← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

يقولُ اللهُ: ﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٥٣) إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ [الشعراء: ٥٣، ٥٤]. يعنى بنى إسرائيلَ، فتَقدَّم هارونُ فضرَب البحرَ، فأبَى البحرُ أن يَنْفَتِحَ، وقال: مَن هذا الجبارُ الذى يَضْرِبُنى؟ حتى أتاه موسى، فكنَاه أبا خالدٍ وضرَبه، ﴿فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء: ٦٣]. يقولُ: كالجبلِ العظيمِ. فدخَلَت بنو إسرائيلَ، وكان في البحرِ اثنا عشَرَ طريقًا، في كلِّ طريقٍ سِبْطٌ - وكانت الطرقُ انْفَلَقَت بجُدْرانٍ- فقال كلُّ سِبْطٍ: قد قُتِل أصحابُنا. فلمّا رأَى ذلك موسى، دعا اللهَ، فجعَلها (١) لهم قَناطرَ كهيئةِ الطِّيقانِ، فنظَر آخرُهم إلى أولِهم، حتى خرَجوا جميعًا، ثم دنا فرعونُ وأصحابُه، فلما نظَر فرعونُ إلى البحرِ مُنْفَلِقًا، قال: ألا تَرَوْنَ البحرَ فَرِق منى؟ قد انْفَتَح لى حتى أُدْرِكَ أعْدائى فأَقْتُلَهم. فذلك قولُ اللهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ﴾ [الشعراء: ٦٤]. يقولُ: قرَّبنا ثمَّ الآخَرين. يعنى آلَ فرعونَ. فلما قام فرعونُ على أفْواهِ الطُّرُقِ أبَتْ خيلُه أن تَقْتَحِمَ (٢)، فنَزل جبريلُ ﵇ على ماديانةٍ (٣)، فشامَّت (٤) الحُصُنُ (٥) رِيحَ الماديانةِ (٦)، فاقْتَحَمت (٧) في أَثَرِها، حتى إذا همَّ أوَّلُهم أن يَخْرُجَ ودخَل آخرُهم، أُمِر البحرُ أن يَأْخُذَهم، فالْتَطَم عليهم (٨).

стр. 842

وحدَّثنى يُونُسُ بنُ عبدِ الأعْلَى، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: لما أخَذ عليهم فرعونُ الأرضَ إلى البحرِ قال لهم فرعونُ: قُولوا لهم يَدْخُلوا البحرَ إن كانوا صادِقِين. فلما رآهم أصحابُ موسى قالوا: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦١، ٦٢]. فقال موسى للبحرِ: أَلسْتَ تَعْلَمُ أنِّى رسولُ اللهِ؟ قال: بَلَى. قال: وتَعْلَمُ أن هؤلاء عبادٌ مِن عبادِ اللهِ، أمَرَنى أن آتِىَ بهم؟ قال: بلى. قال: وتَعْلَمُ أن هذا عدوُّ اللهِ؟ قال: بلى. قال: فافرُقْ (١) لى طريقًا ولمَن معى. قال: يا موسى، إنما أنا عبدٌ مملوكٌ، ليس لى أمْرٌ إلا أن يَأْمُرَنى اللهُ. فأوْحَى اللهُ إلى البحرِ إذا ضرَبك موسى بعصاه فانْفَرِقْ، وأوْحَى إلى موسى أن اضْرِبِ البحرَ. وقرَأ قولَ اللهِ جلَّ وعزَّ: ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾ [طه: ٧٧]. وقرَأ قولَه: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾ [الدخان: ٢٤]: سهلًا ليس فيه تَعَدٍّ، فانْفَرَق اثنتى عشْرةَ فِرْقةً، فسلَك كلُّ سِبْطٍ في طريقٍ. قال: فقالوا لفرعونَ: إنهم قد دخَلوا البحرَ. قال: ادْخُلوا عليهم. قال: وجبريلُ في آخرِ بني إسرائيلَ يقولُ لهم: لِيَلْحَقْ آخرُكم أولَكم. وفى أولِ آلِ فرعونَ يقولُ لهم: رُوَيْدًا يَلْحَقْ آخرُكم أولكم. فجعَل كلُّ سِبْطٍ في البحرِ يقولون للسِّبْطِ الذين دخَلوا قبلَهم: قد هلكوا. فلما دخَل ذلك قُلُوبَهم أوحى اللهُ إلى البحرِ فجعَل لهم قَناطرَ يَنْظُرُ هؤلاء إلى هؤلاء، حتى إذا خرَج آخِرُ هؤلاء، ودخَل آخرُ هؤلاء، أمَر اللهُ البحرَ فأطْبَقَ على هؤلاء. ويعنى بقولِه: ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾. أى: تَنْظُرون إلى فَرْقِ اللهِ بكم البحرَ، وإهلاكِه آلَ فرعونَ في الموضعِ الذى نجّاكم فيه، وإلى عظيمِ سُلطانِه في الذى أراكم مِن طاعةِ البحرِ إياه، مِن مَصيرِه رُكامًا فِرَقًا كهيئةِ الأطْوادِ الشامخةِ، غيرَ زائلٍ عن حَدِّه؛ انقيادًا لأمرِه، وإذْعانًا لطاعتِه، وهو سائلٌ ذائبٌ قبلَ ذلك.

стр. 843

يُوقِفُهم بذلك جلَّ ذكرُه على موضعِ حُجَجِه عليهم، ويُذَكِّرُهم آلاءَه عندَ أوائلِهم، ويُحَذِّرُهم - [بتكذيبِهم] (١) نبيَّنا محمدًا ﷺ - أن يَحِلَّ بهم ما حلَّ بفرعونَ وآلِهِ في تكذيبِهم موسى صلواتُ اللهِ عليه. وقد زعَم بعضُ أهلِ العربيةِ أن معنى قولِه: ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾. كمعنى قولِ القائلِ: ضُرِبْتَ وأهلُك يَنْظُرون، فما أتَوْك ولا أغاثوك (٢). يعنى: وهم قريبٌ بِمَرْأًى ومَسْمَعٍ. وكقولِ اللهِ : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ [الفرقان: ٤٥]. وليس هناك رؤيةٌ، إنما هو علمٌ. والذى دعاه إلى هذا التأويلِ أنه وجَّه قولَه: ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾. إلى غَرَقِ آلِ فرعونَ، فقال: قد كانوا في شُغُلٍ مِن أن يَنْظُروا مما اكْتَنَفَهم مِن البحرِ من أن يَرَوْا فرعونَ وغَرَقَه. وليس الذى تأوَّله تأويلَ الكلامِ، إنما التأويلُ: وأنتم تنظرون إلى فَرْقِ اللهِ البحرَ لكم -ممَّا قد وصَفتُ آنِفًا- والْتِطامِ أمْواجِ البحرِ بآلِ فرعونَ في الموضعِ الذى صيَّر لكم من البحرِ طريقًا يَبَسًا. وذلك لا شكَّ كان نظرَ عِيانٍ لا نظرَ علمٍ، على ما ظنَّه قائلُ هذا القولِ الذى حكَيْنا. القولُ في تَأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا﴾. اخْتَلَفَتِ القَرَأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأه بعضُهم: ﴿وَاعَدْنَا﴾ (٣). بمعْنى أن اللهَ تعالى واعَد موسى مُوافَاةَ (٤) الطُّورِ لمُناجاتِه، فكانت المُواعَدةُ مِن اللهِ لموسى، ومِن موسى لربِّه. وكان مِن حجتِهم على اختيارِهم قراءةَ: ﴿وَاعَدْنَا﴾ على: (وعَدْنا)

стр. 844

أن قالوا: كلُّ اتِّعادٍ (١) كان بينَ اثنين للالتقاءِ أو (٢) للاجتماعِ، فكلُّ واحدٍ منهما مُواعِدٌ صاحبَه ذلك، فلذلك -زعَموا (٣) - وجَب أن يُقضَى لقراءةِ مَن قرَأ: ﴿وَاعَدْنَا﴾ بالاختيارِ على قراءةِ مَن قرَأ: (وَعَدْنَا). وقرَأه بعضُهم: (وَعَدْنَا) (٤). بمعْنى أن اللهَ تعالى ذكرُه الواعدُ موسى، والمنفردُ بالوعدِ دونَه. وكان مِن حجتِهم في اختيارِهم ذلك أن قالوا: إنما تكونُ المُواعَدةُ بينَ البشرِ، فأما اللهُ جل ثناؤُه، فإنه المنفردُ بالوعدِ والوَعيدِ في كلِّ خيرٍ وشرٍّ. قالوا: وبذلك جاء التنزيلُ في القرآنِ كلِّه، فقال اللهُ جل ثناؤُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ﴾ [إبراهيم: ٢٢] وقال: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٧]. قالوا: فكذلك الواجبُ أن يكونَ هو المنفردَ بالوعدِ في قولِه: (وإذْ وَعَدْنا مُوسَى). قال أبو جعفرٍ: والصوابُ عندَنا في ذلك [مِن القولِ] (٥) أنهما قِراءتان قد جاءَت بهما الأُمَّةُ، وقرَأَت بهما القرأةُ، وليس في القراءةِ بإحداهما إبطالُ معنى الأُخْرى، وإن كان في إحداهما زيادةُ معنًى على الأُخْرى مِن جهةِ الظاهرِ والتِّلاوةِ؛ فأما مِن جهةِ المفهومِ بهما، فإنهما متَّفِقتان، وذلك أن مَن أخْبَر عن شخصٍ أنه وعَد غيرَه اللقاءَ بموضعٍ مِن الموَاضعِ، فمَعْلُومٌ أن الموعودَ ذلك واعدٌ صاحبَه مِن لقائِه بذلك المكانِ مثلَ الذى وعَده مِن ذلك صاحبُه، [إذا كان راضيًا مُجيبًا صاحبَه إلى ما وعده مثلَ الذى وعده من ذلك صاحبُه] (٦)، إذا كان وعدُه إياه ذلك عن اتفاقٍ منهما عليه. ومعلومٌ أن موسى صلواتُ اللهِ عليه لم يَعِدْه ربُّه الطورَ إلا عن رِضا موسى بذلك؛ إذ

стр. 845

كان موسى غيرَ مَشْكوكٍ فيه، أنه كان بكلِّ ما أمَره اللهُ به راضيًا، وإلى محبتِه فيه مُسارِعًا، ومعقولٌ أن اللهَ تعالى لم يَعِدْ موسى ذلك إلا وموسى ﵇ له (١) مُسْتَجِيبٌ، وإذ كان ذلك كذلك، فمعلومٌ أن اللهَ تعالى ذكرُه كان قد وعَد موسى الطورَ، ووعَده موسى اللقاءَ، فكان اللهُ عز ذكرُه لموسى واعدًا فواعِدًا له المُناجاةَ على الطُّورِ، وكان موسى واعدًا لربِّه مُواعِدًا له اللقاءَ، فبأىِّ القراءتَيْن مِن: "وعَد وواعَد" قرَأ القارئُ، فهو للحقِّ (٢) في ذلك -مِن جهةِ التأويلِ واللغةِ- مُصِيبٌ؛ لما وصَفْنا مِن العِلَل قبلُ. ولا معنى لقولِ القائلِ: إنما تكونُ المُواعَدةُ بينَ البشرِ، وإن اللهَ ﵎ بالوعدِ والوَعيدِ مُنْفَرِدٌ في كلِّ خيرٍ وشرٍّ. وذلك أن انفرادَ اللهِ بالوعدِ والوَعيدِ في الثوابِ والعِقابِ، والخيرِ والشرِّ، والنفعِ والضَّرِّ، الذى هو بيدِه، وإليه دونَ سائرِ خلقِه - لا يُحِيلُ الكلامَ الجارىَ بينَ الناسِ في استعمالِهم إياه عن وُجوهِه، ولا يُغَيِّرُه عن مَعانيه. والجارى بينَ الناسِ مِن الكلامِ المفهومِ ما وصَفْنا، مِن أنّ كلَّ اتِّعادٍ (٣) كان بينَ اثنين، فهو وعدٌ مِن كُلِّ واحدٍ منهما، ومُواعَدةٌ بينَهما، وأن كلَّ واحدٍ منهما واعِدٌ صاحبَه مُواعِدُه (٤)، وأن الوعدَ، الذى يكونُ به الانفرادُ مِن الواعِدِ دونَ الموعودِ، إنما هو ما كان بمعنى الوعدِ الذى هو خلافُ الوَعيدِ. القولُ في تأويلِ قولِه جلّ وعزّ: ﴿مُوسَى﴾. قال أبو جعفرٍ: وموسى -فيما بلَغَنا- كلِمتان بالقِبْطيةِ، يُعْنَى بهما: ماءٌ وشجرٌ. فـ "مو": هو الماءُ، و"سا": هو الشجرُ. وإنما سُمِّى بذلك -فيما

стр. 846

بلَغَنا- لأن أمَّه لما جعَلَتْه في التابوتِ -حينَ خافَت عليه مِن فرعونَ- وألْقَتْه في اليمِّ، كما أوْحَى اللهُ إليها، وقيل: إن اليَمَّ الذى ألْقَتْه فيه هو النّيلُ؛ دفَعَتْه أمواجُ اليمِّ حتى أدْخَلَته بينَ أشجارٍ عندَ بيتِ فرعونَ، فخرَج جَوارِى آسِيةَ امرأةِ فرعونَ يَغْتَسِلْنَ، فوجَدْن التابوتَ، فأخَذْنَه، فسُمِّى [باسمِ المكانِ] (١) الذى أُصِيب فيه، وكان ذلك بمكانٍ (٢) فيه ماءٌ وشجرٌ، فقيل: "موسى"، ماءٌ وشجرٌ. كذلك حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السُّدِّىِّ (٣). قال أبو جعفرٍ: وهو موسى بنُ عمرانَ بنِ يصهرَ (٤) بنِ قاهثَ (٥) بنِ لَاوِى بنِ يعقوبَ إسرائيلِ اللهِ بنِ إسحاقَ ذبيحِ اللهِ (٦) بنِ إبراهيمَ خليلِ اللهِ، فيما زعَم ابنُ إسحاقَ، حدَّثنى بذلك ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ بنُ الفضلِ عنه (٧). القولُ في تأويلِ قولِه جل وعز: ﴿أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾. قال أبو جعفرٍ: ومعنى ذلك: وإذْ واعَدْنا مُوسى أرْبَعينَ لَيْلَةً بتمامِها. فالأربعون الليلةِ (٨) كلُّها داخلةٌ في الميعادِ. وقد زعَم بعضُ نحويِّى البصرةِ أن معناه: وإذ (٩) واعَدْنا موسى

стр. 847

انْقِضاءَ أربعين ليلةً، أى رأسَ الأربعين. ومثَّل ذلك بقولِه: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]. وبقولِهم: اليومَ أربعون منذُ خرَج فلانٌ، واليومَ يومان. أى اليومُ تمامُ يومين وتمامُ أربعين. قال أبو جعفرٍ: وذلك خلافُ ما جاءَت به الروايةُ عن أهلِ التأويلِ، وخلافُ ظاهرِ التِّلاوةِ. فأما ظاهرُ التلاوةِ، فإن اللهَ جل وعز قد أخْبرَ أنه واعَد موسى أربعين ليلةً، فليس لأحدٍ إحالةُ ظاهرِ خبرِه إلى باطنٍ بغيرِ بُرْهانٍ دالٍّ على صحتهِ. وأما أهلُ التأويلِ، فإنهم قالوا في ذلك ما أنا ذاكرُه، وهو ما حدَّثنى به المثنَّى، قال: حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ، عن أبى العاليةِ قولَه: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾. قال: يعنى ذا القَعْدةِ وَعشرًا مِن ذى الحِجَّةِ، وذلك حينَ خلَّف موسى أصحابَه، واسْتَخْلَف عليهم هارونَ، فمكَث على الطُّورِ أربعين ليلةً، وأُنْزِل عليه التوراةُ في الألواحِ -وكانت الألواحُ مِن بَرَدٍ (١) - فقرَّبه الربُّ (٢) نَجِيًّا وكلَّمه، وسمِع صَريفَ (٣) القلمِ، وبلَغَنا أنه لم يُحْدِثْ حَدَثًا في الأربعين ليلةً حتى هبَط مِن الطُّورِ (٤). حُدِّثْتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بنحوِه.

стр. 848

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: وعَد اللهُ موسى -حينَ أهْلَك فرعونَ وقومَه، ونجَّاه وقومَه- ثلاثين ليلةً، ثم أتمَّها بعشرٍ، فتمَّ ميقاتُ ربِّه أربعين ليلةً، يَلْقاه (١) فيها بما (٢) شاء، واسْتَخْلَف موسى هارونَ على بنى إسرائيلَ، وقال: إنى مُتَعَجِّلٌ إلى ربى، فاخْلُفْنى في قومى، ولا تَتَّبِعْ سبيلَ المفسدين. فخرَج موسى إلى ربِّه مُتَعَجِّلًا للقائِه شوقًا إليه، وأقام هارونُ في بنى إسرائيلَ ومعه السامرىُّ، يَسِيرُ بهم على أَثَرِ موسى ليُلْحِقَهم به (٣). حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السُّدِّىِّ، قال: انْطَلَق موسى واسْتَخْلَف هارونَ على بنى إسرائيلَ، وواعَدَهم ثلاثين ليلةً، وأتَمّهَا اللهُ بعشرٍ (٤). القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ﴾. قال أبو جعفرٍ: وتأويلُ قولِه: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ﴾: ثم اتَّخَذْتُم في أيامِ مُواعَدَتى موسى العجلَ إلهًا مِن بعدِ أن فارَقَكم موسى مُتَوَجِّهًا إلىَّ للمَوْعِدِ. والهاءُ في قولِه: ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ عائدةٌ على ذكرِ موسى. فأخْبَر جلَّ ثناؤُه المُخالِفِين نبينا محمدًا ﷺ مِن يهودِ بنى إسرائيلَ المُكَذِّبين به، المخاطَبِين بهذه الآيةِ عن فِعلِ آبائِهم وأسلافِهم، وتَكْذيبِهم رُسُلَهم، وخلافِهم أنبياءَهم، مع تَتابُعِ نِعَمِه عليهم، وسُبوغِ (٥) آلائِه لديهم، مُعَرِّفَهم بذلك

стр. 849

أنهم -من [خلافِهم محمدًا] (١) ﷺ ، وتَكذيبِهم به (٢)، وجُحودِهم رسالتَه، مع علمِهم بصدقِه- على مثلِ مِنْهاجِ آبائِهم وأسْلافِهم، ومُحَذِّرَهم مِن نزولِ سَطْوتِه بهم -بمُقامِهم على ذلك مِن تكذيبِهم- ما نزَل بأوائِلهم المُكَذِّبينَ بالرسلِ مِن المَسْخِ واللَّعْنِ وأنواعِ النَّقِماتِ. وكان سببَ اتخاذِهم العجلَ ما حدَّثنى به عبدُ الكريمِ بنُ الهيثمِ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ بَشَّارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ عُيينةَ، قال: حدَّثنا أبو سعدٍ (٣)، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لما هجَم فرعونُ على البحرِ هو وأصحابُه، وكان فرعونُ على فَرَسٍ أدْهَمَ ذَنُوبٍ حِصانٍ، فلما هجَم على البحرِ هاب الحِصانُ أن يَتقحَّمَ (٤) في البحرِ، فتَمَثَّل له جبريلُ على فرسٍ أنثى وَدِيقٍ، فلما رآها [حصانُ فرعونَ] (٥) تقَحَّم خلفَها. قال: وعرَف السامرىُّ جبريلَ؛ لأن أمَّه حينَ خافَت أن يُذْبَحَ خلَّفَتْه في غارٍ وأطْبَقَت عليه، فكان جبريلُ يَأْتِيه فيَغْذُوه بأصابعِه، فيَجِدُ في إحْدى (٦) أصابعِه لبنًا، وفى الأخْرى عسلًا، وفى الأخرى سمنًا، فلم يَزَلْ يَغْذُوه حتى نَشَأ، فلما عايَنه في البحرِ عرَفه، فقبَض قَبْضةً مِن أثرِ فرَسِه. قال: أخَذ مِن تحتِ الحافرِ قَبضةً -قال سفيانُ: وكان ابنُ مسعودٍ يَقْرَؤُها: (فقَبضْتُ قَبْضَةً مِن أَثَرِ فرسِ الرسولِ) - قال أبو سعدٍ: قال عكرمةُ، عن ابنِ عباسٍ: وأُلْقِى في رُوعِ (٧) السامرىِّ أنك لا تُلْقِيها على

стр. 850

شيءٍ فتقولُ: كُنْ كذا وكذا. إلا كان (١)، فلم تَزَلِ القَبضةُ معه في يدِه حتى جاوَز البحرَ، فلما جاوَز موسى وبنو إسرائيلَ البحرَ، وأغْرَق اللهُ آلَ فرعونَ قال موسى لأخيه هارونَ: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٢]. ومضَى موسى لموعدِ ربِّه، قال: وكان مع بنى إسرائيلَ حَلْىٌ مِن حَلْىِ آلِ فرعونَ قد تَعَوَّرُوه (٢)، فكأنهم تَأثَّمُوا منه، فأخْرَجوه لتَنْزِلَ النارُ فتَأْكُلَه، فلما جمَعوه، قال السامرىُّ بالقبضةِ التى كانت في يدِه هكذا، فقذَفها فيه -وأوْمَأ أبو (٣) إسْحاقَ بيدِه هكذا- وقال: كُنْ عِجْلًا جسدًا له خُوارٌ. فصار عجلًا جسدًا له خُوارٌ، فكان تَدْخُلُ الريحُ في دُبُرِه وتَخْرُجُ مِن فيه، ويُسْمَعُ له صوتٌ، فقال: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى﴾ [طه: ٨٨]. فعكَفوا على العجلِ يَعْبُدُونه، فقال هارونُ: ﴿يَاقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (٩٠) قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ (٤) [طه: ٩٠، ٩١]. حدَّثنى موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السدىِّ: لما أمَر اللهُ موسى أن يَخْرُجَ ببنى إسرائيلَ -يعنى مِن أرضِ مصرَ- أمَر موسى بنى إسرائيلَ أن يَخْرُجوا، وأمَرهم أن يَسْتَعِيروا الحَلْىَ مِن القِبْطِ، فلما نجَّى اللهُ موسى ومَن معه مِن بنى إسرائيلَ مِن البحرِ، وغرق آلَ فرعونَ، أتَى جبريلُ إلى موسى يَذْهَبُ به إلى اللهِ، فأقْبَل على فرسٍ، فرآه السامرىُّ فأنْكَره، ويقالُ (٥): إنه فرَسُ الحياةِ. فقال حينَ رآه: إن لهذا لشأنًا. فأخَذ مِن تربةِ الحافرِ حافرِ الفرسِ، فانطَلَق موسى واسْتَخْلَف هارونَ

стр. 851

على بنى إسرائيلَ، وواعَدهم ثلاثين ليلةً، وأتمَّها اللهُ بعشرٍ، فقال لهم هارونُ: يا بنى إسرائيلَ: إن الغَنيمةَ لا تَحِلُّ لكم، وإن حَلْىَ القِبطِ إنما هو غَنيمةٌ، فاجْمَعوها [جميعًا، واحْفِروا] (١) لها حُفْرةً (٢) فادْفِنوها، فإن جاء موسى فأحَلَّها أخَذْتُموها، وإلا كان شيئًا لَمْ تَأْكُلوه. فجمَعوا ذلك الحلْىَ في تلك الحُفْرةِ، وجاء السامريُّ بتلك القَبْضةِ فقذَفها، فأخْرَج اللهُ مِن الحَلْىِ عِجْلًا جسدًا له خُوارٌ، وعدَّت بنو إسرائيلَ موعِدَ موسي، فعدُّوا الليلةَ يومًا واليومَ يومًا، فلما كان تمامُ العشرين، خرَج لهم العِجْلُ، فلما رأَوه قال لهم السامرىُّ: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾. يقولُ: ترَك موسى إلهَه ههنا وذهَب يَطْلُبُه. فعكَفوا عليه يَعْبُدونه، وكان يَخُورُ وَيمْشِي، فقال لهم هارونُ: يا بنى إسرائيلَ ﴿إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ﴾. يقولُ: إنما ابْتُلِيتُم به. يقولُ (٣): بالعِجْلِ، ﴿وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ﴾. فأقام هارونُ ومَن معه مِن بنى إسرائيلَ لا يُقاتِلونهم، وانْطَلَق موسى إلى إلهِه يُكَلِّمُه، فلما كلَّمه قال له: ﴿مَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَامُوسَى (٨٣) قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى (٨٤) قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾ [طه: ٨٣ - ٨٥]. فأخْبَرَه خبرَهم، قال موسى: يا ربِّ، هذا السامريُّ أمَرَهم أن يَتَّخِذوا العِجْلَ، أرأيْتَ الرُّوحَ مَن نفَخها فيه؟ قال الربُّ: أنا. قال: ربِّ، أنت إذن أضْلَلْتَهم (٤). حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال؛ حدَّثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: كان فيما ذُكِر لى

стр. 852

أن موسى قال لبنى إسرائيلَ فيما أمَره اللهُ به: اسْتَعِيروا منهم -يعنى مِن آلِ فرعونَ- الأمتعةَ والحَلْىَ والثِّيابَ، فإنى مُنَفِّلُكم أموالَهم مع هَلاكِهم. فلما أذَّن فرعونُ في الناسِ، كان مما يُحَرِّضُ به على بنى إسرائيلَ أن قال حينَ [ساروا: لَمْ يَرْضَوْا أن خرَجوا] (١) بأنفسِهم حتى ذهَبوا بأموالِكم معهم (٢). حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، قال: حَدَّثَنِي محمدُ بنُ إسحاقَ، عن حكيمِ بنِ جُبَيْرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان السامرىُّ رجلًا مِن أهلِ باجَرْمَا (٣)، وكان مِن قومٍ يَعْبُدون البقرَ، وكان حُبُّ عبادةِ البقرِ في نفسِه، وكان قد أظْهَر الإسلامَ في بنى إسرائيلَ، فلما فصَل (٤) هارونُ في بنى إسرائيلَ وفصَل موسى إلى ربِّه، قال لهم هارونُ: أنتم قد حُمِّلْتُم أوْزارًا مِن زينةِ القومِ -آلِ فرعونَ- وأمتعةً وحَلْيًا، فتَطهَّروا منها، فإنها نَجَسٌ. وأوْقَد لهم نارًا فقال: اقْذِفوا ما كان معكم مِن ذلك فيها. قالوا: نعم. فجعَلوا يَأْتُون بما كان فيهم (٥) مِن تلك الأمتعةِ وذلك الحَلْىِ فيَقْذِفون به فيها، حتى إذا تكَسَّر الحَلْىُ فيها، ورأى السامريُّ أثرَ فرسِ جبريلَ، فأخَذ ترابًا مِن أثرِ حافرِه، ثم أقْبَل إلى النارِ (٦)، فقال لهارونَ: يا نبيَّ اللهِ، أُلْقى ما فى يدى؟ قال: نعم. ولا يَظُنُّ هارونُ إلَّا أنه كبعضِ ما جاء به غيرُه مِن ذلك الحلْىِ والأمتعةِ، فقذَفه فيها وقال: كنْ عِجْلًا جسدًا له خُوَارٌ. فكان للبلاءِ

стр. 853

والفتنةِ، فقال: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى﴾. فعكَفوا عليه، وأحبُّوه حبًّا لَمْ يُحِبُّوا مثلَه شيئًا قطُّ، يقولُ اللهُ جلَّ ذكرُه: ﴿فَنَسِيَ﴾. أى ترَك ما كان عليه مِن الإسلامِ -يعنى السامرىَّ- ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ [طه: ٨٩]. قال (١): وكان اسمُ السامرىِّ موسى بنَ ظَفَرَ، وقَع في أرضِ مصرَ فدخَل في بنى إسرائيلَ، فلما رأَى هارونُ ما وقَعوا فيه قال: ﴿يَاقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (٩٠) قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾. فأقام هارونُ في مَن معه مِن المسلمين ممَّن لَمْ يُفْتَتَنْ، وأقام مَن يَعْبُدُ العِجْلَ على عبادةِ العِجْلِ، وتخَوَّف هارونُ إن سار بمَن معه مِن المسلمين أن يقولَ له موسى: ﴿فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ [طه: ٩٤]. وكان له هائبًا مُطِيعًا (٢). حَدَّثَنِي يونسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: لما أنْجَى اللهُ بنى إسرائيلَ مِن فرعونَ، وأغْرَق فرعونَ ومَن معه، قال موسى لأخيه هارونَ: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾. قال: لما خرَج موسى وأمَر هارونَ [ما أمَرَه] (٣)، وخرَج موسى مُتَعَجِّلًا مَسْرورًا إلى اللهِ، قد عرَف موسى أن المرءَ إذا أنجَح (٤) في حاجةِ سيدِه كان يَسُرُّه أن يَتَعَجَّلَ إليه. قال: وكان حينَ خرَجوا اسْتَعاروا حَلْيًا وثيابًا مِن آلِ فرعونَ، فقال لهم هارونُ: إن هذه الثيابَ والحَلْىَ لا تَحِلُّ لكم، فاجْمَعوا نارًا فألْقُوه فيها فأحْرِقوه. قال: فجمَعوا نارًا.

стр. 854

قال: فكان السامرىُّ قد نظَر إلى أثرِ دابَّةِ جبريلَ، وكان جبريلُ على فرسٍ أنثي، وكان السامريُّ في قومِ موسى. قال: فنظَر إلى أثرِه فقبَض منه قبضةً، فيبِسَت عليها يدُه، فلما ألْقَى قومُ موسى الحَلْىَ في النارِ، وألْقَى السامريُّ معهم القَبْضةَ، صوَّر اللهُ جلَّ وعزَّ ذلك لهم عِجْلًا ذهبًا، فدخَلَتْه الريحُ، فكان له خُوَارٌ، فقالوا: ما هذا؟ فقال السامرىُّ الخبيثُ: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾. الآية إلى قولِه: ﴿حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ [طه: ٨٨ - ٩١]. قال: حتى إذا أتَى موسى الموعدَ قال اللهُ: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَامُوسَى (٨٣) قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي﴾. فقرَأ حتى بلَغ: ﴿أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ﴾ [طه: ٨٤ - ٨٦]. حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حَدَّثَنِي حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مُجاهِدٍ في قولِه: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ﴾. قال: العِجْلُ حَسيلُ (١) البقرةِ. قال: حَلْىٌ اسْتَعارُوه مِن آلِ فرعونَ، فقال لهم هارونُ: أخْرِجوه فتَطَهَّروا منه وأحْرِقوه. وكان السامريُّ (٢) أخَذ قَبْضةً مِن أثرِ فرسِ جبريلَ، فطرَحه فيه فانْسَبَك، وكان له كالجوفِ تَهْوِى فيه الرياحُ. حَدَّثَنِي المثنى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ، قال: إنما سُمِّى العِجْلَ؛ لأنهم عَجِلوا فاتَّخَذوه قبلَ أن يَأْتِيَهم موسى (٣). حَدَّثَنِي محمدُ بنُ عمرٍو الباهليُّ، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثني

стр. 855

عيسي، [وحَدَّثني المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال: حدَّثنا شبْلٌ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ﴾: حسيلُ البقرةِ. قال: حَلْىٌ استَعارُوه من آلِ فرعونَ، فقال لهم هارونُ: أخرِجوه فتطهَّروا منه وأحْرِقُوه. وكان السامِرىُّ أخَذ قبْضةً من أثرِ فرسِ جبريلَ فطرَحه فيه فانْسَبَك، وكَان له كالجوفِ تَهْوِى فيه الرياحُ] (١). وتأويلُ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾. يعنى: وأنتم واضعو العبادةِ في غيرِ موضعِها؛ لأنَّ العبادةَ لا تَنْبَغِى إلَّا للهِ تعالى ذكرُه، وعبَدْتُم أنتم العجلَ ظلمًا منكم، ووضعًا للعبادةِ في غيرِ موضعِها. وقد دلَّلْنا في غيرِ هذا الموضعِ مما مضَى مِن كتابِنا، أن أصْلَ كلِّ ظُلمٍ وضْعُ الشيءِ فى غيرِ مَوْضعِه، فأغْنَى ذلك عن إعادتِه في هذا الموضعِ (٢). القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٢)﴾. قال أبو جعفرٍ: وتأويلُ قولِه: ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾. يقولُ: ثم (٣) ترَكْنا مُعاجَلتَكم بالعقوبةِ مِن بعدِ ذلك. أى: مِن بعدِ اتخاذِكم العجلَ إلهًا. كما حَدَّثَنِي به المثنى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا آدمُ العَسْقلانيُّ، قال:

стр. 856

حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ: ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾. يعنى: مِن بعدِ ما اتَّخَذْتُم العجلَ (١). وأما تأويلُ قولِه: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. فإنه يعنى به: لتَشْكُروا. ومعنى: "لعل" في هذا الموضعِ معنى "كى" (٢). وقد بيَّنْتُ فيما مضَى قبلُ أن أحدَ معانى "لعل" معنى "كى" بما فيه الكفايةُ عن إعادتِه في هذا الموضعِ (٣). فمعنى الكلامِ إذن: ثم عَفَونا عنكم مِن بعدِ اتخاذِكم العجلَ إلهًا [لتَشْكُروا لى] (٤) على عَفْوى عنكم، إذ كان العفوُ يُوجِبُ الشكرَ على أهلِ اللُّبِّ والعقلِ. القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (٥٣)﴾. قال أبو جعفرٍ: يعنى بقولِه: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾: واذْكُروا أيضًا إذ آتَيْنا موسى الكتابَ والفُرقانَ. ويعنى بالكتابِ التوراةَ، وبالفُرقانِ الفصلَ بينَ الحقِّ والباطلِ. كما حَدَّثَنِي المثني، قال: حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الربيع، عن أبى العاليةِ في قولِه: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ﴾. قال: فرَق فيه (٥) بينَ الحقِّ والباطلِ (٦).

стр. 857

حَدَّثَنِي محمدُ بنُ عمرٍو الباهليُّ، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسي، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ﴾. قال: الكتابُ هو الفُرقانُ، فُرقانٌ بينَ الحقِّ والباطلِ (١). حَدَّثَنِي المثني، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حَدَّثَنِي القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حَدَّثَنِي حجاجٌ، عن ابنِ جُريْجٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ﴾. قال: الكتابُ هو الفُرقانُ، فرَق بينَ الحقِّ والباطلِ. حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حَدَّثَنِي حَجاجٌ، عن ابنِ جُريْجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: الفُرْقانُ جِماعُ اسمِ التوراةِ والإنجيلِ والزَّبورِ والفُرقانِ (٢). وقال ابنُ زيدٍ في ذلك بما حَدَّثَنِي به يونسُ، قال: أخْبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: سألْتُه -يعنى ابنَ زيدٍ- عن قولِ اللهِ جلَّ وعزَّ: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ﴾. فقال: أما "الفُرْقانُ" الذى قال اللهُ جلَّ وعزَّ: ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ [الأنفال: ٤١]. فذلك يومُ بدرٍ، يومَ فرَق اللهُ بينَ الحقِّ والباطلِ، والقضاءُ الذى فرَق به بينَ الحقِّ والباطلِ. قال: فكذلك أعْطَى اللهُ موسى الفُرقانَ، فرَق اللهُ بينَهم، وسلَّمه اللهُ وأنجاه، فرَق بينَهم بالنصرِ، فكما جعَل اللهُ ذلك بينَ محمدٍ و (٣) المشركين، فكذلك جعَله بينَ موسى وفرعونَ.

стр. 858

قال أبو جعفرٍ: وأولى [هذيْن التأويلَيْن] (١) بتأويلِ الآيةِ ما رُوِى عن ابنِ عباسٍ وأبى العاليةِ ومُجاهدٍ، مِن أن الفرقانَ الذى ذكَر اللهُ أنه آتاه موسى في هذا الموضعِ هو الكتابُ الذى فرَق به (٢) بينَ الحقِّ والباطلِ، وهو نعتٌ للتوراةِ وصفةٌ لها. فيكونُ تأويلُ الآيةِ حينَئذٍ: وإذ آتينا موسى التوراةَ التى كتَبناها (٣) له في الألواحِ، وفرَقْنا بها بينَ الحقِّ والباطلِ. فيكونُ الكتابُ نعتًا للتوراةِ أُقِيم مُقامَها اسْتِغْناءً به عن ذكرِ التوراةِ، ثم عطَف عليه الفرقانَ، إذ (٤) كان مِن نعتِها. وقد بيَّنَّا معنى الكتابِ فيما مضَى مِن كتابِنا هذا، وأنه بمعنى المكتوبِ (٥). وإنما قلْنا: هذا التأويلُ أولى بالآيةِ -وإن كان مُحْتَمِلًا غيرُه مِن التأويلِ- لأن الذى قبلَه من (٦) ذِكْرِ الكتابِ، وأن معنى الفرقانِ الفَصْلُ -وقد دلَّلْنا على ذلك فيما مضَى مِن كتابِنا هذا- فإلحاقُه، إذ كان كذلك، بصفةِ ما ولِيه أولَى مِن إلحاقِه بصفةِ ما بَعُد منه. وأما تأويلُ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. فنظيرُ قولِه تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. ومعناه: لِتَهْتَدوا. فكأنه قال تعالى: واذْكُروا أيضًا إذ آتيْنا موسى التوراةَ التى تَفْرُقُ بينَ الحقِّ والباطلِ، لتَهْتَدوا بها وتَتَّبِعوا الحقَّ الذى فيها؛ لأنى جعَلْتُها كذلك هُدًى لمن اهْتَدَى بها واتَّبع ما فيها. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ

стр. 859

أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٥٤)﴾. وتأويلُ ذلك: واذْكُروا أيضًا إذ قال موسى لقومِه مِن بنى إسرائيلَ: يا قومِ إنكم ظلَمْتُم أنفسَكم. وظلمُهم إياها كان فعلَهم بها ما لم يكنْ لهم أن يَفْعَلوه بها، مما أوْجَب لهم العقوبةَ مِن اللهِ تعالى، وكذلك كلُّ فاعلٍ فعلًا يَسْتَوْجِبُ به العقوبةَ مِن اللهِ تعالى، فهو ظالمٌ لنفسِه بإيجابِه العقوبةَ لها مِن اللهِ تعالى، وكان الفعلُ الذى فعَلوه فظلَموا به أنفسَهم، هو ما أخْبَر اللهُ عنهم مِن ارْتِدادِهم باتخاذِهم العجلَ ربًّا بعدَ فِراقِ موسى إياهم. ثم أمَرهم موسى بالمراجعةِ مِن ذنبِهم، والإنابةِ إلى اللهِ جلَّ وعزَّ مِن رِدَّتِهم بالتوبةِ إليه، والتسليمِ لطاعتِه فيما أمَرهم به، وأخْبَرَهم أن توبتَهم مِن الذنبِ الذى رَكِبوه قَتْلُهم أنفسَهم -وقد دلَّلْنا فيما مضَى على أن معنى التوبةِ الأوْبَةُ مما يَكْرَهُه اللهُ إلى ما يَرْضاه مِن طاعتِه (١) - فاسْتَجاب القومُ لما أمَرهم به موسى مِن التوبةِ مما ركِبوا مِن ذنوبهم إلى ربِّهم، على ما أمَرَهم به. كما حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: حدَّثنا شعبةُ ابنُ الحجاجِ، عن أبى إسحاقَ، عن أبى عبدِ الرحمنِ أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾. قال: عمَدوا إلى الخنَاجرِ، فجعَل يَطْعُنُ بعضُهم بعضًا. حدَّثنى عباسُ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا حجاجُ بنُ محمدٍ، قال ابنُ جُرَيْجٍ: أخْبَرَنى القاسمُ بن أبى بَزَّةَ، أنه سمِع سعيدَ بنَ جُبيرٍ ومُجاهِدًا قالا: قام بعضُهم إلى

стр. 860

بعضٍ بالخنَاجرِ يَقْتُلُ بعضُهم بعضًا، لا يَحِنُّ (١) رجلٌ على رجلٍ قريبٍ ولا بَعيدٍ، حتى ألْوَى (٢) موسى بثوبِه، فطرَحوا ما بأيديهم، فتكَشَّف عن سبعين ألفَ قَتيلٍ، وإن اللهَ أوْحَى إلى موسى أنْ حَسْبِى فقد اكْتَفَيْت. فذلك حينَ ألْوَى بثوبِه (٣). حدَّثنى عبدُ الكريمِ بنُ الهيثمِ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ بَشَّارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ عُيَيْنةَ، قال: قال أبو سعدٍ (٤)، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال موسى لقومِه: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾. قال: أمَر موسى قومَه -عن أمرِ ربِّه- أن يَقْتُلوا أنفسَهم. قال: فاحْتَبى (٥) الذين عكَفوا على العجلِ فجلَسوا، وقام الذين لم يَعْكُفوا على العجلِ وأخَذوا الخنَاجرَ بأيديهم، وأصابَتهم ظلمةٌ شديدةٌ، فجعَل يَقْتُلُ بعضُهم بعضًا، فانْجَلَت الظلمةُ عنهم وقد أجْلَوْا عن سبعينَ ألفَ قتيلٍ، كلُّ مَن قُتِل منهم كانت له توبةٌ، وكلُّ مَن بَقِى (٦) كانت له توبةٌ (٧). حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السدىِّ، قال: لما رجَع موسى إلى قومِه قال: ﴿يَاقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا﴾. إلى قولِه: ﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ﴾ [طه: ٨٦، ٨٧]. فألْقَى مُوسى

стр. 861

الألْواحَ وأخَذَ برأسِ أخيه يَجُرُّه إليه ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي﴾. إلى قولِه. ﴿وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ [طه: ٩٤]. فترَك هارونَ ومال إلى السامرىِّ، فقال: ﴿مَا خَطْبُكَ يَاسَامِرِيُّ﴾. إلى قولِه: ﴿ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾ [طه: ٩٥ - ٩٧]. ثم أخَذه فذبَحه، ثم حرَقه (١) بالمِبْردِ، ثم ذَرَّاه في اليَمِّ، فلم يَبْقَ بحرٌ يَجْرى يومَئذٍ إلا وقَع فيه شيءٌ منه، ثم قال لهم موسى: اشْرَبوا منه. فشرِبوا، فمَن كان يُحِبُّه خرَج على شاربِه (٢) الذهبُ، فذلك حينَ يقولُ: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة: ٩٣]. فلما سُقِط في أيدى بنى إسرائيلَ حينَ جاء موسى، ورَأوْا أنهم قدْ ضَلُّوا قالوا: ﴿لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٩]. فأبَى اللهُ أن يَقْبَلَ توبةَ بنى إسرائيلَ إلا بالحالِ التى كرِهوا أن يُقاتِلوهم حينَ عبَدوا العجلَ، فقال لهم موسى: ﴿يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾. قال: فصَفُّوا صفَّيْن، ثم اجْتَلَدوا بالسيوفِ، فاجْتَلَد الذين عبَدوه والذين لم يَعْبُدوه بالسيوفِ، فكان مَن قُتِل مِن الفريقَيْن شهيدًا، حتى كثُر القتلُ، حتى كادوا أن يَهْلِكوا، حتى قُتِل بينَهم سبعون ألفًا، وحتى دعا موسى وهارونُ: ربَّنا هلَكَتْ بنو إسرائيلَ، ربَّنا البقيةَ البقيةَ. فأمَرهم أن يَضَعوا السلاحَ، وتاب عليهم، فكان مَن قُتِل شهيدًا، ومَن بَقِى كان مُكَفَّرًا عنه، فذلك قولُه: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (٣).

стр. 862

حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو الباهلىُّ، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ تعالى: ﴿بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾. قال: كان موسى أمَر قومَه -عن أمرِ ربِّه- أن يَقْتُلَ بعضُهم بعضًا بالخنَاجرِ، فجعَل الرجلُ يَقْتُلُ أباه ويَقْتُلُ ولدَه، فتاب اللهُ عليهم (١). [وحدَّثنى المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال: حدَّثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾. قال: كان أمَر موسى قومَه -عن أمرِ رِّبه- أن يَقْتُلَ بعضُهم بعضًا، ولا يَقْتُلَ الرجلُ أباه ولا أخاه، فبلَغَ ذلك في ساعةٍ من نهارٍ سبعين ألفًا] (٢). حدَّثنى المثنى، قال: حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ في قولِه: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية. قال: فصاروا صفَّيْن، فجعَل يَقْتُلُ بعضُهم بعضًا، فبلَغ القَتْلَى ما شاء اللهُ، ثم قيل لهم: قد تِيبَ على القاتلِ والمقتولِ. حدَّثنا المثنى، قال: حدَّثنا أبو صالحٍ، قال: حدَّثنى الليثُ، قال: حدَّثنى عُقَيْلٌ، عن ابنِ شِهابٍ، قال: لما أُمِرَت بنو إسرائيلَ بقتلِ أنفسِها برَزُوا ومعهم موسى، فاضْطَربُوا (٣) بالسيوفِ، وتَطاعَنوا بالخنَاجرِ، وموسى رافعٌ يديه، حتى إذا فتَر، أتاه بعضُهم فقالوا: يا نبىَّ اللهِ، ادْعْ اللهَ لنا. وأخَذوا بعَضُدَيْه يَسنُدُون (٤) يديه، فلم يَزَلْ أمرُهم على ذلك حتى إذا قبِل اللهُ توبتَهم، قبَض أيدىَ بعضِهم عن بعضٍ،

стр. 863

فألْقَوُا السلاحَ، وحزِن موسى وبنو إسرائيلَ للذى كان مِن القتلِ فيهم، فأوْحَى اللهُ إلى موسى: ما (١) يَحْزُنُك؟ أمّا مَن قُتِل منكم (٢) فحىٌّ عندى يُرْزَقُ (٣) وأمَّا مَن بقِى فقد قَبِلْتُ توبتَه. [فبشَّر بذلك موسى بنى] (٤) إسرائيلَ (٥). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنَا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن الزهرىِّ وقتادةَ في قولِه: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾. قالا (٦): قاموا صفَّيْنِ يقتُلُ بعضُهم بعضًا، حتى قيل لهم: كُفُّوا. قال قتادةُ: كانت شهادةً للمقتولِ، وتوبةً للحىِّ. حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، قال: قال لى عطاءٌ: سمِعْتُ عُبَيدَ بنَ عُميرٍ يقولُ: قام بعضُهم إلى بعضٍ يَقْتُلُ بعضُهم بعضًا، ما يتوقَّى (٧) الرجلُ أباه ولا أخاه ولا ابنَه [ولا] (٨) أحدًا، حتى نزَلَتِ التوبةُ. قال ابنُ جُريجٍ: وقال ابنُ عباسٍ: بلَغ قَتلاهم سبعين ألفًا، ثم رفَع اللهُ عنهم القتلَ، وتاب عليهم.

стр. 864

قال ابنُ جُرَيْجٍ: قاموا صفَّيْن فاقْتَتلوا بينَهم، فجعَل اللهُ القتلَ لمَن قُتِل منهم شَهادةً، وكانت توبةً لمن بقِى، وكان قتلُ بعضِهم بعضًا أن اللهَ علِم أن ناسًا منهم علِموا أن العِجْلَ باطلٌ، فلم يَمْنَعْهم أن يُنْكِروا عليهم إلا مخافةَ القتالِ، فلذلك أُمِرُوا (١) أن يَقْتُلَ بعضُهم بعضًا. حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: لما رجَع موسى إلى قومِه، وأحْرَق العِجلَ وذَرَّاه في اليَمِّ، خرَج إلى ربِّه بمَن اخْتار مِن قومِه، فأخَذَتْهم الصاعقةُ ثم بُعِثوا، سأل موسى ربَّه التوبةَ لبنى إسرائيلَ مِن عبادةِ (٢) العجلِ، فقال: لا، إلا أن يَقْتُلوا أنفسَهم. قال: فبلَغَنى أنهم قالوا لموسى: نَصْبِرُ لأمرِ اللهِ. فأمَر موسى مَن لم يكنْ عبَد العجلَ أن يَقْتُلَ مَن عَبدَه، فجلَسوا بالأفْنِيةِ، وأصلَت (٣) عليهم القومُ السيوفَ، فجعَلوا يَقْتُلونهم، وبكَى موسى وبَهَش (٤) إليه الصِّبْيانُ والنساءُ يَطْلُبون العفوَ عنهم، فتاب عليهم وعفا عنهم، وأمَر موسى أن [يُرْفَعَ عنهم السيفُ] (٥). حدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: لما رجَع موسى إلى قومِه، وكان (٦) سبعون رجلًا قد اعْتَزَلوا مع هارونَ العجلَ لم يَعْبُدوه، فقال لهم

стр. 865

موسى: انْطَلِقوا إلى موعدِ ربِّكم. فقالوا: يا موسى، أمَا مِن توبةٍ؟ قال: بلى (١)، اقْتُلُوا أنفُسَكم ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ الآية. فاخْتَرَطوا السيوفَ والجِرَزةَ (٢) والخنَاجرَ والسَّكاكِينَ، قال: وبُعِثت عليهم ضَبابةٌ. قال: فجعَلوا يَتَلامَسون بالأيدى ويَقْتُلُ بعضُهم بعضًا. قال: ويَلْقَى الرجلُ أباه وأخاه فيَقْتُلُه ولا يَدْرِى، قال: ويَتَنادَوْن فيها: رحِم اللهُ عبدًا صبَر حتى يَبلُغَ اللهُ رضاه. وقرَأ قولَ اللهِ جل ثناؤُه: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ﴾ [الدخان: ٣٣] قال: فقَتْلاهم شُهداءُ، وتِيب على أحيائِهم. وقرَأ: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾. فالذى ذكَرْنا -عمَّن روَيْنا عنه الأخبارَ التى روَيْناها- كان توبةَ القومِ مِن الذنبِ الذى أتَوْه فيما بينَهم وبينَ ربِّهم، بعبادتِهم العجلَ، مع ندمِهم على ما سلَف منهم مِن ذلك. وأما معنى قولِه: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾. فإنه يعنى: ارْجِعوا إلى طاعةِ خالقِكم وإلى ما يُرْضِيه عنكم. كما حدَّثنى المثنى بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾. أى: إلى خالقِكم (٣). وهو مِن: بَرَأ اللهُ الخلقَ [يَبْرَؤُهم بَرْءًا] (٤)، فهو بارِئُهم (٥). والبَرِيَّةُ

стр. 866

الخلقُ، وهى فَعِيلةٌ بمعنى مفعولةٍ، غيرَ أنها لا تُهْمَزُ، كما لا يُهْمَزُ "مَلَكٌ"، وهو مِن " [لأكْتُ"؛ لأنه] (١) جرَى بتركِ الهمزِ كذلك. كما قال نابغةُ بنى ذُبْيانَ (٢). إلا سُليمانَ إذ قال الإلهُ (٣) له … قُمْ في البَرِيَّةِ فاحْدُدْها (٤) عن الفَنَدِ (٥) وقد قيل: إن البَرِيَّةَ إنما لم تُهْمَزْ لأنها فعيلةٌ مِن البَرَى، والبَرَى الترابُ، فكأنَّ تأويلَه على قولِ مَن تأوَّله كذلك أنه مخلوقٌ مِن الترابِ. وقال بعضُهم: إنما أُخِذَت البَرِيَّةُ مِن قولِك: بَرَيْتُ العودَ. فلذلك لم يُهْمَزْ. قال أبو جعفرٍ: وتركُ الهمزِ مِن "بارئِكم" جائزٌ، والإبْدالُ منها جائزٌ. فإذ كان ذلك جائزًا في "بارِئِكم"، فغيرُ مُسْتَنْكَرٍ أن تكونَ البَرِيَّةُ مِن: بَرَى اللهُ الخلقَ. بتركِ الهمزةِ. وأما قولُه: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾. فإنه يعنى بذلك: توبتُكم بقتلِكم أنفسَكم، وطاعتُكم ربَّكم، خيرٌ لكم عندَ بارئِكم؛ لأنكم تَنْجُون بذلك مِن عقابِه في الآخرةِ على ذنبِكم، وتَسْتَوْجِبون به الثوابَ منه. وقولُه: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾. [يقولُ: فتاب اللهُ عليكم] (٦) بما فعَلْتُم مما أمَرَكم به

стр. 867

مِن قتْلِ بعضِكم بعضًا. وهذا مِن المحذوفِ الذى اسْتُغْنى بالظاهرِ منه عن المتروكِ؛ لأن معنى الكلامِ: فتُوبوا إلى بارئِكم فاقْتُلوا أنفسَكم، ذلكم خيرٌ لكم عندَ بارئِكم، فتُبْتم فتاب اللهُ عليكم. فترَك ذِكْرَ قولِه: فتبْتُم. إذ كان في قولِه: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾. دَلالَةٌ بينةٌ على اقْتِضاءِ الكلامِ: فتبْتُم. ويعنى بقولِه: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾: رجَع لكم ربُّكم إلى ما أحْبَبْتُم مِن العفوِ عن ذنوبكم وعظيمِ ما ركِبْتُم، والصفحِ عن جُرْمِكم، ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾. يعنى: الراجعُ لمن أناب إليه بطاعتِه إنى ما يُحِبُّ مِن العفوِ عنه. ويعنى بـ ﴿الرَّحِيمُ﴾: العائدُ عليه (١) برحمتِه المُنْجيةِ مِن عقوبتِه. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً﴾. وتأويلُ ذلك: واذْكُروا أيضًا إذ قلْتُم: يا موسى لن نُصَدِّقَك ولن نُقِرَّ بما جئْتَنا به حتى نَرَى اللهَ (٢) عِيانًا، برفعِ الساترِ بينَنا وبينَه، وكشفِ الغِطاءِ دونَنا ودونَه، حتى نَنْظُرَ إليه بأبصارِنا. كما تُجْهَرُ الرَّكِيَّةُ (٣)، وذلك إذا كان ماؤُها قد غطَّاه الطِّينُ، فنُقِّى (٤) ما قد غطَّاه حتى ظهَر الماءُ وصفا. يقالُ منه (٥): جَهَرْتُ الرَّكِيَّةَ أَجْهَرُها جَهْرًا وجَهْرةً. ولذلك قيل: قد جاهَر (٦) فلانٌ بهذا الأمرِ

стр. 868

مُجاهَرةً وجِهارًا. إذا أظْهَره لرأْىِ العينِ وأعلَنه، كما قال الفَرَزْدَقُ بنُ غالبٍ (١): مِن اللائى يَظَلُّ (٢) الألْفُ منه … مُنِيخًا (٣) مِن مَخافتِه جِهارًا (٤) وكما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: ﴿حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً﴾. قال: علانيةً (٥). وحُدِّثْتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً﴾. قال (٦): عِيانًا (٧). وحدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً﴾: حتى يَطْلُعَ إلينا (٨). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً﴾. أى: عِيانًا (٩).

стр. 869

فذكَّرهم بذلك جلّ ذكرُه كثرةَ (١) اختلافِ آبائِهم، وسُوءَ استقامةِ أسلافِهم لأنبيائِهم، مع كثرةِ مُعاينتِهم مِن آياتِ اللهِ وعِبَرِه (٢) ما تَثْلُجُ (٣) بأقلِّها الصدورُ، وتَطْمَئِنُّ بالتصديقِ معها النفوسُ، وذلك مع تَتابُعِ الحُجَجِ عليهم، وسُبوغِ النِّعَمِ مِن اللهِ لديهم، وهم مع ذلك مرةً يَسْألون نبيَّهم أن يَجْعَلَ لهم إلهًا غيرَ اللهِ، ومرَّةً يَعْبُدون العِجْلَ مِن دونِ اللهِ، ومرةً يقولون: لن (٤) نُصَدِّقَك حتى نَرَى اللهَ جَهْرةً. وأخرى يقولون له إذا دُعُوا إلى القتالِ: اذْهَبْ أنت وربُّك فقاتِلا إنا ههنا قاعِدُون. ومرةً يُقالُ لهم: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ [البقرة: ٥٨]. فيقولون: حِنْطةٌ في شَعيرةٍ. ويَدْخُلون البابَ مِن قِبَلِ أَسْتاهِهِم، مع غيرِ ذلك مِن أفعالِهم التى آذَوْا بها نبيَّهم ﵇ التى يَكْثُرُ إحْصاؤُها. فأعْلَمَ ربُّنا تبارك اسمُه وتعالى ذكرُه الذين خاطَبَهم بهذه الآياتِ مِن يهودِ بنى إسرائيلَ الذين كانوا بينَ ظَهْرانَيْ مُهاجَرِ رسولِ اللهِ ﷺ ، أنهم لن يَعْدُوا أن يَكُونوا -في تكذيبِهم محمدًا ﷺ ، وجُحودِهم نبوَّتَه، وتركهم الإقرارَ به، وبما جاء به، مع علمِهم به، ومعرفتِهم بحقيقةِ أمرِه- كأسْلافِهم وآبائِهم الذين [قصَّ اللهُ] (٥) عليهم قَصَصَهم في ارْتِدادِهم عن دينِهم مرةً بعدَ أخرى، وتَوَثُّبِهم على نبيِّهم موسى صلوات اللهِ وسلامُه عليه تارةً بعدَ أخرى، مع عظيمِ بَلاءِ اللهِ عندَهم، وسُبوغِ آلائِه عليهم.

стр. 870

القولُ في تأويلِ قولِه جلّ وعزّ: ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥)﴾. قال أبو جعفرٍ: اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في صفةِ الصاعقةِ التى أخَذَتْهم؛ فقال بعضُهم بما حدَّثنا به الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن قَتادةَ في قولِه: ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ﴾. قال: ماتوا (١). وحُدِّثْتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿فَأَخَذَتْكُمُ (٢) الصَّاعِقَةُ﴾. قال: سمِعوا صوتًا فصَعِقوا. يقولُ: ماتوا (٣). وقال آخَرون بما حدَّثنى موسى بنُ هارونَ الهَمْدانيّ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ﴾: والصاعقةُ نارٌ (٤). وقال آخَرون بما حدَّثنا به ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: أخذَتْهم الرَّجْفةُ، وهى الصاعقةُ، فماتوا جميعًا (٥). وأصلُ الصاعقةِ كلُّ أمرٍ هائلٍ مَن (٦) رآه أو عايَنه أو أصابه، حتى يَصِيرَ مِن هَوْلِه

стр. 871

وعَظيمِ شأنِه إلى هلاكٍ وعطبٍ أو (١) إلى ذَهابِ عقلٍ وغُمورِ فَهمٍ أو فقدِ بعض آلاتِ الجسمِ؛ صوتًا كان ذلك أو نارًا أو زَلْزَلَةً أو رَجْفًا. ومما يَدُلُّ على أنه قد يكونُ مَصْعوقًا وهو حَىٌّ غيرُ ميتٍ، قولُ اللهِ : ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف: ١٤٣]. يعنى مَغْشِيًّا عليه. ومنه قولُ جَريرِ بنِ عَطِيَّةَ (٢): وهل كان الفَرَزْدَقُ غيرَ قِرْدٍ … أصابَتْه الصَّواعِقُ فاسْتَدَارَا فقد عُلِم أن موسى لم يكنْ حين غُشِى عليه وصَعِق، ميِّتًا؛ لأن اللهَ جلّ ثناؤه قد أخْبَر عنه أنه لمَّا أفاق قال: ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ﴾. ولا شَبَّه جَريرٌ الفَرَزْدقَ وهو حىٌّ بالقِرْدِ ميتًا، ولكن معنى ذلك ما وصَفْنا. ويعنى بقولِه: ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾: وأنتم تَنظُرون إلى الصاعقةِ [التى أصابَتْكم. يقولُ: أخَذَتْكم الصاعقةُ عِيانًا] (٣) جَهارًا وأنتم تَنْظُرون إليها (٤). القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦)﴾. يعنى بقولِه: ﴿بَعَثْنَاكُمْ﴾: أحْيَيْناكم. وأصلُ البعثِ إثارةُ الشئِ مِن مَحَلِّه. ومنه قيل: بعَث فلانٌ راحلتَه، إذا أثارها مِن مَبْرَكِها لِتسيرَ (٥)، كما قال الشاعر (٦):

стр. 872

فأبْعَثُها وَهِيَّ صَنِيعُ (١) حَوْلٍ … كرُكْنِ الرَّعْنِ ذِعْلِبَةً وَقاحَا والرَّعْنُ: مُنْقَطعُ أنفِ الجبلِ، والذِّعْلِبَةُ: الخفيفةُ، والوَقاحُ: الشديدةُ الحافرِ أو الخُفِّ. ومِن ذلك قيل: بعَثْتُ فلانًا لحاجتي. إذا أقَمْتَه مِن مكانِه الذي هو فيه للتَّوَجُّهِ فيها. ومنه قيل ليومِ القيامةِ: يومُ البعثِ؛ لأنه يومٌ يُثارُ الناسُ فيه مِن قبورِهم لموقفِ الحسابِ. ويعني بقولِه: ﴿مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾: مِن بعدِ (٢) موتِكم بالصاعقةِ التي أهْلكَتْكم. وقولُه: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. يقولُ: فعَلْنا ذلك بكم لِتَشْكروني على ما أَوْلَيْتُكم مِن نعمتِي عليكم (٣)، بإحْيائي إياكم، [اسْتِيناءً مني لكم] (٤)، لِتُراجِعوا التوبةَ مِن عظيمِ ذنبِكم، بعدَ إحلالي العقوبةَ بكم بالصاعقةِ التي أحْلَلْتُها بكم، فأماتَتْكم بعظيمِ [خطاياكم التي كانت] (٥) منكم فيما بينَكم وبينَ ربِّكم. وهذا القولُ على تأويلِ مَن تأوَّل قولَه: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ﴾: ثم أحْيَيْناكم. وقال آخَرون: معنى قولِه: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ﴾. أى: بعَثْناكم أنبياءَ. حدَّثني بذلك موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسْباطُ،

стр. 873

عن السديِّ (١) وتأويلُ الكلامِ على ما تأوَّله السديُّ: فأخَذَتْكم الصاعقةُ، ثم أحْيَيْناكم مِن بعدِ موتِكم، وأنتم (٢) تَنْظُرون إلى إحيائِنا كم (٣) مِن بعدِ موتِكم، ثم بعَثْناكم أنبياءَ لعلكم تَشْكُرون. وزعَم السُّديُّ أن ذلك مِن المُقَدَّمِ الذي معناه التأخيرُ، والمُؤَخَّرِ الذي معناه التقديمُ. حدَّثنا بذلك موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ. وهذا تأويلٌ يَدُلُّ ظاهرُ التلاوةِ على خلافِه، مع إجماعِ أهلِ التأويلِ على تخطئتِه، فالواجبُ على تأويلِ السديِّ الذي حكَيْناه عنه أن يكونَ معنى قولِه: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾: تَشكروني (٤) على تَصْيِيرى إياكم أنبياءَ. وكان سببَ قيلِهم لموسى ما أخْبَر اللهُ عنهم أنهم قالوه له مِن قولِهم: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً﴾. ما حدَّثنا به ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ (٥)، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، قال: لما رجَع موسى إلى قومِه، ورأَى ما هم فيه مِن عبادةِ العِجْلِ، وقال لأخيه وللسامريِّ ما قال، وحرَّق العجلَ وذرَّاه في البحرِ (٦) اخْتار موسى منهم سبعين رجلًا؛ الخيِّرَ فالخيِّرَ، وقال: انْطَلِقوا إلى اللهِ

стр. 874

فتُوبوا إليه مما صنَعْتُم، وسَلُوه التوبةَ على مَن ترَكْتُم وراءَكم مِن قومِكم، صوموا وتطهَّروا وطهِّروا ثيابَكم. فخرَج بهم إلى طُورِ سَيْناءَ لميقاتٍ وقَّته له ربُّه، وكان لا يَأْتِيه إلا بإذنٍ منه وعلمٍ، فقال له السبعون -فيما ذُكِر لي- حينَ صنعوا ما أمَرهم به، وخرَجوا للقاءِ ربِّه، قالوا: يا موسى، اطْلُبْ لنا إلى ربِّك نَسْمَعْ كلامَ ربِّنا. فقال: أفْعَلُ. فلما دنا موسى مِن الجبلِ وقَع عليه [عمودُ الغَمامِ] (١) حتى تغَشَّى الجبلَ كلَّه، ودنا موسى فدخَل فيه، وقال للقومِ: ادْنُوا. وكان موسى إذا كلَّمه (٢) وقَع على جَبهتِه نورٌ ساطعٌ لا يَسْتطيعُ أحدٌ مِن بني آدمَ أن يَنْظُرَ إليه، فضُرِب دونَه بالحجابِ (٣)، ودنا القومُ حتى إذا دخَلوا في الغَمامِ وقَعوا سُجودًا، فسمِعوه وهو يُكَلِّمُ موسى يَأْمُرُه ويَنْهاه: افْعَل ولا تَفْعَلْ. فلما فرَغ إليه (٤) مِن أمرِه انْكَشَف (٥) عن موسى الغَمامُ، فأقبل إليهم فقالوا لموسى: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً﴾. فأَخذَتْهم الرجفةُ، وهي الصاعقةُ، فماتوا جميعًا، وقام موسى يُناشِدُ ربَّه ويَدْعُوه ويَرْغَبُ إليه ويقولُ: ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ﴾ [الأعراف: ١٥٥]. قد سَفِهوا، أفتُهْلِكُ مَن ورائي مِن بني إسرائيلَ [بما فعَل] (٦) السُّفهاءُ منا؟ -أى: إن هذا لهم هَلاكٌ- اخْتَرْتُ منهم سبعين رجلًا، الخيِّرَ فالخيِّرَ، أَرْجِعُ إليهم وليس معي منهم رجلٌ واحدٌ، فما الذي يُصَدِّقوني به أو يَأْمَنوني عليه بعدَ هذا؟ ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦]. فلم يَزَلْ موسى يُناشِدُ ربَّه [ويسْألُه] (٧)

стр. 875

ويَطْلُبُ إليه، حتى ردَّ إليهم (١) أرْواحَهم، وطلَب إليه التوبةَ لبني إسرائيلَ مِن عبادةِ العِجْلِ، فقال: لا، إلا أن يَقْتُلوا أنفسَهم (٢). حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسْباطُ بنُ نصرٍ، عن السديِّ: لما تابَت بنو إسرائيلَ مِن عبادةِ العِجْلِ، وتاب اللهُ عليهم بقتلِ بعضِهم بعضًا كما أمَرَهم به، أمَر اللهُ تعالى موسى أن يَأْتِيَه في ناسٍ مِن بني إسرائيلَ يَعْتَذِرون إليه مِن عبادةِ العِجْلِ، ووعَدَهم موْعِدًا، فاخْتار موسى مِن قومِه سبعين رجلًا على عَيْنِه، ثم ذهَب بهم ليَعْتَذِروا، فلما أتَوْا ذلك المكانَ قالُوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً﴾. فإنك قد كلَّمْتَه فأرِناه، فأخَذَتْهم الصاعقةُ فماتوا، فقام موسى يَبْكِي ويَدْعُو اللهَ ويقولُ: ربِّ ماذا أقولُ لبني إسرائيلَ إذا أتَيْتُهم وقد أهْلَكْتَ خِيارَهم؟ ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾. فأوْحَى اللهُ إلى موسى: إن هؤلاء السبعين ممَّن اتَّخَذ العِجْلَ. فذلك حينَ يقولُ موسى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾ [إلى قَولِه] (٣): ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ (٤) [الأعراف: ١٥٥، ١٥٦]. وذلك قولُه: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ﴾. ثم إن اللهَ أحْياهم فقاموا وعاشوا رجلًا رجلًا (٥)، يَنْظُرُ بعضُهم إلى بعضٍ كيف يَحْيَوْنَ، فقالوا: يا موسى أنت تَدْعُو اللهَ فلا تَسْألُه (٦) شيئًا إلا أعْطاك، فادْعُه يَجْعَلْنا

стр. 876

أنبِياءَ، فدعا اللهَ فجعَلهم أنبياءَ، فذلك قولُه: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾. ولكنه قدَّم حرفًا وأخَّر حرفًا (١). حدَّثني يونسُ، قال: أنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: قال لهم موسى -لما رجَع مِن عندِ ربِّه بالألواحِ قد كُتِب فيها التوراةُ، فوجَدَهم يَعْبُدون العِجْلَ، فأمَرَهم بقتلِ أنفسِهم ففعَلوا، فتاب اللهُ عليهم (٢) -: إن هذه الألواحَ فيها كتابُ اللهِ، فيه أمرُه الذي أمَرَكم به (٣)، ونَهْيُه الذي نهاكم عنه. فقالوا: ومَن يَأْخُذُه بقولِك أنت! لا واللهِ حتى نَرَى اللهَ جَهْرةً، حتى يَطْلُعَ اللهُ إلينا (٤) فيقولَ: هذا كتابي فخُذُوه، فما له لا يُكَلِّمُنا كما كَلَّمك (٥) أنت يا موسى، فيقولُ: هذا كتابي فخُذوه؟ وقرَأ قولَ اللهِ تعالى: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً﴾. قال: فجاءت غَضْبةٌ مِن اللهِ، فجاءَتْهم صاعقةٌ بعدَ التوبةِ، فصَعَقَتهم فماتوا أجْمَعُون. قال: ثم أحْياهم اللهُ مِن بعدِ موتِهم. وقرَأ قولَ اللهِ تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. فقال لهم موسى: خُذوا كتابَ اللهِ. فقالوا: لا. فقال: أيُّ شيءٍ أصابَكم؟ قالوا: أصابنا أنَّا مِتنا ثم حَيِينا. قال: خُذوا كتابَ اللهِ. فقالوا: لا. قال: فبعَث اللهُ ملائكةً فنَتَقتِ الجبلَ فوقَهم (٦). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن قَتادةَ في قولِه: ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ

стр. 877

مَوْتِكُمْ﴾. قال: أخَذَتْهم الصاعقةُ، ثم بعَثهم اللهُ ليُكْمِلوا بقيةَ آجالِهم (١). حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ ابنِ أنسٍ في قولِه: ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ﴾. قال: هم السبعون الذين اخْتارَهم موسى فساروا معه. قال: فسمِعوا كلامًا، فقالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً﴾. قال: فسمِعوا صوتًا فصَعِقوا. يقولُ: ماتوا (٢). فذلك قولُه: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾. فبُعِثوا مِن بعدِ موتِهم؛ لأن موتَهم ذاك كان عقوبةً لهم، فبُعِثوا لبقيةِ آجالِهم (٣). فهذا ما رُوِى في السببِ الذي مِن أجلِه قالوا لموسى: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً﴾. ولا خبرَ عندَنا بصحةِ شيءٍ مما قاله مَن ذكَرْنا قولَه في سببِ قِيلِهم ذلك لموسى تقومُ به حجةٌ [فيُسَلَّمَ له] (٤)، وجائزٌ أن يكونَ ذلك بعضَ ما قالوه، فإذ كان لا خبرَ بذلك تقومُ به حُجةٌ، فالصوابُ مِن القوِل فيه أن يقالَ: إن اللهَ تعالى ذكرُه قد أخْبَر عن قومِ موسى أنهم قالوا له: ﴿يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً﴾. كما أخْبَر عنهم أنهم قالوه، وإنما أخْبَر اللهُ بذلك عنهم الذين خُوطِبوا بهذه الآياتِ تَوْبيخًا

стр. 878

لهم على كفرِهم بمحمدٍ ﷺ ، [وقد] (١) قامَت حجَّتُه على مَن احتَجَّ به عليه، ولا حاجةَ لمَن انْتَهَت إليه إلى معرفةِ السببِ الداعي كان (٢) لهم إلى قيلِ ذلك، وقد قال الذين أخْبَرنا عنهم الأقوالَ التي ذكَرْناها، وجائزٌ أن يكونَ بعضُها حقًّا كما قالوا. القولُ في تأويلِ قولِه جلّ وعزّ: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾. قال أبو جعفرٍ: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾. عطفٌ على قولِه: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾. فتأويلُ الآيةِ: ثم بعَثْناكم مِن بعدِ موتِكم، وظلَّلنا عليكم الغَمامَ -وعدَّد عليهم سائرَ ما أنْعَم به عليهم- لعلكم تَشْكُرون. والغَمامُ جماعُ غَمامةٍ، كما السَّحابُ جماعُ سَحابةٍ، والغَمامُ هو ما غَمَّ السماءَ فألْبَسَها، مِن سَحابٍ وقَتَامٍ، وغيرِ ذلك مما يَسْتُرُها عن أعينِ الناظرين، وكلُّ مغطًّى [فإن العربَ] (٣) تُسَمِّيه مَغْمومًا. وقد قيل: إن الغَمامَ التي ظلّلها اللهُ على بني إسرائيلَ لم تَكنْ (٤) سَحابًا. حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ قولَه: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾. قال: ليس بالسَّحابِ (٥). حدَّثنا المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو حُذَيفةَ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ،

стр. 879

عن مُجاهِدٍ قولَه: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾. قال: ليس بالسَّحابِ (١)، هو الغَمامُ الذى يَأْتى اللهُ فيه يومَ القيامةِ، لم يكنْ إلا لهم (٢). حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِ اللهِ جلَّ وعزَّ: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾. قال: هو بمنزلةِ السَّحابِ. حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسين، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾. قال: غَمامٌ أبْرَدُ مِن هذا وأطيبُ، وهو الذى يَأْتى اللهُ جلَّ وعزَّ فيه يومَ القيامةِ. في قولِه: ﴿فِي ظُلَلٍ (٣) مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠]. وهو الذى جاءَت فيه الملائكةُ يومَ بدرٍ. قال ابنُ عباسٍ: وكان معهم في التِّيهِ (٤). وإذ كان معنى الغَمامِ ما وصَفْنا، مما غمَّ السماءَ مِن شيءٍ فغطَّى وجهَها عن الناظرِ إليها، فليس الذى ظلَّله اللهُ على بني إسرائيلَ فوصَفه بأنَّه كان غَمامًا، بأوْلَى بوصفِه إياه بذلك أن يكونَ سَحابًا، منه بأن يكونَ غيرَ ذلك مما ألْبَس وجهَ السماءِ مِن شيءٍ. وقد قيل: إنه ما ابيضَّ مِن السَّحابِ (٥).

стр. 880

القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في صفةِ المنِّ؛ فقال بعضُهم بما حدَّثنى به محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ : ﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ﴾. قال؛ المَنُّ صَمْغةٌ (١). وحدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا أبو حُذَيفةَ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ مثلَه. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قَتادةَ في قولِه: ﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ﴾. يقولُ: كان المنُّ يَنْزِلُ عليهم مثلَ الثلجِ (٢). وقال آخَرون: هو شَرابٌ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى المثنى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بنِ أنسٍ، قال: المنُّ شرابٌ كان يَنْزِلُ عليهم مثل العسلِ، فيَمْزُجونه بالماءِ ثم يَشْرَبونه (٣). وقال آخَرون: المنُّ عسلٌ.
следующие страницы →