← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 6196–6235 · переход к 6201.

стр. 6196

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا﴾. يقولُ: لو بَعَثْنا إليهم ملكًا لَجَعَلْناه في صورة آدميٍّ (١). حدَّثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قَتادةَ: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا﴾. يقولُ: في صورة آدميٍّ. حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة مثلَه (٢). حدَّثني يونُسُ، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا﴾. قال: لَجَعَلْنا ذلك الملك في صورة رجلٍ، لم نُرْسِلْه في صورة الملائكة (٣). القول في تأويل قوله: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (٩)﴾. يعنى تعالى ذكرُه بقوله: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ﴾: ولو أَنْزَلْنَا مَلَكًا من السماءِ مُصَدِّقًا لك يا محمد، شاهدًا لك عند هؤلاء العادلين بي، الجاحدين آياتك (٤) على حقيقة نبوَّتك، فجعلناه في صورة رجل من بنى آدم، إذ كانوا لا يُطيقون رؤية الملكِ بصورته التي خلقتُه بها - التَبَس عليهم أمرُه، فلم يَدْرُوا أَمَلَكٌ هو أم إنْسيٌّ، فلم يُوقنوا به أنه مَلَكٌ، ولم يُصَدِّقوا به، وقالوا: ليس هذا مَلَكًا. وللبسْنا عليهم ما يَلْبِسُونه على أنفسِهم من حقيقة أمرِك، وصحة برهانك وشاهدك على نبوَّتك.

стр. 6197

يقال منه: لَبَسْتُ عليهم الأمرَ أَلْبِسُه لَبْسًا. إذا خلطتَه عليهم. و: لَبِسْتُ الثوبَ أَلْبَسُه لبسًا. واللَّبوس اسمُ الثياب. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبد الله بن صالحٍ، قال: ثني معاوية بن صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾. يقولُ: لشَبَّهنا عليهم (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾. يقولُ: ما لَبَس قومٌ على أنفسهم إلا لَبَس اللهُ عليهم، واللَّبْسُ إنما هو من الناس (٢). حدَّثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباط، عن السديِّ: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾. يقولُ: شبَّهنا عليهم ما يُشبِّهون على أنفسِهم (٣). وقد رُوى عن ابن عباس في ذلك قولٌ آخرُ، وهو ما حدَّثني به محمدُ بنُ سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾: فهم أهل الكتاب، فارَقوا دينَهم، وكذَّبوا رسلهم، وهو تحريفُ الكلام عن مواضعِه (٤).

стр. 6198

حُدِّثْتُ عن الحسين، قال: سَمِعْتُ أبا معاذٍ، قال: ثنا عُبيد بن سليمانَ، قال: سمِعْتُ الضحاك في قوله: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾: يعنى: التحريف، هم أهلُ الكتاب، فرَّقوا كتبهم ودينهم، وكذَّبوا رسلهم، فلبَس اللهُ عليهم ما لبَسوا على أنفسهم. وقد بيَّنا فيما مضى قبلُ أن هذه الآياتِ مِن أول السورة بأن تكون في أمر المشركين من عبدةِ الأوْثانِ، أشبه منها بأمرِ أهل الكتاب من اليهود والنصارى، بما أغْنَى عن إعادته (١). القول في تأويل قوله: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (١٠)﴾. يقول تعالى ذكره لنبيِّه محمد ﷺ مُسَلِّيًّا عنه بوعيدِه المستهزئين به عقوبة (٢) ما يَلْقَى منهم من أذى الاستهزاء به، والاستخفاف في ذاتِ اللهِ: هَوِّن عليك يا محمدُ ما أنت لاقٍ من هؤلاء المستهزئين بك، المسْتَخِفِّين بحقِّك فيَّ وفي طاعتى، وامْضِ لما أمَرْتُك به من الدعاء إلى توحيدى، والإقرار بي، والإذعان لطاعتى، فإنهم إن تَمادَوا في غَيِّهم، وأصَرُّوا على المقامِ على كفرهم، نَسْلُكْ بهم سبيلَ أسلافهم من سائرِ الأمم من غيرهم؛ من تعجيل النِّقمة لهم، وحُلولِ المَثُلاتِ بهم، فقد اسْتَهْزَأَت أممٌ من قبلك برسلٍ أرْسَلْتُهم إليهم، بمثل الذي أرْسَلْتُك به إلى قومِك، وفعلوا مثال (٣) فعل قومِك بك، ﴿فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾. يعني بقوله: ﴿فَحَاقَ﴾: فنزل وأحاط بالذين هزءوا برسلهم ﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾. يقولُ: العذاب الذي كانوا يهزءون به، ويُنكرون أن يكون واقعًا

стр. 6199

بهم على ما أَنْذَرَتْهم رسلُهم. يقالُ منه: حاق بهم هذا الأمرُ، يَحِيقُ بهم، حَيْقًا وحُيُوقًا وحَيَقانًا. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال جماعةٌ مِن أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديِّ: ﴿فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ﴾: مِن الرسل، ﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾. يقولُ: وقع بهم العذابُ الذي اسْتَهْزَءوا به (١). القول في تأويل قوله: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١١)﴾. يقول تعالى ذكره: ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ لهؤلاء العادلين بي الأوثان والأندادَ، المكذِّبين بك، الجاحِدِين حقيقة ما جئتهم به من عندى: ﴿سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾. يقولُ: جُولوا في بلادِ المكذِّبين رسلهم، الجاحدين آياتي مِن قَبْلِهم، من ضُرَبائهم وأشكالِهم من الناسِ، ﴿ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾. يقولُ: ثم انظُروا كيف أعقبهم تكذيبُهم ذلك الهلاك والعَطَبَ، وخزيَ الدنيا وعارَها، وما حَلَّ بهم مِن سَخَطِ الله عليهم مِن البَوارِ، وخراب الديارِ، وعُفُوَّ الآثار، فاعتبروا به إن لم تَنْهَكم حُلُومُكم، ولم تَزْجُرُكم حُججُ اللهِ عليكم عما أنتم عليه (٢) مُقيمون من التكذيب، فاحذروا مثلَ مَصارعهم، واتَّقوا أن يَحِلَّ بكم مثلُ

стр. 6200

الذي حَلَّ بهم. وكان قتادةُ يقولُ في ذلك بما حدَّثنا بشرٌ بن معاذٍ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾: [بئس والله كان عاقبة المكذِّبين] (١)، دمَّر الله عليهم وأهلكهم، ثم صيَّرهم إلى النار (٢). القول في تأويل قوله عز ذكرُه: ﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾. يَقُولُ تعالى ذكره لنبيِّه محمد ﷺ : ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء العادلين بربِّهم: ﴿لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. يقولُ: لَمَن مُلْكُ ما في السماواتِ والأرض؟ ثم أخبرهم أن ذلك للهِ الذي اسْتَعْبدَ كُلَّ شيءٍ، وقهر كلَّ شيءٍ بمُلكه وسلطانه، لا للأوثان والأندادِ، ولا لما يَعْبُدونه ويَتَّخِذونه إلهًا، مِن الأصنام التي لا تملكُ لأنفسها نفعًا، ولا تَدْفَعُ عنها ضُرًّا. وقوله: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾. يقولُ: قضى أنه بعباده رحيمٌ، لا يَعْجَلُ عليهم بالعقوبة، ويَقْبَلُ منهم الإنابة والتوبة. وهذا من الله تعالى ذكره استعطافٌ للمُوَلِّين (٣) عنه إلى الإقبال إليه بالتوبة. يَقُولُ تعالى ذكره: إن هؤلاء العادلين بي، الجاحدين نبوَّتك يا محمد، إن تابوا وأنابوا، قَبِلتُ توبتهم، وإنى قد قضَيتُ في خَلْقى أن رحمتي وسعت كلَّ شيءٍ.

стр. 6201

كالذي حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن ذكوان، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ قال: "لما فرغ اللهُ مِن الخَلْقِ كتب كتابًا: إنَّ رحمتى سبقت غضبي" (١). حدَّثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا داود، عن أبي عثمان، عن سلمان، قال: إن الله تعالى لما خلق السماء والأرض، خلق مائة رحمة، كلُّ رحمةٍ مِلْءُ ما بين السماء إلى الأرض، فعنده تسعٌ وتسعون رحمةً، وقسَم رحمةً بين الخلائقِ، فبها يتعاطفون، وبها تَشْرَبُ الوَحْشُ والطيرُ الماءَ، فإذا كان [يوم القيامة] (٢) قصَرها الله على المتقين، وزادهم تسعًا وتسعين. حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عَدِيٍّ، عن داود، عن أبي عثمان، عن سلمان نحوه، إلا أن ابن أبي عَدِيٍّ لم يَذْكُرْ في حديثه: وبها تَشْرَبُ الوَحْشُ والطيرُ الماء. حدَّثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن عاصم بن سليمان، عن أبي عثمان، عن سلمان، قال: نَحِدُ في التوراةِ عَطْفَتين؛ إِن الله خلق السماوات والأرض، ثم خلق مائة رحمةٍ - أو: جعَل مائة رحمةٍ - قبل أن يَخْلُقَ الخلق، ثم خلق الخلق، فوضع بينهم رحمةً واحدةً، وأمسك عنده تسعًا وتسعين رحمةً. قال: فبها يتراحمون، وبها يَتَباذَلون، وبها يتعاطفون، وبها يَتَزاوَرُون، وبها تَحِنُّ الناقةُ، وبها تَمُوجُ (٣) البقرةُ، وبها تَيْعَرُ الشاةُ، وبها تتابعُ الطيرُ،

стр. 6202

وبها تتابعُ الحيتانُ في البحر، فإذا كان يوم القيامة، جمع اللهُ تلك الرحمة إلى ما عنده، ورحمتُه أفضل وأوسعُ (١). حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أَخبرنا مَعْمَرٌ، عن عاصم بن سليمان، عن أبي عثمان النهديِّ، عن سلمان، في قوله: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ الآية. قال: إنا تَجِدُ في التوراةِ عَطْفَتين. ثم ذكر نحوه، إلا أنه (٢) قال: وبها تتابع الطيرُ، وبها تتابع الحيتانُ في البحر (١). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، قال: قال ابن طاوسٍ، عن أبيه: إن الله تعالى لما خلق الخلق، لم يَعْطِفْ شيءٌ على شيءٍ، حتى خلق مائة رحمةٍ، فوضع بينهم رحمةً واحدةً، فعطف بعض الخلق على بعضٍ. حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أَخبرنا مَعْمَرٌ، عن ابن طاوسٍ، عن أبيه بمثله (٣). حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، قال: وأَخبرني الحكم بن أبانٍ، عن عكرمة، حسبته أسنَده، قال: إذا فرغ اللهُ مِن القضاءِ بينَ خلقِه، أخرج كتابًا مِن تحتِ العرشِ، فيه: إن رحمتى سبقت غضبي، وأنا أرحم الراحمين. قال: فيَخْرُجُ مِن النارِ مثلُ أهل الجنة. أو قال: مثلا أهل الجنة. ولا أعلمه إلا قال: مثلا. وأما "مثل" فلا أشكُّ. مكتوبًا هاهنا - وأشار الحَكَمُ إلى

стр. 6203

نحرِه -: عُتَقاءُ اللهِ. فقال رجلٌ لعكرمة: يا أبا عبدِ اللهِ، فإن الله يَقُولُ: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٧]. قال: ويلَك، أولئك أهلُها الذين هم أهلُها (١). حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أَخبرنا مَعْمَرٌ، عن الحَكَم بن أبانٍ، عن عكرمةَ، حسبتُ أنه أسنده، قال: إذا كان يوم القيامة، أخرج اللهُ كتابًا من تحت العرش. ثم ذكر نحوه، غير أنه قال: فقال رجلٌ: يا أبا عبدِ الله، أرأيتَ قولَه: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ﴾؟. وسائرُ الحديث مثلُ حديث ابن عبد الأعلى (١). حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن همامِ بن منبهٍ، قال: سمعت أبا هريرةَ يَقُولُ: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "لما قضَى اللهِ الله الخلق، كتب في كتابٍ فهو عنده فوق العرشِ: إن رحمتى سبقت (٢) غضبي" (٣). حدَّثنا بشرٌ بن معاذٍ، قال: ثنا يزيد بن زريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ، عن أبي أيوب، عن عبدِ اللهِ بن عمرو أنه كان يقولُ: إِن للهِ مِائَةَ رحمةٍ، فأهبط رحمةً إلى أهل الدنيا، يَتَراحمُ بها الجنُّ، والإنسُ، وطائر السماء، وحيتان الماء، ودوابُّ الأرضِ وهوامُّها، وما بين الهواء، واختزن عنده تسعًا وتسعين رحمةً، حتى إذا كان يوم القيامة، اختَلَج (٤) الرحمة التي كان أهبطها إلى أهل الدنيا، فحواها إلى ما عنده، فجعلها في قلوب أهل الجنة، وعلى أهل الجنة (٥).

стр. 6204

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ، قال: قال عبدُ اللهِ بنُ عمرٍو: إن للهِ مِائَةَ رحمةٍ، أهبَط منها إلى الأرضِ رحمةً واحدةٍ، يَتَراحمُ بها الجنُّ، والإنسُ، والطيرُ، والبهائمُ، وهوامُّ الأرضِ (١). حدَّثنا محمدُ بنُ عوفٍ، قال: أخبَرنا أبو المغيرةِ عبدُ القُدُّوسِ بنُ الحجاجِ، قال: ثنا صفوانُ بنُ عمرٍو قال: ثني أبو المُخارِقِ زُهَيْرُ بنُ سالمٍ، قال: قال عمرُ لكعبٍ: ما أوّلُ شيءٍ ابتدَأه اللهُ مِن خلقِه؟ فقال كعبٌ: كتَب اللهُ كتابًا لم يَكْتُبْه بقلمٍ ولا مِدادٍ، ولكن كتَبه بأُصبُعِه يَتْلُوها الزَّبَرْجَدُ واللؤلؤُ والياقوتُ: أنا اللهُ لا إلهَ إلا أنا، سبَقت رحمتي غضبي (٢). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾. وهذه اللامُ التي في قولِه: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾. لامُ قَسَمٍ. ثم اختلَف أهلُ العربيةِ في جالِيِها، فكان بعضُ نحويِّى الكوفةِ يقولُ (٣): إن شِئْتَ جعَلت ﴿الرَّحْمَةَ﴾ غايةَ كلامٍ، ثم استأنَفت بعدَها: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾. قال: وإن شِئْت جعَلته في موضِعِ نصبٍ - يَعْنى كتَب (٤) ليجمعنَّكم - كما قال: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ﴾ [الأنعام: ٥٤]. يُريدُ: كتَب أنه مَن عمِل منكم. قال: والعربُ تَقولُ في الحروفِ التي يصْلُحُ معها جوابُ (٥) الأَيمانِ بـ "أن" المفتوحةِ وباللامِ، فيَقُولون: أرْسَلتُ إليه

стр. 6205

أن يقومَ، وأرْسَلْتُ إليه لَيَقُومَنَّ. قال: وكذلك قولُه: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ [يوسف: ٣٥]. قال: وهو في القرآنِ كثيرٌ، ألا تَرَى أنك لو قلتَ: بَدَا لهم أن يَسْجُنوه. لَكان صوابًا؟ وكان بعضُ نحويِّى البصرةِ يقولُ: نُصِبَت لامُ ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾؛ لأن معنى ﴿كَتَبَ﴾ القسمُ (١)، كأنه قال: واللهِ لَيَجْمَعَنَّكم. والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أن يكونَ قولُه: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾. غايةَ خبرٍ (٢)، وأن يكونَ قولُه: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾. خبرًا مبْتدَأً، ويَكونَ معني الكلامِ حينَئذٍ: لَيَجْمَعَنَّكم اللهُ أيُّها العادِلون باللهِ ليومِ القيامةِ الذي لا ريْبَ فيه؛ لِيَنْتَقِمَ منكم بكُفْرِكم به. وإنما قلتُ: هذا القولُ أولى بالصوابِ مِن إعمالِ: ﴿كَتَبَ﴾. في: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾؛ لأن قولَه: ﴿كَتَبَ﴾. قد عمِل ﴿الرَّحْمَةَ﴾، فغيرُ جائزٍ وقد عمِل في ﴿الرَّحْمَة﴾ أَن يَعْمَلَ في: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾. لأنه لا يَتَعَدَّى إلى اثنين. فإن قال قائلٌ: فما أنت قائلٌ في قراءةِ مَن قرَأَ: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ﴾ بفتحِ "أنّ"؟ قيل: إن ذلك إذا قُرِئ كذلك، فإن "أنّ" بيانٌ عن الرحمةِ وترجمةٌ عنها؛ لأن معنى الكلامِ: كتَب على نفسِه الرحمةَ أن يَرْحَمَ من عبادِه [من تاب] (٣) بعدَ اقْتِرافِ السُّوءِ بجَهالةٍ ويَعْفُوَ. والرحمةُ يُتَرجَمُ عنها ويُبَيَّنُ معناها بصفتِها، وليس مِن صفةِ

стр. 6206

الرحمةِ ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ فيكونَ مُبَيَّنًا به عنها. فإن كان ذلك كذلك، فلم يَبْقَ إلا أن يُنْصَبَ بنيةِ تَكريرِ "كتَب" مرةً أخرى معه، ولا ضرورةَ بالكلامِ إلى ذلك، فيُوَجَّهَ إلى ما ليس بموجودٍ في ظاهرِه. وأما تأويلُ قولِه: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾. فإنه: لا شَكَّ فيه. يقولُ: في أن الله يَجْمَعُكم إلى يومِ القيامةِ، فيَحْشُرُكم إليه جميعًا، ثم يُؤْتِى كلَّ عاملٍ منكم أجرَ ما عمِل مِن حسنٍ أو سيئٍ. القولُ في تأويلِ قوله: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٢)﴾. يعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾: العادِلين به الأوثانَ والأصنامَ. يقولُ تعالى ذكرُه: لَيَجْمَعَنَّ اللهُ الذين خسِروا أنفسَهم، يقولُ: الذين أهْلَكوا أنفسَهم وغَبَنوها بادعائهم للهِ الندَّ والعَدِيلَ، فأَوْبَقوها بإيجابِهم سَخَطَ اللهِ وأليمَ عقابِه في المَعادِ. وأصلُ الخَسارِ الغَبْنُ، يقالُ منه: خسِر الرجلُ في البيعِ. إذا غُبِن، كما قال الأَعْشَى (١): لا يَأْخُذُ الرِّشْوَةَ في حُكْمِهِ … ولا يُبالي خَسَرَ (٢) الخَاسِرِ وقد بيَّنا ذلك في غيرِ هذا الموضعِ بما أغْنَى عن إعادتِه (٣). وموضعُ ﴿الَّذِينَ﴾ في قولِه: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾. نصبٌ، على الردِّ على الكافِ والميمِ في قولِه: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾. على وجهِ البيانِ عنها،

стр. 6207

وذلك أن الذين خسِروا أنفسَهم هم الذين خُوطِبوا بقولِه: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾. وقولُه: ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. يقولُ: فهم لإهلاكِهم أنفسَهم، وغَبْنِهم إياها حظَّها، ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾. أي: لا يُوَحِّدون الله، ولا يُصَدِّقون بوعدِه ووَعيدِه، ولا يُقِرُّون بنبوِة محمدٍ ﷺ . القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: لا يُؤْمِنُ هؤلاء العادِلون باللهِ الأوثانَ، فيُخْلِصوا له التوحيدَ، ويُفْرِدوا له الطاعةَ، ويُقِرُّوا بالألوهيةِ جهلًا، ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾. يقولُ: وله مُلْكُ كلِّ شيءٍ؛ لأنه لا شيءَ مِن خَلْقِ اللهِ إِلا وهو ساكنٌ في الليلِ والنهارِ. فمعلومٌ بذلك أن معناه ما وصَفْنا، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ ما يقولُ هؤلاء المشركون فيه من ادِّعائِهم له شريكًا، وما يَقولُ غيرُهم من خلقِه (١) ذلك، ﴿الْعَلِيمُ﴾ بما يُضْمِرونه في أنفسِهم، وما يُظهِرونه بجَوارحِهم، لا يَخْفَى عليه شيءٌ مِن ذلك، فهو يُحْصِيه عليهم؛ ليُوَفِّيَ كلَّ إنسانٍ ثوابَ ما اكْتَسَب، وجَزاء ما عمِل. وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ قولِه: ﴿سَكَنَ﴾. قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ عن السديِّ: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾. يقولُ: ما اسْتَقَرَّ في الليلِ والنهارِ (٢).

стр. 6208

القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : قلْ يا محمدُ لهؤلاء المشركين العادِلين بربِّهم الأوثانَ والأصنامَ، والمُنْكِرِين عليك إخلاصَ التوحيدِ لربِّك، الداعين إلى عبادةِ الآلهةِ والأوثانِ: أشيئًا غيرَ اللهِ تعالى أتَّخِذُ وليًّا أَستَنْصِرُه وأَسْتَعِينُه على النَّوائِبِ والحوادثِ؟ كما حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا﴾. قال: أما الوليُّ، فالذي يَتَوَلَّوْنه ويُقِرُّون له بالربوبيةِ (١). ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. يقولُ: أشيئًا غيرَ اللهِ فاطرِ السماواتِ والأرضِ أَتَّخِذُ وليًّا؟ فـ ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ مِن نعتِ ﴿اللَّهِ﴾ وصفتِه، ولذلك خُفِض. ويعنى بقولِه: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: مُبْتَدِعَهما ومُبْتَدِئَهما وخالقَهما. كالذي حدَّثنا به ابن وَكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ القطَّانُ، عن سفيانَ، عن إبراهيمَ بن مُهاجِرٍ، عن مُجاهِدٍ، قال: سَمِعْتُ ابنَ عباسٍ يقولُ: كنتُ لا أدْرِى ما: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. حتى أتاني أعرابيان يَخْتَصِمان في بئرٍ، فقال أحدُهما لصاحبِه: أنا فطَرْتُها. يقولُ: أنا ابْتَدَأْتُها (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن

стр. 6209

السديِّ: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. قال: خالقُ السماواتِ والأرضِ. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. قال: خالقُ السماواتِ والأرضِ (١). يقالُ مِن ذلك: فطَرَها اللهُ يَفطُرُها، ويَفْطَرُها فَطْرًا وفُطُورًا، ومنه قولُه: ﴿هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾ [الملك: ٣] يعنى: شُقوقًا وصُدوعًا (٢). يقالُ: سيفٌ فُطَارٌ. إذا كثرُ [فيه التشققُ] (٣)، وهو عيبٌ فيه. ومنه قولُ عَنْترةَ (٤): وسَيْفِى كالعَقِيقةِ (٥) فهْوَ كِمْعِى (٦) … سِلاحي لا أَفَلَّ (٧) ولا فُطَارَا ومنه يُقالُ: فَطَر نابُ الجملِ. إذا شقَّ (٨) اللحمَ (٩) فخرَج. ومنه قولُه: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ﴾ [الشورى: ٥]. أي: يَتَشَفَّقْن ويَتَصَدَّعن (٩). وأما قولُه: ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾. فإنه يَعْنى: وهو يَرْزُقُ خَلْقَه ولا يُرْزَقُ. كما حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ: ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾. قال: يَرْزُقُ ولا يُرْزَقُ (١٠).

стр. 6210

وقد ذُكر عن بعضِهم أنه كان يقرَأُ (١) ذلك: (وهو يُطْعِمُ ولا يَطْعَمُ) (٢). أي أنه يُطْعِمُ خلقَه، ولا يَأْكُلُ هو. ولا معنى لذلك؛ لقلةِ القَرَأَةِ (٣) به. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٤)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ للذين يَدْعُونك إلى اتخاذِ الآلهةِ أولياءَ مِن دونِ اللهِ، ويَحُثُّونك على عبادتِها: أغيرَ اللهِ فاطرِ السماواتِ والأرضِ، وهو يَرْزُقُنى وغيرى، ولا يَرْزُقُه أحدٌ، أَتَّخِذُ وليًّا هو له عبدٌ مملوكٌ، وخلقٌ مخلوقٌ؟ وقلْ لهم أيضًا: إنى أمَرَنى ربى (٤) ﴿أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ﴾. يقولُ: أولَ مَن خضَع له بالعبوديةِ، وتذَلَّل لأمرِه ونهيِه، وانقاد له مِن أهلِ دهْرِى وزماني، ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. يقولُ: وقلْ: وقيل لى: لا تَكُونَنَّ مِن المشركين باللهِ، الذين يَجْعَلون الآلهةَ والأندادَ شركاءَ. وجعَل قولَه: ﴿أُمِرْتُ﴾. بدلًا مِن "قيل لى"؛ لأن قولَه: ﴿أُمِرْتُ﴾. معناه "قيل لي". فكأنه قيل: قل: إني قيل لي: كنْ أولَ مَن أَسْلَم، ولا تَكُونَنَّ مِن المشركين. فاجْتُزِئ بذكرِ الأمرِ مِن ذكرِ القولِ، إذ كان الأمرُ معلومًا أنه قولٌ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥)﴾.

стр. 6211

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : ﴿قُلْ﴾ لهؤلاء المشركين العادِلِين باللهِ، الذين يَدْعُونك إلى عبادةِ أوثانِهم: إن ربي نهاني عن عبادةِ شيءٍ سِواه، و ﴿إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾ فعبَدْتُها، ﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾. يعني: عذابَ يومِ القيامةِ. ووصَفه تعالى ذكرُه بالعِظَم؛ لعِظَمِ هَوْلِهِ وفَظاعةِ شأنِه. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (١٦)﴾. اختَلَفتِ القرأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأَته عامَّةُ قرأةِ الحجازِ والمدينةِ والبصرةِ: ﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ﴾. بضمِّ الياءِ وفتحِ الراءِ، بمعنى: مَن يُصْرَفُ عنه العذابُ يومَئِذٍ. وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفةِ: (مَن يَصْرِفْ عنه). بفتحِ الياءِ وكسرِ الراءِ، بمعنى: مَن يَصْرِفِ اللهُ عنه العذابَ يومَئذٍ (١). وأولى القراءتين (٢) في ذلك بالصوابِ عندى قراءةُ مَن قرَأه (يَصْرِفْ عنه). بفتحِ الياءِ وكسرِ الراءِ؛ لدَلالةِ قولِه: ﴿فَقَدْ رَحِمَهُ﴾. على صحةِ ذلك، وأن القراءةَ فيه بتسميةِ فاعلِه، ولو كانت القراءةُ في قولِه: ﴿مَنْ يُصْرَفْ﴾. على وجهِ ما لم يُسَمَّ فاعلُه، كان الوجهُ في قولِه: ﴿فَقَدْ رَحِمَهُ﴾. أن يقالَ: فقد رُحِم. غيرَ مُسَمًّى فاعلُه. وفي تسميةِ الفاعلِ في قولِه: ﴿فَقَدْ رَحِمَهُ﴾. دليل بَيِّنٌ على أن ذلك كذلك في قولِه: (من يَصْرِفْ عنه) (٣).

стр. 6212

وإذ كان ذلك هو الوجهَ الأوْلَى بالقراءةِ، فتأويلُ الكلامِ: مَن يَصْرِف عنه مِن خلقِه يومئَذٍ عذابَه فقد رحِمه، ﴿وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾. ويعنى بقولِه: ﴿وَذَلِكَ﴾: وصَرْفُ اللهِ عنه العذابَ يومَ القيامةِ ورحْمتُه إياه، ﴿الْفَوْزُ﴾. أي: النجاةُ مِن الهَلَكةِ، والظَّفَرُ بالطَّلِبَةِ، ﴿الْمُبِينُ﴾. يعنى الذي بيَّن لمَن رآه أنه الظَّفَرُ بالحاجةِ، وإدْراكُ الطَّلِبةِ. وبنحوِ الذي قلنا في قولِه: ﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ﴾. قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ﴾. قال: مَن يُصْرَفُ عنه العذابُ (١). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : يا محمدُ، إن يُصِبْك اللهُ ﴿بِضُرٍّ﴾. يقولُ: بشدةٍ في دُنْياك، وشَطَفٍ في عيشِك، وضيقٍ فيه (٢)، فلن يَكْشِفَ ذلك عنك إلا اللهُ الذي أمَرك أن تَكونَ أولَ مَن أسْلَم لأمرِه ونهيِه، وأذْعَن له مِن أهلِ زمانِك، دون ما يَدْعُوك العادِلون به إلى عبادتِه من الأوثانِ والأصنامِ، ودونَ كلِّ شيءٍ سواها مِن خلقِه، ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ﴾. يقولُ: وإن يُصِبْك ﴿بِخَيْرٍ﴾. أي: برخاءٍ في عيشٍ، وسَعَةٍ في الرزقِ، وكثرةٍ في (٣) المالِ، فَتُقِرَّ أنه أصابك بذلك،

стр. 6213

﴿فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: واللهُ الذي أصابك بذلك فهو على كلِّ شيء قديرٌ، هو القادرُ على نفعِك وضرِّك، وهو على كلِّ شيءٍ يُريدُه قادرٌ، لا يُعْجِزُه شيءٌ يُرِيدُه، ولا يَمتَنِعُ منه شيءٌ (١) طلَبَه، ليس كالآلهةِ الذَّليلةِ المَهِينةِ التي لا تَقْدِرُ على اجتلابِ نفعٍ على أنفسِها ولا غيرِها، ولا دفعِ ضُرٍّ عنها ولا غيرها. يقولُ تعالى ذكرُه: فكيف تَعْبُدُ مَن كان هكذا؟ أم كيف لا تُخْلِصُ العبادةَ، وتُقِرُّ لمن كان بيدِه الضرُّ والنفعُ، والثوابُ والعقابُ، وله القدرةُ الكاملةُ، والعزةُ الظاهرةُ؟ القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١٨)﴾. يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَهُوَ﴾: نفسَه. يقولُ: واللهُ القاهِرُ (٢) فوقَ عبادِه. ويعنى بقولِه: ﴿الْقَاهِرُ﴾: المذلِّلَ المُسْتَعْبِدَ خلقَه، العاليَ عليهم. وإنما قال: ﴿فَوْقَ عِبَادِهِ﴾. لأنه وصَف نفسَه تعالى بقهرِه إياهم، ومن صفةِ كلِّ قاهرٍ شيئًا أن يَكونَ مُسْتَعْلِيًا عليه. فمعنى الكلامِ إذن: واللهُ الغالبُ عبادَه، المذلِّلُهم، العالي عليهم بتذليلِه لهم، وخلقِه إياهم، فهو فوقَهم بقهرِه إياهم، وهم دونَه. ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ﴾. يقولُ: واللهُ الحكيمُ في علوِّه على عبادِه، وقهرِه إياهم بقدرتِه، وفى سائرِ تدبيرِه، ﴿الْخَبِيرُ﴾ بمصالحِ الأشياءِ ومضارِّها، الذي لا يَخْفَى عليه عواقبُ الأمورِ وبَوادِيها، ولا يَقَعُ في تدبيرِه خَلَلٌ، ولا يَدْخُلُ حكمَه دَخَلٌ (٣). القولُ في تأويلِ قولِه عز ذكرُه: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي

стр. 6214

وَبَيْنَكُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : ﴿قُل﴾ يا محمدُ لهؤلاء المشركين الذين يُكَذِّبونك ويَجْحَدون نبوَّتَك مِن قومِك: أيُّ شيءٍ أعظمُ شهادةً وأكبرُ؟ ثم أَخْبِرْهم بأن أكبرَ الأشياءِ شهادةً اللهُ الذي لا يَجوزُ أن يَقَعَ في شهادتِه ما يَجوزُ أن يقعَ في شهادةِ (١) غيرِه من خلقِه؛ من السهوِ والخطإِ والغلطِ والكذبِ. ثم قلْ لهم: إن الذي هو أكبرُ الأشياءِ شهادةً ﴿شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ بالمحقِّ منا مِن المُبْطِلِ، والرَّشيدِ منا - في فعلِه وقولِه - مِن السفيهِ، وقد رضِينا به حَكَمًا بينَنا. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال جماعةُ أهلِ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِ اللهِ تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً﴾. قال: أُمِر محمدٌ أن يَسْأَلَ قريشًا، ثم أُمِر أن يُخْبِرَهم فيقولَ: ﴿اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ (٢). حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ نحوَه. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : قلْ لهؤلاء المشركين الذين يُكَذِّبونك:

стр. 6215

﴿اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ﴾ عقابَه، وأُنْذِرَ بِهِ مَن بلَغه مِن سائرِ الناسِ غيرِكم، إن لم ينْتَهِ إلى العمل بما فيه، وتحليلِ حلالِه، وتحريمِ حرامِه، والإيمانِ بجميعِه - نزولَ نقمةِ اللهِ به. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾: ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ كان يقولُ: "يا أيُّها الناسُ، بَلِّغوا ولو آيةً من كتابِ اللهِ، فإنه مَن بلَغه آيةٌ من كتابِ اللهِ فقد بلَغه أمرُ اللهِ: [أخَذه أو ترَكه] (١) " (٢). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾: أن النبيَّ ﷺ قال: "بَلِّغُوا عن اللهِ، فمَن بلَغَه آيةٌ من كتابِ اللهِ، فقد بلَغه أمرُ اللهِ" (٣). حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن موسى بن عُبيدةَ، عن محمدِ بن كعبٍ القُرَظَيِّ: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾. قال: مَن بلَغه القرآنُ فكأنما رأَى النبيَّ ﷺ . ثم قرَأ: ﴿وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ﴾ (٤).

стр. 6216

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا حميدُ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن حسنِ بن صالحٍ، قال: سألْتُ ليثًا: هل بقى أحدٌ لم تَبْلُغْه الدعوةُ؟ قال: كان مجاهدٌ يقولُ: حيثما يَأْتى القرآنُ فهو داعٍ، وهو نذيرٌ. ثم قرَأ: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ﴾ (١). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَنْ بَلَغَ﴾: مَن أَسلَم [مِن العجَمِ] (٢) وغيرهم (٣). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا خالدُ بنُ يَزِيدَ، قال: ثنا أبو مَعْشَرٍ، عن محمدِ بن كعبٍ في قولِه: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾. قال: مَن بَلَعَه القرآنُ فقد أبْلَغه محمدٌ ﷺ (٤). حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ﴾: يعنى أهلَ مكةَ، ﴿وَمَنْ بَلَغَ﴾: يعنى: ومَن بلَغه هذا القرآنُ فهو له نذيرٌ (٥). حدَّثنا يونُسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: سَمِعْتُ سفيانَ الثوريِّ يُحَدِّثُ، لا أَعْلَمُه إلا عن مجاهدٍ أنه قال في قولِه: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ﴾:

стр. 6217

العربُ، ﴿وَمَنْ بَلَغَ﴾: العجمُ (١). حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾: أما: ﴿مَنْ بَلَغَ﴾، فمَن بلَغه القرآنُ فهو له نذيرٌ. حدَّثني يونُسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخْبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾. قال: يقولُ: مَن بلَغه هذا القرآنُ فأنا نذيرُه. وقرَأ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨]. قال: فمَن بلَغه القرآنُ، فرسولُ اللهِ ﷺ نَذيرُه. فمعنى هذا الكلامِ: لأُنْذِرَكم بالقرآنِ أيُّها المشركون، وأُنْذِرَ مَن بلَغه القرآنُ مِن الناسِ كلِّهم. و ﴿مَنْ﴾ في موضعِ نصبٍ بوقوعِ "أُنْذِر" عليه، و ﴿بَلَغَ﴾ في صلتِه، وأُسْقِطَت الهاءُ العائدةُ على ﴿مَنْ﴾ في قولِه: ﴿بَلَغَ﴾. لاستعمالِ العربِ ذلك في صِلاتِ "من" و "ما" " و "الذي". القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (١٩)﴾. يقولُ تعالى ذكره لنبيِّه محمدٍ ﷺ : قلْ لهؤلاء المشركين الجاحِدين نبوتَك، العادلين باللهِ ربًّا غيرَه: ﴿أَئِنَّكُمْ﴾ أيُّها المشركون، ﴿لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى﴾. يقولُ: تَشْهَدون أن معه معبوداتٍ غيرَه، من الأوثانِ والأصنامِ.

стр. 6218

وقال: ﴿أُخْرَى﴾. ولم يَقُلْ: أُخَرَ. والآلهةُ جمعٌ؛ لأن الجموعَ يَلْحَقُها التأنيثُ، كما قال تعالى: ﴿فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى﴾ [طه: ٥١]. ولم يَقُلِ: الأُوَلِ. ولا: الأولَّين. ثم قال لنبيِّه محمدٍ ﷺ : قل يا محمدُ: ﴿لَا أَشْهَدُ﴾ بما تَشْهَدون أن مع اللهِ آلهةً أخرى، بل أَجْحَدُ ذلك وأنكِرُه، ﴿إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾. يقولُ: إنما هو معبودٌ واحدٌ، لا شَريكَ له فيما يَسْتَوْجِبُ على خلقِه مِن العبادةِ، ﴿وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾. يقولُ: قل: وإننى برئٌ مِن كلِّ شريك تَدَّعُونه للهِ، وتُضِيفونه إلى شَرِكتِه، وتَعْبُدونه معه، لا أَعْبُدُ سوى اللهِ شيئًا، ولا أَدْعُو غيرَه إلهًا. وقد ذُكِر أن هذه الآيةَ نَزَلَت في قومٍ مِن اليهودِ بأعْيانِهم، مِن وَجْهِ لم تَثْبُتْ صحتُه. وذلك ما حدَّثنا به هَنَّادُ بنُ السَّرِيِّ وأبو كُرَيبٍ، قالا: ثنا يونسُ بنُ بُكَيْرٍ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ مولى زيدِ بن ثابتٍ، قال: ثني سعيدُ بنُ جبيرٍ، أو عِكْرمةُ، عن ابن عباسٍ، قال: جاء النَّحَّامُ بنُ زِيدٍ، وقَرْدَمُ بنُ كعبٍ، وبَحْرِيُّ (١) بنُ عَمْرٍو (٢)، فقالوا: يا محمدُ، ما تَعْلَمُ مع اللهِ إلهًا غيرَه؟ فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "لا إلهَ إلا اللهُ، بذلك بُعِثْتُ، وإلى ذلك أدْعُو". فأنزَل الله تعالى فيهم وفى قولِهم: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾. إلى قولِه: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (٣).

стр. 6219

القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾: التوراةَ والإنجيلَ، يَعْرِفون أنما هو إلهٌ واحدٌ، لا جماعةُ الآلهةِ، وأن محمدًا نبيٌّ مبعوثٌ، ﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ﴾. وقولُه: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾. من نعتِ ﴿الَّذِينَ﴾ الأُولى. ويعنى بقولِه: ﴿خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾: أَهْلَكُوها وأَوْبَقوها (١) في نارِ جهنمَ، بإنكارِهم محمدًا أنه للهِ رسولٌ مُرسَلٌ، وهم بحقيقةِ ذلك عارِفون، ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. يقولُ: فهم بخَسارتِهم بذلك أنفسَهم لا يُؤْمِنون. وقد قيل: إن معنى خَسارتِهم أنفسَهم، أن كلَّ عبدٍ له منزلٌ في الجنةِ ومنزلٌ في النارِ، فإذا كان يومُ القيامةِ جعَل اللهُ لأهلِ الجنةِ منازلَ أهلِ النارِ في الجنةِ، وجعَل لأهلِ النارِ مَنازِلَ أهلِ الجنةِ في النارِ، فذلك خُسْرانُ الخاسرِين منهم؛ لبَيْعِهم منازلَهم مِن النارِ بمنازلِ أهلِ الجنةِ من النارِ، بما فرَط منهم في الدنيا؛ مِن معصيتِهم الله، وظلمِهم أنفسَهم، وذلك معنى قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٢) [المؤمنون: ١١]. وبنحوِ ما قلنا في معنى قولِه: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ﴾. قال أهلُ التأويلِ.

стр. 6220

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ﴾: يَعْرِفون أن الإسلامَ دينُ اللهِ، وأن محمدًا رسولُ اللهِ، يَجِدُونه مكتوبًا عندَهم في التوراةِ والإنجيلِ (١). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ﴾: النصارى واليهودُ، يَعْرِفون رسولَ اللهِ في كتابِهم، كما يَعْرِفون أبناءَهم (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ﴾ (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ قولَه: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ﴾: يعنى النبيَّ ﷺ . قال: زَعَم أهلُ المدينةِ عن (٤) أهلِ الكتابِ ممن أسلَم أنهم قالوا: واللهِ لَنحن أعرفُ به مِن أبنائِنا، مِن أجلِ الصفةِ والنعتِ الذي نَجِدُه في الكتابِ، وأَمَّا أبناؤُنا فلا نَدْرِى ما أَحْدَثَ النساءُ.

стр. 6221

القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢١)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ومَن أشدُّ اعتداءً، وأخطأُ فعلًا، وأَخْطَلُ قولًا، ﴿مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾؟ يعني: ممن اختَلَق (١) على اللهِ قِيلَ باطلٍ، واختَرَق (١) مِن نفسِه عليه كذبًا، فزعَم أن له شريكًا مِن خلقِه، وإلهَا يُعْبَدُ مِن دونِه - كما قاله المشركون مِن عَبَدة الأوثانِ - أو ادَّعى له ولدًا أو صاحبةً، كما قالته النصارى، ﴿أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾. يقولُ: أو كذَّب بحُجَجِه وأعلامِه وأدلتِه التي أعطاها رسلَه على حقيقةِ [نبوتِها، كما] (٢) كذَّبَت بها اليهودُ، ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾. يقولُ: إنه لا يُنْجِحُ (٣) القائلون على اللهِ الباطلَ، ولا يُدْرِكون البقاءَ في الجنانِ، والمُفْتَرون عليه الكذبَ، والجاحِدون بنبوةِ أنبيائِه. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٢٢)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن هؤلاء المُفْتَرِين على اللهِ كذبًا، والمُكَذِّبين بآياتِه، لا يُفْلِحون اليومَ في الدنيا، ولا ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾. يعنى: ولا في الآخرةِ. ففى الكلامِ محذوفٌ قد استُغْنى بذكرِ ما ظهَر عما حُذِف. وتأويلُ الكلامِ: إنه لا يُفْلِحُ الظالمون اليومَ في الدنيا ويومَ نَحْشُرُهم جميعًا. فقولُه: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾. مَرْدودٌ على المرادِ في الكلامِ؛ لأنه وإن كان

стр. 6222

محذوفًا منه، منه، فكأنه فيه، لمعرفةِ السامِعِين بمعناه. ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ﴾. يقولُ: ثم نقولُ إذا حشَرْنا هؤلاء المُفْتَرِين على اللهِ الكذبَ، بادِّعائِهم له في سلطانِه شريكًا، والمكذِّبين بآياتِه ورسلِه، فجمَعْنا جميعَهم يومَ القيامةِ: ﴿أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أنهم لكم آلهةٌ من دونِ اللهِ؛ افتراءً وكذبًا، وتَدْعُونهم من دونِه أربابًا فأْتُوا بهم إن كنتم صادقين! القولُ في تأويلِ قوله: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ثم لم يَكُنْ قولُهم إذ قلنا لهم: ﴿أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾؟ إجابةً منهم لنا عن سؤالِنا إياهم ذلك إذ فتَنَّاهم فاخْتَبَرْناهم، ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾. كذبًا منهم في أَيْمانِهم على قيلِهم ذلك. ثم اختَلَفت القرأة في قراءة ذلك؛ فقرأَتْه جماعةٌ مِن قرأةِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ الكُوفيين: (ثم لم تَكُنْ فِتْنَتَهم) (١). بالنصبِ (٢)، بمعنى: لم يَكْنِ اختبارَناهم (٣) إلا قيلُهم: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾، غيرَ أنهم كانوا (٤) يَقْرَءون: (تكن). بالتاءِ على التأنيثِ، وإن كانت للقولِ لا للفتنةِ؛ لمجاورتِها (٥) الفتنةَ وهي خبرٌ. وذلك عندَ أهلِ العربيةِ شاذٌّ غيرُ فَصيحٍ في الكلام. وقد رُوِى بيتٌ للَبيدٍ بنحوِ ذلك، وهو قولُه (٦):

стр. 6223

فمضَى وقدَّمَها وكانت عادةً … منه إذا هي عرَّدَتْ (١) إقْدامُها [فقال: وكانت، بتأنيثِ] (٢) الإقدامِ؛ لمُجاورتِها (٣) قولَه: عادةً. وقرَأ ذلك جماعةٌ مِن قرأةِ الكُوفيين: (ثم لم يَكُنْ). بالياءِ، (فِتْنَتَهم). بالنصبِ ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾. بنحوِ المعنى الذي قصَده الآخرون الذين ذكَرْنا قراءتَهم، غيرَ أنهم ذكَّروا (يَكونُ) لتذكيرِ (أن) (٤). وهذه القراءةُ عندَنا أولى القراءتين بالصوابِ؛ لأن "أن" أثبتُ في المعرفةِ من الفتنةِ. واختَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: ثم لم يكنْ قولُهم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبرَنا معمرٌ، قال: قال قتادةُ في قولِه: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾. قال: مقالتُهم. قال معمرٌ: وسمِعْتُ غيرَ قتادةَ يقولُ: معذرتُهم (٥).

стр. 6224

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن عطاءٍ الخُراسانيِّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾. قال: قولُهم (١). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي،، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ الآية: فهو كلامُهم، قالوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾. حدَّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ الفضلَ بنَ خالدٍ يقولُ: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال سمِعْتُ الضحاكَ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾: يعني كلامَهم (٢). وقال آخَرون: معنى ذلك معذرتُهم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن بشارٍ وابنُ المثنى، قالا: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن قتادةَ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾. قال: معذرتُهم (٣). حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾. يقولُ: اعتذارُهم بالباطلِ والكذبِ (٤). والصوابُ مِن القولِ في ذلك أن يُقالَ: معناه: ثم لم يَكُنْ قِيلُهم عندَ فتنتِنا إياهم، اعتذارًا مما سلَف منهم مِن الشركِ باللهِ، ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا

стр. 6225

مُشْرِكِينَ﴾ فوُضِعَت الفتنةُ موضعَ القولُ؛ لمعرفةِ السامعينِ معنى الكلامِ. وإنما الفتنةُ الاختبارُ والابتلاءُ، ولكن لما كان الجوابُ مِن القومِ غيرَ واقعٍ هنالك إلا عندَ الاختبارِ، وُضِعَت الفتنةُ التي هي الاختبارُ موضعَ الخبرِ عن جوابِهم ومعذرتِهم. واختَلَفَت القرأةُ أيضًا في قراءةِ قولِه: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ المدينةِ وبعضُ الكوفيين والبصريين: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا﴾. خفضًا، على أن الربَّ نعتٌ للهِ. وقرأ ذلك جماعةٌ من التابعين: (واللهِ ربَّنا). بالنصب، بمعنى: واللهِ يا ربَّنا. وهي قراءةُ عامةِ قَرَأةِ أهلِ الكُوفةِ (١). وأولى القراءتين عندى بالصوابِ (٢) في ذلك قراءةُ من قرأ: (واللهِ ربَّنَا). بنصبِ الرَّب، بمعنى: يا ربَّنا. وذلك أن هذا جوابٌ من المسئولين المَقُولِ لهم: ﴿أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾؟ وكان من جوابِ القومِ لربِّهم: واللهِ يا ربَّنا ما كنا مشركين. فنَفَوْا أن يَكُونوا قالوا ذلك في الدنيا. يقولُ اللهُ تعالى ذكرُه لمحمدٍ ﷺ : ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾. ويعنى بقولِه: ﴿مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾: ما كنا نَدْعُو لك شريكًا، ولا نَدْعو (٣) سِواك. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤)﴾.

стр. 6226

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : انْظُرْ يا محمدُ، فاعْلَمْ كيف كذَب هؤلاء المشركون العادِلون بربِّهم الأوثانَ والأصنامَ في الآخرةِ عندَ لقاءِ اللهِ، على أنفسِهم بقِيلِهم: واللهِ يا ربَّنا ما كنا مشركين. واستَعْمَلوا هنالك الأخلاقَ التي كانوا بها يَتَخَلَّقون (١) في الدنيا، من الكذبِ والفِرْيَة. ومعنى النظرِ في هذا الموضعِ النظرُ بالقلبِ، لا النظرُ بالبصرِ، وإنما معناه: تَبَيَّنْ فاعْلَمْ كيف كَذَبوا في الآخرةِ. وقال: ﴿كَذَبُوا﴾. ومعناه: يكذِبون؛ لأنه لمّا كان الخبرُ قد مضى في الآيةِ قبلَها، صار كالشيءِ الذي قد كان ووُجِدَ. ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾. يقولُ: وفارَقَهم الأندادُ والأصنامُ، وتَبَرَّءُوا منها، فسلَكوا غير سبيلِها؛ لأنها هلَكت، وأُعِيدَ (٢) الذين كانوا يَعْبُدونها اجتراءً، ثم أُخِذوا بما كانوا يَفْتَرونه من قِيلِهم فيها على اللهِ، وعبادتِهم إياها، وإشراكِهم إياها في سلطانِ اللهِ، فضلَّت عنهم، وعوقِب عابِدوها بفِرْيَتِهم. وقد بينَّا فيما مضَى أن معنى "الضلالِ" الأخذُ على غيرِ الهدى (٣). وقد ذُكِر أن هؤلاء المشركين يَقُولون هذا القولَ عندَ معاينتِهم سَعَةَ رحمةِ اللهِ يومَئذٍ. ذكرُ الروايةِ بذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حَكّامٌ، قال: ثنا عمرٌو، عن مُطَرِّفٍ، عن المنهالِ

стр. 6227

ابن عمرٍو، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: أتى رجلٌ ابنَ عباسٍ [فقال: قال اللهُ: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾] (١). وقال في آيةٍ أُخرى: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢]. قال ابن عباسٍ: أما قولُه: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾. فإنه لما رَأَوْا أنه لا يَدْخُلُ الجنةَ إلا أهلُ الإسلامِ، فقالوا: تعالَوْا لنَجْحَدُ. قالُوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾. فختَم اللهُ على أفواهِهم، وتكلَّمت أيديهم وأرجلُهم، ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ (٢). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ تعالى: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾. قال: قولُ أهلِ الشركِ حين رَأَوُا الذنوبَ تُغْفَرُ - ولا يَغْفِرُ اللهُ لمشركٍ - ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾: بتكذيبِ اللهِ إياهم (٣). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه. حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾. ثم قال: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ بجوارِحِهم (٤). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال ثنا أبي، عن حمزةَ الزياتِ، عن رجلٍ يقالُ له: هاشمٌ (٥)، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا

стр. 6228

مُشْرِكِينَ﴾ قال: حلَفوا واعْتَذَروا، قالوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا﴾ (١). حدَّثني المثنى، قال: ثنا قَبِيصةُ بنُ عقبةَ، قال: ثنا سفيانُ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: أقسَموا واعتذَروا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا﴾. حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، عن حمزةَ الزياتِ، عن رجلٍ يُقالُ له: هاشمٌ (٢)، عن سعيدِ بن جبيرٍ بنحوِه. حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن سفيانَ بن زيادٍ العُصْفُريِّ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾. قال: لما أُمِر بإخراجِ رجالٍ (٣) مِن (٤) النارِ مِن أهلِ التوحيدِ، قال مَن فيها من المشركين: تعالَوْا نَقُولُ: لا إلهَ إلا اللهُ. لعلنا نَخْرُجُ مع هؤلاء. قال: فلم يُصَدَّقُوا. قال: فحلَفوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾. قال: فقال اللهُ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾. حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾: أي: يُشْرِكون (٥). حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا المنهالُ بنُ عمرٍو، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾. قال: لما رأى المشركون أنه لا يَدْخُلُ الجنةَ إلا مسلمٌ، قالوا: تعالَوْا إِذا سُئِلنا (٦) قلنا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا

стр. 6229

مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾. فسُئِلوا، فقالوا ذلك، فختَم اللهُ على أفواهِهم، وشهِدت عليهم جوارحُهم بأعمالِهم، فَوَدَّ الذين كفَروا حينَ رَأَوْا ذلك: ﴿لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ (١). حدَّثني الحارثُ، قال: ثنى عبدُ العزيزِ، قال: ثنا مسلمُ بنُ خالدٍ (٢)، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: يأتى على الناسِ يومَ القيامةِ ساعةٌ، لما رأوا (٣) أهلُ الشركِ أهلَ التوحيدِ يُغْفرُ لهم، فيَقُولون: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾. قال: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾. حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ، عن رجلٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ أنه كان يقولُ: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾. بخَفْضِها (٤)، قال: أقسَموا واعتذَروا. قال الحارثُ: قال عبدُ العزيزِ: قال سفيانُ مرةً أخرى: ثني هاشمٌ (٥)، عن سعيدِ بن جبيرٍ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ومن هؤلاء العادلين بربِّهم الأوثانَ والأصنامَ مِن قومِك يا محمدُ ﴿مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾. يقولُ: مَن يَسْتَمِعُ القرآنَ منك، ويَسْتَمِعُ مَا تَدْعُوه إليه مِن توحيدِ ربِّك وأمرِه ونهيِه، ولا يَفْقَهُ ما تقولُ، ولا يُوعِيه قلبَه، ولا يَتَدَبَّرُه، ولا يُصْغِي له سمعَه ليَتَفَقَّهَه فيَفْهَمَ حججَ اللهِ عليه في تنزيلِه الذي أَنزَله عليك، إنما يَسْمَعُ

стр. 6230

صوتَك وقراءتَك وكلامَك، ولا يَعْقِلُ عنك ما تقولُ؛ لأن الله قد جعَل على قلبِه أكِنّةً. وهي جمعُ كِنانٍ، وهو الغطاءُ، مثلُ سنانٍ وأسنةٍ، يُقال منه: أَكنَنْتُ الشيءَ في نفسي - بالألفِ - وكَنَنْتُ الشيءَ، إذا غطَّيتَه. ومن ذلك ﴿بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصافات: ٤٩]، وهو الغطاءُ. ومنه قولُ الشاعرِ (١): تحتَ عينٍ (٢) كِنانُنا … ظلُّ بُرْدٍ مُرَحَلُ (٣) يعنى غطاءهم الذي يُكِنُّهم. ﴿وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وجعَل في آذانِهِم ثِقَلًا وصَمَمًا عن فَهم ما تَتْلو عليهم، والإصغاءِ لما تَدْعوهم إليه. والعربُ تَفتَحُ الواوَ من الوَقْرِ في الأُذُنِ، وهو الثِّقَلُ فيها، وتَكْسِرُها في الحِمْلِ، فتقولُ: هو وِقْرُ الدابةِ. ويقالُ مِن الحِمْلِ: أَوْقَرْتُ الدابةَ. فهي موقورةٌ (٤)، ومن السمعِ: وَقَرْتُ سمعَه. فهو موقَّرٌ (٥). ومنه قولُ الشاعرِ (٦): * ولى هامة قد وقَّر الضربُ سمْعَها * وقد ذُكِر سماعًا منهم: وَقِرَت أُذُنُه إِذا ثَقُلت، فهي مَوْقُورةٌ، وأَوْقَرَتِ النخلةُ فهي مُوقِرٌ. كما قيل: امرأةٌ طامثٌ وحائضٌ. لأنه لا حظَّ فيه للمذكرِ، فإذا أُرِيد أن الله أَوْقَرها، قيل: مُوقرَةٌ.

стр. 6231

وقال تعالى ذكرُه: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾. بمعنى: أَلَّا يفْقَهوه. كما قال: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦]. بمعنى: أَلَّا تَضِلُّوا؛ لأن الكِنَّ إنما جُعِل على القلبِ لئلا يَفْقَهَه، لا لِيَفْقَهَه. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾. قال: يَسْمَعونه بآذانِهم، ولا يَعُون منه شيئًا، كمثَلِ البهيمةِ التي تَسْمَعُ النداءَ، ولا تَدْرِى ما يُقالُ لها (١). حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن عن السدِّيِّ: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾: أما ﴿أَكِنَّةً﴾: فالغِطاءُ أَكَنّ قلوبَهم، لا يَفْقَهُونَ الحَقَّ، ﴿وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾. قال: صَمَمٌ (٢). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾. قال: قريشٌ (٣). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن

стр. 6232

مُجاهدٍ مثلَه. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٥)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وإن يَرَ هؤلاء العادِلون بربِّهم الأوثانَ والأصنامَ، الذين جَعَلْتُ على قلوبِهم أَكِنَّةً أن يَفْقَهوا عنك ما يَسْمَعون منك، ﴿كُلَّ آيَةٍ﴾. يقولُ: كلُّ حُجةٍ وعلامةٍ تَدلُّ أهلَ الحِجَا والفهمِ على توحيدِ اللهِ، وصدقِ قولِك، وحقيقة نبوَّتِك، ﴿لَا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾. يقولُ: لا يُصَدِّقون بها، ولا يُقِرُّون بأنها دالةٌ على ما هي عليه دالةٌ، ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ﴾. يقولُ: حتى إذا صاروا إليك بعدَ مُعاينتِهم الآياتِ الدالةَ على حقيقةِ ما جئتَهم به، ﴿يُجَادِلُونَكَ﴾. يقولُ: يُخاصِمونك، ﴿يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. يعنى بذلك: الذين جحَدوا آياتِ اللهِ وأنْكروا حقيقتَها، يقولون لنبيِّ اللهِ ﷺ إذا سمِعوا حُجَجَ اللهِ التي احتجَّ بها عليهم، وبيانَه الذي بيَّنه لهم: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾. أي: ما هذا إلا أساطيرُ الأولين. والأساطيرُ جمعُ إسْطارةٍ وأُسْطُورةٍ، مثلَ أُفُكُوهَةٍ وأُضْحُوكةٍ. وجائزٌ أن يَكونَ الواحدُ أسْطارًا، مثلَ أبياتٍ وأَبابِيتَ، وأقوالٍ وأَقاوِيلَ، مِن قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾ [الطور: ٢]. مِن: سطَرَ يَسْطُرُ سَطْرًا. فإن كان هذا، فإن تأويلَه: ما هذا إلا ما كتَبه الأوَّلون. وقد ذُكِر عن ابن عباسٍ وغيرِه أنهم كانوا يتأوَّلُونه بهذا التأويلِ، ويقولون: معناه: إن هذا إلا أحاديثُ الأوَّلِين. حدَّثني بذلك المثنى بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ،

стр. 6233

عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ (١). حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضلٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾: فَأَساجِيعُ الأَوَّلِينَ (٢). وكان بعضُ أهلِ العلمِ - وهو أبو عُبَيدةَ مَعْمَرُ بنُ المثنَّى - بكلامِ العربِ يقولُ (٣): الإسطارةُ لغةٌ، [ومجازُها] (٤) التُّرَّهاتُ. وكان الأخفشُ يقولُ: قال بعضُهم: واحدُه أُسْطورةٌ. وقال بعضُهم: إسْطارةٌ. قال: ولا أُراه إلا مِن الجميعِ (٥) الذي ليس له واحدٌ، نحوَ العَباديدِ (٦) والمَذَاكير والأبابيلِ. قال: وقال بعضُهم: واحدُ الأبابيلِ إبِّيلٌ. وقال بعضُهم: إِبَّوْلٌ. مثلَ عِجَّوْلٍ (٧)، ولم أَجِدِ العربَ تَعْرِفُ له واحدًا، وإنما هو مثلُ عَبادِيدَ لا واحدَ لها. وأما الشَّماطِيطُ (٨)، فإنهم يَزْعُمون أن واحدَه شِمْطاطٌ. قال: وكلُّ هذه لها واحدٌ، إلا أنه لم يُسْتَعْمَلْ ولم يُتَكَلَّم به؛ لأن هذا المثالَ لا يَكونُ إلا جميعًا (٩). قال: وسمِعْتُ العرب الفُصَحاءَ تقولُ: أَرْسَل خَيلَه أبابيلَ. تُرِيدُ جَماعاتٍ، فلا تَتَكَلَّمُ بها بواحدةٍ (١٠).

стр. 6234

وكانت مُجادلتُهم رسولِ اللهِ ﷺ التي ذكَرها اللهُ في هذه الآيةِ فيما ذُكِر، ما حدَّثني به محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ﴾ الآية. قال: هم المشركون، يُجادِلون المسلمين في الذِّبيحةِ، يقولون: أما ما ذبَحْتُم وقَتَلْتُم فتَأْكُلون، وأما ما قتَل اللهُ فلا تَأْكلُون، وأنتم تَتِّبِعون أمرَ اللهِ تعالى! (١) القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٢٦)﴾. اختَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: هؤلاء المشركون المُكذِّبون بآياتِ اللَّهِ، يَنْهَوْنَ الناسَ عن اتِّباعِ محمدٍ ﷺ والقبول منه، ﴿وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾: يَتَبَاعَدون عنه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا حفصُ بنُ غِياثٍ وهانئُ بنُ سعيدٍ، عن حجاجٍ، عن سالمٍ، عن ابن الحَنَفيةِ: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾. قال: يَتَخَلَّفون عن النبيِّ ﷺ ولا يُجيبونه، ويَنْهَوْن الناسَ عنه (٢). حدَّثنا المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾. يعنى: يَنْهَوْن الناسَ عن محمدٍ أن يُؤْمِنوا به، ﴿وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾: يعنى: يَتَباعَدون عنه (٣)

стр. 6235

حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾: أَن يُتَّبَعَ محمدٌ، ويَتَباعَدون هم منه (١). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾. يقولُ: لا يَلْقَوْنَه، ولا يَدَعُون أحدًا يَأْتِيه (٢). حُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سِمعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ في قولِه: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ يقولُ: عن محمدٍ الله ﷺ . حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدٌ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾: جمَعُوا النَّهْيَ والنَّأْيَ، والنَّأَى (٣) التباعُدُ. وقال بعضُهم: بل معناه: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾: عن القرآنِ أن يُسْمَعَ له ويُعْمَلَ بما فيه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾. قال: يَنْهَوْن عن القرآنِ وعن النبيِّ ﷺ ، ﴿وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾: ويَتَباعَدون عنه (٤).
следующие страницы →