما قال الأعشى في صفتِها (٥): لَنا مِن ضُحاها خُبْثُ نَفْسٍ وكأْبةٌ … وذِكْرَى هُمُومٍ ما تَغِبُّ (٦) أذَاتُها

стр. 2328

وعندَ العَشىِّ (١) طِيبُ نَفْسٍ وَلَذَّةٌ … ومالٌ كَثيرٌ عِدَّةٌ (٢) نشوَاتُها وكما قال حسانُ (٣): فَنَشْرَبُها فتترُكُنا مُلُوكًا … وأُسْدًا ما يُنَهْنِهُنا (٤) اللِّقاءُ وأمَّا منافعُ الميسرِ، فما يصيبون فيه (٥) من أنصباءِ الجَزُورِ، وذلك أنهم كانوا يُياسِرونَ على الجزورِ، وإذا أفلَج (٦) الرجلُ منهم صاحبَه نحرَه، ثمَّ اقْتسموا أعشارًا على عَددِ القِداحِ، وفي ذلك يقولُ أعشى بنى ثعلبةَ (٧): وجَزُورِ أيْسارٍ (٨) دَعَوْتُ [إلى النَّدَى] (٩) … ونِياطُ (١٠) مُقْفِرَةٍ أخافُ ضَلالَهَا وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذِكرُ من قال ذلك حدثني محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: المنافعُ ههنا ما يُصيبون من الجَزُورِ (١١).

стр. 2329

حدثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: أما مَنافعُهما، فإن منفعةَ الخمرِ في لذتِه وثمنِه، ومنفعةَ الميسرِ فيما يصابُ من القمارِ. حدثنا أبو هشامٍ (١) الرفاعىُّ، قال: ثنا ابنُ أبى زائدةَ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾. قال: منافعُهما قبلَ أن يُحرَّما (٢). حدثنا علىُّ بنُ داودَ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾. قال: يقولُ: فيما يُصيبون من لذَّتِها وفرحِها إذا شَرِبوها (٣). واختلَف القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأه عُظْمُ أهلِ المدينةِ وبعضُ الكوفيين والبصريين: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ بالباءِ، بمعنى: قُلْ: [في شُرْبِ] (٤) هذه، والقمارِ هذا، كبيرٌ من الآثامِ، [أي: عظيمٌ] (٥). وقرَأه آخرون من أهلِ المِصْرَيْنِ؛ البصرةِ والكوفةِ: (قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ). بمعنى الكثرةِ من الآثامِ، وكأنهم رأوْا أنَّ الإثمَ بمعنى الآثامِ، وإنْ كان في اللفظِ واحدًا، فوصفوه بمعناه من الكثْرةِ (٦). وأوْلى القراءتين في ذلك بالصوابِ (٧) قراءةُ من قرَأه بالباءِ: ﴿قُلْ

стр. 2330

فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾. لإجماعِ جميعِهم على قولِه: ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ وقراءتِه بالباء، وفي ذلك دلالةٌ بيِّنةٌ على أن الذي وُصف به الإثمُ الأولُ من ذلك هو العِظَمُ والكِبَرُ، لا الكثرةُ في العَدَدِ، ولو كان الذي وُصفَ به من ذلك الكثرةَ، لقيل: وإثمُهما أكثرُ من نفعِهما. القولُ في تأويل قوله عزَّ ذكرُه: ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾. يعني بذلك عزَّ ذكرُه: والإثمُ بشُربِ هذه، والقمارُ هذا، أعظمُ وأكبرُ مضرَّةً عليهم من النفْعِ الذي يتناولون بهما. وإنما كان ذلك كذلك لأنهم كانوا إذا سَكِرُوا وثَب بعضُهم على بعضٍ، وقاتَل بعضُهم بعضًا، وإذا ياسَرُوا وقَع بينهم فيه بسببِه الشّرُّ، فأدّاهم ذلك إلى ما يأثَمون به. ونزَلت هذه الآيةُ في الخمرِ قبل أن يُصرَّحَ بتحرِيمِها، فأضاف الإثمَ جلّ ثناؤُه إليهما، وإنما الإثمُ بأسبابِهما، إذْ كان عن سبَبِهما يحدُثُ. وقد قال عَددٌ مِن أهلِ التأويلِ: معنى ذلك: وإثمُهما بعد تحريمِهما أكبرُ من نفعِهما قبلَ تحريمِهما. ذِكرُ من قال ذلك حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾. قال: منافعُهما قبلَ التّحريمِ، وإثمُهما بعدَ ما حُرِّما (١). حُدِّثتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿وَمَنَافِعُ

стр. 2331

لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾: يُنزِّلُ (١) المنافعَ قبلَ التحريمِ، والإثمُ بعدَ ما حَرَّم. حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ، قال: أخبرنى عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾. يقولُ: إثمُهما بعدَ التحريمِ أكبرُ من نفعِهما قبلَ التحريمِ (٢). حدثني علىُّ بنُ داودَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن علىِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾. يقولُ: ما يَذهبُ من الدِّينِ، والإثمُ فيه أكبرُ مما يصيبونَ في فرَحِها إذا شرِبوها (٣). وإنما اخترنا ما قلنا في ذلك من التأويل؛ لتواتُرِ الأخبارِ وتظاهُرِها بأنّ هذه الآيةَ (٤) نزَلتْ قبلَ تحريمِ الخمرِ والميسرِ، فكان معلومًا بذلك أن الإثمَ الذي ذكَرَه اللهُ في هذه الآيةِ فأضافه إليهما، إنما عنَى به الإثمَ الذي يحدُثُ عن أسبابِهما (٥)، على ما وصَفْنا، لا الإثمَ بعدَ التحريمِ. ذِكرُ الأخبارِ الدَّالةِ على ما قلْنا مِن أنَّ هذه الآيةَ نزَلَت قبلَ تَحريمِ الخَمرِ حدثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا قيسٌ، عن سالمٍ، عن

стр. 2332

سعيدِ بنِ جُبيرٍ، قال: لما نزَلتْ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ فكرِهَها قومٌ لقولِه: ﴿فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾. وشَرِبها قومٌ لقولِه: ﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ حتى نزَلتْ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]. قال: فكانوا يدَعونَها في حينِ الصلاةِ ويشْربونَها في غيرِ حينِ الصلاةِ، حتى نزلتْ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠]. فقال عُمرُ: ضَيْعةً لكِ! اليومَ قُرِنْتِ بالميسرِ (١). حدَّثنى محمدُ بنُ مَعمرٍ، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ أبى حُميدٍ، عن أبي تَوبةَ المصرىِّ، قال: سمِعتُ عبدَ اللهِ بنَ عُمرَ يقولُ: أنزلَ اللهُ في الخمرِ ثلاثًا، فكان أولَ ما أَنزلَ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ الآية. فقالوا: يا رسولَ اللهِ، ننتفعُ بها ونشْربُها كما قال اللهُ جلَّ وعزَّ في كتابِه. ثمَّ نزَلَت هذه الآيةُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ الآية. قالوا: يا رسولَ اللهِ، لا نشربُها عند قُربِ الصلاةِ. قال: ثمَّ نزَلتْ: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ الآية. قال: فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "حُرّمَتِ الخَمْرُ" (٢). حدثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن يزيدَ

стр. 2333

النحوىِّ، عن عكرمةَ والحسنِ، قالا: قال اللهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ و ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ فنسخَتْها الآيةُ التي في "المائدةِ" فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ الآية. حدثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا عوفٌ، عن أبي القَمُوصِ زيدِ ابنِ علىٍّ، قال: أنزلَ اللهُ في الخمرِ ثلاثَ مراتٍ؛ فأولُ ما أَنزل قال اللهُ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾. قال: فشرِبَها من المسلمين من شاءَ اللهُ منهم على ذلك، حتى شرِبَ رَجُلان، فدخَلا في الصلاةِ، فجعَلا يهْجُران كلامًا، لا يدْرِى عوفٌ ما هو، فأنزل اللهُ فيهما: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ فشَرِبها من شَرِبها منهم، وجعَلوا يَتَّقُونَها عندَ الصلاةِ، حتى شرِبَها -فيما زَعَم أبو القَمُوصِ- رجلٌ، فجعَل ينوحُ على قتلَى بدرٍ (١): تُحَيِّى بالسَّلامَةِ أُمُّ عَمْرٍو … وهلْ لكِ بعدَ رَهْطِكِ من سَلامِ ذَرِينِى أصْطَبِحْ بَكْرًا فإنّى … رأيْتُ المَوْتَ نَقَّبَ عَنْ هِشامِ وَوَدّ بَنُو المُغِيرَةِ لَوْ فَدَوْهُ … بألْفٍ مِنْ رجالٍ أوْ سَوَامِ (٢)

стр. 2334

كأنى بالطَّوِىِّ (١) طَوِىِّ بَدْرٍ … مِنَ الشِّيزَى (٢) يُكَلَّلُ بالسَّنامِ كأنى بالطَّوِىِّ طَوِيِّ بَدْرٍ … مِنَ الفِتْيانِ والحُلَلِ الكِرَامِ قال: فبلَغ ذلك رسولَ اللهِ ﷺ ، فجاء فَزِعًا يَجُرُّ رِدَاءَه من الفزعِ حتى انتهَى إليه، فلمَّا عاينَه الرجلُ، فرفَع رسولُ اللهِ ﷺ شيئًا كان بيدِه ليضرِبَه، قال: أعوذُ باللهِ مِن غَضَبِ اللهِ ورسولِه، واللهِ لا أطعَمُها أبدًا. فأنزَل اللهُ تحريمَها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ إلى قولِه: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾. فقال عمرُ بنُ الخطابِ ﵁: انتهَينا انتهَينا (٣). حَدَّثَنَا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا إسحاقُ الأزرقُ، عن زكريّا، عن سِماكٍ، عن الشعبيُّ، قال: نزَلتْ في الخَمرِ أربعُ آياتٍ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ فترَكوها، ثم نزلتْ: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل: ٦٧]. فشرِبوها، ثم نزلتِ الآيتان في "المائدةِ": ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ﴾ إلى قولِه: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ (٤). حَدَّثَنِي موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدىِّ، قال: نزَلَتْ هذه الآيةُ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ الآية. فلم

стр. 2335

يزالوا بذلك يشرَبُونَها، حتى صنَع عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ طعامًا، فدعا ناسًا من أصحابِ النَّبِيِّ ﷺ ، فيهم عليُّ بنُ أبى طالبٍ، فقرَأ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ ولم يفهَمْها، فأنزَل اللهُ يشدِّدُ في الخمرِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ فكانت لهم حلالًا، يشرَبون من صلاةِ الفجرِ حتى يرتفِعَ النهارُ أو ينتصفَ، فيقومون إلى صلاةِ الظهرِ وهم مُصْحُون، ثم لا يشرَبونَها حتى يصلُّوا العَتَمةَ -وهى العشاءُ- ثم يشربونها حتى ينتصِفَ الليلُ وينامون، ثم يقومون إلى صلاةِ الفجرِ وقد صَحُوا، فلم يزالُوا بذلك يشربونها، حتى صنَع سعدُ بنُ أبى وقاصٍ طعامًا، فدعا ناسًا من أصحابِ النَّبِيِّ ﷺ فيهم رجلٌ من الأنصارِ، فشوَى لهم رأسَ بعيرٍ ثم دعاهُم عليه، فلما أكَلُوا وشرِبوا من الخمرِ، سَكِرُوا وأخذوا في الحديثِ، فتكلَّم سعدٌ بشيءٍ، فغضِبَ الأنصارىُّ، فرفَع لَحْىَ البعيرِ (١) فكسَر أنفَ سعدٍ، فأنزلَ اللهُ نسخَ الخمرِ وتحريمَها، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾. إلى قولِه: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾. حَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيي، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ، وعن رجلٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾. قالا: لما نزَلتْ هذه الآيةُ شَرِبها بعضُ الناسِ وترَكَها بعضٌ، حتى نزَل تحريمها في سورةِ "المائدةِ" (٢). حَدَّثَنَا محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسي، عن

стр. 2336

ابنِ [أبى نَجيحٍ] (١)، عن مجاهدٍ: ﴿قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ قال: هذا أوّلُ ما عِيبَتْ به الخَمرُ (٢). حَدَّثَنَا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾: فذمَّهما اللهُ ولم يحرِّمْهما، لِمَا أراد أن يبلُغَ بهما من المدةِ والأجَلِ، ثم أنزَل اللهُ في سورةِ "النساءِ" أشدَّ منها: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ فكانوا يشرَبونها، حتى إذا حضَرت الصلاةُ سكَتُوا عنها، فكان السُّكْرُ عليهم حرامًا، ثم أنزلَ اللهُ جلَّ وعزَّ في سورةِ "المائدةِ" بعدَ غَزْوةِ الأحزابِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ إلى قولِه (٣): ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. فجاء تحريمُها في هذه الآيةِ قليلِها وكثيرِها، ما أسكَر منها وما لَمْ يُسكِرْ، وليس للعَربِ يومئذٍ عيشٌ أعْجبَ إليهم منها (٤). وحُدِّثتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾. قال: لما نزَلتْ هذه الآيةُ قال رسولُ اللهِ ﷺ : "إنّ رَبَّكم يُقَدِّمُ في تَحْريمِ الخَمْرِ". قال: ثم نزَلتْ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾. قال النبيُّ ﷺ : "إنَّ رَبَّكم يُقَدِّمُ في تَحْرِيمِ الخَمْرِ". قال: ثم نزَلتْ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ

стр. 2337

وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾. فحرِّمت الخَمرُ عندَ ذلك (١). حَدَّثَنِي يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ الآية كلها، قال: نُسِختْ ثلاثةً، في سورةِ "المائدةِ"، وبالحدِّ الذى حدَّ النَّبِيُّ ﷺ ، وضَرْبِ النَّبِيِّ ﷺ . قال: كان النَّبِيُّ ﷺ يضرِبُهم بذلك حدًّا، ولكنه كان يعمَلُ في ذلك برأيِه، ولم يكنْ حدًّا مُسمًّى، وهو حدٌّ. وقرَأ: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ الآية. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾. يعنى جلَّ ذكرُه بذلك: ويسأَلُكَ يا محمدُ أصحابُك: أَىَّ شيءٍ ينفِقون من أموالِهم فيتصدَّقون به، فقل لهم يا محمدُ: أنفِقوا منها العفْوَ. واختلَفَ أهلُ التأويلِ في معنى: ﴿الْعَفْوَ﴾ فى هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: معناه الفضلُ. ذِكرُ مَن قال ذلك حَدَّثَنَا عَمرُو بنُ عليٍّ الباهليُّ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن ابنِ أبى ليلي، عن الحكمِ، عن مِقْسَمٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: ﴿الْعَفْوَ﴾: ما فضَلَ عن أهلِكَ (٢). حَدَّثَنَا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قُلِ

стр. 2338

الْعَفْوَ﴾. أى: الفضْلَ. حَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيي، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرنا مَعمرٌ، عن قتادةَ، قال: هو الفضلُ (١). حَدَّثَنِي يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبرنا عبدُ الملكِ، عن عطاءٍ في قولِه: ﴿الْعَفْوَ﴾. قال: الفضلَ (٢). حَدَّثَنَا موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرُو بنُ حمَّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ، قال: ﴿الْعَفْوَ﴾. يقولُ: الفضلَ (٣). حَدَّثَنِي يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾. قال: كان القومُ يعملُون في كلِّ يومٍ بما فيه، فإن فضَلَ ذلك اليومَ فضلٌ عن العيالِ قدَّموه، ولا يتركُون عيالَهم جُوَّعًا ويتصدَّقون به على الناسِ. حَدَّثَنَا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا يونسُ، عن الحسَنِ في قولِه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾. قال: هو الفضْلُ، فضْلُ المالِ (٤). وقال آخرون: معنى ذلك: ما كان عَفْوًا لا يَبينُ على مَن أنفقَه أو تصَدَّق به. ذِكرُ من قال ذلك حَدَّثَنِي عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ،

стр. 2339

عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾. يقولُ: ما لا يَتَبيَّنُ في أموالِكم (١). حدثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسي، عن ابنِ جُريجٍ، عن طاوسٍ في قولِ اللهِ جلَّ وعزَّ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾. قال: اليسيرَ من كلِّ شيءٍ (٢). وقال آخرون: معنى ذلك: الوسطُ من النَّفقةِ، ما لَمْ يكنْ إسرافًا ولا إقْتارًا. ذكرُ مَن قال ذلك حَدَّثَنَا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ بَزِيعٍ، قال: ثنا بشرُ بنُ المُفَضَّلِ، عن عوفٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾. يقولُ: لا تُجْهِدْ مالَك حتى يَنْفَدَ للناسِ (٣). حَدَّثَنَا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: سألتُ عطاءً عن قولِه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾. قال: العفوُ في النفقةِ ألا تُجْهِدَ مالَك حتى يَنْفَدَ فتسألَ الناسَ. حَدَّثَنَا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: سألتُ عطاءً عن قولِه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾. قال: العفوُ ما

стр. 2340

لَمْ يُسْرِفوا، ولم يَقْتُروا في الحَقِّ. قال: وقال مجاهدٌ: العفوُ صدقةٌ عن ظهْرِ غِنًى. حَدَّثَنَا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾. قال: هو ألا تُجْهِدَ مالَك. وقال آخَرون: معنى ذلك: ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾: خُذْ منهم ما أتَوْك به مِن شيءٍ قليلًا أو (١) كثيرًا. ذكرُ مَن قال ذلك حَدَّثَنِي محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال؛ ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾. يقولُ: ما أتَوْك به مِن شيءٍ قليلٍ أو كثيرٍ، فاقْبَلْه منهم. وقال آخَرون: معنى ذلك: ما طاب مِن أموالِكم. ذكرُ مَن قال ذلك حُدِّثْتُ عن عمَّارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾. قال: يقولُ: الطيبَ منه. يقولُ: أفضلُ مالِك وأطيبَه (٢). حُدِّثْتُ عن عمَّارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن قتادةَ، قال: كان يقولُ: ﴿الْعَفْوَ﴾: الفضلَ. يقولُ: أفضلَ مالِك. وقال آخرون: معنى ذلك: الصدقةُ المفروضةُ.

стр. 2341

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن قيسِ بنِ سعدٍ -أو عيسى، عن قيسٍ- عن مجاهدٍ -شكَّ أبو عاصمٍ- قولَ اللهِ جلّ وعزّ: ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾. قال: الصدقةَ المفروضةَ (١). وأَوْلى هذه الأقوالِ بالصوابِ قولُ مَن قال: معنى العفوِ: الفضلُ مِن مالِ الرجلِ عن نفسِه وأهلِه في مُؤَنِهم (٢) وما لا بُدَّ لهم منه، وذلك هو الفضلُ الذى تظاهَرت به الأخبارُ عن رسولِ اللهِ ﷺ بالإذنِ في الصدقةِ، وصدقتُه (٣) في وجوهِ البِرِّ. ذكرُ بعضِ الأخبارِ التى رُوِيت عن رسولِ اللهِ ﷺ بذلك حدَّثنا عليُّ بنُ مسلمٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن ابنِ عَجْلانَ، عن المَقْبُرىِّ، عن أبى هريرةَ، قال: قال رجلٌ: يا رسولَ اللهِ، عندى دينارٌ. قال: "أَنْفِقْه على نفسِكَ". قال: عندى آخَرُ. قال: "أنفِقْه على أهلِك". قال: عندى آخَرُ. قال: "أنْفِقْه على ولدِك". قال: عندى آخَرُ. قال: "فأنت أَبْصَرُ" (٤).

стр. 2342

حدَّثنى محمدُ بنُ مَعْمَرٍ البَحْرانيُّ، قال: ثنا رَوْحُ بنُ عُبادةَ، قال: ثنا ابنُ جُرَيْجٍ، قال: أخبرَنى أبو الزُّبَيْرِ، أنه سمِع جابرَ بنَ عبدِ اللهِ يقولُ: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "إِذا كان أحدُكم فقيرًا فَلْيَبْدَأْ بنفسِه، فإن كان له فضلٌ فَلْيَبْدَأْ معَ نفسِه بمَن يَعُولُ، ثم إن وجَد فضلًا بعدَ ذلك فَلْيَتَصَدَّقْ على غيرِهم" (١). حدثنا عَمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، عن عاصمِ بنِ (٢) عمرَ بنِ قتادةَ، عن محمودِ بنِ لَبِيدٍ، عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ، قال: أتَى رسولَ اللهِ ﷺ رجلٌ ببيضةٍ من ذهبٍ أَصابها في بعضِ المعادنِ، فقال: يا رسولَ اللهِ، خُذْ هذه منى صدقةً، فو اللهِ ما أصبحتُ أَمْلِكُ غيرَها. فأعْرَض عنه، فأتاه مِن ركنِه الأيمنِ، فقال له مثلَ ذلك، فأعْرَض عنه، ثم قال له مثلَ ذلك، فأعرَض عنه، ثم قال له مثلَ ذلك، فقال: "هاتِها". مُغْضَبًا، فأخَذها فحذَفه بها حذفةً لو أصابه شجَّه أو عقَره، ثم قال: "يَجِئُ أحَدُكم بمالِه كلِّه يَتَصَدَّقُ به ويَجْلِسُ يَتَكَفَّفُ الناسَ، إنما الصَّدقةُ عن ظَهْرِ غِنًى" (٣). حدَّثنا محمدُ بنُ المثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن إبراهيمَ الهَجَرىِّ (٤)، قال: سمِعتُ أبا الأحوصِ يُحَدِّثُ عن عبدِ اللهِ، عن النبيِّ ﷺ أنه قال:

стр. 2343

"ارْضَخْ (١) مِن الفَضْلِ، وابْدَأْ بمَن تَعُولُ، ولا تُلامُ على كَفَافٍ" (٢). وما أشبهَ ذلك مِن الأخبارِ التى يطولُ باستقصاءِ ذكرِها الكتابُ. فإذا كان الذى أَذِن ﷺ لأمتِه الصدقةَ مِن أموالِهم الفضْلَ (٣) عن حاجةِ المتُصَدِّقِ، فالفضلُ (٤) من ذلك هو العفوُ مِن مالِ الرجلِ، إذ كان العفوُ في كلامِ العربِ في المالِ وفى كلِّ شيءٍ هو الزيادةُ والكثرةُ، ومن ذلك قولُه جل ثناؤُه: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ [الأعراف: ٩٥]. بمعنى: زادُوا على ما كانوا عليه مِن العددِ وكثُروا. ومنه قولُ الشاعرِ (٥): ولكنَّا [يَعَضُّ السيفُ منا] (٦) … بأَسْوُقِ عَافِياتِ الشَّحْمِ (٧) كُومِ يعنى به كثيراتِ الشحومِ. ومِن ذلك قيل للرجلِ: خُذْ ما عفا لك مِن فلانٍ. يُرادُ به: ما فضَل فصفا لك عن جُهْدِه بما لم يَجْهَدْه - كان بَيِّنًا أن الذى أذِن اللهُ به في قولِه: ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾ لعبادِه مِن النفقةِ، فأذِنهم بإنفاقِه إذا أرادوا إنفاقَه، هو الذى بيَّن لأمتِه رسولُ اللهِ ﷺ بقولِه: "خيرُ الصدقةِ ما أنفقتَ عن غِنًى". وآذَنَهم به. فإن قال لنا قائلٌ: وما تُنْكِرُ أن يكونَ ذلك العفوُ هو الصدقةَ المفروضةَ؟ قيل: أنكَزنا ذلك لقيامِ الحُجَّةِ على أن مَن حلَّت في مالِه الزكاةُ المفروضةُ،

стр. 2344

فهلَك جميعُ مالِه إلَّا قَدْرَ الذى لزِم مالَه لأهلِ سُهمانِ الصدقةِ، أن عليه أن يُسَلِّمَه إليهم، إذا كان هلاكُ مالِه بعدَ تفريطِه في أداءِ الواجبِ كان لهم في (١) مالِه إليهم، وذلك لا شكَّ أنه جُهدُه -إذا سلَّمه إليهم- لا عفوُه، وفى تسميةِ اللهِ جلّ ثناؤه ما علَّم عبادَه وجْهَ إنفاقِهم مِن أموالِهم عفوًا، ما يُبْطِلُ أن يكونَ مُسْتَحِقًّا اسمَ جُهْدٍ في حالةٍ. وإذا كان ذلك كذلك، فبَيِّنٌ فسادُ قولِ مَن زعَم أن معنى العفوِ هو ما أخرَجه ربُّ المالِ إلى إِمامِه فأعطاه، كائنًا ما كان مِن قليلِ مالِه وكثيرِه، وقولِ مَن زعَم أنه الصدقةُ المفروضةُ. وكذلك أيضًا لا وجهَ لقولِ مَن يقولُ: إنَّ معناه: ما لم يَتَبيَّنْ في أموالِكم؛ لأن النبيَّ ﷺ لما قال له أبو لُبَابَةَ: إن مِن توبتى أن أَنْخَلِعَ إلى اللهِ ورسولِه مِن مالى صدقةً. قال النبيُّ ﷺ : "يَكْفِيكَ مِن ذلك الثلثُ" (٢). وكذلك رُوِى عن كعبِ بنِ مالكٍ أن النبيَّ ﷺ قال له نحوًا مِن ذلك (٣). والثلثُ لا شكَّ أنه بَيِّنٌ فقدُه مِن مالِ ذى المالِ. ولكنه عندى كما قال جلَّ ثناؤه: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧]. وكما قال جل ثناؤه لمحمد ﷺ : ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٩]. وذلك هو ما حدَّه ﷺ فيما دونَ ذلك على قدرِ المالِ واحتمالِه. ثم اخْتَلف أهلُ العلمِ في هذه الآيةِ: هل هى منسوخةٌ أم ثابتةُ الحكمِ على

стр. 2345

العبادِ؟ فقال بعضُهم: هى منسوخةٌ، نسَختها الزكاةُ المفروضةُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى عليُّ بن داودَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليِّ ابنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾. قال: كان هذا قبلَ أن تُفْرَضَ الصدقةُ (١). حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾. قال: لم تُفْرَضْ فيه فريضةٌ معلومةٌ، ثم قال: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]. ثم نزَلت الفرائضُ بعدَ ذلك مُسَمَّاةً (٢). حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرُو بنُ حمَّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ قولَه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾: هذه نسَختها الزكاةُ (٣). وقال آخرون: بل مُثْبتَةُ الحكمِ غيرُ منسوخةٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبى نَجيحٍ، عن قيسِ بنِ سعدٍ -أو: عيسى، عن قيسٍ- عن مجاهدٍ -شكَّ أبو عاصمٍ-

стр. 2346

قال: قال: العفوُ الصدقةُ المفروضةُ (١). والصوابُ مِن القولِ في ذلك ما قاله ابنُ عباسٍ على ما رواه عنه عطيةُ، مِن أن قولَه: ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾. ليس بإيجابِ فرضٍ فُرِض مِن اللهِ حقًّا في مالِه، ولكنه إعلامٌ منه ما يُرْضِيه مِن النفقةِ ممَّا يُسْخِطُه، جوابًا منه لمَن سأَل نبيَّه محمدًا ﷺ عمَّا فيه له رضًا، فهو أدبٌ من اللهِ لجميعِ خلقِه على ما أدَّبهم به في الصدقةِ غيرِ (٢) المفروضاتِ، ثابتُ الحكمِ، غيرُ ناسخٍ لحكمٍ كان قبلَه بخلافِه، ولا منسوخٍ بحكمٍ حدَث بعدَه، فلا ينبغِى لذى وَرَعٍ ودِينٍ أن يَتَجاوَزَ في صدقاتِه (٣) التطوّعِ وهِباتِه وعطايا النفلِ وصدقتِه ما أدَّبهم به نبيُّه ﷺ بقولِه: "إذا كان عندَ أحدِكم فضلٌ فَلْيَبْدَأْ بنفسِه، ثم بأهلِه، ثم بولدِه". ثم يَسْلُكُ حينئذٍ في الفضلِ مسالكَه التِى تُرْضِى اللهَ ويُحِبُّها، وذلك هو القَوَامُ بينَ الإسرافِ والإقتارِ الذى ذكَره اللهُ في كتابِه (٤) إن شاء اللهُ تعالى. ويقالُ لمَن زعَم أن ذلك منسوخٌ: ما الدلالةُ على نسخِه وقد أجْمَع الجميعُ لا خلافَ بينهم، على أن للرجلِ أن يُنْفِقَ مِن مالِه صدقةً وهبةً ووصيةً الثلثَ، فما الذى دلَّ على أن ذلك منسوخٌ؟ فإن زعَم أنه يعنى بقولِه: إنه منسوخٌ، أن إخراجَ العفوِ مِن المالِ غيرُ لازمٍ فرضًا، وأن فرضَ ذلك ساقطٌ بوجودِ الزكاةِ في المالِ. قيل له: وما الدليلُ على أن إخراجَ العفوِ كان فرضًا فأسقَطه فرضُ الزكاةِ، ولا دلالةَ في الآيةِ على أن ذلك كان فرضًا، إذ لم يكنْ أمرٌ مِن اللهِ عزَّ ذكرُه، بل فيها الدلالةُ

стр. 2347

على أنها جوابُ ما سأل عنه القومُ على وجهِ التعرُّفِ لِمَا فيه للهِ الرضا مِن الصدقاتِ، ولا سبيلَ لمُدَّعى ذلك إلى دلالةٍ تُوجِبُ صحَّة ما ادَّعَى. وأمَّا القرَأةُ فإنهم اخْتَلفوا في قراءةِ ﴿الْعَفْوَ﴾، فقرَأته عامَّةُ قرَأةِ الحجازِ وقرَأةِ الحَرَميْنِ وعُظْمُ قرَأةِ الكوفيِّين: ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾. نصبًا. وقرَأه بعضُ قرَأةِ البصريِّين: (قُلِ العَفْوُ). رفعًا (١). فمَن قرَأه نصبًا جعَل ﴿مَاذَا﴾ حرفًا واحدًا، ونصَبه بقولِه: ﴿يُنْفِقُونَ﴾. على ما قد بيَّنتُ قبلُ، ثم نصَب ﴿الْعَفْوَ﴾ على ذلك، فيكونُ معنَى الكلامِ حينئذٍ: ويَسْأَلونك أىَّ شيءٍ يُنْفِقون؟ ومَن قرَأه رفعًا جعَل "ما" مِن صلةِ "ذا"، ورفَعوا "العفو"، فيكونُ معنى الكلام حينئذٍ: ما الذى ينفقون؟ قل: الذى ينفقون العفوُ. ولو نَصَبَ "العفو"، ثم جَعَلَ "ماذا" حرفين بمعنَى: يسألونك ماذا يُنفِقون؟ قل: يُنفِقون العفوَ. ورفَع الذين جعلوا "ماذا" حرفًا واحدًا بمعنى: ما ينفقون؟ قل: الذى ينفِقون -خبرًا- كان صوابًا صحيحًا في العربيةِ. وبأىِّ القراءتينِ قُرِئ ذلك فهو (٢) عندى صوابٌ، لتقارُبِ معنييهما، معَ استفاضةِ القراءةِ بكلِّ واحدةٍ منهما، غيرَ أن أعجبَ القراءتين إليَّ -وإن كان الأمرُ كذلك- قراءةُ مَن قرَأه بالنصبِ، لأن مَن قرَأ به مِن القرأةِ أكثرُ، وهو أعرفُ وأشهرُ. القولُ في تأويلِ قولِه عزَّ ذكرُه: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾. يعنى بقولِه عزَّ ذكرُه: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾: هكذا يُبَيِّنُ.

стр. 2348

أى: كما بيَّنتُ (١) لكم أعلامى وحُجَجى -وهى آياتُه في هذه السورة- وعرَّفتُكم فيها ما فيه خلاصُكم مِن عقابِى، وبيَّنتُ لكم حُدودِى وفَرائِضى، ونبَّهتُكم فيها على الأدلَّةِ على وَحْدانيَّتى، ثم على حُجَجِ رسولى إليكم، فأرْشَدتُكم إلى ظهورِ الهُدَى، فكذلك أُبَيِّنُ لكم في سائرِ كتابى الذى أنْزَلتُه على نبيِّى محمدٍ ﷺ آياتى وحُجَجى، وأُوضِّحُها لكم؛ لِتَتَفَكَّروا في وعْدِى ووعيدى، وثوابى وعِقابى، فتُجاوِزوا (٢) طاعتى التى تَنالون بها ثوابى في الدارِ الآخرةِ، والفوزَ بنعيمِ الأبدِ على القليلِ مِن اللذاتِ، واليسيرِ مِن الشهواتِ، بركوبِ معصيتى في الدنيا الفانيةِ، التى مَن ركِبها كان مَعَادُه إلىَّ، ومصيرُه إلى ما لا قِبَلَ له به مِن عقابى وعذابى. وبنحوِ الذى قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا علىُّ بنُ داودَ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ قال: يعنى في زوالِ الدنيا وفنائِها، وإقبالِ الآخرةِ وبقائِها (٣). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾. قال: يقولُ: لعلَّكم تَتَفَكَّرون في الدنيا والآخرةِ، فتعرِفون فضلَ الآخرةِ على الدنيا (٤).

стр. 2349

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال قولَه: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾. قال: أمَّا الدنيا فتَعْلَمون أنها دارُ بلاءٍ ثم فناءٍ، والآخرةُ دارُ جزاءٍ ثم بقاءٍ، فتَتَفَكَّرون، فتعملون للباقيةِ منهما (١). قال: وسمِعتُ أبا عاصمٍ يَذْكُرُ نحوَ هذا أيضًا. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾: وإنه مَن تفكَّر فيهما عرَف فضلَ إحداهما على الأخرى، وعرَف أن الدنيا دارُ بلاءٍ، ثم دارُ فناءٍ، وأن الآخرةَ دارُ جزاءٍ، ثم دارُ بقاءٍ، فكونوا ممن يَصْرِمُ حاجةَ الدنيا لحاجةِ الآخرةِ (٢). القولُ في تأويلِ قولِه عز ذكرُه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾. اخْتَلف أهلُ التأويلِ فيما نزَلت هذه الآيةُ، فقال بعضُهم: نزَلت (٣). حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن إسرائيلَ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لمَّا نزَلت: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢، الإسراء: ٣٤]. عزَلوا أموالَ اليتامى، فذكَروا ذلك

стр. 2350

لرسولِ اللهِ ﷺ ، فنزَلت: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾ فخالَطوهم (١). حدَّثنا سفيانُ بنُ وَكيعٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لمَّا نزَلت: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ و: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠]. انطَلق مَن كان عنده يتيمٌ فعزَل طعامَه مِن طعامِه، وشرابَه مِن شرابِه، فجعَل يَفْضُلُ الشئُ مِن طعامِه، فيُحْبَسُ له حتى يَأْكُلَه أو يَفْسُدَ، فاشتدَّ ذلك عليهم، فذكَروا ذلك لرسولِ اللهِ ﷺ ، فأنْزَل اللهُ : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ فخلَطوا طعامهم بطعامِهم، وشرابَهم بشرابِهم (٢). حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عمرٍو، عن عطاءٍ، عن سعيدٍ، قال: لمَّا نزَلت: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. قال: [كان يُصنَعُ] (٣) لليتيمِ طعامٌ (٤) فيَفْضُلُ منه الشئُ، فيَتْرُكُونه حتى يَفْسُدَ، فأنزَل اللهُ: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ (٥).
следующие страницы →