← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 8086–8125 · переход к 8091.

стр. 8086

أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿السَّائِحُونَ﴾. قال: يعنى بالسائحين: الصائمين (١). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عُبَيدُ اللَّهِ، عن إسرائيلَ، عن [أبي يحيى] (٢)، عن مجاهدٍ، قال: ﴿السَّائِحُونَ﴾: هم الصائمون. حدَّثني المُثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿السَّائِحُونَ﴾: الصائمون (٣). [حدَّثني المُثَنَّى] (٤)، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ، قال: [كلُّ ما] (٥) ذَكَر اللَّهُ في القرآنِ (٦) السياحةَ، هم الصائمون (٧). [حدَّثنا ابن وكيعٍ] (٤)، قال: ثنا أبي، عن المسعوديِّ، عن أبي سِنانٍ، عن ابن أبى الهُذَيلِ، عن أبي عمرٍو العَبْديِّ، قال: ﴿السَّائِحُونَ﴾: الذين يُدِيمون الصيامَ مِن المؤمنين (٨). حدَّثنا ابن حُمَيدٍ (٩)، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن ثعلبةَ بن سهيلٍ، قال: قال الحسنُ: ﴿السَّائِحُونَ﴾: الصائمون (١٠).

стр. 8087

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى منصور بن هارونَ، عن أبي إسحاقَ الفَزاريِّ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنُ، قال: ﴿السَّائِحُونَ﴾: الصائمون شهرَ رمضانَ. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ، قال: ﴿السَّائِحُونَ﴾: الصائمون (١). [حدَّثنا ابن وكيعٍ] (٢)، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ، قال: كلُّ شيءٍ في القرآنِ ﴿السَّائِحُونَ﴾ فإنه (٣) الصائمون. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبَرنا هُشَيمٌ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿السَّائِحُونَ﴾: الصائمون. حُدِّثْتُ عن الحسينُ بن الفرجِ، قال: سَمِعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أَخبرَنا عُبيَدٌ، قال: سَمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قوله: ﴿السَّائِحُونَ﴾: يعنى الصَّائمين (٤). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن نُمَيرٍ ويَعْلى وأبو أسامةَ، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ، قال: ﴿السَّائِحُونَ﴾: الصائمون (٥). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبرَنا هُشَيمٌ، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ مثلَه. [حدَّثني المُثَنَّى] (٢)، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ الزبيرِ، عن ابن

стр. 8088

عُيَينةَ، قال: ثنا عمرٌو، أنه سَمِعَ وَهْبَ بنَ مُنَبِّهٍ يقولُ: كانت السياحةُ في بني إسرائيلَ، وكان الرجلُ إذا ساحَ أربعينَ سنةَ رأى ما كان يرى السائحون قبلَه. فساحَ وَلَدُ بَغِيٍّ أربعين سنةً فلم يَرَ شيئًا، فقال: أيْ ربِّ، أرأيتَ إن أساءَ أبواى وأحسنتُ أنا! قال: فَأُرِى ما أُرِىَ السائحون قبلَه (١). قال ابن عُيَينةَ: إذا تَرَكَ الطعامَ والشرابَ والنساءَ فهو السائحُ (٢). حدثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿السَّائِحُونَ﴾: قومٌ أَخَذوا مِن أبدانِهم صومًا للَّهِ (٣). حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ يزيدَ، عن الوليدِ بن عبدِ اللَّهِ، عن عائشةَ، قالت: سياحةُ هذه الأمَّةِ الصيامُ (٤). وقوله: ﴿الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ﴾. يعنى: المُصَلِّين، الراكِعِين في صلاتِهم، الساجدِين فيها. كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى منصورُ بنُ هارونَ، عن أبي إسحاقَ الفَزاريِّ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ: ﴿الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ﴾. قال: الصلاةُ المفروضةُ (٥). وأما قوله: ﴿الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَر﴾، فإنه يعنى

стр. 8089

أنهم يأمُرون الناسَ بالحقِّ في أديانهم واتِّباعِ الرشدِ والهُدى والعملِ، ويَنْهَونهم عن المنكرِ، وذلك نَهْيُهم الناسَ عن كلِّ فعلٍ وقولٍ نَهَى اللَّهُ عبادَه عنه. وقد رُوِيَ عن الحسنِ في ذلك ما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني منصورُ بنُ هارونَ، عن أبي إسحاقَ الفَزاريِّ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ: ﴿الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾: لا إلهَ إلا اللَّهُ، ﴿وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَر﴾: عن الشركِ (١). حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن ثَعْلَبةَ بن سهيلٍ، قال: قال الحسنُ في قولِه: ﴿الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾. قال: أمَا إنهم لم يأمُروا الناسَ حتى كانوا مِن أهلِها، ﴿وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾. قال: أمَا إنهم لم يَنْهَوا عن المنكرِ حتى انتهَوا عنه (٢). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثني إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ، قال: كلُّ ما ذَكَر اللَّهُ (٣) في القرآنِ مِن (٣) الأمرِ بالمعروفِ والنهيِ عن المنكرِ، فالأمرُ بالمعروفِ دعاءٌ من الشركِ إلى الإسلامِ، والنهيُ عن المنكرِ نهىٌ عن عبادةِ الأوثانِ والشياطينِ. وقد دَلَّلنا فيما مَضَى قبلُ على صحةِ ما قُلنا؛ مِن أن المعروف (٤) هو كلُّ ما أمَر

стр. 8090

اللَّهُ به عبادَه أو رسولُه ﷺ ، [والمنكر] (١) هو كلُّ ما نَهَى اللَّهُ عنه عبادَه أو رسولُه (٢). وإذ كان ذلك كذلك، ولم يكنْ في الآيةِ دلالةٌ على أنها عُنِى بها خصوصٌ دونَ عمومٍ، ولا في (٣) خبرٍ عن الرسولِ، ولا في فطرةِ عقلٍ، فالعمومُ بها أَوْلى؛ لما قد بَيَّنَّا في غير موضعٍ مِن كُتُبِنا. وأما قولُه: ﴿وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾، فإنه يعنى: المؤدُّون فَرائضَ اللَّهُ، المُنْتَهون إلى أمرِه ونهِيه، الذين لا يُضَيِّعون شيئًا ألزمَهم العملَ به، ولا يَرْتكِبون (٤) شيئًا نَهاهم عن ارْتِكابِه. كالذي حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبد اللَّهُ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾: يعنى: القائِمين على طاعةِ اللَّهِ. وهو شرطٌ اشْتَرَطه اللَّهُ على أهلِ الجهادِ، إذا وَفَوا للَّهِ (٥) بشرطِه، وَفَى لهم بشرطِهم (٦). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾. قال: القائِمون على طاعةِ اللَّهِ (٧).

стр. 8091

حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا حَكَّام، عن ثعلبةَ بن سهيلٍ، قال: قال الحسنُ في قوله: ﴿وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾. قال: القائمون على أمرِ اللَّهُ (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى منصورُ بنُ هارونَ، عن أبي إسحاقَ الفَزاريِّ، عن أبي رجاءٍ عن الحسنِ: ﴿وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾. قال: لفرائض اللَّهِ (٢). وأما قولُه: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، فإنه يعنى: وبَشِّرِ المُصَدِّقِين بما وَعَدَهم اللَّهُ إذا هم [وَفَّوا اللَّهُ بعهدِهم] (٣)، أنه مُوَفٍّ لهم بما وَعَدَهم من إدخالِهم الجنةَ. كما حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا هَوْذَةُ بن خليفة، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ حتى خَتَمَ الآيةَ، قال: هم (٤) الذين وَفَوا ببيعتِهم (٥)، ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ﴾ حتى خَتَمَ الآيةَ، فقال: هذا عملُهم وسيرُهم في الرخاءِ، ثم لَقُوا العدوَّ فصَدَقوا ما عاهَدوا اللَّهَ عليه. وقال بعضُهم: معنى ذلك: وبَشِّرْ مَن فَعَل هذه الأفعالَ - يعنى قولَه: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ﴾ إلى آخرِ الآيةِ - وإن لم يَغْزُوا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى منصورُ بن هارونَ، عن أبي إسحاقَ الفزاريِّ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال: الذين

стр. 8092

لم يَغْزوا (١). القولُ في تأويلِ قوله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣) وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (١١٤)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ما كان يَنْبَغى للنبيِّ محمدٍ ﷺ والذين آمنوا به، ﴿أَنْ يَسْتَغْفِرُوا﴾. يقولُ: أن يَدْعوا بالمغفرةِ للمشركين، ولو كان المشركون الذين يَسْتَغْفرون لهم (٢) ذَوى قَرابةٍ لهم، ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾. يقولُ: مِن بعدِ ما ماتوا على شِرْكِهم باللَّهِ وعبادةِ الأوثانِ، فتَبَيَّنَ (٣) لهم أنهم مِن أهلِ النارِ؛ لأن اللَّهُ قد قَضَى أن لا يَغْفِرَ لمشركٍ، فلا يَنْبَغِى لهم أن يَسْأَلُوا ربَّهم أن يفعلَ ما قد عَلِموا أنه لا يفعلُه. فإن قالوا: فإن إبراهيمَ قد اسْتَغْفر لأبيه وهو مشركٌ؟ فلم يكن استغفارُ إبراهيمَ لأبيه إلا لمَوعدةٍ وَعَدَها إياه، ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ﴾ وعَلِمَ أنه للَّهِ عدوٌّ، خَلَّاه وتَرَكَه، وتَرَكَ الاستغفارَ له، وآثَرَ اللَّهَ وأمْرَه عليه، فتبرَّأَ منه حينَ تَبَيَّنَ له أَمرُه. واختَلف أهلُ التأويلِ في السببِ الذي نَزَلَت هذه الآيةُ فيه؛ فقال بعضُهم: نَزَلَت في شأنِ أبي طالبٍ عمِّ النبيِّ ﷺ ؛ لأن النبيَّ ﷺ أرادَ أن يستغفرَ له بعدَ موتِه، فنَهاه اللَّهُ عن ذلك.

стр. 8093

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا (١) عن محمدُ بنُ عبدِ الأعْلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، [عن مَعْمَرٍ] (٢)، [عن الزهريِّ، عن سعيدِ بن المسيبِ، عن أبيه] (٣)، قال: لمَّا حَضَرَت أبا طالبٍ الوفاة، دَخَلَ عليه النبيُّ ﷺ وعندَه أبو جهلٍ وعبد اللَّهُ بنُ أبي أميةَ، فقال: "يا عَمِّ، قُلْ: لا إله إلا اللَّهُ، كلمةً أُحَاجُّ لك بها عندَ اللَّهِ". فقال له أبو جهلٍ وعبدُ اللَّهُ بنُ أبى أميةَ: يا أبا طالبٍ، أترغبُ عن ملةِ عبدِ المطلبِ؟ فلم يزالا يكلمانِه حتى قالَ آخِرَ شيءٍ تكلَّم به: أنا على ملةِ عبدِ المطلبِ. فقال النبيُّ ﷺ : "لأَسْتَغْفِرَنَّ لك ما لم أُنْهَ عنك". فنَزَلَت: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الآية، ونَزَلَت: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ (٤) [القصص: ٥٦]. حدَّثني أحمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ بن وَهْبٍ، قال: ثنا عمى عبدُ اللَّهِ بنُ وَهْبٍ، قال: ثني يونسُ، عن الزهريِّ، قال: أخبرَني سعيدُ بنُ المسيبِ، عن أبيه، قال: لمَّا حَضَرَت أبا طالبٍ الوفاةُ، جاءه رسولُ اللَّهُ ﷺ فوجَدَ عندَه أبا جهلِ بنَ هشامٍ وعبدَ اللَّهِ بنَ أبي أميةَ بن المغيرةِ، فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "يا عم، قل: لا إله إلا اللَّهُ، كلمةً

стр. 8094

أشْهَدُ لك بها عندَ اللَّهِ". قال أبو جهلٍ وعبدُ اللَّهِ بنُ أبي أميةَ: يا أبا طالبٍ، أترغبُ عن ملةِ عبدِ المطلبِ؟! فلم يَزَلْ رسولُ اللَّهِ ﷺ يَعْرِضُها عليه ويعيدُ له تلك المقالةَ، حتى قال أبو طالبٍ آخِر ما كَلَّمَهم: هو على ملةِ عبدِ المطلبِ. وأبَى أن يقولَ: لا إلهَ إلا اللَّهُ، فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "واللَّهِ لأسْتَغْفِرَنَّ لك ما لم أُنْهَ عنك". فأنْزَل اللَّهُ : ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾، وأنزل اللَّهُ في أبى طالبٍ، فقال لرسولِ اللَّهِ ﷺ : ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ الآية (١) [القصص: ٥٦]. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾. قال: [قولُ المؤمنين] (٢): ألا نستغفرُ لآبائِنا وقد استغفرَ إبراهيمُ لأبيه كافرًا؟ فأنزَل الله: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾ الآية. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شبْلٌ، عن عمرِو بن دينارٍ، أن النبيَّ ﷺ قال: "اسْتَغْفرَ إبراهيمُ لأبيه وهو مُشْرِكٌ، فلا أزالُ أستغفرُ لأبي طالبٍ حتى يَنْهانى عنه رَبِّي". فقال أصحابُه: لنَسْتَغْفرنَّ لآبائِنا كما استغفرَ النبيُّ ﷺ لعَمِّه. فأنزل اللَّهُ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ إلى قوله: ﴿تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ (٣).

стр. 8095

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، عن سفيانَ بن حسينٍ (١)، عن الزهريِّ، عن سعيدِ بن المسيبِ، قال: [لمَّا حُضِر أبو طالبٍ] (٢)، أتاه رسولُ اللَّهِ ﷺ وعندَه عبدُ اللَّهِ بنُ أبي أميةَ وأبو جهلِ بنُ هشامٍ، فقال له رسولُ اللَّهِ ﷺ : "أَيْ عمِّ، إنك أعظمُ الناسِ عليَّ حَقًّا، وأحسنُهم عندى يدًا، ولأنتَ أعظمُ عليَّ حقًّا مِن والِدِي، فقلْ كلمةً تجبُ لى بها الشفاعةُ يومَ القيامةِ؛ قلْ: لا إلهَ إِلا اللَّهُ". ثم ذَكَر نحوَ حديثِ ابن عبدِ الأعْلى عن محمدِ بن ثورٍ (٣). وقال آخرون: بل نَزَلَت في سببِ أُمِّ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، وذلك أنه أرادَ أن يستغفرَ لها فمُنِعَ من ذلك. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أحمدُ بن إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا فُضَيلٌ، عن (٤) عطيةَ، قال: لمَّا قَدِمَ رسولُ اللَّهِ ﷺ ، مكةَ، وَقَفَ على قبرِ أمِّه حتى سَخِنَت عليه الشمسُ؛ رجاءَ أن يُؤذَنَ له فيستغفرَ لها، حتى نَزَلَت: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ إلى قوله: ﴿تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾. حدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا قيسٌ، عن عَلْقمةَ بن مَرْثدٍ، عن سليمانَ بن بُرَيدةَ، عن أبيه، أن النبيَّ ﷺ [لمَّا قدِم مكةَ] (٥) أَتَى رَسْمَ، قال: وأكبرُ (٦)

стр. 8096

ظَنِّي أنه قال: قبرٍ، فجَلَسَ إليه، فجَعَل يُخاطِبُ، ثم قامَ مُسْتَعْبِرًا (١). فقلنا (٢): يا رسولَ اللَّهِ، إنَّا رأينا (٣) ما صنعتَ. قال: "إِنِّي اسْتأذَنتُ رَبِّي في زيارةِ قبرِ أمِّي فأَذِنَ لي، واسْتأذَنتُه في الاسْتغفارِ لها فلم يَأذَنْ لى". فما رُؤِىَ باكيًا أكثرَ مِن يومئذٍ (٤). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ إلى: ﴿أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾: فإن رسول اللَّهِ ﷺ ما أرادَ أن يستغفرَ لأمِّه، فنَهاه اللَّهُ عن ذلك، فقال: "فإنَّ إبراهيمَ خليلَ اللَّهِ قد اسْتَغْفر لأبيه". فأنَزل اللَّهُ : ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ﴾ إلى: ﴿لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ (٥). وقال آخرون: بل نَزَلَت مِن أجلِ أن قومًا من أهلِ الإيمان كانوا يَسْتَغْفِرون لمَوتاهم مِن المشركين، فنُهُوا عن ذلك. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنى عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ

стр. 8097

كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾: فكانوا يَسْتَغْفِرُون لهم حتى نَزَلَت هذه الآيةُ، فلما نَزَلَت (١) أَمْسَكوا عن الاستغفارِ لأمواتِهم، ولم يَنْهَهم أن يَسْتَغْفروا للأحياءِ حتى يَموتوا، ثم أنزَل الله: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾ الآية (٢). حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ الآية: ذُكِرَ لنا أن رجالًا من أصحابِ النبيِّ ﷺ قالوا: يا نبيَّ اللَّهِ، إن مِنْ آبائِنَا مَن كان (٣) يُحْسِنُ الجِوارَ، ويَصِلُ الأرحامَ، ويَفُلُّ العانيَ، ويُوفِي بالذِّمَمِ، أفلا نستغفرُ لهم؟ قال: فقال النبيُّ ﷺ : "بلى، واللَّهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لأبي كما اسْتغفَرَ إبراهيمُ لأبيه". قال: فأنزَل اللَّهُ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ حتى بَلَغَ ﴿الْجَحِيمِ﴾، ثم عَذَرَ اللَّهُ إبراهيمَ فقال: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾. قال: وذُكِرَ لنا أن نبيَّ اللَّهِ ﷺ قال: "أُوحِيَ إليَّ كلماتٌ فَدَخَلْنَ فِي أُدْنِي وَوَقَرْنَ فِي قلبي؛ أُمِرتُ أن لا أستغفِرَ لَمن ماتَ مُشْرِكًا، ومَن أعطَى فضلَ مالِه فهو خيرٌ له، ومَن أمسَكَ فهو شرٌّ له، ولا يلومُ اللَّهُ على كَفافٍ" (٤). واختَلف أهلُ العربيةِ في معنى قولِه: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾.

стр. 8098

فقال بعضُ نَحويى البصرةِ: معنى ذلك: ما كان لهم الاستغفارُ، وكذلك معنى قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ﴾ [يونس: ١٠٠]: وما كان لنفسٍ الإيمانُ ﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. وقال بعض نحويى الكوفةِ: معناه: ما كان يَنْبَغِى لهم أن يَسْتَغْفِرُوا لهم. قال: وكذلك إذا جاءت "أن" مع "كان"، فكلُّها بتأويلِ: ينبغي؛ ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ [آل عمران: ١٦١]: ما كان يَنْبَغِي له، ليس هذا من أخلاقِه. قال: فلذلك إذا (١) دَخَلَت "أن" تدلُّ على الاستقبال؛ لأن "ينبغي" تطلب (٢) الاستقبالَ. وأما قوله: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾، فإن أهلَ التأويلِ (٣) اخْتَلَفوا في السببِ الذي أُنزِل فيه؛ فقال بعضُهم: أُنزِل مِن أجلِ أن النبيَّ ﷺ وأصحابَه كانوا يَسْتَغْفرون لمَوتاهم المشركين، ظَنًّا منهم أن إبراهيمَ خليلَ الرحمنِ قد فَعَل ذلك حينَ أنزَل اللَّهُ قولَه خبرًا عن إبراهيمَ: ﴿قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٧]. وقد ذَكَرنا الروايةَ عن بعضِ مَن حَضَرَنا ذكرُه، [وسنذكُرُ عمَّن لم نذكُرْه] (٤). حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الخليلِ، عن عليٍّ، قال: سمِعتُ رجلًا يستغفرُ لوالدَيه وهما مُشْرِكان، [فقلتُ له: أتستغفِرُ لهما وهما مُشْرِكان] (٥)؟ فقال: أوَ لم يستغفِرْ إبراهيمُ

стр. 8099

لأبيه؟ قال: فأتيتُ النبيَّ ﷺ فذكَرتُ ذلك له، فأنزَل الله: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا﴾ (١) إلى ﴿تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ (٢). حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا يحيى، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الخليلِ، عن عليٍّ، أن النبيَّ ﷺ كان يستغفِرُ لأبوَيه وهما مُشْرِكان، حتى نَزَلَت: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ﴾ إلى قولِه: ﴿تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ (٣). وقيل: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ﴾، ومعناه: إلا مِن بعدِ موعدةٍ، كما يقالُ: ما كان هذا الأمرُ إلا عن سببِ كذا. بمعنى: مِن بعدِ ذلك السببِ أو مِن أجلِه. فكذلك قولُه: ﴿إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ﴾: مِن أجلِ موعدةٍ وبعدَها. وقد تأوَّلَ قومٌ قولَ اللَّهِ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ الآية، أن النَّهْيَ مِن اللَّهِ عن الاستغفارِ للمشركين بعدَ مَماتِهم؛ لقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾. وقالوا: ذلك لا يَتَبيَّنُه أحدٌ إلا بأن يموتَ على كفرِه، وأمَّا وهو حيٌّ فلا سبيلَ إلى علمِ ذلك، فللمؤمنين أن يَسْتغفروا لهم.

стр. 8100

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا سليمانُ بن عمرَ الرَّقِّيُّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ المباركِ، عن سفيانَ الثوريِّ، عن الشَّيْبانيِّ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، قال: ماتَ رجلٌ يهوديٌّ وله ابنٌ مسلمٌ فلم يخرُجْ معه، فذُكِر ذلك لابنِ عباسٍ فقال: كان يَنْبغِي له أن يمشِىَ معه ويَدْفِنَه ويَدْعوَ له بالصلاحِ ما دامَ حيًّا، فإذا ماتَ وَكَلَه إلى شأنِه. ثم قال: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾: لم يَدْعُ (١). حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا ابن (٢) فُضَيلٍ، عن ضِرَارِ بن مُرَّةَ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ قال: ماتَ رجلٌ نَصْرانيٌّ، فوَكَلَه ابنُه إلى أهلِ دينِه، فأتيتُ ابنَ عباسٍ فذَكَرتُ ذلك له، فقال: ما كان عليه لو مَشَى معه وأَجَنَّه واستغفَر له. ثم تَلَا: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾ الآية (٣). وتأوَّلَ آخرون الاستغفارَ في هذا الموضعِ بمعنى الصلاةِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: ثنا كثيرُ بنُ هشامٍ، عن جعفرِ بن بُرْقانَ، قال: ثنا حبيبُ بنُ أبى مرزوقٍ، عن عطاءِ بن أبي رباحٍ، قال: ما كنتُ أَدَعُ الصلاةَ على أحدٍ مِن أهلِ هذه القبلةِ، ولو كانت حَبَشِيَّةً حُبْلَى مِن الزِّنا؛ لأنى لم أَسْمَعِ اللَّهَ يَحْجُبُ الصلاةَ إلا عن المشركين، يقولُ اللَّهُ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ

стр. 8101

آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ (١). وتأوَّله آخرون بمعنى الاستغفارِ الذي هو دعاءٌ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن عصمةَ بن زاملٍ (٢)، عن أبيه، قال: سَمِعتُ أبا هريرةَ يقولُ: رَحِمَ اللَّهُ رجلًا استغفَر لأبي هريرةَ ولأمِّه. قلت: ولأبيه؟ قال: لا، إن أبى ماتَ وهو مشركٌ (٣). قال أبو جعفرٍ: وقد دَلَّلنا على أن معنى الاستغفارِ مسألةُ العبدِ ربَّه غَفْرَ الذنوبِ (٤). وإذ كان ذلك كذلك، وكانت مسألةُ العبدِ ربَّه ذلك قد تكونُ في الصلاةِ وفي غيرِ الصلاةِ، لم يكُنْ أحدُ القولَين اللذين ذَكَرنا فاسدًا؛ لأن اللَّهَ قد (٥) عَمَّ بالنهيِ عن الاستغفارِ للمشركِ بعدَما تبَيَّنَ له أنه مِن أصحابِ الجحيمِ، ولم يُخصِّصْ مِن ذلك حالًا أباحَ فيها الاستغفارَ له. وأما قولُه: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾، فإن معناه ما قد بَيَّنتُ مِن أنه: من بعدِ ما يَعْلَمون (٦) بموتِه كافرًا أنه مِن أهلِ النارِ. وقيل: ﴿أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾؛ لأنهم سكانُها وأهلُها الكَائِنون فيها، كما يقالُ لسُكَّانِ الدارِ: هؤلاء أصحابُ هذه الدارِ. بمعنى: سُكَّانُها. وبنحوِ ما قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

стр. 8102

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾. قال: تَبَيَّنَ للنبيِّ ﷺ أن أبا طالبٍ حينَ [ماتَ أن التوبةَ قد انْقطَعَت عنه (١). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ، قال: تَبَيَّنَ له حينَ] (٢) ماتَ، وعَلِمَ أن التوبة قد انْقطَعَت عنه (٣). يعنى في قولِه: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ (٤). حُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سَمِعتُ أبا مُعاذٍ، قال: ثنا عُبَيدُ بنُ سليمانَ، قال: سَمِعتُ الضَّحَّاكَ في قولِه: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الآية. يقولُ: إذا ماتوا مُشْرِكِين، يقول الله: [﴿إِنَّهُ مَنْ] (٥) يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ الآية [المائدة: ٧٢]. واختَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾؛ قال بعضُهم: معناه: فلمَّا تَبَيَّنَ له بموته مشركًا باللَّهِ تَبرَّأَ منه وتَرَكَ الاستغفارَ له. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن حبيبٍ،

стр. 8103

عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: ما زالَ إبراهيمُ يستغفِرُ لأبيه حتى مات، ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ (١). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدَّثنا أبى، عن سفيانَ، عن حبيبٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: ما زال إبراهيمُ يستغفِرُ لأبيه حتى مات، فلما ماتَ تَبَيَّنَ له أنه عدوٌّ للَّهِ. حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ، عن حبيبِ بن أبي ثابتٍ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: لم يزَلْ إبراهيم يستغفِرُ لأبيه حتى ماتَ، فلما ماتَ لم يستغفِرْ له. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبد اللَّهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾: يعنى: استغفَر له ما كان حيًّا، فلما ماتَ أمسكَ عن الاستغفارِ له. حدَّثني مَطَرُ بنُ محمدٍ الضَّبِّيُّ، قال: ثنا أبو عاصمٍ وأبو قُتَيبةَ سَلْمُ بنُ قُتَيبةَ، قالا: ثنا شعبةُ، عن الحَكَمِ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾. قال: لمَّا ماتَ (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحَكَمِ، عن مجاهدٍ مثلَه.

стр. 8104

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ﴾. قال: موتُه وهو كافرٌ. حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنى أبي، عن شُعْبَةَ، عن الحَكَمِ، عن مجاهدٍ مثلَه. قال: ثنا [ابن أبي غَنِيَّةَ] (١)، عن أبيه، عن الحَكَمِ: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾. قال: حينَ ماتَ ولم يُؤْمِنْ (٢). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن عمرِو بن دينارٍ: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾: موتُه وهو كافرٌ. قال: ثنا عمرُو بنُ عَوْنٍ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن جُوَيبرٍ، عن الضَّحَّاكِ في قولِه: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾. قال: لمَّا ماتَ (٣). حدَّثنا بشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ﴾: لمَّا ماتَ على شِرْكِه تَبَرَّأَ منه (٤). حُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ، يقولُ: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ﴾: كان إبراهيمُ، صلواتُ اللَّهِ عليه، يَرْجُو أَن يُؤْمِنَ أبوه ما دامَ حَيًّا، فلما ماتَ على شِرْكِه تَبَرَّأ منه. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجُ، عن ابن جُرَيجٍ، عن

стр. 8105

مجاهدٍ: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾. قال: موتُه وهو كافرٌ. حدَّثنا أحمدُ (١) بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن حبيبِ بن أبي ثابتٍ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: ما زالَ إبراهيمُ يستغفِرُ لأبيه حتى ماتَ، فلما ماتَ تَبَيَّنَ له أنه عدوٌّ اللَّهِ فلم يستغفِرْ له (٢). قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا أبو (٣) إسرائيلَ، عن عليِّ بن بَذِيمةَ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ﴾. قال: فلمَّا ماتَ. وقال آخرون: معناه: فلما تَبَيَّنَ له في الآخرةِ، وذلك أن أباه يَتَعلَّقُ (٤) به إذا أرادَ أن يَجوزَ الصراطَ، فيَمُرُّ به عليه، حتى إذا كادَ أن يُجاوِزَه حانَتْ مِن إبراهيمَ التِفاتةٌ، فإذا هو بأبيه في صورةِ قِرْدٍ أو ضَبُعٍ، فخَلَّى (٥) عنه وتَبَرَّأ منه حينَئذٍ (٦). ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا حفصُ بنُ غياثٍ، قال: ثنا [عبدُ الملكِ بنُ أبي سليمانَ] (٧)، قال: سمِعتُ سعيدَ بنَ جُبَيرٍ يقولُ: إن إبراهيمَ يقولُ يومَ القيامةِ: ربِّ والدى، ربِّ والدى. فإذا كانت (٨) الثالثةُ أَخَذَ بيدِه، فيَلْتَفِتُ إليه وهو ضِبْعانٌ (٩) فيَتَبَرَّأُ

стр. 8106

منه. حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن عُبَيدِ بن عُمَيرٍ، قال: إنكم مَجموعون يومَ القيامةِ في صعيدٍ واحدٍ، يُسْمِعُكم الداعى، ويَنْفُذُكم البصرُ. قال: فتَزْفِرُ جهنمُ زَفْرةً لا يَبْقَى مَلَكٌ مُقَرَّبٌ ولا نبيٌّ مُرسَلٌ إِلا وَقَعَ لرُكْبَتَيه، تُرْعَدُ فرائصُه. قال: فحَسِبْتُه يقولُ: نَفْسي نَفْسى. قال: ويُضْرَبُ الصِّراطُ على جِسْرِ (١) جهنمَ كحدِّ السيفِ، دَحْضٌ مَزَلَّةٌ، وفي جانبَيه ملائكةٌ معهم خَطاطيفُ كشوكِ السَّعْدانِ. قال: فَيَمْضُون كالبرقِ، وكالريحِ، وكالطيرِ، وكأجاويدِ الرِّكابِ، وكأجاويدِ الرجالِ، والملائكةُ يقولون: رَبَّ سَلِّمْ سَلِّمْ. فناجٍ سالمٌ، ومخدوشٌ ناجٍ، ومكدوسٌ (٢) في النارِ، فيقولُ إبراهيمُ لأبيه: إنى كنتُ آمُرُك في الدنيا فتَعْصِيني، ولستُ تارِكَك اليومَ، فخُذْ بحَقْوِى (٣). فيأخُذُ بِضَبْعَيْه (٤)، فيُمْسَخُ ضَبْعًا، فإذا رَآه قد مُسِخَ تَبرَّأَ منه (٥). وأَوْلى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ اللَّهِ؛ وهو خبرُه عن إبراهيمَ أنه لمَّا تَبَيَّن له أن أباه للَّهِ عدو تَبرَّأَ منه، وذلك حالَ علمِه ويقينِه أنه للَّهِ عدوٌّ وهو به مشركٌ، وهو حالُ ثُبُوتِه (٦) على شِرْكِه. القولُ في تأويلِ قوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾.

стр. 8107

اختَلَف أهلُ التأويلِ في معنى (١) "الأَوَّاهِ"؛ فقال بعضُهم: هو الدَّعَّاءُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عاصمٍ، عن زِرٍّ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: الأَوَّاهُ الدَّعَّاءُ (٢). حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ وابن وكيعٍ، قالا: ثنا أبو بكرٍ، عن عاصمٍ، عن زِرٍّ، عن عبدِ الله، قال: الأَوَّاهُ الدَّعَّاءُ. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهْبٍ، قال: ثني جريرُ بنُ حازمٍ، عن عاصمِ بن بَهْدلةَ، عن زِرِّ بن حُبَيشٍ، قال: سألتُ عبدَ اللَّهِ عن الأَوَّاهِ، فقال: هو الدَّعَّاءُ. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بِشْرٍ، عن ابن أبي عَروبةَ، عن عاصمٍ، عن زِرٍّ، عن عبدِ اللَّهِ مثلَه. قال: ثنا قبيصةُ، عن سفيانَ، عن عبدِ الكريمِ، عن أبي عبيدةَ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: الأَوَّاهُ الدُّعَاءُ. قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن عاصمٍ، عن زِرٍّ، عن عبدِ اللَّهِ مثلَه. حدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ وإسرائيلُ، عن عاصمٍ، عن زِرٍّ، عن عبدِ الله مثلَه. حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: ثنا

стр. 8108

داود بن أبي هند، قال: نُبِّئتُ عن عُبَيدِ بن عُمَيرٍ، قال: الأَوَّاهُ، الدعاءُ. حدَّثني إسحاقُ بنُ شاهينَ، قال: ثنا داودُ، [عن عبدِ اللَّهِ بن عبيدٍ، قال: الأَوَّاهُ الدَّعَّاءُ. حدَّثني ابن المُثَنَّى، قال: حدَّثني عبدُ الأَعْلَى، قال: حدَّثنا داود] (١)، عن عبدِ اللَّهِ بن عُبيد بن عميرٍ الليثيِّ، عن أبيه، قال: الأَوَّاه الدَّعَّاءُ. وقال آخرون: بل هو الرحيمُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن سَلَمةَ، عن مسلمٍ البَطِينِ، عن أبي العُبَيْدَيْنِ، قال: سُئِل عبدُ اللَّهِ عن الأوَّاهِ، فقال: الرحيمُ (٢). حدَّثني محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنى محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحَكَمِ، قال: سمِعتُ يحيى بنَ الجَزَّارِ يُحدِّثُ، عن أبي العُبَيْدَيْنِ - رجلٍ ضَرِيرِ البصرِ - أنه سأَل عبدَ اللَّهِ عن الأَوَّاهِ، فقال: الرحيمُ (٣). حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا المُحارِبيُّ، وحدَّثنا خَلَّادُ بنُ أسلمَ، قال: أخبَرنا النضرُ بنُ شُمَيلٍ، جميعًا عن المسعوديِّ، عن سَلَمَةَ بن كُهَيلٍ، عن أبي العُبَيْدَيْنِ، أَنه سأل ابنَ مسعودٍ فقال: ما الأَوَّاهُ؟ قال: الرحيمُ. حدَّثني زكريا بنُ يحيى بن أبي زائدةَ، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن الأعْمشِ، عن

стр. 8109

الحَكَمِ، عن يحيى بن الجَزَّارِ، عن أبي العُبَيْدَيْنِ، أنه جاء إلى عبد الله - وكان ضريرَ البصرِ - فقال: يا أبا عبدِ الرحمنِ، مَن نسألُ إذا لم نسألْك؟ فكأَنَّ ابن مسعودٍ رَقَّ له، قال: أخبِرْني عن الأوَّاهِ؟ قال: الرحيمُ (١). حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا وكيعٍ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن سَلَمةَ بن كَهَيلٍ، عن مسلمٍ البَطِينِ، عن أبي العُبَيْدَيْنِ، قال: سألتُ عبدَ اللَّهِ عن الأوَّاه، فقال: هو الرحيمُ. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن الأعْمشِ، عن الحَكَمِ، عن يحيى بن الجَزَّارِ، قال: جاء أبو العُبَيْدَيْنِ إلى عبدِ اللَّهِ فقال له: ما حاجتُك؟ قال: ما الأَوَّاهُ؟ قال: الرحيمُ. قال: ثنا ابن إدريسَ، عن الأعْمشِ، عن الحَكَمِ، عن يَحيى بن الجَزَّارِ، عن أبي العُبَيْدَيْنِ - رجلٍ مِن بنى سُواءةَ (٢) - قال: جاء رجلٌ إلى عبدِ اللَّهِ فسأله عن الأوَّاءِ، فقال له عبدُ اللَّهِ: الرحيمُ. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا المُحارِبيُّ وهانئُ بنُ سعيدٍ، عَن حَجَّاجٍ، عن الحَكَمِ، عن يحيى بن الجَزَّارِ، عن أبي العُبَيْدَيْنِ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: الأَوَّاهُ الرحيمُ. حدَّثني يعقوبُ وابنُ وكيعٍ قالا: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عَن شعبةَ، عن الحَكَمِ، عن يحيى بن الجَزَّارِ، أن أبا العُبَيْدَيْنِ رجلٌ مِن بنى نُمَيرٍ - قال يعقوبُ: كان ضريرَ البصرِ. وقال ابن وكيعٍ: كان مكفوفَ البصرِ - سأَل ابنَ مسعودٍ فقال: ما الأوَّاهُ؟ قال: الرحيمُ.

стр. 8110

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن زكريا، عن أبي إسحاقَ، عن أبي مَيْسرةَ، قال: الأوَّاهُ الرحيمُ (١). قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي مَيْسرةَ مثلَه. حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي مَيْسرةَ مثلَه. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بِشْرٍ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن الحسنِ، قال: هو الرحيمُ (١). حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كُنَّا نُحدَّثُ أن الأوَّاهَ الرحيمُ. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ﴾. قال: رحيمٌ (٢). [وقال] (٣) عبدُ الكريمِ الجَزَرِيُّ، عن أبي عبيدةَ، عن ابن مسعودٍ مثلَ ذلك (٤). حدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن عبدِ الكريمِ، عن أبي عبيدةَ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: الأَوَّاهُ الرحيمُ (٥). حدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن سَلَمةَ، عن مسلمٍ

стр. 8111

البَطِينِ، عن أبي العُبَيْدَيْنِ، أنه سأل عبدَ اللَّهِ عن الأَوَّاهِ، فقال: الرحيمُ. قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن عمرِو بن شُرَحْبيلَ، قال: الأَوَّاهُ الرحيمُ. حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا مباركٌ، عن الحسنِ، قال: الأوَّاه، الرحيمُ بعبادِ اللَّهِ. قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو خَيْثمةَ زهيرٌ، قال: ثنا أبو إسحاقَ الهَمْدانيُّ، عن أبي مَيْسرةَ (١) عمرِو بن شُرَحْبيلَ، قال: الأَوَّاهُ: الرحيمُ، بلحنِ الحبشةِ (٢). وقال آخرون: بل هو المُوقِنُ (٣). ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا وكيعٍ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن قابوسَ، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: الأَوَّاهُ المُوقِنُ (٤). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يَحيى بنُ آدمَ، عن ابن مُباركٍ، عن خالدٍ، عن عِكْرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: الأَوَّاهُ المُوقِنُ، بلسانِ الحبشةِ (٥). قال: ثنا حميدُ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن حسنٍ، عن مسلمٍ، عن مجاهدٍ، عن

стр. 8112

ابن عباسٍ، قال: الأَوَّاه الموقنُ، بلسانِ الحبشةِ (١). حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: سَمِعتُ سفيانَ، يقولُ: الأَوَّاهُ المُوقِنُ. وقال بعضُهم: الفَقِيهُ المُوقِنُ. حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ، عن جابرٍ، عن عطاءٍ، قال: الأوَّاهُ المُوقِنُ، بلسانِ الحبشةِ (٢). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن أبيه، عن رجلٍ، عن عكرمةَ، قال: هو المُوقِنُ (٢). قال: ثنا ابن نُمَيرٍ، عن الثوريِّ، عن مُجالدٍ، عن أبي هاشمٍ، عن مجاهدٍ، قال: الأَوَّاهُ المُوقِنُ (٣). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن مسلم، عن مجاهدٍ، قال: الأَوَّاهُ المُوقِنُ (٤). قال: أخبَرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن قابوسَ، عن أبي ظَبْيانَ، عن ابن عباسٍ، قال: الأَوَّاهُ: المُوقِنُ. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن

стр. 8113

مجاهدٍ: أَوَّاهٌ: مُوقِنٌ (١). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: أَوَّاهٌ، قال: مُؤْتَمِنٌ مُوقِنٌ. حُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سَمِعتُ أبا مُعَاذٍ، يقولُ: أَخبَرنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾. قال: الأوَّاهُ المُوقِنُ (٢). وقال آخرون: هي كلمةٌ بالحبشيةِ، معناها المؤمنُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾. قال: الأوَّاه هو المؤمنُ بالحبشيةِ (٣). حدَّثنا عليُّ بن داودَ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ﴾: يعنى المؤمنَ التَّوَّابَ (٤). حدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا حسنُ بنُ صالحٍ، عن مسلمٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ، قال: الأوَّاهُ المؤمنُ (٥). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حَجَّاجُ، عن ابن جُرَيجٍ: الأَوَّاهُ

стр. 8114

المؤمنُ (١)، بالحبشيةِ (٢). وقال آخرون: هو المُسبِّحُ الكثيرُ الذكرِ اللَّهِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن سالمٍ، عن سعيدٍ، قال: الأوَّاهُ المُسبِّحُ (٣). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا المُحاربيُّ، عن حَجَّاجٍ، عن الحَكَمِ، عن الحسنِ بن مسلمِ بن يَنَّاقٍ، أن رجلًا كان يُكْثِرُ ذكرَ اللَّهِ ويُسَبِّحُ، فذكر ذلك للنبيِّ ﷺ فقال: "إنَّه أوَّاهٌ" (٤). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا [زيدُ بنُ حبابٍ] (٥)، عن ابن لَهِيعَةَ، عن الحارثِ بن يزيدَ، عن عليِّ بن رباحٍ، عن عقبةَ بن عامرٍ، قال: الأوَّاهُ الكثيرُ الذكرِ الله (٦). وقال آخرون: هو الذي يُكْثِرُ تلاوةَ القرآنِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ، قال: ثنا المِنْهالُ بنُ خليفةَ، عن حَجَّاجِ بن أرطاةَ، عن عطاءٍ، عن ابن عباسٍ، أن النبيَّ ﷺ دَفَنَ مَيِّتًا فقال: "يَرْحَمُكَ اللَّهُ، إِن

стр. 8115

كنتَ لأَوَّاهًا". يعنى تَلاءُ للقرآنِ (١). وقال آخرون: هو مِن التأوُّهِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي يونسَ القُشَيريِّ، عن قاصٍّ (٢) كان بمكةَ، أن رجلًا كان في الطوافِ فَجَعَل يقولُ: أَوَّهْ. قال: فَشَكاه أبو ذَرٍّ [إلى النبيِّ] (٣) ﷺ فقال: "دَعْهُ، إِنَّه أَوَّاهٌ". حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن شُعبةً، عن أبي يونسَ الباهليِّ، قال: سمِعتُ رجلًا بمكةَ كان أصلُه روميًّا، يُحدِّثُ عن أبي ذرٍّ، قال: كان رجلٌ يطوفُ بالبيتِ ويقولُ في دُعائِهِ: أَوَّهْ أَوَّهْ. فذُكِر ذلك للنبيِّ ﷺ فقال: "إنَّه أَوَّاهٌ". زادَ أبو كُرَيبٍ في حديثِه قال: فخَرَجتُ ذاتَ ليلةٍ، فإذا رسولُ اللَّهِ ﷺ يَدْفِنُ ذلك الرجلَ ليلًا ومعه المصباحُ (٤). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا زيدُ بن الحُبابِ، عن جعفرِ بن سليمانَ، قال: ثنا أبو عِمْرانَ، عن عبدِ اللَّهِ بن رباحٍ، عن كعبٍ، قال: الأَوَّاهُ إِذا ذَكَر النارَ قال: أَوَّهْ (٥).

стр. 8116

حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ بنُ (١) عبدِ الصمدِ العَمِّيُّ (٢)، عن أبي عِمْران الجَوْنيِّ، عن عبدِ الله بن رباحٍ، عن كعبٍ، قال: كان إِذا ذَكَرَ النارَ قال: أَوَّهْ. حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، عن جعفرِ بن سليمانَ، قال: أخبَرنا أبو عِمْرانَ، قال: سمِعتُ عبدَ اللَّهِ بنَ رباحٍ الأنصاريَّ يقولُ: سمِعتُ كعبًا يقولُ: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ﴾. قال: إذا ذَكَر النارَ قال: أَوَّهْ مِن النارِ. وقال آخرون: معناه أنه فَقِيهٌ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ﴾. قال: فَقِيهٌ. وقال آخرون: هو المتُضَرِّعُ الخاشعُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحَجَّاجُ بنُ المِنْهالِ، قال: ثنا عبدُ الحميدِ بنُ بَهْرامَ، قال: ثنا شهرُ بنُ حوشبٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن شَدَّادِ بن الهادِ، قال: بينَما رسولُ اللَّهِ ﷺ جالسٌ، قال رجلٌ: يا رسولَ اللَّهِ، ما الأَوَّاهُ؟ قال: "المتُضَرِّعُ". قَالَ: " ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ " (٣). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَغْراءَ، عن

стр. 8117

عبدِ الحميدِ، عن شهرٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن شدادٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "الأَوَّاهُ الخاشعُ المتُضَرِّعُ". وأَوْلى الأقوالِ في ذلك عندى بالصواب القولُ الذي قاله عبدُ اللَّهِ بنُ مسعودٍ، الذي رَواه عنه زِرٌّ، أنه الدَّعَّاءُ. وإنما قلنا ذلك أَولى بالصوابِ؛ لأن الله ذَكَرَ ذلك ووَصَف به إبراهيمَ خليلَه، صلواتُ اللَّهِ عليه، بعدَ وَصْفه إيَّاه بالدُّعاءِ والاستغفارِ لأبيه، فقال: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ وتَرَكَ الدعاءَ والاستغفارَ له، ثم قال: إن إبراهيم لدعَّاءٌ لربِّه (١)، شاكٍ له، حليمٌ عمَّن سَبَّه ونالَه بالمكروهِ. وذلك أنه، صلواتُ اللَّهِ عليه، وَعَدَ أباه بالاستغفارِ له ودعاءِ اللَّهِ له بالمغفرةِ عندَ وعيدِ أبيه إياه وتَهدُّدِه له بالشتمِ بعدَما رَدَّ عليه نصيحتَه في اللَّهِ وقولِه: ﴿أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾. فقال له صلواتُ اللَّهِ عليه: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (٤٧) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ [مريم: ٤٦ - ٤٨] فوفَى لأبيه بالاسْتغفارِ له حتى تَبَيَّنَ له أنه عدوٌّ للَّهِ، فوَصَفَه اللَّهُ بأنه دَعَّاءٌ لربِّه، حليمٌ عمَّن سَفِهَ عليه. وأصلُه مِن التأوُّهِ؛ وهو التَّضَرُّعُ والمسألةُ بالحُزْنِ والإشفاقِ، كما رَوَى عبدُ اللَّهِ بن شَدَّادِ عن النبيِّ ﷺ ، وكما رَوَى عقبةُ بنُ عامرٍ الخبرَ الذي حدَّثَنيه يَحيى بنُ عثمانَ بن صالحٍ السَّهْمِيُّ، قال: ثنا أبى، قال: ثنا ابن لَهِيعَةَ، قال: ثني الحرثُ بنُ يزيدَ، عن عليّ بن رباحٍ، عن عقبةَ بن عامرٍ، أنه قال لرجلٍ يقالُ له: ذو البِجادَيْنِ:

стр. 8118

إنه أوَّاهٌ". وذلك أنه رجلٌ كان يكثِرٌ ذكرَ اللَّهِ بالقرآنِ والدعاءِ، ويرفَعُ صوتَه (١). ولذلك قيل للمُتوجِّعِ مِن أَلمٍ أو مرضٍ: لم (٢) تَتأَوَّهُ. كما قال المُثَقَّبُ العَبْدِيُّ (٣): إذا ما قُمْتُ أَرْحَلُها بِلَيْلٍ … تَأوَّهُ آهَةَ الرَّجُلِ الحَزَينِ ومنه قولُ الجَعْدِيِّ (٤): ضرُوحٍ مَرُوحٍ تُتْبِعُ الوُرْقَ بَعْدَما … يُعَرِّسْنَ شكوى (٥) آهَةً وتَذَمُّرَا (٦) ولا تكادُ العربُ تَنْطِقُ منه بـ "فعَل يَفْعُلُ"، وإنما تقولُ فيه: تَفَعَّل يَتَفعَّلُ. مثل: تأوَّه يتأوَّهُ، وأَوَّه يُؤَوَّهُ. كما قال الراجزُ: * فَأَوَّهَ الرَّاعِى وَضَوْضَى (٧) أكْلُبُهْ * وقالوا أيضًا: أَوَّهْ منك. ذكر الفراءُ (٨) أن أبا الجَرَّاحِ أَنشَدَه: فأَوِّهُ مِن الذِّكْرَى إِذا ما ذَكَرْتُها … ومِن بُعْدِ أَرضٍ بَيْنَنَا وسَماءِ

стр. 8119

قال: وربما أَنشَدنا: "فَأَو مِن الذِّكْرَى" بغير هاءٍ. ولو جاء "فعَل" منه على الأصلِ لكان: آه يَئُوهُ أَوْهًا. ولأن معنى ذلك تَوجَّعَ وتَخَزَّنَ وتَضرَّعَ، اختَلَف أهلُ التأويلِ فيه الاختلافَ الذي ذكرتُ؛ فقال مَن (١) قال معناه الرحمةُ: إِنَّ ذلك كان مِن إبراهيم على وجهِ الرِّقَّةِ على أبيه، والرحمةِ له ولغيرِه مِن الناسِ. وقال آخرون: إنما كان ذلك منه لصحةِ يَقينِه، وحسن معرفته بعظمة اللَّهِ، وتواضعِه له. وقال آخرون: كان لصحةِ إيمانِه بربِّه. وقال آخرون: كان ذلك منه عندَ تلاوتِه تنزيلَ اللَّهِ الذي أنزَله عليه. وقال آخرون: كان ذلك منه عندَ ذكرِ (٢) ربِّه. وكلُّ ذلك عائدٌ إلى ما قلتُ، وتَقارَبَ معنى بعض ذلك من بعضٍ؛ لأن الحزينَ المُتَضَرِّعَ إلى ربِّه، الخاشعَ له بقلبِه، يَنوبُه ذلك عند مسألِته ربَّه ودعائِه إيَّاه في حاجتِه، وتَعْتَورُه هذه الخِلالُ التي وَجَّهَ المفسِّرون إليها تأويلَ قولِ اللَّهِ: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾. القول في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١٥)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وما كان اللَّهُ ليَقْضِيَ عليكم في استغفارِكم لمَوْتاكم

стр. 8120

المشركين - بالضلالِ، بعدَ إذ رَزَقَكم الهدايةَ، وَوَفَّقَكم للإيمانِ به وبرسولِه، حتى يَتَقدَّمَ إليكم بالنَّهْيِ عنه، فتترُكوا الانتهاءَ عنه، فأما قبلَ أن يُبَيِّنَ لكم كراهيةَ ذلك بالنهيِ عنه، ثم تتَعدَّوْا نهيَه إلى ما نَهاكم عنه، فإنه لا يَحكُمُ عليكم بالضلالِ؛ لأن الطاعةَ والمعصيةَ إنما يكونان مِن المأمورِ والمَنَّهِيِّ، فأما مَن لم يُؤمَرُ ولم يُنْهَ، فغيرُ كائنٍ مُطِيعًا أو عاصيًا، فيما لم يُؤمَرُ به ولم يُنْهَ عنه. ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن اللَّهَ ذو علمٍ بما خالَطَ أنفسَكم عندَ نَهْيِ اللَّهِ إِياكم عن الاستغفارِ لمَوْتاكم المشركين، من الجَزَعِ على ما سَلَفَ منكم مِن الاسْتغفارِ لهم قبلَ تَقَدُّمه إليكم بالنهيِ عنه، وبغيرِ ذلك مِن سَرائرِ أمورِكم وأمورِ عبادِه وظَواهرِها، فبَيَّنَ لكم حِلْمَهُ (١) في ذلك عليكم؛ ليَضَعَ عنكم ثِقَلَ الوَجْدِ بذلك. وبنحو ما قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾. قال: بيانُ اللَّهِ للمؤمنين في الاستغفار للمشركين خاصةً، وفي بيانِه طاعتَه ومعصيتَه عامةً (٢)، [فافْعَلوا أو ذَرُوا] (٣). حدَّثني المُثَنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن

стр. 8121

مجاهدٍ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾. قال: بيانُ اللَّهِ للمؤمنين [أن لا يَسْتَغْفروا] (١) للمشركين خاصةً، وفي بيانِه (٢) طاعتُه ومعصيتُه عامةً، فافْعَلوا أو ذَرُوا. قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، نحوَه (٣). حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ، قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾. قال: يُبَيِّنُ الله للمؤمنين في أن لا يَسْتَغْفروا للمشركين، في بيانِه (٤) في طاعتِه وفي معصيتِه، فافعَلوا أو ذَرُوا. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١١٦)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن الله، أيُّها الناسُ، له سلطانُ السماواتِ والأرضِ ومُلْكُهما، وكلُّ مَن دونَه مِن الملوكِ فعبيدُه ومماليكُه، بيده حياتُهم وموتُهم، يُحْيى مَن يشاءُ منهم، ويُمِيتُ مَن يشاءُ منهم، فلا تَجْزَعوا، أَيُّها المؤمنون، مِن قتالِ مَن كفَر بى من الملوكِ؛ ملوكَ الرومِ كانوا أو ملوكَ فارسَ والحبشةِ أو غيرَهم (٥)، وجاهِدُوهم في طاعتى، فإنىَ المُعِزُّ مَن أشاءُ منهم ومنكم، والمُذِلُّ مَن أَشَاءُ.

стр. 8122

وهذا حَضٌّ مِن اللَّهِ، جلّ ثناؤُه، المؤمنين على قتالِ كلِّ مَن كفَر به مِن المماليكِ، وإغراءٌ منه لهم بحَرْبِهم. وقوله: ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾. يقولُ: وما لكم مِن أحدٍ هو لكم حَليفٌ مِن دونِ اللَّهِ، يُظاهِرُكم عليه، إن أنتم خالَفْتُم أمرَ اللَّهِ فَعاقَبَكم على خلافِكم أمرَه؛ يَسْتَنْقِذُكم مِن عقابِه، ولا نصيرٍ يَنْصُرُكم منه، إن أرادَ بكم (١) سُوءًا. يقولُ: فباللَّهِ فثِقُوا، وإيَّاه فارْهَبوا، وجاهِدوا في سبيلِه مَن كفَر به، فإنه قد اشْتَرَى منكم أنفسَكم وأموالَكم بأن لكم الجنةَ، تُقاتِلون في سبيلِه فتَقْتُلون وتُقْتَلون. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ (٢) قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: لقد رزَق اللَّهُ الإنابةَ إلى أمرِه وطاعتِه، نبيَّه محمدًا، ﷺ ، والمهاجرين ديارَهم وعشيرتَهم إلى دارِ الإسلامِ، وأنصارَ رسولِه في اللَّهِ، الذين اتَّبَعوا رسولَ اللَّهِ ﷺ في ساعةِ العُسْرةِ منهم؛ من النفقة والظَّهْرِ والزَّادِ والماءِ، ﴿مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ (٣) قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ﴾. يقولُ: مِن بعدِ ما كادَ يَميلُ قلوبُ بعضهم عن الحقِّ، ويَشُكُّ في دينِه، ويَرْتابُ بالذي نالَه مِن المَشقَّةِ والشِّدَّةِ في سفرِه وغزوِه. ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾. يقولُ: ثم رزَقهم، جلَّ ثناؤُه، الإنابةَ والرجوعَ

стр. 8123

إلى الثباتِ على دينِه، وإبصارَ الحقِّ، الذي كان قد كاد يَلْتَبِسُ عليهم، ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. يقول: إن ربَّهم (١) بالذين (٢) خالَطَ قلوبَهم ذلك لِما نالَهم في سفرِهم مِن الشدَّةِ والمَشقَّةِ، رءوفٌ بهم رحيمٌ أن يُهْلِكَهم، فيَنْزِعَ منهم الإيمانَ، بعدَما قد أَبْلَوْا في الله ما أبْلَوا مع رسولِه، وصَبَروا عليه من البأساءِ والضَّرّاءِ. وبنحوِ ما قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾: في غزوةِ تَبوكَ. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن محمدِ بن عَقِيلٍ: ﴿فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾. قال: خَرَجوا في غزوةِ تبوكَ (٣)، الرجلان والثلاثةُ على بعيرٍ، وخَرَجُوا في حرٍّ شديدٍ، وأصابَهم يومَئذٍ (٤) عطشٌ شديدٌ، فجَعَلُوا يَنْحَرون إبلَهم، فيَعْصِرُون أَكْراشَها، ويَشْرَبون ماءَها (٥)، وكان ذلك عُسْرةً مِن الماءِ، وعُسْرةً مِن الظَّهْرِ، وعُسْرةً مِن النفقةِ (٦). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجُ، عن ابن جُرَيجٍ، عن

стр. 8124

مجاهدٍ: ﴿سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾. قال: غزوة تبوك. قال: العُشرة: أصابهم جهدٌ شديدٌ حتى إن الرجلين ليَشُقَّانِ التمرة بينهما، وإنهم ليمُصُّون التمرة الواحدة، ويشربون عليها الماء. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن نُمَيرٍ، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد: ﴿الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾. قال: غزوة تبوك (١). قال: ثنا زكريا بنُ عَدِيٍّ (٢)، عن ابن مُبارك، عن مَعْمَرٍ، عن عبدِ الله بن محمدِ بن عَقِيلٍ، عن جابرٍ: ﴿الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾. قال: عُسْرة الظَّهر، [وعُسْرة الزَّادِ] (٣)، وعُسْرة الماء (٤). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ الآية. الذين اتَّبعوا رسول الله في غزوة تبوك، قبل الشامِ في لَهَبَانِ الحَرِّ على ما يعلمُ اللَّهُ مِن الجُهْدِ، أصابَهم فيها جَهْدٌ شديدٌ، حتى لقد ذكر لنا أن الرجلين كانا يَشُقَّان التمرة بينهما، وكان النَّفَرُ يَتداولون (٥) التمرة بينهم يَمُصُّها هذا، ثم يشرب عليها، ثم يمُصُّها هذا، ثم يشربُ عليها، فتابَ اللهُ عليهم وأَقْفَلَهَم مِن غزوهم (٦).

стр. 8125

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وَهْبٍ، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، عن عُتبة [بن أبي عُتبة] (١)، عن نافع بن جُبيرِ بن مُطْعِمٍ، عن عبدِ اللهِ بن عباسٍ، أنه قيل لعمر بن الخطاب، ﵁، في شأنِ العُسْرِةِ، فقال عمرُ: خَرَجْنا مع رسول الله ﷺ إلى تبوك في قَيْظٍ شَدِيدٍ، فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا أَصابَنا فيه عَطَشٌ شديدٌ (٢)، حتى ظَنَنَّا أن رقابنا ستنقطِعُ، [حتى إن كان الرجلُ ليذهَبُ يلتمسُ الماء، فلا يرجعُ حتى يَظُنُّ أن رقبته ستنقطِعُ] (٣)، حتى إن الرجل ليَنْحَرُ بعيره، فيَعْصِرُ فَرْثَه فيشربُه، ويجعَلُ ما بقى على كَبِده. فقال أبو بكرٍ: يا رسول اللهِ، إن الله قد عَوَّدَك في الدعاء خيرًا، فادع لنا. [قال: "تُحِبُّ ذلك؟ ". قال نعم] (٤). فرفع يديه، فلم يَرْجِعُهما حتى [قالت السماءُ] (٥)، فأظَلَّت ثم سَكَبَتْ، فمَلَئُوا ما معهم، [ثم ذهَبْنا (٦) ننظرُ. ننظُرُ، فلم نَجِدْها جاوَزَتِ (٧) العسكر] (٨) (٩).
следующие страницы →