← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

يريدُ: على طريقِ الحقِّ. ومنه قولُ الهُذَليِّ أبي ذُؤَيْبٍ (١): صبَحْنا أرضَهم بالخيلِ حتى … ترَكْناها أدَقَّ مِن الصراطِ ومنه قولُ الراجزِ (٢): فصدَّ عن نَهْجِ الصِّراطِ القاصدِ (٣) والشواهدُ على ذلك أكثرُ مِن أن تُحْصَى، وفيما ذكَرْنا غِنًى عما ترَكْنا. ثم تَسْتَعِيرُ العربُ الصراطَ فتَسْتَعْمِلُه في كلِّ قولٍ وعملٍ وُصِف باستقامةٍ أو اعْوِجاجٍ، فتَصِفُ المستقيمَ باستقامتِه، والمُعْوَجَّ باعْوِجاجِه. والذي هو أولى بتأويلِ هذه الآيةِ عندي، أعْنِي (٤): ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ أن يَكونَ مَعْنِيًّا به: وَفِّقْنا للثباتِ على ما ارْتَضَيْتَه ووَفَّقْتَ له مَن أنعمْتَ عليه مِن عبادِك، مِن قولٍ وعملٍ، وذلك هو الصراطُ المستقيمُ؛ لأن مَن وُفِّق لما وُفِّق له مَن أنْعَم اللَّهُ عليه مِن النبيِّين والصديقين والشهداءِ [والصالحين] (٥)، فقد وُفِّق للإسلامِ، وتصديقِ الرسلِ، والتمسكِ بالكتابِ، والعملِ بما أمَره (٦) اللَّهُ به، والانْزجارِ عما زجَره عنه، واتباعِ منهاجِ (٧) النبيِّ ﷺ ، ومِنهاجِ أبي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ وعليٍّ، رضِي ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٥٥)﴾ [غافر: ٥٥] اللَّهُ عنهم أجمعين، وكلِّ عبدٍ للَّهِ صالحٍ، وكلُّ ذلك مِن الصراطِ المستقيمِ.

стр. 352

وقد اختَلف تَراجِمةُ القرآنِ في المعنيِّ بالصراطِ المستقيمِ، يَشْمَلُ معانيَ جميعِهم في ذلك ما أخْبَرْنا (١) مِن التأويلِ فيه. ومما قالته في ذلك ما رُوِي عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ، ﵁، عن النبيِّ ﷺ ، أنه قال، وذكَر القرآنَ، فقال: "هو الصرَاطُ المُسْتَقِيمُ". حدَّثنا بذلك موسى بنُ عبدِ الرحمن المسْروقيُّ، قال: حدَّثنا حسينٌ الجُعْفيُّ، عن حمزةَ الزيَّاتِ، عن أبي المُخْتارِ الطائيِّ، عن ابنِ أخي الحارثِ، عن الحارثِ، عن عليٍّ، عن النبيِّ ﷺ (٢). وحُدِّثْتُ عن إسماعيلَ بنِ أبي كَريمةَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سَلَمةَ، عن أبي سِنانٍ، عن عمرِو بنِ مُرَّةَ، عن أبي البَخْتريِّ، عن الحارثِ، عن عليٍّ، عن النبيِّ ﷺ مثلَه (٣).

стр. 353

حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهْوازيُّ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ الزُّبَيريُّ، قال: حدَّثنا حمزةُ الزياتُ، عن أبي المختارِ الطائيِّ، عن ابنِ أخي الحارثِ الأعورِ، عن الحارثِ، عن عليٍّ، قال: الصِّراطُ المستقيمُ كتابُ اللَّهِ تعالى. حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهْوازيُّ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ الزُّبيريُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ، وحدَّثنا محمدُ بنُ حُميدٍ الرازيُّ، قال: حدَّثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن أبي وائلٍ، قال: قال عبدُ اللَّهِ: الصراطُ المستقيمُ كتابُ اللَّهِ (١). حدَّثنا محمودُ بنُ خِدَاشٍ الطالَقانيُّ، قال: حدَّثنا حُميدُ بنُ عبدِ الرحمنِ الرُّؤاسيُّ، قال: حدَّثنا عليٌّ والحسنُ ابنا صالحٍ، جميعًا عن عبدِ اللَّهِ بن محمدِ بنِ عَقِيلٍ، عن جابرٍ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. قال: الإسلامُ. قال: هو أوسعُ مما بينَ السماءِ و (٢) الأرضِ (٣). حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا

стр. 354

بشرُ بنُ عُمارةَ (١)، قال: حدَّثنا أبو رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عباسٍ، قال: قال جبريلُ لمحمدٍ: قلْ يا محمدُ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. يقولُ: ألْهِمْنا الطريقَ الهاديَ، وهو دينُ اللَّهِ الذي لا [عِوَجَ له] (٢). حدَّثنا [سهلُ بنُ موسى] (٣) الرازيُّ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ عوفٍ، عن الفُراتِ بنِ السائبِ، عن ميمونِ بنِ مِهْرانَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. قال: ذلك الإسلامُ (٤). حدَّثنا محمودُ بنُ خِداشٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ ربيعةَ الكِلابيُّ، عن إسماعيلَ الأزرقِ، عن أبي عُمرَ البزَّارِ، عن ابنِ الحَنَفيةِ في قولِه: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. قال: هو دينُ اللَّهِ الذي لا يَقْبَلُ مِن العبادِ غيرَه (٥). حدَّثنا موسى بنُ هارونَ الهَمْدانيُّ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ طلحةَ القَنَّادُ، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ الهَمْدانيِّ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ : ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (٦): هو الإسلامُ (٧).

стр. 355

حدَّثنا القاسمُ بنُ الحسنِ، قال: حدَّثنا الحسينُ بنُ داودَ، قال: حدَّثني حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ في قولِه: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. قال: الطريق (١). حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ كثيرٍ أبو صديفٍ الآمُلِيُّ، قال: حدثنا هاشمُ بنُ القاسمِ، قال: حدثنا [حمزةُ بنُ أبي المغيرةِ] (٢)، عن عاصمٍ، عن أبي العاليةِ في قولِه: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. قال: هو رسولُ اللَّهِ ﷺ وصاحباه مِن بعدِه؛ أبو بكرٍ وعمرُ. قال: فذكَرْتُ ذلك للحسنِ، فقال: صدَق أبو العاليةِ ونصَح (٣). حدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: حدَّثنا ابنُ وهبٍ، قال: قال عبدُ الرحمنِ بنُ زيدِ بنِ أسْلَمَ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. قال: الإسلامُ (٤). حدَّثنا المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو صالحٍ، قال: حدَّثني معاويةُ بنُ صالحٍ، أن عبدَ الرحمنِ بنَ جُبَيْرٍ حدَّثه، عن أبيه، عن نَوَّاسِ بنِ سِمْعانَ الأنصاريِّ، عن رسولِ اللَّهِ ﷺ قال: "ضرَب اللَّهُ مَثَلًا صِراطًا مُسْتَقِيمًا، والصِّرَاطُ الإسلَامُ" (٥).

стр. 356

حدَّثنا المُثَنَّى، قال: حدَّثنا آدمُ العَسْقلانيُّ، قال: حدَّثنا الليثُ، عن معاويةَ بنِ صالحٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ جُبَيْرِ بنِ نُفَيْرٍ، عن أبيه، عن النَّوَّاسِ بنِ سِمْعانَ الأنصاريِّ، عن النبيِّ ﷺ مثلَه (١). قال أبو جعفرٍ: وإنما وصَفه اللَّهُ جل ثناؤُه بالاستقامةِ؛ لأنه صوابٌ لا خطأَ فيه. وقد زعَم بعضُ أهلِ الغَباءِ أنه سمَّاه اللَّهُ مستقيمًا، لاستقامتِه بأهلِه إلى الجنةِ، وذلك تأويلٌ لتأويلِ جميعِ أهلِ التفسيرِ خلافٌ، وكفى بإجماعِ جميعِهم على خلافِه جميعَهم (٢) دليلًا على خطِئه. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾. وقولُه: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾. إبانةٌ عن الصراطِ المستقيمِ، أيُّ الصراطِ هو؟ إذ كان كلُّ طريقٍ مِن طرُقِ الحقِّ [صراطًا مستقيمًا] (٣)، فقيل لمحمدٍ ﷺ : قلْ يا محمدُ: اهْدِنا يا ربَّنا الصراطَ المستقيمَ، صراطَ الذين أنْعَمْتَ

стр. 357

عليهم بطاعتِك عبادتِك، مِن ملائكتِك وأنبيائِك والصِّدِّيقِين والشهداءِ والصالحين. وذلك نظيرُ ما قال ربُّنا جل ثناؤُه في تنزيلِه: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٦٨) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء: ٦٦ - ٦٩]. قال أبو جعفرٍ: فالذي أُمِر محمدٌ ﷺ وأمتُه أن يَسْألوا (١) ربَّهم مِن الهدايةِ للطريقِ المستقيمِ، هي الهدايةُ للطريقِ الذي وصَف اللَّهُ جل ثناؤُه صفتَه، وذلك الطريقُ هو طريقُ الذين (٢) وصَفهم اللَّهُ بما وصَفَهم به في تنْزيلِه، ووعَد مَن سَلَكه فاسْتَقام فيه طائعًا للَّهِ ولرسولِه ﷺ ، أن يُورِدَه (٣) مَواردَهم، واللَّهُ لا يُخْلِفُ المِيعادَ. وبنحوِ ما قلْنا في ذلك رُوِي الخبرُ عن ابنِ عباسٍ وغيرِه. حدَّثنا محمدُ بنُ العَلاءِ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا [بشرُ بنُ عُمارةَ] (٤)، قال: حدَّثنا أبو رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾. يقولُ: طريقَ مَن أنْعَمْتَ عليهم (٥) مِن الملائكةِ والنبيين الصِّدِّيقِين والشهداءِ والصالحين، الذين أطاعوك وعبَدوك (٦).

стр. 358

حدَّثني أحمدُ بنُ حازمٍ الغِفاريُّ، قال: أخْبَرَنا عُبيدُ (١) اللَّهِ بنُ موسى، عن أبي جعفرٍ، عن ربيعٍ: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾. قال: النبيون (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾. قال: المؤمنين (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: قال وَكيعٌ: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾: المسلمين (٤). حدَّثني يونسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال عبدُ الرحمنِ بنُ زيدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾. قال: النبيُّ ﷺ ومَن معه (٥). قال أبو جعفرٍ: وفي هذه الآيةِ دليلٌ واضحٌ على أن طاعةَ اللَّهِ جل ثناؤُه لا يَنالُها المُطيعون إلا بإنعامِ اللَّهِ بها عليهم وتوفيقِه إياهم لها، أوَ لا يَسْمَعونه يقولُ: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾. فأضاف (٦) ما كان منهم مِن اهْتِداءٍ وطاعةٍ وعبادةٍ إلى أنه إنعامٌ منه عليهم. فإن قال قائلٌ: وأين تَمامُ هذا الخبرِ؟ فقد علِمْتَ أن قولَ القائلِ لآخرَ: أنْعَمْتُ عليك. مقتضٍ الخبرَ عما أنْعَم به عليه، فأين ذلك الخبرُ في قولِه: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾؟ وما تلك النعمةُ التي أنْعَمَها عليهم؟ قيل له: قد قدَّمْنا البيانَ فيما مضَى مِن كتابِنا هذا عن اجْتِزاءِ العربِ في

стр. 359

مَنْطِقِها ببعضٍ مِن بعضٍ، إذا كان البعضُ الظاهرُ دالًّا على البعضِ الباطنِ وكافيًا منه، فقولُه (١): ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾. من ذلك؛ لأن أمْرَ اللَّهِ جل ثناؤُه عبادَه مسألتَه المعونةَ، وطلبَهم منه الهدايةَ للصراطِ المستقيمِ، لمَّا كان متقدمًا قولَه: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾. الذي هو إبانةٌ عن الصراطِ المستقيمِ، وإبدالٌ منه - كان معلومًا أن النعمةَ التي أنْعَم اللَّهُ بها على مَن أمَرنا (٢) بمسألتهِ الهدايةَ لطريقِهم، هو المنهاجُ القويمُ (٣)، والصراطُ المستقيمُ، الذي قد قدَّمْنا البيانَ عن تأويلِه آنفًا، فكان ظاهرُ ما ظهَر مِن ذلك - مع قربِ تَجاوُرِ الكلمتَيْن - مُغْنِيًا عن تَكْرارِه، كما قال نابغةُ بني ذُبْيانَ (٤): كأنك مِن جِمالِ بني أُقَيْشٍ … يُقَعْقَعُ (٥) خلفَ رِجْلَيْه بشَنِّ (٦) يريدُ: كأنك مِن جِمالِ بني أُقَيْشٍ، جملٌ يُقَعْقَعُ خلفَ رجليه بشَنٍّ. فاكْتَفَى بما ظهَر مِن ذكرِ الجِمالِ الدالِّ على المحذوفِ مِن إظهارِ ما حذَف. وكما قال الفَرَزْدَقُ بنُ غالبٍ (٧): تَرَى أرْباقَهم (٨) مُتَقَلِّدِيها … إذا صَدِئَ الحديدُ على الكُمَاةِ (٩)

стр. 360

يُرِيدُ: مُتَقَلِّدِيها هم. فحذَف "هم" إذا كان الظاهرُ مِن قولِه: أرباقَهم. دالًّا عليها. والشواهدُ على ذلك مِن شعرِ العربِ وكلامِها أكثرُ مِن أن تُحْصَى، فكذلك ذلك في قولِه: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾. القولُ في تأويل قولِه: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾. قال أبو جعفرٍ: والقَرَأةُ مُجْمِعةٌ على قراءةِ: ﴿غَيْرِ﴾. بجرِّ الراءِ منها. والخفضُ يأتيها مِن وجهين: أحدُهما، أن يكونَ ﴿غَيْرِ﴾ صفةً لـ ﴿الَّذِينَ﴾ ونعتًا لهم فتَخْفِضَها، إذا كان ﴿الَّذِينَ﴾ خفضًا، وهي لهم نعتٌ وصفةٌ. وإنما جاز أن يكونَ ﴿غَيْرِ﴾ نعتًا لـ ﴿الَّذِينَ﴾، و ﴿الَّذِينَ﴾ معرفةٌ، و ﴿غَيْرِ﴾ نكرةٌ؛ لأن ﴿الَّذِينَ﴾ بصلتِها ليست بالمعرفةِ المؤقتةِ، كالأسماءِ التي هي أماراتٌ بينَ الناسٍ، مثلَ زيدٍ وعمرٍو، وما أشْبَهَ ذلك، وإنما هي كالنكراتِ المجهولاتِ (١)، مثلَ الرجلِ والبعيرِ، وما أشْبَهَ ذلك. فلما كان ﴿الَّذِينَ﴾ كذلك صفتُها، وكانت ﴿غَيْرِ﴾ مضافةً إلى مجهولٍ مِن الأسماءِ نظيرَ ﴿الَّذِينَ﴾ في أنه معرفةٌ غيرُ مؤقتةٍ، كما ﴿الَّذِينَ﴾ معرفةٌ غيرُ مؤقتةٍ، جاز مِن أجلِ ذلك أن يكونَ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ نعتًا لـ ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [كما يقالُ: لا أَجْلِسُ إلا إلى العالمِ غير الجاهلِ. يُرادُ: لا أجْلِسُ إلا إلى مَن يَعْلَمُ، لا إلى مَن يَجْهَلُ. ولو كان ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ معرفةً مؤقتةً، كان غيرَ] (٢)

стр. 361

[جائزٍ أن يكونَ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ لها نعتًا، وذلك أنه خطأٌ في كلامِ العربِ إذا وُصِفَت معرفةٌ مؤقتةٌ بنكرةٍ - أن تُلْزِمَ نعتَها النكرةَ إعرابَ المعرفةِ المنعوتِ بها، إلا على نيةِ تكريرِ ما أعربَ المنعوتَ بها. خطأٌ في كلامِهم أن يقالَ: مررْتُ بعبدِ اللَّهِ [غيرِ العالمِ. فتَخْفِضَ "غير" إلا على نيةِ تكريرِ الباءِ التي أعرَبَتْ عبدَ اللَّهِ. فكأنَّ معنى ذلك لو قيل كذلك: مرَرْتُ بعبدِ اللَّهِ] (١)، مررتُ بغيرِ العالمِ. فهذا أحدُ وجْهَيِ الخفضِ في ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾] (٢). والوجهُ الآخرُ مِن وجهَيِ الخفضِ فيها، أن يكونَ ﴿الَّذِينَ﴾ بمعنى المعرفةِ المؤقتةِ، وإذا وُجِّه إلى ذلك، كانت ﴿غَيْرِ﴾ مخفوضةً بنيةِ تكريرِ الصراطِ الذي خُفِض ﴿الَّذِينَ﴾، عليها، فكأنك قلتَ: صراطَ الذين أنعَمْت عليهم، صراطَ غيرِ المغضوبِ عليهم. وهذان التأويلان في ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ وإن اخْتَلَفا باختلافِ مُعْرِبِيهما، فإنهما يَتَقارَبُ معناهما، مِن أجلِ أن مَن أنْعَم اللَّهُ عليه فهداه لدينِه الحقِّ فقد سلِم مِن غضبِ ربِّه، ونجا مِن الضَّلالِ في دينِه. فسواءٌ - إذ كان سامعُ قولِه: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ غيرَ جائزٍ أن يَرتابَ مع سماعِه ذلك مِن تاليه في أن الذين أنْعَم اللَّهُ عليهم بالهدايةِ للصراطِ غيرُ غاضبٍ ربُّهم عليهم، مع النعمةِ التي قد عظُمَت مِنَّتُه بها عليهم في دينِهم، ولا أن يكونوا ضُلَّالًا وقد هداهم الحقَّ (٣) ربُّهم، إذ كان مستحيلًا في فِطَرِهم اجتماعُ الرِّضَا مِن اللَّهِ جل ثناؤُه عن شخصٍ والغضبِ

стр. 362

عليه في حالٍ واحدةٍ، واجتماعُ الهُدَى والضَّلالِ له في وقتٍ واحدٍ - وُصِف القومُ - مع وَصْفِ اللَّهِ إياهم بما وصَفَهم به مِن توفيقِه إياهم وهدايتِه لهم، وإنعامِه عليهم بما أنْعَم اللَّهُ به عليهم في دينِهم بأنهم غيرُ مغضوبٍ عليهم ولا هم ضالُّون - أم لم يُوصَفوا بذلك؛ لأن الصفةَ الظاهرةَ التي وُصِفوا بها قد أنْبَأَت عنهم أنهم كذلك، وإن لم يُصَرِّحْ وصفَهم به. هذا إذا وجَّهْنا ﴿غَيْرِ﴾ إلى أنها مخفوضةٌ على نيةِ تكريرِ الصراطِ الخافضِ ﴿الَّذِينَ﴾، ولم نَجْعَلْ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ مِن صفةِ ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ بل إذا جعَلْناهم غيرَهم، وإن كان الفريقان لا شكَّ مُنْعَمًا عليهما في أدْيانِهما. فأما إذا وجَّهْنا ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ إلى أنها مِن نعتِ ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ فلا حاجةَ بسامعِه إلى (١) الاستدلالِ، إذ كان الصريحُ مِن معناه قد أغْنَى عن الدليلِ. وقد يَجوزُ نصبُ: ﴿غَيْرِ﴾ (٢) في: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ وإن كنتُ للقراءةِ بها كارهًا لشُذوذِها عن قراءةِ القُرَّاءِ، وأن ما شذَّ مِن القراءات عما جاءت به الأمةُ نقلًا ظاهرًا مُسْتَفيضًا، فرأيٌ للحقِّ مخالفٌ، وعن سبيلِ اللَّهِ وسبيلِ رسولِه ﷺ وسبيلِ المسلمين مُتجانِفٌ، وإن كان له - [لو كان جائزَ القراءةِ] (٣) به - في الصوابِ مَخْرَجٌ. وتأويلُ وجهِ صوابِه إذا نصَبْتَ أن يُوَجَّهَ إلى أن يَكونَ صفةً للهاءِ والميمِ اللتين في

стр. 363

﴿عَلَيْهِمْ﴾ العائدةِ على ﴿الَّذِينَ﴾ لأنها وإن كانت مخفوضةً بـ "على"، فهي في محلِّ نصبٍ بقولِه: ﴿أَنْعَمْتَ﴾. فكان (١) تأويلُ الكلامِ - إذا نصَبْتَ (غَيْرَ) التي مع ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ - صراطَ الذين هدَيْتَهم إنعامًا منك عليهم، غيرَ مغضوبٍ عليهم - أي: لا مَغضوبًا عليهم - ولا ضالين. فيكونُ النصبُ في ذلك حينَئذٍ كالنصبِ في "غيرِ"، في قولِك: مرَرْتُ بعبدِ اللَّهِ غيرَ الكريمِ ولا الرشيدِ. فتَقْطَعُ غيرَ الكريمِ مِن عبدِ اللَّهِ، إذ كان عبدُ اللَّهِ معرفةً مؤقتةً، وغيرُ الكريمِ نكرةً مجهولةً. وقد كان بعضُ نحويِّي البصريين يَزْعُمُ أن قراءةَ مَن نصَب (غَيْرَ) في ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ على وجه استثناءِ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ مِن معاني صفةِ ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ كأنه كان يرَى أن معنى الذين قرَءوا ذلك نصبًا: اهدنا الصراطَ المستقيمَ، صراطَ الذين أنعمتَ عليهم، إلا المغضوبَ عليهم، الذين لم تُنْعِمْ عليهم في أديانِهم ولم تَهْدِهم للحقِّ، فلا تَجْعَلْنا منهم. كما قال نابغةُ بني ذبيانَ (٢): وقَفْتُ فيها أُصَيْلَالًا (٣) أُسائِلُها … عَيَّت (٤) جوابًا وما بالرَّبْعِ (٥) مِن أحدِ

стр. 364

إلَّا أَوارِيَّ (١) لَأْيًا (٢) ما أُبَيِّنُها … والنُّؤْيُ (٣) كالحوضِ بالمظلومةِ (٤) الجَلَدِ (٥) والأوارِيُّ معلومٌ أنها ليست من عِدَادِ أحدٍ في شيءٍ. فكذلك عندَه اسْتَثْنَى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ مِن ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ وإن لم يكونوا مِن معانيهم في الدينِ في شيءٍ. وأما نحويُّو الكوفيين فأنْكَروا هذا التأويلَ واستَخْطَئوه (٦)، وزعَموا أن ذلك أو كان كما قاله الزاعمُ [ما زعَم] (٧) مِن أهلِ البصرةِ، لكان خطأً أن يقالَ: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ لأن "لا" نفيٌ وجَحْدٌ، ولا يُعْطَفُ بجحدٍ إلا على جحدٍ. وقالوا: لم نَجِدْ في شيءٍ مِن كلامِ العربِ استثناءً يُعْطَفُ عليه بجحدٍ، وإنما وجَدْناهم يَعْطِفون على الاستثناءِ بالاستثناءِ، وبالجحدِ على الجحدِ، فيقولون في الاستثناءِ: قام القومُ إلا أخاك وإلا أباك. وفي الجحدِ: ما قام أخوك ولا أبوك. وأما: قام القومُ إلا أباك ولا أخاك. فلم نَجِدْه في كلامِ العربِ. قالوا: فلما كان ذلك معدومًا في كلامِ العربِ، وكان القرآنُ بأفصحِ لسانِ العربِ نزولُه، علِمْنا - إذ كان قولُه: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ معطوفًا على قولِه: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ - أن: ﴿غَيْرِ﴾ بمعنى الجحدِ لا بمعنى إلاستثناءِ، وأن تأويلَ مَن وجَّهَها إلى الاستثناءِ خطأٌ.

стр. 365

فهذه أوجهُ تأويلِ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ باختلافِ أوجهِ إعرابِ ذلك. وإنما اعْتَرَضْنا بما اعتَرَضْنا في ذلك مِن بيانِ وُجوهِ إعرابِه - وإن كان (١) قصدُنا في هذا الكتابِ الكشفَ عن تأويلِ آيِ القرآنِ - لما في اختلافِ وجوهِ إعرابِ ذلك مِن اختلافِ وجوهِ تأويلِه، فاضْطَرَّتْنا الحاجةُ إلى كشفِ وجوهِ إعرابِه، لتَنْكَشِفَ لطالبِ تأويلِه وجوهُ تأويلِه على قدرِ اختلافِ المُخْتَلِفةِ في تأويلِه وقراءتِه. والصوابُ مِن القولِ في تأويلِه وقراءتِه عندَنا القولُ الأولُ، وهو قراءةُ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ بخفضِ الراءِ مِن ﴿غَيْرِ﴾ بتأويلِ أنها صفةُ ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ونعتٌ لهم - لما قد قدَّمْنا مِن البيانِ - إن شئتَ، وإن شئتَ فبتأويلِ تكريرِ ﴿صِرَاطَ﴾، كلُّ ذلك صوابٌ حسنٌ. فإن قال لنا قائلٌ: فمَن هؤلاء المغضوبُ عليهم الذين أمَرَنا اللَّهُ جل ثناؤه بمسألتِه ألا يَجْعَلَنا منهم؟ قيل: هم الذين وصَفَهم اللَّهُ جل ثناؤُه في تنزيلِه، فقال: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٦٠]. فأَعْلَمَنا جل ذكرُه بمنِّه (٢) ما أحَلَّ بهم مِن عقوبتِه بمعصيتِهم إياه، ثم علَّمَنا، مِنَّةً (٣) منه علينا، وجهَ السبيلِ إلى النجاةِ مِن أن يَحِلَّ بنا مثلُ الذي حلَّ بهم مِن المَثُلاتِ (٤)، ورأفةً منه بنا. فإن قال: وما الدليلُ على أنهم أولاءِ الذين وصَفَهم اللَّهُ، وذكَر نبأَهم في تنزيلِه

стр. 366

على ما وصَفْتَ؟ قيل: حدَّثني أحمدُ بنُ الوليدِ الرَّمْليُّ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ جعفرٍ الرَّقِّيُّ (١)، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عُيَيْنةَ، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، عن الشعبيِّ، عن عديِّ بنِ حاتمٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "المغْضُوبُ عليهم اليَهُودُ" (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن سِماكٍ، قال: سمِعْتُ عَبَّادَ بنَ حُبَيْشٍ يُحَدِّثُ عن عَدِيِّ بنِ حاتمٍ، قال: قال لي رسولُ اللَّهِ ﷺ : "إنَّ المغْضُوبَ عليهم اليَهُودُ" (٣). حدَّثني عليُّ بنُ الحسنِ، قال: حدَّثنا مسلمُ بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مصعبٍ، عن حمادِ بنِ سلمةَ، عن سماكِ بنِ حربٍ، عن مُرِّيِّ بنِ قَطَريٍّ، عن عديِّ بنِ حاتمٍ، قال: سألْتُ النبيَّ ﷺ عن قولِ اللَّهِ - جلَّ وعزَّ -: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ قال: "هم اليَهُودُ" (٤).

стр. 367

حدَّثنا حُميدُ بنُ مَسْعَدةَ الساميُّ (١)، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: حدَّثنا الجُرَيْريُّ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ شَقيقٍ (٢)، أن رجلًا أتَى رسولَ اللَّهِ ﷺ وهو مُحاصِرٌ (٣) واديَ القُرَى، فقال: مَن هؤلاءِ الذين تُحاصِرُ يا رسولَ اللَّهِ؟ قال: "هؤلاء المَغْضُوبُ عليهم اليَهُودُ" (٤). حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن سعيدٍ الجُرَيْريِّ، عن عروةَ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ شَقيقٍ، أن رجلًا أتَى رسولَ اللَّهِ ﷺ . فذكَر نحوَه (٥). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أنْبَأَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن بُدَيْلٍ العُقَيْليِّ، قال: أخْبَرَني عبدُ اللَّهِ بنُ شَقيقٍ، أنه أخْبَرَه مَن سَمِع النبيَّ ﷺ وهو بوادي القُرَى، وهو على فرسِه وسأَله رجلٌ مِن بني القَيْنِ، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، مَن هؤلاءِ؟ قال: "المَغْضُوبُ عليهم". وأشار إلى اليهودِ (٦).

стр. 368

حدَّثنا القاسمُ بنُ الحسنِ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنا خالدٌ الواسطيُّ، عن خالدٍ الحَذَّاءِ، عن عبدِ اللَّهِ بن شَقِيقٍ، أن رجلًا سأَل النبيَّ ﷺ . فذكَر نحوَه (١). حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، قال: حدَّثنا أبو رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾. يعني اليهودَ الذين غضِب اللَّهُ عليهم (٢). حدَّثني موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ الهَمْدانيِّ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ : ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾: هم اليهودُ (٣).

стр. 369

حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ الرازيُّ، قال: حدَّثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن مُجاهِدٍ، قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾. قال: هم اليهودُ (١). حدَّثنا أحمدُ بنُ حازمٍ الغِفاريُّ، قال: حدَّثنا عُبيدُ (٢) اللَّهِ، عن أبي جعفرٍ، عن ربيعٍ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾. قال: اليهودُ (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾. قال: اليهودُ (٤). حدَّثني يونسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾: اليهودُ. حدَّثني يونسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: حدَّثني ابنُ زيدٍ، عن أبيه، قال: المغضوبُ عليهم اليهودُ (٥). قال أبو جعفرٍ: واختُلِف في صفةِ الغضبِ مِن اللَّهِ جل ذكرُه؛ فقال بعضُهم: غضبُ اللَّهِ على مَن غضِب عليه مِن خلقِه إحلالُ عقوبتِه بمَن غضِب عليه، إما في دنياه وإما في آخرتِه، كما وصَف به نفسَه جل ذكرُه في كتابِه فقال: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الزخرف: ٥٥]. وكما قال: ﴿قُلْ

стр. 370

هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾ [المائدة: ٦٠]. وقال بعضُهم: غضَبُ اللَّهِ على مَن غضِب عليه مِن عبادِه ذمٌّ منه لهم ولأفعالِهم، وشَتْمٌ منه لهم بالقولِ. وقال بعضُهم: الغضبُ منه معنى مفهومٌ، كالذي يُعْرَفُ مِن معاني الغضبِ، غيرَ أنه - وإن كان كذلك مِن جهةِ الإثباتِ - فمخالفٌ معناه منه معنى ما يكونُ مِن غضبِ الآدميِّين الذي (١) يُزْعِجُهم ويُحَرِّكُهم ويَشُقُّ عليهم ويُؤْذِيهم؛ لأن اللَّهَ جلَّ ثناؤُه لا تَحِلُّ ذاتَه الآفاتُ، ولكنه له صفةٌ، كما العلمُ له صفةٌ، والقدرةُ له صفةٌ، على ما يُعْقَلُ مِن جهةِ الإثباتِ، وإن خالفت معاني ذلك معانيَ علومِ العبادِ التي هي معارفُ القلوبِ، وقُواهم التي تُوجَدُ مع وجودِ الأفعالِ وتُعْدَمُ مع عَدَمِها (٢). القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾. قال أبو جعفرٍ: كان بعضُ أهلِ البصرةِ (٣) يَزْعُمُ أن ﴿لَا﴾ مع ﴿الضَّالِّينَ﴾ أُدْخِلَت تَتْميمًا للكلامِ، والمعنى إلغاؤُها (٤)، ويَسْتَشْهِدُ على قِيله [في ذلك ببيتِ] (٥) العَجَّاجِ (٦): في بِئْرٍ لَا حُورٍ سَرَى وما شَعَرْ

стр. 371

ويَتَأوَّلُه بمعنى: في بئرٍ حورٍ سَرى. أي: في بئرٍ هَلَكةٍ. وأن "لا" بمعنى الإلغاءِ والصلةِ (١)، ويَعْتَلُّ أيضًا لذلك بقولِ أبي النَّجْمِ (٢): فما أَلومُ البِيضَ ألا تَسْخَرا لمَّا رأَيْن الشَّمَطَ القَفَنْدَرَا (٣) وهو يُريدُ: فما ألومُ البيضَ أن تَسْخَرَ. وبقولِ الأحْوصِ (٤): ويَلْحَيْنَنِي (٥) في اللهْوِ ألا أُحِبَّه … وللهوِ داعٍ دائبٌ غيرُ غافِلِ يريدُ: ويَلْحَيْنَني في اللهوِ أن أُحِبَّه. وبقولِه تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢]. يُريدُ: أن تَسْجُدَ. وحُكِي عن قائلِ هذه المقالةِ أنه كان يتَأَوَّلُ: ﴿غَيْرِ﴾ التي مع ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ أنها بمعنى "سِوى". فكأن معنى الكلامِ كان عندَه: اهدنا الصراطَ المستقيمَ، صراطَ الذين أنعمتَ عليهم، الذين هم سوى المغضوبِ عليهم و (٦) الضالين. وكان بعضُ نحويِّي الكوفيِّين (٧) يَسْتَنْكِرُ ذلك مِن قولِه، ويَزْعُمُ أن ﴿غَيْرِ﴾ التي مع ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ لو كانت بمعنى "سِوَى"، لَكان خطأً أن يُعْطَفَ عليها بـ "لا"، إذ كانت "لا" لا يُعْطَفُ بها إلا على جَحْدٍ قد تقَدَّمَها، كما كان خطأً قولُ القائلِ: عندي "سِوى" أخيك ولا أبيك. لأن "سوى" ليست مِن

стр. 372

حروفِ النفيِ والجحودِ. ويقولُ: لمَّا كان ذلك خطأً في كلامِ العربِ، وكان القرآنُ بأفصحِ (١) اللغاتِ مِن لغاتِ العربِ، كان معلومًا أن الذي زعَمه القائلُ أن ﴿غَيْرِ﴾ مع ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ بمعنى: سوى المغضوبِ عليهم - خطأٌ، إذ كان قد كرَّ عليه الكلامَ بـ "لا"، وكان يَزْعُمُ أن ﴿غَيْرِ﴾ هنالك إنما هي بمعنى الجحدِ، و (٢) كان صحيحًا في كلامِ العربِ وفاشيًا ظاهرًا في مَنْطِقِها تَوجيهُ "غيرِ" إلى معنى النفيِ، ومُسْتَعْمَلًا فيهم: أخوك غيرُ مُحْسِنٍ ولا مُجْمِلٍ. يُرادُ بذلك: أخوك لا مُحْسِنٌ ولا مُجْمِلٌ. ويَسْتَنْكِرُ أن تَأْتيَ "لا" بمعنى الحذفِ في الكلامِ مبتدأً ولمَّا يَتَقَدَّمْها جحدٌ. ويقولُ: لو جاز مجيئُها بمعنى الحذفِ مبتدأً قبلَ دلالةٍ تَدُلُّ على ذلك مِن جحدٍ سابقٍ، لصحَّ قولُ قائلٍ قال: أرَدْتُ ألا أُكْرِمَ أخاك. بمعنى: أردْتُ أن أكرمَ أخاك. وكان يقولُ: ففي شهادةِ أهلِ المعرفةِ بلسانِ العربِ على تخطئةِ قائلِ ذلك دَلالةٌ واضحةٌ على أنَّ "لا" لا تَأْتي مُبْتدأةً بمعنى الحذفِ ولمَّا يَتَقَدَّمْها جحْدٌ. وكان يَتَأوَّلُ في "لا" التي في بيتِ العجَّاجِ الذي (٣) ذكَرْنا أن البصْريَّ اسْتَشْهَد به لقولِه (٤) - أنها جحْدٌ صحيحٌ، وأن معنى البيتِ: سَرَى في بئرٍ لا تُحِيرُ عليه خيرًا، ولا يَتَبَيَّنُ له فيها أثرُ عملٍ، وهو لا يَشْعُرُ بذلك ولا يَدْرِي (٥) به. مِن قولِهم: طحَنَتِ الطاحنةُ فما أحارَت شيئًا. أي: لم يتبيَّنْ لها أثرُ عملٍ. ويقولُ في سائرِ الأبياتِ الأُخَرِ، أعْني مثلَ بيتِ أبي النَّجْمِ: فما ألُومُ البِيضَ ألا تَسْخَرَا

стр. 373

إنما جاز أن تَكونَ "لا" بمعنى الحذفِ؛ لأن الجحدَ قد تقَدَّمَها في أولِ الكلامِ، فكان الكلامُ الآخرُ مُواصِلًا للأولِ، كما قال الشاعرُ (١): ما كان يَرْضَى رسولُ اللَّهِ فعلَهمُ … والطَّيِّبان أبو بكرٍ ولا عمرُ فجاز ذلك؛ إذ كان قد تقدَّم الجحدُ في أولِ الكلامِ. قال أبو جعفرٍ: وهذا القولُ الآخرُ أولى بالصوابِ مِن الأولِ، إذ كان غيرَ موجودٍ في كلامِ العربِ ابتداءُ الكلامِ مِن غيرِ جحدٍ تقدَّمه بـ "لا" التي معناها الحذفُ، ولا جائزٍ العطفُ بها على "سوى"، ولا على حرفِ الاستثناءِ. وإنما لـ "غير" في كلامِ العربِ معانٍ ثلاثةٌ؛ أحدُها الاستثناءُ، والآخرُ الجحدُ، والثالثُ سوى، فإذا [ثبَت خطأُ أن "لا" تكونُ] (٢) بمعْنى الإلغاءِ مبتدأً، وفسَد أن يكونَ عطفًا على ﴿غَيْرِ﴾ التي مع ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾، لو كانت بمعنى "إلا" التي هي استثناءٌ، ولم يَجُزْ أن يكونَ أيضًا عطفًا عليها لو كانت بمعنى "سوى"، وكانت "لا" موجودةً عطفًا بالواوِ التي هي عاطفةٌ لها على ما قبلَها - صحّ وثبَت ألا وجهَ لـ ﴿غَيْرِ﴾ التي مع ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ يَجوزُ توجيهُها إليه على صحةٍ، إلا بمعنى الجحدِ والنفيِ، وألا وجهَ لقولِه: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ إلا العطفُ على ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾. فتأويلُ الكلامِ إذن - إذ كان صحيحًا ما قلْنا بالذي عليه اسْتَشْهَدْنا: اهدنا الصراطَ المستقيمَ، صراطَ الذين أنعمْت عليهم، لا (٣) المغضوبِ عليهم ولا

стр. 374

الضالين. فإن قال لنا قائلٌ: ومَن هؤلاء الضالُّون الذين أمَرَنا اللَّهُ بالاستعاذةِ باللَّهِ أن يَسْلُكَ بنا سبيلَهم و (١) نَضِلَّ ضلالتَهم؟ قيل: هم الذين وصَفَهم اللَّهُ في تنزيلِه، فقال: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧]. فإن قال: وما برهانُك على أنهم أُولاءِ؟ قيل: حدَّثنا أحمدُ بنُ الوليدِ الرَّمْليُّ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ جعفرٍ، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عُيَيْنةَ، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، عن الشعبيِّ، عن عَدِيِّ بنِ حاتمٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: "النَّصَارَى" (٢). حدَّثنا محمدُ (٣) بنُ المُثَنَّى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن سِماكٍ، قال: سمِعْتُ عَبَّادَ بنَ حُبَيْشٍ يُحَدِّثُ عن عَدِيِّ بنِ حاتمٍ، قال: قال لي رسولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ الضَّالِّينَ النَّصَارَى" (٢). حدَّثنا عليُّ بن الحسنِ، قال: حدَّثنا مسلمُ بن (٤) عبدِ الرحمنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مصعبٍ، عن حمادِ بنِ سَلَمةَ، عن سِماكِ بنِ حربٍ، عن مُرِّيِّ بنِ قَطَريٍّ، عن عديِّ بنِ حاتمٍ، قال: سأَلْتُ النبيَّ ﷺ عن قولِ اللَّهِ: ﴿وَلَا

стр. 375

الضَّالِّينَ﴾ قال: "النَّصَارَى هم الضَّالُّونَ" (١). حدَّثنا حُميدُ بنُ مَسْعَدةَ الساميُّ (٢)، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: حدَّثنا الجُرَيْريُّ (٣)، عن عبدِ اللَّهِ بنِ شَقيقٍ (٤)، أن رجلًا أَتَى رسولَ اللَّهِ ﷺ وهو مُحَاصِرٌ واديَ القُرَى، قال: قلتُ: مَن هؤلاء؟ قال: "هؤلاء الضَّالُّونَ النَّصَارَى" (٥). حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن سعيدٍ الجُرَيْريِّ (٣)، عن عروةَ - يعني ابنَ عبدِ اللَّهِ (٦) - عن عبدِ اللَّهِ بنِ شَقيقٍ، عن رسولِ اللَّهِ ﷺ بنحوِه (٥). حدَّثنا الحسن بنُ يحيى، قال: حدَّثنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن بُدَيْلٍ العُقَيْليِّ، قال: أخْبَرَني عبدُ اللَّهِ بنُ شَقيقٍ، أنه أخْبَرَه مَن سمِع النبيَّ ﷺ وهو بوادي القُرَى، وهو على فرسِه، وسأله رجلٌ مِن بني القَيْنِ، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، مَن هؤلاء؟ قال: "هؤلاء الضَّالُّونَ". يَعْنِي النَّصَارَى (٥). حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنا خالدٌ الواسطيُّ، عن خالدٍ الحَذَّاءِ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ شَقيقٍ، أنَّ رجلًا سأل النبيَّ ﷺ وهو مُحاصِرٌ واديَ القُرَى، وهو على فرسٍ: مَن هؤلاء؟ قال: "الضَّالُّونَ". يَعْنِي النَّصَارَى (٧). حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: حدَّثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن مُجاهدٍ: ﴿وَلَا

стр. 376

الضَّالِّينَ﴾ قال: النصارى (١). حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، قال: حدَّثنا أبو رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: وغيرِ طريقِ النصارى الذين أضلَّهم اللَّهُ بفِرْيتِهم عليه. قال: يقولُ: فألْهِمْنا دينَك الحقَّ، وهو لا إلهَ إلا اللَّهُ وحدَه لا شريكَ له، حتى لا تَغْضَبَ علينا كما غضِبْتَ على اليهودِ، ولا تُضِلَّنا كما أضْلَلْتَ النصارى، فتُعَذِّبَنا بما تُعَذِّبُهم به. يقولُ: امنَعْنا مِن ذلك برِفْقِك (٢) ورحمتِك وقدرتِك (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ (٤)، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: ﴿الضَّالِّينَ﴾: النصارى (١). حدَّثني موسى بنُ هارونَ الهَمْدانيُّ، قال: حدَّثَنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسْباطُ بنُ نصرٍ، عن إسماعيلَ السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ الهَمْدانيِّ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾: هم النصارى (٣). حدَّثنا أحمدُ بنُ حازمٍ الغِفاريُّ، قال: أخْبَرَنا عُبيدُ (٥) اللَّهِ بنُ موسى، عن أبي جعفرٍ، عن ربيعٍ: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾: النصارى (١). حدَّثني يونُسُ بنُ عبدِ الأعْلَى، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال

стр. 377

عبدُ الرحمنِ بنُ زيدٍ: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾: النصارَى (١). حدَّثني يونُسُ قال: أَخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ زيدٍ، عن أبيه، قال: ﴿الضَّالِّينَ﴾: النصارَى (١). قال أبو جعفرٍ: [فكلُّ جائرٍ] (٢) عن قَصْدِ السبيلِ وسالكٍ غيرَ المنهجِ القويمِ، فضالٌّ عندَ العربِ؛ لإضْلالِه وجهَ الطريقِ، فلذلك سمَّى اللَّهُ جلَّ ذكرُه النصارى ضُلَّالًا، لخطئِهم في الحقِّ مَنْهجَ السبيلِ، وأخْذِهم مِن الدِّينِ في غيرِ الطريقِ المستقيمِ. فإن قال قائلٌ: أوَ ليس ذلك أيضًا مِن صفةِ اليهودِ؟ قيل: بلى. فإن قال: فكيف خَصَّ النصارى بهذه الصفةِ، وخصَّ اليهودَ بما وصَفَهم به مِن أنهم مغضوبٌ عليهم؟ قيل: إن (٣) كِلَا الفريقين ضُلَّالٌ مغضوبٌ عليهم، غيرَ أن اللَّهَ جل ثناؤُه وَسَم كلَّ فريقٍ منهم مِن صِفَتِه لعبادِه بما يَعْرِفونه به إذا ذكَره لهم أو أخْبَرَهم عنه، ولم يُسَمِّ واحدًا مِن الفريقَيْن إلا بما هو له صفةٌ على حقيقتِه، وإن كان له من صفاتِ الذمِّ زياداتٌ عليه. [وقد ظنَّ] (٤) بعضُ أهلِ الغَباءِ مِن القدريَّةِ أن في وصفِ اللَّهِ جلَّ ثناؤُه النصارَى بالضَّلالِ بقولِه: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ وإضافتِه الضَّلالَ إليهم دون إضافةِ إضلالِهم

стр. 378

إلى نفسِه، وتركِه وصفَهم بأنهم المُضَلَّلون (١)، كالذي وصَف به اليهودَ أنهم (٢) المغضوبُ عليهم - دلالةً على صحةِ ما قاله إخوانُه مِن جَهَلةِ القَدَريةِ، جهلًا منه بسَعَةِ كلامِ العربِ وتصاريفِ وجُوهِه، ولو كان الأمرُ على ما ظَنَّه الغبيُّ الذي وصَفْنا شأنَه لَوجَب أن يكونَ شأنُ (٣) كلِّ موصوفٍ بصفةٍ أو مضافٍ إليه فعلٌ، لا يجوزُ أن يكونَ فيه سببٌ لغيرِه، وأن يكونَ كلُّ ما كان [فيه مِن ذلك لغيرهِ] (٤) سببٌ، فالحقُّ فيه أن يكونَ مُضافًا إلى مُسَبِّبِه، ولو وَجَب ذلك لوجَب أن يكونَ خطأً قولُ القائلِ: تحَرَّكَتِ الشجرةُ. إذا حرَّكَتها الرياحُ. واضْطَرَبَتِ الأرضُ. إذا حرَّكَتْها الزَّلْزَلةُ، وما أشبهَ ذلك مِن الكلامِ الذي يَطولُ بإحصائِه الكتابُ. وفي قولِ اللَّهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ [يونس: ٢٢]. [وإضافتِه] (٥) الجَرْيَ إلى الفُلْكِ، وإن كان جَرْيُها بإجراءِ غيرِها إياها - ما يَدُلُّ على خطإِ التأويلِ الذي تأوَّله مَن وصَفْنا قولَه في قولِه: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ وادعائِه أن في نسبةِ اللَّهِ جلَّ ثناؤُه الضَّلالةَ إلى مَن نسَبها إليه مِن النصارى، تَصْحيحًا لما ادَّعى المُنْكِرون أن (٦) للَّهِ في أفعالِ خلقِه سببًا مِن أجلِه (٧) وُجِدَت أفعالُهم، مع إبانةِ اللَّهِ جل ثناؤُه نصًّا في آىٍ كثيرةٍ مِن تنزيله أنه المُضِلُّ الهادي؛ فمن ذلك قولُه - جلَّ وعزَّ -: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى

стр. 379

بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: ٢٣]. فأنْبَأ جل ثناؤُه أنه المُضِلُّ الهادي دونَ غيرِه. ولكنَّ القرآنَ نزَل بلسانِ العربِ على ما قد قدَّمْنا البيانَ عنه في أولِ الكتابِ، ومِن شأنِ العربِ إضافةُ الفعلِ إلى مَن وُجِد منه وإن كان مسبِّبُه غيرَ الذي وُجِد منه، أحيانًا، وأحيانًا إلى مُسَبِّبِه وإن كان الذي وُجِد منه الفعلُ غيرَه، فكيف بالفعلِ الذي يَكْتَسِبُه العبدُ كَسْبًا، ويُوجِدُه اللَّهُ جل ثناؤُه عَيْنًا [ونشأةً] (١)! بل ذلك أحْرَى أن يُضافَ إلى مُكْتَسبِه كَسْبًا له بالقوةِ منه عليه والاختيارِ منه له، وإلى اللَّهِ جل ثناؤُه بإيجادِ عينِه (٢) وإنشائِها تدبيرًا. مسألةٌ يَسْألُ عنها أهلُ الإلحادِ الطاعِنون في القرآنِ إن سأَلَنا منهم سائلٌ، فقال: إنك قد قدَّمْتَ (٣) في أولِ كتابِك هذا في وصْفِ البيانِ، بأن أعلاه درجةً، وأشرفَه مَرْتَبةً، أبلغُه في الإبانةِ عن حاجةِ المُبَيِّنِ به عن نفسِه، وأبينُه عن مُرادِ قائلِه، وأقربُه مِن فَهمِ سامعِه، وقلتَ مع ذلك: إن أولى البيانِ بأن يكونَ كذلك كلامُ اللَّهِ جلَّ ثناؤُه لفَضْلِه (٤) على سائرِ الكلامِ (٥)، بارتفاعِ درجتِه على أعلى درجاتِ البيانِ، فما الوجهُ - إذ كان الأمرُ على ما وصَفْتَ - في إطالةِ الكلامِ بمثلِ سُورةِ أمِّ القرآنِ بسبعِ آياتٍ، وقد حوَت معانيَ جميعِها منها آيتان،

стр. 380

وذلك قولُه: (مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ). إذ كان لا شكَّ أن مَن عرَف مَلِكَ يومِ الدينِ، فقد عرَفه بأسمائِه الحُسْنَى، وصفاتِه المُثْلَي، وأن مَن كان للَّهِ مُطيعًا، فلا شكَّ أنه لسبيلِ مَن أنْعَم اللَّهُ عليه في دينِه مُتَّبِعٌ، وعن سبيلِ مَن غضِب عليه وضلَّ مُنعَدِلٌ، فما في زيادةِ الآياتِ الخمسِ الباقيةِ مِن الحكمةِ التي لم تَحْوِها الآيتان اللتان ذكَرْنا؟ قيل له: إن اللَّهَ تعالى ذكرُه جمَع لنبيِّنا محمدٍ ﷺ ولأمتِه بما أنْزَل إليه مِن كتابِه معانيَ لم يَجْمَعْهن بكتابٍ (١) أنْزَلَه إلى نبيٍّ قبلَه، ولا لأُمةٍ مِن الأممِ قبلَهم، وذلك أن كلَّ كتابٍ أنْزَله جلَّ ذكرُه، على نبيٍّ مِن أنبيائِه قبلَه، فإنما أنْزَله ببعضِ المعاني التي يَحْوِي جميعَها كتابُه الذي أنْزَله إلى نبيِّنا محمدٍ ﷺ ، كالتوراةِ التي هي مَواعِظُ وتَفصيلٌ، والزَّبُورِ الذي هو تَحْميدٌ وتَمْجيدٌ، والإنجيلِ الذي هو مَواعِظُ وتَذْكيرٌ، لا مُعجزةَ في واحدٍ منها تَشْهَدُ لمَن أُنْزِل إليه بالتصديقِ، والكتابُ الذي أُنْزِل على نبيِّنا محمدٍ ﷺ يَحْوِي معانيَ ذلك كلِّه، ويَزِيدُ عليه كثيرًا مِن المعاني التي سائرُ الكتبِ غيرِه منها خالٍ، وقد قدَّمْنا ذكرَها فيما مضَى مِن هذا الكتابِ (٢). ومِن أشرفِ تلك المعاني التي فضَل بها كتابُنا سائرَ الكتبِ قبلَه نظْمُه العجيبُ، ورصفُه (٣) الغريبُ، وتأْليفُه البديعُ، الذي عجَزَتْ عن نظمِ مثلِ أصغرِ سورةٍ منه الخُطَباءُ، وكلَّتْ عن رَصْفِ (٤) شكلِ بعضِه البُلَغاءُ، وتحيَّرَت في تأليفِه

стр. 381

الشعراءُ، وتبَلَّدَت - قصورًا عن أن تَأْتيَ بمثلِه - لديه أفهامُ الفُهماءِ، فلم يَجِدوا له إلا التسليمَ والإقرارَ بأنه مِن عندِ الواحدِ القَهَّارِ، مع ما يَحْوِي مع ذلك مِن المعاني التى هي ترغيبٌ وترهيبٌ، وأمرٌ وزجرٌ، وقَصَصٌ وجَدَلٌ ومَثَلٌ، وما أشبهَ ذلك مِن المعاني التي لم تَجْتَمِعْ (١) في كتابٍ أُنْزِل إلى الأرضِ مِن السماءِ. فمهما يَكُنْ فيه مِن إطالةٍ على نحوِ ما في أمِّ القرآنِ، فلِما وصَفْتُ قبلُ مِن أن اللَّهَ جلَّ ذكرُه أراد أن يَجْمَعَ برصفِه العجيبِ، ونظْمِه الغريبِ، المُنْعَدِلِ عن أوزانِ الأشعارِ، وسَجْعِ الكُهَّان، وخُطَبِ الخطباءِ، ورسائلِ البُلغاءِ، العاجزِ عن رصْفِ مثلِه جميعُ الأنامِ، وعن نظمِ نظيرِه كلُّ العبادِ - الدلالةَ على نبوةِ نبيِّنا محمدٍ ﷺ . وبما فيه مِن تحْميدٍ وتمْجيدٍ وثناءٍ عليه، تنبيهَ العبادِ على عظمتِه وسلطانِه وقدرتِه وعِظَمِ مَملكتِه، ليَذْكُروه بآلائِه، ويَحْمَدوه على نَعْمائِه، فيَسْتَحِقُّوا به منه المزيدَ، ويَسْتَوْجِبوا عليه الثوابَ الجزيلَ. وبما فيه مِن نَعْتِ مَن أنْعَم عليه بمعرفتِه وتفضَّل عليه بتوفيقِه لطاعتِه، تعريفَ عبادِه أن كلَّ ما بهم مِن نعمةٍ في دينِهم ودُنْياهم فمنه، ليَصْرِفوا رغبتَهم إليه، ويَبْتَغوا حاجاتِهم مِن عندِه دونَ ما سواه مِن الآلهةِ والأندادِ. وبما فيه مِن ذكرِه ما أحَلَّ بمَن عَصَاه مِن مَثُلاتِه، وأنْزَل بمَن خالَف أمرَه مِن عقوباتِه، ترهيبَ عبادِه عن رُكوبِ مَعاصِيه، والتعرُّضِ لما لا قِبَلَ لهم به مِن سَخَطِه، فيَسْلُكَ بهم في النَّكالِ والنَّقِماتِ سبيلَ مَن ركِب ذلك مِن الهُلَّاكِ. فذلك وجهُ إطالةِ البيانِ في سورةِ أمِّ القرآنِ، وفيما كان نظيرًا لها مِن سائرِ سُورِ الفرقانِ، وذلك هو الحكمةُ البالغةُ والحجةُ الكاملةُ.

стр. 382

حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا المُحارِبيُّ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، قال: حدَّثني العَلاءُ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ يعقوبَ، عن أبي السائبِ مولى زُهْرةَ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "إذا قال العَبْدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. قال اللَّهُ: حَمِدَنِي عَبْدِي. وإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. قال: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي. وإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾. قال: مَجَّدَنِي عبدِي، فهذا لي. وإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. إلى أن يَخْتِمَ السُّورَةَ. قال: فذاك له" (١). حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا عَبْدةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن العَلاءِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن أبي السائبِ، عن أبي هريرةَ، قال: إذا قال العبدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. ثم ذكَر نحوَه، ولم يَرْفَعْه. حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا أبو أسامةَ، قال: حدَّثنا الوليدُ بنُ كثيرٍ، قال: حدَّثني العَلاءُ بنُ عبدِ الرحمنِ مولى الحُرَقةِ، عن أبي السائبِ، عن أبي هريرةَ، عن رسولِ اللَّهِ ﷺ مثلَه (٢). حدَّثني صالحُ بنُ مِسْمارٍ المَرْوَزيُّ، قال: حدَّثنا زيدُ بنُ الحُبَابِ، قال: حدَّثنا عَنْبَسةُ بنُ سعيدٍ، عن مُطَرِّفِ بنِ طَرِيفٍ، عن سعدِ بنِ إسحاقَ بنِ كعبِ بنِ عُجْرةَ، عن جابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "قال اللَّهُ : قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ (٣)، وله ما سَألَ، فإذا قال العَبْدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ

стр. 383

رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. قال (١): حَمِدَنِي عَبْدِي. وإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. قال: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي. وإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾. قال: مَجَّدَنِي عَبْدِي. قال: هَذَا لِي وله ما بَقِي" (٢). آخرُ تفسيرِ سورةِ فاتحةِ الكتابِ

стр. 384

القولُ في تفسيرِ السورةِ التي يُذْكَرُ فيها البقرَةُ القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿الم (١)﴾. قال أبو جعفرٍ: اخْتَلَفَت تَراجِمةُ القرآنِ في تأويلِ قولِ اللَّهِ تعالى ذكرُه: ﴿الم﴾؛ فقال بعضُهم: هي اسمٌ مِن أسماءِ القرآنِ. ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿الم﴾. قال: اسمٌ مِن أسماءِ القرآنِ (١). حدَّثني المثَنَّى بنُ إبراهيمَ الآمُلِيُّ، قال: حدَّثنا أبو حُذَيْفةَ موسى بنُ مسعودٍ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مُجاهِدٍ، قال: ﴿الم﴾ اسمٌ مِن أسماءِ القرآنِ (٢). حدَّثنا القاسمُ بنُ الحسنِ، قال: حدَّثنا الحسينُ بنُ داودَ، قال: حدَّثني حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: ﴿الم﴾ اسمٌ مِن أسماءِ القرآنِ. وقال بعضُهم: هي فَواتحُ يَفْتَحُ اللَّهُ بها القرآنَ.

стр. 385

ذكْرُ مَن قال ذلك حدَّثني هارونُ بنُ إدريسَ الأصَمُّ الكوفيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ محمدٍ المُحاربيُّ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مُجاهدٍ، قال: ﴿الم﴾ فَواتِحُ يَفْتَحُ اللَّهُ بها القرآنَ (١). حدَّثنا أحمدُ بنُ حازمٍ الغِفاريُّ، قال: حدَّثنا أبو نُعَيْمٍ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن مُجاهِدٍ، قال: ﴿الم﴾ فَواتِحُ (٢). حدَّثني المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ الحجاجِ، عن يحيى بنِ آدمَ، عن سفيانَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ، قال: ﴿الم﴾ و ﴿حم﴾ و ﴿المص﴾ و ﴿ص﴾ فواتحُ افْتَتَح اللَّهُ بها (٣). حدَّثنا القاسمُ بنُ الحسنِ (٤)، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مُجاهِدٍ مثلَ حديثِ هارونَ بنِ إدريسَ (٥). وقال بعضُهم: هي اسمٌ للسورةِ.

стр. 386

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونُسُ بنُ عبدِ الأعْلَى، قال: أنْبَأنا عبدُ اللَّهِ بنُ وهبٍ، قال: سأَلْتُ عبدَ الرحمنِ بنَ زيدِ بنِ أسْلَمَ عن قولِ اللَّهِ: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾، و ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾، و ﴿المر تِلْكَ﴾. فقال: قال أبي: إنما هي أسماءُ السُّوَرِ (١). وقال بعضُهم: هو اسمُ اللَّهِ الأعظمُ. ذكْرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْدِيٍّ، قال: حدَّثنا شعبةُ، قال: سأَلْتُ السُّدِّيَّ عن ﴿حمَ﴾ و ﴿طسَم﴾ و ﴿الم﴾. فقال: قال ابنُ عباسٍ: هي اسمُ اللَّهِ الأعظمُ (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: حدَّثني أبو النُّعْمانِ، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن إسماعيلَ السُّدِّيِّ، عن مُرَّةَ الهَمْدانيِّ، قال: قال عبدُ اللَّهِ. فذكَر نحوَه (٣). حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ الحجاجِ، عن عُبَيدِ (٤) اللَّهِ بنِ موسى، عن إسماعيلَ، عن الشعبيِّ، قال: فَواتحُ السُّوَرِ مِن أسماءِ اللَّهِ (٥). وقال بعضُهم: هو قَسَمٌ أقْسَم اللَّهُ به، وهو مِن أسمائِه.

стр. 387

ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثني يحيى بنُ عثمانَ بنِ صالحٍ السَّهْميُّ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: حدَّثني مُعاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: هو قَسَمٌ [أقْسَمه اللَّهُ] (١)، وهو مِن أسماءِ اللَّهِ (٢). وحدثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: حدَّثنا خالدٌ الحَذَّاءُ، عن عكرمةَ، قال: ﴿الم﴾ قسَمٌ (٣). وقال بعضُهم: هو حروفٌ مُقَطَّعةٌ مِن أسماءٍ وأفعالٍ، كلُّ حرفٍ مِن ذلك لمعنًى غيرِ معنى الحرفِ الآخرِ. ذكْرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: حدَّثنا وَكيعٌ، وحدَّثنا سفيانُ بنُ وَكيعٍ، قال: حدَّثنا [أبي، عن شَريكٍ] (٤)، عن عطاءِ بنِ السائبٍ، عن أبي الضُّحَى، عن ابنِ عباسٍ:

стр. 388

﴿الم﴾. قال: أنا اللَّهُ أعلمُ (١). وحُدِّثْتُ عن أبي عُبيدٍ، قال: حدَّثنا أبو اليَقْظانِ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، قال: قوله: ﴿الم﴾. قال: أنا اللَّهُ أعلمُ (٢). حدَّثني موسى بنُ هارونَ الهَمْدانيُّ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ القَنَّادُ، قال: حدَّثنا أسْباطُ بنُ نصرٍ، عن إسماعيلَ السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ الهَمْدانيِّ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ : ﴿الم﴾ قال: أما ﴿الم﴾ فهو حروفٌ (٣) اشْتُقَّ مِن حُروفِ هِجاءِ أسماءِ اللَّهِ (٤). حدَّثنا محمدُ بنُ مَعْمَرٍ، قال: حدَّثنا عَيَّاشُ (٥) بنُ زيادٍ الباهليُّ، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿الم﴾، و ﴿حمَ]، و ﴿ن﴾ قال: اسمٌ مُقَطَّعٌ (٦).

стр. 389

وقال بعضُهم: هي حروفُ هِجاءٍ موضوعٍ. ذكْرُ مَن قال ذلك حُدِّثْتُ عن منصورِ بنِ أبي نُوَيْرةَ، قال: حدَّثنا أبو سعيدٍ المُؤَدِّبُ، عن خُصَيفٍ، عن مُجاهدٍ، قال: فَواتحُ السورِ كلُّها: ﴿ق﴾ و ﴿ص﴾ و ﴿حم﴾ و ﴿طسم﴾ و ﴿الر﴾ وغيرُ ذلك هِجاءٌ موضوعٌ (١). وقال بعضُهم: هي حروفٌ يَشْتَمِلُ كلُّ حرفٍ منها على معانٍ شتَّى مختلفةٍ. ذكْرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ الحجاجِ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ أبي جعفرٍ الرازيِّ، قال: حدَّثني أبي، عن الربيعِ بنِ أنسٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿الم﴾. قال: هذه الأحرفُ مِن التسعةِ والعشرين حرفًا، دارَت فيها الألسُنُ كلُّها، ليس منها حرفٌ إلا وهو مِفتاحُ اسمٍ مِن أسمائِه، وليس منها حرفٌ إلا وهو في آلائِه وبلائِه، وليس منها حرفٌ إلا وهو في (٢) مدةِ قومٍ وآجالِهم. وقال عيسى ابنُ مريمَ، وعجِب (٣): يَنْطِقون في أسمائِه، ويَعِيشون في رزقِه، فكيف يَكْفُرون به (٤)؟ قال: الألفُ مِفتاحُ اسمِه اللَّهِ، واللامُ مِفتاحُ اسمِه لطيفٍ، والميمُ مِفْتاحُ اسمِه مَجيدٍ؛ الألفُ آلاءُ اللَّهِ، واللامُ لُطْفُه، والميمُ مَجْدُه؛ الألِفُ سَنةٌ، واللامُ ثلاثون سنةً، والميمُ أربعون سنةً (٥).

стр. 390

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا حَكَّامٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ بنحوِه. وقال بعضُهم: هي حروفٌ مِن حسابِ الجُمَّلِ (١). كرِهْنا ذكرَ الذي حُكِي ذلك عنه، إذ كان الذي رواه ممَّن لا يُعْتَمَدُ على روايتِه ونقلِه، وقد مَضَتِ الروايةُ بنظيرِ ذلك مِن القولِ عن الربيعِ بنِ أنسٍ. وقال بعضُهم: لكلِّ كتابٍ سرٌّ، وسرُّ القرآنِ فَواتحُه (٢). وأما أهلُ العربيةِ فإنهم اختَلَفوا في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: هي حُروفٌ مِن حروفِ المُعْجَمِ، اسْتُغْنِي بذكْرِ ما ذُكِر منها في أوائلِ السورِ عن ذكرِ بَواقِيها (٣) التي هي تَتِمَّةُ الثمانيةِ والعشرين حرفًا، كما اسْتَغْنَى المُخبِرُ عمَّن أخْبَرَ عنه أنه في حروفِ المعجمِ الثمانيةِ والعشرين بذكرِ "أ ب ت ث" عن ذكرِ بَواقي حروفِها التي هي تَتِمَّةُ الثمانيةِ والعشرين، قال: ولذلك رُفِع ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ لأن معنى الكلامِ:
следующие страницы →