← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

من وجهين، والنصبُ من وجهين: فأما أحدُ وجهي الرفعِ: فعلى الاستئنافِ لما فيه من الذمِّ، وقد تفعَلُ العربُ ذلك في المدحِ والذمِّ، فتنصِبُ وترفَعُ وإن كان خبرًا عن معرفةٍ، كما قال الشاعر (١): لا يَبْعَدَنْ (٢) قَوْمِي الَّذين هُمُ … سَمُّ العُداةِ وآفةُ الجُزْرِ (٣) النازِلينَ بكُلِّ مُعْتَرَكٍ … والطَّيبِين مَعاقِدَ الأُزْرِ فيُرْوَى: "النازلون" و "النازِلين"، وكذلك "الطيِّبون" و "الطيِّبين"، على ما وصَفْتُ من المدحِ. والوجهُ الآخرُ: على نيَّة التكريرِ من: ﴿أُولَئِكَ﴾. فيكونُ المعنى حينَئذٍ: أولئك الذين اشْتَرُوا الضلالةَ بالهدَى، فما رَبِحت تجارتُهم وما كانوا مهتدين، أولئك صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فهم لا يرجِعون. وأما أحدُ وجهي النصبِ: فأن يكون قطعَا مما في: ﴿مُهْتَدِينَ﴾ من ذكرِ ﴿أُولَئِكَ﴾، لأن الذي فيه من ذكرِهم معرفةٌ، والصمُّ نكرةٌ. والآخرُ: أن يكونَ قطعًا من: ﴿الَّذِينَ﴾ لأنَّ ﴿الَّذِينَ﴾ معرفةٌ، والصمُّ نكرةٌ. وقد يجوزُ النصبُ فيه أيضًا على وجهِ الذمِّ، فيكونُ ذلك وجهًا من النصبِ ثالثًا. فأمَّا على تأويلِ ما رَوَينا عن ابنِ عباسٍ من غيرِ وجهِ روايةِ عليِّ بنِ أبي طلحةَ عنه، فإنه لا يجوزُ فيه الرفعُ إلا من وجهٍ واحدٍ، وهو الاستئنافُ. وأما النصبُ فقد

стр. 527

يجوزُ فيه من وجهين: أحدُهما، الذمُّ. والآخرُ، القطعُ من الهاءِ والميمِ اللتين في ﴿وَتَرَكَهُمْ﴾، أو من ذكرِهم في ﴿لَا يُبْصِرُونَ﴾. وقد بيَّنا القولَ الذي هو أوْلَى بالصوابِ في تأويلِ ذلك. والقراءةُ التي هي القراءةُ (١)، الرفعُ دونَ النصبِ؛ لأنه ليس لأحدٍ خلافُ رسومِ مصاحفِ المسلمين، وإذا قرِئ نصبًا كانت قراءةً مخالفةً رسمَ مصاحِفِهم (٢). قال أبو جعفرٍ: وهذا خبر من اللهِ جلَّ ثناؤُه عن المنافقين، أنهم باشترائِهم الضلالةَ بالهدى لم يكونوا للهدَى والحقِّ مُهْتدين، بل هم صُمٌّ عنهما فلا يسمَعونهما (٣)؛ لغلبةِ خِذلانِ اللهِ عليهم، بُكْمٌ عن القيلِ بهما، فلا ينطِقون بهما - والبُكْمُ الخُرْسُ، وهو جِماعُ (٤) أبكمَ - عُمْيٌ عن أن يُبْصِروهما فيعقِلوهما؛ لأنَّ اللهَ قد طبَع على قلوبِهم بنفاقِهم فلا يَهْتَدون. وبمثلِ ما قلنا في ذلك قالت علماءُ أهلِ التأويل. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا محمدُ (٥) بنُ حميدٍ، قال: حدَّثنا سَلمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾: عن الخيرِ (٦).

стр. 528

حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بن صالحٍ، قال: حدَّثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾. يقولُ: لا يسمَعون الهدى، ولا يُبْصِرونه، ولا يعقِلونه (١). حدَّثني موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبيِّ ﷺ : ﴿بُكْمٌ﴾: هم (٢) الخُرْسُ (٣). حدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾: صُمٌّ عن الحقِّ فلا يسمَعونه، عُمْيٌ عن الحقِّ فلا يُبصِرونه، بُكْمٌ عن الحقِّ فلا ينطِقون به (٤). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨)﴾. قال أبو جعفرٍ: وقولُه: ﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾. إخبارٌ من اللهِ جلَّ ثناؤُه عن هؤلاء المنافقين الذين نعَتهم اللهُ باشترائِهم الضلالةَ بالهدَى، وصَمَمِهم عن سماعِ الخيرِ والحقِّ، وبَكَمِهمْ عن القيلِ بهما، وعَماهم عن إبصارِهما - أنهم لا يَرْجِعون إلى

стр. 529

الإقلاعِ عن ضلالتِهم، ولا يثوبون (١) إلى الإنابةِ من نفاقِهم، فآيَس المؤمنين من أن يُبْصِرَ هؤلاء رُشْدَا، ويقولوا حقًّا، أو يسمَعوا داعيًا إلى الهدَى، أو أن يذَّكَّروا فيتوبوا من ضلالتِهم، كما آيَس من توبةِ قادةِ كفارِ أهلِ الكتابِ والمشركين وأحبارِهم، الذين وصَفهم بأنه قد ختَم على قلوبهم وعلى سمِعهم، وغشَّى على أبصارِهم. وبمثلِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ أي: لا يتوبون ولا يذَّكَّرون (٢). حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمّادٍ، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبيِّ ﷺ : ﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ (٣): إلى الإسلامِ (٤). وقد رُوِي عن ابنِ عباسٍ قولٌ يُخالِفُ معناه معنى هذا الخبرِ (٥)، وهو ما حدَّثنا به ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ

стр. 530

مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ أي: فلا يَرْجِعونَ إلى الهدَى، ولا إلى خيرٍ، ولا يُصيبون نجاةً، ما كانوا على ما هم عليه (١). وهذا تأويلٌ ظاهرُ التلاوةِ بخلافِه، وذلك أن اللهَ جلَّ ثناؤُه أخْبَر عن القومِ أنهم لا يَرْجِعون عن اشترائِهم الضلالةَ بالهدى، إلى ابتغاءِ الهدى وإبصارِ الحقِّ، من (٢) غيرِ حصرٍ منه جلَّ ذكرُه ذلك من حالِهم على (٣) وقتٍ دونَ وقتٍ، وحالٍ دونَ حالٍ. وهذا الخبرُ الذي ذكَرناه عن ابنِ عباسٍ يُنبِئُ عن (٤) أن ذلك من صفتِهم محصورٌ على وقتٍ، وهو ما كانوا على أمرِهم مُقيمين، وأن لهم السبيلَ إلى (٥) الرجوعِ عنه، وذلك من التأويلِ دعوَى باطلةٌ (٦) لا دلالةَ عليها من ظاهرٍ، ولا من خبرٍ تقومُ بمثلِه الحجةُ فيُسَلَّم لها. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى ذكرُه: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾. قال أبو جعفرٍ: والصيِّبُ الفَيْعِلُ، من قولِك: صاب المطرُ يصوبُ صَوْبًا. إذا انحدَر ونزَل، كما قال الشاعرُ (٧):

стр. 531

فَلسْتَ لإِنْسِيٍّ (١) ولكنْ لمَلْأكٍ (٢) … تَنَزَّلَ من جوِّ السماءِ يَصوبُ وكما قال علقمةُ بنُ عَبَدةَ (٣): كأنَّهُمُ صابتْ عليهم سَحَابةٌ … صواعِقُها لطَيْرِهنَّ دَبيبُ فلا تَعْدِلي بَيْني وبينَ مُغَمَّرٍ (٤) … سُقِيتِ (٥) رَوَايا (٦) المُزْنِ (٧) حينَ (٨) تَصوبُ يعني: حينَ تنحدِرُ. وهو في الأصلِ صَيْوِبٌ، ولكنَّ الواوَ لمّا سبَقتها ياءٌ ساكنةٌ، صُيِّرتا جميعًا ياءً مشددةً، كما قيل: سيِّدٌ، من سادَ يسودُ، وجيِّدٌ، من جاد يجودُ. وكذلك تفعَلُ العربُ بالواوِ إذا كانت متحرِّكةً وقبلَها ياءٌ ساكنةٌ، تصيِّرُهما جميعًا ياءً مشددةً. وبما قلنا من القولِ في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ إسماعيلَ الأَحْمَسيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عُبيدٍ، قال:

стр. 532

حدَّثنا هارونُ بنُ عنترةَ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ في قوله: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ قال: القَطْرُ (١). حدَّثني عباسُ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا حجاجٌ، قال: قال ابنُ جُريج: قال لي عطاءٌ: الصيِّبُ المطرُ (٢). حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو صالحٍ، قال: حدَّثني معاويةُ بنُ صالح، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الصيِّبُ المطرُ (٣). حدَّثني موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبيِّ ﷺ : الصيِّبُ المطرُ (٤). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه (٥)، عن ابنِ عباسٍ مثلَه. حدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادَةَ: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾. يقولُ: المطرُ (٢).

стр. 533

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخْبرنا معمرٌ، عن قتادةَ مثلَه. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو الباهليُّ وعمرُو بنُ عليٍّ، قالا: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى بنُ ميمونٍ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: الصيِّبُ المطرُ (١). حدَّثني المُثَنَّى قال: حدَّثنا أبو حُذيفةَ، قال: حدَّثنا شِبلٌ، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ: الصيِّبُ المطرُ (٢). حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ بنِ أنسٍ: الصيِّبُ المطرُ (٣). حُدِّثت عن المِنْجابِ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الصيِّبُ المطرُ. حدَّثني يونسُ، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال عبدُ الرحمنِ بنُ زيدٍ: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ قال: أو كغَيثٍ من السماءِ. حدَّثنا سَوَّارُ بنُ عبدِ اللهِ العَنْبَرِيُّ، قال: قال سفيانُ: الصيِّبُ الذي فيه المطرُ (٤). حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا أبو معاويةَ، قال: حدَّثنا ابنُ جُريج، عن عطاءٍ في قولِه: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ قال: المطرُ (٥).

стр. 534

قال أبو جعفرٍ: وتأويلُ ذلك: مثَلُ استضاءةِ المنافقين بضوءِ إقرارِهم بالإسلامِ، مع استسرارِهم الكفرَ، مثَلُ اسْتِضاءَةِ (١) موقدِ نارٍ (٢) بضوءِ نارِه، على ما وصَف جلَّ ثناؤُه من صفتِه، أو كمثَلِ مطرٍ مُظلمٍ، وَدْقُه (٣) تَحَدَّرَ من السماءِ، تحمِلُه مُزنةٌ ظلماءُ، في ليلةٍ مُظلمةٍ، وذلك هو الظلُماتُ التي أخْبَر اللهُ جلَّ ثناؤُه أنها فيه. فإن قال لنا قائلٌ: أخْبِرْنا عن هذين المثَلين، أهما مثَلان للمنافقين، أو أحدُهما؟ فإن يكونا مثَلين للمنافقين، فكيف قيل: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾ و"أو" تأتي بمعنى الشكِّ في الكلامِ، ولم يقلْ: وكصيِّبٍ. بالواوِ التي تُلحِقُ المثلَ الثانيَ بالمثلِ الأولِ؟ أو يكونَ مثلُ القومِ أحدَهما، فما وجهُ ذكرِ الآخرِ بـ ﴿أَوْ﴾ وقد علمتَ أن "أو" إذا كانت في الكلامِ، فإنما تدخُلُ فيه على وجهِ الشكِّ من المخبِرِ فيما أخْبَرَ عنه، كقولِ القائلِ: لقِيَني أخوك أو أبوك. وإنما لقِيَه أحدُهما، ولكنه جهِل عينَ الذي لقِيَه منهما، مع علمِه أن أحدَهما قد لقِيَه، وغيرُ جائزٍ في اللهِ جلَّ ثناؤُه أن يُضافَ إليه الشكُّ في شيْءٍ، أو عُزوبُ علمِ شيْءٍ عنه فيما أخْبَر أو ترَك الخبرَ عنه. قيل له: إن الأمرَ في ذلك بخلافِ (٤) الذي (٥) ذهبتَ إليه، و"أو" وإن كانت في بعضِ الكلامِ تأتي بمعنى الشكِّ، فإنها قد تأتي دالَّةً على مثلِ ما تدلُّ عليه الواوُ، إما بسابقٍ من الكلامِ قبلَها، وإما بما يأتي بعدَها، كقولِ توبةَ بنِ

стр. 535

الحُمَيِّرِ (١): وقد زعَمتْ ليلى بأنِّيَ فاجرٌ … لنفسي تُقَاها أو عليها فُجورُها ومعلومٌ أن ذلك من توبةَ على غيرِ وجهِ الشكِّ فيما قال، ولكن لما كانت "أو" في هذا الموضعِ دالَّةً على مثلِ الذي كانت تدلُّ عليه الواوُ لو (٢) كانت مكانَها، وضَعها موضِعَها. وكذلك قولُ جريرٍ (٣): نال (٤) الخِلافَة أو كانتْ له قَدَرًا … كما أتى ربَّه موسى على قَدَرِ وكما قال الآخرُ (٥): فلو كان البكاءُ يردُّ شيئًا … بَكَيْتُ عَلَى بُجَيْرٍ (٦) أو عِفاقِ (٧) [على المَرْأَيْن] (٨) إذْ مَضَيَا (٩) جَميعًا … لشأنِهما بحُزْنٍ (١٠) واشْتِياقِ (١١)

стр. 536

فقد دلَّ بقولِه: على المَرْأَيْنِ. أن بكاءَه الذي أراد أن يَبكيَه لم يُرِدْ أن يقصِدَ به أحدَهما دونَ الآخرِ، بل أراد أن يَبكِيَهما جميعًا. فكذلك ذلك في قولِ اللهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾. لمّا كان معلومًا أن ﴿أَوْ﴾ (١) دالَّةٌ [في ذلك على مثلِ الذي كانت تدلُّ عليه الواوُ لو (٢)] (٣) كانت مكانَها، كان سواءً نطق فيه بـ "أو" أو بالواوِ. وكذلك وجهُ حذفِ المثَلِ من قولِه: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾ لمّا كان قولُه: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ دالًّا على أن معناه: كمثلِ صيِّبٍ. حذَف المثلَ واكتَفى بدَلالةِ ما مضَى من الكلامِ في قولِه (٤): ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ على أن معناه: أو كمثلِ صيِّبٍ - من إعادةِ ذكرِ المثلِ؛ طَلَبَ الإيجازِ والاختصارِ. (*) القولُ في تأويلِ قولِ اللهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾. قال أبو جعفر: فأما الظلماتُ فجمعٌ، واحدُها ظلمةٌ. وأما الرعدُ، فإن أهلَ العلمِ اختلَفوا فيه؛ فقال بعضُهم: هو ملَكٌ يزجُرُ السحابَ.

стр. 537

ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن الحَكَمِ، عن مجاهدٍ، قال: الرعدُ ملَكٌ يزجُرُ السحابَ بصوتِه (١). وحدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: حدَّثنا ابنُ أبي عديٍّ، عن شعبةَ، عن الحَكَمِ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثني يحيى بنُ طلحةَ اليَرْبُوعيُّ، قال: حدَّثنا فُضيلُ بنُ عِياضٍ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. وحدَّثني يعقوبُ، قال: حدَّثنا هُشيمٌ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ سالمٍ، عن أبي صالحٍ، قال: الرعدُ ملَكٌ مِن الملائكةِ يُسبِّحُ (٢). وحدَّثني نصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأَوْديُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يعلى، عن أبي الخطَّابِ البصريِّ، عن شهرِ بنِ حَوْشبٍ، قال: الرعدُ ملَكٌ مُوَكَّلٌ بالسحابِ، يسوقُه كما يسوقُ الحادِي الإبلَ، يسبِّحُ، كلَّما خالفت سحابةٌ سَحَابةً صاح بها، فإذا اشتدَّ غضَبُه طارت النارُ من فِيه، فهي الصواعقُ التي رأيتُم (٣). وحُدِّثت عن المِنْجابِ بنِ الحارثِ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ،

стр. 538

عن الضّحّاكِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الرعدُ ملَكٌ من الملائكةِ اسمُه الرعدُ، وهو الذي تسمَعون صوتَه (١). حدثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ، قال: حدَّثنا عبدُ الملكِ بنُ حُسينٍ، عن السُّدِّيِّ، عن أبي مالكٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الرعدُ ملَكٌ يزجُرُ السحابَ بالتسبيحِ والتكبيرِ (٢). حدَّثنا الحسنُ (٣) بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عاصمٍ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الرعدُ اسمُ ملَكٍ، وصوتُه هذا تسبيحُه، فإدْا اشتدّ زجرُه السحابَ، اضطَرب السحابُ واحْتَكَّ، فتخرُجُ الصواعقُ مِن بيْنِه. حدَّثنا الحسنُ (٣)، قال: حدَّثنا عفانُ، قال: حدَّثنا أبو عوانةَ، عن موسى البزازِ (٤)، عن شهرِ بنِ حوشبٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الرعدُ ملَكٌ يسوقُ السحابَ

стр. 539

بالتسبيحِ، كما يسوقُ الحادِي الإبلَ بحُدائِه (١). حدَّثنا الحسنُ (٢) بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ عبَّادٍ وشَبَابةُ، قالا (٣): حدَّثنا شعبةُ، عن الحَكَمِ، عن مجاهدٍ، قال: الرعدُ ملَكٌ يزجُرُ السحابَ. حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ، قال: حدَّثنا عتَّابُ بنُ زيادٍ، عن عكرمةَ، قال: الرعدُ ملَكٌ في السماءِ (٤) يجمَعُ السحابَ كما يجمَعُ الراعي الإبلَ (٥). حدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: الرعدُ خَلْقٌ من خَلْقِ اللهِ سامعٌ مُطيعٌ للهِ. حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا حسينٌ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن عكرمةَ، قال: الرعدُ ملَكٌ يُؤمَرُ بإزجاءِ السحابِ، ويؤلِّفُ بينَه، فذلك الصوتُ تسبيحُه. حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: الرعدُ ملَكٌ.

стр. 540

حدَّثنا المُثَنَّى، قال: حدَّثنا الحجاجُ بنُ المِنْهالِ، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ سَلَمةَ، عن المغيرةِ بنِ سالمٍ (١)، عن أبيه اُو غيرِه، أن عليَّ بنَ أبي طالبٍ قال: الرعدُ ملَكٌ (٢). حدَّثنا المُثَنَّى، قال: حدَّثنا الحجاجُ، قال: حدَّثنا حمادٌ، قال: أخْبَرنا موسى ابنُ سالمٍ أبو جَهْضَمٍ مولى ابنِ عباسٍ، قال: كتَب ابنُ عباسٍ إلى أبي الجَلْدِ يَسألُه عن الرعدِ؟ فقال: الرعدُ ملَكٌ (٣). حدَّثنا المُثَنَّى، فال: حدَّثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا عمرُ بنُ الوليدِ الشَّنيُّ (٤)، عن عكرمةَ، قال: الرعدُ ملَكٌ يسوقُ السحابَ كما يسوقُ الراعِي الإبلَ. حدَّثني سعدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحَكَمِ، قال: حدَّثنا حفصُ بنُ عمرَ، قال: حدَّثنا الحَكمُ بنُ أبانٍ، عن عكرمةَ، قال: كان ابنُ عباسٍ إذا سمِع الرعدَ قال: سبحانَ الذي سبَّحتَ له. قال: وكان يقولُ (٥): الرعدُ ملَكٌ ينعِقُ بالغيثِ، كما ينعِقُ الراعي بغنمِه (٦).

стр. 541

وقال آخرون: الرعدُ ريحٌ تختَنقُ تحتَ السحابِ فتصّاعدُ، فيكونُ منه ذلك الصوتُ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ الزُّبيريُّ، قال: حدَّثنا بشيرٌ (١) أبو (٢) إسماعيلَ، عن أبي كَثيرٍ (٣)، قال: كنتُ عندَ أبي الجَلْدِ (٤)، إذ جاءه رسولُ ابنِ عباسٍ بكتابٍ إليه، فكتَب (٥) إليه: كتبتَ إليّ تسألُني عن الرعدِ، فالرعدُ الريحُ (٦). حدَّثني إبراهيمُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: حدَّثنا عمرانُ بنُ ميسرةَ، قال: حدَّثنا ابنُ إدريسَ، عن الحسنِ بنِ الفراتِ، عن أبيه، قال: كتَب ابنُ عباسٍ إلى أبي الجَلْدِ (٤) يسألُه عن الرعدِ، فقال: الرعدُ ريحٌ (٧). قال أبو جعفرٍ: فإن كان الرعدُ ما ذكَره ابنُ عباسٍ ومجاهدٌ، فمعنَى الآية: أو كصيِّبٍ من السماءِ فيه ظلماتٌ وصوتُ رعدٍ؛ لأن الرعدَ إن كان ملَكًا يسوقُ السحابَ، فغيرُ كائنٍ في الصيِّبِ؛ لأن الصَّيِّبَ إنما هو ما تحدَّر من صَوْبِ (٨) السحابِ، والرعدُ إنما هو في جوِّ السماءِ يسوقُ السحابَ. على أنه لو كان فيه

стр. 542

ثَمَّ (١)، لم يكنْ له صوتٌ مسموعٌ، لم (٢) يكنْ هنالك رعبٌ يُرْعَب به أحدٌ؛ لأنه قد قيل: إن مع كلِّ قطرةٍ من قَطْرِ المطرِ ملَكًا. فلا يَعْدُو الملَكُ الذي اسمُه الرعدُ لو كان مع الصيِّبِ، إذا لم يكنْ مسموعًا صوتُه - أن يكونَ كبعضِ تلك الملائكةِ التي تنزلُ مع القَطْرِ إلى الأرضِ، في ألا رُعبَ على أحدٍ بكونِه فيه. فقد عُلِم - إذ كان الأمرُ كما (٣) وصَفْنا من قولِ ابنِ عباسٍ - أن معنَى الآيةِ: أو كمثَلِ غيْثٍ تحدَّر من السماءِ فيه ظلماتٌ وصوتُ رعدٍ. إن كان الرعدُ هو ما قاله ابنُ عباسٍ، وأنه اسْتَغْنَى بدَلالةِ ذكرِ الرعدِ باسمِه على المرادِ في الكلامِ من ذكرِ صوتِه، وإن كان الرعدُ ما قاله أبو الجلدِ (٤)، فلا شيْءَ في قولِه: ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ﴾. متروكٌ؛ لأن معنى الكلامِ حينَئذٍ: فيه ظلماتٌ ورعدٌ، الذي هو ما وصَفْنا صفتَه. وأما البرقُ، فإن أهلَ العلمِ اخْتَلفوا فيه؛ فقال بعضُهم بما حدَّثنا مطرُ بنُ محمدٍ الضبِّيُّ، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، وحدَّثنا محمدُ بنُ بشّارٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ ابنُ مهديٍّ، وحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهْوازيُّ، قال: حدَّثني أبو أحمدَ الزُّبيريُّ، قالوا جميعًا: حدَّثنا سفيانُ الثوريُّ، عن سَلَمةَ بنِ كُهيلٍ، عن سعيدِ بنِ أشْوعَ، عن ربيعةَ بنِ الأَبْيَضِ، عن عليٍّ، قال: البرقُ مخاريقُ (٥) الملائكةِ (٦).

стр. 543

حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ، قال: حدَّثنا عبدُ الملكِ بنُ حسينٍ، عن السُّديِّ، عن أبي مالكٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: البرقُ مخاريقُ بأيدي الملائكةِ يزْجُرون بها السحابَ. حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا الحجاجُ، قال: حدَّثنا حمادٌ، عن المغيرةِ بنِ سالمٍ، عن أبيه أو غيرِه، أن عليَّ بنَ أبي طالبٍ قال: الرعدُ الملَكُ، والبرقُ ضربُه السحابَ بمِخْراقٍ من (١) حديدٍ (٢). وقال آخرون: هو سَوُطٌ من نورٍ، يزجُرُ به الملكُ السحابَ. ذكرُ مَن قال ذلك حُدِّثت عن المِنْجابِ بنِ الحارثِ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ بذلك (٣). وقال آخرون: هو ماءٌ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ، قال: حدَّثنا بشيرٌ (٤) أبو (٥) إسماعيلَ، عن أبي كَثيرٍ (٦)، قال: كنتُ عند أبي الجَلْدِ (٧)، إذ جاءه رسولُ ابنِ

стр. 544

عباسٍ بكتابٍ إليه (١)، [فكتَب إليه] (٢): كَتَبْتَ (٣) إليّ (٤) تسألُني عن البرقِ، فالبرقُ الماءُ (٥). حدَّثنا إبراهيمُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: حدَّثنا عِمرانُ بنُ ميْسرةَ، قال: حدَّثنا ابنُ إدريسَ، عن الحسنِ (٦) بنِ الفراتِ، عن أبيه، قال: كتَب ابنُ عباسٍ إلى أبي الجلدِ يسألُه عن البرقِ، فقال: البرقُ ماءٌ (٧). حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا جَريرٌ، عن عطاءٍ، عن رجلٍ من أهلِ البصرةِ من قُرَّائِهم، قال: كتَب ابنُ عباسٍ إلى أبي الجَلْدِ (٨) - رجلٍ مِن أهلِ هَجَرَ - يسألُه عن البرقِ، فكتَب إليه: كتَبتَ إليَّ تسألُني عن البرقِ، وإنه من الماءِ (٩). وقال آخرون: هو مَصْعُ (١٠) ملَكٍ. حدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن عثمانَ بنِ الأسودِ، عن مجاهدٍ، قال: البرقُ مَصْعُ

стр. 545

ملَكٍ (١) حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا هشامٌ، عن محمدِ بنِ مسلمٍ الطائفيِّ، قال: بلَغني أن البرقَ ملَكٌ له أربعةُ أوجهٍ، وجهُ إنسانٍ، ووجهُ ثَوْرٍ، ووجهُ نَسرٍ، ووجهُ أسدٍ، فإذا مصَع بأجنحتِه فذلك البرقُ (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن وهبِ بنِ سليمانَ، عن شُعيبٍ الجَبَائيِّ، قال: في كتابِ اللهِ؛ الملائكةُ حَملةُ العرشِ، لكل ملَكٍ منهم وجهُ إنسانٍ وثَورٍ وأسدٍ ونَسْرٍ، فإذا حرَّكوا أجنحتَهم، فهو البرقُ، وقال أميةُ بن أبي الصَّلْتِ (٣): رجُلٌ وثورٌ تحتَ رجْلِ يمينِه … والنَّسْرُ للأُخرى ولَيْثٌ مُرْصَدُ (٤) حدَّثنا الحسنُ (٥) بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عاصمٍ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: البرقُ ملَكٌ (٦).

стр. 546

حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ (١)، قال: الصواعقُ ملَكٌ يَضْرِبُ (٢) السحابَ بالمطارقِ (٣)، فيُصيبُ به من يشاءُ. قال أبو جعفرٍ: وقد يَحْتَمِلُ أن يكونَ ما قاله عليُّ بنُ أبي طالبٍ وابنُ عباسٍ ومجاهدٌ بمعنى واحدٍ؛ وذلك أن تكونَ المخاريقُ التي ذكَر عليٌّ، ﵁، أنها هي البرقُ، هي (٤) السِّياطُ التي هي من نورٍ، التي يُزْجِي بها الملَكُ السحابَ، كما قال ابنُ عباسٍ، ويكونُ إزجاءُ الملَكِ السحابَ مَصْعَه إيّاه بها. وذلك أن المِصاعَ عندَ العربِ أصلُه المجالدةُ بالسيوفِ، ثم تستعْمِلُه في كلِّ شيْءٍ جُولِد به، في حربٍ وغيرِ حربٍ، كما قال أعْشَى بني ثعلبةَ وهو يصفُ جَوارِيَ لَعِبْن بحَلْيِهن وتَجَالَدْن به (٥): إذا هُنَّ نازَلْنَ أقرانَهُنَّ … وكان المِصاعُ بما في الجُوَنْ (٦) يقالُ منه: ماصَعه مِصاعًا، وكأنَّ مجاهدًا إنما قال: مَصْعُ ملَكٍ. إذ كان

стр. 547

السحابُ لا يُماصِعُ الملَكَ، وإنما الرعدُ هو الماصِعُ (١) له، فجعَله مصدرًا من: مصَعَه يمصَعُه مَصْعًا. وقد ذكَرنا في معنى الصاعقةِ ما قاله شهرُ بنُ حَوْشبٍ فيما مضَى (٢). وأما تأويلُ الآيةِ، فإن أهلَ التأويلِ مختلِفون فيه؛ فرُوِي عن ابنِ عباسٍ في ذلك أقوالٌ؛ أحدُهما: ما حدَّثنا به محمدُ بن حُميدٍ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ بنُ الفضلِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ أي: هم من ظلُمات ما هم فيه من الكفرِ والحذرِ من القتلِ على الذي هم عليه من الخلافِ والتخوُّفِ منكم - على مثلِ ما وَصَفَ من الذي (٣) هو في ظلمةِ الصيِّبِ، فجعَل أصابعَه في أُذُنيه مِن الصواعقِ حذَرَ الموتِ، ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ أي: لشدةِ ضوءِ الحقِّ، ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾ أي: يعرِفون الحقَّ ويتكلَّمون به، فهم من قولِهم به على استقامةٍ، فإذا ارْتَكسوا منه إلى الكفرِ قامُوا متحيِّرين (٤).

стр. 548

والآخرُ: ما حدَّثنا به موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبيِّ ﷺ : ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ إلى: ﴿إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: أما الصيِّبُ [فالمطرُ. كان] (١) رجلان من المنافقين من أهلِ المدينةِ هرَبا من رسولِ اللهِ ﷺ إلى المشركين، فأصابَهما هذا المطرُ الذي ذكَر اللهُ، فيه رعدٌ شديدٌ وصواعقُ وبرقٌ، فجعَلا كلَّما أصابَهما (٢) الصواعقُ جعَلا أصابِعَهما في آذانِهما، من الفَرَقِ أن تدخُلَ الصواعقُ في مسامعِهما فتقتُلَهما، وإذا لَمع البرقُ مَشَوا في ضوئِه، وإذا لم يلمَعْ لم يُبْصِرا، قاما مكانَهما لا يمشيان، فجعَلا يقولان: ليتنا قد أصْبَحنا فنأتيَ محمدًا فنضعَ أيديَنا في يدِه. فأصْبَحا، فأتَياه فأسْلَما، ووضَعا أيديَهما في يدِه، وحسُن إسلامُهما، فضرَب اللهُ شأنَ هذين المنافقَين الخارجَين مثَلًا للمنافقِين الذين بالمدينةِ، وكان المنافقون إذا حضَروا مجلسَ النبيِّ ﷺ جعَلوا أصابِعَهم في آذانِهم فرَقًا مِن كلامِ النبيِّ ﷺ أن يَنْزِلَ فيهم شيْءٌ، أو يُذْكَروا بشيْءٍ فيُقْتَلوا، كما كان ذانك المنافقان الخارجان يجعَلان أصابِعَهما في آذانِهما. ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾، فإذا كَثُرت أموالُهم، ووُلِد لهم الغِلمانُ، [وأصابُوا] (٣) غنيمةً أو فتحًا، مشَوْا فيه، وقالوا: إن دينَ محمدٍ ﷺ دينُ (٤)

стр. 549

صدقٍ. فاستقامُوا عليه، كما كان (١) ذانك المنافقان يَمْشِيَان، إذا أضاء لهما (٢) البرقُ مشَوْا فيه، ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾. فكانوا إذا هلَكت أموالُهم، ووُلدِ لهم الجوارِي، وأصابهم البلاءُ، قالوا: هذا مِن أجلِ دينِ محمدٍ. فارْتَدُّوا كفارًا، كما قام ذانك المنافقان حينَ أظْلَم البرقُ عليهما (٣). والثالثُ: ما حدَّثَني به محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثني عمي، قال: حدَّثَني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾: كمطرٍ، ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ إلى آخرِ الآيةِ: هو مثَلُ المنافقِ في ضوء ما تكلَّم بما معه من كتابِ اللهِ، وعمِل مُراءاةً للناسِ، فإذا خلا وحدَه عمِل بغيرِه، فهو في ظلمةٍ ما أقام على ذلك، وأمّا الظلماتُ فالضلالةُ، وأما البرقُ فالإيمانُ، وهم أهلُ الكتابِ، ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ﴾ فهو رجلٌ (٤) يأخُذُ بطرَفِ الحقِّ لا يستطيعُ أن يُجاوزَه (٥). والرابعُ: ما حدَّثني به المُثَنَّى، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: حدَّثَني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾: وهو المطرُ، ضرَب مثَلَه في القرآنِ، يقولُ: ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ﴾ يقولُ:

стр. 550

ابتلاءٌ، [﴿وَرَعْدٌ﴾ يقولُ: تخويفٌ، ﴿وَبَرْقٌ﴾] (١). ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾. يقولُ: يكادُ مُحكَمُ القرآنِ أن يدلَّ على عَوْراتِ المنافقين، ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾ يقولُ: كلَّما أصاب المنافقون مِن الإسلامِ عزًّا اطمأنُّوا، وإن أصابَ الإسلامَ نكبةٌ [قاموا ليرْجِعوا] (٢) إلى الكفرِ، يقولُ: ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾ كقولِه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ﴾ [الحج: ١١]. إلى آخرِ الآيةِ (٣). قال أبو جعفرٍ: ثم اخْتَلَف سائرُ أهلِ التأويلِ بعدُ في ذلك نظيرَ ما رُوي عن ابنِ عباسٍ مِن الاختلافِ فحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو الباهليُّ، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى بنِ ميمونٍ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: إضاءةُ البرقِ وإظلامُه (٤) على نحوِ ذلك المثَلِ (٥). حدَّثنا المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو حُذيفةَ، قال: حدَّثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا عمرُو بن عليٍّ، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

стр. 551

حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ في قولِ اللهِ: ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ إلى قولِه: ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾: فالمنافقُ (١) إذا رأى في الإسلامِ رخاءً أو طمأنينةً أو سَلْوةً من عيشٍ، قال: أنا معكم وأنا منكم. وإذا أصابتْه شدَّةٌ (٢) حَقْحَق (٣) واللهِ عندَها، فانْقُطِع به، فلم يَصْبِرْ على بلائِها، ولم يَحتسِبْ أجرَها، ولم يرْجُ عاقبتَها (٤). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخْبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ يقولُ: أجبنُ (٥) قومٍ، لا يسمَعون شيئًا إلا ظنُّوا أنهم هالكون فيه؛ [حذَرًا من] (٦) الموتِ، ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ ثم ضرَب لهم مثَلًا آخرَ، فقال: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾. يقولُ: هذا المنافقُ؛ إذا كثُر مالُه، وكثُرت ماشيتُه، وأصابَته عافيةٌ، قال: لم يُصِبْني مذُ دخلتُ في دينِي هذا إلا خيرٌ. ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾ يقولُ: إذا ذهبَت أموالُهم، وهلَكت مواشِيهم، وأصابهم البلاءُ، قاموا متحيِّرين.

стр. 552

حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ الحجاجِ، عن عبدِ اللهِ بنِ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ بنِ أنسٍ: ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ قال: مثلُهم كمثلِ قومٍ ساروا في ليلةٍ مظلمةٍ، ولها مطرٌ ورعدٌ وبرقٌ على جادَّةٍ، فلما أبْرَقت أبْصَروا الجادَّةَ فمضَوْا فيها، فإذا ذهَب البرقُ تحيَّروا، وكذلك المنافقُ، كلَّما تكلَّم بكلمةِ الإخلاصِ أضاء له، فإذا شكَّ تحيَّر ووقَع (١) في الظُّلْمةِ، فكذلك قولُه: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾. ثم قال في أسماعِهم وأبصارِهم التي عاشُوا بها في الناسِ: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنا أبو تميلةَ (٣)، عن عُبيدِ بنِ سليمانَ الباهليِّ، عن الضحَّاكِ بنِ مُزَاحمٍ: ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ﴾ قال: أما الظلماتُ فالضلالةُ، والبرقُ الإيمانُ (٤). حدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعْلى، قال: أخْبَرنا ابنُ وَهبٍ، قال: حدَّثني عبدُ الرحمنِ بنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ [فقَرأ حتى بلَغْ] (٥): ﴿إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ قال: هذا أيضًا مثَلٌ ضرَبه اللهُ للمنافقين، كانوا قد استنارُوا (٦) بالإسلامِ، كما استنَار (٧) هذا بنورِ هذا (٨) البرقِ.

стр. 553

حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجَّاجٌ، قال: قال ابنُ جُريجٍ: ليس في الأرضِ شيْءٌ يسمعُه المنافقُ إلا ظنَّ أنه يُرادُ به، وأنه الموتُ، كراهيةً له، والمنافقُ أكرَهُ خلقِ اللهِ للموتِ، كما إذا كانوا بالبرارِيِّ (١) في المطرِ، فرُّوا من الصواعقِ. حدَّثنا عمرٌو بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا أبو معاويةَ، قال: حدَّثنا ابنُ جُريجٍ، عن عطاءٍ في قولِه: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ قال: مثَلٌ ضُرِب للكافرِين (٢). قال أبو جعفرٍ: وهذه الأخبارُ (٣) التي ذكَرْناها عمَّن رَوَيناها عنه، فإنها وإن اخْتَلفت فيها ألفاظُ قائليها متقارِباتُ المعاني؛ لأنها جميعًا تُنْبئُ عن أن اللهَ ضرَب الصَّيِّبَ لظاهرِ إيمانِ المنافقِ مثلًا، ومثَّل ما فيه من ظلماتٍ بضلالتِه، وما فيه من ضياءِ برقٍ بنورِ إيمانِه، واتِّقاءَه من الصواعقِ بتصييرِ أصابِعه في أُذُنَيه، لضعفِ (٤) جَنانِه، ونَخْبِ (٥) فؤادِه، من حُلولِ عقوبةِ اللهِ بساحتِه، ومشيَه في ضوءِ البرقِ باستقامتِه على نورِ إيمانِه، وقيامَه في الظلامِ بحيرتهِ في ضلالتِه وارتكاسِه في عَمَهِه. فتأويلُ الآيةِ (٦) إذن - إذ (٧) كان الأمرُ على ما وصَفْنا -: أو (٨) مَثَلُ ما اسْتَضاء به المُنافِقون، مِن قيلِهم لرسولِ اللهِ ﷺ وللمؤمنين بألسنتِهم: آمنَّا باللهِ

стр. 554

وباليومِ الآخِرِ وبمحمدٍ وبما جاء به. حتى صار لهم بذلك في الدنيا أحكامُ المؤمنين، وهم - مع إظهارِهم بألسنتِهم ما يُظْهِرون - باللهِ وبرسولِه وما جاء به مِن عندِ اللهِ وباليومِ الآخرِ مُكَذِّبون، ولخلافِ ما يُظْهِرون بالألْسُنِ في قلوبهم مُعْتَقِدون، على عمًى منهم وجَهالةٍ بما هم عليه مِن الضَّلالةِ، لا يَدْرُون في (١) أيِّ الأمْرَين اللذين قد شُرِعا لهم الهدايةُ، في (٢) الكفرِ الذي كانوا عليه قبلَ إرسالِ اللهِ محمدًا ﷺ بما أرْسَله به إليهم، أم في الذي أتاهم به محمدٌ ﷺ مِن عندِ ربِّهم؟ فهم مِن وَعيدِ اللهِ إياهم على لسانِ محمدٍ ﷺ وَجِلون، وهم مع وَجَلِهم مِن ذلك في حقيقتِه شاكُّون، في قلوبِهم مرضٌ فزادَهم اللهُ مرضًا -كمثل غَيْثٍ سرَى ليلًا في مُزْنةٍ (٣) ظَلْماءَ وليلةٍ (٤) مُظْلِمةٍ، يَحْدُوها رَعْدٌ، ويَسْتَطِيرُ في حافاتِها برقٌ، شديدٌ لَمَعانُه، كثيرٌ خَطَرانُه (٥)، يَكادُ سناه (٦) يَذْهَبُ بالأبصارِ، ويَخْتَطِفُها مِن شدَّةِ ضِيائِه ونورِ شُعاعِه، وتَهْبِطُ منها تاراتٍ صَواعِقُ، تَكادُ تَدَعُ النفوسَ مِن شدةِ أهْوالِها زَواهِقَ. فالصَّيِّبُ مَثَلٌ لظاهرِ ما أظْهَر المُنافِقون بألسنتِهم مِن الإقْرارِ والتَّصْديقِ، والظلماتُ التي هي فيه لظُلُماتِ ما هم مُسْتَبِطنوه (٧) من الشكِّ والتَّكْذِيبِ ومرضِ القلوبِ، وأما الرعدُ والصَّواعقُ فلِما هم عليه مِن الوَجَلِ مِن وَعيدِ اللهِ إياهم على لسانِ رسولِه ﷺ في آيِ كتابِه، إمَّا في العاجلِ وإمَّا في الآجِلِ، أن يَحُلَّ بهم، مع شكِّهم في ذلك، هل هو كائنٌ أم غيرُ كائنٍ، وهل له حقيقةٌ أم ذلك كذبٌ

стр. 555

وباطلٌ؟ مَثَلٌ (١). فهم مِن وَجَلِهم أن يكونَ ذلك حقًّا، يتَّقُونه بالإقرارِ بما جاء به محمدٌ ﷺ بألسنتِهم، مخافةً على أنفسِهم مِن الهلاكِ ونزولِ النَّقِماتِ. وذلك تأويلُ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ يعْني بذلك: يَتَّقُون وَعيدَ اللهِ الذي أنْزَله في كتابِه على لسانِ رسولِه ﷺ بما يُبْدُونه بألسنتِهم مِن ظاهرِ الإقرارِ، كما يَتَّقِي الخائفُ (٢) أصواتَ الصَّواعقِ بتغطيةِ أُذُنيه، وتَصْييرِ أصابِعِه فيهما (٣)، حَذَرًا على نفسِه منها (٤). وقد ذكَرْنا الخبرَ الذي رُوِي عن ابنِ مسعودٍ وعن ابنِ عباسٍ أنهما كانا يَقُولان: إن المنافقين كانوا إذا حضَروا مجلسَ رسولِ اللهِ ﷺ أدْخَلوا أصابعَهم في آذانِهم فَرَقًا مِن كلامِ رسولِ اللهِ ﷺ ، أن يَنْزِلَ فيهم شيْءٌ، أو يُذْكَروا بشيْءٍ فيُقْتَلوا (٥). فإن كان ذلك صحيحًا - ولستُ أعْلَمُه صحيحًا، إذ كنتُ بإسنادِه مُرتابًا - فإن القولَ الذي رُوِي عنهما هو القولُ. وإن يكنْ غيرَ صَحيحٍ، فأوْلَى بتأويل الآيةِ ما قُلْنا، لأنَّ اللهَ إنما قصَّ علينا مِن خبرِهم في أولِ مُبْتَدَأِ قَصَصِهم، أنهم (٦) يُخادِعون اللهَ ورسولَه والمؤمنين بقولِهم: آمَنَّا باللهِ وباليومِ الآخِرِ. مع شكِّ قلوبهم ومرضِ أفئدتِهم في حقيقةِ ما زعَموا أنهم به مُؤْمنون، مما جاءَهم به رسولُ اللهِ ﷺ مِن عندِ ربِّهم، وبذلك وصَفهم في جميعِ آيِ القرآنِ التي ذكَر فيها صفتَهم، فكذلك ذلك في هذه الآيةِ.

стр. 556

وإنما جعَل اللهُ إدخالَهم أصابِعَهم في آذانِهم مَثَلًا لاتِّقائهم رسولَ اللهِ ﷺ والمؤمنين بما ذكَرْنا أنهم يتَّقُونهم به، كما يَتَّقِي سامعُ صوتِ الصاعقةِ بإدخالِ أصابعِه في أُذُنيه، وذلك مِن المثَلِ نظيرُ تَمثيلِ اللهِ ما أنْزَل (١) فيهم مِن الوَعيدِ في آيِ كتابِه بأصواتِ الصَّواعقِ، وكذلك قولُه: ﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ جعَله جل ثناؤُه مَثَلًا لخوفِهم وإشفاقِهم مِن حُلولِ عاجلِ العِقابِ المُهْلِكِهم (٢) الذي تُوُعِّدوه بساحتِهم، كما يَجْعَلُ سامعُ أصواتِ الصَّواعِقِ أصابِعَه في أُذُنيه حَذَرَ العَطَبِ والموتِ على نفسِه أن تَزْهَقَ مِن شدتِها. وإنما نصَب قولَه: ﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ على نحوِ ما تَنْصِبُ به التَّكْرِمةَ في قولِك: زُرْتُك تَكْرِمةً لك. تُرِيدُ بذلك: زُرْتُك (٣) مِن أجلِ تَكْرِمتِك. وكما قال جلّ ثناؤُه: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء: ٩٠]. على التفسيرِ للفعلِ (٤). وقد رُوي عن قتادةَ أنه كان يتأوَّلُ قولَه: ﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾: حَذَرًا مِن الموتِ. حدَّثنا بذلك الحسنُ بنُ يحيى، قال: حدَّثنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: حدَّثنا مَعْمَرٌ عنه. وذلك مذهبٌ مِن التأويلِ ضعيفٌ؛ لأنَّ القومَ لم يَجْعَلوا أصابعَهم في آذانِهم حَذَرًا مِن الموتِ، فيكونَ معناه ما قال: إنه يرادُ (٥) به: حَذَرًا مِن الموتِ. وإنما جعَلوها

стр. 557

مِن حِذارِ الموتِ في آذانِهم. وكان قتادةُ وابنُ جُرَيْجٍ يَتَأوَّلان قولَه: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ أن ذلك مِن اللهِ جل ثناؤُه صفةٌ للمنافِقِين بالهَلَعِ وضعفِ القلوبِ وكراهيةِ الموتِ ويَتَأوَّلان في ذلك قولَه: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ [المنافقون:٤]. وليس الأمرُ في ذلك عندي كالذي قالا، وذلك أنه قد كان فيهم مَن لا تُنْكرُ شجاعتُه، ولا تُدْفَعُ بَسالتُه، كقُزْمانَ (١) الذي لم يَقُمْ مَقامَه أحدٌ (٢) مِن المؤمنين [يومَ أحُدٍ] (٣)، ودونَه (٤)، وإنما كانت كراهتُهم شُهودَ المشَاهِدِ مع رسولِ اللهِ ﷺ ، وتَرْكُهم مُعاونتَه على أعدائِه؛ لأنهم لم يكونوا في أديانِهم مُسْتَبْصِرين، ولا برسولِ اللهِ ﷺ مُصَدِّقِين، فكانوا للحضورِ معه مَشاهدَه كارِهِين، إلا بالتَّخْذِيلِ عنه. ولكنّ ذلك وصفٌ مِن اللهِ لهم بالإشْفاقِ مِن حُلولِ عقوبةِ اللهِ بهم على نفاقِهم، إما عاجلًا وإما آجِلاً. ثم أخْبَر جلّ ثناؤُه أن المنافِقِين الذين نعَتَهم اللهُ النَّعْتَ الذي ذكَر، وضرَب لهم الأمثالَ التي وصَف، وإنِ اتَّقَوْا عقابَه، وأشْفَقُوا من عذابِه إشفاقَ الجاعلِ في أُذنيه أصابعَه حِذارَ حُلولِ الوَعيدِ الذي توَعَّدهم له في آيِ كتابِه - غيرُ مُنْجِيهم ذلك مِن نزولِه بعَقْوَتِهم (٥)، وحُلولِه بساحتِهم، إما عاجلًا في الدنيا، وإما آجِلًا في الآخِرةِ،

стр. 558

للذي في قلوبِهم مِن مرضِها، والشكِّ في اعتقادِها، فقال: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ يَعْني (١): جامِعُهم، فمُحِلٌّ بهم عُقوبتَه. وكان مجاهدٌ يَتَأوَّلُ ذلك كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو الباهليُّ، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال أخبرنا عيسى بنُ مَيمونٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ قال: جامِعُهم في جهنمَ (٢). حدَّثني القاسمُ، قال: حدَّثنا حسينٌ، قال: حدَّثنا حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مُجاهدٍ في قولِه: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ قال: جامِعُهم (٣). وأما ابنُ عباس فرُوِي عنه في ذلك ما حدَّثني به ابنُ حُمَيْدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ، عن عِكْرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ يقولُ: اللهُ مُنْزِلٌ ذلك بهم مِن النِّقْمةِ (٤). ثم عاد جلّ ذكرُه إلى نعتِ إقرارِ المنافقين بألسنتِهم، والخبرِ [عنه و] (٥) عنهم وعن نفاقِهم، وإتمامِ المثلِ الذي ابْتَدَأ ضَرْبَه لهم ولشكِّهم ومَرَضِ قلوبِهم، فقال: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ﴾ يعْني بالبرقِ الإقرارَ الذي أظْهَروه بألسنتِهم باللهِ وبرسولِه وما جاء به

стр. 559

مِن عندِ ربِّهم. فجعَل البرقَ له مثلَا على ما (١) قدَّمْنا صفتَه، ﴿يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ يعني: يَذْهَبُ بها ويَسْتَلِبُها ويَلْتَمِعُها (٢) مِن شدةِ ضِيائِه (٣) ونُورِ شُعاعِه (٤). كما حُدِّثْتُ عن المِنْجابِ بنِ الحارثِ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾. قال: يَلْتَمِعُ أبْصارَهم ولمَّا يَفْعَلْ (٥). والخَطْفُ السَّلْبُ. ومنه الخبرُ الذي رُوِي عنِ النبيِّ ﷺ أنه نَهى عن الخَطْفةِ (٦). يعني بها النُّهْبَةَ. ومنه قيل للخُطَّافِ الذي يُخْرَجُ به الدَّلْوُ مِن البئرِ: خُطَّافٌ؛ لاخْتِطافِه واسْتِلابِه ما علِق به. ومنه قولُ نابغةِ بني ذُبْيانَ (٧):

стр. 560

خَطاطِيفُ حُجْنٌ (١) في حِبالٍ متينةٍ … تَمُدُّ بها أيدٍ إليك نَوازِعُ فجعَل ضَوءَ البرقِ وشدةَ شُعاعِ نُورِه، لضَوْءِ (٢) إقرارِهم بألسنتِهم باللهِ وبرسولِه ﷺ وبما جاء به مِن عندِ اللهِ واليومِ الآخِرِ وشُعاعِ نورِه - مَثَلَاً. ثم قال: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ﴾ يعني أن البرقَ كلَّما أضاء لهم. وجعَل البرقَ لإيمانِهم مَثَلَاً. وإنما أراد بذلك أنهم كلما أضاء لهم الإيمانُ. وإضاءتُه لهم أن يَرَوْا فيه ما يُعْجِبُهم في عاجلِ دُنْياهم مِن النُّصْرةِ على الأعداءِ، وإصابةِ الغَنائم في المَغازِي، وكثرةِ الفُتوحِ وتتابُعِها (٣)، والثُّراءِ في الأموالِ، والسلامةِ في الأَبدانِ والأهلِ والأولادِ - فذلك إضاءتُه لهم؛ لأنهم إنما يُظْهِرون بألسنتِهم ما يُظْهِرونه مِن الإقرارِ ابْتغاءَ ذلك، ومُدافَعةً عن أنفسِهم وأموالِهم وأهليهم وذَرارِيِّهم، فهم كما وصَفَهم جلّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ [الحج: ١١]. ويعني بقولِه: ﴿مَشَوْا فِيهِ﴾: مشَوْا (٤) في ضوءِ البرقِ. وإنما ذلك مَثَلٌ لإقرارِهم على ما وصَفْنا. فمعناه: كلما رأَوْا في الإيمانِ ما يُعْجِبُهم في عاجلِ دنياهم - على ما وصَفْنا - ثبتوا عليه، وأقاموا فيه، كما يَمْشِي السائرُ في ظُلمةِ الليلِ وظُلمةِ الصَّيِّبِ الذي وصَفه جلّ ذكرُه، إذا برَقَت فيها بارقةٌ [فأبصَر طريقَه بها] (٥). ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ﴾ يعْني: ذهَب ضَوْءُ البرقِ عنهم (٦). ويعني بقولِه: ﴿عَلَيْهِمْ﴾:

стр. 561

على السائرين في الصَّيِّبِ الذي وَصَف جلَّ ذكرُه، وذلك للمنافِقِين مَثَلٌ. ومعنى إظلامِ ذلك أن المنافقين كلما لم يَرَوْا في الإسلامِ ما يُعْجِبُهم في دنياهم - عندَ ابتلاءِ اللهِ مؤمِني عبادِه بالضَّرَّاءِ، وتَمْحيصِه إياهم بالشدائدِ والبلاءِ، مِن إخفاقِهم في مَغْزاهم، [أو إدالةِ] (١) عدوِّهم منهم، أو إدبارٍ مِن دنياهم عنهم - أقاموا على نفاقِهم، وثبَتوا على ضَلالتِهم، كما قام السائرون في الصَّيِّبِ الذي وصَف جل ذكرُه إذا أظلَم (٢) وخبَتَ (٣) ضَوْءُ البرقِ، فحار في طريقِه فلم يَعْرِفْ مَنهجَه. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾. قال أبو جعفرٍ: وإنَّما خَصَّ اللهُ جلَّ ذِكرهُ السمعَ والأبصارَ بأنَّه لو شاء أذهَبَها مِن المنافقين دونَ سائرِ أعضاءِ أجسامِهم - لِلذي جرَى مِن ذكرِها في الآيَتْين، أعْني قولَه: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ﴾. وقوله: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾ فجرَى ذكرُها في الآيتَيْنِ على وجهِ المثَلِ. ثم عقَّب جلّ ثناؤُه ذكرَ ذلك بأنه لو شاء أذْهَبه مِن المنافِقِين، عقوبةً لهم على نفاقِهم وكفرِهم، وعيداً مِن اللهِ لهم، كما توَعَّدهم في الآيةِ التي قبلَها بقولِه: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ واصفاً بذلك جلّ ذكرُه نفسَه أنه المُقْتَدِرُ عليهم وعلى جمعِهم (٤)، لإحْلالِ سُخْطِه بهم، وإنزالِ نِقْمتِه عليهم، ومُحَذِّرَهم بذلك سَطْوتَه، ومُخَوِّفَهم (٥) عقوبتَه، ليَتَّقُوا بأسَه، ويُسارِعوا إليه بالتوبةِ. كما حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، عن محمدِ بنِ

стр. 562

إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾: لِمَا ترَكوا مِن الحقِّ بعدَ معرفتِه (١). حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بنِ أنس، قال: ثم قال - يعْني: قال اللهُ - في أسْماعِهم - يعني أسْماعَ المنافِقِين - وأبصارِهم التي عاشُوا بها في الناسِ: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ (٢). وإنما معنَى قوله: ﴿لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾: لأذهب سمعَهم وأبصارَهم. ولكنَّ العربَ إذا أدخلوا الباءَ في مثلِ ذلك قالوا: ذهبتُ ببصرِه. وإذا حذَفوا الباءَ قالوا: أذهبتُ بصرَه. كما قال جلّ ذكرُه: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا﴾ [الكهف: ٦٢]. ولو أدخلتِ الباءُ في الغداءِ لقيل: آتِنا بغدائِنًا. فإن قال لنا قائلٌ: وكيف قيل: ﴿لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ﴾ فوحَّد، وقال: ﴿وَأَبْصَارِهِمْ﴾ فجمَع، وقد علِمْتَ أن الخبرَ في السمعِ خبرٌ عن سمعِ جماعةٍ، كما الخبرُ في الأبصارِ خبرٌ عن أبصارِ جماعةٍ؟ قيل: قد اخْتَلَف أهلُ العربيةِ في ذلك، فقال بعضُ نحويِّي الكوفةِ: وحَّد السمعَ لأنه عَنَى به المصدرَ وقصَد به الخَرْقَ، وجمَع الأبصارَ لأنه عَنَى بها (٣) الأعينَ.

стр. 563

وكان بعضُ نحويِّي البصرةِ يَزْعُمُ أن السمعَ وإن كان في لفظِ واحدٍ، فإنه بمعنى جماعٍ. ويَحْتَجُّ في ذلك بقولِ اللهِ جلّ وعزّ: ﴿لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤٣]. يُرُادُ (١): لا تَرْتَدُّ إليهم أطْرافُهم. وبقولِه: ﴿وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥)﴾ [القمر: ٤٥]. يُرادُ به: أدْبارُهم. قال أبو جعفرٍ: وإنما جاز (٢) ذلك عندي لأن في الكلامِ ما يَدُلُّ على أنه مُرادٌ به الجمعُ، فكان دَلالتُه (٣) على المرادِ منه وأدَاءِ معنى الواحدِ مِن السمعِ عن معنى جماعةٍ، مُغْنِيًا (٤) عن جِماعِه، ولو فُعِل بالبصرِ نظيرُ الذي فُعِل بالسمعِ، أو فُعِل بالسمعِ نظيرُ الذي فُعِل بالأبصارِ - مِن الجمعِ والتوحيدِ - كان فصيحًا صحيحًا؛ لما ذكرْنا مِن العلةِ، كما قال الشاعرُ (٥): كُلُوا في بَعْضِ (٦) بَطْنِكُمُ تعِفُّوا (٧) … فإن زَمانَنا (٨) زَمَنٌ خَمِيصُ فوحَّد البطنَ، والمرادُ به (٩) البطونُ؛ لما وصَفْنا مِن العلةِ.

стр. 564

القولُ في تأويلِ قولِه جلّ وعزّ: ﴿إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠)﴾. قال أبو جعفر: وإنما وصَف نفسَه جلّ ذكرُه بالقُدرةِ على كلِّ شيْءٍ في هذا الموضعِ؛ لأنه حذّر المنافِقين بأسَه وسطْوتَه، وأخبَرهم أنه بهم محيطٌ، وعلى إذهابِ أسماعِهم وأبصارِهم قديرٌ، ثم قال جلّ ذكرُه: فاتَّقوني أيها المنافقون، واحذَرُوا خداعِي وخداعَ رسُولي وأهلِ الإيمانِ بي؛ لا (١) أُحِلُّ بكم نَقَمِي، فإني على ذلك وعلى غيرِه من الأشياءِ قادرٌ (٢). ومعنى ﴿قَدِيرٌ﴾: معنى قادرٍ، كما معنى عليمٍ (٣): عالمٌ. على ما وصفْتُ فيما تقدّم من نظائِرِه مِن زيادةِ معنى "فعيلٍ" "على" "فاعلٍ" في المدحِ والذَّمِّ (٤). القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾. فأمَر جلَّ ثناؤُه الفريقين اللذين أَخْبر عن أحدِهما أنه سواءٌ عليهم أُنْذِروا (٥) أَمْ لم يُنذَروا (٦) أنهم لا يؤمنون؛ لطبعِه على قلوبهم وسمعِهم (٧)، وعن الآخَرِ أنه يُخادِعُ اللهَ والذين آمنوا بما يُبْدي بلسانِه من قيلِه: آمنَّا باللهِ وباليومِ الآخِرِ. مع استبطانِه خلافَ ذلك ومرضِ قلبِه وشكِّه في حقيقةِ ما يُبْدي مِن ذلك، وغيرَهم مِن سائرِ خلقِه المُكلَّفين - بالاستكانةِ والخضوعِ له بالطاعةِ، وإفرادِ الرُّبوبيَّةِ له والعبادةِ دود الأوثانِ والأصنامِ والآلهةِ؛ لأَنَّه جلَّ ذِكرُه هو خالقُهم وخالقُ مَن قبلَهم مِن

стр. 565

آبائِهم وأجدادِهم، وخالقُ أوثانِهم وأصنامِهم وآلهتِهم. فقال لهم جلَّ ذِكرُه: فالذي خلَقكم وخلَق آباءَكم وأجدادَكم وسائرَ الخلقِ غيرَكم، وهو يقدِرُ على ضَرِّكم ونَفعِكم، أَوْلى بالطاعةِ ممَّن لا يقدِرُ لكم على نَفْعٍ ولا ضَرٍّ. وكان ابنُ عباسٍ فيما رُوِي لنا عنه يقولُ في ذلك نظيرَ ما قُلنا فيه، غيرَ أنه ذُكِر عنه أنه كان يقولُ في معنى: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾: وحِّدوا رَبَّكم. وقد دلَّلنا فيما مضَى مِن كتابِنا هذا على أن معنى العبادةِ؛ الخضوعُ للهِ بالطاعةِ، والتذلُّلُ له بالاستكانةِ (١). والذي أراد ابنُ عباسٍ - إن شاء اللهُ - بقولِه في تأويلِ قولِه: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾: [وحِّدوه. أي] (٢): أَفْرِدوا الطاعةَ والعبادةَ لرَبِّكم دونَ سائرِ خلقِه. حدَّثنا محمدُ بنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ مولى زيدٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال اللهُ جلَّ ذكرُه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُم﴾: للفريقين جميعًا من الكفارِ والمنافقين، أي: وحِّدوا ربَّكم الذي خلَقكم والذين مِن قبلِكم (٣). وحدَّثني مُوسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرو بنُ حمادٍ، قال حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ الهمدانيِّ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ : ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ
следующие страницы →