← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 3151–3190 · переход к 3156.

стр. 3151

حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ قولَه ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ قال: كان لرجُلٍ أربعةُ دراهمَ، فأنفَق درهمًا باللَّيلِ، ودرهمًا بالنَّهارِ، ودرهمًا سرًّا، ودرهمًا عَلانيةً (١). وقال آخرون: نزَلت هذه الآيةُ في النَّفقةِ على الخَيْلِ في سبيلِ اللهِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهْبٍ، قال: حدَّثني رجالٌ (٢) مِن أهلِ العلمِ، منهم عبدُ الرحمنِ بنُ شُريحٍ، عن قيْسٍ بن الحجاجِ، عن حَنَشِ بن عبدِ اللهِ، قال بعضُهم عن ابنٍ عباسٍ في هذه الآيةِ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ الآية: إنها في عَلْفِ الخَيْلِ (٣). حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: حدَّثني عبدُ الرحمنِ - يعْنى ابنَ شُريحٍ - عن عبدِ اللهِ بن بشرٍ الغافقيِّ، أنه أشار إلى بعضِ خَيْلٍ كانت في الَجبَّانَةِ، فأشار إلى عِتَاقِ تلك الخَيْلِ، فقال: أصحابُ هؤلاءِ ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾. قال - يعْنى عبدَ الرحمنِ بنَ شُرَيحٍ -: وحدَّثني يعقوبُ بنُ عمرٍو المَعَافِريُّ، عن أبيه، عن أبي ذَرٍّ بنحوِ ذلك (٤). وحدَّثنا عليُّ بنُ سَهْلٍ، قال: حدَّثنا ضَمْرةُ بنُ ربيعةَ، عن رجاءِ بن أبي سلمةَ،

стр. 3152

عن العجلانِ بن سُهيلٍ، عن أبي أمامةَ في تفسيرِ هذه الآيةِ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾. قال: نزلت في أصحابِ الخَيْلِ في مَن لم يَرْتَبِطْهَا لخُيلاءَ ولا مِضْمارٍ (١). وحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: حدَّثنا يعقوبُ القُميُّ، عن سعيدٍ، عن الحسَنِ، عن الأوزاعيِّ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾. قال: هم الذين يَرْتَبِطون الخَيْلَ خاصةً في سبيلِ اللهِ، يُنفقون عليها باللَّيلِ والنَّهارِ (٢). وحدَّثني المثنى، قال: حدَّثنا أبو صالحٍ، قال: حدَّثني أبو شُريحٍ عبدُ الرحمنِ بن شريحٍ المعَافريُّ، عن قيسِ بن الحجاجِ، عن حَنَشٍ الصَّنْعانيِّ أنه قال: حدَّث ابن عباسٍ في هذه الآيةِ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ قال: في عَلْفِ الخَيْلِ (٣). * وحدَّثني المثنى، قال: حدَّثنا سويدٌ، قال: أخبرنا ابن المباركِ، عن رِشدين بن سعدٍ، قال: أخبرني شيخٌ من غافقٍ (٤)، أنَّ أبا الدرداءِ كان ينظُرُ إلى الخيلِ مَرْبوطةً بينَ

стр. 3153

البَراذينِ والهُجْنِ، فيقولُ: أهلُ هذه - يعنى الخيلَ - من ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (١). وقال آخرون: عنَى بذلك قومًا أنفقوا في سبيلِ اللهِ، في غيرِ إسرافٍ ولا تقتيرٍ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ﴾ إلى قولِه: ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾: هؤلاءِ أهلُ الجنةِ (٢). ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ كان يقولُ: "المُكْثِرون هم الأسفلون". قالوا: يا نبيَّ اللَّهِ، إِلَّا مَن؟ قال: "المُكْثِرون هم الأَسْفَلون". قالوا: يا نبيَّ اللَّهِ، إِلَّا مَن؟ قال: "المُكْثِرون هم الأَسْفَلون". قالوا: يا نبيَّ اللَّهِ، إِلَّا مَن؟ حتى خَشُوا أن تكونَ قد مضَت فليس لها رَدٌّ، حتى قال: "إلَّا مَن قال بالمالِ هكذا وهكذا، عن يمينِه وعن شِمالِه، وهكذا بينَ يدَيْه، وهكذا خلْفَه، وقليلٌ ما هم" (٣). هؤلاء قومٌ أَنْفَقوا في سبيلِ اللهِ التي افْتَرض وارْتَضى، في غيرِ سَرَفٍ ولا إمْلاقٍ، ولا تبذيرٍ ولا فسادٍ (٤). وقد قيل: إن هذه الآياتِ من قولِه: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾. إلى قولِه: ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. كان مما يُعمَلُ به قبلَ

стр. 3154

نزولِ ما في سورةِ "براءة" من تفصيلِ الزكواتِ (١)، فلما نزَلت "براءة" قصَروا عليها. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمِّى، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ إلى قولِ ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾: فكان هذا يُعملُ به قبلَ أنْ تَنزِلَ "بَراءة"، فلمَّا نزَلتْ "براءة" بفرائضِ الصدقاتِ وتفصيلِها انتهتِ الصدقاتُ إليها (٢). القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾. يَعْنى بذلك جلَّ ثناؤُه: الذين يُرْبُون. والإرْباءُ: الزِّيادة على الشيءِ، يقالُ منه: أَرْبَى فلانٌ على فلانٍ، إذا زادَ عليه، يُرْبى إرْباءً، والزِّيادةُ هي الرَّبا. ورَبا الشيءُ، إذا زادَ على ما كان عليه فعَظُمَ، فهو يَرْبُو رَبْوًا. وإنما قيلَ للرابيةِ: رَابيةٌ (٣)؛ لزيادتِها في العِظم والإشْرافِ على ما استوى مِن الأرضِ ممَّا حَولَها، مِن قولِهم: رَبَا يَرْبُو. ومِن ذلك قيلَ: فلانٌ في رِبا قومِه. يُرادُ به أنه في رفِعَةٍ وشرفٍ منهم، فأصْلُ الرِّبا الإناقَةُ والزِّيادَةُ، ثم يُقالُ: أرْبَى فلانٌ. أيْ: أنافَ [غيرَه و] (٤) صَيَّره زائدًا. وإنّما قِيلَ للمُرْبى مُرْيبًا؛ لتضْعِيفِه المالَ

стр. 3155

الذي كان له على غريِمه حلالًا (١)، أو لزيادتِه عليه فيه بسَبَبِ الأَجَلِ الذي يُؤخِّره إليه، فيَزِيدُه إلى أجَلِه الذي كان له قبلَ حَلِّ دَيْنِه عليه. ولذلك قال جلَّ ثناؤُه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣١]. وبمثلِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسَى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال في الرِّبا الذي نَهى اللهُ عنه: كانوا في الجاهليةِ يكونُ للرجلِ على الرجلِ الدَّيْنُ، فيقولُ: لكَ كذا وكذا، وتُؤَخِّرُ عنِّى. فيُؤخِّرُ عنه (٢). وحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهدٍ مثلَه. وحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ أَنّ رِبَا أَهْلِ (٣) الجاهليةِ؛ يبيعُ الرجلُ البيعَ إلى أجلٍ مُسمًّى، فإذا حَلَّ الأجلُ ولم يكنْ عندَ صاحبِه قضاءٌ زادَ وأَخَّرَ عنه. فقال جلَّ ثناؤُه: الذين يُرْبونَ الرِّبا الذي وصَفْنا صِفَتَه، في الدنيا، ﴿لَا يَقُومُونَ﴾ في الآخرةِ مِن قُبورِهم ﴿إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾. يَعْنِى بذلك: يَتَخَبَّلُه الشيطانُ في الدنيا، وهو الذي يتخنَّقُه (٤)

стр. 3156

فيصْرَعُه، ﴿مِنَ الْمَسِّ﴾ اللَّه يَعنِي: مِن الجنونِ. وبمثلِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذِكرُ مَن قالَ ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسَى، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ : ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾: يومَ القيامةِ، في أكلِ الرِّبا في الدنيا (١). حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، عن شبلٍ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا المثنَّى، قال: ثنا الحجاجُ بنُ المِنْهالِ، قال: ثنا رَبيعةُ بنُ كُلْثُومٍ، قال: ثنى أبي، عن سعيدٍ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾. قال: ذلك حينَ يُبعَثُ من قبرِه (٢). حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا مُسلِمُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا رَبيعةُ بنُ كُلْثومٍ، قال: ثنى أبى، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: يُقالُ يومَ القيامةِ لآكلِ الرِّبا: خُذْ سلاحَكَ للحَرْبِ. وقرأ: ﴿لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾. قال: ذلك حين يُبعثُ مِن قبرِه (٣).

стр. 3157

حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن أشْعثَ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بن جُبير: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ الآية. قال: يُبعث آكلُ الرِّبا يومَ القيامةِ مجنونًا يُخْنَقُ (١). حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قولَه: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾: وتلك علامة أهلِ الرِّبا يومَ القيامةِ، بُعِثُوا وبهم خَبَلٌ من الشيطانِ. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيَى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أَخبَرنا مَعْمَرٌ، عن قتادَةَ في قولِه: ﴿لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾. قال: هو التخْبيلُ الذي يَتَخَبَّلُه الشيطانُ مِن الجنونِ (٢). حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ في قولِه: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾. قال: يُبعثُون يومَ القيامةِ وبهم خَبَلٌ مِن الشيطانِ، وهي في بعضِ القراءةِ: (لا يقُومُون يومَ القيامةِ) (٣). حدَّثنا المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾. قال: مَن مات وهو يأكلُ الرِّبا، بُعِثَ يومَ القيامةِ مُتخبِّطًا، كالذي يَتَخَبَّطُه الشيطانُ مِن المسِّ.

стр. 3158

حدَّثنى موسىَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ﴾ [يومَ القيامةِ] (١) ﴿إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾. يعْنى: مِن (٢) الجنونِ (٣). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾. قال: هذا مَثلُهم يومَ القيامةِ، لا يقُومُون يومَ القيامةِ مع الناسِ، إلَّا كما يَقومُ الذي يُخْنقُ مع الناسِ، يقومُ (٤) يومَ القيامةِ كأنه خُنِقَ، كأنه مَجنونٌ. ومعْنى قولِه: ﴿يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾: يَتَخَبَّلُه مِن مَسَّهِ إِيَّاه. يقالُ منه: قد مُسَّ الرجلُ [وأُلِيسَ] (٥) وأُلِقَ، فهو مَمسوسٌ [ومألُوسٌ] (٦) ومَأْلُوقٌ. كلُّ ذلك إذا ألمَّ به اللَّمَمُ فجُنَّ. ومنه قولُ اللهِ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا﴾ [الأعراف:٢٠١]، ومنه قولُ الأعشَى (٧): وتُصْبحُ عن (٨) غِبِّ السُّرَى وكأنما … ألَمَّ بها مِن طائفِ الجنِّ أَوْلَقُ فإن قال لنا قائلٌ: أفرأيتَ مَن عَمِلَ ما نهَى اللهُ عنه مِن الرِّبا في تجارته ولم يأكُلْه، أيَستحِقُّ هذا الوعيدَ مِن اللهِ؟

стр. 3159

قيل: نعم، وليس المقصودُ مِن الرِّبا في هذه الآيةِ [النهيَ عن أكلِه خاصةً، دونَ النهيِ عن العملِ به، وإنما خصَّ اللهُ وصْفَ العاملين به في هذه الآيةِ] (١) بالأكلِ (٢)؛ لأن (٣)؛ لأن الذين نزَلتْ فيهم هذه الآياتُ يومَ نزَلتْ، كانت طُعْمَتُهم ومَأكلُهم مِن الرّبا، فَذَكَرَهم بصِفَتِهم، مُعظِّمًا بذلك عليهم أَمْرَ الرِّبا، ومُقَبِّحًا إليهمِ الحالَ التي هم عليها في مَطاعِمِهم. وفى قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآية. ما يُنْبِيءُ (٤) عن صحةِ ما قُلنا في ذلك، وأنّ التحريمَ مِن اللهِ في ذلك كان لكلِّ معانِى الرِّبا، وأن سواءً العملُ به وأكلُه وأخْذُه وإعطاؤُه، كالذى تظاهَرتْ به الأخبارُ عن رسولِ اللهِ ﷺ من قولِه: "لَعَنَ اللهُ آكِلَ الرِّبا، ومُؤْكِلَه، وكاتِبَه، وَشاهِدَيْهِ إِذا عَلِمُوا (٥) بِهِ" (٦). القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾. يَعْنى بقولِه (٧): ﴿ذَلِكَ﴾: الذي وصَفَهم اللهُ به مِن قيامِهم يومَ القيامة مِن قبورِهم، كقيامِ الذي يتخبَّلُه (٨) الشيطانُ (٩) مِن الجنونِ، فقال: هذا الذي ذَكَرْنا أنه

стр. 3160

يُصيبُهم يومَ القيامةِ من قُبحِ حالِهم، ووَحْشَةِ قيامِهم مِن قُبورِهم، وسوءِ ما حَلَّ بهم، مِن أجلِ أنهم كانوا في الدنيا يَكْذبون فيَفْتَرون ويقُولون: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ﴾ الذي أحَلَّه اللهُ لعباده ﴿مِثْلُ الرِّبَا﴾. وذلك أنّ الذين كانوا يأكلونَ الرِّبا مِن أَهلِ الجاهليةِ، كان إذا حَلَّ مالُ أحدِهم على غَريمهِ يقولُ الغريمُ لصاحبِ (١) الحقِّ: زِدْنى في الأجلِ وأزيدَك في مالِكَ. فكان يُقالُ لهُما إذا فَعلَا ذلك: هذا ربًا لا يَحِلُّ. فإذا قِيلَ لهما ذلك قالَا: سواءٌ علينا زِدْنا في أوَّل البيع أو عندَ مِحلِّ المالِ. فكذَّبَهم اللهُ في قِيلِهم، فقال جلّ ثناؤُه: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧٥)﴾. يعْنى [بقولِه: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾: وأحلَّ] (٢) الأرْباحَ في التجارةِ والشراءِ والبيعِ، ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾، يَعنى الزِّيادَةَ التي يُزادُها ربُّ المالِ بسببِ زيادَتِه غريمَه في الأجلِ وتأخيرِه دَيْنَه عليه. يقولُ تعالى ذكرُه: فليست الزيادتان اللتان إحْداهما من وَجْهِ البيعِ والأخْرَى مِن وَجهِ تأخيرِ المالِ والزِّيادةِ في الأجلِ، سواءً، وذلكَ أَنَّي حرَّمت إحدَى الزيادتينِ - وهى التي مِن وَجْهِ تأخيرِ المالِ والزِّيادةِ في الأجلِ - وأحْلَلتُ الأخرَى منهما - وهى التي مِن وَجْهِ الزيادةِ على رأسِ المالِ الذي ابتاع به البائعُ سِلْعَتَه التي يَبيعُها فيسْتفْضِلُ فضْلَها - فقال اللهُ جلّ ثناؤه لهم (٣): ليست الزيادةُ من وجْهِ البيعِ نظيرَ الزِّيادةِ مِن وجهِ الرِّبا؛ لأنِّى أحْلَلْتُ البيعَ وحَرَّمتُ الرِّبا،

стр. 3161

والأمرُ أمْرِى، والخَلَقُ خَلْقِي، أقْضِى فيهم ما أشاءُ، وأسْتَعْبِدُهم بما أريدُ، ليسَ لأحدٍ منهم أنْ يَعترضَ في حُكْمِيِ، ولا أنْ يُخالفَ أمْرِى، وإنما عليهم طاعتِى والتَّسْليمُ الحكمِي. ثم قال جلّ ثناؤُه: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى﴾. يعْنى بالموعظَةِ التذكيرَ والتخويفَ الذي ذكَّرهم وخوَّفَهم به في آيِ القرآنِ، وأوْعدَهُم على أكلِهم الرِّبا مِن العقابِ. يقولُ جلَّ ثناؤُه: فمن جاءَه ذلكَ، ﴿فَانْتَهَى﴾ عن أكْلِ الرِّبا، وارْتَدعَ عن العملِ به، وانزَجرَ عنه، ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾، يعْني: ما أكلَ وأخذَ، فمضَى قبلَ مجيءِ الموعظةِ والتحريمِ من ربِّه في ذلك، ﴿وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾، يَعنى: وأمْرُ آكلِه [إلى اللهِ] (١) بعد مَجيئِه الموعظةُ من ربِّه والتحريمُ، وبعدَ انتهاءِ آكِلِه عن أكْلِه، ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ في عِصْمتِه وتوفيقِه، إن شاءَ عصَمه عن أكْلِه، وثَبَّتَه في انتهائِه عنه، وإِن شاءَ خَذَله ذلك، ﴿وَمَنْ عَادَ﴾، يقولُ: ومن عادَ لأكْل الرِّبا بعدَ التحريمِ، وقال ما كان يقولُه قَبلَ مجيءِ الموعظةِ من اللهِ بالتحريمِ من قولِه: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾، ﴿فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: يعْنى ففاعِلُو ذلك وقائِلُوه هم أهلُ النارِ، يعْنى نارَ جهنم، ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾، [يعني: دائمو البقاءِ فيها، لا يموتون فيها ولا يَخرُجون منها] (١). وبنحوِ ما قُلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذِكرُ مَن قالَ ما قلنا في قولِه: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى﴾. حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا

стр. 3162

أسباطُ، عن السُّدِّي: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾: أما الموعظةُ فالقرآنُ، وأما ﴿مَا سَلَفَ﴾: فلَه ما أكَلَ من الرِّبا (١). القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦)﴾. يَعنِي بقولِه جلَّ ثناؤه: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾: يَنقُصُ اللهُ الرِّبا فيذْهِبُه. كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾. قال: يَنقُصُ (٢). وهذا نَظِيرُ الخبر الذي رُوى عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ، عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "الرِّبا وإن كَثُرَ فإلى قُلٍّ" (٣). وأما قولُه جل ثناؤه: ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾. فإنه تعالى ذكرُه يعْنى: أنه يُضاعِفُ أجرَها لرَبِّها، ويُنمِّيها له. وقد بيَّنا معنَى الرِّبا قَبلُ، والإرباءِ، وما أصلُه، بما فيه الكفايةُ من إعادَتِه. فإن قال قائلٌ: وكيفَ إرباءُ اللهِ الصدقاتِ؟ قيل: إضعافُه الأَجْرَ، لربِّها، كما قال: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾

стр. 3163

[البقرة: ٢٦١]، وكما قال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾. وكما حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، قال: ثنا عبادُ بنُ منصورٍ، عن القاسِم، أنه سمعَ أبا هريرةَ يقولُ: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ الصدقةَ ويَأخُذُها بِيمينِه، فيُرْبيها لأحَدِكُمْ كَمَا يُرْبى أحدُكم مُهْرَه، حتى إنَّ اللُّقْمَةَ لَتَصِيرُ مِثْلَ أُحُدٍ" (١). [وتَصْديقُ ذلك في كتابِ اللهِ: [وهو الذي يَقْبَلُ التوبةَ عن عبادِه ويَأْخُذُ الصدقاتِ] (٢)، ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ (٣). حدَّثني سليمانُ بنُ عُمرَ بن خالدِ بن (٤) الأقطعِ الرَّقيُّ، قال: ثنا ابن المباركِ، عن سفيانَ، عن عَبَّادِ بن منصورٍ، عن القاسمِ بن محمدٍ، عن أبي هريرةَ، ولا أُراه إلّا قد رَفعَه، قال: "إنّ الله يقبلُ الصَّدقةَ، ولا يقبلُ منها (٥) إلّا الطَّيبَ (٦) ".

стр. 3164

وحدَّثني محمدُ بنُ عمرَ (١) بن (٢) عليٍّ المقدَّميُّ، قال: ثنا رَيْحانُ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا عبادٌ، عن القاسمِ، عن عائشةَ، قالتْ: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "إنّ اللّهَ يَقْبَلُ و الصدَقاتِ (٣)، وَلا يَقْبَلُ منها إلا الطَّيِّبَ، ويُرْبيها لصاحِبِها (٤) كما يُرْبى أَحَدُكُم مُهْرَهُ أَوْ فَصيلَه، حتى إن اللُّقْمَةَ لَتَصِيرُ مِثْلَ أُحُدٍ"، وتَصْديقُ ذلك في كتابِ اللهِ: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ (٥). حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الملكِ، قال: ثنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرنا مَعمرٌ، عن أيوبَ، عن القاسمِ بن محمدٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ العَبْدَ إذا تصَدَّقَ مِن طَيِّبٍ، تَقَبَّلَها (٦) اللهُ منه، ويَأخُذُها بيَمِينِهِ، وَيُرْبيها كَمَا يُرْبِي أَحَدُكم مُهْرَه أَوْ فَصِيلَه، وإِنَّ الرجلَ ليَتَصَدَّقُ باللُّقْمَةِ فَتَرْبُو فِي يَدِ اللهِ - أو قال: في كفِّ اللهِ - حتى تَكُونَ مِثْلَ أُحُدٍ، فَتَصَدَّقُوا" (٧). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلَى، قال: ثنا المُعْتمِرُ بن سليمانَ، قال: سمِعتُ يونسَ، عن صاحبٍ له، عن القاسمِ بن محمدٍ، قال: قال أبو هريرةَ: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "إنَّ الله يَقْبَلُ الصَّدَقَةَ بِيَمِينِه، ولا يَقْبَلُ منها إلَّا ما كان طَيِّبًا، واللهُ يُرْبِى لأحَدِكم لُقْمَتَه، كما يُرْبى أحدُكُمْ مُهْرَهُ وفَصِيلَه، حتى يُوافَى بها يَوْمَ القِيامَة - وهي أَعْظَمُ مِن أُحدٍ".

стр. 3165

وأما قولُه: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾. فإنه يعنِى به: واللهُ لا يحبُّ كُلَّ مُصِرٍّ على كُفرٍ (١)، مُقيمٍ عليه، مُستحلٍّ أكْلَ الرِّبا وإطْعامَه، ﴿أَثِيمٍ﴾: مُتَمَادٍ في الإثِم برَبِّه (٢) فيما نَهاهُ عنه من أكْلِ الرِّبا والحرامِ وغيرِ ذلك من معاصِيه، لا يزجِرُ عن ذلك، ولا يرْعوِى عنه، ولا يتعِظُّ بموعظةِ ربِّه التي وعظَه بها في تنزيلِه وأي كتابِه. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٧)﴾. وهذا خبرٌ من اللهِ جلّ ثناؤُه بأنّ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾، يعْني: الذين صَدَّقُوا باللهِ وبرسولِه، وبما جاء به مِن عندِ ربِّه (٣)، من تحريم الرِّبا وأكْلِه وغيرِ ذلك من سائرِ شَرائعِ دِينِهِ، ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ الله التي أمَرَهُم اللهُ بها، والتي نَدَبَهم إليها، ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ من المفروضَةَ بحدودِها، وأدَّوها بِسُنَّتِها (٤)، ﴿وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ المفروضةَ عليهم في أموالِهم، بعدَ الذي سلَف منهم من أكْلِ الرِّبا، قبل مَجيءِ الموعظةِ فيه مِن عندِ ربِّهم، ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾، يَعنِي ثوابَ ذلك مِن أعمالِهم وإيمانِهم وصَدَقتِهم ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ يومَ حاجَتِهم إليه في مَعادِهم، ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ يومئذٍ مِن عقابِه على ما كان سلَفَ منهم في جاهِليتِهم وكُفْرِهم، قبلَ مجيئِهم موعظةُ رَبِّهم، من أكلِ ما كانوا أكلوا مِن الرِّبا، بما كان من إنابَتِهم، وتوبَتِهم إلى اللهِ مِن ذلك عندَ مَجِيئِهم الموْعِظَةُ مِن ربِّهم، وتَصْدِيقِهم بوعْدِ اللَّهِ ووَعِيدِه، ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ على تركِهم ما كانوا تركُوا (٥) في الدنيا، من أكْلِ

стр. 3166

الرِّبا والعَمِل به، إذ عايَنُوا جزِيلَ ثوابِ اللهِ لهم (١) على تَركِهم ما تَرَكُوا مِن ذلك في الدنيا، ابتغاءَ رضْوانِه في الآخرةِ، فوصَلوا إلى ما وُعِدُوا على تَرْكِه. القولُ في تأويلِ قولهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨)﴾. يَعنى جَلَّ ثناؤه (٢): يأيها الذين (٣) صَدَّقُوا باللهِ وبرسولِه، ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾. يقولُ: خافوا الله على أنفُسِكم، فاتقوه بطاعتِه فيما أمَرَكم به، والانتهاءِ عما نَهاكم عنه، ﴿وَذَرُوا﴾. يَعنى: ودَعُوا ﴿مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾. يقولُ: اترُكوا طلبَ ما بقِىَ لكم مِن فَضْلٍ على رءوسِ أموالِكم التي كانتْ لكم قبلَ أن تُرْبُوا عليها، ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: إِنْ كنتم مُحقِّقِينَ إيمانَكم قوْلًا، وتَصْدِيقَكم بأَلْسِنَتِكم بأفْعالِكم. وذُكِرَ أن هذه الآيةَ نَزلتْ في قومٍ أسلَموا، ولهم على قومٍ أموالٌ من ربًا كانوا أَرْبَوه عليهم، وكانوا قد اقتضَوا (٤) بعضَه منهم، وبَقىَ بعضٌ، فعفا اللهُ لهم عما كانوا قد اقتضَوه قبلَ نزولِ هذه الآيةِ، وحرَّم عليهم اقتضاءَ ما بَقِيَ منه. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ إلى ﴿لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾. قال: نزَلتْ هذه الآيةُ في العباسِ بن عبدِ المطلبِ ورجلٍ مِن بنى المغيرةِ، كانا شريكَين في الجاهِليةِ، يُسْلِفان (٥) في الرِّبا إلى ناسٍ مِن

стр. 3167

ثقيفٍ، مِن بني غيرةَ (١)، وهم بنو عَمرِو بن عُميرٍ، فجاء الإسلامُ ولهما أموالٌ عظيمةٌ في الرِّبا، فأنزلَ اللهُ: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ﴾ مِن فَضْلٍ كان في الجاهليةِ ﴿مِنَ الرِّبَا﴾ (٢). وحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. قال: كانت ثَقيفٌ قد صالَحَتِ النبيَّ ﷺ على أنّ ما لهم مِن ربًا على الناسِ [فهو لهم] (٣)، وما كان للناسِ عليهم من ربًا فهو مَوْضوعٌ، فلمَّا كان الفتحُ، استعمَلَ عَتَّابَ بنَ أَسِيدٍ على مكةَ، وكانت بنو عَمرِو بن عُميرِ بن عَوْفٍ يأخذون الرِّبَا مِن بنى المغيرةِ، وكانت بنو المغيرةِ يُرْبُون لهم في الجاهليةِ، فجاء الإسلامُ ولهم عليهم مالٌ كثيرٌ، فأتاهم بنو عَمرٍو يطلُبون رِبَاهم، فأبَى بنو المغيرةِ أنْ يُعطُوهم في الإسلامِ، ورَفَعوا ذلك إلى عَتَّابِ بن أَسِيدٍ، فَكَتَب عتَّابٌ إلى رسولِ اللهِ ﷺ ، فنزلَتْ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، إلى ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ﴾، فكتَبَ بها رسولُ اللهِ ﷺ إلى عتَّابٍ، وقال: "إِنْ رَضُوا وَإِلَّا فَآذِنْهُمْ بِحَرْبٍ". قال ابن جُريجٍ، عن عكرمةَ قولَه: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾. [يقولُ: لبنى عمرِو بن عميرٍ] (٤). قال: كانوا يأخذون الرِّبا على بنى المغيرةِ، يزْعُمون أنهم مَسعودٌ وعبدُ يالِيلَ وحبيبٌ وربيعةُ؛ بنو عَمرِو بن عُميرٍ، فهم الذين كان لهم الرِّبا على بنى المغيرةِ، فأسلَم عبدُ يالِيلَ وحبيبٌ وربيعة وهلالٌ ومسعودٌ (٥).

стр. 3168

وحدَّثني يحيى (١) بن أبي طالبٍ، قال: أخبَرنا يزيدُ، قال: أخبَرنا جُويبرٌ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. قال: كان ربًا يَتَبايَعُون به في الجاهليةِ، فلمَّا أَسْلَموا أُمِرُوا أَنْ يأخذوا رُءوسَ أموالِهم (٢). القولُ في تأويلِ قولهِ جلّ ثناؤُه: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾: فإِن لمْ تَذَرُوا ما بقِىَ من الرِّبا. واختلفَ القَرأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿فَأْذَنُوا﴾؛ فقرأَتْه عامَّةُ قرَأةِ أهلِ المدينةِ: ﴿فَأْذَنُوا﴾ بقصرِ ألفِ (٣) ﴿فَأْذَنُوا﴾، وفتح ذَالِها، بمعنَى: كونوا على علمٍ وإذْنٍ. وقرأَهُ آخرون - وهى قراءةُ عامَّةِ قرأةِ الكوفيين -: (فآذِنوا) بمدِّ الألفِ مِن قولِه: (فآذنوا) وكسرِ ذالِها، بمعنى: فآذِنُوا غيركَم: أعْلِموهم وأخْبِرُوهم بأنكم على حَرْبِهم (٤). وأوْلَى القراءتين بالصَّوابِ في ذلك قراءَةُ مَن قرأَ: ﴿فَأْذَنُوا﴾ بقصر ألِفِها وفتحِ ذالِها، بمعنى: اعْلَمُوا ذلكَ واستيقِنوه، وكونوا على إذنٍ مِن اللهِ لكم بذلك. وإنما اخْتَرْنا ذلكَ لأنَّ الله جل ثناؤُه إنما أمَرَ نبيَّه ﷺ أَن يَنْبِذَ إِلَى مَن أَقامَ على

стр. 3169

شركِه، الذي لا يُقَرُّ على المُقامِ عليه، وأنْ يَقْتُلَ المرتدَّ عن الإسلامِ منهم بكلِّ حالٍ، إلا أنْ يُراجِعَ الإسلامَ، آذَنَه المشركون بأنهم على حزْبِه أو لمْ يُؤذِنُوه، فإذْ كان المأمورُ بذلك لن يَخلُوَ مِن أحدِ أمريْن؛ إما أنْ يكونَ كان مُشركًا مُقيمًا على شركِه الذي لا يُقَرُّ عليه، أو يكونَ كان مسلمًا فارْتدَّ [عن إسلامِهِ] (١) فَأُذِن بحربٍ، فأيُّ الأمريْن كان، فإِنَّما نُبِذَ إليه بحربٍ، لا أنّه أُمِرَ بالإيذانِ (٢) بها إن عزَم على ذلك؛ لأنَّ الأمرَ إِنْ كان إليه، فأقام على أكْلِ الرِّبا مُستحِلًّا له، ولمْ يُؤْذِنِ المسلمين (٣) بالحربِ، لم يَلْزمْهم حَرْبُه، وليس ذلكَ حُكمَه في واحدةٍ من الحالتين، فقد علِم أنه المأذونُ بالحربِ لا الآذِنُ بها. وعلى هذا التأويلِ تأوَّله أهلُ التأويلِ. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ إلى: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾: فمن كان مقيمًا على الرِّبا لا يَنْزِعُ عنه، فحقٌّ على إمامِ المسلمينَ أنْ يَسْتَتِيبَه، فإِنْ نَزَع، وإِلَّا ضرَب عُنقَه (٤). وحدَّثني المثنى، قال: ثنا مُسلِمُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ربيعةُ بنُ كلثومٍ، قال: ثنى أبي، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: يقالُ يومَ القيامةِ لآكِلِ الرِّبا: خُذْ سِلاحكَ للحرْبِ (٥).

стр. 3170

وحدَّثني المثنى، قال: ثنا الحجاجُ، قال: ثنا ربيعةُ بنُ كُلثُومٍ، قال: ثنى أبي، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ مثلَه. وحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قولَه: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾: أَوْعدَهُم اللهُ بالقتلِ كما تَسْمَعونَ، فجعلَهم بَهْرَجًا (١) أينما ثقِفُوا (٢). وحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن سعيدِ بن أبي عَرُوبَةَ، عن قَتادةَ مثلَه. وحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ قال: أَوْعدَ (٣) آكلَ الرِّبا بالقتلِ (٤). وحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ﴾: فاسْتَيقنوا بحربٍ منِ اللهِ ورسولِه (٥). وهذه الأخبارُ كُلُّها تُنبئُ عن أنّ قولَه: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ إيذانٌ مِن اللهِ لهم بالحربِ والقتلِ، لا أَمْرٌ لهم بإيذانِ غَيْرِهم بذلك (٦). القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾.

стр. 3171

يَعنى جلَّ ثناؤُه بذلك: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ﴾ فتركتُم أَكْلَ الرِّبا، وأَنَبتُم إِلى اللَّهِ ﴿فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾. يعْنى (١): من الديونِ التي لكم على الناسِ دونَ الزَّيادَةِ التي أحدثْتُمُوها (٢) على ذلك رِبًا منكم. كما حدَّثنا ابن معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾: [والمالُ] (٣) الذي لهم على ظهورِ الرجالِ، جَعَلَ لهم رُءُوسَ أموالهِم حينَ نزَلتْ هذه الآيةُ، فأمّا الرِّبحُ والفضْلُ فليس لهم، لا ينْبغى لهم أنْ يأخُذوا منه شيئًا (٤). وحدَّثني المثنى، قال: ثنى عَمرُو بنُ عَوْنٍ، قال: ثنا هُشيمٌ (٥)، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ، قال: وضَعَ اللهُ الرَّبَا، وجعلَ لهم رُءُوسَ أموالِهم (٦). وحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن سعيدِ بن أَبي عَرُوبةَ، عن قَتادةَ في قولِه: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾. قال: ما كان لهم من دَينٍ، فجعَل لهم أن يأخُذوا رُءُوسَ أموالِهم، لا يزْدادُوا عليه شيئًا. وحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدّيِّ: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾: التي (٧) أَسْلَفْتُم، وسَقَطَ الرِّبا. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ذُكِر لنا أن نبيَّ

стр. 3172

اللهِ ﷺ قال في خُطْبَتِه يومَ الفتْحِ: "أَلَا إِنَّ رَبَا الجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ كُلُّه، وأَوّلُ رِبًا أَبْتَدِئُ بِهِ رِبَا العَبَّاسِ بن عبدِ المُطَّلِبِ" (١). وحدَّثنا المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال في خُطْبتِه بِمنى (٢): "إِنَّ كُلَّ ربًا [في الجَاهِليَّةِ] (٣) مَوْضُوعٌ، وأَوَّلُ رِبًا يُوضَعُ رِبَا (٤) العَبَّاسِ". القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩)﴾. يَعنى بذلك (٥): ﴿لَا تَظْلِمُونَ﴾ بأخْذِكم رُءُوسَ أموالِكم التي كانت لكم قبلَ الإِرْباءِ على غُرَمَائِكم منهم، دونَ أَرْباحِها التي زِدْتُمُوها ربًا على (٦) مَن أخذْتُم ذلك منه مِن غُرَمائِكم، فتأخُذُوا منهم ما ليس لكم أخْذُه، أوْ لمْ يكنْ لكم قبلُ، ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ يقولُ: ولا الغريمُ الذي يُعطِيكم ذلك دونَ الربحِ (٧) الذي كنتم ألزَمْتمُوه من أجل الزِّيادةِ في الأجلِ، يَبخَسُكم حقًّا لكم عليه، فيمْنعُكموه؛ لأنَّ ما زادَ على رءوسِ أموالِكم لْم يكنْ حقًّا لكم عليه، فيكونَ بمنعِه إيّاكم ذلكَ ظالمًا لكم. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك كان ابن عباسٍ يقولُ فيه وغيرُه مِن أهلِ التأويلِ.

стр. 3173

ذِكرُ مَن قالَ ذلك حدَّثنا المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبى طلحةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ﴾: فَتُرْبون، ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ فتَنْقَصُون (١). وحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾. قال: لا تُنقَصُونَ مِن أموالِكم، ولا تأخُذونَ باطِلًا لا يَحِلُّ لكم. القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾. يَعنى جلَّ ثناؤُه بذلك: ﴿وَإِنْ كَانَ﴾ ممن تَقبِضون منه مِن غُرمائِكم رُءُوسَ أموالِكم ﴿ذُو عُسْرَةٍ﴾، يعْنى مُعسرًا برءُوسِ أموالِكم التي كانت لكم عليهم قَبلَ الإرْباءِ، فأَنْظِروهُم إلى مَيْسرَتِهم. وقولُه: هو ﴿ذُو عُسْرَةٍ﴾ مرفوعُ بـ ﴿كَانَ﴾، والخبرُ متروكٌ، وهو ما ذَكرْنا. وإنما صلَح تركُ خبرِها من أجلِ أنّ النكراتِ تُضمِرُ لها العربُ أخبارَها. ولَوْ وُجِّهَتْ ﴿كَانَ﴾ في هذا الموضعِ إلى أنها بمعنَى الفعلِ المُكْتَفِي بنفْسِه التامِّ، لكان وجْهًا صحيحًا، ولمْ تكنْ بها حاجةٌ حينئذٍ إلى خبرٍ، فيكونُ تأويلُ الكلامِ عندَ ذلك: وإن وُجِد ذُو عُسْرَةٍ مِن غُرَمائِكم برءُوسِ أموالِكم، فنَظِرةٌ إلى مَيسرَةٍ. وقد ذُكرَ أن ذلك في قراءةِ أُبيِّ بن كعبٍ: (وَإِنْ كَانَ ذَا عُسْرَةٍ) (٢) بمعنى: وإِنْ

стр. 3174

كان الغريمُ ذَا عُسْرَةٍ، فنَظِرَةٌ إلى مَيسرَةٍ. وذلك وإنْ كان في العربيةِ جائزًا، فغيرُ جائزةٍ القراءةُ به عندَنا؛ لخلافِه خطوطَ مَصاحفِ المسلمين. وأما قولُه: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾. فإنه يَعنِي: فعليكم أن تُنْظرُوه إلى مَيسرَتِه، كما قال: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ﴾. وقد ذَكرْنا وجْهَ رفعِ ما كان مِن نَظائِرِ هذا فيما مضَى قَبلُ (١)، فأغْنَى ذلك عن تكرِيرِه. والميسَرةُ: المفْعَلةُ من اليُسرِ، مثلُ المرْحمةِ والمشْأمةِ. ومعنى الكلامِ: وإنْ كان مِن غُرمائِكم ذُو عُسرَةٍ، فعليكم أن تُنظِرُوه حتى يُوسِرَ بما (٢) لكم، فيصيرَ مِن أهلِ اليُسرِ به. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلَ التأويلِ. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني واصلُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ فُضيلٍ، عن يزيدَ بن أبى زيادٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾. قال: نَزَلَتْ في الرِّبا (٣). وحدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبَرنا هشامٌ، عن ابن سيرينَ، أنَّ رجلًا خاصَم رجلًا إلى شُريحٍ، فقضَى عليه وأمَر بحبْسِه، قال:

стр. 3175

فقال رجلٌ عندَ شُريحٍ: إنه مُعسِرٌ، واللهُ يقولُ في كتابِه: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾. قال: فقال شُريحٌ: إنما ذلك في الرِّبا، وإن الله قال في كتابِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨]. ولَا يَأْمُرُنا اللهُ بشيءٍ ثم يُعذِّبُنا عليه (١). وحدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبَرنا مُغيرةُ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾. قال: ذلك في الرِّبا (٢). وحدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبَرنا مُغيرةُ، عن الحسنِ (٣)، أنّ الربيعَ بنَ خُثَيْمٍ (٤) كان له على رجلٍ حقٌّ، فكان يأتِيه، فيقومُ على بابِه، ويقولُ: أَثَمَّ (٥) فلانٌ؟ إنْ كنتَ مُوسرًا فأَدِّ، وإِنْ كنتَ مُعسِرًا فإلى مَيسرَةٍ (٦). وحدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن أيوبَ، عن محمدٍ، قال: جاء رجلٌ إلى شُرَيْحٍ، فكلَّمه، فجعَل يقولُ: إنه مُعْسِرٌ (٧)، قال: فظَننتُ أنه يُكَلِّمُه في محبوسٍ، فقال شُرَيْحٌ: إن الرِّبا كان في هذا الحيِّ من الأنصارِ، فَأَنْزَلَ اللهُ : ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾. وقال اللهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا

стр. 3176

الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾. فما كان اللهُ ليَأْمُرَنا بأمرٍ ثم يُعَذِّبَنا عليه، أدُّوا الأماناتِ إلى أهلِها (١). حدَّثنا يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾. قال: فنَظِرةٌ إلى ميسرةٍ برأسِ مالِه (٢). وحدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾: إنما أُمِر في الرِّبا أن يُنْظَرَ المعسِرُ، وليست النظِرةُ في الأمانةِ، ولكن تُؤدَّى (٣) الأمانةُ إلى أهلِها (٤). حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرُو بنُ حَمَّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ﴾ برأسِ المالِ ﴿إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾. يقولُ: إلى غنًى (٥) وحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾: هذا في شأنِ الرِّبا (٦). حُدِّثتُ عن الحسين، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ، قال: أخبَرَنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحَّاكَ في قولِه: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾: هذا في شأنِ الربا، وكان أهلُ الجاهليةِ بها يتبايَعون، فلمَّا أَسْلَم مَن أَسْلَم

стр. 3177

منهم، أُمِروا أن يأخُذوا رءوسَ أموالِهم (١). وحدَّثنى المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾: يعْنى المطلوبَ (٢). وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن أبي جعفرٍ في قولِه: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾. قال: الموت (٣). وحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن جابرٍ، [عن محمدِ بن] (٤) عليٍّ مثلَه. وحدَّثنى المثنى، قال: ثنا قَبيصَةُ بنُ عقبةَ، قال: ثنا سفيانُ، عن المغيرةِ، عن إبراهيمَ: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾. قال: هذا في الربا. وحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ في الرجلِ يَتَزَوَّجُ إلى ميسرةٍ، قال: إلى الموتِ أو إلى فُرقةٍ. وحدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا هُشَيْم، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾. قال: ذلك في الربا (٥). وحدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا مِنْدَلٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ:

стр. 3178

﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾. قال: يُؤَخِّرُه ولا يَزِدْ عليه، وكان إذا حلَّ دَيْنُ بعضِهم فلم يَجِدْ ما يُعْطِيه، زاد عليه وأخَّره. وحدَّثنى أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نعيمٍ، قال: ثنا مِنْدَلٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾. قال: يُؤَخِّرُه ولا يَزِدْ عليه. وقال آخرون: بل هذه الآيةُ عامٌّ (١) في كلِّ مَن كان له قِبَلَ رجلٍ مُعْسرٍ حقٌّ، من أيِّ وجهٍ كان ذلك الحقُّ، مِن دَينٍ حلالٍ أو ربًا. ذكرُ مَن قال ذلك [حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال لى عطاءٌ: ذلك في الرِّبا والدَّيْنِ، في كلِّ ذلك] (٢). حدَّثني يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: أخبَرَنا جُوَيْبرٌ، عن الضحَّاكِ، قال: مَن كان ذا عُسرةٍ ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾. قال: وكذلك كلُّ دَينٍ على مسلمٍ، فلا يَحِلُّ لمسلمٍ له دينٌ على أخيه يعْلَمُ منه عُسرةً أن يَسْجُنَه، ولا يَطْلُبَه منه حتى يُيَسِّرَه اللهُ عليه، وإنما جَعَل النظِرةَ في الحلالِ فمِن أجلِ ذلك كانت الديونُ على ذلك (٣). حدَّثنا عليُّ بنُ حربٍ، قال: ثنا ابن فُضَيْلٍ، عن يزيدَ بن أبي زيادٍ، عن

стр. 3179

مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾. قال: نزَلت في الدَّيْنِ (١). والصوابُ من القولِ في قولهِ: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾. أنه يَعْنى به غُرَماءَ الذين كانوا أسْلَموا على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ ، ولهم عليهم ديونٌ قد أربَوا فيها في الجاهليةِ، فأدركهم الإسلامُ قبلَ أن يَقْبِضوها منهم، فأمَر اللهُ بوضعِ ما بَقِى من الربا بعدَ ما أسْلَموا، واقتضاءِ (٢) رءوسِ أموالِهم ممن كان منهم مِن غُرَمائِهم مُوسِرًا، وإنظارِ مَن كان منهم مُعْسِرًا برءوسِ أموالِهم إلى ميسرتِهم، فذلك حكمُ كلِّ مَن أَسْلَم وله ربًا قد أَرْبَى على غريمٍ له، فإن إسلامَه يُبْطِلُ عن غريمِه ما كان له عليه مِن قبلِ الربا - ويُلْزِمُه أداءَ رأسِ مالِه الذي كان أخَذ منه، أو لزِمه من قبلِ الإرباءِ - إليه إن كان مُوسرًا، وإن كان معسرًا كان مُنْظَرًا برأسِ مالِ صاحبِه إلى ميسرتِه، وكان الفضلُ على رأسِ المالِ مُبْطَلًا عنه، غيرَ أن الآيةَ وإن كانت نزَلت في من ذكَرْنا، وإيَّاهم عنَى بها، فإن الحكمَ الذي حكَم اللهُ به في إنظارِ المعسِرِ برأسِ مالِ المُرْبى بعد بُطولِ الربا عنه حكمٌ واجبٌ لكلِّ مَن كان عليه دَيْنٌ لرجلٍ قد حلَّ عليه، وهو بقضائِه معسرٌ، في أنه به مُنْظَرٌ إلى ميسرتِه؛ ولأن دَيْنَ كلِّ ذى دَينٍ في مالِ غريمهِ، وعلى غريمه قضاؤُه منه، لا في رقبتِه، فإذا عُدِم مالُه، فلا سبيلَ على رقبتِه بحبسٍ ولا بيعٍ، وذلك أن مالَ رَبِّ الدَّينِ لن يَخْلُوَ من أحدِ وجوهٍ ثلاثةٍ؛ إِمَّا أَن يكونَ في رقبةِ غريمِه، أو في ذمتِه يَقْبِضُه (٣) من مالِه، أو في مالٍ له بعينِه؛ فإن يكنْ في مالٍ

стр. 3180

له بعينِه، فمتى بطَل ذلك المالُ وعُدِم، فقد بطلَ دَينُ ربِّ المالِ، وذلك ما لا يقولُه أحدٌ، أو يكونُ في رقبتِه فإن يكنْ ذلك كذلك فمتى عُدِمت نفسُه فقد بطَل دينُ رَبِّ الدَّيْنِ وإن خلَّف الغريمُ وفاءً بحقِّه وأضعافَ ذلك، وذلك أيضًا ما لا يقولُه أحدٌ، فقد تبيَّن إذًا إذ كان ذلك كذلك، أن دَيْنَ ربِّ المالِ في ذمةِ غريمِه، يقضيه من مالِه، فإذا عُدِم مالُه فلا سبيلَ له على رقبتِه؛ لأنه قد عُدِم ما كان له عليه أن يُؤَدِّيَ منه حقَّ صاحبِه لو كان موجودًا، وإذا لم يكنْ على رقبتِه سبيلٌ، لم يكنْ إلى حبسِه وهو مُعْدِمٌ (١) بحقِّه سبيلٌ؛ لأنه غيرُ مانعِه حقًّا له إلى قضائِه سبيلٌ، فيعاقَبَ بظلمِه إيَّاه بالحبسِ. القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠)﴾. يعنى جلّ ثناؤه بذلك: وأن تَتصَدَّقوا برءوسِ أموالِكم على هذا المعسِرِ، ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أيُّها القومُ من أن تُنْظِروه إلى ميسرتِه لتَقْبِضوا رءوسَ أموالِكم منه إذا أَيْسَر، ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ موضعَ الفضلِ في الصدقةِ، وما أوْجَب اللهُ من الثوابِ لَمَن وضَع عن غريمِه المعسرِ دَينَه. واخْتَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: وأن تَصَدَّقوا برءوسِ أموالِكم على الغنيِّ والفقيرِ منهم خيرٌ لكم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾: والمالُ الذي لهم على ظهورِ الرجالِ،

стр. 3181

جَعَل لهم رءوسَ أموالِهم حينَ نزَلت هذه الآيةُ، فأمَّا الربحُ والفضلُ فليس لهم، لا يَنبغى لهم أن يأخذوا منه شيئًا، ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾. يقولُ: وأن تَصَدَّقوا بأصلِ المالِ خيرٌ لكم (١). حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا﴾ أي: برأسِ المالِ، فهو خيرٌ لكم. وحدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾. قال: من رءوسِ أموالِكم. وحدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا يحيى، عن سفيانَ، عن المغيرةِ، عن إبراهيمَ بمثِله. وحدَّثنى المثنى، قال: ثنا قَبيصَةُ بنُ عُقْبَةَ، قال: ثنا سفيانُ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾: قال: [برءوسِ الأموالِ (٢). وحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: حدَّثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾. قال] (٣): أن تَصَدَّقوا برءوسِ أموالِكم. وقال آخَرون: معنى ذلك: وأن تَصَدَّقوا به على المعسِرِ خيرٌ لكم. نحوَ ما قلنا في ذلك. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ:

стр. 3182

﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾. قال: وأن تَصَدَّقوا برءوسِ أموالِكم على الفقيرِ، فهو خيرٌ لكم. فتصدَّق به العباسُ (١). وحدَّثنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾. يقولُ: وإن تصدَّقتَ عليه برأسِ مالِك فهو خيرٌ لك (٢). وحُدِّثتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ، قال أَخبَرَنَا عُبَيْدُ بنُ سليمانَ قال: سمِعتُ الضحَّاكَ في قولِه: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾: يعْنى على المعسِرِ، فأمَّا الموسِرُ فلا، ولكن يُؤْخَذُ منه رأسُ المالِ، والمعسِرُ الأخذُ منه حلالٌ، والصدقةُ عليه أفضلُ. وحدَّثنى المثنى، قال: ثنا عَمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبرَنا هُشَيْمٌ، عن جُوَيْبِرٍ، عن الضحَّاكِ: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا﴾ [من رءوسِ] (٣) أموالِكم ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ من نَظِرةٍ إلى ميسرةٍ، فاختار اللهُ الصدقةَ على النِّظَارةِ. وحدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ قال: من النَّظِرةِ، ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. وحدَّثنى يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: أخبَرَنا يزيدُ، قال: أَخبَرَنا جُوَيْبِرٌ، عن الضحَّاكِ: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾: والنظِرةُ واجبةٌ،

стр. 3183

وخيَّر (١) اللهُ الصدقةَ على النظِرةِ، والصدقةُ لكلِّ معسرٍ، فأما الموسرُ فلا. وأَوْلَى التأويليِن بالصوابِ تأويلُ مَن قال: معناه: وأن تَصَدَّقوا على المعسرِ برءوسِ أموالِكم خيرٌ لكم. لأنه يَلِى ذكرَ حكمِه في المُعْسرِ (٢)، وإلحاقُه بالذي يَلِيه أوْلى (٣) من إلحاقِه بالذي بَعُد منه. وقد قيل: إن هذه الآياتِ في أحكامِ الربا هنَّ آخرُ آياتٍ نزَلت من القرآنِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا ابن أبي عَدِيٍّ، عن سعيدٍ، وحدَّثنى يعقوبُ بن إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بن المُسَيَّبِ، أن عمرَ بنَ الخطابِ قال: كان آخرَ ما أَنزَل اللهُ من القرآنِ آيةُ الربا، وإن نبيَّ اللهِ ﷺ قُبِض قبلَ أن يُفَسِّرَها، فدَعُوا الربا والرِّيبةَ (٤). وحدَّثنا حُميدُ بنُ مَسْعَدَةَ، قال: ثنا بشرُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا داودُ بنُ أبي هندٍ، عن عامرٍ، أن عمرَ ﵁ قام، فحمِد الله وأثْنَى عليه، ثم قال: أمَّا بعدُ، فإنه واللهِ ما أدرى، لعلَّنا نأمُرُكم بأمرٍ لا يَصْلُحُ لكم، وما أدرى لعلَّنا نَنْهاكم عن [أُمورٍ تَصْلُحُ] (٥) لكم، وإنه كان مِن آخِر القرآنِ تنزيلًا آياتُ الربا، فتُوفِّي رسولُ اللهِ ﷺ قبلَ أن يُبَيِّنَه لنا، فدَعُوا ما يَرِيبُكم إلى ما لا يَرِيبُكم (٦).

стр. 3184

حدَّثني أبو زيدٍ عُمرُ بنُ شَبَّةَ، قال: ثنا قَبيصَةُ، قال: ثنا سفيانُ الثوريُّ، عن عاصمٍ الأحولِ، عن الشَّعْبيِّ، عن ابن عباسٍ، قال: آخرُ ما أُنْزِل على رسولِ اللهِ ﷺ آيةُ الربا، وإنَّا لنَأْمُرُ بالشيءِ لا نَدْرِى لعلَّ به بأسًا، ونَنْهَى عن الشيءِ لعلَّه ليس به بأسٌ (١). القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١)﴾. وقيل أيضًا: إِنَّ هذه الآيةَ آخِرُ آيةٍ نزَلت من القرآنِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا أبو تُميْلةَ، قال: ثنا الحسينُ بنُ واقدٍ، عن يزيدَ النحويِّ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: آخرُ آيةٍ أُنزِلت على النبيِّ ﷺ : ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ (٢). وحدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ الآية: فهى آخرُ آيةٍ من الكتابِ أُنْزِلت (٣).

стр. 3185

وحدَّثنى محمدُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا (١) سهلُ بنُ عامرٍ، قال: ثنا مالكُ بنُ مِغْوَلٍ، عن عطيةَ، قال: آخرُ آيةٍ أنزِلت: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ (٢). وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن السُّدِّيِّ، قال: أخرُ آيةٍ نزَلت: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ الآية (٣). وحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو تُميْلَةَ، عن عُبَيْدِ بن سليمانَ، عن الضحَّاكِ، عن ابن عباسٍ، وحجَّاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: آخرُ آيةِ نزَلت من القرآنِ: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ قال ابن جُريجٍ: يقولون: إن النبيَّ ﷺ مكَث بعدَها تسعَ ليالٍ، وبُدِئ (٤) يومَ السبتِ، ومات يومَ الاثنينِ (٥). حدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرَنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرَنى يونسُ، عن ابن شهابٍ، قال: ثني سعيدُ بنُ المسيَّبِ، أنه بلَغه أن أحدثَ القرآنِ بالعرشِ آيةُ الدَّيْنِ (٦). يعنى بذلك جلّ ثناؤه: واحْذَروا أيُّها الناسُ يومًا تُرْجِعُون فيه إلى اللهِ، فَتَلْقَوْنه

стр. 3186

فيه، أي (١) ترِدوا عليه بسيئاتٍ تُهْلِكُكم، أو بمخْزياتٍ تُخْزِيكم، أو بفَاضِحاتٍ (٢) تَفْضَحُكم، فتَهْتِكُ أستارَكم، أو بموبقاتٍ تُوبقُكم، فتُوجبُ لكم من عقابِ اللهِ ربِّكم ما لا قِبَلَ لكم به، فإنه يومُ مجازاةٍ بالأعمالِ، لا يومَ استعتابٍ، ولا يومُ استقالةٍ وتوبةٍ وإنابةٍ، ولكنه يومُ جزاءٍ وثوابٍ ومحاسبةٍ، تُوَفَّى فيه (٣) كلُّ نفسٍ أجرَها على ما قدَّمت واكْتَسَبت من سييءٍ وصالحٍ، لا يُغادَرُ فيه صغيرةٌ ولا كبيرةٌ من خيرٍ وشرٍّ إلا أُحضِرت فوُفِّيَت (٤) جزاءَها بالعدلِ من ربِّها، ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾، كيف يُظْلَمُ مَن جُوزِىَ بالإساءةِ مثلَها، وبالحسنةِ عشرَ أمثالِها؟ كلا بل عدَل عليك أيُّها المُسِئُ، وتكرَّم عليك، فأفْضَل وأسْبَغ أيُّها المحسنُ، فاتقَى امروٌ ربَّه، وأَخَذ منه حِذرَه، وراقبه قبلَ (٥) أن يهجُمَ عليه يومُه، وهو من الأوزارِ ظَهرُه ثقيلٌ، ومن صالحاتِ الأعمالِ خفيفٌ، فإنه تعالى ذكرُه قد حذَّر فأَعْذَر (٦)، ووعَظ فأبْلَغ. القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾. يعنى بذلك جلّ ثناؤه: يا أيُّها الذين صدَّقوا اللَّهَ ورسولَه ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ﴾ يعنى: إذا تبايَعْتم بدَيْنٍ أو اشْتَريتم به، أو تعاطَيْتم، أو أخَذتم به، ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾. يقولُ: إلى وقتٍ معلومٍ وقَّتُّموه بينكم، وقد يَدْخُلُ في ذلك القَرْضُ

стр. 3187

والسَّلَمُ في كلِّ ما جاز السَّلَمُ [فيه؛ لأنَّ السَّلمَ] (١) شراءٌ أُجِّل بِنَقْدٍ (٢) يَصيرُ دَينًا على بائعِ ما أسلم إليه فيه. ويَحْتَمِلُ بيعَ الحاضرِ الجائزِ بيعُه من الأملاكِ بالأثمانِ المُؤَجَّلةِ، كلُّ ذلك من الديونِ المُؤَجَّلةِ إلى أجلٍ مُسَمًّى، إذا كانت آجالُها معلومةً بحدٍّ موقوفٍ عليه. وكان ابن عباسٍ يقولُ: نزَلت هذه الآيةُ في السَّلَمِ خاصَّةً. ذكرُ الروايةِ عنه بذلك حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا يحيى بنُ عيسى الرَّمْليُّ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، قال: قال ابن عباسٍ في: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾. قال: السَّلَمُ في الحِنْطةِ، في كَيْلٍ معلومٍ إلى أجَلٍ معلومٍ (٣). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ المُخَرِّميُّ (٤)، قال: ثنا يحيى بنُ الصَّامتِ (٥)، قال: ثنا ابن المُبارَكِ، عن سفيانَ، عن أبي حيَّانَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ قال: نزَلت في السَّلَمِ في كيلٍ معلومٍ إلى أجلٍ معلومٍ (٦). حدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا زيدُ (٧) بنُ أبي الزرقاءِ، عن سفيانَ، عن أبي

стр. 3188

حيَّانَ، عن رجلٍ، عن ابن عباسٍ، قال: نزَلت هذه الآيةُ: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ في السَّلَفِ (١) في الحِنْطَةِ في كيلٍ معلومٍ إلى أجَلٍ معلومٍ (٢). حدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ مُحَبَّبٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي حيانَ التَّيْميِّ، عن رجلٍ، عن ابن عباسٍ، قال: نزَلت هذه الآيةُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ في السَّلفِ في الحنطةِ في كيلٍ معلومٍ إلى أجلٍ معلومٍ (٢). حدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا مُعاذُ بنُ هشامٍ، قال: ثنى أبي، عن قتادةَ، عن أبي حسَّانَ (٣)، عن ابن عباسٍ، قال: أشْهَدُ أن السلَفَ المضمونَ إلى أجلٍ مُسَمًّى، أنّ الله قد أحلَّه، وأذِن فيه. ويتلُو هذه الآيةَ: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ (٤). فإن قال قائلٌ: وما وجهُ قولِه: ﴿بِدَيْنٍ﴾ وقد دلَّ بقولِه: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ﴾ عليه، وهل تكونُ مُداينةٌ بغيرِ دَينٍ فاحْتيج إلى أن يقالَ: ﴿بِدَيْنٍ﴾؟ قيل: إن العربَ لمَّا كان مقولًا عندَها "تدايَنَّا"، بمعنى: تجازَيْنا. وبمعنى: تعاطَيْنا الأخذَ والإعطاءَ بدَيْنٍ - أبان اللهُ جلّ ثناؤه بقولِه: ﴿بِدَيْنٍ﴾ المعنَى الذي قصَد [تعريفَ عبادِه] (٥) من قولِه: ﴿تَدَايَنْتُمْ﴾ حُكْمَه، وأَعْلَمهم أنه [عنى به] (٦)

стр. 3189

حُكْمَ الدَّينِ دونَ حكمِ المُجازاةِ. وقد زعَم بعضُهم أن ذلك تأكيدٌ، كقولِه: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [الحجر: ٣٠، ص: ٧٣]، ولا معنى لما قال من ذلك في هذا الموضعِ. القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾. يعنى جلّ ثناؤه بقولِه: ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾: فاكْتُبوا الدَّينَ الذي تدايَنتُموه إلى أجلٍ مُسَمًّى، مِن بيعٍ كان ذلك أو قرضٍ. واخْتَلف أهلُ العلمِ في اكتتابِ الكتابِ بذلك على مَن هو عليه (١)، هل هوـ واجبٌ أو هو نَدْبٌ؟ فقال بعضُهم: هو حقٌّ واجبٌ، وفرضٌ لازمٌ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن جُوَيْبرٍ، عن الضحَّاكِ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ قال: مَن باع إلى أجلٍ مُسَمًّى أمَره اللهُ أن يَكْتُبَ، صغيرًا كان أو كبيرًا، إلى أجلٍ مُسَمًّى (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ قال: فمَن ادَّان دَينًا فَلْيَكْتُبْ، ومَن باع فَلْيُشْهِدْ (٣).

стр. 3190

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾: فكان هذا واجبًا (١). وحُدِّثتُ عن عمَّارٍ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بمثِله، وزاد فيه: قال: ثم جاءت الرُّخْصةُ والسَّعَةُ، قال: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ (٢). حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكِر لنا أن أبا سليمانَ المَرْعَشِيَّ (٣) كان رجلًا صحِب كعبًا، فقال ذاتَ يومٍ لأصحابِه: هل تعلمون مظلومًا دعا ربَّه فلم يَسْتَجِبْ له؟ قالوا: وكيف يكونُ ذلك؟ قال: رجلٌ باع [بيعًا إلى أجلٍ مسمًّى] (٤)، فلم يَكْتُبْ ولم يُشْهِدْ، فلمَّا حلَّ مالُه جحَده صاحبُه، فدعا ربَّه، فلم يَسْتَجِبْ له؛ لأنه قد عصَى ربَّه (٥). وقال آخرون: كان اكتتابُ الكتابِ بالدَّيْنِ فرضًا، فنسَخه قولُه: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرَنا الثوريُّ [ومعمرٌ] (٦)، عن ابن شُبْرُمَةَ، عن الشَّعْبِيِّ، قال: لا بأسَ إِذا أَمِنْتَه ألا تَكْتُبَ ولا تُشْهِدَ، لقولِه: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ قال ابن عُيينةَ: قال ابن شُبْرُمَةَ، عن
следующие страницы →