← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

حدَّثنا ابنُ المُثَنَّى، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنا خالدٌ الواسطىُّ، عن بَيانٍ، عن الشعبىِّ، عن جَعْدةَ بنِ هُبَيْرةَ: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾. قال: الكَرْمُ. وقال آخَرون: هى التِّينةُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن بعضِ أصحابِ محمدٍ ﷺ ، قال: تينةٌ (١). قال أبو جعفرٍ: والقولُ في ذلك عندنا أن اللهَ تعالى ذكرُه أخْبَر عبادَه أن آدمَ وزوجَه قد أكَلا مِن الشجرةِ التى نهاهما عن الأكلِ منها، وأتَيا الخَطيئةَ التى نهاهما عن إتيانِها بأكلِهما ما أكَلا منها، بعدَ أن بيَّن اللهُ لهما عَينَ الشجرةِ التى نهاهما عن الأكلِ منها، وأشار لهما إليها بقولِه: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾. ولم يَضَعِ اللهُ لعبادِه المخاطَبِين بالقرآنِ دَلالةً على أىِّ أشجارِ الجنةِ كان نَهْيُه آدمَ ﵇ أن يَقْرَبَها، بنصٍّ عليها باسمِها، ولا بدَلالةٍ عليها، ولو كان للهِ جلّ ثناؤُه في العلمِ بأىِّ ذلك مِن أىٍّ رضًا، لم يُخْلِ عبادَه مِن نَصْبِ دَلالةٍ لهم عليها يَصِلون بها إلى معرفةِ عينِها، ليُطعوه بعلمِهم بها، كما فعَل ذلك في كلِّ ما في العلمِ به له رضًا. فالصوابُ في ذلك أن يقالَ: إن اللهَ تعالى ذكرُه نهَى آدمَ ﵇ وزوجتَه عن أكلِ شجرةٍ بعينِها مِن أشجارِ الجنةِ دون سائرِ أشجارِها، فخالَفا إلى ما نهاهما اللهُ عنه، فأكلا منها كما وصَفَهُما اللهُ به، ولا علمَ عندَنا [بأىِّ ذلك من أىٍّ] (٢). وقد

стр. 737

قِيلَ: كانت شجرةَ البُرِّ. وقيل: كانت شجرةَ العِنَبِ. وقيل: كانت شجرةَ التِّينِ. وجائزٌ أن تكونَ واحدةً منها، وذلك [عِلْمٌ إذا عُلِم] (١) لم يَنْفَعِ العالمَ به علمُه، وإنْ جَهِله جاهلٌ لم يضُرَّه جهلُه به. القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥)﴾. قال أبو جعفرٍ: اخْتلَف أهلُ العربيةِ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، فقال بعضُ نحْوىِّى الكوفيين: تأويلُ ذلك: ولا تَقْرَبا هذه الشجرةَ، فإنكما إن قرِبْتُماها كنتما مِن الظالمين. فصار الثانى في موضعِ جوابِ الجزاءِ، وجوابُ الجزاءِ يَعْمَلُ فيه أؤَلُه، كقولِك: إن تَقُمْ أَقُمْ. فتَجْزِمُ الثانىَ بجزمِ الأوَّلِ، فكذلك قولُه: ﴿فَتَكُونَا﴾ لماّ وقَعَتِ الفَاءُ في موضعِ شرطِ الأوَّلِ نُصِب بها، وصُيِّرَت بمنزلةِ "كى" في نصبِها الأفعالَ المستقبلةَ، للزومِها الاستقبالَ، إذ كان أصلُ الجزاءِ الاستقبالَ. وقال بعضُ نحْويِّى أهلِ البصرةِ: تأويلُ ذلك: لا يكُنْ منكما قُرْبُ هذه الشجرةِ، فأن تكونا مِن الظالمين. غيرَ أنه زعَم أنّ "أن" غيرُ جائزٍ إظهارُها مع ﴿لَا﴾، ولكنَّها مُضْمَرةٌ لابد منها ليَصحَّ الكلامُ بعطفِ اسمٍ -وهى "أن"- على اسمٍ، كما غيرُ جائزٍ في قولِهم: عسى أن يَفْعَلَ: عسى الفعلُ. ولا في قولِك: ما كان لِيَفْعَلَ: ما كان لأن يَفْعَلَ. وهذا القولُ الثانى يُفْسِدُه إجماعُ جميعِهم على تخطئةِ قولِ القائلِ: سرَّنى

стр. 738

تقومُ يا هذا. وهو يُرِيدُ: سرَّنى قيامُك. فكذلك يجِبُ أن يكونَ خطأً على هذا المذهب قولُ القائلِ: لا تقمْ. إذا كان المعنى: لا يكن منك قيامٌ. وفى إجْماعِ جميعِهم على صحةِ قولِ القائلِ: لا تَقُمْ. وفسادِ قولِ القائلِ: سرَّنى تَقُومُ. بمعنى: سرَّنى قيامُك - الدليلُ الواضحُ على فسادِ دعوى المُدَّعِى أن مع ﴿لَا﴾ التى في قوله: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾. ضميرَ "أن"، وصحةِ القولِ الآخرِ. وفى قولِه: ﴿فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. وجهان مِن التأويلِ، أحدُهما: أن يَكونَ ﴿فَتَكُونَا﴾ فى نيةِ العطفِ على قولِه: ﴿وَلَا تَقْرَبَا﴾ فيكونَ تأويلُه حينَئذٍ: ولا تَقْرَبا هذه الشجرةَ، ولا تكونا من الظالمين. فيكونَ ﴿فَتَكُونَا﴾ حينَئذٍ في معنى الجزمِ مجزومًا بما جُزِم به: ﴿وَلَا تَقْرَبَا﴾. كما يقولُ القائلُ: لا تُكَلِّمْ عَمْرًا وتُؤْذِه. كما قال امرُؤُ القيسِ (١). فقلتُ له صوِّبْ ولا تَجْهَدَنَّهُ … فَيُذْرِكَ مِن أُخرَى القَطاةِ (٢) فَتَزْلَقِ فجزَم "يُذْرك" بما جزَم به "لا تَجْهَدَنَّه"، كأنه كرَّر النهىَ. والثانى: أن يكونَ ﴿فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. بمعنى جوابِ النهىِ، فيكونَ تأويلُه حينَئذٍ: تَقْرَبا هذه الشجرةَ، فإنكما إن قَرِبْتُماها كنتما مِن الظالمين. كما تقولُ: لا تَشْتُمْ زيدًا (٣) فيَشْتُمَك مُجازاةً. فيكونَ ﴿فَتَكُونَا﴾ حينَئذٍ في موضعِ نَصبٍ إذ كان حرفًا عُطِفَ على غيرِ شكلِه، لمَّا كان فى ﴿وَلَا تَقْرَبَا﴾ حرفٌ عاملٌ فيه لا (٤) يَصْلُحُ إعادتُه في ﴿فَتَكُونَا﴾، فنُصِب على ما قد بيَّنْتُ فى أولِ هذه المسألةِ.

стр. 739

وأما تأويلُ قولِه: ﴿فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. فإنه يعنى به: فتكونا من المُتَعدِّين إلى غيرِ ما أُذِن لهم فيه وأُبيح لهم. وإنما عَنَى بذلك أنكما إن قرِبْتُما هذه الشجرةَ كنتما على مِنْهاجِ مَن تَعدَّى حُدودي، وعَصَى أمري، واسْتَحلَّ مَحارِمي، لأنَّ الظالمين بعضُهم أولياءُ بعضٍ، واللهُ وليُّ المُتَّقِين. وأصلُ الظلمِ في كلامِ العربِ وضعُ الشيءِ في غيرِ موضعِه، ومنه قولُ نابغةِ بنى ذُبْيانَ (١): إلَّا أَوارِىَّ (٢) لَأيًا ما أُبَيِّنُها … والنُّؤْىُ كالحوضِ بالمَظْلومةِ الجَلَدِ فجعَل الأرضَ مظلومةً؛ لأنَّ الذي حفَر فيها النُّؤْىَ حفَر في غيرِ موضعِ الحفرِ، فجعَلها مظلومةً [لوضعِ الحُفْرةِ] (٣) منها في غيرِ موضعِها. ومِن ذلك قولُ ابنِ قَمِيئةَ في صفةِ غَيْثٍ (٤): ظلَم البِطاحَ (٥) به (٦) انْهلالُ (٧) حَريصةٍ (٨) … فَصَفَا النِّطافُ (٩) له بُعَيْدَ المُقْلَعِ (١٠)

стр. 740

وظلمُه إياه مَجِيئُه في غيرِ أوانِه، وانصبابُه في غيرِ مَصَبِّه. ومنه ظلمُ الرجلِ جَزورَه، وهو نحرُه إياه لغيرِ علَّةٍ، وذلك عندَ العربِ وَضْعُ النحرِ في غيرِ موضعِه. وقد يتفَرَّعُ الظُّلْمُ في معانٍ يَطولُ بإحْصائِها الكِتابُ، سنُبيِّنُها في أماكنِهِا إذا أتيْنا عليها، إنِ اللهُ شاء ذلك، وأصلُ ذلك كُلِّه ما وصَفْنا من وضعِ الشيءِ في غيرِ موضِعِه. القولُ في تأويلِ قولِهِ : ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا﴾. قال أبو جعفرٍ: اخْتَلَفتِ القَرَأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأَتْه عامَّتُهم: (﴿فَأَزَلَّهُمَا﴾. بتشديدِ اللامِ (١)، بمعنى: اسْتَزَلَّهما، مِن قولِك: زَلَّ الرجلُ في دينِه. إذا هفَا فيه وأخْطَأ، فأَتَى ما ليس له إتيانُه فيه، وأزلَّه غيرُه، إذا سبَّب له ما يَزِلُّ مِن أجلِه في دِينِه أو دنياه، ولذلك أضاف اللهُ تعالى ذكرُه إلى إبليسَ خروجَ آدمَ وزوجتِه مِن الجنةِ فقال: ﴿فَأَخْرَجَهُمَا﴾. يعنى: إبليسُ أخرَجهما (٢) ﴿مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾؛ لأنه كان الذى سبَّب لهما الخطيئةَ التى عاقَبَهما اللهُ عليها بإخْراجِهما مِن الجنةِ. وقرَأه آخَرون: (فأزَالهما) (٣). بمعنى إزالةِ الشيءِ عن الشيءِ، وذلك تَنْحِيتُه عنه. وقد رُوِى عن ابنِ عباسٍ في تأويلِ قولِه: ﴿فَأَزَلَّهُمَا﴾ [ما حَدَّثَنَاهُ] (٤) القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: قولُه: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ﴾. قال: أغواهما (٥).

стр. 741

وأولى القراءتَيْن بالصوابِ قراءةُ مَن قرَأه: ﴿فَأَزَلَّهُمَا﴾؛ لأنَّ اللهَ تعالى ذكرُه قد أخْبَر في الحرفِ الذى يتْلُوه بأنَّ إبليسَ أخرَجَهُما مما كانا فيه، وذلك هو مَعْنى قولِه: (فأزالهما) (١). فلا وجهَ -إذ كان معنى الإزالةِ معنى التَّنْحِيةِ والإخْراجِ- أن يُقالَ: (فأزالهما الشيطانُ عنها فأخْرَجَهما مما كانا فيه) فيكونُ كقولِه: فأزالهما الشيطانُ عنها فأزالهما مما كانا فيه. ولكنِ المعنى المفهومُ أن يُقالَ: فاسْتَزَلَّهما إبليسُ عن طاعةِ اللهِ -كما قال تعالى ذكرُه: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ﴾. وقرَأَت به القَرأَةُ- فأخْرَجَهما باسْتِزْلالِه إياهما عن (٢) الجنةِ. فإن قالَ قائلٌ: وكيف كان اسْتِزْلالُ إبليسَ آدمَ وزوجتَه ﵉، حتى أُضِيفَ إليه إخراجُهما مِن الجنةِ؟ قيل: قد قالت العلماءُ في ذلك أقوالًا سنَذكُرُ بعضَها. فحُكِى عن وهبِ بنِ مُنبِّهٍ فى ذلك ما حَدَّثَنَا به الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا عمرُ (٣) بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ مُهْرِبٍ، قال: سمِعْتُ وهْبَ ابنَ مُنَبِّهٍ يقولُ: لمَّا أسْكَن اللهُ آدمَ وذريتَه، أو زوجتَه -الشكُّ مِن أبى جعفرٍ، وهو في أصلِ كتابِه: وذريتَه- ونهاه عن الشجرةِ، وكانت شجرةً غُصونُها مُتَشَعِّبٌ بعضُها في بعضٍ، وكان لها ثمرٌ تَأْكُلُه الملائكةُ لخُلدِهم، وهى الثمرةُ التى نهَى اللهُ عنها آدمَ وزوجتَه، فلمَّا أراد إبليسُ أن يَستَزِلَّهما، دخَل في جوفِ الحيَّةِ، وكانت للحيَّةِ أربعُ قَوائِمَ كأنها بُخْتيَّةٌ (٤) مِن أحسنِ دابةٍ خلَقها اللهُ جلَّ ثناؤُه، فلمّا دخَلَت الحيةُ الجنةَ،

стр. 742

خرَج مِن جوفِها إبليسُ، فأخَذ مِن الشجرةِ التى نهى اللهُ عنها آدمَ وزوجتَه، فجاء بها (١) إلى حَوَّاءَ، فقال: انظُرى إلى هذه الشجرةِ، ما أطيبَ ريحَها، وأطيبَ طعمَها، وأحسنَ لونَها! فأخَذَت حواءُ فأكَلَت منها، ثم ذهَبَت بها إلى آدمَ، فقالت: انظُرْ إلى هذه الشجرةِ، ما أطيبَ ريحَها، وأطيبَ طعمَها، وأحسنَ لونَها! فأكَل منها آدمُ، فبدَت لهما سَوآتُهما، فدخَل آدمُ في جوفِ الشجرةِ، فناداه ربُّه: يا آدمُ، أين أنت؟ قال: أنا هذا (٢) يا ربِّ. قال: ألا تَخرُجُ؟ قال: أَسْتَحْيِى منك يا ربِّ. قال: ملعونةٌ الأرضُ التى خُلِقْتَ منها لعنةً [تَتَحوَّلُ ثمارُها] (٣) شوكًا. قال: ولم يَكُنْ في الجنةِ ولا في الأرضِ (٤) شجرةٌ كان أفضلَ مِن الطَّلْحِ والسِّدْرِ. ثم قال: يا حَوَّاءُ، أنت التى غرَرْتِ عبدي، فإنك لا تَحْمِلين حَمْلًا إلَّا حَملْتِه كَرْهًا، فإذا أرَدْتِ أن تَضَعِى ما في بطنِكِ أشْرَفْتِ على الموتِ مِرارًا. وقال للحيَّةِ: أنت التى دخَل الملعونُ في جوفِكِ، حتى غرَّ عبدِي، ملعونةٌ أنتِ لعنةً تتَحَوَّلُ قَوائِمُك في بطنِكِ، [ولا يكونُ] (٥) لك رزقٌ إلَّا الترابُ، أنت عدوَّةُ بنى آدمَ، وهم أعداؤُكِ، حيثُ لقيتِ أحدًا منهم أخَذْتِ بعَقِبِه، وحيثُ لقِيَكِ شدَخ رأسَكِ. قال عمرُ (٦): قيل لوهبٍ: وما كانت الملائكةُ تَأْكُلُ؟ قال: يَفْعَلُ اللهُ ما يَشاءُ (٧). وقد رُوِى عن ابنِ عباسٍ نحوُ هذه القصةِ.

стр. 743

حَدَّثَنِي موسي، قال: حَدَّثَنَا عمرٌو، قال: حَدَّثَنَا أسباطُ، عن السّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبى صالحٍ، عن ابن عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النَّبِيِّ ﷺ : لما قال اللهُ لآدمَ: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. أراد إبليسُ أن يَدْخُلَ عليهما الجنةَ، فمنَعَه الخَزَنةُ، فأَتَى الحيةَ -وهى دابةٌ لها أربعُ قَوائِمَ، كأنَّها البعيرُ، وهى كأحسنِ الدوابِّ- فكلَّمها أن تُدْخِلَه في فُقْمِها (١) حتى تَدْخُلَ به إلى آدمَ، فأدْخَلَته في فُقْمِها (٢) - [قال أبو جعفرٍ: والفُقْمُ جانبُ الشِّدْقِ] (٣) - فمرَّت الحيةُ على الخَزَنةِ فدخَلَت ولا يَعْلَمون، لِمَا أَراد اللهُ مِن الأمرِ. فكلَّمه مِن فُقْمِها (٤)، فلم يُبالِ كلامَه (٥)، فخرَج إليه، فقال: ﴿يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ [طه: ١٢٠]. يقولُ: هل أَدُلُّك على شجرةٍ إن أكَلْت منها كنتَ مَلِكًا مثلَ اللهِ ، أو تكونا مِن الخالدِين فلا تَموتان أبدًا. وحلَف لهما باللهِ: ﴿إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٢١]. وإنما أراد بذلك لِيُبْدِيَ لهما ما تَوارَى عنهما مِن سَوْءاتِهما بهَتْكِ لباسِهما، وكان قد علِم أن لهما سَوْأَةً، لِمَا كانَ يَقْرَأُ مِن كتبِ الملائكةِ، ولم يَكُنْ آدمُ يَعْلَمُ ذلك، وكان لِباسُهما الظُّفْرَ، فأبَى آدمُ أن يَأْكُلَ منها، فتقَدَّمَت حَوَّاءُ فأكَلَت، ثم قالت: يا آدمُ كُلْ، فإني قد أكَلْت فلم يَضُرَّنِي. فلمَّا أكَل آدمُ بَدَت لهما سوءاتُهما، وطفِقا يَخصِفَان عليهما مِن ورقِ الجنةِ (٦).

стр. 744

حُدِّثْتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: حَدَّثَنِي مُحدِّثٌ أن الشيطانَ دخَل الجنةَ في صورةِ دابةٍ ذاتِ قوائمَ، فكان يُرى أنه (١) البعيرُ، قال: فلُعِن، فسقَطت قوائمُه فصار حيَّةً (٢). حُدِّثت عن عمارٍ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: وحَدَّثَنَي أبو العاليةِ أن مِن الإبلِ ما كان أوَّلُها مِن الجنِّ. قال: فأُبِيحَت له الجنةُ كلُّها إلَّا الشجرةَ، وقيل لهما (٣): ﴿لَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ قال: فأتَى الشيطانُ حَوَّاءَ، فبدَأ بها، فقال: أنُهِيتُما عن شيءٍ؟ قالت: نعم، عن هذه الشجرةِ. فقال: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ [الأعراف:٢٠]. قال: فبدَأَت حواءُ فأكَلَت منها، ثم أمَرَت آدمَ فأكَل منها. قال: وكانت شجرةً مَن أكَل منها أحْدَث. قال: ولا يَنْبَغِى أن يَكونَ في الجنةِ حَدَثٌ. قال: ﴿فَأَزَلَّهُمَا (٤) الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾. قال: فأخْرج آدمُ مِن الجنةِ (٥). حَدَّثَنَا ابنُ حُميدٍ، قال: حَدَّثَنَا سَلَمةُ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ إسحاقَ، عن بعضِ أهلِ العلمِ، أن آدمَ حينَ دخَل الجنةَ ورأَى ما فيها مِن الكَرامةِ وما أعْطاه اللهُ منها، قال: لو

стр. 745

أن خُلْدًا كان. [فاغْتَمَز فيها] (١) منه الشيطانُ لمَّا سِمعَها منه، فأتاه مِن قِبَلِ الخُلْدِ (٢). حَدَّثَنَا ابنُ حُميدٍ، قال: حَدَّثَنَا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: حُدِّثْتُ أن أولَ ما ابْتَدَأهما به مِن كيدِه إياهما أنه ناح عليهما نِياحَةً (٣) حَزَّنتهما (٤) حينَ سمِعاها، فقالا له: ما يُبكِيك؟ قال: أَبْكِى عليكما؛ تَمُوتان فتُفارِقان ما أنتما فيه مِن النعمةِ والكَرامةِ. فوقَع ذلك في أنفسِهما، ثم أتاهما فوَسْوَس إليهما، فقال: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ [طه: ١٢٠]. وقال: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (٢٠) وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠، ٢١]. أى: تكونان ملَكَين، أو تَخلُدان -إن لَمْ تكونا ملَكَين- في نعمةِ الجنةِ، فلا تَمُوتان. يقولُ اللهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ﴾ (٥) [الأعراف: ٢٢]. وحَدَّثَنَي يونُسُ بنُ عبدِ الأعْلَي، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: وسْوَس الشيطانُ إلى حَوَّاءَ في الشجرةِ حتى أتَى بها إليها، ثم حسَّنها في عينِ آدمَ. قال: فدعاها آدمُ لحاجتِه. قالت: لا، إلَّا أن تَأْتىَ ههنا. فلما أتَى قالت: لا، إلَّا أن تَأْكُلَ مِن هذه الشجرةِ. قال: فأكَلا منها فبدَت لهما سَوءاتُهما. قال: وذهَب آدمُ هاربًا في الجنةِ، فناداه ربُّه: يا آدمُ، أمنِّى تَفِرُّ؟ قال: لا يا ربِّ، ولكن حَياءً منك. قال: يا آدمُ، أَنَّى أُتِيتَ؟ قال: مِن قِبَلِ حواءَ أى ربِّ. فقال اللهُ: فإن لها عليَّ أن أُدْمِيَها

стр. 746

في كلِّ شهرٍ مرةً كما دَمَّتْ (١) هذه الشجرةَ، وأن أَجْعَلَها سَفِيهةً، فقد كنتُ خلَقْتُها حَلِيمةً، وأن أَجْعَلَها تَحْمِلُ كَرْهًا وَتَضَعُ كَرْهًا، فقد كنتُ جعَلْتُها تَحْمِلُ يُسْرًا (١) وتَضَعُ يُسْرًا (٢). قال ابنُ زيدٍ: ولولا البَليَّةُ التى أصابَتْ حَوَّاءُ لَكان نساءُ الدنيا لا يَحِضْنَ، ولَكُنَّ حَليماتٍ، وكُنَّ يَحْمِلْنَ يُسْرًا (٢) ويَضَعْنَ يُسْرًا (٢). حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن يزيدَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ قُسَيْطٍ، عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، قال: سمِعْتُه يَحْلِفُ باللهِ ما يَسْتَثْنى: ما أكَل آدمُ مِن الشجرةِ وهو يَعْقِلُ، ولكنّ حَوَّاءَ سقَتْه الخمرَ، حتى إذا سكِر قادَتْه إليها فأكَل (٣). حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن ليثِ بنِ أبي سُلَيْمٍ، عن طاوسٍ اليَمانىِّ، عن ابنِ عباسٍ، قال: إن عدُوَّ اللهِ إبليسَ عرَض نفسَه على دَوابِّ الأرضِ أنها تَحْمِلُه حتى تَدْخُلَ به (٤) الجنةَ (٥) حتى (٦) يُكَلِّمَ آدمَ وزوجتَه، فكلُّ الدوابِّ أبَى ذلك عليه، حتى كلَّم الحَيَّةَ، فقال لها: أَمْنَعُكِ مِن ابنِ آدمَ، فأنتِ في ذِمَّتى إن أنتِ أدْخَلْتِنى الجنةَ. فجعَلَتْه بينَ نابينِ من أنيابِها، ثم دخَلَت به، فكلَّمَهما مِن فيها، وكانت كاسيةً تَمْشِى على أربعِ قَوائِمَ، فأعْراها اللهُ وجعَلها

стр. 747

تَمْشِى على بطنِها. قال: يقولُ ابنُ عباسٍ: اقْتُلُوها حيث وجَدْتُموها، أخْفِروا ذِمَّةَ عدوِّ اللهِ فيها (١). حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، قال: قال ابنُ إسحاقَ: وأهلُ التَّوراةِ يَدْرُسون: إنما كلَّم آدمَ الحيةُ. ولم يُفَسِّروا كتفسيرِ ابنِ عباسٍ. حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حَجَّاجٌ، عن أبى مَعْشَرٍ، عن محمدِ بنِ قيسٍ، قال: نهَى اللهُ آدمَ وحوَّاءَ أن يَأْكُلا مِن شجرةٍ واحدةٍ في الجنةِ، ويَأْكُلا منها (٢) رَغَدًا حيث شاءا، فجاء الشيطانُ فدخَل في جوفِ الحيةِ، فكلَّم حَوَّاءَ، ووسْوَس (٣) إلى آدمَ، فقال: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (٢٠) وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠، ٢١]. قال: فقطَعت (٤) حَوَّاءُ الشجرةَ، فدَمِيَت الشجرةُ، وسقَط عنهما رياشُهما الذي كان عليهما، ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: ٢٢]. لمَ أكَلْتَها وقد نهَيْتُك عنها؟ قال: ياربِّ، أطْعَمَتْنى حَوَّاءُ. قال لحَوَّاءَ: لمَ أطْعَمْتِه؟ قالت: أمَرَتْنِى الحيةُ. قال للحيةِ: لمَ أمَرْتِها؟ قالت: أمَرَنى إبليسُ. قال: ملعونٌ مَدْحورٌ؛ أما أنت يا حَوَّاءُ فكما أَدْمَيْتِ الشجرةَ، تَدْمَيْن (٥) في كلِّ هلالٍ، وأما أنت يا حَيَّةُ فأَقْطَعُ قَوائمَك، فتَمْشِين جرًّا (٦) على وجهِك، وسيَشْدَخُ رأسَك مَن

стр. 748

لَقِيَكِ بالحجرِ، اهْبِطوا بعضُكم لبعضٍ عدُوٌّ (١). فقد رُوِيَت هذه الأخبارُ -عمَّن روَيْناها عنه مِن الصحابةِ والتابعين وغيرِهم- في صفةِ استزلالِ إبليسَ عدوِّ اللهِ آدمَ وزوجتَه حتى أخْرَجَهما مِن الجنةِ. قال أبو جعفرٍ: وأولى ذلك بالحقِّ عندَنا ما كان لكتابِ اللهِ مُوافِقًا، وقد أخْبَر اللهُ تعالى ذكرُه عن إبليسَ أنه وسْوَس لآدَمَ وزوجتِه ليُبْدِىَ لهما ما وُورِى عنهما مِن سَوْءاتِهما، وأنه قال لهما: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾. وأنه قاسَمهما: ﴿إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾. مُدَلِّيًا لهما بغُرورٍ. ففى إخْبارِ اللهِ تعالى ذكرُه عن عدوِّ اللهِ أنه قاسَم آدمَ وزوجتَه بقيلِه لهما: ﴿إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾. الدليلُ الواضحُ على أنه قد باشَر خطابَهما بنفسِه، إما ظاهرًا لأعينِهما، وإما مُسْتَجِنًّا في غيرِه، وذلك أنه غيرُ معقولٍ في كلامِ العربِ أن يُقالَ: قاسَم فلانٌ فلانًا في كذا وكذا. إذا سبَّب له سببًا وصَل به إليه دونَ أن يَحْلِفَ له، والحَلِفُ لا يكونُ بتَسَبُّبِ السببِ، فكذلك قولُه: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ﴾ [طه: ١٢٠]. لو كان ذلك كان منه إلى آدمَ على نحوِ الذي منه إلى ذريتِه -مِن تَزْيينِ أكلِ ما نهَى اللهُ آدمَ عن أكلِه مِن الشجرةِ، بغيرِ مباشرةِ خطابِه إياه بما اسْتَزَلَّه به مِن القولِ والحِيَلِ- لَما قال تعالى ذكرُه: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾. كما غيرُ جائزٍ أن يَقولَ اليومَ قائلٌ ممَّن أتَى معصيةً: قاسَمَنى إبليسُ أنه لى ناصحٌ فيما زيَّن لى مِن المعصيةِ التى أتَيْتُها. فكذلك الذي كان مِن آدمَ وزوجتِه لو كان على النحوِ الذي يكونُ فيما بينَ إبليسَ اليومَ وذريةِ آدمَ، لما قال تعالى ذكرُه: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾. ولكن

стр. 749

ذلك كان إن شاءَ اللهُ على نحوِ ما قال ابنُ عباسٍ ومَن قال بقولِه. فأما سببُ وصولِه إلى الجنةِ حتى كلَّم آدمَ بعدَ أن أخْرَجَه اللهُ منها وطرَده عنها، فليس فيما رُوى عن ابنِ عباسٍ ووهبِ بنِ مُنَبِّهٍ في ذلك معنًى يَجوزُ لذى (١) فَهمٍ مُدافعتُه، إذ كان ذلك قولًا لا يَدْفَعُه عقلٌ (٢)، ولا خبرٌ يَلزَمُ تَصْديقُه مِن حُجَّةٍ بخلافهِ، وهو مِن الأمورِ المُمْكنةِ. فالقولُ في ذلك أنه قد وصَل إلى خطابِهما على ما أخْبَرنا اللهُ تعالى ذكرُه، وممكنٌ أن يَكونَ وصَل إلى ذلك بنحوِ الذي قاله المتأوِّلون، بل ذلك -إن شاء اللهُ- كذلك؛ لتتابعِ أقوالِ أهلِ التأويلِ على تصحيحِ ذلك، وإن كان ابنُ إسحاقَ قد قال في ذلك ما حدَّثنا به ابنُ حُمَيدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، قال: قال ابنُ (٣) إسحاقَ في ذلك: [اللهُ أعلمُ، أكَمَا] (٤) قال ابنُ عباسٍ وأهلُ التَّوْراةِ، أَمْ (٥) خلَص إلى آدمَ وزوجتِه بسُلطانِه الذي جعَل اللهُ له ليَبْتَلِىَ به آدمَ وذريتَه؟ وأنه يَأْتى ابنَ آدمَ في نَوْمتِه وفي يَقَظتِه، وفي كلِّ حالٍ مِن أحوالِه، حتى يَخْلُصَ إلى ما أراد منه حتى يَدْعُوَه إلى المعصيةِ، ويُوقِعَ في نفسِه الشهوةَ وهو لا يَراه، وقد قال الله تعالى ذكرُه: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ﴾. ﴿فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾. وقال: ﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٢٧]. وقد قال اللهُ جل ثناؤه لنبيِّه ﷺ : ﴿قُلْ أَعُوذُ

стр. 750

بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ﴾ [الناس: ١، ٢]. إلى آخرِ السورةِ. ثم ذكَر الأخبارَ التى رُوِيَت عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِى مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ" (١). ثم (٢) قال ابنُ إسحاقَ: وإنما أمْرُ ابنِ آدمَ فيما بينَه وبينَ عدوِّ اللهِ كأمْرِه فيما بينَه وبينَ آدمَ، فقال الله: ﴿فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٣]. ثم خلَص إلى آدمَ وزوجتهِ حتى كلَّمَهما (٣) كما قصَّ اللهُ علينا مِن خبرِهما، فقال: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ [طه: ١٢٠]. فخلَص إليهما (٤) بما خلَص إلى ذريتِه مِن حيثُ لا يَرَيانِه -فاللهُ أعلمُ أيُّ ذلك كان- فتابا إلى ربِّهما. قال أبو جعفرٍ: وليس في يقينِ ابنِ إسحاقَ -لو كان قد أيْقَن في نفسِه- أن إبليسَ لم يَخْلُصْ إلى آدمَ وزوجتِه بالمُخاطَبةِ بما أخْبَر اللهُ عنه أنه قال لهما وخاطَبَهما به، ما يَجوزُ لذى فهمٍ الاعتراضُ به على ما ورَد مِن القولِ مُسْتَفِيضًا في أهلِ العلمِ، مع دَلالةِ الكتابِ على صحةِ ما اسْتَفاض مِن ذلك بينَهم، فكيف بشَكِّه؟ واللهَ نَسْأَلُ التوفيقَ. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾. وأما تأويلُ قولِه: ﴿فَأَخْرَجَهُمَا﴾. فإنه يعنى: فأخْرَج الشيطانُ آدمَ وزوجتَه، ﴿مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ يعنى: مما كان فيه آدمُ وزوجتُه مِن رَغَدِ العيشِ في الجنةِ، وسَعَةِ نعيمِها الذي كانا فيه. وقد بيَّنَّا أن اللهَ تعالى ذكرُه إنما أضاف إخراجَهما مِن الجنةِ إلى

стр. 751

الشيطانِ، وإن كان اللهُ هو المُخْرِجَ لهما؛ لأن خروجَهما منها كان عن سببٍ مِن الشيطانِ، فأُضِيف ذلك إليه لتَسْبيبِه إياه، كما يقولُ القائلُ لرجلٍ وصَل إليه منه أذًى حتى تحَوَّل مِن أجلِه عن موضعٍ كان يَسْكُنهُ: ما حوَّلنى عن (١) موضِعى الذي كنتُ فيه إلا أنت. ولم يَكُنْ منه له تحويلٌ، ولكنه لمّا كان تحوُّلُه عن سببٍ منه جاز له إضافةُ تحويلِه إليه. القولُ في تأويل قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾. يُقالُ: هبَط فلانٌ أرضَ كذا، ووادىَ كذا. إذا حَلَّ ذلك، كما قال الشاعرُ (٢): ما زِلْتُ أَرْمُقُهم حتَّى إذا هبَطَتْ … أَيْدِى الرِّكابِ بهم مِن راكِسٍ (٣) فَلَقَا (٤) وقد أبان هذا القولُ مِن اللهِ جل ثناؤُه عن صحةِ ما قلْنا مِن أن المُخْرِجَ آدمَ مِن الجنةِ هو اللهُ جل ثناؤُه، وأن إضافةَ اللهِ إلى إبليسَ ما أضاف إليه مِن إخراجِهما كان على ما وصَفْنا، ودلَّ بذلك أيضًا على أن هُبوطَ آدمَ وزوجتِه وعدوِّهما إبليسَ كان في وقتٍ واحدٍ، لجَمْعِ (٥) اللهِ إياهم في الخبرِ عن إهْباطِهم، بعدَ الذي كان مِن خَطيئةِ آدمَ وزوجتِه، وتسبيبِ إبليسَ ذلك لهما، على ما وصَفَه ربُّنا تعالى ذكرُه عنهم.

стр. 752

وقد اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في المعنىِّ بقولِه: ﴿اهْبِطُوا﴾. مع إجماعِهم على أن آدمَ وزوجتَه ممَّن عُنِى به. فحدَّثنا سفيانُ بنُ وَكيعٍ، قال: حدَّثنا أبو أسامةَ، عن أبى عَوَانةَ، عن إسماعِيلَ بنِ سالمٍ، عن أبي صالحٍ: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾. قال: آدمُ وحواءُ (١) والحيَّةُ (٢). [حدَّثنا ابنُ وَكيعٍ وموسى بنُ هارونَ، قالا: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾. قال: فلعَن الحيةَ وقطَع قَوائمَها، وترَكها تَمْشِى على بطنِها، وجعَل رزقَها مِن الترابِ، وأهبَط إلى الأرضِ آدمَ وحواءَ وإبليسَ والحيةَ] (٣). وحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى بنُ ميْمونٍ، عن ابنِ أبى نَجِيحٍ، عن مُجاهِدٍ في قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾. قال: آدمُ وإبليسُ والحيةُ (٤).

стр. 753

حدَّثنى المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو حُذيفةَ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾: آدمُ وإبليسُ والحيّةُ ذريةُ بعضِهم أعداءٌ لبعضٍ. حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مُجاهِدٍ: ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوّ﴾. قال: آدمُ وذريتُه، وإبليسُ وذريتُه. حدَّثنا المُثَنَّى، قال: حدَّثنا آدمُ بنُ أبى إياسٍ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ [في قوله: ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوّ﴾. قال: يعنى آدمَ وإبليسَ. حدَّثنى المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا عُبيدُ اللهِ بنُ موسى، عن إسرائيلَ، عن السُّدىِّ، عمَّن حدَّثه] (١)، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾. قال: [بعضُهم لبعضٍ عدو] (٢)؛ آدمُ وحواءُ وإبليسُ والحيةُ. حدَّثنى يونُسُ بنُ عبدِ الأعْلَى، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: حدَّثني عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْدىٍّ، عن إسرائيلَ، عن إسماعيلَ السدىِّ، قال: حدَّثنى مَن سمِع ابنَ عباسٍ يقولُ: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾. قال: آدمُ وحواءُ وإبليسُ والحيّةُ (٣). حدَّثنى يونسُ، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه:

стр. 754

﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾. قال: لهما ولذريتِهما. قال أبو جعفرٍ: فإن قال قائلٌ: وما كانت عَداوةُ ما بينَ آدمَ وزوجتهِ وإبليسَ والحيةِ؟ قيل: أما عَداوةُ إبليسَ آدمَ وذريتَه، فحسَدُه إيّاه، واسْتِكبارُه عن طاعةِ اللهِ في السجودِ له حينَ قال لرِّبه: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢، ص: ٧٦]. وأما عَداوةُ آدمَ وذريتِه إبليسَ، فعداوةُ المؤمنين إيّاه؛ لكفرِه باللهِ وعِصْيانِه ربَّه في تكبُّرِه عليه ومُخالفتِه أمرَه، وذلك مِن آدمَ ومؤمنِى ذريتِه إيمانٌ باللهِ. وأما عَداوةُ إبليسَ آدمَ، فكفرٌ باللهِ. وأما عَداوةُ ما بينَ آدمَ وذريتِه والحيّةِ، فقد ذكَرْنا ما رُوِى في ذلك عن ابنِ عباسٍ ووهبِ بنِ مُنَبِّهٍ، وذلك هى العَداوةُ التى بينَنا وبينَها، كما رُوِى عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قال: "ما سَالَمْنَاهُنَّ منذ حارَبْنَاهُنَّ، فمن تَرَكَهُنَّ خَشْيَةَ ثَأْرِهِنَّ فليس منَّا". حدَّثنى محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحكمِ، قال: حدَّثنا حجاجُ بنُ رِشدين (١)، قال: حدَّثنا حَيْوَةُ بنُ شُرَيْحٍ، عن ابنِ عَجْلانَ، عن أبيه، عن أبِى هُريرةَ، عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قال: "ما سَالَمْنَاهُنَّ منذ حارَبْنَاهُنَّ، فمن تَرَكَ شَيئًا مِنْهُنَّ خِيفَةً فليس مِنَّا" (٢).

стр. 755

وأحْسَبُ أن الحربَ التى بينَنا كان أصلُه ما ذكَره علماؤُنا الذين قدَّمْنا الروايةَ عنهم في إدخالِها إبليسَ الجنةَ بعدَ أن أخْرَجَه اللهُ منها، حتى اسْتَزَلَّه عن طاعةِ رِّبه في أكلِ (١) ما نُهِى عن أكلِه مِن الشجرةِ. وقد حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا مُعاويةُ بنُ هشامٍ، وحدَّثنا محمدُ بنُ خلفٍ العَسْقلانيُّ، [قال: حدَّثنا آدمُ، جميعًا عن شَيْبانَ] (٢)، عن جابرٍ، عن سعيدِ ابنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: سُئِل رسولُ اللهِ ﷺ عن قتلِ الحيَّاتِ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "خُلِقَتْ هى والإنسَانُ، كُلُّ واحِدٍ منهما عَدُوٌّ لصَاحِبِه، إن رَآها أَفْزَعَتْه، وإِن لَدَغَتْهُ أوْجَعَتْهُ، فاقْتُلْهَا حيث وَجَدْتهَا" (٣). القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾. اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلكِ؛ فقال بعضُهم بما حدَّثنى المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا آدمُ العَسْقلانيُّ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ الرازىُّ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ في قولهِ: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾. قال: هو قولُه: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾ (٤). وحُدِّثْتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ أبِى جعفرٍ، عن أبيه،

стр. 756

عن الربيعِ في قولِه: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾. قال: هو قولُه: ﴿جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا﴾ [غافر: ٦٤]. وقال آخَرون: معنى ذلك: ولكم في الأرضِ قَرارٌ في القبورِ (١). ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السدىِّ: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾. قال (٢): القبورُ (٣). حدَّثنى يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْديٍّ، عن إسرائيلَ، عن إسماعيلَ السُّدىِّ، قال: حدَّثنى مَن سمِع ابنَ عباسٍ قال: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾. قال: القبورُ (٤). حدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾. قال: مُقامُهم فيها. والمستقرُّ في كلام العربِ هو موضعُ الاستقرارِ، فإذ كان ذلك كذلك، فحيثُ كان مِن (٥) الأرضِ موجودًا حالًّا، فذلك المكانُ مِن الأرضِ مُسْتَقَرُّه. وإنما عنَى اللهُ جلّ وعزّ بذلك أن لهم في الأرضِ مستقرًّا ومَنْزِلًا بأماكنِهم

стр. 757

ومُسْتَقَرِّهم مِن الجنةِ والسماءِ، وكذلك قولُه: ﴿وَمَتَاعٌ﴾. يعنى به أنّ لهم فيها متاعًا بمتاعِهم في الجنةِ. القولُ في تأويلِ قولِه جلّ وعزّ: ﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٣٦)﴾. اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: ولكم فيها بَلاغٌ إلى الموتِ. ذِكر مَن قال ذلك حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السدىِّ في قولِه: ﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾. قال: يقولُ: بَلاغٌ إلى الموتِ (١). حدَّثنى يونُسُ، قال أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْديٍّ، عن إسرائيلَ، عن إسماعيلَ السُّدىِّ، قال: حدَّثنى مَن سمِع ابنَ عباسٍ: ﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾. قال: الحياةُ. [حدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا عبيدُ اللهِ بنُ موسى، عن إسرائيلَ، عن السديِّ، عمّن حدّثه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾. قال: الحياةُ] (٢). وقال آخَرون: يعنى بقولِه: ﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾: إلى قيامِ الساعةِ.

стр. 758

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو حُذيفةَ، قال: حدَّثنا شِبلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ: ﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾. قال: إلى يومِ القيامةِ، إلى انقطاعِ الدنيا. وقال آخَرون: ﴿إِلَى حِينٍ﴾ (١): إلى أجلٍ. ذكرُ من قال ذلك حُدِّثْت عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾. قال: إلى أجلٍ (٢). والمتاعُ في كلامِ العربِ كلُّ ما استُمْتِع به مِن شيءٍ، في (٣) معاشٍ استُمْتِع به، أو رِياشٍ أو زينةٍ أو لذَّةٍ أو غيرِ ذلك. فإذ كان ذلك كذلك -وكان اللهُ تعالى ذكرُه قد جعَل حياةَ كلِّ حيٍّ متاعًا له يسْتَمتِعُ بها أيامَ حياتِه، وجعَل الأرضَ للإنسانِ مَتاعًا أيامَ حياتِه بقَرارِه عليها، واغْتِذائِه بما أخْرَج اللهُ منها مِن الأقْواتِ والثِّمارِ، والتِذاذِه بما خلَق اللهُ فيها مِن الملاذِّ، وجعَلها مِن بعدِ وفاتِه لجثتِه كِفاتًا (٤)، ولجسمِه منزلًا وقَرارًا، وكان اسمُ المتاعِ يَشْتَمِلُ جميعَ ذلك -كان أولى التأويلاتِ بالآيةِ- إذ (٥) لم يَكُنِ اللهُ تعالى ذكرُه وضَع دَلالةً دَالَّةً على أنه قصَد بقولِه: ﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾. بعضًا دونَ بعضٍ، وخاصًّا دونَ عامٍّ في عقلٍ ولا خبرٍ -أن يَكونَ ذلك في

стр. 759

معنى العامِّ، وأن يَكونَ الخبرُ أيضًا كذلك إلى وقتِ بُطولِ (١) اسْتِمْتاعِ بنى آدمَ وبنى إبليسَ بها، وذلك إلى أن تُبَدَّلَ الأرضُ غيرَ الأرضِ. فإذ كان ذلك أولى التأويلاتِ بالآيةِ لما وصَفْنا، فالواجبُ إذن أن يَكونَ تأويلُ الآيةِ: ولكم في الأرضِ مَنازلُ ومَساكنُ تَسْتَقِرُّون فيها اسْتِقْرارَكم -كان- في السماواتِ، وفى الجنانِ في مَنازلِكم منها، واستمتاعٌ منكم بها وبما أخْرَجْتُ لكم منها، وبما جعَلْتُ لكم فيها مِن المَعاشِ والرِّياشِ والزَّينِ والملاذِّ، وبما أعطيتُكم على ظهرِها [من الحياةِ] (٢) أيامَ حياتِكم، ومِن بعدِ وَفاتِكم لأرْماسِكم (٣) وأجداثِكم تُدْفَنون فيها، وتَبْلُغون باستمتاعِكم بها إلى أن أُبَدِّلَكم بها غيرَها. القولُ في تأويلِ قولِه جلّ وعزّ: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾. أما تأويلُ قولِه: ﴿فَتَلَقَّى﴾. فإنه: أخَذ وقَبِل (٤). وأصلُه التَّفَعُّلُ مِن اللِّقاءِ، كما يَتَلَقَّى الرجلُ الرجلَ يستقبِلُه (٥) عندَ قدومِه مِن [غَيْبةٍ أو سفرٍ، فكذلك ذلك] (٦) في قولِه: ﴿فَتَلَقَّى﴾. كأنه اسْتَقْبَله فتلَقَّاه بالقَبولِ حينَ أُوحِى إليه أو أُخْبِر به، فمعنى ذلك إذن: فلقّى اللهُ آدمَ كلماتِ توبةٍ، فتلقَّاها آدمُ مِن ربه وأخَذها عنه تائبًا، فتاب اللهُ عليه بقِيلِه إياها وقبولِه إياها مِن رِّبه. كما حدَّثنى يونُسُ بنُ عبدِ الأعلَى، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ الآية. قال: لقَّاهما هذه الآيةَ: ﴿رَبَّنَا

стр. 760

ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (١) [الأعراف: ٢٣]. وقد قرَأَ بعضُهم: (فَتَلَقَّى آدَمَ مِن ربِّهِ كَلماتٌ) (٢). فجعَل "الكلماتِ" هى المُتَلَقِّيةَ آدمَ. وذلك وإن كان مِن جِهةِ العربيةِ جائزًا -إذ كان كلُّ ما تَلقَّاه الرجلُ فهو له مُتَلَقٍّ، وما لقِيه ففد لقِيه، فصار للمتكلمِ أن يُوَجِّهَ الفعلَ إلى أيِّهما شاء، ويُخْرِجَ مِن الفعلِ أيَّهما أحبَّ- فغيرُ جائزٍ عندى في القراءةِ إلَّا رفعُ "آدمَ" (٣) على أنَّه المُتَلَقِّى "الكلماتِ"؛ لإجماعِ الحُجَّةِ مِن القَرأةِ وأهلِ التأويلِ مِن علماءِ السلفِ والخلفِ على توجيهِ التَّلَقِّى إلى آدمَ دونَ الكلماتِ، وغيرُ جائزٍ الاعْتراضُ عليها فيما كانت عليه مُجْمِعةً بقولِ مَن يجوزُ عليه السهوُ والخطأُ. واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في أعْيانِ الكلماتِ التى تَلقَّاها آدمُ مِن ربِّه؛ فقال بعضُهم بما حَدَّثَنَا به أبو كُرَيْبٍ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ عَطِيةَ، عن قيسٍ، عن ابنِ أبى ليلي، عن المِنْهالِ، عن سعيدٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾. قال: أىْ ربِّ، ألم تَخْلُقْنى بيدِك؟ قال: بلى. قال: أيْ ربِّ، ألم تَنفُخْ فيَّ مِن رُوحِك؟ قال: بلى. قال: أىْ رَبِّ، أَلَمْ تُسْكِنِّى جنَّتَك؟ قال: بلى. قال: أىْ ربِّ، ألم تَسْبِقْ رحمتُك غضبَك؟ قال: بلى. قال: أرأَيْتَ إن (٤) تُبْتُ وأصْلَحْتُ، أراجِعى أنت إلى الجنةِ؟ قال: بلى (٥). قال: فهو قولُه: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ

стр. 761

مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ (١). حَدَّثَنِي عليُّ بنُ الحسنِ، قال: حَدَّثَنَا مسلمٌ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ مُصعبٍ، عن قيسِ بنِ الربيعِ، عن عاصمِ بنِ كُلَيْبٍ، عن سعيدِ بنِ مَعْبَدٍ (٢)، عن ابنِ عباسٍ نحوَه (٣). حَدَّثَنِي محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حَدَّثَنِي أبي، قال: حَدَّثَنِي عمِّي، قال: حَدَّثَنِي أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾: فإنّ آدمَ قال لربِّه إذ عصاه: ربِّ، أَرأَيْتَ إن تُبْتُ وأصْلَحْتُ؟ فقال له ربُّه: إنى راجِعُك إلى الجنةِ (٤). حَدَّثَنَا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: حَدَّثَنَا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: حَدَّثَنَا سعيدٌ، عن قَتادةَ قولَه: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾: ذُكِرَ لنا أنه قال: يا ربِّ، أَرأَيْتَ إن أنا تبتُ وأصلحتُ؟ قال: إذن أَرجِعَك إلى الجنةِ (٥). قال: وقال

стр. 762

الحسنُ (١): إنهما قالا: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٢). حَدَّثَنِي المثنّي، قال: حَدَّثَنَا آدمُ العَسْقَلانِيُّ، قال: حَدَّثَنَا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ في قولِه: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾. قال: إن آدمَ لمَّا أصاب الخطيئةَ، قال: ياربِّ أرأَيْتَ إن تبتُ وأصلحتُ؟ فقال اللهُ: إذن أَرْجِعَك إلى الجنةِ. فهى مِن الكلماتِ. ومِن الكلماتِ أيضًا: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٣). حدَّثَنِي موسي، قال: حَدَّثَنَا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حَدَّثَنَا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾. قال: ربِّ، ألم تَخْلُقْنى بيدِك (٤)؟ قيل له: بلى. قال: ونفَخْتَ فيَّ مِن رُوحِك؟ قيل له: بلى. قال: وسبَقَت رحمتُك (٥) غضبَك؟ قيل له: بلى. قال: ربِّ، هل (٦) كتبْتَ هذا عليَّ؟ قيل له: نعَم. قال: ربِّ، إن تبتُ وأصلحتُ هل أنت راجِعى إلى الجنةِ؟ قيل له: نعَم. قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ (٧) [طه: ١٢٢].

стр. 763

وقال آخَرون بما حَدَّثَنَا به محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْديٍّ، قال: حَدَّثَنَا سفيانُ، عن عبدِ العزيزِ بنِ رُفَيْعٍ، قال: حَدَّثَنِي مَن سمِع عُبيدَ ابنَ عُميرٍ يقولُ: قال آدمُ ﵇: يا ربِّ، خَطيئتى التى أَخْطَأْتُها، أشيءٌ كتَبْتَه عليَّ قبلَ أن تَخْلُقَنِي، أو شيءٌ ابْتَدَعْتُه مِن قِبَلِ نفسِى؟ قال: بل (١) شيءٌ كتَبْتُه عليك قبلَ أن أَخْلُقَك. قال: فكما كتَبْتَه عليَّ فاغْفِرْه لى. قال: فهو قول اللهِ: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ (٢). حَدَّثَنَا ابنُ بشارٍ (٣)، قال: حَدَّثَنَا مُؤَمَّلٌ، قال: حَدَّثَنَا سفيانُ، عن عبدِ العزيزِ بنِ رُفَيْعٍ، [عن مجاهدٍ، عن] (٤) عُبيدِ بنِ عُمَيْرٍ بمثلِه (٥). حَدَّثَنَا ابنُ بشارٍ (٣)، قال: حَدَّثَنَا وَكيعُ بنُ الجراحِ، قال: حَدَّثَنَا سفيانُ، عن عبدِ العزبزِ بنِ رُفَيْعٍ، عمَّن سمِع عُبيدَ بنَ عُميرٍ يقولُ: قال آدمُ. فذكَر نحوَه (٦). حَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيي، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا الثورىُّ، عن

стр. 764

عبدِ العزيزِ بنِ رفيعٍ، عن عُبيدِ بنِ عُميرٍ مثلَه (١). حَدَّثنِي المثني، قال: حَدَّثَنَا أبو نُعَيْمٍ، قال: حَدَّثَنَا سفيانُ، عن عبدِ العزيزِ بنِ رُفَيْعٍ، قال: أخْبَرَنى مَن سَمِع عُبيدَ بنَ عُميرٍ. بنحوِه. وقال آخَرون بما حَدَّثَنِي به أحمدُ بنُ عثمانَ بنِ حَكيمٍ الأوْدىُّ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الرحمنِ بنُ شَريكٍ، قال: حَدَّثَنَا أبي، قال: حَدَّثَنَا حُصَيْنُ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن حُميدِ بنِ نَبْهانَ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ [يزيدَ بنِ معاويةَ] (٢) أنه قال: قولُه: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾. قال آدمُ (٣): اللهم لا إلهَ إلَّا أنت سبحانَك وبحمدِك، أَسْتَغْفِرُك وأَتوبُ إليك، فَتُبْ عليَّ إنك أنت التوابُ الرحيمُ (٤). حَدَّثنِي المثنّى بنُ إبراهيمَ، قال: حَدَّثَنَا أبو غَسَّانَ، قال: [حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ] (٥)، وحَدَّثَنَا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهْوازىُّ، قال: أخْبَرَنا أبو أحمدَ، قال: حَدَّثَنَا سفيانُ وقيسٌ، جميعًا عن خُصَيْفٍ، عن مُجاهِدٍ في قولِه: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾. قال: قولُه: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا﴾ حتى فرَغ منها (٦).

стр. 765

حَدَّثَنِي المثني، قال: حَدَّثَنَا أبو حذيفةَ، قال: حَدَّثَنَا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ كان يَقُولُ في قولِ اللهِ: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ الكلماتُ: اللهمّ لا إلهَ إلَّا أنت سبحانَك وبحمدِك، ربِّ إنِّي ظَلَمتُ نفسِى، فاغْفِرْ لى إنك خيرُ الغافِرِين، اللهم لا إلهَ إلَّا أنت سُبحانَك وبحمدِك، ربِّ إنى ظلَمْتُ نفسى فارْحَمْنى إنك خيرُ الراحمين، اللهم لا إلهَ إلَّا أَنت سبحانَك وبحمدِك، ربِّ إنى ظلَمْتُ نفسي، فتُبْ عليَّ إنك أنت التَّوابُ الرَّحيمُ (١). حَدَّثَنَا ابنُ وَكيعٍ، قال: حَدَّثَنَا أبي، عن النضرِ بنِ عربيٍّ (٢)، عن مُجاهِدٍ: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾. قال: هو قولُه: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا﴾ الآية (٣). حَدَّثَنَا القاسمُ، قال: حَدَّثَنَا الحسينُ، قال حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾. قال: أىْ ربِّ، أَتَتوبُ عليَّ إن تُبْتُ؟ قال: نعَم. فتاب آدمُ، فتاب عليه ربُّه. حَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيي، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاق، قال أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن قَتادةَ في قولِه: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾. قال: هو قولُه: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٤).

стр. 766

[حَدَّثَنِي يونُسُ بنُ عبدِ الأعلي، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: هو قولُه: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾] (١). وهذه الأقوالُ التى حكيْناها عمَّن حكيْناها عنه، وإن كانت مختلفةَ الألفاظِ، فإن معانيَها مُتَّفِقَةٌ في أن اللهَ تعالى ذكرُه لقَّى آدمَ كلماتٍ تلقَّاهن آدمُ مِن ربِّه فقبِلَهن، وعمِل بهن، وتاب -بقِيلِه إيَّاهن وعملِه بهن- إلى اللهِ مِن خطيئتِه، مُعْتَرفًا بذنبِه، مُتَنصِّلًا إلى رِّبه مِن خطيئتِه، نادمًا على ما سلَف منه مِن خلافِ أمرِه، فتاب اللهُ عليه بقبولِه الكلماتِ التى تَلقَّاهن منه، وندمِه على سالفِ الذنبِ منه. والذى يَدُلُّ عليه كتابُ اللهِ جلّ ثناؤه أن الكلماتِ التى تَلقَّاهن آدمُ مِن ربِّه هن الكلماتُ التى أخْبَر جلّ ذكرُه عنه أنه قالها مُتَنَصِّلًا بقِيلِها إلى ربِّه، معترفًا بذنبِه، وهو قولُه: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. وليس ما قاله مَن خالَف قولَنا هذا -مِن الأقوالِ التى حكَيْناها- بمدفوعٍ قولُه، ولكنه قولٌ لا شاهدَ عليه مِن حجةٍ يَجِبُ التسليمُ لها، فيَجوزَ لنا إضافتُه إلى آدمَ، وأنه مما تلَقَّاه مِن ربِّه عندَ إنابتِه إليه مِن ذنبِه. وهذا الخبرُ الذى أخْبَر اللهُ عن آدمَ -من قيلِه الذى لقَّاه اللهُ إيّاه، فقاله تائبًا إليه مِن خطيئتِه- تَعريفٌ منه جلَّ ذِكرُه جميعَ المخاطَبِين، بكتابِه كيفيةَ التوبةِ إليه مِن

стр. 767

الذنوبِ، وتنبيهٌ للمُخاطَبِينَ بقوله: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾. على موضعِ التوبةِ ممّا هم عليه مِن الكفرِ باللهِ، وأن خَلاصَهم مما هم عليه مُقِيمون مِن الضَّلالةِ نظيرُ خَلاصِ أبيهم آدمَ مِن خطيئتِه، مع تذكيرِه إيّاهم به السالفَ إليهم مِن النِّعمِ التى خصَّ بها أباهم آدمَ وغيرَه مِن آبائِهم. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿فَتَابَ عَلَيْهِ﴾. وقولُه: ﴿فَتَابَ عَلَيْهِ﴾. يعنى على آدمَ، والهاءُ التى في ﴿عَلَيْهِ﴾ عائدةٌ على آدمَ. وقولُه: ﴿فَتَابَ عَلَيْهِ﴾. يعْنى: رزَقه التوبةَ مِن خطيئتِه. والتوبةُ معناها الإنابةُ إلى اللهِ جلَّ ثناؤُه، والأَوْبةُ إلى طاعتِه مما يَكْرَهُ مِن معصيتِه. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)﴾. وتأويلُ قولِه: ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾. أن اللهَ جل ثناؤُه هو التوابُ على مَن تاب إليه مِن عبادِه المُذْنبِين مِن ذنوبِه، التاركُ مُجازاتَه بإنابتِه إلى طاعتِه بعدَ معصيتِه بما سلَف مِن ذنبِه. وقد ذكَرْنا أن معنى التوبةِ مِن العبدِ إلى ربِّه إنابتُه إلى طاعتهِ، وأوْبتُه إلى ما يُرْضِيه، بتركِه ما يَسْخَطُه مِن الأمورِ التى كان عليها مُقيمًا مما يَكْرَهُه ربُّه. فكذلك توبةُ اللهِ على عبدِه، هو أن يَرْزُقَه ذلك، ويؤوبَ له (١) مِن غضبِه عليه إلى الرضا عنه، ومِن العقوبةِ إلى العفوِ والصَّفْحِ عنه. وأما قولُه: ﴿الرَّحِيمُ﴾ فإنه يعنى أنه المُتَفَضِّلُ عليه مع التوبةِ بالرحمةِ، ورحمتُه إياه إقالتُه (٢) عثرتَه وصَفْحُه عن عقوبةِ جُرْمِه.

стр. 768

وقد ذكَرْنا القول في تأويلِ قولِه: ﴿اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾. فيما مضَى، فلا حاجةَ بنا إلى إعادتِه، إذ كان معناه في هذا الموضعِ هو معناه في ذلك الموضعِ. وقد حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا هُشَيْمٌ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ ابنُ سالمٍ، عن أبى صالحٍ في قولِه: ﴿اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾. قال: آدمُ وحوَّاءُ والحيّةُ وإبليسُ (١). القولُ في تأويل قولِه جلّ ثناؤه: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾. وتأويلُ قولِه: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾: فإن يأْتِكم، و"ما" التى مع "إن" توكيدٌ للكلامِ، ولدخولِها مع "إن" أُدخِلَت النونُ المشُدَّدةُ في ﴿يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ تفرقةً بدخولِها بينَ "ما" التى تَأْتى بمعنى توكيدِ الكلامِ -التى تُسَمِّيها أهلُ العربيةِ صِلةً وحَشْوًا- وبين "ما" التى تأتى بمعنى "الذى"، فتُؤْذِنُ بدخولِها في الفعلِ أنَّ "ما" التى مع "إن" التى بمعنى الجزاءِ توكيدٌ، وليست "ما" التى بمعنى "الذى". وقد قال بعضُ نحوِيِّى [أهلِ البصرةِ] (٢): إنَّ "إمَّا": "إنْ"، زِيدَت معها "ما"، وصار الفعلُ الذى بعدَه بالنونِ الخفيفةِ أو الثقيلةِ، وقد يَكونُ بغيرِ نونٍ، وإنما حسُنَت فيه النونُ لمَّا دخَلَته "ما"؛ لأن "ما" نفىٌ، وهى مما ليس بواجبٍ، وهى الحرفُ الذى يَنْفِى الواجبَ، فحسُنَت فيه النونُ، نحوَ قولهم: بعينٍ ما أَرَيَنْكَ. حينَ أُدْخِلَت فيها "ما" حسُنَت النونُ فيما ههنا. وقد أنْكَر جماعةٌ مِن أهلِ العربيةِ دعوى قائلِ (٣) هذه المقالةِ أن "ما" التى مع:

стр. 769

بعينٍ ما أرينك، بمعنى الجحدِ، وزعَموا أن ذلك بمعنى التوكيدِ للكلامِ. وقال آخَرون: بل هو حَشْوٌ في الكلامِ، ومعناها الحذفُ، وإنما معْنى الكلامِ: "بعينٍ أراك. وغيرُ جائزٍ أن يُجْعَلَ مع الاختلافِ فيه أصلًا يُقاسُ عليه غيرُه. القولُ في تأويلِ قولِهِ جلّ ثناؤُه: ﴿مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٩)﴾. والهُدَى في هذا الموضعِ البيانُ والرَّشادُ، كما حدَّثنى المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا آدمُ العَسْقلانىُّ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ في قولِه: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾. قال: الهُدَى الأنبياءُ والرسلُ والبَيانُ (١). فإن كان ما قال أبو العاليةِ في (٢) ذلك كما قال، فالخِطابُ بقولِ: ﴿اهْبِطُوا﴾. وإن كان لآدمَ وزوجتِه، فيَجِبُ أن يَكونَ مُرادًا به آدمُ وزوجتُه وذريتُهما، فيَكونَ ذلك حينَئذٍ نظيرَ قولِه: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]. بمعنى: أتَيْنا بما فينا مِن الخَلْقِ طائِعِين. ونظيرَ قولِه في قراءةِ ابنِ مسعودٍ: (رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِهِم مَنَاسِكَهم) (٣). فجمَع قبلَ أن تَكونَ ذريةٌ، وهو في قراءتِنا: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ [البقرة: ١٢٨]. وكما يقولُ القائلُ لآخرَ: كأنك قد تزَوَّجْتَ ووُلِد لك وكثُرتُم وعزَزْتُم. ونحوِ ذلك مِن الكلامِ.

стр. 770

وإنما قلْنا: إن ذلك هو الواجبُ على التأويلِ الذى ذكَرْناه عن أبى العاليةِ؛ لأن آدمَ كان هو النبىَّ ﵇ أيامَ حياتِه بعدَ أن أُهْبِط إلى الأرضِ، والرسولَ مِن اللهِ تعالى ذكرُه إلى ولدِه، فغيرُ جائزٍ أن يكونَ مَعْنِيًّا -وهو الرسولُ- بقولِه: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾. خطابًا له ولزوجتِه: فإما يأتينّكم مِنى (١) أنبياءُ ورسلٌ. إلا على ما وصَفْتُ مِن التأويلِ. وقولُ أبى العاليةِ في ذلك -وإن كان وجهًا مِن التأويلِ تَحْتَمِلُه الآيةُ- فأقربُ إلى الصوابِ منه عندى، وأشبهُ بظاهرِ التِّلاوةِ أن يكونَ تأويلُها: فإما يَأْتِيَنَّكم (٢) يا معشرَ مَن أُهْبِطَ (٣) إلى الأرضِ مِن سمائى -وهو آدمُ وزوجتُه وإبليسُ، كما قد ذكَرْنا قبلُ في تأويلِ الآيةِ التى قبلَها- إما يَأْتِيَنَّكم منى ييانٌ مِن أمرِى وطاعتى ورَشادٌ إلى سبيلى ودِينى، فمَن اتَّبَعه منكم فلا خوفٌ عليهم ولا هم يَحْزنون، وإن كان قد سلَف منهم قبلَ ذلك إلىَّ معصيةٌ وخلافٌ لأمْرى وطاعتى. يُعَرِّفُهم بذلك تعالى ذكرُه أنه التائبُ على مَن تاب إليه مِن ذنوبِه، والرحيمُ بمن (٤) أناب إليه، كما وصَف نفسَه بقولِه: ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾. وذلك أن ظاهرَ الخِطابِ بذلك إنما هو للذين قال لهم جلَّ ثناؤُه: ﴿اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾. والذين خُوطِبوا به هم مَن سَمَّيْنا في قولِ الحُجَّةِ مِن الصحابةِ والتابعين الذين قد قدَّمْنا الروايةَ (٥) عنهم. وذلك وإن كان خطابًا مِن اللهِ تعالى ذِكرُه لمن أُهْبِط حينَئذٍ مِن السماءِ إلى الأرضِ، فهو سنَّةُ اللهِ في جميعِ خلقِه، وتعريفٌ منه بذلك

стр. 771

الذين أخْبَر عنهم في أولِ هذه السورةِ بما أخْبَر عنهم في قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. وفى قولِه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٦، ٨]. أن (١) حُكْمَه فيهم -إن تابوا إليه وأنابوا، واتَّبَعوا ما أتاهم مِن البيانِ مِن عندِ اللهِ على لسانِ رسولِه محمدٍ ﷺ - أنهم عندَه في الآخرةِ ممَّن لا خوفٌ عليهم ولا هم يَحْزَنون، وأنهم إن هلَكوا على (٢) كُفرِهم وضَلالتِهم قبلَ الإنابةِ والتوبةِ، كانوا مِن أهلِ النارِ المُخَلَّدِين فيها. وقولُه: ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ﴾. يعنى: فمَن تبِع بَيانى الذى أُبَيِّنُه (٣) على ألْسُنِ رُسُلى، أو مع رسلى. كما حدَّثنى به المُثَنَّى، قال: حدَّثنا آدمُ العسقلانىُّ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ: ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ﴾ يعنى: بَيانى (٤). وقولُه: ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾. يعنى: فهم آمِنون في أهوالِ القيامةِ مِن عقابِ اللهِ، غيرُ خائِفِين عذابَه؛ بما أطاعوا اللهَ في الدنيا، واتَّبَعوا أمرَه وهُداه وسبيلَه ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ يومَئذٍ على ما خلَّفوا بعدَ وفاتِهم في الدنيا. كما حدَّثنى يونُسُ ابنُ عبدِ الأعلى، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾. يقولُ: لا خوفٌ عليكم أمامَكم، وليس شيءٌ أعظمَ في صدرِ الذى يَموتُ ممَّا بعدَ الموتِ، فأمَّنهم منه وسلَّاهم عن الدنيا، فقال: ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.

стр. 772

وقولُه: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾. يعنى: والذين جحَدوا آياتى وكذَّبوا رُسُلى. وآياتُ اللهِ حُجَجُه أدلَّتُه على وحدانيَّتِه وربوبيَّتِه، وما جاءت به الرسلُ مِن الأعْلامِ والشَّواهدِ على ذلك، وعلى صدقِها فيما أنبأَتْ عن ربِّها، وقد بيَّنا أن معنى الكفرِ التَّغْطيةُ على الشئِ (١). ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾، يعنى: أهلُها الذين هم أهلُها دونَ غيرِهم، المُخلَّدون فيها أبدًا (٢) إلى غيرِ أمَدٍ ولا نهايةٍ. كما حدَّثنى عُقبةُ بنُ سِنانٍ البصرىُّ، قال: حدَّثنا غَسَّانُ بنُ مُضَرَ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ يَزيدَ، وحدَّثنا سَوَّارُ بنُ عبدِ اللهِ العَنْبَرىُّ، قال: حدَّثنا بشرُ بن المُفَضَّلِ، قال: حدَّثنا أبو مَسْلَمةَ (٣)، وحدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ وأبو بكرِ بنُ (٤) عونٍ، قالا: حدَّثنا إسماعيلُ ابنُ عُلَيَّةَ، عن سعيدِ بنِ يزيدَ، عن أبي نَضْرةَ، عن أبى سعيدٍ الخُدْرىِّ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "أمَّا أهْلُ النَّارِ الذِين هم أهْلُها، فإنَّهم لا يَمُوتُونَ فيها ولا يَحْيَوْنَ، ولكِنَّ أقْوَامًا أصَابَتْهم النَّارُ بخَطايَاهم -أو بذُنُوبهم- فأمَاتَتْهم إمَاتَةً، حتى إِذا صَارُوا فَحْمًا أُذِنَ في الشَّفَاعَةِ" (٥).

стр. 773

القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. يعنى بقولِه جل ثناؤُه: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. ولدَ (١) يعقوبَ بنِ إسحاقَ بنِ إبراهيمَ خليلِ الرحمنِ. وكان يعقوبُ يُدْعَى إسرائيلَ، بمعنى: عبدُ اللهِ وصَفْوتُه مِن خلقِه. و"إيلُ" هو اللهُ تعالى ذكرُه، و"إسْرَا": هو العبدُ، كما قيل: جبريلُ. بمعنى: عبدُ اللهِ. وكما حدَّثنا به ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا جريرُ بنُ عبدِ الحميدِ، عن الأعمشِ، عن إسماعيلَ بنِ رَجاءٍ، عن عُمَيْرٍ مولَى ابنِ عباسٍ، عن ابنِ عباسٍ، أن إسرائيلَ كقولِك: عبدُ اللهِ (٢). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: حدَّثنا جَريرٌ، عن الأعمشِ، عن المِنْهالِ، عن عبدِ اللهِ ابنِ الحارثِ قال: "إيلُ" اللهُ بالعِبْرانيةِ (٣). وإنما خاطَب اللهُ جلّ وعزّ بقولِه: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أَحبارَ اليهودِ مِن بنى إسرائيلَ الذين كانوا بينَ ظَهْرانَىْ مُهاجَرِ رسولِ اللهِ ﷺ ، فنسَبهم إلى يعقوبَ، كما نسَب ذريةَ آدمَ إلى آدمَ، فقال: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]. وما أشْبَه ذلك. وإنما خصَّهم بالخطابِ في هذه الآيةِ والتى بعدَها مِن الآىِ التى ذكَّرهم فيها نعَمَه -وإن كان قد تقدَّم ما أنْزَل فيهم وفى غيرِهم فى أولِ هذه السورةِ ما

стр. 774

قد تقَدَّم -أن الذي احْتَجَّ به مِن الحُجَجِ في (١) الآياتِ التى فيها أنباءُ أسْلافِهم وأخبارُ أوائلِهم، وقَصَصُ الأمورِ التى هم بعلمِها مَخْصوصون دونَ غيرِهم مِن سائرِ الأممِ، ليس عندَ (٢) غيرِهم مِن العلمِ بصحتِه وحقيقتِه مثلُ الذي لهم مِن العلمِ به، إلا لمن اقتَبَس علمَ ذلك منهم، فعرَّفهم باطِّلاعِ محمدٍ ﷺ على علمِها -مع بُعْدِ قومِه وعَشيرتِه مِن معرفتِها، وقلَّةِ مُزاولةِ محمدٍ ﷺ دراسةَ الكتبِ التى فيها أنباءُ ذلك- أن محمدًا ﷺ لم يَصِلْ إلى علمِ ذلك إلا بوحىٍ مِن اللهِ تعالى ذكرُه وتنزيلٍ منه ذلك إليه، لأنهم مِن عِلْمِ صحةِ ذلك بمَحلٍّ ليس به مِن الأممِ غيرُهم، فلذلك تعالى ذكرُه خصَّ بقولِه: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ خطابَهم. كما حدَّثنا به ابنُ حميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ قال: يا أهلَ الكتابِ، للأحْبارِ مِن يهودَ (٣). القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾. ونعمتُه التى أنْعَمها على بنى إسرائيلَ (٤) اصْطفاؤُه منهم الرسلَ، وإنزالُه عليهم الكتبَ، واسْتِنْقاذُه إياهم مما كانوا فيه مِن البلاءِ والضَّرَّاءِ مِن فرعونَ وقومِه، إلى التَّمْكينِ لهم في الأرضِ، وتَفْجيرِ عُيونِ الماءِ مِن الحجرِ، وإطعامِ المنِّ والسَّلْوَى، فأمَر جل ثناؤُه أعْقابَهم أن يَكونَ ما سلَف منه إلى آبائِهم على ذِكْرٍ منهم (٥)، وألا يَنْسَوْا صَنيعَه إلى أسلافِهم وآبائِهم، فيُحِلَّ بهم مِن النِّقَمِ ما أحَلَّ بمَن نسِى نعمَه عندَه منهم

стр. 775

وكَفَرَها وجحَد صنائعَه عندَه. كما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ أى: بَلائى (١) عندَكم وعند آبائِكم؛ لِمَا كان نجّاهم به مِن فرعون وقومِه (٢). حدَّثنى المُثَنَّى، قال: حدَّثنا آدمُ العسقلانيُّ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ في قولِه: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾ قال: نعمتُه أن جعَل منهم الأنبياءَ والرسلَ، وأنْزَل عليهم الكتبَ (٣). حدَّثنى المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مُجاهِدٍ: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾: يعنى نعمتَه التى أنْعَم على بنى إسرائيلَ فيما سمَّى وفيما سِوَى ذلك؛ فجَّر لهم الحجرَ، وأنْزَل عليهم المنَّ والسلوى، وأنْجاهم مِن عُبوديةِ (٤) آلِ فرعونَ (٥). حدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ قال: نعمةٌ عامةٌ، ولا نعمةَ أفضلُ مِن نعمةِ الإسلامِ، والنِّعمُ بعدُ تبَعٌ لها. وقرَأ قولَ اللهِ تعالى ذِكْرُه: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ﴾ الآية [الحجرات: ١٧].
следующие страницы →