قال: في الآخرةِ.
حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ ويحيى، قالا: ثنا سفيانُ، عن إسماعيلَ بن سُمَيعٍ، عن أبي رَزِينٍ في قولِه: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾. قال: في الآخرةِ.
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ، عن أبي رَزِينٍ أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾. قال: ليضحَكوا في الدنيا قليلًا، وليَبْكوا في النارِ كثيرًا. وقال في هذه الآيةِ: ﴿وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ (١) إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: ١٦]. قال: آجالُهم (٢). أحدُ هذين الحديثين رَفَعه إلى ربيعِ بن خُثيمٍ (٣)(٤).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن مَعْمَرٍ، عن الحسنِ: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا﴾. قال: ليَضْحَكوا قليلًا في الدنيا، ﴿وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ في الآخرةِ في نارِ جهنمَ؛ ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٥).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا﴾. أي: في الدنيا، ﴿وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾، أي: في النارِ. ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ قال:
стр. 7982
"والذي نفسي بيده لو تَعْلَمون ما أعلمُ لضَحِكْتم قليلًا، ولبكَيْتُم كثيرًا". ذُكِر لنا أنه نُودى عندَ ذلك، أو قيل له: لا تُقَنِّطْ عبادى (١).
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن أبي رَزِينٍ، عن الربيعِ بن خُثيمٍ: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا﴾. قال: في الدنيا، ﴿وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾. قال: في الآخرةِ (٢).
قال: ثنا أبو معاويةَ، عن إسماعيلَ بن سُمَيعٍ، عن أبي رَزِينٍ: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا﴾. قال: في الدنيا، فإذا صاروا إلى الآخرةِ بَكَوا بكاءً لا ينقطِعُ، فذلك الكثيرُ.
حدَّثنا عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾. قال: هم المنافقون والكفارُ الذين اتَّخَذوا دينَهم هزوًا ولَعِبًا. يقولُ اللهُ ﵎: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا﴾ في الدنيا، ﴿وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ له في النارِ (٣).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَلْيَضْحَكُوا﴾ في الدنيا ﴿قَلِيلًا﴾، ﴿وَلْيَبْكُوا﴾ يومَ القيامةِ ﴿كَثِيرًا﴾، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾، حتى بَلَغَ: ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (٤) [المطففين: ٢٩ - ٣٦].
стр. 7983
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ (٨٣)﴾.
يقولُ جلَّ ثناؤُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : فإن رَدَّك اللهُ يا محمدُ إلى طائفةٍ مِن هؤلاء المنافقين من غزوتِك هذه ﴿فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ﴾ معك في أخرى غيرِها، فقلْ لهم: ﴿لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، وذلك عندَ خروجِ النبيِّ ﷺ إلى تبوكَ، ﴿فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾. يقولُ: فاقْعُدوا مع الذين قَعَدوا من المنافقين خِلافَ رسولِ اللهِ؛ لأنكم (١) منهم، فاقْتَدوا بهَدْيهِم، واعمَلوا مثلَ الذي عَمِلوا مِن معصيةِ اللهِ، فإن الله قد سخِطَ عليكم.
وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: قال رجلٌ: يا رسولَ اللهِ، الحرُّ شديدٌ ولا نستطيعُ الخروجَ، فلا تَنْفِرُ (٢) في الحَرِّ. وذلك في غزوةِ تبوكَ، فقال اللهُ: ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾. فأمَره اللهُ بالخروجِ، فتَخَلَّفَ عنه رجالٌ، فأدرَكَتْهم نفوسُهم، فقالوا: واللهِ ما صَنَعْنا شيئًا. فانطَلَق منهم ثلاثةٌ فلَحِقوا برسولِ اللهِ ﷺ ،
стр. 7984
فلما أتَوه تابوا ثم رَجَعوا إلى المدينةِ، فأنزل اللهُ: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ﴾، إلى قولِه: ﴿وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾. فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "هَلَكَ الذين تَخَلَّفوا". فأنزَل اللهُ عُذْرَهم لمَّا تابوا، فقال: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾، إلى قولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١١٧، ١١٨]، وقال: ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (١) [التوبة: ١١٧].
حدَّثنا بشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ﴾، إلى قولِه: ﴿فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾، أي: مع النساءِ. ذُكِر لنا أنهم كانوا اثنَيْ عَشَرَ رجلًا مِن المنافقين، [فقيل فيهم ما قيل] (٢)(٣).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾: والخالِفون الرجالُ (٤).
قال أبو جعفرٍ: والصوابُ مِن التأويلِ في قولِه: ﴿الْخَالِفِينَ﴾. ما قال ابن عباسٍ.
فأما ما قال قتادةُ مِن أن ذلك النساءُ، فقولٌ لا معنَى له؛ لأن العربَ لا تجمعُ النساءَ إذا لم يكنْ معهنَّ رجالٌ بالياءِ والنونِ، ولا بالواوِ والنونِ، ولو كان مَغْنيًّا بذلك النساءُ، لقيل: فاقعدوا مع الخوالفِ. أو: مع الخالفاتِ. ولكن معناه ما قُلنا، مِن أنه أُرِيدَ به: فاقْعُدُوا مع مرضَى الرجالِ وأهلِ زَمانتِهم، والضعفاءِ منهم والنساءِ. وإذا
стр. 7985
اجتَمع الرجالُ والنساءُ في الخبرِ، فإن العربَ تُغَلِّبُ الذكورَ على الإناثِ، ولذلك قيل: ﴿فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾. والمعنى ما ذَكَرنا.
ولو وُجِّه معنى ذلك إلى: فاقْعُدوا مع أهلِ الفسادِ، مِن قولِهم: خَلَفَ الرجلُ عن (١) أهلِه يَخْلُفُ خُلُوفًا: إذا فَسَد، ومِن قولِهم: هو خَلْفُ سَوْءٍ (٢) - كان مذهبًا. وأصلُه إذا أريدَ به هذا المعنى، مِن قولِهم: خَلَفَ اللبنُ يَخْلُفُ خُلُوفًا: إذا خَبُثَ (٣) مِن طولِ وضعِه في السِّقاءِ حتى يَفْسُدَ، ومِن قولِهم: خَلَفَ فمُ الصائمِ: إِذا تَغَيَّرت ريحُه.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (٨٤)﴾.
يقولُ جلَّ ثناؤُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : ولا تُصَلِّ، يا محمدُ، على أحدٍ ماتَ مِن هؤلاء المنافقين الذين تَخَلَّفوا عن الخروجِ معك أبدًا، ﴿وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾. يقولُ: ولا تَتَوَلَّ دفنه وتقبيرَه (٤) - مِن قولِ القائلِ: قامَ فلانٌ بأمرِ فلانٍ. إذا كَفاه أمرَه - ﴿إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ﴾. يقولُ: إنهم جحَدوا توحيدَ اللهِ ورسالةَ رسولِه، وماتوا وهم خارِجون مِن الإسلامِ، مُفارِقون أمرَ اللهِ ونهيَه.
وقد ذُكِر أن هذه الآية نزَلَت حينَ صَلَّى النبيُّ ﷺ على عبدِ اللهِ بن أُبَيٍّ.
ذكرُ مَن قال ذلك
стр. 7986
حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى وسفيانُ بنُ وكيعٍ، وسَوَّارُ بنُ عبدِ اللهِ، قالوا: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن عُبَيدِ اللهِ قال: أخبَرنى نافعٌ، عن ابن عمرَ، قال: جاء ابن عبدِ اللهِ بن أبيٍّ ابن سلولَ إلى رسولِ اللهِ ﷺ حينَ ماتَ أبوه، فقال: أعْطِني قميصَك حتى أُكَفِّنَه فيه، وصَلِّ عليه، واسْتغفِرْ له. فأعْطاه قميصَه - [وقال] (١): "إِذا فَرَغْتُم فَآذِنُونى". فلما أرادَ أن يُصَلِّيَ عليه، جذَبه عمرُ، وقال: أليس قد نَهاك اللهُ أن تُصَلِّيَ على المنافقين؟! فقال: "بل خَيَّرني وقال: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾. قال: فصَلَّى عليه. قال: فأنزَل اللهُ ﵎: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾. قال: فترَك الصلاةَ عليهم (٢).
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن عُبَيدِ اللهِ، عن ابن عمرَ، قال: لمَّا تُوفِّي عبدُ اللهِ بنُ أبيٍّ ابن سلولَ، جاء ابنُه عبدُ اللهِ إلى النبيِّ ﷺ ، فسأله أن يُعْطِيَه قميصَه، يُكَفِّنُ فيه أباه، فأعْطاه، ثم سأله أن يُصَلِّيَ عليه، فقامَ عمرُ بنُ الخطابِ، ﵁، فَأَخَذَ بثوبِ النبيِّ ﷺ ، فقال: ابنَ سَلول! أَتُصَلِّي عليه وقد نَهَاك اللهُ أن تُصَلِّيَ عليه؟! فقال النبيُّ ﷺ : "إنما خَيَّرني ربي، فقال: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾. وسأزيدُ على سبعين". فقال: إنه منافقٌ! فصَلَّى عليه رسولُ اللهِ ﷺ ، فأنزَل اللهُ: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ (٣).
حدَّثنا سَوَّارُ بنُ عبدِ اللهِ العَنْبَرِيُّ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن مُجالدٍ، قال:
стр. 7987
ثنى عامرٌ، عن جابرِ بن عبدِ اللهِ؛ أن رأسَ المنافقين مات بالمدينةِ، فأوصَى أن يُصَلِّيَ عليه النبيُّ ﷺ ، وأن يُكَفَّنَ في قميصِه، فكَفَّنَه في قميصِه، وصَلَّى عليه، وقامَ على قبرِه، فأنزَل اللهُ ﵎: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ (١).
حدَّثني أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن يزيدَ الرَّقَاشِيِّ، عن أنسٍ، أن رسولَ اللهِ ﷺ أرادَ أن يُصَلِّي على عبدِ اللهِ بن أبيٍّ ابن سَلولَ، فأخَذَ جبريلُ ﵇، بثوبِه فقال: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ (٢).
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن عُيَينةَ (٣)، عن عمرٍو، عن جابرٍ، قال: جاء (٤) النبيُّ ﷺ عبدَ اللهِ بنَ أبيٍّ، وقد أُدْخِلَ حُفْرتَه، فأَخْرَجه، فوضَعه على رُكْبتَيه، وألبَسه قميصَه، وتفَل عليه مِن ريقِه، واللهُ أعلمُ (٥).
حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن الزهريِّ، عن
стр. 7988
عُبَيدِ اللهِ بن عبدِ اللهِ بن عُتْبَةَ بن مسعودٍ، عن عبدِ اللهِ بن عباسٍ، قال: سمعتُ عمرَ بنَ الخطابِ، ﵁، يقولُ: لمَّا تُوفِّى عبدُ اللهِ بنُ أبيٍّ ابن سلولَ، دُعِى رسولُ اللهِ ﷺ للصلاةِ عليه (١)، فقامَ إليه، فلما وقَف عليه يريدُ الصلاةَ، تَحوَّلْتُ حتى قُمْتُ في صدرِه، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، أَتُصَلِّي على عدوِّ اللهِ، عبدِ اللهِ بن أبيٍّ، القائلِ يومَ كذا، كذا وكذا. [أُعَدِّدُ أيامَه] (٢)، ورسولُ اللهِ ﵊ يَتَبَسَّمُ، حتى إذا أكثَرتُ عليه، قال: "أَخِّرْ عنى يا عمرُ، إني خُيِّرْتُ فَاخْتَرْتُ، وقد قيل لى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ فلو أنى أعلمُ أنى إن زِدْتُ على السبعين غُفِر له، لزِدْتُ". قال: ثم صَلَّى عليه ومَشَى معه، فقامَ على قبرِه، حتى فُرِغَ منه. قال: أتعجَّبُ (٣) لي وجُرْأتى على رسولِ اللهِ ﷺ ، واللهُ ورسولُه أعلمُ، فواللهِ ما كان إلا يسيرًا حتى نَزَلَت هاتان الآيتان: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾. فما صَلَّى رسولُ اللهِ ﷺ بعدَه (٤) على منافقٍ، ولا قامَ على قبرِه حتى قبَضه اللهُ (٥).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن عاصمِ بن عمرَ بن قتادةَ، قال: لما مات عبدُ اللهِ بنُ أبيٍّ، أتَى ابنُه عبدُ اللهِ بنُ عبدِ اللهِ رسولَ اللهِ ﷺ ، فسأله قميصَه، فأعْطاه، فكَفَّنَ فيه أباه.
حدَّثنا المُثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني الليثُ، قال: ثني عُقَيْلٌ، عن ابن
стр. 7989
شهابٍ، قال: أخبَرنى عبيدُ اللهِ بنُ عبدِ اللهِ بن عتبةَ، عن عبدِ اللهِ بن عباسٍ، عن عمرَ بن الخطابِ، قال: لما مات عبدُ اللهِ بنُ أبيٍّ. فذكر مثلَ حديثِ ابن حميدٍ، عن سلمةَ (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ الآية. قال: بعَث عبدُ اللهِ بنُ أَبيٍّ إلى رسولِ اللهِ ﷺ وهو مريضٌ ليأتيَه، فنَهاه عن ذلك عمرُ، فأتاه نبيُّ اللهِ ﷺ ، فلما دَخَل عليه، قال نبيُّ اللهِ ﷺ : أهْلَكَ حُبُّ (٢) اليهودِ". قال: فقال: يا نبيَّ اللهِ، إنى لم أبَعَثْ إليك لتُؤنِّبَنى، ولكن بَعثتُ إليك لتستغفرَ لى. وسأله قميصَه أن يُكفَّنَ فيه، فأعطاه إياه، فاستغفرَ له رسولُ اللهِ ﷺ ، فمات، فكُفِّنَ في قميصِ رسولِ اللهِ ﷺ ، ونفَث في جلدِه، ودَلَّاه في قبره، فأنزَل اللهُ ﵎: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ الآية، قال: ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ كُلِّم في ذلك، فقال: "وما يُغْنِى عنه قَمِيصِي مِن اللهِ - أو ربِّى - وصَلاتي (٣) عليه، وإني لأَرْجو أن يُسْلِمَ به ألفٌ مِن قومِه" (٤).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا ابن ثَوْرٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قَتادةَ، قال: أرسَل عبدُ اللهِ بنُ أبيٍّ ابن سلولَ وهو مريضٌ إلى النبيِّ ﷺ ، فلما دخَل عليه، قال له النبيُّ ﷺ : "أهْلَكَك حُبُّ يهودَ". قال: يا رسولَ اللهِ، إنما أرسلتُ إليك لتستغفرَ لى، ولم أرسلْ إليك لتُؤَنِّبَنى. ثم سأله عبدُ اللهِ أَن يُعْطِيَه قميصَه أن يُكَفَّن فيه،
стр. 7990
فأعْطاه إياه وصَلَّى عليه، وقامَ على قبرِه، فأنزَل اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ (١).
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٨٥)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : ولا تُعْجِبْك يا محمدُ، أموالُ هؤلاء المنافِقين وأولادُهم، فتُصَلِّيَ على أحدِهم إذا مات، وتقومَ على قبرِه مِن أجلِ كثرةِ مالِه وولدِه، فإني إنما أعطيتُه ما أعطيتُه ذلك؛ لأُعَذِّبَه بها في الدنيا بالغمومِ والهمومِ، بما ألْزِمُه فيها مِن المؤنِ والنفقاتِ والزّكوات، وبما يَنوبُه فيها من الرَّزايا والمُصيباتِ، ﴿وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ﴾. يقولُ: وليموتَ فتَخْرُجَ نفسُه من جسدِه، فيُفارِقَ ما أعطيتُه من المالِ والولدِ، فيكونَ ذلك حسرةً عليه عندَ موتِه، وَوبالًا عليه حينَئذٍ، ووَبالًا عليه في الآخرةِ، بموتِه جاحِدًا توحيدَ اللهِ، ونبوةَ نبيِّه محمدِ ﷺ .
حدَّثني المُثنى، قال: ثنا سُويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبَرنا ابن المباركِ، عن سفيانَ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ﴾ في الحياةِ الدنيا (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ (٨٦)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وإذا أُنزِل عليك، يا محمدُ، سورةٌ مِن القرآن، بأن يقالَ لهؤلاء المنافقين: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ﴾. يقولُ: صَدِّقُوا باللهِ، ﴿وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ﴾. يقولُ: اغْزُوا المشركين مع رسولِ اللهِ ﷺ ، ﴿اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ﴾. يقولُ: استأْذَنَك ذَوو الغِنَى والمالِ منهم في التَّخَلُّفِ عنك، والقعودِ في
стр. 7991
أهلِه، ﴿وَقَالُوا ذَرْنَا﴾. يقولُ: [وقالوا] (١) لك: دَعْنا نَكُنْ ممن يَقْعُدُ في منزلِه مع (٢) ضعفاء الناسِ ومَرْضاهم، ومَن لا يَقدِرُ على الخروجِ معك في (٣) السفرِ.
وبنحوِ الذي قلنا في معنى الطَّوْلِ قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ﴾. قال: يعنى أهلَ الغِنَى (٤).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ﴾. يعنى: الأغنياءَ.
حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ﴾ كان منهم عبدُ اللهِ بن أبيٍّ، والجَدُّ بنُ قيسٍ، فنَعَى اللهُ ذلك عليهم (٥).
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (٨٧)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: رَضِى هؤلاء المنافقون الذين إذا قيل لهم: آمنوا باللهِ، وجاهِدوا مع رسولِه، استأذَنَك أهلُ الغِنَى منهم في التخلُّفِ عن الغزوِ والخروجِ معك
стр. 7992
لقتالِ أعداءِ اللهِ من المشركين - أن يكونوا في منازلهم كالنساءِ اللَّواتي ليس عليهنَّ فرضُ الجهادِ، فهن قُعُودٌ في منازِلهنَّ وبيوتِهن، ﴿وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾. يقولُ: وختَم اللهُ على قلوبِ هؤلاء المنافقين، ﴿فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ عن اللهِ مواعظَه، فيَتَّعِظُوا (١) بها وقد بيَّنَّا معنى الطبعِ، وكيف الختمُ على القلوبِ فيما مضَى بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (٢).
وبنحوِ الذي قلنا في معنى الخوالفِ قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ﴾. قال: والخَوَالفُ هنَّ النساءُ (٣).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ﴾. يعنى: النساءَ (٣).
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا حَبُّويه أبو يزيدَ، عن يعقوبَ القُمِّيِّ، عن حفصِ بن حُمَيدٍ، عن شِمْرِ بن عطيةَ: ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ﴾. قال: النساءُ (٤).
قال: ثنا المحاربيُّ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿مَعَ الْخَوَالِفِ﴾. قال: مع النساءِ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿رَضُوا بِأَنْ
стр. 7993
يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ﴾، أي مع النساءِ.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ والحسنِ: ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ﴾. قالا: النساءِ (١).
حدَّثني المُثَنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (٣).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ﴾. قال: مع النساءِ.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨٨)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: لم يُجاهِدْ هؤلاء المنافقون الذين اقْتَصَصْتُ قَصَصَهم المشركين، لكن الرسولُ محمدٌ ﷺ ، والذين صَدَّقوا الله ورسولَه معه، هم الذين جاهَدوا المشركين بأموالِهم وأنفسِهم، فأنفَقوا في جهادِهم أموالَهم، وأتْعَبوا في قتالِهم أنفسَهم وبَذَلُوها، ﴿وَأُولَئِكَ﴾. يقولُ: وللرسولِ وللذينِ آمَنوا معه، الذين جاهَدوا بأموالِهم وأنفسِهم ﴿الْخَيْرَاتُ﴾: وهى (٤) خيراتُ الآخرةِ، وذلك نساؤها وجناتُها ونعيمُها.
стр. 7994
واحدتُها خَيْرَةٌ، كما قال الشاعرُ (١):
ولقد طَعَنْتُ مَجامِعَ الرَّبَلاتِ (٢) … رَبَلَاتِ هندٍ خَيْرةِ المَلِكاتِ
والخيرةُ مِن كلِّ شيْءٍ: الفاضلةُ.
﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. يقولُ: وأولئك هم المُخَلَّدون في الجناتِ، الباقون فيها، الفائِزون بها.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٨٩)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: أعدَّ اللهُ لرسولِه محمدٍ ﷺ والذين آمَنوا معه جَنَّاتٍ، وهى البساتينُ تَجْرِى مِن تحتِ أشجارِها الأنهارُ، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾. يقولُ: لابثِين فيها، لا يموتون فيها، ولا يَظْعَنون عنها، ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. يقولُ: ذلك النَّجَاءُ العظيمُ، والحظُّ الجزيلُ.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٩٠)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وَجاءَ رسولَ اللهِ ﷺ المُعْتَذِرُونَ (٣) مِن الأَعْرَابِ ليؤذنَ لهم في التَّخَلُّفِ، وقَعَدَ عن المجيءِ إلى رسولِ اللهِ ﷺ والجهادِ معه الذين كذَبوا الله ورسُولَه، وقالوا الكذبَ، واعْتَذَروا بالباطلِ فيهم. يقولُ تعالى ذكرُه: سيُصيبُ
стр. 7995
الذين جَحَدوا توحيدَ اللهِ، ونُبوَّةَ نبيِّه محمدٍ ﷺ منهم، عذابٌ أليمٌ.
فإن قال قائلٌ: فكيف قيل: ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ﴾. وقد عَلِمتَ أن المُعذِّرَ في كلامِ العربِ، إنما هو الذي يُعَذِّرُ في الأمرِ، فلا يبالِغُ فيه، ولا يُحْكِمُه، وليست هذه صفةَ هؤلاء، وإنما صفتُهم أنهم كانوا قد اجْتَهَدوا في طلبِ ما يَنْهَضون به مع رسولِ اللهِ ﷺ إلى عدوِّهم، وحَرَصُوا على ذلك، فلم يَجدوا إليه السبيلَ، فهم بأن يوصَفوا بأنهم قد أَعْذَروا، أوْلى وأحقُّ منهم بأن يُوصَفوا بأنهم عَذَّروا، و (١) إذا وصفوا بذلك فالصوابُ في ذلك مِن القراءةِ ما قرَأه ابن عباسٍ.
وذلك ما حدَّثناه المُثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي حَمَّادٍ، قال: ثنا بِشْرُ بنُ عُمَارَةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ، قال: كان ابن عباسٍ يقرأُ: (وجاءَ المُعذِرُونَ) مخففةً، ويقولُ: هم أهلُ العُذْرِ (٢).
مع موافقةِ مجاهدٍ إياه وغيرِه عليه.
قيل: إن معنى ذلك على غيرِ ما ذهبتَ إليه، وأن معناه: وجاءَ المُعْتَذِرون مِن الأعرابِ، ولكنَّ "التاءَ" لمَّا جاوَرَت "الذالَ" أُدغِمت فيها، فصُيِّرتا "ذالًا" مشددةً؛ لتقاربِ مخرجِ إحداهما مِن الأخرى، كما قيل: "يذَّكرون" في يتذكَّرون، و "يذَّكرُ" في يَتذكَّرُ، وخَرَجَت "العينُ" من المُعَذِّرين إلى الفتحِ؛ لأن حركةَ "التاءِ" مِن المُعْتَذِرين وهى الفتحةُ، نُقِلَت إليها، فحُرِّكَتْ بما كانت به مُحَرَّكةً. والعربُ قد تُوجِّه في معنى الاعْتذارِ إلى الإعْذارِ، فتقولُ: قد اعْتَذَر فلانٌ
стр. 7996
في كذا. يعني: أعْذَر، ومن ذلك قولُ لَبيدٍ (١):
إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسمُ السَّلامِ عليكُما … ومَنْ يَبْكِ حَوْلًا كاملًا فَقَدِ اعْتَذَرْ
فقال: فقد اعْتَذَر، بمعنى: فقد أعْذَر.
على أن أهلَ التأويلِ قد اختلفوا في صفةِ هؤلاء القومِ الذين وَصَفَهم اللهُ بأنهم جاءوا رسولَ اللهِ ﷺ مُعَذِّرين؛ فقال بعضُهم: كانوا كاذِبين في اعْتذارِهم، فلم يَعْذُرْهم اللهُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني أبو عُبيدةَ عبدُ الوارثِ بنُ عبدِ الصَّمَدِ، قال: ثنى أبي، عن الحسينِ، قال: كان قتادةُ يقرأُ: (وجَاء المُعَذَّرُونَ (٢) مِنَ الأعْرَابِ). قال: اعْتَذَروا بالكذبِ (٣).
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا يحيى بنُ زكريا، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ﴾. قال: نَفَرٌ مِن بنى غِفارٍ، جاءوا فاعْتَذَروا، فلم يَعْذُرْهم اللهُ (٤).
فقد أَخْبَر مَن ذكَرْنا من هؤلاء أن هؤلاء القومَ إنما كانوا أهلَ اعْتذارٍ بالباطلِ لا بالحقِّ، فغيرُ جائزٍ أن يُوصَفوا بالإعْذارِ، إلا أن يُوصَفوا بأنهم أعْذَرُوا في الاعْتذارِ بالباطلِ، فأمَّا بالحقِّ - على ما قاله مَن حَكينا قولَه مِن
стр. 7997
هؤلاء - فغيرُ جائزٍ أن يُوصَفوا به.
وقد كان بعضُهم يقولُ: إنما جاءوا مُعَذِّرِين غير جادِّين، يَعْرِضُون ما لا يُريدون فعلَه. فمَن وَجَّهَه إلى هذا التأويلِ فلا كُلْفةَ في ذلك، غيرَ أنى لا أعلمُ أحدًا مِن أَهلِ العلمِ بتأويلِ القرآنِ وَجَّه تأويلَه إلى ذلك، فاسْتَحَبُّوا القولَ به.
وبعدُ، فإن الذي عليه من القراءةِ قرأةُ الأمصارِ، التشديدُ في "الذالِ" - أعنى مِن قولِه: ﴿الْمُعَذِّرُونَ﴾ - ففى ذلك دليل على صحةِ تأويلِ مَن تأوَّله بمعنى الاعْتذارِ؛ لأن القومَ الذين وُصِفوا بذلك لم يُكَلَّفُوا أَمْرًا عَذَّرُوا فيه، وإنما كانوا فِرْقتَين؛ إما مجتهدٌ طائعٌ، وإما منافقٌ فاسقٌ لأمرِ اللهِ مخالفٌ، فليس في الفريقَين موصوفٌ بالتَّعْذيرِ (١) في الشخوصِ مع رسولِ اللهِ ﷺ ، وإنما هو مُعَذِّرٌ (٢) مبالغٌ، أو مُعتَذِرٌ.
فإذ كان ذلك كذلك، وكانت الحُجَّةُ من القرأَةِ مجمعةً على تَشْدِيدِ "الذالِ" مِن المُعَذِّرين، عُلِم أن معناه ما وَصَفناه مِن التأويلِ.
وقد ذُكِر عن مجاهدٍ في ذلك موافقةُ ابن عباسٍ.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: أخبَرنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ الزبيرِ، عن ابن عُيَينَةَ، عن حُمَيدٍ، قال: قرَأ مجاهدٌ: (وَجاءَ المُعْذِرُونَ) مخففةً، وقال: هم أهلُ العُذْرِ (٣).
حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: كان المُعَذِّرون (٤).
стр. 7998
القولُ في تأويلِ قوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩١)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ليس على أهلِ الزَّمانةِ وأهلِ العجزِ عن السفرِ والغزوِ، ولا على المرضى، ولا على مَن لا يَجِدُ نفقةً يَتَبَلَّغُ بها إلى مَغْزاه، حَرَجٌ: وهو الإثمُ، يقولُ: ليس عليهم إثمٌ، إذا نَصَحوا للهِ ولرسولِه في مَغِيبِهم عن الجهادِ مع رسولِ اللهِ ﷺ ، ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾. يقولُ: ليس على مَن أحسَنَ، فَنَصَح للهِ (١) ورسولِه في تَخلُّفِه عن رسولِ اللهِ ﷺ عن الجهادِ معه، لعُذْرٍ يُعْذَرُ بهِ طريقٌ يَتَطرَّقُ عليه فيُعاقَبُ مِن قِبَلِه، ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. يقولُ: واللهُ ساترٌ على ذنوبِ المحسنين، يَتَغَمَّدُها بعَفْوِه لهم عنها، رحيمٌ بهم، أن يُعاقِبَهم عليها.
وذُكِر أن هذه الآية نَزَلَت في عائذِ بن عمرٍو المُزَنيِّ. وقال بعضُهم: في عبدِ اللهِ بن مُغَفَّلٍ.
ذكرُ مَن قال: نَزَلَت في عائذِ بن عمرٍو
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾: نَزَلَت في عائذِ بن عمرٍو (٢).
ذكرُ مَن قال: نَزَلَت في ابن مُغَفَّلٍ
стр. 7999
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى﴾ إلى قولِه: ﴿حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾. وذلك أن رسولَ اللهِ ﷺ ما أمَر الناسَ أن يَنْبعِثوا غازِين معه، فجاءته عصابةٌ مِن أصحابِه، فيهم عبدُ اللهِ بنُ مُغَفَّلٍ المُزَنيُّ، فقالوا: يا رسولَ اللهِ، احْمِلْنا. فقال لهم رسولُ اللهِ ﷺ : "واللهِ ما أجِدُ ما أحْمِلُكم عليه". فتَوَلَّوا ولهم بكاءٌ، وعَزَّ (١) عليهم أن يَجْلِسوا عن الجهادِ، ولا يَجِدون نفقةً ولا مَحْمَلًا. فلما رأى اللهُ حِرْصَهم على محبَّتِه ومحبَّةِ رسولِه، أنزَل عُذْرَهم في كتابِه، فقال: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ﴾ إلى قولِه: ﴿فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (٩٢)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ولا سبيلَ أيضًا على النَّفَرِ الذين إذا ما جاءُوكَ لتَحْمِلَهم، يَسْأَلونك الحُمْلانَ؛ ليَبْلُغوا إلى مَغْزاهم الجهادِ أعداءِ اللهِ معك، يا محمدُ، قلتَ لهم: لا أجِدُ حَمُولةً أحمِلُكم عليها، ﴿تَوَلَّوْا﴾. يقولُ: أَدْبَروا عنك، ﴿وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا﴾: وهم يَبْكُون مِن حُزْنٍ على أنهم لا يَجِدون ما يُنْفِقون، وَيَتَحَمَّلون به للجهادِ في سبيلِ اللهِ.
وذَكَر بعضُهم أن هذه الآيةَ نَزَلَت فِي نَفَرٍ مِن مُزَيْنَةَ.
ذكرُ مَن قال ذلك
стр. 8000
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾. قال: هم مِن مُزَينَةَ (١).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: أخبَرنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾. قال: هم بنو مُقَرِّنٍ (٢) مِن مُزَينةَ (١)
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبَرنا ابن المباركِ، عن ابن جُرَيجٍ قراءةً، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾. إلى قولِه: ﴿حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾. قال: هم بنو مُقَرِّنٍ مِن مُزَينَةَ.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن نُمَيرٍ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾. قال: هم بنو مُقَرِّنٍ مِن مُزَيْنَةَ.
قال: ثنا أبي، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ بن أنسٍ، عن أبي العاليةِ [وغيرِه] (٣)، عن ابن مُغَفَّلٍ (٤) المُزَنيِّ، وكان أحدَ النفرِ الذين أُنزِلَت فيهم: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ الآية (٥).
стр. 8001
حدَّثني المُثَنَّى، قال: أخبَرنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ الزبيرِ، عن ابن عُيَينةَ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا﴾. قال: منهم ابن مُقَرِّنٍ.
وقال سفيانُ: قال الناسُ: منهم عِرْباضُ بنُ ساريةَ.
وقال آخرون: بل نَزَلَت في عِرْباضِ بن ساريةَ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن ثَوْرِ بن يَزِيدَ، عن خالدِ بن مَعْدانَ، عن عبدِ الرحمنِ بن عمرٍو السُّلَميِّ، وحُجْرِ بن حُجْرٍ الكَلَاعِيِّ، قالا: دَخَلْنا على عِرْباضِ بن ساريةَ، وهو الذي أُنْزِل فيه: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْنَ﴾ الآية (١).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سليمانُ بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: ثنا الوليدُ، قال: ثنا ثَوْرٌ، عن خالدٍ، عن عبدِ الرحمنِ بن عمرٍو، وحُجْرِ بن حُجْرٍ بنحوِه (١).
وقال آخرون: بل نَزَلَت في نَفَرٍ سبعةٍ مِن قبائلَ شَتَّى.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو مَعْشَرٍ، عن محمدِ بن كعبٍ وغيرِه، قال: جاء ناسٌ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ يَسْتَحْمِلونه، فقال: "لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُم عليه". فأنزلَ اللهُ: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ الآية،
стр. 8002
قال: هم سبعةُ نَفَرٍ: من بنى عمرِو بن عوفٍ سالمُ بنُ عُمَيرٍ، ومِن بنى واقِفٍ هَرَمِيُّ (١) ابن عمرٍو، ومِن بنى مازنِ بن النَّجَّارِ عبدُ الرحمنِ بنُ كعبٍ، يُكْنَى أبا ليلى، ومن بني المُعَلَّى سَلْمانُ بنُ صَخْرٍ، ومِن بني حارثةَ [عُلْبَةُ بنُ زِيدٍ] (٢) وهو الذي تَصَدَّق بعِرْضِه (٣)، فقَبِلَه اللهُ منه - ومن بني سلمة عمرُو بنُ غَنَمةَ (٤)، وعبدُ اللهِ بنُ عمرٍو المُزَنِيُّ (٥).
حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ قولَه: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾، إلى قولِه: ﴿حَزَنًا﴾: وهم البكَّاءُون، كانوا سبعةً. واللهُ أعلمُ (٦).
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٩٣)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ما السبيلُ بالعقوبةِ على أهلِ العُذْرِ يا محمدُ، ولكنها على الذين يَستأذِنونك في التَّخَلُّفِ خِلافَك، وتَركِ الجهادِ معك، وهم أهلُ غنًى وقوةٍ وطاقةٍ للجهادِ والغزوِ، نِفاقًا وشكًّا في وعدِ اللهِ وَوَعِيدِه، ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ﴾. يقولُ: رَضُوا بأن يَجْلِسوا بعدَك مع النساءِ - وهنَّ الخوالفُ خلفَ
стр. 8003
الرجالِ في البيوتِ - ويَتْرُكوا الغزوَ معك، ﴿وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾. يقولُ: وخَتَمَ اللهُ على قلوبِهم بما كَسَبوا من الذنوبِ، ﴿فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ سوءَ عاقبتِهم بتَخَلُّفِهم (١) عنك، وتَركِهم الجهادَ معك، وما عليهم من (٢) قبيحِ الثناءِ في الدنيا وعظيمِ البَلاءِ في الآخرةِ.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٤)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: يعتذرُ إليكم (٣)، أيُّها المؤمنون باللهِ، هؤلاء المُتَخلِّفون خلافَ رسولِ اللهِ ﷺ ، التارِكون جهادَ المشركين معكم من المنافقين، بالأباطيلِ والكذبِ، ﴿إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ﴾ من سفرِكم وجهادِكم، ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمدُ: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ﴾. يقولُ: لن نُصَدِّقَكم على ما تقولون، ﴿قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ﴾. يقولُ: قد أخبَرنا اللهُ من أخبارِكم، وأعْلَمَنا من أمرِكم ما قد عَلِمْنا به كَذِبَكم، ﴿وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾. يقولُ: وسَيَرَى اللهُ ورسولُه فيما بعدُ عملَكم؛ أَتَتوبون من نفاقِكم، أم تُقيمون (٤) عليه؟، ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾. يقولُ: ثم تُرجَعون بعد مماتِكم، ﴿إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾. يعنى: الذي يعلمُ السرَّ والعلانيةَ، الذي لا يخْفَى عليه بواطنُ أمورِكم وظواهرُها، ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، فيُخْبِرُكم بأعمالِكم
стр. 8004
كلَّها؛ سيِّئِها وحَسَنِها، فيُجازِيكم بها؛ الحسنَ منها بالحسنِ، والسيِّئَ منها بالسيِّئِ.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥)﴾
يقولُ تعالى ذكرُه: سَيحلِفُ، أَيُّها المؤمنون باللهِ، لكم هؤلاء المنافقون الذين فَرِحوا بمَقْعدِهم خلافَ رسولِ اللهِ، ﴿انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ﴾. يعني: إذا انصَرَفْتم إليهم من غزوِكم؛ ﴿لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾، فلا تُؤَنِّبُوهم، ﴿فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾. يقولُ جلّ ثناؤه للمؤمنين: فدَعُوا تأْنيبَهم، وخَلُّوهم وما اختاروا لأنفسِهم من الكفرِ والنفاقِ، ﴿إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾. يقولُ: إنهم نَجَسٌ، ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾. يقولُ: ومصيرُهم إلى جهنمَ، وهى مسكنُهم الذي يَأوُونه في الآخرةِ، ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. يقولُ: ثوابًا بأعمالِهم التي كانوا يَعْمَلُونها في الدنيا من معاصى اللهِ.
وذُكِر أن هذه الآيةَ نَزَلت في رجلين من المنافقين قالا ما حدَّثنا به محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال ثنى عمي، قال ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا﴾ إلى ﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. وذلك أن رسولَ اللهِ ﷺ قيل له: ألا تَغزو بنى الأصفرِ؛ لعلك أن تُصيبَ بنتَ عظيمِ الرومِ، فإنهم حسانٌ. فقال رجلان: قد عَلِمتَ يا رسولَ اللهِ أن النساءَ فتنةٌ، فلا تَفْتِنَّا بهنَّ، فأْذَنْ لنا. فأذِن لهما. فلما انطلقَا قال أحدُهما: إن هو إلا شَحْمةٌ لأوَّلِ آكلٍ. فسارَ رسولُ اللهِ ﷺ ، ولم يَنزِلْ عليه في ذلك شيءٌ. فلما كان ببعضِ الطريقِ، نَزَلَ عليه وهو على بعضِ المياهِ: ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا
стр. 8005
قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾، ونَزَلَ عليه: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾، ونَزَلَ عليه: ﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، ونَزَلَ عليه: ﴿إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾، فسمِع ذلك رجلٌ ممن غزا مع النبيِّ ﷺ ، فأتاهم وهم خلفَهم، فقال تَعلَمون أن قد نَزَلَ على رسولِ اللهِ ﷺ بعدَكم قرآنٌ. قالوا: ما الذي سَمِعتَ؟ قال: ما أدرى، غيرَ أني سمِعتُ أنه يقولُ: إنهم رِجْسٌ. فقال رجلٌ يُدْعَى مَخْشيًّا (١): واللهِ، لوَدِدتُ أنى أُجلَدُ مائةَ جلدةٍ وأنى لستُ معكم. فأتى رسولَ اللهِ ﷺ فقال: "ما جاء بك؟ ". فقال: وَجْهُ رسولِ الله ﷺ تَسْفَعُه الريحُ، وأنا في الكِنِّ (٢). فأنزلَ اللهُ تعالى عليه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي﴾، ﴿وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾، ونزَلَ عليه في الرجلِ الذي قال: لوَدِدتُ أنى أُجلَدُ مائةَ جلدةٍ. قولُ اللهِ تعالى: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾، فقال رجلٌ مع رسولِ اللهِ: لئن كان هؤلاء كما يقولون ما فينا خيرٌ. فبَلَغ ذلك رسولَ اللهِ ﷺ ، فقال له: "أنت صاحبُ الكلمةِ التي سمِعتُ؟ ". فقال: لا والذي أنزَلَ عليك الكتابَ. فأنزلَ اللهُ فيه: ﴿وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾، وأنزَل فيه: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ (٣).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرَنا ابن وَهْبٍ، قال: أخبرَني يونسُ، عن ابن شهابٍ، قال: أخبرَني عبدُ الرحمنِ بنُ عبدِ اللهِ بن كعبِ بن مالكٍ، أن عبدَ اللهِ بنَ كعبٍ قال: سمِعتُ كعبَ بنَ مالكٍ يقولُ: لمَّا قَدِمَ رسولُ اللهِ ﷺ من تبوكَ، جَلَسَ
стр. 8006
للناس. فلما فَعَل ذلك، جاءه المُخَلَّفون فَطَفِقوا يَعْتَذِرون إليه، ويحلِفون له، وكانوا بضعةً وثمانين رجلًا، فقَبِلَ منهم رسولُ اللهِ ﷺ علانيتَهم، وبايعَهم واستَغفَر لهم ووَكَل سرائرَهم إلى اللهِ، وصَدَقْتُه حديثي. فقال كعبٌ: واللهِ ما أنعَم اللهُ عليَّ من نعمةٍ قطُّ، بعدَ أن هدَاني للإسلامِ، أعظمَ في نفسي (١) من صِدقِ رسولِ اللهِ ﷺ أن لا أكون كَذَبَتهُ، فَأَهْلِكَ كما هَلَك الذين كَذَبوا، إن الله قال للذين كَذَبوا حينَ أنزل الوحْيَ شرَّ (٢) ما قال لأحدٍ: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ إلى قولِه: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٩٦)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: يَحْلِفُ لكم، أيُّها المؤمنون باللهِ، هؤلاء المنافِقون؛ اعتذارًا بالباطلِ والكذِب؛ ﴿لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾. يقولُ: فإن أنتم، أيّها المؤمنون، رَضِيتم عنهم وقبِلتم مَعذرتَهم، إذ كنتم لا تَعلَمون صِدقَهم من كذبِهم، فإن رضاكم عنهم غيرُ نافعِهم عندَ اللهِ؛ لأن الله يَعْلَمُ من سرائرِ أمرِهم ما لا تَعْلَمون، ومن خَفِيِّ اعتقادِهم ما تَجْهَلون، وأنهم على الكفرِ باللهِ [مقيمون. وقوله: (الفاسقين)] (٤) يعنى: أنهم الخارجون من الإيمانِ إلى الكفرِ باللهِ، ومن الطاعةِ إلى المعصيةِ.
стр. 8007
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٩٧)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: الأعرابُ أشدُّ جُحودًا لتوحيدِ اللهِ، وأشدُّ نفاقًا من أهلِ الحَضَرِ في القرى والأمصارِ. وإنما وصفَهم، جل ثناؤه، بذلك لجفائِهم وقسوةِ قلوبِهم، وقلةِ مُشاهدتِهم لأهلِ الخيرِ، فهم (١) لذلك أقْسَى قلوبًا، وأقلُّ علمًا بحقوقِ اللهِ.
وقولهُ: ﴿وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾. يقولُ: وأَخلَقُ أن لا يَعلَموا حدودَ ما أنزلَ اللهُ على رسولِه، وذلك فيما قال قتادةُ: السُّنَنُ.
حدَّثنا بِشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾. قال: هم أقلُّ عِلمًا بالسُّننِ (٢).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرحمن بن مَغراءَ (٣)، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، قال: جَلَسَ أعرابيٌّ إلى زيدِ بن صُوحانَ وهو يُحدِّثُ أصحابَه - وكانت يدُه قد أُصيبت يومَ نهاوندَ - فقال: واللهِ إن حديثَك ليُعجِبُني، وإن يدَك لتُريبُني. فقال زيدٌ: وما يُريبُك من يدى؟ إنها الشَّمالُ. فقال الأعرابيُّ: واللهِ ما أدرى، اليمينَ يَقطعون أمِ الشمالَ؟ فقال زيدُ بنُ صُوحانَ: صَدَقَ اللهُ: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ (٤).
стр. 8008
وقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. يقولُ: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بمن يعلمُ حدودَ ما أنزل على رسولِه، والمنافقِ من خلقِه، والكافرِ منهم، لا يخفَى عليه منهم أحدٌ، ﴿حَكِيمٌ﴾ في تدبيره إيَّاهم، و (١) في حلمه عن عقابهم مع علمه بسرائرهم وخِداعِهم أولياءَه.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٩٨)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ومن الأعرابِ مَن يَعُدُّ نفقتَه التي يُنفقُها في جهادِ مُشركٍ، أو في معونةِ مسلمٍ، أو في بعضِ ما نَدَبَ اللهُ إليه عبادَه ﴿مَغْرَمًا﴾. يَعْنى: غُرمًا لَزِمه لا يرجو له ثوابًا، ولا يَدفعُ به عن نفسِه عقابًا، ﴿وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ﴾. يقولُ: ويَنْتَظِرون بكم الدوائرَ أن تدورَ بها الأيامُ والليالى إلى مكروهٍ، ونَفْى (٢) محبوبٍ، وغلبةِ عدوٍّ لكم. يقولُ اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾. يقولُ: جَعَلَ اللهُ دائرةَ السَّوْءِ عليهم ونزولَ المكروهِ بهم، لا عليكم أيُّها المؤمنون ولا بكم، ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ﴾ لدعاءِ الداعين، ﴿عَلِيمٌ﴾ بتَدْبِيرِهم وما هو بهم نازلٌ من عقابِ اللهِ، وما هم إليه صائرون من أليمِ عقابِه.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ﴾. قال: هؤلاء المنافقون
стр. 8009
من الأعرابِ، الذين إنما يُنفقون رياءً اتِّقاءَ (١) أن يُغزَوا أو يُحارَبوا أو يُقاتَلُوا، ويَرَون نفقتهم مَغْرمًا، ألا تراه يقولُ: ﴿وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ (٢).
واخْتَلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقَرَأه عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ والكوفةِ ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ بفتحِ السين، بمعنى النعتِ للدائرةِ، وإن كانت الدائرةُ مضافةً إليه، كقولِهم: هو رجلُ السَّوءِ، وامرؤُ الصدقِ. كأنه إذا فُتح، مصدرٌ، من قولِهم: سُؤتُه أَسْوءُه سَوءًا ومَساءَةً ومَسائيَةً. وقرأ ذلك بعضُ أهل الحجازِ وبعضُ البَصْريِّين: (عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السُّوءِ) بضمِّ السينِ (٣)، كأنه جَعَله اسمًا، كما يقالُ: عليه دائرةُ البلاءِ والعذابِ. ومن قال: (عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السُّوْءِ) فضَمَّ، لم يقلْ: هذا رجلُ السُّوءِ، بالضمِّ، والرجلُ السُّوءُ. وقال الشاعرُ (٤):
وكنتَ كَذِئبِ السَّوءِ لمَّا رأَى دَمًا … بصاحبِه يومًا أحال على الدَّمِ (٥)
والصوابُ من القراءةِ في ذلك عندَنا بفتحِ السينِ (٦) بمعنى: عليهم الدائرةُ التي تسُوءُهم سَوءًا، كما يقالُ: هو رجلٌ صِدقٌ. على وجهِ النعتِ.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٩)﴾.
стр. 8010
يقولُ تعالى ذكرُه: ومن الأعرابِ من يُصدِّقُ الله، ويُقِرُّ بوحدانيتِه وبالبعثِ بعدَ الموتِ، والثوابِ والعقابِ، وينوِى ما (١) يُنفِقُ من نفقةٍ في جهادِ المشركين، وفي سفرِه مع رسولِ اللهِ ﷺ ﴿قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ﴾، والقرباتُ جمعُ قُربةٍ، وهو ما قَرَّبَه من رضا اللهِ ومحبتِه، ﴿وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ﴾. يعنى بذلك: ويبتغى بنفقةِ ما يُنفقُ، مع طلبِ قربتِه من اللهِ، دعاءَ الرسولِ واستغفارَه له.
وقد دلَّلنا فيما مضى من كتابِنا، على أن من معاني الصلاةِ الدعاءَ، بما أغنى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (٢).
وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثني المُثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ﴾. يعني: استغفارَ النبيِّ ﵊ (٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قولَه: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ﴾. قال: دعاءَ الرسولِ. قال: هذه ثَنِيَّةُ اللهِ من الأعرابِ (٤).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن
стр. 8011
مُجَاهِدٍ قولَه: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. قال: هم بنو مُقَرِّنٍ، من مُزينةَ، وهم الذين قال اللهُ فيهم: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا﴾ [التوبة: ٩٢]. قال: هم بنو مُقرِّنٍ، من مُزَينةَ (١).
قال: ثنى حَجَّاجٌ، قال: قال ابن جُرَيجٍ: قولُه: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا﴾، ثم استثنى فقال: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الآية (٢).
حدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا جعفرٌ، عن البَخْتريِّ بن المختارِ العبديِّ، قال: سمِعتُ عبدَ اللهِ (٣) بنَ معقلٍ (٤) قال: كُنَّا عشَرةً ولدَ مُقرِّنٍ، فنزلت فينا: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إلى آخرِ الآيةِ (٥).
قال اللهُ: ﴿أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ألا إن صلواتِ الرسولِ قربةٌ لهم من اللهِ. وقد يَحتَمِلُ أن يكونَ معناه: ألا إن نفقتَه التي يُنفِقُها كذلك قربةٌ لهم عندَ اللهِ. ﴿سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ﴾. يقولُ: سيُدخِلُهم اللهُ في من رَحِمه، فأدخلَه برحمتِه الجنةَ، ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لما اجتَرموا، ﴿رَحِيمٌ﴾ بهم مع توبتِهم وإصلاحِهم أن يُعذِّبَهم.
стр. 8012
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: والذين سَبَقوا الناسَ أَوَّلًا إلى الإيمان باللهِ ورسولِه ﴿مِنَ الْمُهَاجِرِينَ﴾ الذين هاجروا قومَهم وعشيرتَهم، وفارَقوا منازلَهم وأوطانَهم، ﴿وَالْأَنْصَار﴾ الذين نصَروا رسولَ اللهِ ﷺ على أعدائِه من أهلِ الكفرِ باللهِ ورسولِه، ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾. يقولُ: والذين سَلَكوا سبيلَهم في الإيمانِ بالله ورسولِه، والهجرةِ من دارِ الحربِ إلى دارِ الإسلامِ؛ طلبَ رضا اللهِ، ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾.
واختلَفَ أهلُ التأويلِ في المعنيِّ بقولِه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ﴾؛ فقال بعضُهم: هم الذين بايَعوا رسولَ اللهِ ﷺ بيعةَ الرُّضوانِ، أو أَدْرَكوا.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بشرٍ، عن إسماعيلَ، عن عامرٍ: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ﴾. قال: من أدرك بيعةَ الرُّضوانِ.
قال: ثنا ابن فُضيلٍ، عن مُطرِّفٍ، عن عامرٍ، قال: المُهاجِرون الأوَّلون: مَن أدرَك البيعةَ تحتَ الشجرةِ (١).
حدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ، عن
стр. 8013
الشعبيِّ، قال: المُهاجِرون الأوّلون (١): الذين شَهِدوا بيعةَ الرُّضوانِ (٢).
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ، عن مُطرِّفٍ، عن الشعبيِّ، قال: المهاجرون الأوَّلون: من كان قبلَ البيعةِ إلى البيعةِ فهم المُهاجِرون الأوَّلون، ومن كان بعدَ البيعةِ فليس من المهاجرين الأوَّلين.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ (٣)، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبَرنا إسماعيلُ ومُطرِّفٌ، عن الشعبيِّ، قال: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾: هم الذين بايَعوا بيعةَ الرضوانِ.
حدَّثني المُثنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: ثنا هُشيمٌ، عن داودَ، عن عامرٍ، قال: فَصلُ ما بينَ الهجرتَين بيعةُ الرضوانِ، وهى بيعةُ الحُديبِيَةِ.
حدَّثني المُثنَّى، قال: أخبَرنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبَرنا هُشيمٌ، قال: أخبَرَنا إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ ومُطرِّفٌ، عن الشعبيِّ، قال: هم الذين بايَعوا بيعةَ الرضوانِ.
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا عبْثَرٌ أبو زُبيدٍ، عن مُطَرِّفٍ، عن الشعبيِّ، قال: المهاجرون الأوَّلون: من أدرَك بيعةَ الرضوانِ.
وقال آخرون: بل هم الذين صَلَّوا القبلتين مع رسولِ الله ﷺ .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن قيسٍ، عن عثمانَ الثَّقَفيِّ، عن
стр. 8014
مولًى لأبي موسى، عن أبي موسى، قال: المهاجرون الأوّلون: من صلَّى القبلتين مع النبيِّ ﷺ (١).
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا قيسُ بنُ الربيعِ، عن عثمانَ بن المغيرةِ، عن أبي زُرعةَ بن عمروِ بن جريرٍ، عن مولًى لأبي موسى، قال: سألتُ أبا موسى الأشعريَّ عن قولِه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾. قال: هُم الَّذين صَلَّوا القبلتينِ جميعًا.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أَبى، عن أبي هِلالٍ، عن قتادةَ، قال: قلتُ لسعيدِ بن المسيَّبِ: لمَ سُمُّوا المهاجرين الأوَّلين؟ قال: من صلَّى مع النبيِّ ﷺ القبلتين جميعًا، فهو من المهاجرين الأوّلين.
حدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن ابن أبي عَرُوبةَ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بن المسيَّبِ، قال: المهاجرون الأوَّلون الذين صَلَّوا القبلتَين (٢).
حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بن المسيبِ قولَه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾. قال: هم الذين صَلَّوا القبلتَين جميعًا.
حدَّثنا محمدُ بنُ المُثنَّى، قال: ثنا عباسُ بنُ الوليدِ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بن المسيبِ مثلَه.
حدَّثني المُثنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبَرنا هُشيمٌ، عن بعضِ أصحابِه، عن قتادةَ، عن سعيدِ بن المسيبِ، وعن أشْعثَ، عن ابن سيرينَ في قولِه:
стр. 8015
﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ﴾. قال: هم الذين صَلَّوا القبلتين (١).
حدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا معاذُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا ابن عَونٍ، عن محمدٍ، قال: المهاجرون الأوّلون: الذين صلَّوا القبلتين.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾. قال: هم الذين صلَّوا القبلتين جميعًا (٢).
وأمَّا الذين اتَّبَعوا المهاجرين الأوَّلين والأنصارَ بإحسانٍ، فهم الذين أسلَموا للهِ إسلامَهم، وسَلَكوا منهاجَهم في الهجرةِ والنُّصرةِ وأعمالِ الخيرِ؛ كما حدَّثنا أحمدُ بن إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال ثنا أبو معشرٍ، عن محمدِ بن كعبٍ، قال: مرَّ عمرُ برجلٍ وهو يقرأُ هذه الآيةَ: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾. قال: من أقرَأك هذه الآيةَ؟ قال: أَقْرَأَنِيها أبيُّ بنُ كعبٍ. قال: لا تُفارِقْنى حتى أَذْهَبَ بك إليه. فأتاه فقال: أنتَ أَقْرَأْتَ هذا هذه الآيةَ؟ قال: نعم. قال: وسَمِعتَها من رسولِ اللهِ ﷺ ؟ قال: [نعم. قال] (٣): لقد كنتُ أُرانا رَفَعْنَا رِفْعَةً لا يبلُغُها أحدٌ بعدَنا. قال أبيٌّ (٤): تصديقُ ذلك في (٥) الآيةِ التي في أوَّلِ "الجمعةِ"، وأوسطِ (٦) "الحشرِ"، وآخرِ "الأنفال"؛ أما أوَّلُ "الجمعةِ" ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا
стр. 8016
يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ [الجمعة: ٣]، وأوسطُ "الحشر" ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠]، وأما آخِرُ "الأنفال" ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٧٥] (١).
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا الحسنُ بنُ عطيةَ، قال: ثنا أبو مَعشرٍ، عن محمدِ بن كعبٍ القُرظيِّ، قال: مرَّ عمرُ بنُ الخطابِ برجلٍ يقرأُ: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾. حتى بَلَغ: ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾. قال: وأخَذ عمرُ بيدِه فقال: من أقرَأكَ هذا؟ قال: أبيُّ بن كعبٍ. فقال: لا تُفارِقْنى حتى أَذْهَبَ بك إليه. فلما جاءَه، قال عمرُ: أنتَ أقرأتَ هذا هذه الآية هكذا؟ قال: نعم. قال: أنتَ سَمِعتَها من رسولِ اللهِ ﷺ ؟ قال: نَعَمْ. قال: لقد كنتُ أَظُنُّ أنَّا رَفُعْنَا رِفْعَةً لا يَبْلُغُها أحدٌ بعدنا. فقال أبيُّ: بلى، تصديقُ هذه الآيةِ في أوّلِ سورةِ "الجمعةِ": ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ إلى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، وفى سورة "الحشرِ": ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾، وفى "الأنفال": ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ﴾ إلى آخرِ الآيةِ.
ورُوى عن عمرَ في ذلك ما حدَّثني به أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا حجَّاجٌ، عن هارونَ، عن حبيبِ بن الشهيدِ، وعن ابن عامرٍ الأنصاريِّ، أن عمرَ بنَ الخطابِ قرَأَ: (والسَّابِقُونَ الأوَّلُون مِن المُهاجِرِين والأنصارُ (٢) الَّذِين اتَّبِعُوهُم بإحْسانٍ). فرفع الأنصارَ، ولم يُلحِقِ "الواوَ" في (الذين)، فقال له زيدُ
стр. 8017
ابن ثابتٍ: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾. فقال عمرُ: (الَّذين اتَّبعوهُم بإحْسانٍ). فقال زيدٌ: أميرُ المؤمنين أعلمُ. فقال عمرُ: ائتُونى بأبيِّ بن كعبٍ. فأتاه فسأله عن ذلك، فقال أبيٌّ: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾. فقال عمرُ: إذن نُتابعُ أبَيًّا (١).
والقراءةُ على خفضِ الأنصار عطفا بهم على المهاجرين.
وقد ذكر عن الحسن البصرى أنه كان يقرأُ: (الأنصارُ) بالرفعِ. عطفًا بهم على السابقين (٢).
والقراءة التي لا أستجيزُ غيرَها، الخفضُ في ﴿الْأَنْصَارِ﴾ (٣)؛ لإجماعِ الحجةِ من القرأةِ عليه، وأن السابقَ كان من الفريقين جميعًا من المهاجرين والأنصارٍ، وإنما قَصَدَ الخبرَ عن السابقِ من الفريقين، دونَ الخبرِ عن الجميعِ، وإلحاقُ "الواوِ" في ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾؛ لأن ذلك كذلك في مصاحفِ المسلمين جميعًا، على أن التابعين بإحسانٍ غيرُ المهاجرين والأنصارِ، وأما (السَّابقون) فإنهم مرفوعون بالعائدِ من ذكرِهم في قولِه: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾.
ومعنى الكلامِ: رَضِيَ اللهُ عن جميعِهم لَمَّا أطاعوه، وأجابوا نبيَّه إلى ما دَعاهم إليه من أمرِه ونهيِه، ورَضِيَ عنه السابقون الأوَّلون من المهاجرين والأنصارِ، والذين اتَّبَعوهم بإحسانٍ، لَمَّا أجزَلَ لهم من الثوابِ على طاعتِهم إياه، وإيمانِهم به وبنبيِّه ﷺ ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ﴾ يَدْخُلُونها، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾: لابثين فيها ﴿أَبَدًا﴾: لا يموتون فيها، ولا يَخْرجون منها ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.
стр. 8018
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ (١٠١)﴾
يَقولُ تعالى ذكرُه: ومِن القومِ الذين حولَ مدينتِكم مِن الأعرابِ منافقون، ومِن أهلِ مدينتِكم أيضًا أمثالُهم أقوامٌ منافقون.
وقوله: ﴿مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾. يقولُ: مَرَنُوا عليه ودَرِبُوا (١) به، ومنه: شيطانٌ مارِدٌ، ومريدٌ. وهو الخبيثُ العاتِي. ومنه قيل: تمرَّدَ فلانٌ على ربِّه. أي: عَتَا،، ومَرَنَ (٢) على معصيتِه واعتادَها.
وقال ابن زيدٍ في ذلك، ما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾. قال: أقاموا عليه، لم يتوبوا كما تابَ الآخرون (٣).
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾. أي: لَجُّوا فيه وأبَوْا غيرَه (٤).
﴿لَا تَعْلَمُهُمْ﴾. يقول لنبيِّه محمدٍ ﷺ : لا تعلمُ يا محمدُ أنت هؤلاء المنافِقين الذين وَصَفتُ لك صفتَهم ممن حولَكم من الأعرابِ ومن أهلِ المدينةِ، ولكنَّا نحن نعلمُهم، كما حدَّثنا الحسنُ، قال أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ
стр. 8019
في قولِه: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ﴾ إلى قولِه: ﴿نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾، قال: فما بالُ أقوامٍ يَتكلَّفون علمَ الناسِ؟ فلانٌ في الجنةِ، وفلانٌ في النارِ. فإذا سألتَ أحدهم عن نفسِه قال: لا أدرى. لَعَمْرِى أَنتَ بنفسِك أعلمُ منك بأعمالِ الناسِ، ولقد تكَلَّفْتَ شيئًا ما تَكلَّفَتْه الأنبياء قبلَك، قال نبيُّ اللهِ نوحٌ ﵇: ﴿وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١٢]. وقال نبيُّ اللهِ شعيبٌ ﵇: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ [هود: ٨٦]. وقال اللهُ لنبيِّه ﵇: ﴿لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ (١).
وقولُه: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾. يقولُ: سنعذِّبُ هؤلاء المنافقين مرَّتين؛ إحداهما في الدنيا، والأخرى في القبرِ.
ثم اختلَفَ أهلُ التأويلِ في التي في الدنيا، ما هي؟ فقال بعضُهم: هي فضيحتُهم، فَضَحَهم اللهُ بكشفِ أمورِهم وتَبيينِ سرائرِهم للناسِ على لسانِ رسولِه ﷺ .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا الحسينُ بنُ عمرٍو العَنقَزِيُّ، قال: ثنا أبى، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، عن أبي مالكٍ، عن ابن عباسٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾ إلى قوله: ﴿عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾. قال: قامَ رسولُ اللهِ ﷺ خطيبًا يومَ الجمعةِ، فقال: "اخرُج يا فلانُ، فإنك مُنافقٌ، اخرُج يا فلانُ فإنك مُنافقٌ". فأخرَجَ من المسجدِ
стр. 8020
ناسًا منهم فَضَحَهم (١)، فلَقِيَهم عمرُ وهم يَخرُجون من المسجدِ، فاختبأ منهم؛ حياءً أنه لم يَشْهَدِ الجمعةَ، وظنَّ أن الناسَ قد انصَرَفوا، واختَبَئوا هم من عمرَ، ظنُّوا أنه قد عَلِمَ بأمرِهم، فجاء عمرُ فدخَلَ المسجدَ، فإذا الناسُ لم يُصلُّوا، فقال له رجلٌ من المسلمين: أَبْشِرْ يا عمرُ، فقد فضَحَ اللهُ المنافقين اليومَ. فهذا العذابُ الأوَّلُ، حينَ أخرَجَهم من المسجدِ، والعذابُ الثاني عذابُ القبرِ (٢).
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ، عن السُّدِّيِّ، عن أبي مالكٍ: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾. قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ يَخطُبُ، فيذكرُ المنافقين فيُعذِّبُهم بلسانِه. قال: وعذابُ القبرِ (٣).
[وقال آخرون: هي ما يُصِيبُ الإنسانَ من الخوفِ والجوعِ والقتلِ والسِّباءِ وغيرِ ذلك، وعذابُ القبرِ] (٤).
ذكر من قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾. قال: القتلُ والسِّباءُ (٥).