← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 3816–3855 · переход к 3821.

стр. 3816

السجودِ في هذا الموضعِ اسمٌ للصلاةِ لا للسجودِ؛ لأن التلاوةَ لا تكونُ في السجودِ ولا في الركوعِ، فكأنَّ معنى الكلامِ كان (١) عندَه: يتلون آياتِ اللهِ آناءَ الليلِ وهم يُصلُّون. وليس المعنى على ما ذهَب إليه، وإنما معنى الكلامِ: مِن أهلِ الكتابِ أمةٌ قائمةٌ يَتْلُون آياتِ اللَّهِ آناءَ الليلِ في صلاتِهم، وهم مع ذلك يَسْجُدون فيها. فالسجودُ هو السجودُ المعروفُ في الصلاةِ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٤)﴾. يعنى بقولِه: ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾: يُصَدِّقون باللهِ وبالبعثِ بعدَ المماتِ، ويَعْلَمون أن اللهَ مُجازِيهم بأعمالِهم، وليسوا كالمشركين الذين يَجْحَدُون وحدانيةَ اللَّهِ، ويَعْبُدون معه غيرَه، ويُكَذِّبون بالبعثِ بعدَ المماتِ، ويُنكرون المجازاةَ على الأعمالِ، والثوابَ والعقابَ. وقولُه: ﴿وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾. يقولُ: ويَأْمُرون الناسَ بالإيمانِ باللهِ ورسولِه وتصديقِ محمدٍ [وما] (٢) جاءهم به. ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾. يَقُولُ: ويَنْهونَ الناسَ عن الكفرِ باللهِ وتكذيبِ محمدٍ وما جاءهم به مِن عندِ اللهِ. يعني بذلك أنهم ليسوا كاليهودِ والنصارى الذين يَأمُرون الناسِ بالكفرِ باللهِ وتكذيبِ محمدٍ فيما جاءهم به، ويَنْهونَهم عن المعروفِ مِن الأعمالِ، وهو تصديقُ محمدٍ فيما أتاهم به مِن عندِ اللَّهِ، ﴿وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾. يقولُ: ويَبْتَدِرون فعلَ الخيراتِ؛ خشيةَ أن يَفُوتَهم ذلك قبلَ معاجَلتهم مَنَاياهم.

стр. 3817

ثم أخبرَ جلَّ ثناؤه أنَّ هؤلاءِ الذين هذه صفتُهم مِن أهلِ الكتابِ، هم مِن عِدادِ الصالحين؛ لأن مَن كان منهم فاسقًا قد باء بغضبٍ مِن اللهِ؛ لكفرِه باللهِ وآياتِه، وقتلهم الأنبياء بغيرِ حقٍّ، وعصيانه ربَّه، واعتدائِه في حدودِه. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (١١٥)﴾. اختلَفت القرأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ الكوفةِ: ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾. بالياءِ (١) جميعًا، ردًّا على صفةِ القومِ الذين وصَفهم جلَّ ثناؤه بأنهم يَأمُرون بالمعروفِ ويَنْهونَ عن المنكرِ. وقرَأته عامةُ قرأةِ المدينةِ والحجازِ وبعضُ قرأةِ الكوفةِ، بالتاءِ في الحرفين جميعًا: (ومَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَن تُكْفَرُوهُ) (٢). بمعنى: وما تَفْعَلوا أنتم أيُّها المؤمنون مِن خيرٍ فلن يَكْفُرْكُمُوه ربُّكم. وكان بعضُ قرأةِ أهل البصرةِ يَرَى القراءتين فى ذلك جائزًا بالياءِ والتاءِ في الحرفين. والصوابُ مِن القراءةِ فى ذلك عندَنا: ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾. بالياءِ في الحرفين كليهما، يَعْنى بذلك الخبرَ عن الأمةِ القائمةِ، التاليةِ آياتِ اللَّهِ. وإنما اختَرنا ذلك لأن ما قبلَ هذه الآية مِن الآياتِ خبرٌ عنهم،، فإلحاقُ هذه الآيةِ -إذ كان لا دلالةَ فيها تدلُّ على الانصرافِ عن صفتِهم- بمعاني الآياتِ

стр. 3818

قبلَها أولى مِن صرفِها عن معانى ما قبلَها. وبالذى اختَرنا مِن القراءة كان ابن عباس يَقْرأُ. حدَّثني أحمدُ بنُ يوسفَ التَّغْلِبيُّ، قال ثنا القاسمُ بنُ سلَّامٍ، قال: ثنا حجاجٌ، عن هارونَ، عن أبي عمرِو بنِ العلاءِ، قال: بلَغنى عن ابنِ عباسٍ أنه كان يَقْرَؤُهما جميعًا بالياءِ (١). فتأويلُ الآيةِ إذن على ما اخترنا مِن القراءةِ: وما تَفْعَلْ هذه الأمةُ مِن خيرٍ وتعملْ مِن عملٍ للهِ فيه رضًا، فلن يَكْفُرَهم اللهُ ذلك. يَعْنى بذلك: فلن يُبْطِلَ اللَّهُ ثوابَ عملهم ذلك، ولا يَدَعَهم بغيرِ جزاءٍ منه لهم عليه، ولكنَّه يُجْزِلُ لهم الثوابَ عليه، ويُسْنى (٢) لهم الكرامةَ والجزاءَ. وقد دلَّلنا على معنى "الكفرِ" فيما مضَى قبلُ بشواهدِه، وأن أصلَه تغطيةُ الشيءِ (٣). فكذلك ذلك في قولِه: ﴿فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾: فلن يُغَطَّى على ما فعَلوا مِن خيرٍ، فيُتْرَكُوا بغيرِ مجازاةٍ، ولكنهم يُشْكَرون على ما فعَلوا مِن ذلك، فيُجْزَلُ لهم الثوابُ منه. وبنحوِ ما قلنا (٤) مِن التأويلِ تأوَّل مَن تأوَّل ذلك مِن أهلِ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زريعٍ، قال ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فلن تُكْفَرُوهُ). يقولُ: لن يُضَلَّ عنكم (٥).

стр. 3819

حُدِّثت عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه (١). وأما قولُه: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾. فإنه يقولُ تعالى ذكرُه: واللهُ ذو علمٍ بمن اتَّقاه بطاعتِه واجتنابِ معاصِيه، وحافظٌ أعمالَهم الصالحةَ حتى يُثيبهم عليها، ويجازِيَهم بها؛ تبشيرًا منه لهم جلَّ ذكرُه في عاجلِ الدنيا، وحضًّا لهم على التمسكِ بالذي هم عليه مِن صالحِ الأخلاقِ التى ارتَضاها لهم. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١٦)﴾. وهذا وعيدٌ مِن اللهِ جل ثناؤه للأُمةِ الأُخرى الفاسقة مِن أهلِ الكتابِ، الذين أخبَر عنهم بأنهم فاسقون، وأنهم قد باءُوا بغضبٍ منه، ولمن كان مِن نُظَرائِهم مِن أهلِ الكفرِ باللهِ ورسولِه، وما جاء به محمدٌ ﷺ من عندِ اللهِ. يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. يَعْنى: الذين جَحَدوا نبوَّةَ محمدٍ ﷺ ، وكذَّبوا به، وبما جاءهم به مِن عندِ اللهِ، ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾، يعنى: لن تَدْفَعَ أموالُه التي جمَعها في الدنيا، وأولادُه الذين رَبَّاهم فيها، شيئًا مِن عقوبةِ اللهِ يومَ القيامةِ، إن أَخَّرَها لهم إلى يومِ القيامةِ، ولا في الدنيا إن عَجَّلَها لهم فيها. وإنما خَصَّ أمواله وأولاده؛ لأن أولادَ الرجلِ أقربُ أنْسِبَائِه إليه، وهو على مالِه أقدرُ (٢) منه على مالِ غيرِه، وأمره فيه أجوزُ مِن أمرِه في مالِ غيرِه، فإذا لم يُغْنِ عنه ولدُه لصُلْبِه، ومالُه الذى هو نافِذُ الأمرِ فيه، فغيرُ ذلك مِن أقربائِه وسائرِ

стр. 3820

أنسِبائِه وأموالِهم، أبعدُ مِن أن تُغنى عنه مِن اللهِ شيئًا. ثم أخبَر جلّ ذكرُه أنهم هم أهلُ النارِ الذين هم أهلُها بقولِه: ﴿وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾. وإنما جعَلَهم أصحابَها؛ لأنهم أهلُها الذين لا يخرُجون منها ولا يُفارقونها، كصاحبِ الرجلِ الذى لا يُفارِقُه، وقَرينِه الذي لا يُزايلُه، ثم وَكَّدَ ذلك بإخبارِه عنهم أنهم فيها خالدون: إنَّ (١) صُحْبَتَهم إيَّاها صحبةٌ لا انقِطاعَ لها، إِذْ كان مِن الأشياءِ ما يُفارِقُ صاحبَه فى بعضِ الأحوالِ، ويُزايله في بعضِ الأوقاتِ، وليس كذلك صحبةُ الذين كفروا بالله النارِ التى أُصْلُوها، ولكنها صحبةٌ دائمةٌ لا نهايةَ لها ولا انقطاعَ، نعوذُ باللهِ منها، ومما قرَّب منها مِن قولٍ وعملٍ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ﴾. يَعْنى بذلك جلّ ثناؤُه: شَبَهُ ما يُنْفِقُ الذين كفروا -أي: شَبَهُ ما يَتَصدَّقُ به الكافرُ مِن مالِه، فيُعْطِيه مَن يُعْطِيه على وَجْهِ القُرْبةِ إِلى رَبِّه، وهو لوحدانيةِ اللهِ جاحدٌ، ولمحمدٍ نبيِّه ﷺ مُكَذِّبٌ، في أنَّ ذلك غيرُ نافِعِه مع كُفْرِه، وأنه مُضْمَحِلٌ عندَ حاجتِه إليه، ذاهبٌ بعد الذى كان يَرْجو مِن عائدةِ نَفْعِه عليه- كشَبَهِ ﴿رِيحٍ فِيهَا [صِرٌّ﴾ يعنى: فيها] (٢) بَرْدٌ شديدٌ، ﴿أَصَابَتْ﴾ هذه الريحُ التي فيها البَرْدُ الشديدُ: ﴿حَرْثَ قَوْمٍ﴾. يعنى: زرعَ قومٍ، قد أَمَّلُوا إدراكَه، ورَجَوا رَيْعَه، وعائدةَ نَفْعِه، ﴿ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾. يعنى: أصحابَ الزرعِ، عَصَوا اللَّهَ وتَعَدُّوا حدودَه؛ ﴿فَأَهْلَكَتْهُ﴾، يقولُ: فأهلَكَت الريحُ التي فيها الصِّرُّ زرعَهم ذلك، بعدَ الذى كانوا عليه مِن الأملِ، ورجاءِ عائدةِ نَفْعِه عليهم.

стр. 3821

يقولُ تعالى ذكرُه: فكذلك فِعْلُ اللَّهِ بنفقةِ الكافرِ وصدقتِه في حياتِه حينَ يَلْقاه، يُبْطِلُ ثَوابَها، ويُخيبُ رجاءَه منها. وخَرَج المثَلُ للنفقةِ، والمرادُ بالمثَلِ صنيِعُ اللهِ بالنفقةِ، يُبَيِّنُ ذلك قولُه: ﴿كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ﴾. فهو كما قد بَيَّنَّا فى مثلِه مِن قولِه: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ [البقرة: ١٧]. وما أشبَه ذلك. فتأويلُ الكلامِ: مَثَلُ إبطالِ اللَّهِ أَجرَ ما يُنْفِقون في هذه الحياةِ الدنيا، كمثلِ ريحٍ فيها صِرٌّ. وإنما جاز تَرْكُ ذِكْرِ إبطالِ اللهِ أجرَ ذلك لدلالةِ آخِرِ الكلامِ عليه، وهو قولُه: ﴿كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ﴾. والمعرفةِ السامعِ ذلك معناه. واختلف أهلُ التأويلِ في معنى "النفقةِ" التي ذكَرها في هذه الآيةِ؛ فقال بعضُهم: هي النَّفقة المعروفة في الناسِ. ذكر مِن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قول الله ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. قال: نَفَقةُ الكافر في الدنيا (١). وقال آخرون: بل (٢) الذى يقولُه بلسانه مما لا يُصَدِّقُه قلبه (٣).

стр. 3822

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثني أحمدُ بنُ المُفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ﴾. يقولُ: مَثَلُ ما يُنْفِقُ (١) فَلا يُقْبَلُ منه كمثلِ هذا الزرعِ إذا زَرَعه القومُ الظالمون، فأصابَتْه ريحٌ فيها صِرٌّ، أصابَته فأهلَكَته، فكذلك أنفَقوا، فأهلَكَهم شِرْكَهم (٢). وقد بَيَّنَّا أولى ذلك بالصوابِ قبلُ. وقد تقدَّم بيَانُنا تأويلَ: ﴿الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. بما فيه الكفايةُ مِن إعادتِه في هذا الموضعِ (٣). وأما الصِّرُّ فإنه شدةُ البَرْدِ، وذلك بعُصُوفٍ مِن الشمالِ في إعصارِ الطَّلِّ والأنْدَاءِ، في صبيحةٍ مغيمةٍ (٤) بعَقِبِ ليلةٍ مُصْحِيَّة. كما حدَّثنا حُمَيدُ بنُ مَسْعَدَةَ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعِ، عن عثمانَ بنِ غِيَاثٍ، قال: سمعتُ عِكرمة يقولُ: ﴿رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ﴾. قال: بَرْدٌ شَديدٌ (٥). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال لي ابنُ جُرَيجٍ: قال ابنُ عباسٍ: ﴿رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ﴾. قال: بَرْدٌ شَديدٌ وزَمْهَرِيرٌ.

стр. 3823

حدَّثنا علىُّ بنُ داودَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ﴾. يقولُ: بَرْدٌ. حدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن هارونَ بنِ عنترةَ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: الصِّرُ البَرْدُ (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرّ﴾. أى بَرْدٌ شديدٌ (٢). حُدِّثْتُ عن عَمَّارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه (٣). حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيّ: (الصِّرُّ): البردُ (٤). حدَّثنا محمد بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثنا عمى، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرّ﴾. يقولُ: ريحٌ فيها بَرْدٌ. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ﴾. قال: صِرٌّ باردةٌ أهلَكَت حَرْثَهم. قال: والعربُ تَدْعوها الضَّرِيب. تأتى الريحُ باردةً، فتُصبحُ ضَريبًا قد اخْتَرق الزرعُ. تقولُ: ضُرِب الليلةَ. أصابه ضَريبٌ، تلك الصِّرُّ التي أصابَته.

стр. 3824

حدَّثني يحيى بنُ أبى طالبٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا جُوَيبرٌ، عن الضحاكِ: ﴿رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ﴾. قال: رِيحٌ فيها بَرْدٌ (١). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٧)﴾. يَعْنى بذلك جلّ ثناؤه: وما فعَل اللهُ بهؤلاء الكفارِ ما فعَل بهم، مِن إحباطِه ثوابَ أعمالهم وإبطالِه أجورَها؛ ظُلْمًا منه لهم، يعنى: وَضْعًا منه لِما فعَل بهم من ذلك في غيرِ مَوْضِعِه، وعند غيرِ أهلِه، بل وَضَع فعله ذلك في مَوْضِعِه، وفعَل بهم ما هم أهلُه؛ لأن عَمَلَهم الذي عَمِلوه لم يكنْ للهِ وهم له بالوحدانيةِ دائِنون، ولأمرِه مُتَّبِعون، ولرسلِه مُصَدِّقون، بل كان ذلك منهم وهم به مشركون، ولأمرِه مخالِفون، ولرسلِه مُكذِّبون، بعدَ تَقَدُّم منه إليهم أنه لا يَقْبَلُ عملًا مِن عاملٍ، إلا مع إخلاصِ التوحيدِ له، والإقرار بنُبوّةِ أنبيائِه، وتصديقِ ما جاءوهم به، وتوكيدِه الحُجَجَ بذلك عليهم، فلم يكنْ بفعلِه ما فعل بمَن كفَر به، وخالَف أمرَه في ذلك، بعدَ الإعذارِ إليه، مِن إحباطِ أجرِ (٢) عملِه، له ظالمًا، بل الكافرُ (٣) هو الظالمُ نفِسه، لإكسابِها مِن معصيةِ اللهِ، وخلافِ أمرِه، ما أورَدها به نارَ جهنَم، وأصلَاها به سعيرَ سَقَرَ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ﴾. يَعْنى بذلك جل ذكرُه: يا أيها الذين صَدَّقوا اللَّهَ ورسولَه، وأقرُّوا بما جاءهم به بَبِيَّهم مِن عندِ ربِّهم، ﴿لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً﴾. يقولُ: لا تتخذوا أولياءَ وأصدقاءَ

стр. 3825

لأنفسِكم ﴿مِنْ دُونِكُمْ﴾. يقولُ: مِن دونِ أهلِ دينِكم ومِلَّتِكم. يعنى: مِن غيرِ المؤمنين. وإنما جعَل البطانةَ مَثَلًا لخليلِ الرجلِ، فَشَبَّهَه بما وَلِى بطنَه مِن ثيابِه؛ لحلولِه (١) منه فى اطِّلاعِه على أسرارِه وما يَطْويه عن أباعدِه وكثيرٍ مِن أقاربِه، مَحِلَّ ما وَلِى جَسَدَه مِن ثيابِه. فَنهَى اللهُ المؤمنين به أن يتِخذوا مِن الكفارِ به أخِلَّاءَ وأصفياءَ، ثم عَرَّفهم ما هم عليه لهم مُنْطَوون، مِن الغِشِّ والخيانةِ، وبُغْيَتِهم (٢) إيَّاهم الغَوائلَ، مُحَذِّرهم بذلك منهم ومن (٣) مُخَالَّتِهم، فقال تعالى ذكرُه: ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾. يعني: لا يستطيعونكم شَرًّا. مِن: أَلُوتُ آلُو أَلْوا. يقال: ما أَلا فلانٌ كذا. أى: ما استطاع، كما قال الشاعرُ (٤): جَهْراءُ لا تَأْلُو إذا هي أظهَرَت … بَصَرًا ولا مِن عَيْلَةٍ تُغْنِينى يعني: تستطيعُ عندَ الظهرِ إبصارًا. وإنما يعنى جلّ ذكرُه بقولِه: ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾. البِطانةَ التي نهَى المؤمنين عن اتخاذِها مِن دونِهم، فقال: إن هذه البِطانةَ لا تَتْرُكُكم طاقتَها خبالًا. أى: لا تَدَعُ جهدَها فيما أورَثَكم الخبالَ. وأصلُ الخَبَّلِ والخَبَالِ الفسادُ، ثم يُستَعملُ في معان كثيرة، يدُلُّ على ذلك الخبرُ عن النبيِّ ﷺ : "مَن أُصيب بحَبْلٍ أو جِرَاحٍ" (٥)

стр. 3826

وأما قولُه: ﴿وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ﴾. فإنه يعنى: وَدُّوا عَنَتَكم. يقولُ: يَتَمَنَّون لكم العَنَتَ والشَّرَّ في دينِكم، وما يسوءَكم ولا يَسُرُّكم. وذُكِر أن هذه الآيةَ نَزَلَت في قومٍ من المسلمين كانوا يُخالِطون حلفاءَهم مِن اليهودِ وأهلِ النفاقِ منهم، ويُضافونهم المودَّةَ، بالأسبابِ التي كانت بينَهم في جاهليتِهم قبلَ الإسلامِ، فَنَهاهم اللهُ عن ذلك، وأن يَسْتَنصِحوهم في شيءٍ مِن أمورِهم. ذكرُ [الخبر بذلك] (١). حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، قال: قال محمدُ ابنُ أبى محمدٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان رجالٌ مِن المسلمين يواصلون رجالًا مِن يهودَ؛ لما كان بينَهم مِن الجوارِ والحِلْفِ في الجاهليةِ، فأنزَل اللهُ ﵎ فيهم، يَنْهاهم عن مُباطَنتِهم؛ تَخَوَّفَ الفتنةِ عليهم منهم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾. إلى قولِه: ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾ (٢). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾: فى المنافقين مِن أهل المدينة، نهَى اللهُ جل ثناؤه المؤمنين أن يَتَولُّوهم (٣).

стр. 3827

حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ﴾: نهَى اللَّهُ جلّ ثناؤُه المؤمنين أن يَسْتدخِلوا المنافِقين أو يُؤاخوهم، أو (١) يَتَولُّوهم مِن دونِ المؤمنين (٢). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن، أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾: هم المنافِقون (٣). حُدِّثت عن عَمَّارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه عن الربيعِ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾. يقولُ: لا تسْتدخِلوا المنافِقين، فتَولَّوْهم دونَ المؤمنينَ (٤). حدَّثنا أبو كريبٍ ويعقوب بن إبراهيمَ، قالا: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبَرنا العَوَّامُ بنُ حَوشبٍ، عن الأزهرِ بنِ راشدٍ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "لا تَسْتَضيئوا بنارِ أهلِ الشِّرْكِ، ولا تَنْقُشوا فى خَواتيمِكم عَرَبِيًّا". قال: فلم يَدْرُوا ما ذلك حتى أتَوا الحسنَ فسألوه، فقال: نعم، أما قولُه: "لا تَنْقُشوا في خَواتيمِكم عَرَبيًّا". فإنه يقولُ: لا تَنْقُشوا فى خَواتيمكم محمدًا. وأما قولُه: "ولا تَسْتَضيئوا بنارِ أهلِ الشركِ". فإنه يَعْنى به المشركين، يقولُ لاتَسْتَشيروهم في شيءٍ من أمورِكم. قال: وقال الحسنُ: وتصديقُ ذلك فى كتابِ اللهِ. ثم تَلا هذه الآيةَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ (٥).

стр. 3828

حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾: أما البَطانةُ، فهم المنافِقون (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجُ، عن ابنِ جُرَيج قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ الآية. قال: لا يَسْتدخِلُ المؤمنُ المنافقَ دونَ أخيه. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابنُ زِيدٍ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ الآية. قال: هؤلاء المنافِقون، وقرَأ قولَه: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ الآية. واختَلفوا في تأويلِ قولِه: ﴿وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: وَدُّوا ما ضَلَلْتم عن دينكم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، السُّدِّيِّ: ﴿وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ﴾. يقولُ: ما ضَلَلْتم (٢). وقال آخرون بما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ: ﴿وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ﴾. يقولُ: في دينِكم، يَعْنى أنهم يَوَدُّون أن تَعْنَتوا في دينِكم. فإن قال لنا قائلٌ: وكيف قيل: ﴿وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ﴾. فجاء بالخبرِ عن البِطانةِ

стр. 3829

بلفظِ الماضي في مَحِلِّ الحالِ والقَطْعِ، بعدَ تَمامِ الخبرِ، والحالاتُ لا تكونُ إلا بصُورِ الأسماء أو الأفعالِ المستقبَلةِ، دونَ الماضية منها؟ قيل: ليس الأمرُ في ذلك على ما ظَنَنتَ مِن أن قولَه: ﴿وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ﴾ حالٌ للبِطانةِ (١)، وإنما هو خبرٌ عنهم ثانٍ، منقطع عن الأَوَّلِ، غيرُ مُتَّصِلٍ به. وإنما تأويلُ الكلامِ: يا أيُّها الذين آمنوا لا تَتَّخِذوا بطانةً صِفَتُهم كذا، صِفَتُهم كذا. فالخبرُ عن الصفةِ الثانيةِ غيرُ مُتَّصِلٍ بالصفةِ الأولى، وإن كانَتا جميعًا مِن صفةِ شخصٍ واحدٍ. وقد زعمَ بعضَ أهلِ العربيةِ أن قولَه: ﴿وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ﴾. مِن صلةِ البِطانةِ، [وأن معنى ذلك: لا تَتَّخِذوا بطانةٌ ودُّوا -أي: أَحَبُّوا- ما عنِتُّم. وليس لهذا القولِ الذى قاله صاحبُ هذه المقالة وجهٌ معروفٌ؛ وذلك أن البِطانةِ] (٢) قد وُصِلَت بقولِه: ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾. فلا وَجْهَ لصلةٍ أخرى بعدَ تَمامِ البِطانةِ بصِلتِه، ولكنّ القولُ في ذلك كما بَيَّنا قبل مِن أن قولَه: ﴿وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ﴾. خبرٌ مبتدأٌ عن البِطانةِ غيرُ الخبرِ الأولِ، وغيرُ حالٍ مِن البِطانةِ ولا قَطْعٍ منها. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾. يَعْنى بذلك تعالى ذكرُه: قد بَدَت بَغْضاءُ هؤلاء الذين نَهَيتُكم أيُّها المؤمنون أن تتَّخِذوهم بِطانةً مِن دونكم، لكم بأفواهِهم، يعني: بألسنتِهم، والذي بَدا لهم منهم بألسنتِهم، إقامتُهم على كُفْرِهم، وعداوتُهم مَن خالف ما هم عليه مُقِيمون مِن الضَّلالة، فذلك مِن أوكدِ الأسبابِ فى مُعاداتهم أهلَ الإيمانِ؛ لأن ذلك

стр. 3830

عداوةٌ على الدِّين، والعداوةُ على الدينِ العداوةُ التى لا زَوالَ لها إلا بانتقالِ أحدِ المُتعادِيَين إلى مِلَّةِ الآخرِ منهما، وذلك انتقالٌ مِن هدًى إلى ضلالةِ، كانت عندَ المُنْتقِل إليها ضَلالةً قبل ذلك، فكان في إبدائِهم ذلك للمؤمنين ومُقامهم عليه، أبْيَنُ الدلالةِ لأهلِ الإيمانِ على ماهم عليه لهم (١) مِن البَغْضاءِ والعَداوةِ. وقد قال بعضُهم: معنى قولِه: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾: قد بَدَت بغضاؤُهم لأهلِ الإيمانِ إلى أوليائِهم مِن المنافِقين وأهلِ الكفرِ، بإطلاعِ بعضِهم بعضًا على ذلك وزعَم قائِلو هذه المقالةِ أن الذين عُنُوا بهذه الآيةِ أهلُ النفاقِ، دونَ مَن كان مُصَرِّحًا بالكفر مِن اليهودِ وأهلِ الشِّرْكِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾. يقولُ: قد بَدَت البغضاء مِن أفواه المنافِقين إلى إخوانِهم من الكفارِ، مِن غِشِّهم للإسلامِ وأهلِه، وبُغْضِهم إياهم (٢). حُدِّثت عن عَمَّارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾. يقولُ: مِن أفواهِ المنافِقين (٣). وهذا القولُ الذي ذكرناه عن قتادةَ قولٌ لا معنى له، وذلك أن اللهَ تعالى ذكرُه إنما نهَى المؤمنين أن يَتَّخِذوا بِطانةً ممن قد عَرَفوه بالغِشِّ للإسلامِ وأهلِه والبَغْضاءِ؛ إما

стр. 3831

بأدلةٍ ظاهرة دَالَّةٍ على أن ذلك مِن صِفَتِهم، وإما بإظهارِ الموصوفين بذلك العداوةَ والشَّنآنَ وبالمُناصَبةِ لهم، فأما مَن لم يُثْبِتوه (١) معرفةً أنه الذي نَهاهم اللهُ عن مُخالَّتِه ومُباطنته، فغيرُ جائزٍ أن يكونوا نُهُوا عن مُخالَّتِه ومُصادقتِه، إلا بعدَ تعريفِهم إياهم، إما بأعيانِهم وأسمائِهم، وإما بصفاتٍ قد عرَفوهم بها. وإذ كان ذلك كذلك، وكان إبداءُ المنافِقين بألسنتِهم ما في قلوبهم من بَعْضاءِ المؤمنين إلى إخوانِهم من الكفارِ، غيرَ مُدْرِكٍ به المؤمنون معرفةَ ما هم عليه لهم، مع إظهارِهم الإيمانَ بألسنتِهم لهم، والتَّوَدُّدِ إليهم، كان بَيِّنًا أن الذى نهَى اللَّهُ المؤمنين عن اتِّخاذِهم لأنفسِهم بِطانةً دونَهم، هم الذين قد ظهَرَت لهم بَغْضاؤُهم بألسنتِهم، على ما وصَفهم اللهُ ﵎ به، فعَرَفهم المؤمنون بالصفةِ التي نَعَتَهم اللهُ بها، وأنهم هم الذين وصَفهم تعالى ذكرُه بأنهم أصحابُ النارِ هم فيها خالدون، ممن كان له ذِمَّةٌ وعهدٌ مِن رسولُ اللهِ ﷺ وأصحابه، مِن أهلِ الكتابِ؛ لأنهم لو كانوا المنافِقين، لكان الأمرُ فيهم على ما قد بَيَّنا، ولو كانوا الكفارَ ممن قد ناصَب المؤمنين الحربَ، لم يكن المؤمنون مُتَّخِذِيهم لأنفسهم بِطانةً مِن دونِ المؤمنين مع اختلافِ بلادِهم، وافتراقِ أمصارِهم، ولكنهم الذين كانوا بينَ أَظْهُرِ دُورِ (٢) المؤمنين مِن أهلِ الكتابِ، أيامَ رسولُ اللهِ ﷺ ، ممن كان له مِن رسولِ اللهِ ﷺ عهدٌ وعقدٌ، مِن يهودِ بني إسرائيلَ. والبَغْضاءُ مصدرٌ، وقد ذُكِر أنها في قراءةِ ابن مسعودٍ (٣): (قَدْ بَدَا البَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ). على وَجْهِ التذكير، وإنما جاز ذلك بالتَّذكيرِ ولَفْظُه لَفْظُ المؤنثِ؛ لأن المصادرَ تأنيتُها ليس بالتأنيثِ اللازمِ، فيجوزُ تذكيرُ ما خرج منها على لفظِ

стр. 3832

المؤنثِ وتأنيتُه، كما قال اللهُ جل ثناؤه: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ [هود: ٦٧]. وكما قال: ﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٧]. وفي موضع آخَرَ: ﴿وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ [هود: ٩٤]، و ﴿جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ٧٣، ٨٥]. وقال: ﴿مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ وإنما بدا ما بَدا مِن البغضاءِ منهم (١) بألسنتِهم؛ لأن المعنىَّ به الكلامُ الذى ظهَر للمؤمنين منهم مِن أفواهِهم، فقال: قد بَدَتِ البغضاءُ بألسنتِهم مِن أفواهِهم. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾. يَعْنى جل ثناؤه بذلك: والذى تُخْفِي ﴿صُدُورُهُمْ﴾. . يعنى: صدورُ هؤلاء الذين نَهاهم عن اتخاذِهم بِطانةً، فتَخْبِنُه (٢) عنكم أيُّها المؤمنون، ﴿أَكْبَرُ﴾. يقولُ: أكبرُ مما قد بَدا لكم بألسنتِهم مِن أفواههم مِن البَغْضاءِ وأعظمُ. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾. يقولُ: وما تُخْفِى صدورهم أكبر مما قد أبدوا بألسنتِهم (٣). حُدِّثتُ عن عَمَّارٍ، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾. يقولُ: ما تُكِنُّ صدورُهم أكبرُ مما قد أبدَوا بألسنتِهم (٤). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨)﴾. يَعْنى بذلك جلّ ثناؤه: قد بَيَّنا لكم أيها المؤمنون ﴿الْآيَاتِ﴾. يعني بالآيات

стр. 3833

العبَرَ. يقولُ: قد بَيَّنا لكم من أمرِ هؤلاء اليهودِ الذين نَهَيناكم أن تتَّخِذوهم بِطانةً من دونِ المؤمنين، ماتعتبرون وتتَّعظون به من أمْرِهم ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾. يعنى: إن كنتم تَعْقِلُون عن اللهِ مَواعظه، وأمره ونهيَه، وتعرِفون مواقعَ نَفْعِ ذلك منكم، ومَبْلَغَ عائدتِه عليكم. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿هَاأَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾. يَعْنى بذلك جلّ ثناؤه: ها أنتم أيها المؤمنون الذين ﴿تُحِبُّونَهُمْ﴾. يقولُ: تُحبون هؤلاء الكفارَ الذين نَهَيتُكم عن اتِّخاذهم بِطانةً مِن دونِ المؤمنين، فَتَوَدُّونهم وتُواصلونهم، وهم لا يُحِبُّونكم، بل يَنْطَرُون (١) لكم على (٢) العداوةِ والغِشِّ، ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾. ومعنى الكتابِ في هذا الموضعِ معنى الجمعِ، كما يقالُ: كثُر الدِّرْهَمُ في أيدى الناسِ. بمعنى: الدَّراهم. فكذلك قولُه: ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾، إنما معناه: بالكُتُبِ كلِّها؛ كتابكم الذى أنزَله اللهُ ﵎ إليكم، وكتابِهم الذى أنزَله إليهم، وغيرِ ذلك مِن الكتبِ التى أنزَلها اللهُ تعالى ذكرُه على عبادِه. يقولُ جل ثناؤُه: فأنتم -إذ كنتم أيُّها المؤمنون تُؤمنون بالكُتُبِ كُلَّها، وتعلَمون أن الذين نَهَيتُكم عن أن تَتَّخِذوهم بِطانةً مِن دونكم، كفارٌ بذلك كلِّه؛ بجُحودهم [ما في] (٣) ذلك كلِّه، مِن عُهودِ اللهِ إليهم، وتَبْديلِهم ما فيه مِن أمرِ اللَّهِ ونَهْيِه- أولى بعَداوتِكم إياهم، وبَغْضائهم وغِشِّهم، منهم بِعَداوَتِكم وبَغْضائكم، مع جُحودِهم بعضَ الكتبِ، وتكذيبِهم ببعضِها.

стр. 3834

كما حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، قال: ثني محمدُ بنُ أبي محمدٍ، عن عِكْرمةَ، أو عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ﴾. أى: بكتابِكم وكتابِهم، وبما مضَى من الكتبِ قبلَ ذلك، وهم يكفُرون بكتابِكم، فأنتم أحقُّ بالبَغْضاءِ لهم، منهم لكم (١). وقال: ﴿هَاأَنْتُمْ أُولَاءِ﴾. ولم يَقُلْ: هؤلاء (٢) أنتم. ففَرَّق بينَ "ها" و "أولاءِ"، بكنايةِ اسمِ المخاطَبين؛ لأن العربَ كذلك تفعَلُ في "هاذا"، إذا أرادَت به التقريبَ ومَذْهَبَ النُّقْصانِ الذى يَحتاجُ إلى تَمامِ الخبرِ، وذلك مثلُ أن يقالَ لبعضِهم: أين أنت؟ فيجيبُ المقولُ ذلك له: ها أنا ذا. فَتُفَرِّقُ بين التَّنبيهِ، و "ذا" (٣) بمَكْنِيِّ اسمِ نفسِه، ولا يَكادون يقولون: هذا أنا. ثم يُثَنَّى ويُجْمَعُ على ذلك، وربما أعادوا حرفَ التَّنْبيهِ مع "ذا"، فقالوا: ها أنا هذا. ولا يفعَلون ذلك إلا فيما كان تقريبًا، فأما إذا كان على غيرِ التَّقريبِ والنقصانِ، قالوا: هذا هو، وهذا أنت. وكذلك يفعَلون مع الأسماءِ الظاهرةِ، يقولون: هذا عمرٌو قائمًا وإن كان "هذا" تَقْريبًا. وإنما فعَلوا ذلك فى المكْنيِّ مع التقريبِ؛ تَفْرقةً بين "هذا" إذا كان بمعنى الناقصِ الذى يحتاجُ إلى تَمامٍ، وبينَه إذا كان بمعنى الاسمِ الصحيحِ. وقولُه: ﴿تُحِبُّونَهُمْ﴾ خبرٌ للتقريبِ. وفى هذه الآية إبانةٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه عن حالِ الفريقَين -أعنى المؤمنين والكافرين- ورحمةِ أهلِ الإيمانِ ورَأْفتِهم بأهلِ الخلافِ لهم، وقَساوةِ قلوبِ أهلِ الكفرِ وغِلْظتِهم على أهلِ الإيمانِ.

стр. 3835

كما حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿هَاأَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾: فواللهِ، إن المؤمنَ ليُحِبُّ المُنافِق، ويَأْوِى له ويَرْحَمُه، ولو أن المنافقَ يَقْدِرُ على ما يقدِرُ عليه المؤمنُ منه، لأَباد خضراءَه (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، قال: المؤمنُ خيرٌ للمنافقِ من المنافقِ للمؤمنِ، يَرحَمُه، ولو يَقدِرُ المنافقُ من المؤمنِ على مثلِ ما يَقدِرُ المؤمنُ عليه منه، لأبادَ خضراءَه (٢). وكان مجاهدٌ يقولُ: نزَلت هذه الآيةُ في المنافِقين. حدَّثني بذلك محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ (٣). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾. يعنى بذلك جل ثناؤُه أن هؤلاء الذين نهَى اللهُ ﵎ المؤمنين أن يَتَّخِذوهم بطانةً من دونِهم، ووصَفهم بصفتِهم، إذا لَقُوا المؤمنين من أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ ، أعطَوهم بألسنتِهم تَقِيَّةً؛ حَذرًا على أنفسِهم منهم، فقالوا لهم: قد آمَنَّا وصَدَّقنا بما جاء به محمدٌ. وإذا هم خَلَوا فَصاروا في خَلاءٍ حِيثُ لا يَراهم المؤمنون، عَضُّوا - على ما يَرَون من ائتلافِ المؤمنين واجتماعِ كلمتِهم وصلاحِ

стр. 3836

ذاتِ بينِهم - أنامِلَهم، وهى أطرافُ أصابعِهم؛ تَغَيُّظًا مما بهم من المَوْجِدَةِ عليهم، وأَسًى على ظَهْرٍ يستندون إليه؛ لمُكاشَفتِهم العداوةَ، ومُناجَزتِهم المُحاربةَ. وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾: إذا لَقُوا المؤمنين قالوا: آمَنَّا. ليس بهم إلا مَخافةٌ على دمائِهم وأموالِهم، فَصانَعوهم بذلك، ﴿وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾. يقولُ: مما يَجِدون في قلوبِهم من الغَيْظِ والكَراهةِ للذى هم عليه، لو يَجِدون رِيحًا (١) لكانوا على المؤمنين، فهم كما نَعَت اللهُ ﵎ (٢). حُدِّثتُ عن عَمَّارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بمثلِه، إلا أنه قال: من الغيظِ لكراهيةِ الذى هم عليه. ولم يَقُلْ: لو يَجِدون رِيحًا. وما بعدَه (٣). حدَّثنا العباسُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثني يحيى بنُ عمرِو ابنِ مالكٍ النُّكْرِيُّ (٤)، قال: ثنا أبي، قال: كان أبو الجَوزاءِ إذا تَلا هذه الآيةَ: ﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾. قال: هم الإباضِيَّةُ (٥).

стр. 3837

القولُ في تأْويلِ قولِه: ﴿الْأَنَامِلَ﴾ والأناملُ جمعُ أَنْمُلَةٍ، ويقالُ: أُنْمُلةٌ. وربما جُمِعَت أَنْمُلًا، قال الشاعرُ (١): أُوفِّيكما (٢) ما بَلَّ حَلْقِيَ رِيقَتِي … وما حَمَلَت كَفَّايَ أَنْمُلِيَ العَشْرَا وهي أطرافُ الأصابعِ. كما حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: الأناملُ أطرافُ الأصابعِ (٣). حُدِّثتُ عن عَمَّارٍ، [عن ابنِ أبي] (٤) جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه (٥). حدَّثنا محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ﴾: الأصابعُ (٦). حدَّثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيعٌ، عن إسرائيلَ، [عن أبي إسحاقَ] (٧)، عن أبي الأحوصِ، عن عبدِ اللهِ قولَه: ﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغيْظِ﴾. قال: عَضُّوا

стр. 3838

على أصابِعهم (١). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١١٩)﴾. يعنى بذلك جلّ ثناؤه: قلْ يا محمدُ لهؤلاء اليهودِ الذين وصَفتُ لك صفتَهم، وأخبَرتُك أنهم إذا لَقُوا أصحابَك قالوا: آمَنَّا. وإذا خَلَوا عَضُّوا عليكم الأناملَ من الغيظِ -: ﴿مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾. [أى: موتُوا بالغَيظِ] (٢) الذى بكم على المؤمنين؛ لاجتماعِ كلمتِهم، وائتلافِ جماعتِهم. وخَرَج هذا الكلامُ مَخْرجَ الأمرِ، وهو دعاءٌ مِن اللهِ ﵎ نبيَّه محمدًا ﷺ بأن يَدْعُوَ عليهم بأن يُهْلِكَهم اللهُ كَمَدًا مما بهم من الغَيْظِ على المؤمنين، قبل أن يَرَوا فيهم ما يَتَمَنَّون لهم من العَنَتِ في دينِهم، والضلالةِ بعدَ هُداهم، فقال لنبيِّه ﷺ : قل يا محمدُ: اهلِكوا بغَيْظِكم، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾. يعنى بذلك: إن اللهَ ذو علمٍ بالذي في صُدورِ هؤلاءِ الذين إذا لَقُوا المؤمنين قالوا: آمَنَّا. وما يَنْطَوون عليه لهم من الغِلِّ والغِمْرِ (٣)، ويَعْتَقِدون لهم من العَداوةِ والبَغْضاءِ، وبما في صدورِ جميعِ خلقِه، حافِظٌ على جميعِهم ما هو عليه مُنْطَوِ من خيرٍ وشَرٍّ، حتى يُجازِىَ جميعَهم على ما قدَّم من خيرٍ وشرٍّ، واعتقد من إيمانٍ وكفرٍ، وانطَوى عليه لرسولِه وللمؤمنين من نصيحةٍ أو غِلٍّ وغمْرٍ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (١٢٠)﴾. يعني بقولِه جل ثناؤه: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾: إِن تَنالُوا أَيُّها

стр. 3839

المؤمنون سرورًا بظُهورِكم على عدوٍّ لكم، وتَتابُعِ الناسِ في الدخولِ في دينِكم وتَصْديقِ نبيِّكم، ومُعاونتِكم على أعدائِكم، يَسُؤْهم (١) [فيَحْزَنُوا لذلك، ويكتئبوا له، ﴿وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾. يقولُ] (٢). وإِنْ تَنَلْكُم مَسَاءةٌ بإخفاقِ سَرِيَّةٍ لكم، أو بإصابةِ عدوٍّ لكم منكم، أو اختلافٍ يكونُ بينَ جماعتِكم، يفرَحوا بها. كما حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾: فإذا رَأَوا من أهلِ الإسلام أُلْفةً وجماعةً وظُهورًا على عدوِّهم، غاظَهم ذلك وساءَهم، وإذا رَأَوا من أهلِ الإسلامِ فُرْقةً واختلافًا، أو أُصيب طَرَفٌ من أطرافِ المسلمين، سَرَّهم ذلك وأُعْجِبوا به وابتَهَجوا به، [فهو دَأبُهم] (٣)، كلَّما خرَج منهم فِرْقٌ (٤) أكذب اللهُ أُحْدوثته، وأوطَأ، مَحِلَّتَه، وأبطَل حُجَّتَه، وأظهَر عَوْرَتَه، فذاك قضاءُ اللهِ فِي مَن مضَى منهم، وفى مَن بقِى إلى يومِ القيامةِ (٥). حُدِّثتُ عن عَمَّارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾. قال: هم المنافِقون، إذا رَأَوا من أهلِ الإسلامِ جماعةً وظُهورًا على عدوِّهم، غاظَهم ذلك غَيْظًا شديدًا وساءَهم، وإذا رَأَوا من أهلِ الإسلامِ فُرْقةً واختلافًا، أو أُصِيب طَرَفٌ من أطرافِ المسلمين، سَرَّهم ذلك وأُعْجِبوا به، قال اللهُ : ﴿إوَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا

стр. 3840

يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجُ، عن ابنِ جُرَيجٍ قولَه: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾. قال: إذا رَأَوا من المؤمنين جماعةً وأُلْفةً ساءَهم ذلك، وإذا رَأَوا منهم فُرْقةً واختلافًا فَرِحوا (١). وأما قولُه: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾. فإنه يعنى بذلك جلّ ثناؤه: وإن تَصْبِروا أيُّها المؤمنون على طاعةِ اللهِ واتِّباع أمرِه فيما أمَركم به، واجتنابِ ما نَهاكم عنه، من اتخاذِ بطانةٍ لأنفسِكم من هؤلاء اليهودِ الذين وَصَف اللهُ جلَّ ثناؤه صفتَهم من دونِ المؤمنين، وغيرِ ذلك من سائرِ ما نَهاكم، وتَتَّقوا ربَّكم، فَتَخافوا التَّقدُّمَ بينَ يَديه فيما ألزَمكم وأوجَب عليكم من حقِّه وحَقِّ رسولِه ﴿لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾. أى: كَيْدُ هؤلاء الذين وَصَف صفتَهم. ويعني بـ ﴿كَيْدُهُمْ﴾ غوائلَهم التي [يَبْتَغونها للمسلمين] (٢)، ومَكْرَهم بهم؛ لِيَصُدُّوهم عن الهُدى وسبيلِ الحقِّ. واختَلفت القرأةُ فى قراءةِ قوله: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ﴾؛ فقَرَأ ذلك جماعةٌ من أهلِ الحجازِ وبعضُ البَصْريين: (لَا يَضِرْكُمْ). مخففةً بكَسْرِ الضادِ (٣)، من قولِ القائلِ: ضَارَنى فلانٌ، فهو يَضِيرُنى ضَيْرًا. وقد حُكِى سَماعًا من العربِ: ما يَنْفَعُنى ذاك (٤) ولا يَضُورُني. فلو كانت قُرِئت على هذه اللغةِ لقيل: لَا يَضُرْكُمْ كيدُهم شَيْئًا. ولكني لا أعلمُ أحدًا قرَأ به.

стр. 3841

وقرَأ ذلك جماعةٌ من أهلِ المدينةِ وعامةُ قرأةِ أهلِ الكوفةِ: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾. بضَمِّ الضادِ وتشديدِ الراءِ (١)، من قولِ القائلِ: ضَرَّني فلانٌ فهو يَضُرُّني ضَرًّا. وأما الرفعُ فى قولِه: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ﴾. فمن وجهَين؛ أحدُهما على إتْباعِ الراءِ في حركتِها -إذ كان الأصلُ فيها الجزمَ، ولم يُمْكِنْ جَزْمُها؛ لتَشْدِيدِها- أقربَ حركاتِ الحروفِ التي قبلَها، وذلك حركةُ الضَّادِ وهى الضمةُ، فأُلْحِقَت بها حركةُ الراءِ لقُرْبِها منها، كما قالوا: مُدُّ ياهذا، والوجهُ الآخرُ من وجهى الرفعِ في ذلك، أن تكونَ مرفوعةً على صحةٍ، وتكونَ "لا" بمعنى "ليس"، وتكون الفاءُ التي هي جوابُ الجَزاءِ متروكةً؛ لعلمِ السامعِ بموضعِها. ·وإذا كان ذلك معناه، كان تأويلُ الكلامِ: وإن تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا فليس يَضُرُّكم كَيْدُهم شيئًا. ثم تُرِكَت الفاءُ من قولِه: ﴿لَا (٢) يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ﴾. وَوُجِّهَت "لا" إلى معنى "ليس"، كما قال الشاعرُ (٣): فإن كان لا يُرْضِيكَ حتى تَرُدَّنى … إلى قَطَرِيٍّ لَا إِخَالُكَ رَاضِيَا ولو كانت الراءُ مُحَرَّكَةً إلى الخفضِ والنصبِ كان جائزًا، كما قيل: مُدِّ ياهذا، ومُدَّ. وقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾. يقولُ جل ثناؤه: إن اللهَ ﵎ بما يعمَلُ هؤلاء الكفارُ في عبادِه وبلادِه من الفسادِ، والصَّدِّ عن سبيلِه،

стр. 3842

والعَداوةِ لأهلِ دينِه، وغيرِ ذلك من معاصى اللهِ جَلَّ وعزَّ، مُحِيطٌ بجميعِه، حافظٌ له، لا يَعْرُبُ عنه شيءٌ منه، حتى يُوَفِّيَهم جَزاءَهم على ذلك كلِّه، ويُذِيقَهم عقوبتَه عليه.

стр. 3843

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٢١)﴾. يعني جلّ ثناؤه بقولِه: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ﴾: وإن تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا لا يَضُرُّكم أيُّها المؤمنون كَيْدُ هؤلاء الكفارِ من اليهودِ شيئًا، ولكن اللهَ ينصرُكم عليهم إن صَبَرتم على طاعتى واتباعِ أمرِ رسولى، كما نَصَرْتُكم ببدرٍ وأنتم أذِلَّةٌ، وإن أنتم خالَفتم أيُّها المؤمنون أمرِى، ولم تَصْبِروا على ما كَلَّفْتُكم من فَرائِضى، ولم تَتَّقُوا ما نهيتُكم عنه، وخالَفتم أمرِى وأمرَ رسولى، فإنه نازِلٌ بكم ما نزَل بكم بأُحُدٍ، فاذكُروا ذلك اليومَ، إذ غَدا نبيُّكم يُبَوِّئُ المؤمنين. فترَك ذكْرَ الخبرِ عن أمرِ القومِ إن لم يَصْبِروا على أمرِ ربِّهم، ولم يَتَّقُوه؛ اكتفاءً بدلالةِ ما ظهَر من الكلامِ على معناه، إذ ذكر ما هو فاعلٌ بهم من صَرْفِ كَيْدِ أعدائِهم عنهم، إن صَبَروا على أمرِه واتَّقَوا مَحارمَه، وتَعْقيبَه ذلك بتَذْكيرِهم ما حَلَّ بهم من البَلاءِ بأُحُدٍ، إذ خالَف بعضُهم أمرَ رسولِه ﷺ وتَنازَعوا الرأيَ بينَهم. وأُخْرِج الخِطابُ فى قولِه: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. على وَجْهِ الخطابِ الرسولِ اللهِ ﷺ ، والمرادُ بمعناه: الذين نَهاهم اللهُ أن يتَّخِذوا (١) الكفارَ من اليهودِ بِطانةً مِن دونِ المؤمنين. فقد تَبَيَّن إذنْ أن قولَه: ﴿وَإِذْ﴾ إنما خبرُها (٢) في معنى الكلامِ، على ماقد بَيَّنتُ وأوضَحتُ.

стр. 3844

وقد اختلف أهلُ التأويلِ فى اليومِ الذى عَنَى اللهُ ﵎ بقولِه: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾، فقال بعضُهم: عَنَى بذلك يومَ أُحُدٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللهِ: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾. قال: مَشَى النبيُّ ﷺ يومَئِذٍ على رِجْلَيه يُبَوِّئُ المؤمنين (١). حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾: ذلك يومُ أُحَدٍ، غَدا نبيُّ اللهِ ﷺ من أهلِه إلى أُحُدٍ، يُبَوِّئُ المؤمنين مَقاعدَ للقتالِ (٢). حُدِّثتُ عن عَمَّارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾: فَغَدا نبيُّ اللهِ ﷺ من أهلِه إلى أُحُدٍ، يُبَوِّئُ المؤمنين مقَاعدَ للقِتالِ (٣). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾. فهو يومُ أحُدٍ (٤).

стр. 3845

حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال: هذا (١) يومُ أحدٍ (٢). حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: مما نزَل في يومِ أُحُدٍ: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣). وقال آخرون: عَنَى بذلك يومَ الأحزابِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سِنانٍ القَزَّازُ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحَنَفيُّ، قال: ثنا عَبَّادٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾. قال: يعني محمدًا ﷺ غَدا يُبَوِّئُ المؤمنين مقاعدَ للقتالِ يومَ الأحزابِ (٤). وأولى هذين القولَين بالصواب قولُ مَن قال: عَنَى بذلك يومَ أُحُدٍ؛ لأن اللهَ جَلَّ ثناؤه يقولُ في الآيةِ التي بعدَها: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾. ولا خلافَ بينَ أهلِ التأويلِ أنه عُنِى بالطائفتَين بنو سَلِمةَ وبنو حارثةَ، ولا خلافَ بينَ أهلِ السيرِ والمعرفةِ بمَغازى رسولِ اللهِ ﷺ أن الذى ذكَر اللهُ ﵎ من أمرِهما إنما كان يومَ أُحدٍ دونَ يومِ الأحزابِ.

стр. 3846

فإن قال لنا قائلٌ: فكيف يكونُ ذلك يومَ أحدٍ ورسولُ اللهِ ﷺ إنما راحَ إلى أُحُدٍ من أهلِه للقتال يومَ الجمعةِ، بعد ما صَلَّى الجمعةَ في أهلِه بالمدينةِ بالناسِ، كالذي حَدَّثكم ابنُ حُمَيدٍ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ، عن محمد بنِ إسحاقَ، قال: ثنى محمدُ ابنُ مسلمِ بن عُبَيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ بن شهابٍ الزُّهريُّ، ومحمدُ بنُ يحيى بنِ حَبَّانَ، وعاصمُ بنُ عمرَ بنِ قتادةَ، والحصينُ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ عمرِو بنِ سعدِ بنِ معاذٍ، وغيرُهم من علمائِنا، أن رسولَ اللهِ ﷺ راحَ حينَ صَلَّى الجمعةَ إلى أُحُدٍ، دخَل فلَبِس لأْمتَه (١)، وذلك يومَ الجمعةِ حينَ فرَغ من الصلاةِ، وقد مات في ذلك اليومِ رجلٌ من الأنصارِ، فصَلَّى عليه رسولُ اللهِ ﷺ ، ثم خرَج عليهم وقال: "ما يَنْبَغى للنبيِّ إذا لبِس لأْمَتَه أن يَضَعَها حتى يُقاتِلَ" (٢). قيل: إن النبيَّ ﷺ وإن كان خروجُه لقتالِ القومِ كان رواحًا (٣)، فلم يكنْ تَبْوِئتُه المؤمنين مقاعدَهم للقتالِ عندَ خُروجِه، بل كان ذلك قبلَ خُروجِه لقتالِ عَدوِّه، وذلك أن المشركين نزَلوا مَنْزلَهم من أُحُدٍ -فيما بلَغنا- يومَ الأربعاءِ، فأقاموا به ذلك اليومَ ويومَ الخميسِ ويومَ الجمعةِ، حتى راحَ رسولُ اللهِ ﷺ إليهم في يومِ الجمعةِ، بعدَ ما صَلَّى بأصحابِه الجمعةَ، فأصبَح بالشِّعْبِ من أُحُدٍ يومَ السبتِ للنصفِ من شوالٍ. حدَّثنا بذلك ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ثنى محمدُ ابنُ مسلمٍ الزهريُّ، ومحمدُ بنُ يحيى بنِ حَبَّانَ، وعاصمُ بنُ عمرَ بنِ قتادةَ، والحصينُ بنُ عبدِ الرحمنِ وغيرُهم.

стр. 3847

فإن قال: فكيف (١) كانت تَبْوِئْتُه المؤمنين مقاعدَ للقتالِ غُدُوًّا قبلَ خُروجِه، وقد عَلِمتَ أن التَّبْوِئَةَ اتخاذُ المواضعِ (٢)؟ قيل: كانت تَبْوئتُه إياهم ذلك قبلَ مُناهضتِه عَدوَّه، عندَ مشورتِه على أصحابِه بالرأيِ الذي رآه لهم بيومٍ أو يومين، وذلك أن رسولَ اللهِ ﷺ لمَّا سمِع بنزولِ المشركين من قريشٍ وأتباعِها أُحُدًا، قال -فيما حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ- لأصحابِه: "أَشِيروا عليَّ، ما أصنَعُ"؟. فقالوا: يا رسولَ اللهِ، اخرُجْ بنا (٣) إلى هذه الأكلُبِ. فقالت الأنصارُ: يا رسولَ اللهِ، ما غلَبَنا عدوٌّ لنا قطُّ (٣) أتانا في ديارِنا، فكيف وأنت فينا! فَدَعا رسولُ اللهِ ﷺ عبدَ اللهِ بنَ أبيٍّ ابنَ سَلُولَ، ولم يَدْعُه قَطُّ قبلَها، فاستَشاره، فقال: يا رسولَ اللهِ، اخرُجْ بِنا إلى هذه الأكلُبِ. وكان رسولُ اللهِ ﷺ يُعْجِبُه أن يدخُلوا عليه المدينةَ، فيُقاتَلُوا فى الأزقَّةِ، فأتاه النُّعْمانُ بنُ مالكٍ الأنصاريُّ فقال: يا رسولَ اللهِ، لا تَحرِمْنى الجنةَ، فوالذي بعَثَك بالحقِّ لأدخُلَنَّ الجنةَ. فقال له: "بمَ"؟ قال: بأنى أشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وأنك رسولُ اللهِ، وأنى لا أَفِرُّ من الزَّحْفِ. قال: "صَدَقْتَ". فقُتِل يومَئذٍ. ثم إن رسولَ اللهِ ﷺ دَعا بدرْعِه فلَبِسها، فلما رَأَوه قد لَبِس السلاحَ نَدِموا، وقالوا: بِئْسَما صنَعنا، نُشيرُ على رسولِ اللهِ ﷺ والوحيُ يَأتيه! فقاموا واعتَذروا إليه، وقالوا: اصنعْ ما رأيتَ. فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "لا يَنْبَغِى لنَبِيٍّ أَنْ يَلْبَسَ لَأْمَتَه فيَضَعَها حتى يُقاتِلَ" (٤). حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، قال: ثنى ابنُ

стр. 3848

شِهابٍ الزهريُّ، ومحمدُ بنُ يحيى بنِ حَبَّانَ، وعاصمُ بنُ عمرَ قتادةَ، والحصينُ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ عمرِو بنِ سعدِ بنِ معاذٍ، وغيرُهم من علمائِنا، قالوا: لمَّا سمِع رسولُ اللهِ ﷺ والمسلمون بالمشركين قد نزَلوا مَنْزلَهم من أُحُدٍ، قال رسولُ اللهِ ﷺ للمسلمين: "إنِّي قد رأيتُ بَقَرًا، فَأَوَّلتُها خَيْرًا، ورأيتُ في ذُبابِ (١) سَيْفِى ثَلْمًا (٢)، ورأيتُ أَنِّى أَدْخَلتُ يَدِى فى دِرْعٍ حَصِينةٍ، فَأَوَّلْتُها المدينةَ، فَإِنْ رَأَيْتُم أن تُقِيمُوا بالمدينةِ وتَدَعُوهم حيثُ نزَلوا، فإن أقامُوا أقاموا بِشَرِّ مُقامٍ، وإِن هُم دخَلوا علينا قاتَلْناهم فيها". وكان رأيُ عبدِ اللهِ بنِ أُبَيٍّ ابنِ سَلُولَ مع رأيِ رسولِ اللهِ ﷺ ، يرَى رأيَ رسولِ اللهِ ﷺ في ذلك ألا يخرُجَ إليهم، وكان رسولُ اللهِ ﷺ يَكْرَهُ الخروجَ من المدينةِ، فقال رجالٌ من المسلمين ممن أكرَم اللهُ بالشهادةِ يومَ أُحُدٍ، وغيرُهم ممن كان فاتَه بدرٌ وحضورُه: يا رسولَ اللهِ، اخرُجْ بنا إلى أعدائِنا، لا يَرَون أَنَّا [جَبُنَّا عنهم] (٣) وضَعُفْنا. فقال عبدُ اللهِ بنُ أبيٍّ ابنُ سلولَ: يا رسولَ اللهِ، أَقِمْ بالمدينةِ، لا تخرُجْ إليهم، فواللهِ ما خرَجنا منها إلى عدوٍّ لنا قَطُّ إلا أصابَ منا، ولا دخَلها علينا (٤) إلا أصَبْنا منه، فدَعْهم يا رسولَ اللهِ، فإن أقاموا أقاموا بِشَرِّ مَحْبَسٍ، وإن دخَلوا قاتَلهم الرجالُ فى وجوهِهم ورَماهم النساءُ والصبيانُ بالحجارةِ من فوقِهم، وإن رجَعوا رجَعوا خائِبِين كما جاءوا. فلم يَزَلِ الناسُ برسولِ اللهِ ﷺ ، الذين كان من أمْرِهم حُبُّ لقاءِ القومِ، حتى دخَل رسولُ اللهِ ﷺ فَلَبِس لَأُمَتَه (٥). فكانت تَبْوِئَةُ رسولِ اللهِ ﷺ المؤمنين المقاعدَ (٦) للقتالِ، ما ذكَرنا من

стр. 3849

مَشُورتِه على أصحابِه بالرأيِ الذي ذكَرنا، على ما وصَفه الذين حَكَينا قولَهم. يقالُ منه: بَوَّأْتُ القومَ مَنْزِلًا، وبَوَّأْتُه لهم، فأنا أُبَوِّتُهم المنزلَ تَبْوِئَةً، وأُبوِّئُ لهم مَنزِلًا تَبْوِئةً. وقد ذُكِر أن في قراءةِ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ (١): (وَإِذْ عَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوّئُ للْمُؤْمِنينَ مَقاعِدَ للْقِتالِ). وذلك جائزٌ، كما يقالُ: رَدِفَكَ ورَدِفَ لك، ونَقَدتُ لها صداقَها ونَقَدْتُها، كما قال الشاعرُ (٢): أستَغفِرُ اللهَ ذَنْبًا لستُ مُحْصِيَهُ … رَبَّ العِبادِ إليه الوَجْهُ والعملُ والكلامُ: أستغفرُ اللهَ لذنبٍ. وقد حُكِى عن العربِ سَماعًا: أبَأْتُ القومَ مَنْزِلًا، فأنا أُبِيئُهم إباءةً. ويقالُ منه: أبأْتُ الإبلَ. إذا رَددتَها إلى المبَاءةِ. والمبَاءةُ المُرَاحُ الذي تَبيتُ فيه. والمقاعدُ، جمعُ مَقْعَدٍ، وهو المجلِسُ. فتأويلُ الكلامِ: واذْكُرْ إذ غَدوتَ يا محمدُ من أهْلِك، تَتَّخِذُ للمؤمنين مُعَسْكرًا ومَوْضِعًا لقتالِ عدوِّهم. وقولُه: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. يعنى بذلك تعالى ذكرُه: واللهُ سميعٌ لِما يقولُ المؤمنون لك فيما شاوَرْتَهم فيه، من موضعِ لقائِك ولقائِهم عدوَّك وعدوَّهم، من قولٍ مَن قال: اخرُجْ بِنا إليهم حتى نَلْقاهم خارجَ المدينةِ. وقولِ من قال لك: لا تَخْرُجُ إليهم، وأقِمْ بالمدينةِ حتى يدْخلوها علينا -على ما قد يَيَّنا قبلُ- وبما (٣) تُشِيرُ به عليهم أنت يا محمدُ، عليمٌ بأصلحِ تلك الآراءِ لك ولهم، وبما تُخْفيه صدورُ

стр. 3850

المُشِيرين عليك بالخروج إلى عدوِّك، وصدورُ المُشِيرين عليك بالمُقامِ في المدينةِ، وغيرِ ذلك من أمرِك وأمورِهم. كما حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ في قولِه: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. أى سميعٌ لِما يقولون، عليمٌ بما يُخْفُون (١). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٢٢)﴾. يعنى بذلك جلّ ثناؤه: واللهُ سميعٌ عليمٌ حينَ هَمَّت طائفتان منكم أن تَفْشَلا. والطائفتان اللَّتان هَمَّتا بالفَشَلِ -فيما ذُكر لنا- بنو سَلِمةَ وبنو حارثةَ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾. قال: بنو حارثةَ كانوا نحوَ أُحُدٍ، وبنو سَلِمة نحوَ سَلْعٍ، وذلك يومَ الخندقِ (٢). قال أبو جعفرٍ: وقد دلَّلنا على أن ذلك كان يومَ أُحُدٍ فيما مضَى بما فيه الكفايةُ عن إعادتِه. حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾ الآية: وذلك يومَ أُحُدٍ، والطائفتان بنو سَلِمةَ وبنو

стр. 3851

حارثةَ؛ حَيَّان من الأنصارِ، هَمُّوا بأمرٍ، فعَصَمهم اللهُ ذلك. قال قتادةُ: وقد ذُكِر لنا أنه لمَّا أُنزِلت هذه الآيةُ قالوا: ما يَسرُّنا أنَّا لم نَهُمَّ بالذى هَمَمْنا به، وقد أخبَرنا اللهُ أنه وَليُّنا (١). [حُدِّثت عن عَمَّارٍ، قال] (٢): ثنا ابنُ أبي جعفرِ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ﴾ الآية: وذلك يومَ أُحُدٍ، فالطائفتان بنو سَلِمةَ وبنو حارثةَ؛ حَيَّانِ من الأنصارِ. فذَكَر مثلَ قولِ قتادةَ (٣). حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: خرَج رسولُ اللهِ ﷺ إلى أُحُدٍ في ألفِ رجلٍ، وقد وَعَدهم الفَتْحَ إِن صَبَروا، فلما خرَج (٤)، رجَع عبدُ اللهِ بنُ أبيٍّ ابنُ سَلولَ في ثلاثِمائةٍ، فتَبِعهم أبو جابرٍ السُّلَمِيُّ يَدْعوهم، فلما غَلَبوه وقالوا له: ما نعلَمُ قِتالًا، ولئن أطَعْتَنا لتَرْجِعنَّ مَعَنا. وقال: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾. فهَمَّ بنو سَلِمةَ وبنو حارثةَ، هَمُّوا بالرجوعِ حينَ رجَع عبدُ اللهِ بنُ أبيِّ، فعَصَمهم اللهُ، وبَقِى رسولُ اللهِ ﷺ في سبعِمائةٍ (٥). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، قال: قال عِكْرمةُ: نَزَلت في بني سَلِمةَ من الخَزرجِ، وبني حارثةَ من الأوسِ، ورَأْسِهم عبدِ اللهِ بنِ أَبِيِّ ابنِ سَلولَ (٦).

стр. 3852

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾. فهُم بنو حارثةَ وبنو سَلِمةَ (١). حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾. والطائفتان بنو سَلِمةَ من جُشَمَ بنِ الخَزرجِ، وبنو حارثةَ بنِ النَّبِيتِ من الأوسِ، وهما الجنَاحان (٢). حدَّثني محمدُ بنُ سِنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحَنَفيُّ، عن عَبَّادٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾ الآية. قال: هما طائفتان من الأنصارِ، هَمَّا أَن يَفْشَلا، فعَصَمهما اللهُ وهَزَم عدوَّهما (٣). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا ابنُ عُيَينةَ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، قال: سمِعتُ جابرَ بنَ عبدِ اللهِ يقولُ: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾. قال: نحن (٤) هم؛ بنو سَلِمةَ وبنو حارثةَ، وما نُحِبُّ أن لو لم [نَكُنْ هَمَمْنا] (٥)؛ لقولِ اللهِ : ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ (٦). حدَّثني أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نُعَيمٍ، قال: ثنا ابنُ عُيَينةَ، عن عمرٍو،

стр. 3853

قال: سمعتُ جابرَ بنَ عبدِ اللهِ يقولُ. فذكَر نحوَه. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾. قال: هذا يومُ أُحُدٍ (١). وأما قولُه: ﴿أَنْ تَفْشَلَا﴾. فإنه يعنى: [هَمَّنَا أَن تَضْعُفا وتَجْبُنا] (٢) عن لقاءِ عَدُوِّهما. يقالُ منه: فَشِل فلانٌ عن لقاءِ عدوِّه، يَفْشَلُ فَشَلًا. كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: الفَشَلُ الجُبْنُ (٣). وكان هَمُّهما الذى هَمَّا به من الفَشَلِ، الانصرافَ عن رسولِ اللهِ ﷺ والمؤمنين، حينَ انصرَف عنهم عبدُ اللهِ بنُ أُبَيٍّ ابنُ سلولَ بمَن معه، جُبْنًا منهم، من غيرِ شَكٍّ منهم في الإسلامِ ولا نفاقٍ، فعَصَمَهم اللهُ مما هَمُّوا به من ذلك، ومَضَوا مع رسولِ اللهِ ﷺ لوَجْهِه الذى مَضَى له، وترَكوا عبدَ اللهِ بنَ أبيٍّ ابنَ سلولَ والمنافِقين معه، فأثْنَى اللهُ عليهما بثُبوتِهما على الحقِّ، وأخبَر أنه وَليُّهما وناصرُهما على أعدائِهما من الكفارِ. كما حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾. أى: المُدافِعُ (٤) عنهما ما هَمَّا فَشَلِهما (٥). وذلك أنه إنما كان ذلك منهما عن ضَعْفٍ ووَهَنٍ أصابَهما من غيرِ شَكٍّ أصابَهما في دينِهما، فتَوَلَّى دَفْعَ ذلك عنهما برَحْمتِه وعائدتِه، حتى سَلِمَتا من

стр. 3854

وَهَيْهما وضَعْفِهما، ولَحِقَتا بنَبيِّهما ﷺ . يقولُ: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾. أى: مَن كان به ضَعْفٌ من المؤمنين أو وَهَنٌ فَليَتَوَكَّلْ عليَّ، ولْيَسْتَعِنْ بي، أُعِنْه على أمرِه، وأدفَعْ عنه حتى أبلغَ به، وأُقَوِّيَه على نِيَّتِه. وقد ذُكِر أن ابنَ مسعودٍ ﵁ كان يقرَأُ: (وَاللهُ وَلِيُّهُمْ) (١). وإنما جاز أن يقرَأَ ذلك كذلك؛ لأن الطائفَتين وإن كانَتا فى لفظِ اثنين، فإنهما في معنى جِماعٍ، بمنزلةِ الخَصْمَين والحِزْبَين. القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣)﴾. يعنى بذلك جلّ ثناؤه: وإن تَصْبِروا وتَتَّقوا لا يَضُرُّكم كَيْدُهم شيئًا، وينصُرُكم رَبُّكم، ولقد نصَركم اللهُ يبدرٍ على أعدائِكم وأنتم يومَئِذٍ أَذِلَّةٌ، يعني قليلون في غيرِ مَنَعَةٍ من الناسِ، حتى أظهَركم اللهُ على عدوِّكم، مع كثرةِ عددِهم وقلةِ عددِكم، وأنتم اليومَ أكثرُ عددًا منكم حينَئذٍ، فإن تَصْبِروا لأمرِ اللهِ ينصُرْكم كما نصَركم ذلك اليومَ، ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾. يقولُ: فاتقوا ربَّكم بطاعتِه، واجتنابِ محارمِه، ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. يقول: لتشكُروه على ما مَنَّ به عليكم من النصرِ على أعدائِكم، وإظهارِ دينِكم، ولِما هَداكم له من الحقِّ الذى ضَلَّ عنه مخالِفوكم. كما حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾. يقولُ: وأنتم أقلُّ عددًا وأضعفُ قوَّةً، ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ

стр. 3855

تَشْكُرُونَ﴾، أي: فاتقونِ، فإنه شكرُ نعمتى (١). واختُلِف فى المعنى الذى من أجلهِ سُمِّى بدرٌ بدرًا؛ فقال بعضُهم: سُمِّى بذلك؛ لأنه كان ماءً لرجلٍ يُسَمَّى بدرًا، فسُمِّى باسمِ صاحبِه. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن زكريا، عن الشعبيِّ، قال: كانت بدرٌ لرجلٍ يقالُ له: بدرٌ. فسُمِّيَت به (٢). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبَرنا زكريا، عن الشعبيِّ، أنه قال: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾. قال: كانت بدرٌ بئرًا لرجلٍ يقالُ له: بدرٌ. فسُمِّيت به. وأنكَر ذلك آخرون، وقالوا: ذلك اسمٌ سُمِّيت به البقعةُ كما سُمِّى سائرُ البُلدانِ بأسمائِها. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا الحارثُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا ابنُ سعدٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ عمرَ الواقديًّ، قال: ثنا منصورٌ، عن أبي الأسودِ، عن زكريا، عن الشعبيِّ، قال: إنما سُمِّى بدرًا؛ لأنه كان ماءً لرجل من جُهَينةَ، يقالُ له: بدرٌ. قال الحارثُ، قال ابنُ سعدٍ، قال الواقديُّ: فذكَرْتُ ذلك لعبدِ اللهِ بنِ جعفرٍ ومحمدِ بنِ صالحٍ، فأنكَراه،
следующие страницы →