← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.

стр. 2556

فيما افْتَرَض لكلِّ واحدٍ منهما على صاحبِه من العِشرةِ والصحبةِ (١). حَدَّثَنِي يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، قال: سمِعتُ القاسمَ بنَ محمدٍ يقولُ: ﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ﴾. قال: فيما افتَرَض اللهُ عليهما في العِشرةِ والصُّحبةِ (٢). حَدَّثَنِي المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى الليثُ، قال: ثنى ابنُ شهابٍ، قال: أخبَرني سعيدُ بنُ المسيَّبِ، قال: لا يَحِلُّ الخلعُ حتى يخافا ألا يُقِيما حدودَ اللهِ في العِشرةِ التي بينهما. وأوْلى هذه الأقوالِ بالصحةِ قولُ من قال: لا يَحِلُّ للرجلِ أخذُ الفديةِ مِن امرأتِه على فراقِه إيَّاها، حتى يكونَ خوفُ معصيةِ اللهِ من كلِّ واحدٍ منهما على نفسِه، في تفريطِه في الواجبِ عليه لصاحبِه منهما جميعًا، على ما ذكرناه عن طاوسٍ والحسنِ ومَن قال في ذلك مثلَ قولِهما؛ لأنَّ اللهَ تعالى ذكرُه إنما أباحَ للزوجِ أخذَ الفدية من امرأتِه عندَ خوفِ المسلمين عليهما ألا يقيما حدودَ اللهِ. فإن قال قائلٌ: فإن كان الأمرُ كما وصَفتَ، فالواجبُ أن يكونَ حرامًا على الرجلِ قبولُ الفديةِ منها إذا كان النشوزُ منها دونَه، حتى يكونَ منه من الكراهيةِ لها مثلُ الذي يكونُ منها؟ قيل له: الأمرُ في ذلك بخلافِ ما ظننتَ، وذلك أن في نشوزِها عليه داعيةً له إلى التقصيرِ في واجبِها، ومجازاتِها * بسوء فِعْلِها به، وذلك هو المعنى الذي يوجبُ

стр. 2557

للمسلمين الخوفَ عليهما ألا يقيما حدودَ اللهِ. فأمَّا إذا كان التفريطُ من كلِّ واحدٍ منهما في واجبِ حقِّ صاحبِه قد وُجدَ، وسوءُ الصحبةِ والعِشرَةِ قد ظهَر للمسلمين، فليس هناك للخوفِ موضعٌ، إذْ كان الخوفُ قد وُجدَ، وإنما يُخافُ وقوعُ الشيءِ قبلَ حُدوثِه، فأما بعدَ حُدوثِه فلا وجهَ للخوفِ مِنه ولا الزيادةِ في مكروهِه. القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ﴾ التي إذا خيفَ من الزوجِ والمرأةِ ألا يُقيماها حَلَّتْ له الفديةُ من أجلِ الخوفِ عليهما تَضْييعَها (١)؛ فقال بعضُهم: هو استخفافُ المرأةِ بحقِّ زوجِها وسوء طاعتِها إيَّاه، وأذاها له بالكلامِ. ذكرُ من قال ذلك حَدَّثَنِي المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾. قال: هو تركُها إقامةَ حدودِ اللهِ، واستخفافُها بحقِّ زوجِها، وسوءُ خلُقِها، فتقولُ له: واللهِ لا أبَرُّ لك قسمًا، ولا أطأُ لك مَضجَعًا، ولا أطيعُ لك أمرًا. فإن فعَلتْ ذلك فقد حَلَّ له منها الفديةُ (٢). حَدَّثَنَا أبو كريبٍ، قال: ثنا يحيى بنُ أبي زائدةَ، عن يزيدَ بنِ إبراهيمَ، عن الحسنِ في قولِه ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾.

стр. 2558

قال: إذا قالت: لا أغتسلُ لك من جنابةٍ. حلَّ له أن يأخُذَ منها (١). حَدَّثَنِي المُثَنَّي، قال: ثنا حبَّانُ بنُ موسي، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، قال: ثنا يونسُ، عن الزهريِّ، قال: يَحِلُّ الخلعُ حين يخافان ألا يقيما حدودَ اللهِ وأَداءَ حدودِ اللهِ في العِشرةِ التي بينَهما (٢). وقال آخرون: معنى ذلك: فإن خفتم ألا يطيعا اللهَ. ذِكرُ من قال ذلك حَدَّثَنَا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن إسرائيلَ، عن عامرٍ: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ﴾. قال: ألا يطيعا اللهَ (٣). حَدَّثَنِي محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: الحدودُ الطاعةُ. والصوابُ من القولِ في ذلك: فإن خفتم ألا يُقيما [ما أوجَب] (٤) اللهُ عليهما مِن الفرائضِ، فيما أُلْزِمَ كلُّ واحدٍ منهما من الحقِّ لصاحبِه من العِشرةِ بالمعروفِ، والصُّحبةِ بالجميلِ، فلا جناحَ عليهما فيما افْتَدَتْ به. وقد يدخلُ في ذلك ما رَوَيْناه عن ابنِ عباسٍ والشعبيِّ، وما رَوَيْنا عن الحسنِ والزهريِّ، لأنَّ من الواجبِ للزوجِ على المرأةِ طاعتَه فيما أوجَب اللهُ طاعتَه فيه، ولا تؤذِيه بقولٍ، ولا تمتنِعُ عليه إذا دعاها لحاجتِه، فإذا خالَفتْ ما أمرَها اللهُ به من ذلك

стр. 2559

كانت قد ضيَّعتْ حدودَ اللهِ التي أمرَها بإقامتِها (١). وأما معنى إقامةِ (٢) حدودِ اللهِ، فإنه العملُ بها، والمحافظةُ عليها، وتركُ تضْيِيعِها، وقد بينَّا ذلك فيما مضَى قبلُ مِن كتابِنا هذا، بما يدلُّ على صحتِه (٣). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾. يعني تعالى ذكرُه بذلك: فإن خفتم أيها المؤمنون ألا يقيمَ الزوجان ما حدَّ اللهُ لكلِّ واحدٍ منهما على صاحبِه من حقٍّ، وألزَمه له مِن فرضٍ، وخَشِيتم عليهما تضييعَ فرضِ اللهِ وتعدِّيَ حدودِه في ذلك، فلا جناحَ حينئدٍ عليهما فيما افتدَتْ به المرأةُ نفسَها من زوجِها، ولا حرجَ عليهما فيما أعطَتْ هذه على فراقِ زوجِها إيّاها (٤)، ولا على هذا فيما أخَذ منها من الجُعلِ والعِوَضِ عليه. فإن قال قائلٌ: وهل كانت المرأةُ حَرِجةً لو كان الضِّرارُ من الرجلِ بها حتى افتدَتْ به نفْسَها، فيكونَ لا جناحَ عليهما (٥) فيما أعطَتْه من الفديةِ على فِراقِها إذا كان النشوزُ مِن قِبَلِها؟ قيل: لو علِمتْ في حالِ ضِرارِه بها ليأخذَ منها ما آتاها أن ضِرارَه ذلك إنما هو ليأخذَ منها ما حرَّمَ اللهُ عليه أخذَه * على الوجهِ الذي نهاهُ اللهُ عن أخذِه منها، ثم قَدَرتْ أن تمتنِعَ مِن إعطائِه ذلك (٦) بما لا ضررَ عليها في نفسٍ ولا دينٍ، ولا

стр. 2560

خوفَ (١) عليها في ذهابِ حقٍّ لها، لما حلَّ لها إعطاؤُه ذلكَ، إلَّا علَى وجهِ طيبِ النفسِ منها بإعطائِه إيَّاهُ على ما يَحِلُّ له أخذُه منها؛ لأنها متى أعطَتْه ما لا يَحلُّ له أخذُه منها وهي قادرةٌ على مَنعِه ذلكَ بما لا ضررَ عليها في نفسٍ ولا دينٍ، ولا في حقٍّ لها تخافُ ذهابَه، فقد شارَكَتْه في الإثمِ بإعطائِه ما لا يَحلُّ له أخذُه منها على الوجهِ الذي أعطتْه عليْه، فلذلك (٢) وُضِع عنها الجناحُ إذا (٣) كان النشوزُ من قِبلِها، وأعطَتْه ما أعطَتْه من الفديةِ بطيبِ نفسٍ؛ ابتغاءً منها بذلك سلامتَها وسلامةَ صاحبِها من الوِزْرِ والمأثمِ، وهي - إذا أعطَتْه على هذا الوجهِ - باستحقاقِ الأجرِ والثوابِ من اللهِ أوْلى إن شاءَ اللهُ من الجنُاحِ والحرجِ، ولذلك قال جلّ ثناؤُه: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ فوضَع الحرجَ عنها فيما أعطَتْه على هذا الوجهِ من الفديةِ على فِراقِه إيَّاها، وعنه فيما قبَض منها إذ كانت مُعطيةً على المعنى الذي وصَفْنا، وكان قابضًا منها ما أعطتْه من غيرِ ضِرارٍ، بل طلَبَ السلامةِ لنفسِه ولها في [أديانِهما وحذارًا للأوزارِ] (٤) والمأثمِ. وقد يتَّجِهُ قولُه جلّ ثناؤُه: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ وجهًا آخرَ من التأويلِ، وهو أنَّها لو بذَلتْ له ما بذَلتْ من الفديةِ على غيرِ الوجهِ الذي أذِن نبيُّ اللهِ ﷺ لامرأةِ ثابتِ بنِ قيسِ بنِ شَمَّاسٍ، وذلك لكراهتِها أخلاقَ زوجِها أو دمامةَ خَلْقِه، وما أشبَهَ ذلك من الأمورِ التي يكرهُها الناسُ بعضُهم من بعضٍ، ولكن على الانصرافِ منها بوجْهِها إلى آخرَ غيرِه على وجهِ الفسادِ وما لا يَحِلُّ لها - كان حرامًا عليها أنْ تُعطىَ على مسألتِها إياهُ فِراقَها على ذلك الوجهِ شيئًا؛ لأنَّ مسألتَها إيّاه الفرقةَ على ذلك

стр. 2561

الوجهِ معصيةٌ منها للهِ، وتلك هي المُخْتلِعةُ - إن خولِعتْ على ذلك الوجهِ - التي رُوِي عن النبيِّ ﷺ أنه سمَّاها منافقةً. كما حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، عن ليثٍ، عن أبي إدريسَ، عن ثوبانَ مولَى رسولِ اللهِ ﷺ ، عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "أيُّمَا امرأةٍ سأَلَتْ زوجَها الطَّلاقَ مِنْ غَيْرِ بَأْسٍ، حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهَا رَائحَةَ الجَنَّةِ". وقال: "المُخْتَلِعاتُ هُنَّ المنُافِقَاتُ" (١). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا مُزاحمُ بنُ ذَوَّادِ بنِ عُلْبةَ، عن أبيه، عن ليثِ بنِ أبي سُليمٍ، عن أبي الخطابِ، عن أبي زُرعةَ، عن أبي إدريسَ، عن ثوبانَ مولَى رسولِ اللهِ ﷺ ، عن رسولِ اللهِ ﷺ ، قال: "المُخْتَلِعاتُ هُنَّ المُنافِقاتُ" (٢). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا حفصُ بنُ بشرٍ، قال: ثنا قيسُ بنُ الربيعِ، عن أشعثَ بنِ سَوّارٍ، عن الحسنِ، عن ثابتِ بنِ يزيدَ، عن عقبةَ بنِ عامرٍ الجُهَنيِّ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "إنَّ المُخْتلِعاتِ المُنْتَزِعاتِ هُنَّ المُنافِقاتُ" (٣). حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، وحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيةَ، قالا جميعًا: ثنا أيوبُ، عن أبي قِلابةَ، عمَّن حدَّثه، عن ثوبانَ، أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: "أيُّمَا امْرَأةٍ سَأَلَتْ زَوْجَها طَلاقًا من غَيرِ بَأسٍ، فَحَرَامٌ علَيها

стр. 2562

رَائحَةُ الجَنَّة" (١) حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو النُّعمانِ عارمٌ، قال: ثنا حمادُ بنُ زيدٍ، عن أيوبَ، عن أبي قِلابةَ، عن أبي أسماءَ الرحبيِّ، عن ثوبانَ، عن رسولِ اللهِ ﷺ نحوَه (٢). فإذ كان من وجوهِ افتداءِ المرأةِ نفسَها من زوجِها ما تكونُ به حَرِجةً، وعليها في افتدائِها نفسَها على ذلك الحَرجُ والجُناحُ، وكان من وجوهِه ما يكونُ الحرجُ والجُناحُ فيه على الرجلِ دونَ المرأةِ، ومنه ما يكونُ عليهما، ومنه ما لا يكونُ عليهما فيه حرجٌ ولا جُناحٌ، قيل في الوجهِ الذي لا حرجَ عليهما فيه: لا جُناحَ إذْ كانا فيما حاولا وقصَدا من افتراقِهما بالجُعْلِ الذي بذَلتْه المرأةُ لزوجِها لا جناحَ عليهما فيما افتدَتْ به من الوجهِ الذي أُبيحَ لهما، وذلك أن يخافا ألا يقيما حدودَ اللهِ بمقامِ (٣) كلِّ واحدٍ منهما على صاحبِه. وقد زعَم بعضُ أهلِ العربيةِ (٤) أن في ذلك وجهين؛ أحدُهما، أن يكونَ مرادًا به: فلا جُناحَ على الرجلِ فيما افتدتْ به المرأةُ، دونَ المرأةِ. وإن كانا قد ذُكرا جميعًا، كما قال في سورةِ "الرحمنِ": ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾. [وإنَّما يَخْرُجُ - زعَم - اللؤْلُؤُ والمَرْجانُ] (٥) من المِلحِ لا مِن العذْبِ. قال: ومِثلُه: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ [الكهف: ٦١] وإنما النّاسي صاحبُ موسى وحدَه. قال:

стр. 2563

ومِثلُه في الكلامِ أن تقولَ: عندي دابتان أركبُهما وأستَقِي عليهما. وإنما تَركبُ إحداهما وتَسْتَقِي على الأُخْرى. قال: وهذا من سَعةِ العربيةِ التي يُحتجُّ بسَعتِها في الكلامِ. قال: والوجهُ الآخرُ، أن يشترِكا جميعًا في ألا يكونَ عليهما جُناحٌ، إذْ كانت تُعطِي ما قد نُفِيَ عن الزوجِ فيه الإثمُ، اشترَكت فيه؛ لأنها إذا أعطتْ ما يُطرحُ فيه المأثمُ احتاجتْ إلى مثلِ ذلك. قال أبو جعفرٍ: فلم يُصِبِ الصوابَ في واحدٍ مِن الوجهين، ولا في احتجاجِه بما احتجَّ به مِن قولِه: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾. فأما قولُه: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ فقد بينّا وجهَ صوابِه، وسنُبَيِّنُ وجهَ قولِه: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ في موضعِه إذا أتينا عليه، إن شاء اللهُ. وإنما خَطَّأْنا قولَه ذلك؛ لأن اللهَ ﵎ قد أخبرَ عن وضعِه الحرجَ عن الزوجيْنِ إذا افتدت المرأةُ مِن زوجِها على ما أذِنَ، وأخبرَ عن البحرين أن منهما يخرُجُ اللؤلؤُ والمرجانُ، فأضاف الخبرَ (١) إلى اثنيْن. فلو جازَ لقائلٍ أن يقولَ: إنما أريدَ به الخبرُ عن أحدِهما فيما لم يكنْ مُستحيلًا أن يكونَ عنهما، جازَ في كلِّ خبرٍ كانَ عن اثنينِ - غيرُ مُستحيلةٍ صحتُه أن يكونَ عنهما - أن يقالَ: إنما هو خبرٌ عن أحدِهما. وذلك قلبُ المفهومِ من كلامِ الناسِ والمعروفِ من استعمالِهم في مخاطباتِهم. وغيرُ جائزٍ حملُ كتابِ اللهِ ووَحْيِه جلَّ ذكرُه على الشواذِّ من الكلامِ، وله في المفهومِ الجارِي بين الناسِ وجهٌ صحيحٌ موجودٌ. ثم اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾. أمَعنيٌّ به أنهما موضوعٌ عنهما الجُناحُ في كلِّ ما افتدتْ به المرأةُ نفسَها من شيءٍ أم في

стр. 2564

بعضِه؟ فقال بعضُهم: عنَى بذلك: فلا جناحَ عليهما فيما افتدَتْ به من صَداقِها الذي كان آتاها زوجُها الذي تختلِعُ منه. واحتجُّوا في قولِهم ذلك بأن آخرَ الآيةِ مردودٌ على أوَّلِها، وأن معنى الكلامِ: ولا يحِلُّ لكم أن تأخُذوا مما آتَيْتموهنَّ شيئًا إلا أن يَخافا ألا يُقِيما حُدودَ اللهِ، فإن خِفتم ألا يُقيما حُدودَ اللهِ فلا جُناحَ عليهما فيما افتدَتْ به مما آتيتموهنَّ. قالوا: فالذي أحلّه اللهُ لهما من ذلك عندَ الخوفِ عليهما ألا يقيما حدودَ اللهِ هو الذي كان حظَرَ عليهما قبلَ حال الخوفِ عليهما من ذلك. واحتجُّوا في ذلك بقصةِ ثابتِ بنِ قيسِ بنِ شَمّاسٍ، وأن رسولَ اللهِ ﷺ إنما أمَر امرأتَه إذْ نَشَزَت عليه أن تردَّ ما كان ثابتٌ أصْدَقها، وأنها عرَضت الزيادةَ فلم يقبَلْها النبيٌّ ﷺ . ذكرُ من قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، لَال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ أنه كان يقولُ: لا يصلُحُ له أن يأخذَ منها أكثرَ مما ساقَ إليها. ويقولُ: إن اللهَ يقولُ: (فَلا جُناحَ عليهما فيما افْتَدَتْ به منه). يقولُ: من المهرِ، وكذلك كان يَقْرَؤُها: (فيما افتدَتْ به منه) (١). حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحكمِ، قال: ثنا بشرُ بنُ بكرٍ، عن الأوزاعيِّ، قال: سمِعتُ عمرَو بنَ شعيبٍ وعطاءَ بنَ أبي رباحٍ والزهريَّ يقولون في الناشزِ: لا يأخُذُ منها زوجُها (٢) إلا ما ساقَ إليها (٣).

стр. 2565

حدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، ثنا أبو عمرٍو، عن عطاءٍ، قال: الناشزُ لا يأخُذُ إلا ما ساق إليها. حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا مؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ جُريجٍ، عن عطاءٍ أنه كَرِه أنْ يأخذَ في الخلعِ أكثرَ مما أعطاها (١). حدَّثنا زكريا بنُ يحيى بنِ أبي زائدةَ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن أشعثَ، عن الشعبيِّ، قال: كان يَكْرَهُ أن يأخُذَ الرجلُ من المختلِعةِ فوقَ ما أعطاها، وكان يرى أن يأخُذَ دونَ ذلك. حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، مَال: ثنا سفيانُ، عن أبي حُصَيْنٍ، عن الشعبيِّ، قال: لا يأخذُ منها أكثرَ مما أعطاها (٢). حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبرَنا إسماعيلُ بنُ سالمٍ، عن الشعبيِّ أنه كان يَكرَهُ أن يأخذَ منها أكثرَ مما أعطاها. يعني المختلِعَةَ (٣). حدَّثنا أبو كريبٍ وأبو السائبِ، قالا: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: سمِعتُ ليثًا، عن الحكمِ بنِ عُتيبَةَ، قال: كان عليٌّ يقولُ: لا يأخذُ من المختلعةِ فوقَ ما أعطاها (٤). حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ (٥)، عن الحَكَمِ أنه قال في المُختلعةِ: أحبُّ إليَّ ألا يَزدادَ (٦).

стр. 2566

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا حجاجٌ، قال: ثنا حمادٌ، عن حُميدٍ، أن الحسنَ كان يَكْرَهُ أن يأخُذَ منها أكثرَ مما أعطاها (١). حدثنا محمدُ بنُ يحيى، قال: ثنا عبدُ الأعلَى، قال: ثنا سعيدٌ، عن مطرٍ، أنه سأل الحسنَ - أو أن الحسنَ سُئِلَ - عن رجلٍ تزوَّج امرأةً على مائتي درهمٍ، فأرادَ أن يخلَعَها، هل له أن يأخذَ أربعَمائةٍ؟ فقال: لا واللهِ، [لا أرَى] (٢) ذاك؛ أن يأخذَ منها أكثرَ مما أعطاها. حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، قال: كان الحسنُ يقولُ: لا يأخذُ منها أكثرَ مما أعطاها. قال مَعمرٌ: وبلَغني عن عليٍّ أنه كان يَرَى ألا يأخذَ منها أكثرَ مما أعطاها (٣). حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن عبدِ الكريمِ الجَزَرِيِّ، عن ابنِ المسيَّبِ، قال: ما أُحِبُّ أن يأخذَ منها كلَّ ما أعطاها حتى يَدَعَ لها منه ما يُعِيشُها (٤). حدثنا الحسنُ بن يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاق، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن ابنِ طاوسٍ، أن أباه كان يقولُ في المفتديةِ: لا يَحِلُّ له أن يأخذَ منها أكثرَ مما أعطاها (٥).

стр. 2567

حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الزهريِّ، قال: لا يَحِلُّ لرجلٍ أن يأخذَ من امرأتِه أكثرَ مما أعطاها (١). وقال آخرون: بل عنَى بذلك: فلا جُناحَ عليهما فيما افتدَتْ به من قليلِ ما تملِكُه وكثيرِه. واحتجُّوا لقولِهم ذلك بعمومِ الآيةِ، وأنه غيرُ جائزةٍ إحالةُ ظاهرٍ عامٍّ إلى باطنٍ خاصٍّ، إلا بحجةٍ يَجبُ التسليمُ لها. قالوا: ولا حُجَّةَ يجبُ التسليمُ لها بأنَّ الآيةَ مرادٌ بها بعضُ الفديةِ دونَ بعضٍ من أصلٍ أو قياسٍ، فهي على ظاهِرِها وعُمومِها. ذكرُ مَن قال ذلك حدثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: أخبرَنا أيوبُ، عن كثيرٍ مولَى سَمُرةَ، أن عُمرَ أُتِي بامرأةٍ ناشزٍ، فأمَرَ بها إلى بيتٍ كثيرِ الزِّبلِ ثلاثًا، ثم [دعا بها] (٢) فقال: كيف وجدتِ؟ قالت: ما وجدتُ راحةً منذُ كنتُ عندَه إلا هذه الليالي التي حَبَسْتَنِي. فقال لزوجِها: اخْلَعْها ولو من قُرْطِها (٣). حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن أيوبَ، عن كثيرٍ مولَى سَمُرَة، قال: أخَذ عُمرُ بنُ الخطابِ امرأةً ناشِزًا فوعَظَها،

стр. 2568

فلم تقبَلْ بخيرٍ، فحبَسها في بيتٍ كثيرِ الزِّبلِ ثلاثةَ أيامٍ. وذكَر نحوَ حديثِ ابنِ عُلَيَّةَ (١). حدثنا ابنُ بشارٍ ومحمدُ بنُ يحيى، قالا: ثنا عبدُ الأعلَى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن حُميدِ بنِ عبدِ الرحمنِ، أن امراةً أتتْ عُمرَ بنَ الخطابِ فشكَتْ زوجَها، فقال: إنها ناشزٌ. فأباتَها في بيتِ الزِّبلِ، فلمَّا أصْبَحتْ (٢) قال لها: كيف وجدتِ مكانَكِ؟ قالت: ما كنتُ عندَه ليلةً أقرَّ لعيني من هذه الليلةِ. فقال: خُذْ ولو عِقاصَها (٣). حدثنا نصرُ بنُ عليٍّ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا عبيدُ اللهِ، عن نافعٍ، أن مولاةً لصفيةَ اختلَعتْ من زوجِها بكلِّ شيءٍ تملِكُه إلا من ثيابِها، فلم يَعِبْ ذلك ابنُ عُمرَ (٤). حدثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلَى ومحمدُ بنُ المثنَّى، قالا: ثنا مُعتمِرٌ، قال: سمِعْتُ عُبيدَ اللهِ يُحدِّثُ عن نافعٍ، قال: ذُكِر لابنِ عمرَ مولاةٌ له اخْتَلَعَتْ من زوجِها بكلِّ مالٍ لها، فلم يَعِبْ ذلك عليها ولم يُنْكِرْه. حدثني يحيى بنُ طلحةَ اليَرْبُوعيُّ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن حُميدٍ، عن رجاءِ بنِ حَيْوةَ، عن قَبيصةَ بنِ ذُؤَيبٍ أنه كان لا يَرَى بأسًا أن يأخُذَ منها أكثرَ مما أعطاها. ثم

стр. 2569

تلا هذه الآيةَ: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (١). حدثنا ابنُ بشّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْدِيٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن المغيرةِ، عن إبراهيمَ، قال في الخُلْعِ: خُذْ ما دونَ عِقاصِ شَعَرِها، وإن كانت المرأةُ لَتَفْتَدِي ببعضِ مالِها (٢). حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن مُغِيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: الخُلْعُ ما (٣) دونَ عِقاصِ الرأسِ (٤). حدثنا ابنُ المثنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحكَمِ، عن إبراهيمَ أنه قال في المختلِعةِ: خُذْ منها ولو عِقاصَها. حدثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرَنا مُغيرةُ، عن إبراهيمَ، قال: الخلعُ بما دون عِقاصِ الرأسِ، وقد تَفْتَدِي المرأةُ ببعضِ مالِها (٥). حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن عبدِ اللهِ بنِ محمدِ بنِ عَقيلٍ، أنَّ الرُّبَيِّعَ ابنةَ مُعَوِّذِ بنِ عفراءَ حدَّثَتْه قالت: كان لي زوجٌ يُقِلُّ عليَّ الخيرَ إذا حضَرني، ويَحْرِمُني إذا غابَ. قالت: فكانت منِّي زَلَّةٌ يومًا، فقلت: أَخْتَلِعُ منك بكلِّ شيءٍ أَمْلِكُه. قال: نعم. قالت (٦): ففعَلْتُ. قالت: فخاصَم عمِّى معاذُ بنُ عفراءَ إلى عثمانَ بنِ عفّانَ، فأجاز الخُلْعَ وأمَره أن يَأخُذَ عِقاصَ

стр. 2570

رأسي فما دونَه. أو قالت: ما دونَ عِقاصِ الرأسِ (١). حدَّثني ابنُ (٢) المثنَّى، قال: ثنا حِبّانُ (٣) بنُ موسى، قال: أخبرَنا ابنُ المبارَكِ، قال: أخبرَنا الحسنُ بنُ يحيى، عن الضّحّاكِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لا بأسَ بما خَلَعَها به من قليلٍ أو كثيرٍ، ولو عُقُصَها. حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا حِبّانُ بنُ موسى، قال: أخبرَنا ابنُ المبارَكِ، قال: أخبرَنا حَجّاجٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: إن شاء أخَذ منها أكثرَ مما أَعطاها (٤). حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا ابنُ جُريجٍ، قال: أخبرَني عمرُو بنُ دينارٍ أنه سَمِع عكرمةَ يقولُ: قال ابنُ عباسٍ: لِيَأخُذْ منها حتى قُرْطَها. يَعني في الخُلْعِ (٥). حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا مُطَرِّفُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: أخبرَنا مالكُ بنُ أنسٍ، عن نافعٍ، عن مولاةٍ لصفيةَ ابنةِ أبي عُبيدٍ أنها اختلَعَتْ من زوجها بكلِّ شيءٍ لها، فلم يُنْكِرْ ذلك عبدُ اللهِ بنُ عمرَ (٦). حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا الحَجّاجُ، قال: ثنا حمّادٌ، قال: أخبرَنا حُميدٌ، عن رجاءِ بنِ حَيْوَةَ، عن قَبِيصةَ بنِ ذُؤَيبٍ، أنه تلا هذه الآيةَ: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا

стр. 2571

افْتَدَتْ بِهِ﴾. قال: يأخُذُ أكثرَ مما أَعطاها. حدَّثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ، قال: ثنا يزيدُ وسهلُ بنُ يوسفَ وابنُ أبي عديٍّ، عن حُميدٍ، قال: قلتُ لرجاءِ بنِ حَيْوَةَ: إن الحسنَ يقولُ في المختلِعةِ: لا يأخُذُ أكثرَ مما أَعطاها. ويتأوَّلُ: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ (١) تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾. قال رجاءٌ: فإنَّ قَبِيصةَ بنَ ذُؤَيْبٍ كان يُرَخِّصُ أن يأخُذَ أكثرَ مما أَعطاها، ويَتَأَوَّلُ: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (٢). وقال آخرون: هذه الآيةُ منسوخةٌ بقولِه: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠]. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى، قال: ثنا عبدُ الصَّمَدِ بنُ عبدِ الوارثِ، قال: ثنا عُقْبةُ ابنُ أبي الصَّهْباءِ، قال: سألتُ بَكْرًا عن المختلِعةِ أيأخُذُ منها شيئًا؟ قال: لا. وقرَأ: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: ٢١]. حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا الحَجّاجُ، قال: ثنا عُقبةُ بنُ أبي الصَّهْباءِ، قال: سألتُ بَكْرَ بنَ عبدِ اللهِ عن رجلٍ تُريدُ امرأتُه منه الخُلْعَ، قال: لا يَحِلُّ له أن يأخُذَ منها شيئًا. قلتُ: يقولُ اللهُ تعالى ذكرُه في كتابِه: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾. قال: هذه نُسِخَتْ. قلتُ: فأَنَّى حُفِظَتْ؟ قال: حُفِظَتْ في سورةِ "النِّساءِ" قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ

стр. 2572

قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ (١). وأَوْلَى هذه الأقوالِ بالصوابِ قولُ مَن قال: إذا خِيفَ مِن الرجلِ والمرأةِ ألا يُقيما حُدودَ اللهِ على سبيلِ ما قدَّمْنا البيانَ عنه، فلا حرَج عليهما فيما افْتَدَتْ به المرأةُ نفسَها مِن زوجِها مِن قليلِ ما تَمْلِكُه وكثيرِه مما يجوز للمسلمِين أن يَمْلِكُوه، وإنْ أتَى ذلك على جميعِ مِلْكِها؛ لأن اللهَ تعالى ذكرُه لم يَخُصَّ ما أباحَ لهما من ذلك على حدٍّ لا يُجاوَزُ، بل أطْلَق ذلك في كلِّ ما افتدَتْ به، غيرَ أني أختارُ للرجلِ استحبابًا لا تَحتيمًا (٢) - إذا تَبَيَّنَ من امرأتِه أن افتداءَها منه لغيرِ معصيةٍ للهِ، بل خوفًا منها على دينِها - أن يُفارِقَها بغيرِ فديةٍ ولا جُعْلٍ، فإن شَحَّتْ نفسُه بذلك، فلا يَبْلُغْ بما يأخُذُ منها جميعَ ما آتاها. فأمّا قاله بَكْرُ بنُ عبدِ اللهِ مِن أنَّ هذا الحكمَ في جميعِ الآيةِ منسوخٌ بقولِه: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾. فقولٌ لا معنى له، فنَتَشاغلَ بالإبانةِ عن خَطَئِه؛ لمعنيَيْن؛ أحدُهما، إجماعُ الجميعِ من الصحابةِ والتابعِين ومَن بعدَهم من المسلمِين على تَخطئتِه وإجازةِ أخذِ الفِدْيةِ من المُفْتَدِيةِ نفسَها لزوجِها، وفي ذلك الكفايةُ عن الاستشهادِ على خطئِه بغيرِه. والآخرُ، أن الآيةَ التي في سورةِ "النِّساءِ" إنما حرَّم اللهُ فيها على زوجِ المرأةِ أن يأخُذَ منها شيئًا مما آتاها، بأن أراد الرجلُ استبدالَ زوجٍ بزوجٍ من غيرِ أن يكونَ هنالك خوفٌ من المسلمين عليهما مُقامَ أحدِهما على صاحبِه ألا يُقيما حدودَ اللهِ، ولا نشوزٌ من المرأةِ على الرجلِ. وإذا كان الأمرُ كذلك، فقد ثَبَت (٣) أن أخذَ الزوجِ مِن امرأتِه مالًا على وجهِ الإكراهِ لها والإضرارِ بها، حتى تُعطَيَه شيئًا من مالِها على فِراقها - حرامٌ، ولو كان ذلك حبّةَ فِضّةٍ فصاعدًا.

стр. 2573

وأما الآيةُ التي في سورةِ "البقرةِ"، فإنها إنما دَلَّتْ على إباحةِ اللهِ تعالى ذكرُه له أخذَ الفِدْيهَ منها في حالِ الخوفِ عليهما ألا يُقيما حُدودَ اللهِ بنُشوزِ المرأةِ، وطَلَبِها فِرَاقَ الرجلِ، ورغبتِه فيها، فالأمرُ الذي أُذِن به للزوجِ في أخذِ الفديةِ من المرأةِ في سورةِ "البقرةِ" ضدُّ الأمرِ الذي نُهِيَ من أجلِه عن أخذِ الفديةِ في سورةِ "النساءِ"، كما الحَظْرُ في سورةِ "النساءِ" غيرُ الطلاقِ (١) والإباحةِ في سورةِ "البقرةِ"، فإنما يجوزُ في الحُكْمَينْ أن يقالَ: أحدُهما ناسخٌ. إذا اتفقتْ معاني المحكومِ فيه، ثم خُولِف بينَ الأحكامِ فيه باختلافِ الأوقاتِ والأزمنةِ. وأما اختلافُ الأحكامِ باختلافِ معاني المحكومِ فيه في حالٍ واحدةٍ ووقتٍ واحدٍ، فذلك هو الحكمةُ البالغةُ، والمفهومُ في العقلِ والفطرةِ، وهو من الناسخِ والمنسوخِ بمَعْزِلٍ. وأما الذي قاله الرَّبيعُ بنُ أنسٍ من أن معنى الآيةِ: فلا جُناحَ عليهما فيما افتدتْ به منه - يعني بذلك: مما آتَيْتُمُوهُنَّ - فنظيرُ قولِ بَكْرٍ في دَعواه نسخَ قولِه: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ بقولِه: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ لادِّعائه في كتابِ اللهِ ما ليس موجودًا في مصاحفِ المسلمين رَسْمُه. ويقالُ لمن قال بقولِه: قد قال مَن قد عَلِمْتَ مِن أئمةِ الدينِ: إنما معنى ذلك: فلا جُناحَ عليهما فيما افتدتْ به من مِلْكِها. فهل مِن حُجّةٍ [تَبِينُ بها منهم] (٢) غيرُ الدَّعْوَى؟ فقد احتجُّوا بظاهرِ التنزيلِ، وادَّعَيْتَ فيه خُصوصًا. ثم يُعكَسُ عليه القولُ في ذلك، فلن يقولَ في شيءٍ من ذلك قولًا إلا أُلْزِمَ في الآخرِ مثلَه. وقد بَيّنّا الأدلةَ بالشواهدِ على صحةِ قولِ مَن قال: للزوجِ أن يأخُذَ منها كلَّ ما أَعْطَتْه المُفْتَدِيةُ التي

стр. 2574

أباحَ اللهُ لها الافتداءَ في كتابِنا "كتابِ اللطيفِ"، فكَرِهْنا إعادتَه في هذا الموضعِ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩)﴾. يَعنِي تعالى ذكرُه بذلك: تلك معالمُ فُصولِه بينَ ما أحلَّ لكم وما (١) حرَّم عليكم أيُّها الناسُ، فلا تَعْتَدُوا ما أحلَّ لكم من الأمورِ التي بَيَّنها وفَصَّلَها لكم من الحلالِ (٢)، إلى ما حرَّم عليكم، فتُجاوِزُوا طاعتَه إلى معصيتِه. وإنما عَنَى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ﴾: هذه الأشياءُ التي بَيَّنْتُ لكم في هذه الآياتِ التي مضَتْ؛ مِن نكاحِ المشركاتِ * الوَثَنِيّاتِ، وإنكاحِ المشركِين المسلماتِ، وإتيانِ النساءِ في المَحِيضِ، وما قد بَيَّنَ في الآياتِ الماضيةِ قبلَ قوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ﴾ مما أحلَّ لعبادِه وحرَّم عليهم، وما أمَر ونهَى. ثم قال لهم: هذه الأشياءُ التي بيَّنتُ لكم حلالَها مِن حرامِها حدودِي. يَعْنى به معالمَ فصولِ ما بينَ طاعتي ومعصيتي، ﴿فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾. يقولُ: فلا تَتجاوَزُوا ما أَحْلَلْتُه لكم إلى ما حرَّمْتُه عليكم، ولا ما أمَرْتُكم به إلى ما نَهَيْتُكم عنه، ولا طاعتي إلى معصيتي، فإن مَن تَعَدَّى ذلك - يَعنِي مَن تَخَطّاه وتَجاوزَه إلى ما حرَّمْتُه عليه أو نَهَيْتُه - فإنه هو الظالمُ، وهو الذي فعَل ما ليس له فِعْلُه، ووضَع الشيْءَ في غيرِ مَوْضِعِه. وقد دَلَّلْنا فيما مضَى على معنى الظلمٍ وأصلِه بشواهدِه الدالةِ على معناه،

стр. 2575

فكَرِهْنا إعادتَه في هذا الموضِعِ (١). وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، وإن خالَفتْ ألفاظُ تأويلِهم ألفاظَ تأويلِنا، غيرَ أن معنى ما قالوا في ذلك آيِلٌ (٢) إلى معنى ما قلْنا فيه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمِّى قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾: يعني بالحدودِ الطاعةَ. حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهَيرٍ، عن جُويبرٍ، عن الضّحّاكِ في قولِه: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾. يقولُ: مَن طلَّق لغيرِ العِدّةِ فقد اعتدَى وظلَم نفسَه، ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (٣). وهذا الذي ذُكِر عن الضّحاكِ لا معنى له في هذا الموضعِ؛ لأنه لم يَجْرِ للطلاقِ في العِدَّةِ ذِكْرٌ فيقالَ: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ﴾. وإنما جرَى ذكرُ العَدَدِ الذي يكونُ للمُطَلِّقِ فيه الرَّجعةُ، والذى لا يكونُ له فيه الرَّجعةُ، دون ذكرِ البيانِ عن الطلاقِ للعِدّةِ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ فيما دلَّ عليه هذا القولُ من اللهِ ؛ فقال بعضُهم: دلَّ على أنه إن طلَّق الرجلُ امرأتَه التطليقةَ الثالثةَ بعد التطليقتَيْن اللتَيْن قال اللهُ فيهما: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾. فإن امرأتَه تلك لا تَحِلُّ له من (٤) بعدِ التطليقةِ الثالثةِ حتى

стр. 2576

تَنْكِحَ زوجًا غيرَه، يعني به غيرَ المطلِّقِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: جعَل اللهُ حدَّ (١) الطلاقِ ثلاثًا، فإذا طلَّقها واحدةً فهو أحقُّ بها ما لم تَنْقَضِ العِدَّةُ، وعِدَّتُها ثلاثُ حِيَضٍ، فإن انْقَضَتِ العِدَّةُ قبل أن يكونَ راجعَها، فقد بانتْ منه بواحدةٍ (١)، وصارتْ أحقَّ بنفسِها، وصار خاطبًا من الخُطّابِ، فكان الرجلُ إذا أراد طلاقَ أهلِه نظَر حَيْضَتَها، حتى إذا طَهُرَتْ طلَّقها تطليقةً في قُبْلِ (٢) عِدَّتِها عند شاهدَيْ عدلٍ، فإن بدا له مراجعتُها راجعَها ما كانت في عِدَّتِها، وإن ترَكها حتى تَنْقَضيَ عِدَّتُها فقد بانتْ منه بواحدةٍ، وإن بدا له طلاقُها بعد الواحدةِ وهي في عِدَّتِها نظَر حَيْضَتَها، حتى إذا طَهُرَتْ طلَّقها تطليقةً أُخرى في قُبْلِ عِدَّتِها، فإن بدا له مراجعتُها راجعَها، فكانت عنده على واحدةٍ، وإن بدا له طلاقُها طلَّقها الثالثةَ عند طُهْرِها، فهذه الثالثةُ التي قال اللهُ : [﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾] (٣). حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾. يقولُ: إن طلَّقها ثلاثًا، فلا تَحِلُّ له حتى تَنْكِحَ زوجًا غيرَه (٤).

стр. 2577

حدَّثني القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبرَنا جُويبرٌ، عن الضّحّاكِ، قال: إذا طلَّق واحدةً أو ثِنْتَين، فله الرجعةُ ما لم تَنْقَضِ العِدَّةُ. قال: والثالثةُ قولُه: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾. يعني الثالثةَ (١)، فلا رجعةَ له عليها حتى تَنْكِحَ زوجًا غيرَه. حدَّثنا يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: أخبرَنا جُويبرٌ، عن الضّحّاكِ بنحوِه. حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾. [قال: فإن طلَّقها من] (٢) بعدِ التطليقتَيْن فلا تَحِلُّ له حتى تَنْكِحَ زوجًا غيرَه، وهذه الثالثةُ (٣). وقال آخرون: بل دَلَّ هذا القولُ على ما يَلْزَمُ مُسَرِّحَ امرأتِه بإحسانٍ بعد التطليقتَيْن اللتَيْن قال اللهُ فيهما: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾. قالوا: وإنّما بَيَّن اللهُ جل ثناؤُه بهذا القولِ عن حُكمِ قولِه: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾. وأَعلَمَ أنه إن سَرَّح الرجلُ المرأةَ بعد التطليقتَيْن بإحسانٍ (٤) فلا تَحِلُّ له المُسَرَّحةُ كذلك إلا بعدَ زوجٍ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: حدثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾. قال:

стр. 2578

عاد إلى قولِه: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (١). حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ *، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيح، عن مجاهدٍ مثلَه. قال أبو جعفرٍ: والذى قاله مجاهدٌ في ذلك عندنا أوْلَى بالصوابِ؛ للذى ذكَرْنا عن رسولِ اللَّهِ ﷺ في الخبرِ الذي رَوَيناه عنه أنه قال، أو سُئِل فقيل: هذا قولُ اللَّهِ تعالى ذكرُه: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ فأين الثالثةُ؟ قال: " ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ " (٢) فأخبرَ ﷺ أن الثالثةَ إنما هي قولُه: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾. فإذ كان التسريحُ بالإحسانِ هو الثالثةَ، فمعلومٌ أن قولَه: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾. مِن الدَّلالةِ على التطليقةِ الثالثةِ بَمعْزِلٍ، وأنّه إنّما هو بيانٌ عن الذي يَحِلُّ للمُسَرِّحِ بالإحسانِ إن سَرَّح زوجتَه بعد التطليقتَينْ، والذي يَحْرُمُ (٣) عليه منها، والحال التى يجوزُ له نكاحُها فيها، وإعلامٌ عبادَه أنَّ بعدَ التسريحِ - على ما وَصَفْتُ - لا رجعةَ للرجلِ على امرأتِه. فإن قال قائلٌ: فأيَّ النكاحَينْ عَنَى اللَّهُ بقولِه: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾. النكاحُ الذي هو جماعٌ، أم النكاحُ الذي هو عَقْدُ تزويجٍ؟ قيل: كلاهما؛ وذلك أن المرأةَ [إن نَكَحَتْ رجلًا] (٤) نكاحَ تزويجٍ، ثم (٥) لم

стр. 2579

يَطَأْها في ذلك النكاحِ ناكحُها، ولم يُجامِعْها حتى يُطَلِّقَها، لم تَحِلَّ للأولِ، وكذلك إن وَطِئها واطئٌ بغيرِ نكاحٍ، لم (١) تَحِلَّ للأولِ بإجماعِ (٢) الأمةِ جميعًا. فإذ كان ذلك كذلك، فمعلومٌ أن تأويلَ قولِه: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ نكاحًا صحيحًا، ثم يجامعَها فيه، ثم يُطَلِّقَها. فإن قال: فإنَّ ذِكْرَ الجماعِ غيرُ موجودٍ في كتابِ اللَّهِ تعالى ذكرُه، فما الدَّلالةُ على أن معناه ما قلتَ؟ قيل: الدَّلالةُ على ذلك إجماعُ الأمّةِ جميعًا على أن ذلك معناه. وبعدُ، فإن اللَّهَ تعالى ذكرُه قال: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾. فلو نكَحَتْ زوجًا غيرَه بعَقِبِ الطلاقِ قباى انقضاءِ عِدَّتِها، كان، لا شكَّ، أنها ناكحةٌ نكاحًا بغيرِ المعنى الذى أباح اللَّهُ تعالى ذكرُه لها ذلك به، وإن لم يكنْ ذكرُ العِدَّةِ مقرونًا بقولِه: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾. لدلالتِه على أن ذلك كذلك بقولِه: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾. وكذلك قولُه: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾. وإن لم يكنْ مقرونًا به ذكرُ الجماعِ والمباشرةِ والإفضاءِ، فقد دَلَّ على أن ذلك كذلك بوَحْيِه إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ وبيانِه ذلك على لسانِه لعبادِه. ذكرُ الأخبارِ المرويةِ بذلك عن رسولِ اللَّهِ ﷺ - حدَّثني عُبيدُ اللَّهِ بنُ إسماعيلَ الهَبّاريُّ وسفيانُ بنُ وكيعٍ وأبو هشامٍ الرِّفاعيُّ، قالوا: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن الأَسْودِ، عن عائشةَ، قالت:

стр. 2580

سُئِل رسولُ اللَّهِ ﷺ عن رجلٍ طلَّق امرأتَه، فتزوَّجَتْ رجلًا غيرَه، فدخَل بها، ثم طلَّقها قبل أن يُواقِعَها، أتَحِلُّ لزوجِها الأولِ؟ فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "لا تَحِلُّ لزَوْجِها الأوَّلِ حتى يَذُوقَ الآخَرُ عُسَيْلَتَها (١) وتَذُوقَ عُسَيْلَتَه" (٢). حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبرَنا ابنُ المبارَكِ، عن هشامِ بنِ عُروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، عن النبيِّ ﷺ نحوَه (٣). حدَّثنا سفيانُ بنُ وَكيعٍ، قال: ثنا ابنُ عُيَينةَ، عن الزُّهْرِيِّ، عن عُروةَ، عن عائشةَ، قال: سمِعْتُها تقولُ: جاءت امرأةُ رفاعةَ القُرَظِيِّ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ ، فقالت: كنتُ عند رفاعةَ فطلَّقَني فبَتَّ طلاقي، فتَزَوَّجْتُ عبدَ الرحمنِ بنَ الزَّبيرِ، [وإن ما] (٤) معه مثلُ هُدْبةِ الثَّوبِ (٥). فقال لها: "تُرِيدِين أن تَرْجِعِي إلى رِفاعةَ؟ لا، حتى تَذُوقِي عُسَيْلَتَه ويَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ" (٦). حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنى الليثُ، قال: ثنى يونسُ، عن ابنِ شهابٍ، عن عُروةَ، عن عائشةَ نحوَه (٧).

стр. 2581

حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى الليثُ، قال: ثنى عُقَيلٌ، عن ابنِ شهابٍ، قال: ثنى عُروةُ بنُ الزُّبيرِ، أن عائشةَ زوجَ النبيِّ ﷺ أخبَرَتْه أن امرأةَ رِفاعةَ القُرظِيِّ جاءت رسولَ اللَّهِ ﷺ فقالتْ: يا رسولَ اللَّهِ. فذكَر مثلَه (١). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن الزُّهرِيِّ، عن عروةَ، عن عائشةَ، أن رفاعةَ القُرَظيَّ طلَّق امرأتَه فبَتَّ طلاقَها، فتزوَّجَها بعدُ عبدُ الرحمنِ بنُ الزَّبيرِ، فجاءتِ النبيَّ ﷺ فقالت: يا نبيَّ اللَّهِ، إنها كانت عند رفاعةَ، فطلَّقَها آخرَ ثلاثِ تطليقاتٍ، فتزوَّجَتْ بعدَه عبدَ الرحمنِ بنَ الزَّبيرِ، وإنه واللَّهِ ما معه يا رسولَ اللَّهِ إلا مثلُ هذه الهُدْبةِ. فتبسَّم رسولُ اللَّهِ ﷺ ، ثم قال لها: "لَعَلَّكِ تُرِيدِين أن تَرجِعِي إلى رِفاعةَ! لا، حتى تَذُوقِي عُسَيْلَتَه ويَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ". قالت: وأبو بكرٍ جالسٌ عند النبيِّ ﷺ وخالدُ بنُ سعيدِ بنِ العاصِ ببابِ الحجرةِ لم يُؤْذَنْ له، فطفِق خالدٌ ينادِي أبا بكرٍ، يقولُ: يا أبا بكرٍ، ألا تَزْجُرُ هذه عما تَجْهَرُ به عندَ رسولِ اللَّهِ ﷺ ؟ (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ يزيدَ الأَدَمِيُّ (٣)، قال: ثنا يحيى بنُ سُلَيمٍ، عن عُبيدِ اللَّهِ، عن القاسمِ، عن عائشةَ أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: "لا، حتى يَذُوقَ مِن عُسَيْلَتِها ما ذَاقَ الأوَّلُ". حدثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا مُعْتَمِرُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ عبيدَ اللَّهِ، قال: سَمِعْتُ القاسمَ يُحدِّثُ عن عائشةَ قالت: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ .

стр. 2582

"لا، حتى يَذُوقَ مِن عُسَيْلَتِها ما ذاقَ صاحبُه". حدَّثنا ابنُ المثنَّى، قال: ثنا يحيى، عن عُبيدِ اللَّهِ، قال: ثنا القاسمُ، عن عائشةَ أن رجلًا طلَّق امرأتَه ثلاثًا، فتزوَّجَتْ زوجًا، فطلَّقَها قبلَ أن يَمَسَّها، فسُئِل رسولُ اللَّهِ ﷺ : أتَحِلُّ للأوَّلِ؟ قال: "لا، حتى يَذُوقَ عُسَيْلَتَهَا كما ذاقَ الأوَّلُ" (١). حدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا موسى بنُ عيسى الليثيُّ، عن زائدةَ، عن عليِّ بنِ زيدٍ، عن أمِّ محمدٍ، عن عائشةَ، عن النبيِّ ﷺ قال: "إذا طَلَّقَ الرجلُ امرأتَه ثلاثًا، لم تَحِلَّ له حتى تَنْكِحَ زَوْجًا غيرَه، فيَذُوقَ كلُّ واحدٍ منهما عُسَيْلَةَ صاحبِه" (٢). حدَّثني العباسُ بنُ أبي طالبٍ، قال: أخبرَنا سعدُ (٣) بنُ حفصٍ الطَّلْحِيُّ، قال: أخبرَنا شَيبانُ، عن يحيى، عن أبي الحارثِ الغِفارِيِّ، عن أبي هريرةَ، عن رسولِ اللَّهِ ﷺ قال: "حتى يَذُوقَ عُسَيْلَتَها" (٤). حدَّثني عُبيدُ بنُ آدمَ بنِ أبي إياسٍ العَسْقلانيُّ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا شَيْبانُ، قال: ثنا يحيى بنُ أبى كثيرٍ، عن أبي الحارثِ الغِفاريِّ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ في المرأةِ يُطَلِّقُها زوجُها ثلاثًا (٥)، فتتزَوَّجُ زوجًا غيرَه، فيُطَلِّقُها قبل أن

стр. 2583

يَدخُلَ بها، فيريدُ الأولُ أن يراجعَها، قال: "لا، حتى يَذُوقَ عُسَيْلَتَها" (١). حدَّثني محمدُ بنُ إبراهيمَ الأَنماطيُّ، قال: ثنا هشامُ بن عبدِ الملكِ، قال: ثنا محمدُ بنُ دينارٍ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ يزيدَ الهُنَائيُّ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، عن النبيِّ ﷺ في رجلٍ طلَّق امرأتَه ثلاثًا، فتزوَّجَها آخرُ، فطلَّقها قبل أن يدخُلَ بها، أتَرْجِعُ إلى زوجِها الأولِ؟ قال: "لا، حتى يَذُوقَ عُسَيْلَتَها وتَذُوقَ عُسَيْلَتَه" (٢). حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ ويعقوبُ بنُ ماهانَ، قالا: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبرَنا يحيى بنُ أبي إسحاقَ، عن سليمانَ بنِ يَسارٍ، عن عُبيدِ اللَّهِ (٣) بنِ عباسٍ، أن الغُمَيصاءَ (٤) أو الرُّمَيْصاءَ جاءت إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ تَشكو زوجَها، وتزعُمُ أنه لا يَصِلُ إليها. قال: فما كان إلا يسيرًا حتى جاء زوجُها، فزعَم أنها كاذبةٌ، ولكنها تريدُ أن تَرجِعَ إلى زوجِها الأولِ، فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "ليس لكِ حتى يَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ رجلٌ غيرُه" (٥). حدَّثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن عَلْقمةَ بن مَرْثَدٍ، عن سالمِ بنِ رَزينٍ الأحمريِّ (٦)، عن سالمِ بنِ [عبدِ اللَّهِ] (٧)،

стр. 2584

عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ، عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ ﷺ في رجلٍ يَتزوَّجُ المرأةَ فيُطَلِّقُها قبلَ أن يَدْخُلَ بها البَتَّةَ، فتَتَزوَّجُ زوجًا آخرَ، فيُطَلِّقُها قبلَ أن يدخُلَ بها، أتَرجِعُ إلى الأوَّلِ؟ قال: "لا، حتى تَذُوقَ عُسَيْلَتَه ويَذُوقَ عُسَيْلَتَها" (١). حدَّثنا ابنُ بَشّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عَلْقمةَ بنِ مَرْثَدٍ، عن رَزينٍ الأَحمريِّ، عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ ﷺ أنه سُئِل عن الرجل يُطَلِّقُ امرأتَه ثلاثًا، فيَتَزوَّجُها رجلٌ، فأغلَق البابَ، فطلَّقها قبل أن يَدْخُلَ بها، أتَرْجِعُ إلى زوجِها الآخرِ؟ قال: "لا، حتى يَذُوقَ عُسَيْلَتَها" (٢). حدَّثنا ابنُ بَشّارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن عَلْقمةَ بنِ مَرْثَدٍ، عن سُليمانَ بنِ رَزينٍ، عن ابنِ عمرَ أنه سأل (٣) النبيَّ ﷺ وهو يَخْطُبُ، عن رجلٍ طلَّق امرأتَه، فتزوَّجَتْ بعدَه، ثم طلَّقها أو مات عنها، أيَتزوَّجُها الأولُ؟ قال: "لا، حتى تَذُوقَ عُسَيْلَتَه" (٤). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾. يعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾: فإن طلَّق المرأةَ التي بانتْ مِن زوجِها

стр. 2585

بآخرِ التطليقاتِ الثلاثِ بعد ما نكحَها مُطَلِّقُها الثاني، زوجُها الذى نكَحَها بعد بَيْنُونَتِها مِن الأوَّلِ، ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فلا حرَج على المرأةِ التي طلَّقها هذا الثاني من بعدِ بَيْنُونَتِها من الأوَّلِ، وبعد نكاحِه إيّاها، وعلى الزوجِ الأولِ الذي كانت حَرُمَتْ عليه بِبَيْنُونَتِها منه بآخرِ التطليقاتِ، أن يتراجَعا بنكاحٍ جديدٍ. كما حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾. يقولُ: إذا تَزوَّجَتْ بعد الأولِ، فدخَل الآخرُ بها، فلا حَرَجَ على الأولِ أن يَتزوَّجَها إذا طلَّقها (١) الآخرُ، أو مات عنها، فقد حَلَّتْ له (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هشيمٌ (٣)، قال: أخبرَنا جُويبرٌ، عن الضّحّاكِ، قال: إذا طلَّق واحدةً أو ثِنْتَيْن، فله الرَّجْعةُ ما لم تَنْقَضِ العِدَّةُ. قال: والثالثةُ قولُه: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ يعني الثالثةَ، فلا رَجْعةَ له عليها حتى تَنْكِحَ زوجًا غيرَه فيَدْخُلَ (٤) بها، ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ هذا الأخيرُ بعدَ ما يدخُلُ بها، ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ يعني الأوَّلَ، ﴿إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ (٥). وأما قولُه: ﴿إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾. فإن معناه: إن رَجَوَا مَطْمَعًا أن يُقيما حدودَ اللَّهِ. وإقامتُهما (٦) حدودَ اللَّهِ العملُ بها. وحدودُ اللَّهِ ما أمَرهما به،

стр. 2586

وأَوْجَبَ لكلِّ (١) واحدٍ منهما على صاحبِه، وأَلْزَمَ كلَّ واحدٍ منهما بسببِ النكاحِ الذى يكونُ بينهما. وقد بَيَّنّا معنى الحدودِ ومعنى إقامةِ ذلك، بما أَغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (٢). وكان مجاهدٌ يقولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾. ما حدَّثني به محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾: إن ظَنَّا أنَّ نكاحَهما على غيرِ دُلْسةٍ (٣). حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. وقد وجَّه بعضُ أهلِ التأويلِ (٤) قولَه: ﴿إِنْ ظَنَّا﴾. إلى أنه بمعنى: إن أَيْقَنا. وذلك ما لا وَجْهَ له؛ لأن أحدًا لا يَعلمُ ما هو كائنٌ غيرُ اللَّهِ تعالى ذكرُه. فإذ كان ذلك كذلك، فما المعنى الذي به يُوقِنُ الرجلُ والمرأةُ أنّهما إذا تراجَعا أقاما حدودَ اللَّهِ؟ ولكنَّ معنى ذلك كما قال تعالى ذكرُه: ﴿إِنْ ظَنَّا﴾. بمعنى: طَمِعا بذلك ورَجَوَاه.

стр. 2587

و ﴿أَنْ﴾ التي في قولِه: ﴿أَنْ يُقِيمَا﴾. في موضعِ نصبٍ بـ ﴿ظَنَّا﴾، و ﴿أَنْ﴾ التي في: ﴿أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾. جعَلها بعضُ أهلِ العربيةِ في موضعِ نصبٍ بفَقْدِ الخافضِ (١)؛ لأن معنى الكلامِ: فلا جُناحَ عليهما في أن يتراجَعا. فلمّا حُذِفت "في" التي كانت تَخْفِضُها نَصَبها، فكأنّه قال: فلا جُناحَ عليهما تراجُعَهما. وكان بعضُهم يقولُ (٢): موضعُه خفضٌ، وإن لم يكنْ معها خافضُها، وإن كان محذوفًا فمعروفٌ موضعُه. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠)﴾. يعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾: هذه الأمورُ التي بَيَّنَها لعبادِه في الطلاقِ والرَّجْعةِ والفِدْيةِ والعِدَّةِ والإيلاءِ وغيرِ ذلك، مما يُبَيِّنُه لهم في هذه الآياتِ، ﴿حُدُودُ اللَّهِ﴾: معالمُ فُصولِ حلالِه وحرامِه، وطاعتِه ومعصيتِه، ﴿يُبَيِّنُهَا﴾: يُفَصِّلُها، فيُمَيِّزُ بينها، ويُعَرِّفُهم أحكامَها، لقومٍ يَعْلَمونها إذا بَيَّنَها اللَّهُ لهم، فيَعْرِفون أنها مِن عندِ اللَّهِ، فيُصَدِّقُون بها، ويَعمَلون بما أَوْدَعهم اللَّهُ من علمِه، دون الذين قد طبَع اللَّهُ على قلوبِهم، وقضَى عليهم أنهم لا يُؤمِنون بها، ولا يُصَدِّقُون بأنها مِن عندِ اللَّهِ، فهم يَجْهَلون أنها من اللَّهِ، وأنها تنزيلٌ من حَكيمٍ حَميدٍ. ولذلك خَصَّ القومَ الذين يَعْلَمون بالبيانِ دون الذين يَجْهلون، إذ كان الذين يَجْهَلون أنها من عندِه قد آيسَ نبيَّه محمدًا (٣) ﷺ من (٤) تصديقِ كثيرٍ

стр. 2588

منهم بها، وإن كان بَيَّنها (١) لهم من وجهِ الحُجّةِ عليهم ولزومِ العملِ لهم بها، وإنما أخرَجَها مِن أن تكونَ بيانًا لهم من وجهِ تركِهم الإقرارَ والتصديقَ به. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾. يعني تعالى ذكرُه بذلك: وإذا طلَّقْتُم أيُّها الرجالُ نساءَكم، ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾. يعني مِيقاتَهنَّ الذي وقَّتُّه لهنَّ؛ من انقضاءِ الأقراءِ الثلاثةِ إن كانت من أهلِ القُرْءِ (٢)، وانقضاءِ الأشهرِ إن كانت من أهلِ الشهورِ، ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾. يقولُ: فراجِعُوهن إن أردْتُم رَجْعَتَهنَّ في الطَّلْقةِ التي فيها رَجْعةٌ، وذلك إمّا في التطليقةِ الواحدة أو التَّطليقتَيْن، كما قال تعالى ذكرُه: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾. وأما قولُه: ﴿بِمَعْرُوفٍ﴾. فإنه عنَى: بما أَذِن به من الرَّجعةِ، مِن الإشهادِ على الرَّجعةِ قبلَ انقضاءِ العدةِ، دونَ الرَّجعةِ بالوطءِ والجماعِ؛ لأن ذلك إنما يجوزُ للرجلِ بعد الرَّجعةِ، وعلى الصُّحبةِ مع ذلك والعِشْرةِ بما أمَر اللَّهُ به وبَيَّنه لكم أيُّها الناسُ، ﴿أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾. يقولُ: أو خَلُّوهُنَّ يَقْضِين تمامَ عِدَّتِهنَّ، ويَنْقَضِي بقيةُ أجلِهنَّ الذي أَجَّلْتُه لهنَّ لعِدَدِهنَّ، ﴿بِمَعْرُوفٍ﴾. يقولُ: بإيفائِهنَّ (٣) تمامَ حقوقِهنَّ عليكم، على ما أَلْزَمْتُكم لهنَّ مِن مَهْرٍ ومُتْعةٍ ونفَقةٍ وغيرِ ذلك من حقوقِهنَّ قِبَلَكم، ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾. يقولُ: ولا تُراجِعُوهُنَّ (٤) إن راجَعْتُموهنَّ في

стр. 2589

عِدَدِهنَّ مُضارَّةً (١) لهنَّ، لِتُطَوِّلُوا عليهنَّ مدةَ انقضاءِ عِدَدِهنَّ، أو لِتأخُذُوا منهنَّ بعضَ ما آتيتُمُوهنَّ بطَلبِهنَّ الخُلْعَ منكم لمُضَارَّتِكم (٢) إيَّاهنَّ بإمساكِكم إيّاهنَّ، ومُراجَعَتِكُموهُنَّ ضِرارًا واعتداءً. وقولُه: ﴿لِتَعْتَدُوا﴾. يقولُ: لتَظْلِمُوهنَّ بمُجاوَزَتِكم في أَمْرِهنَّ حدودِي التي بَيَّنْتُها لكم. وبمثلِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن أبي الضُّحَى، عن مَسْروقٍ: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا﴾. قال: يُطَلِّقُها حتى إذا كادت (٣) تَنْقَضِي راجَعها، ثم يُطَلِّقُها، فيَدَعُها حتى إذا كادت (٣) تَنْقَضِي عِدَّتُها راجَعها، ولا يُريدُ إمساكَها، فذلك الذي يُضارُّ ويَتَّخِذُ آياتِ اللَّهِ هُزُوًا (٤). حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن أبي رجاءٍ، قال: سُئِل الحسنُ عن قولِه: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾. قال: كان الرجلُ يُطَلِّقُ المرأةَ، ثم يُراجِعُها، ثم يُطَلِّقُها، ثم يُراجِعُها، يُضارُّها، فنَهاهم اللَّهُ عن ذلك (٥).

стр. 2590

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾. قال: نهَى (١) عن الضِّرارِ ﴿ضِرَارًا﴾ أن يُطَلِّقَ الرجلُ امرأتَه، ثم يُراجعَها عند آخرِ يومٍ يَبْقَى من الأجلِ، حتى يَفِيَ لها تسعةُ أشهرٍ، لِيُضارَّها به (٢). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه، إلا أنه قال: نهَى عن الضِّرارِ، والضِّرارُ في الطلاقِ أن يُطَلِّقَ الرجلُ امرأتَه [ثم يراجعَها] (٣). وسائرُ الحديث مثلُ حديثِ محمدِ بنِ عمرٍو. حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثني عمي، قال: حدَّثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾: كان الرجلُ يُطَلِّقُ امرأتَه ثم يُراجعُها قبل انقضاءِ عِدَّتِها، ثم يُطَلِّقُها، يَفعلُ ذلك يُضارُّها ويَعْضُلُها، فأَنزَل اللَّهُ هذه الآيةَ (٤). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾. قال: كان الرجلُ يُطَلِّقُ امرأتَه تطليقةً واحدةً ثم يَدَعُها، حتى إذا ما تكادُ تخلُو عِدّتُها راجَعها، ثم يُطَلِّقُها، حتى إذا ما كاد تخلُو عِدَّتُها راجَعها، ولا حاجةَ له فيها، إنما يريدُ أن يُضَارَّها بذلك، فنَهَى اللَّهُ عن ذلك

стр. 2591

وتَقَدَّمَ فيه، وقال: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ (١). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنى الليثُ، عن يونسَ، عن ابنِ شهابٍ، قال: قال اللَّهُ تعالى ذكرُه: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾: فإذا طلَّق الرجلُ المرأةَ وبلَغتْ أجلَها، فَلْيُراجِعْها بمعروفٍ أو لِيُسَرِّحْها بإحسانٍ، ولا يَحِلُّ له أن يُراجعَها ضِرارًا وليست له فيها رَغبةٌ إلا أن يُضَارَّها. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾. قال: هو في الرجلِ يَحْلِفُ بطلاقِ امرأتِه، فإذا بَقِيَ من عِدَّتِها شيءٌ راجَعها، يُضَارُّها بذلك، ويُطَوِّلُ عليها، فنهاهم اللَّهُ عن ذلك (٢). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ أبي أُوَيسٍ، عن مالِك بنِ أنسٍ، عن ثَورِ بنِ زيدٍ الدِّيليِّ، أن رجلًا كان يُطَلِّقُ امرأتَه ثم يُراجعُها، ولا حاجةَ له بها، ولا يريدُ إمساكَها، كيما يُطَوِّلُ عليها بذلك العِدَّةَ ليُضَارَّها، فأَنزَل اللَّهُ تعالى ذكرُه: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾. يُعَظِّمُ (٣) ذلك (٤). حدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ الفضلَ بنَ خالدٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ الباهليُّ، قال: سمِعْتُ الضَّحّاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ

стр. 2592

ضِرَارًا﴾: هو الرجلُ يُطَلِّقُ امرأتَه واحدةً، ثم يراجعُها، ثم يُطَلِّقُها، ثم يُراجعُها، ثم يُطَلِّقُها، ليُضَارَّها بذلك لتَخْتَلِعَ منه (١). حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾. قال: نزَلتْ في رجلٍ من الأنصارِ يُدْعَى ثابتَ بنَ يسارٍ (٢) طَلَّق امرأتَه، حتى إذا انقضَتْ عِدَّتُها إلا يومَيْن أو ثلاثةً راجَعها، ثم طَلَّقها، ففَعل ذلك بها، حتى مضَتْ لها تسعةُ أشهرٍ، مُضَارَّةً يُضَارُّها، فأنزَل اللَّهُ تعالى ذكرُه: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ (٣). حدَّثني العباسُ بنُ الوليدِ، قال: أخبَرني أبي، قال: سمِعْتُ عبدَ العزيزِ يُسألُ عن طلاقِ الضِّرارِ، فقال: يُطَلِّقُ، ثم يراجِعُ، ثم يُطَلِّقُ، ثم يراجِعُ، فهذا الضِّرارُ الذي قال اللَّهُ: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾. حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا فُضَيلُ بنُ مرزوقٍ، عن عطيةَ: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾. قال: الرجلُ يُطَلِّقُ المرأةَ تطليقةً، ثم يترُكُها حتى تَحيضَ ثلاثَ حِيَضٍ، ثم يراجعُها، ثم يُطَلِّقُها تطليقةً، ثم يُمْسِكُ عنها حتى تَحِيضَ ثلاثَ حِيَضٍ، ثم يراجعُها، ﴿لِتَعْتَدُوا﴾. قال: لا يُطَاولُ عليهن (٤). وأَصْلُ التَّسْريحِ مِن: سَرْحِ القومِ، وهو ما أُطْلِقَ من نَعَمِهم للرَّعْيِ. يقالُ للمواشِي المُرْسَلَةِ للرَّعْيِ: هذا سَرْحُ القومِ. يرادُ به مواشيهم المُرْسَلةُ للرَّعْيِ. ومنه قولُ

стр. 2593

اللَّهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ [النحل: ٥، ٦]. يَعني بقولِه: ﴿وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾: حين تُرْسِلُونها للرَّعْيِ. فقيل للمرأةِ إذا خَلَّاها زوجُها فأبانها منه: سَرَّحَها. تمثيلًا لذلك بتَسْريحِ المُسَرِّحِ ماشيتَه للرَّعْيِ، وتشبيهًا به. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾. يَعني تعالى ذكرُه بذلك: ومَن يُراجِعِ امرأتَه بعد طلاقِه إيّاها في الطلاقِ الذي له (١) فيه عليها الرَّجعةُ، ضِرارًا بها، ليَعْتَدِيَ حدَّ (٢) اللَّهِ في أمرِها، ﴿فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾. يعني: فأَكْسَبَها بذلك إثْمًا، وأَوجَبَ لها من اللَّهِ عقوبةً بذلك. وقد بَيَّنّا معنى الظلمِ فيما مضَى، وأنه وَضْعُ الشيءِ في غيرِ مَوْضِعِه، وفعلُ ما ليس للفاعلِ (٣) فعْلُه (٤). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾. يَعني تعالى ذكرُه: ولا تَتَّخِذُوا أعلامَ اللَّهِ وفُصولَه بين حلالِه وحرامِه، وأمرِه ونهْيِه، في وحْيِه وتنزيلِه، استهزاءً ولَعِبًا، فإنه قد بَيَّنَ لكم في تنزيلِه وآيِ كتابِه ما لكم من الرَّجعةِ على نسائِكم، في الطلاقِ الذي جعَل لكم عليهن فيه الرَّجعةَ، وما ليس لكم منها، وما الوجهُ الجائزُ لكم منها، وما الذي لا يجوزُ، وما الطلاقُ الذي لكم عليهن فيه الرَّجعةُ، وما ليس لكم ذلك فيه، وكيف وجوهُ ذلك؛ رحمةً منه بكم، ونعمةً منه عليكم، ليَجعَلَ بذلك لبعضِكم مِن مكروهٍ - إن كان فيه من

стр. 2594

صاحبِه مما هو فيه - المخرَجَ والمخلَصَ بالطلاقِ والفِراقِ، وجعَل ما جعَل لكم عليهنَّ من الرَّجعةِ سبيلًا لكم إلى الوصولِ إلى ما نازَعه إليه، ودعاه إليه هواه بعدَ فِراقِه إيّاهن منهن، لتُدْرِكوا بذلك قضاءَ أوطارِكم منهن، إنعامًا منه بذلك عليكم، لا لِتَتَّخِذُوا ما بيَّنْتُ لكم من ذلك في آيِ كتابي وتنزيلي - تَفَضُّلًا مني ببيانِه عليكم، وإنعامًا ورحمةً مني بكم - لَعِبًا وسُخْرِيًّا. وبمعنى ما قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني عبدُ اللَّهِ بنُ أحمدَ بنِ شَبُّويَه، قال: ثنا أبي، قال: ثنا أيوبُ بنُ سليمانَ، قال: ثنا أبو بكرِ بنُ أبى أُوَيسٍ، عن سليمانَ بنِ بلالٍ، عن محمدِ بنِ أبي عَتيقٍ وموسى بنِ عُقبةَ، عن ابنِ شهابٍ، عن سليمانَ بنِ أَرْقمَ، أن الحسنَ حدَّثهم، أن الناسَ كانوا على عهدِ رسولِ اللَّهِ ﷺ يُطَلِّقُ الرجلُ أو يُعْتِقُ، فيقالُ: ما صَنَعْتَ؟ فيقولُ: إنما كنتُ لاعبًا. قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "مَن طَلَّق لاعِبًا أو أَعْتَقَ لاعِبًا فقد جازَ عليه". قال الحسنُ: وفيه نزَلتْ: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ (١). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾. قال: كان الرجلُ يُطَلِّقُ امرأتَه، فيقولُ: إنما طَلَّقْتُ لاعبًا. ويَتزوَّجُ أو يُعْتِقُ أو يَتَصَدَّقُ فيقولُ: إنما فعلْتُ لاعبًا. فنُهُوا عن ذلك، فقال تعالى ذكرُه: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ (٢). حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ منصورٍ، عن عبدِ السلامِ بنِ حربٍ، عن

стр. 2595

يزيدَ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن أبي العلاءِ، عن حُميدِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن أبي موسى، أن رسولَ اللَّهِ ﷺ غَضِب على الأَشْعَريِّينَ، فأتاه أبو موسى فقال: يا رسولَ اللَّهِ، غَضِبْتَ على الأَشْعَرِيِّين! فقال: "يقولُ أحَدُكُم: قد طَلَّقْتُ، قد راجَعْتُ. ليس هذا طَلاقَ المُسلِمِين، طَلِّقُوا المَرأةَ في قُبْلِ عِدَّتِها" (١). حدَّثنا أبو زيدٍ عمرُ (٢) بنُ شَبَّةَ، قال: ثنا أبو غَسّانَ النَّهْدِيُّ، قال: ثنا عبدُ السلامِ بنُ حربٍ، عن يزيدَ (٣) أبي خالدٍ - يعني الدَّالانيَّ - عن أبي العلاءِ الأَوْدِيِّ، عن حُميدِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن أبي موسى الأشعريِّ، عن النبيِّ ﷺ أنه قال لهم (٤): "يَقولُ أحَدُكم لامرأتِه: قد طَلَّقْتُكِ، قد راجَعْتُكِ. ليس هذا بطَلاقِ المُسلمِين، طَلِّقُوا المَرأةَ في قُبْلِ طُهْرِها (٥) ". القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ﴾. يعني تعالى ذكرُه بذلك: واذكرُوا نعمةَ اللَّهِ عليكم بالإسلامِ الذي أَنعَم عليكم به، فهداكُم له، وسائرَ نِعَمِه التي خَصَّكم بها دونَ غيرِكم من سائرِ خَلْقِه، فاشكُروه
следующие страницы →