← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 9626–9665 · переход к 9631.

стр. 9626

لأنه لا يَكُونُ إلهًا إلا مَن يَخْلُقُ ويُنْشِئُ بقدرتِه مثل السماواتِ والأرضِ، ويَبْتَدِعُ الأجسامَ فيُحْدِثُها مِن غيرِ شيءٍ، وليس ذلك في قُدرةِ أحدٍ سوى اللهِ الواحدِ القهارِ، الذي لا تَنْبَغى العبادةُ [إِلَّا له] (١)، ولا تَصْلُحُ الأُلوهةُ لشيءٍ سواه. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ومِن حُجَجِه عليكم أيضًا، أيُّها الناسُ، أنه خلَق الإنسانُ من نطفةٍ، فأحدَث مِن ماءٍ مَهينٍ خلقًا عجيبًا، قَلَبه تاراتٍ خَلْقًا بعد خلقٍ، في ظلماتٍ ثلاثٍ، ثم أخرَجه إلى ضياءِ الدنيا، بعدَما تمَّ خلقُه، ونفَخ فيه الروحَ، فغذّاه ورزَقه القوتَ، ونمَّاه، حتى إذا استوى على سُوقِه، كفَر بنعمةِ ربِّه، وجحَد مدبرَه، وعبَد مَن لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ، وخاصَم إلهَه، فقال: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨]. ونَسِى الذي خلَقه، فسوَّاه خلقًا سَوِيًّا مِن ماءٍ مَهِينٍ. ويَعْنى بالمُبينِ: أنه يُبينُ عن خصومتِه بمنطقِه، ويجادِلُ بلسانِه، فذلك إبانتُه، وعُنِى بالإنسانِ: جميعُ الناسِ، أُخْرِج بلفظِ الواحدِ، وهو في معنى الجميعِ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ومِن حُجَجِه عليكم أيُّها الناسُ ما خلَق لكم مِن الأنعامِ، فسخَّرها لكم، وجعَل لكم من أصوافِها وأوبارِها وأشعارِها ملابسَ تَدْفَئُون بها، ومنافعَ من ألبانِها، وظهورَها تَرْكَبُون (٢)، ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾. يقولُ: ومِن

стр. 9627

الأنعامِ ما تَأْكُلون لحمَه؛ كالإبلِ والبقرِ والغنمِ وسائرِ ما يُؤكَلُ لحمُه. وحُذِفت "ما" من الكلامِ، لدِلالة "مِن" عليها. وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى وعليُّ بنُ داودَ، قال المُثَنَّى: أخبرنا. وقال ابن داودَ: ثنا عبدُ اللهِ بن صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾. يقولُ: الثيابُ (١). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾: يَعْنى بالدفءِ الثيابَ، والمنافعِ ما تَنْتَفِعون به مِن الأطعمةِ والأشربةِ. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، وحدَّثني المُثَنَّى، قال: أخبَرنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قولِ اللهِ تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾. قال: لباسٌ يُنْسَجُ، ومنها مَرْكَبٌ ولبنٌ ولحمٌ (٢). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾: لباسٌ يُنْسَجُ، ﴿وَمَنَافِعُ﴾: مَرْكَبٌ ولحمٌ ولبنٌ.

стр. 9628

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ﴾. قال: نَسْلُ كلِّ دابةٍ (١). حدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ بإسنادِه، عن ابن عباسٍ مثلَه. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ﴾. يقولُ: لكم فيها لباسٌ ومنفعةٌ وبُلْغةٌ (٢). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾. قال: هو منافعُ ومآكلُ. حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ، في قولِه: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾. قال: دفءُ اللُّحُفِ التي جعَلها اللهُ منها. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بكرٍ، عن ابن جريجٍ، قال: بلَغني عن مجاهدٍ: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ﴾. قال: نِتاجُها

стр. 9629

ورُكوبُها وألبانُها ولحومُها. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦) وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٧)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولكم في هذه الأنعام والمواشي التي خَلَقها اللهُ لكم ﴿جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ﴾. يعني: تَرُدُّونَها بالعشيِّ من مسارحِها إلى مُراحِها ومنازلِها (١) التي تأوِى إليها، ولذلك سُمِّى المكانُ المُراحَ، لأنها تُراحُ إليه عشاءً (٢)، فتأوى إليه، يقالُ منه: أراح فلانٌ ماشيتَه، فهو يُريحُها إراحةً. وقولُه: ﴿وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾. يقولُ: وفى وقتِ إخراجِكموها غُدوةً مِن مُراحِها إلى مسارحِها، يقالُ منه: سَرَّح فلانٌ ماشيتَه يُسَرِّحُها تَسريحًا [وشروحا] (٣)، إذا أخرَجها للمرعى (٤) غُدْوةً، وسرَحت الماشيةُ: إذا خرَجت للمرعى، تَسْرَح سرْحًا [وسُرُوحا] (٥) فالسَّرْحُ بالغداةِ، والإراحةُ بالعشيِّ، ومنه قولُ الشاعرِ (٦): كأنَّ بقايا الأثرِ (٧) فوق مُتُونِه … مَدَبُّ الدَّبَى (٨) فوقَ النّقا (٩) وَهْوَ سارحُ

стр. 9630

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾: وذلك أعجبُ ما يكونُ، إذا راحت عظامًا ضُروعُها، طِوالًا، أسنِمتُها، ﴿وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾: إذا سرَحت لرِعْيَتِها (١). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ﴾ (٢). قال: إذا راحت كأعظمِ ما تَكونُ (٢) أسنمةً وأحسنِ ما تكونُ (٣) ضُروعًا (٤). وقولُه: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾. يقولُ: وتَحْمِلُ هذه الأنعامُ أثقالكم (٥) إلى بلدٍ آخرَ، لم تَكُونوا بالغِيه (٦) إلا بجَهْدٍ من أنفسِكم شديدٍ، ومشقةٍ عظيمةٍ، كما حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا شريكٌ، عن جابرٍ، عن عكرمةٍ: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾. قال: لو تُكَلَّفونه لم تَبْلُغوه إلا بجَهْدِ شديدٍ. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن شريكٍ، عن سِماكٍ، عن

стр. 9631

عكرمةَ: ﴿إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾. قال: لو كُلِّفْتُموه لم تَبْلغوه إلا بشِقِّ الأنفسِ (١). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحِمانيُّ، قال: ثنا شَريكٌ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ: ﴿إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾. قال: البلدُ مكةُ (٢). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، وحدَّثني المُثَنَّى، قال: أخبرَنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، وحدَّثني المُثَنَّى، قال: أخبَرنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قولِ اللهِ: ﴿إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾. قال: مشقةٍ عليكم (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهد مثله. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾، يقول: بِجَهْدِ الأنفسِ. حدَّثنا محمدُ [بنُ عبدِ الأعلى] (٤)، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ بنحوِه (٥).

стр. 9632

واختلفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ الأمصارِ بكسرِ الشينِ: ﴿إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾. سوى أبي جعفر القارئِ (١)، فإن المثنى حدَّثني، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ أبي حمادٍ، قال: ثني أبو سعيدٍ الرازيُّ، عن أبي جعفرٍ قارئِ المدينةِ أنه كان يَقْرَأُ: ﴿لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾، بفتحِ الشينِ، وكان يقولُ: إنما الشَّقُّ: شَقُّ النفسِ. وقال ابن أبي حمادٍ: وكان معاذٌ الهرَّاءُ يقولُ: هي لغةٌ، تقولُ العربُ: بشَقٍّ وبشِقٍّ، وبرَقٍّ وبرِقٍّ. والصوابُ من القراءةِ في ذلك عندَنا ما عليه قرأةُ الأمصارِ، وهى كسرُ الشينِ، لإجماعِ الحجةِ من القرأةِ عليه، وشذوذِ ما خالَفه، وقد يُنْشَدُ هذا البيتُ بكسرِ الشينِ وفتحِها، وذلك قولُ الشاعرِ (٢): وذى إبلٍ يَسْعَى ويَحْسِبُها له … أخي نَصَبٍ مِن شِقِّها ودُءوبِ و "مِن شَقِّها"، أيضًا، بالكسرِ والفتحِ؛ وكذلك قولُ العجّاجِ (٣): أصبَح مَسْحولٌ (٤) يوازى شَقًا و "شَقًّا"، بالفتحِ والكسرِ، يَعْنى بقولِه: "يوازى شِقًّا": يُقاسي مشقةً. وكان بعضُ أهلِ العربيةِ يَذْهَبُ بالفتحِ إلى المصدرِ مِن: شَقَقْتُ عليه أَشُقُّ شَقًّا. وبالكسرِ إلى الاسمِ. وقد يَجُوزُ أن يكونَ الذين قرَءوا بالكسرِ، أرادوا إلا ينقصٍ مِن القوَّةِ، وذَهَابِ شيءٍ منها، حتى لا يَبْلُغَه إلا بعدَ نَقْصِها، فيكونَ معناه عندَ ذلك: لم

стр. 9633

تكونوا بالغيه إلا بشقِّ قُوَى أنفسِكم، وذَهَابِ شِقِّها الآخرِ. ويُحْكَى عن العربِ: خُذْ هذا الشِّقَّ. لشِقَّةِ الشاةِ، بالكسرِ. فأما في: شَقَقْتُ (١) عليك شَقًّا، فلم يُحْكَ فيه إلا النصبُ (٢). وقولُه: ﴿إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن ربَّكم أيُّها الناسُ ذو رأفةٍ (٣) ورحمةٍ، ومن رحمتِه بكم خلَق لكم الأنعامَ لمنافِعِيكم ومصالحِكم، وخلَق السماواتِ والأرضَ أدلةً لكم على وحدانيةِ ربِّكم، ومعرفةِ إلهِكم، لتَشْكُروه على نِعَمِه عليكم، فيزيدَكم مِن فضلهِ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وخلَق الخيلَ والبغالَ والحَميرَ لكم أيضًا لتركَبوها، ﴿وَزِينَةً﴾. يقولُ: وجعَلها لكم زينةً، تَتَزَينون بها، مع المنافعِ التي فيها لكم للركوبِ وغيرِ ذلك، ونُصِبَ الخيلُ والبغالُ، عطفًا على الهاءِ والألفِ في قولِه: ﴿خَلَقَهَا﴾. ونُصِبَ الزينةُ بفعل مضمرٍ على ما بَيَّنتُ، ولو لم يَكُنْ معها (٤)، واوٌ، وكان الكلامُ: لتركَبوها زينةً. كانت منصوبةً بالفعلِ الذي قبلَها، الذي هي به متصلةٌ، ولكنَّ دخولَ الواوِ آذَنَت بأن معها ضميرَ فعلٍ، وبانقطاعِها عن الفعلِ الذي قبلَها.

стр. 9634

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾. قال: جعَلها لتَرْكَبوها، وجعَلها زينةً لكم (١). وكان بعضُ أهلِ العلمِ يرى أن في هذه الآيةِ دلالةً على تحريمِ أكلِ لُحومِ الخيلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدِ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا أبو حمزةَ (٢)، عن أبي (٣) إسحاقَ، عن رجلٍ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا﴾. قال: هذه للرُّكوبِ. ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾. قال: هذه للأكلِ. حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، قال: ثنا (٤) هشامٌ الدَّستوائيُّ، قال: ثنا يحيى بنُ أبي كثيرٍ، عن مولى (٥) نافعِ بن عَلْقمةَ، أن ابنَ عباسٍ كان يَكْرَهُ لحومَ الخيلِ والبغالِ والحميرِ، وكان يقولُ: قال اللهُ: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾. فهذه للأكلِ، ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ

стр. 9635

لِتَرْكَبُوهَا﴾؛ فهذه للرُّكوبِ (١). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن ابن (٢) أبي ليلى، [عن المنهالِ] (٣)، عن سعيدٍ، عن ابن عباسٍ، أنه سُئِل عن لُحومِ الخيلِ، فكرِهها، وتلا هذه الآية: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا﴾ الآية (٤). حدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا قيسُ بنُ الربيعِ، عن ابن أبي ليلى، عن المنهالِ بنُ عمرٍو، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ أنه سُئِل عن لُحومِ الخيلِ، فقال: اقْرَأ التي قبلَها: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ … ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا﴾، فجعَل هذه للأكلِ، وهذه للرُّكوبِ. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ عبدِ الملكِ بنُ أبي غَنِيَّة (٥)، عن أبيه، عن الحَكَمِ: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾: فجعَل منه الأكلَ. ثم قرَأ حتى بلَغ: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا﴾. قال: لم يَجْعَلْ لكم فيها أكلًا. قال: وكان الحَكَمُ يقولُ: الخيلُ والبغالُ والحميرُ حرامٌ في كتابِ اللهِ (٦).

стр. 9636

حدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا ابن أَبي غَنِيَّةً (١)، عن الحَكَمِ، قال لُحومُ الخيلِ حرامٌ في كتابِ اللهِ. ثم قرَأ: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ﴾ إلى قولِه: ﴿لِتَرْكَبُوهَا﴾. وكان جماعةٌ غيرُهم مِن أهلِ العلمِ يُخالِفونهم في هذا التأويلِ، ويَرَوْن أن ذلك غيرُ دالٍّ على تحريمِ شيءٍ، وأن الله جلَّ ثناؤُه إنما عرَّف عبادَه بهذه الآيةِ، وسائرِ ما في أوائلِ هذه السورةِ، نِعَمَه عليهم، ونبَّههم به على حُجَجِه عليهم، وأدلتِه على وحدانيتِه، وخَطَأَ فعلِ مَن يُشْرِكُ به مِن أهلِ الشركِ. ذكرُ بعضِ مَن كان لا يَرَى بأسًا بأكلِ لحمِ الفَرَسِ حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن شعبةَ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ، عن الأسودِ، أنه أكَل لحمَ فَرَسٍ (٢). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن شعبةَ، عن الحَكَمِ، عن إبراهيمَ، عن الأسود بنحوِه. حدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، قال: نحَر أصحابُنا فَرَسًا في النَّجْعِ (٣)، وأكَلوا منه، ولم يرَوا به بأسًا (٤). والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا ما قاله أهلُ القولِ الثاني، [وذلك] (٥) أنه لو

стр. 9637

كان في قولِه تعالى ذكرُه: ﴿لِتَرْكَبُوهَا﴾. دِلالةٌ على أنها لا تَصْلُحُ - إذ كانت للركوبِ - للأكلِ، لكان في قولِه: ﴿فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾. دلالةٌ على أنها لا تَصْلُحُ - إذ كانت [للأكلِ والدِّفْءِ - للركوبِ، وفي إجماعِ الجميعِ على أن ركوبَ (١) ما قال تعالى ذكرُه: ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾. جائزٌ حلالٌ غيرُ حرامٍ، دليل] (٢) واضحٌ على أن أكلَ ما قال: ﴿لِتَرْكَبُوهَا﴾. جائزٌ حلالٌ غيرُ حرامٍ، إلا بما نَصَّ على تحريمِه، أو وضَع على تحريمِه دلالةً؛ مِن كتابٍ، أو وحيٍ إلى رسولهِ ﷺ . فأما بهذه الآيةِ، فلا يُحَرَّمُ أَكلُ شيءٍ. وقد وضَع الدَّلالةَ على تحريمِ لُحومِ الحُمُرِ الأهليةِ بوحيِه إلى رسولِه، وعلى البغالِ بما قد بيَّنا في كتابِنا، كتابِ الأطعمةِ، بما أغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ، إذ لم يَكُنْ هذا الموضعُ من مواضعِ البيانِ عن تحريمِ ذلك، وإنما ذكَرنا ما ذكَرنا، ليَدُلَّ على ألَّا وجهَ لقولِ (٣) مَن اسْتَدَلَّ بهذه الآيةِ على تحريمِ لُحومِ (٤) الفرسِ. حدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن عبدِ الكريمِ، عن عطاءٍ، عن جابرٍ، قال: كنا نأكُلُ لحمَ الخيلِ على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ قلت: فالبغالُ؟ قال: أما البغالُ فلا (٥). وقولُه: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ويَخْلُق ربُّكم مع خلقِه هذه الأشياءَ التي ذكَرها لكم، ما لا تَعْلَمون، مما أعَدَّ في الجنةِ لأهلِها، وفي

стр. 9638

النارِ لأهلِها، مما لم تَرَهُ عَينٌ، ولا سمِعته أذنٌ، ولا خطَر على قلبِ بشرٍ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (٩)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وعلى اللهِ، أَيُّها الناسُ، بيانُ طريقِ الحقِّ لكم، فمن اهْتَدى فلنفسِه، ومَن ضلَّ فإنما يَضِلُّ عليها. والسبيلُ هي الطريقُ، والقصدُ مِن الطرقِ (١): المستقيمُ الذي لا اعوجاجَ فيه، كما قال الراجزُ (٢): فصَدَّ عن نَهْج الطريقِ القاصدِ وقولُه: ﴿وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾. يَعْنى تعالى ذكرُه: ومن السبيلِ جائزٌ عن الاستقامةِ مُعْوَجٌّ، فالقاصدُ من السُّبُلِ الإسلامُ، والجائرُ منها اليهوديةُ والنصرانيةُ وغيرُ ذلك مِن مِلَلِ الكفرِ، كلُّها جائرٌ عن سواءِ السبيلِ وقصدِها، سوى الحنيفيةِ المسلمةِ، وقيل: ﴿وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾. لأن السبيلَ يُؤَنَّثُ ويُذَكَّرُ، فأُنثتْ في هذا الموضعِ. وقد كان بعضُهم يقولُ: إنما قيل: ﴿وَمِنْهَا﴾، لأنَّ السبيلَ وإن كان لفظُها لفظَ واحدٍ، فمعناها الجمعُ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: أخبرنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾. يقولُ: البيانُ (٣).

стр. 9639

حدَّثنا محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾، يقولُ: على اللهِ البيانُ؛ أن يُبَيِّن الهدى والضلالةَ (١). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، وحدَّثني المثنى، قال: أخبرنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، وحدَّثني المُثَنَّى، قال: أخبرَنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾. قال: طريقُ الحقِّ على اللهِ (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، [قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه] (٣). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾. يقولُ: على اللهِ البيانُ؛ بيانُ (٤) حلالِه وحرامِه، وطاعتِه ومعصيتِه (٥). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾. قال: [السبيلُ طريقً الهدى] (٦) (٧).

стр. 9640

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾. قال: إنارتُها. حدَّثت عن الحسينِ، قال: سمِعت أبا معاذٍ، يقولُ: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعت الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾، يقولُ: على اللهِ البيانُ، يُبَيِّنُ الهدى مِن الضلالةِ، ويُبَيِّنُ السبيلُ التي تَفَرَّقت عن سُبُلِه، ومنها جائرٌ (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾: أي من السُّبُل (٢)، سُبُلُ (٣) الشيطانِ. وفى قراءةِ عبدِ اللهِ بن مسعودٍ: (وَمِنْكُمْ جائِرٌ، وَلَوِ شَاءَ (٤) لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ). حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾. قال: في حرفِ ابن مسعود: (وَمِنْكُمْ جائِرٌ) (٥). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، [عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾. يعنى: السبلُ المتفرِّقةُ (٦). حدَّثني عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليّ] (٧)، عن

стр. 9641

ابن عباسٍ، في قولِه: ﴿وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾. يقولُ: الأهواءُ المختلفةُ (١). حدَّثت عن الحسينِ، قال: سمِعت أبا معاذٍ، يقولُ: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعت الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾. يعنى: السبلُ التي تَفَرَّقت عن سبيلِه. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾ السبلُ المتَفَرقةُ عن سبيلِه. حدَّثنا يونسُ، [قال: أخبَرنا ابن وهبٍ] (٢)، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾. قال: من السُّبُلِ جائرٌ عن الحقِّ. قال: وقال اللهُ: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (٣) [الأنعام: ١٥٣]. وقولُه: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾. يقولُ: ولو شاء اللهُ للَطَفَ بجميعِكم، أيُّها الناسُ، بتَوْفِيقِه، فكنتم تَهْتَدون، وتَلْزَمون قصدَ السبيلِ، ولا تَجُورون عنه، فتَتَفرَّقون في سبلٍ عن الحقِّ جائرةٍ. كما حدّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ، في قولِه: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾. قال: لو شاء لهداكم أجمعين لقَصْدِ السبيلِ الذي هو الحقُّ. وقرَأ: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ الآية [يونس: ٩٩)، وقرَأ: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ الآية [السجدة: ١٣]. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠)﴾.

стр. 9642

يقولُ تعالى ذكرُه: والذي أنعَم عليكم هذه النِّعَمَ، وخلَق لكم الأنعامَ والخيلَ وسائرَ البهائمِ لمنافعِكم ومصالحِكم، هو الربُّ الذي أنزَل من السماءِ ﴿مَاءً﴾، يعني: مطرًا، ﴿لَّكُمْ﴾، مِن ذلك الماءِ ﴿شَرَابٌ﴾ تَشْرَبونه، ﴿وَمِنْهُ﴾ شرابُ أشجارِكم وحياةُ غُروسِكم ونباتُها. ﴿فِيهِ تُسِيمُونَ﴾. يقولُ: في الشجرِ الذي يَنْبُتُ مِن الماءِ الذي أُنْزِل مِن السماءِ تُسِيِمون، يعنى تُرْعُون، يقالُ منه: أسام فلانٌ إبِلَه يُسِيمُها إسامةً، إذا أرْعاها، وسوَّمها أيضًا يُسوِّمُها، وسامَت هي، إذا رعَت، فهي تَسُومُ، وهى إبلٌ سائمةٌ، ومن ذلك قيل للمواشِي المُطْلَقَةِ في الفلاةِ وغيرها للرَّعْيِ: سائمةٌ. وقد وجَّه بعضُهم معنى السَّوْمِ في البيعِ، إلى أنه مِن هذا، وأنه ذَهابُ كلِّ واحدٍ من المتَبايِعَيْن، فيما يَنْبَغى له مِن زيادةِ ثمنٍ ونقصانٍ (١) كما تَذْهَبُ سوائمُ المواشى حيثُ شاءَت مِن مراعيها، ومنه قولُ الأعشى (٢): ومشَى القومُ بالعِمَادِ إلى الرَّزْ … حَى (٣) وأعيا المُسيمَ أين المساقُ وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن النَّضْرِ بن عربيٍّ، عن عكرمةَ: ﴿وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾. قال: تُرْعُونَ (٤). حدَّثنا أحمدُ بنُ سهيلٍ الواسطيُّ، قال: ثنا قرةُ بنُ عيسى، عن النضرِ بن عربيٍّ،

стр. 9643

عن عكرمةَ، في قولِه: ﴿فِيهِ تُسِيمُونَ﴾. قال: تُرْعُون (١). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن خُصَيفٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: تُرْعُون. حدَّثني عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ مثلَه. حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾. يقولُ: شَجَرٌ يُرْعُون فيه أنعامَهم وشاءَهم. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿فِيهِ تُسِيمُونَ﴾. قال: تُرْعُون. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو معاويةَ وأبو خالدٍ، عن جُوَييرٍ، عن الضحاكِ: فيه تُرْعُون (٢). حدِّثت عن الحسينِ، قال: سمِعت أبا معاذٍ، يقولُ: ثنا عبيدٌ، عن الضحاكِ، في قولِه: ﴿تُسِيمُونَ﴾. يقول: تُرْعُون أنعامَكم حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن طلحةَ بن أبي طلحةَ القَنّادِ، قال: سمِعت عبدِ اللهِ بنَ عبدِ الرحمنِ بن أَبزَى، قال: فيه تُرْعُون. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾. يقولُ: تُرْعُون.

стр. 9644

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: تُرْعُون (١). حدَّثنا محمدُ بنُ سنانٍ، قال: ثنا سليمانُ، قال: ثنا أبو هلالٍ، عن قتادةَ في قولِ اللهِ: ﴿شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾. قال: تُرْعُون. حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾. قال: تُوْعُونَ (٢). قال: الإسامةُ الرِّعْيَةُ، وقال الشاعرُ (٣): مثلِ ابن بَزْعَةَ أَو كَآخَر مِثْلِهِ … أَوْلَى لك ابنَ مُسِيمةِ الأجْمالِ قال: يا بنَ راعيةِ الأجْمالِ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يُنْبِتُ لكم ربُّكم بالماءِ الذي أنزَل لكم مِن السماءِ، زَرْعَكم وزَيْتونَكم ونَخِيلَكم وأعنابَكم، ﴿وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾، يعنى مِن كلِّ الفواكهِ غيرِ ذلك، أرزاقًا لكم وأقواتًا وإدامًا وفاكهةً، نعمةً منه عليكم بذلك وتَفْضُّلًا، وحُجَّةً على مَن كفَر به منكم، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: إن في إخراجِ اللهِ بما يُنْزِلُ مِن السماءِ مِن ماءٍ، ما وصَف لكم ﴿لَآيَةً﴾. يقول: لدلالةً واضحةً، وعلامةً بيِّنةً ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾. يقولُ: لقومٍ يَعْتَبرون مواعظَ اللهِ، ويَتَفَكَّرون في حُجَجِه، فيَتَذَكَّرون ويُنيبون.

стр. 9645

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿(١١) وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٢)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ومِن نِعَمِه عليكم أيُّها الناسُ، مع التي ذكَرها قبلُ، أن سخَّر لكم الليلَ والنهارَ يَتَعاقَبان عليكم، هذا لتَصَرُّفِكم في معاشِكم، وهذا لسكَنِكم فيه، ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ لمعرفةِ أوقاتِ أزمنتِكم وشهورِكم وسنينِكم، وصلاحِ معايِشكم، ﴿وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ﴾ لكم بأمرِ الله، تَجْرى في فَلَكِها، لتَهْتَدُوا بها في ظُلُماتِ البرِ والبحرِ. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن في تَسْخيرِ اللهِ ذلك على ما سخَّره، لدِلالاتٍ واضحاتٍ، لقومٍ يَعْقِلُون حُجَجَ اللهِ ويَفْهَمون عنه تنبيهَه إياهم. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٣)﴾. يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ﴾: وسخَّر لكم ما ذرَأ لكم، أي ما خلَق لكم في الأرضِ ﴿مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾ مِن الدوابِّ والثمارِ. كما حدَّثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٍ، عن قتادةَ قوله: ﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾. يقول: وما خلَق لكم ﴿مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾ من الدوابِّ، ومن الشجرِ والثمارِ، نِعَمٌ مِن الله مُتظاهِرةٌ، فاشْكُروها للهِ (١). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن

стр. 9646

قتادةَ، قال: مِن الدوابِّ والأشجارِ والثمارِ (١). ونُصِب قولُه: ﴿مُخْتَلِفًا﴾ لأن قولَه ﴿وَمَا﴾ في موضعِ نصبٍ بالمعنى الذي وصَفت. وإذا كان ذلك كذلك، وجَب أن يكونَ ﴿مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾، حالًامِن "ما"، والخبرُ دونَه تامٌّ (٢)، ولو لم تَكُنْ "ما" في موضعِ نصبٍ، وكان الكلامُ مبتدأً مِن قولِه: ﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ﴾ لم يَكُنْ في "مختلفٍ" إلا الرفعُ؛ لأنه كان يصيرُ مُرافَعَ "ما" حينَئذٍ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٤)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: والذي فعَل هذه الأفعالَ بكم وأنعَم عليكم، أيُّها الناسُ، هذه النِّعَمَ، هو الذي سخَّر لكم البحرَ، وهو كلُّ نَهَرٍ، مِلْحًا كان ماؤه أو عَذْبًا ﴿لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾، وهو السمكُ الذي يُصْطادُ منه ﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾، وهى اللُّؤلُؤُ والمَرجانُ. كما حدَّثني المُثَنَّى، قال: أخبرنا إسحاقُ، قال: أخبرنا هشامٌ، عن عمرٍو، عن سعيدٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾. قال: منهما (٣) جميعًا. ﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾، قال: هذا اللُّؤْلُوُ (٤).

стр. 9647

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾، يعني: حِيتانَ البحرِ. حدَّثني المُثَنَّى، قال: أخبرنا إسحاقُ، قال: ثنا [خلَّادُ بنُ] (١) يحيى، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الملكِ، قال: جاء رجلٌ إلى أبى جعفرٍ، فقال: هل في حُلْيِ النساءِ صَدَقَةٌ؟ قال: لا، هي كما قال اللهُ : ﴿حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ (٢). ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ﴾، يعنى: السُّفْنَ ﴿مَوَاخِرَ فِيهِ﴾، وهى جمعُ ماخِرةٍ. وقد اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿مَوَاخِرَ﴾؛ فقال بعضُهم: المواخرُ المواقِرُ (٣). ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا عمرٍو بنُ موسى القزّازُ، قال: ثنا عبدُ الوارثِ، قال: ثنا يونسُ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ﴾. قال: المواقِرُ (٤). وقال آخرون في ذلك بما حدَّثنا به عبدُ الرحمنِ بنُ الأسودِ، قال: ثنا محمدُ بنُ ربيعةَ، عن أبي بكرٍ الأصمِّ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ﴾، قال: ما أُخِذ عن يمينِ السفينةِ وعن يَسارِها مِن الماءِ، فهو المواخرُ. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن أبي مَكِينٍ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ﴾. قال: هي السفينةُ تقولُ بالماءِ هكَذا. يَعْنى:

стр. 9648

تَشْقُّه (١). وقال آخرون فيه: بما حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن إسماعيلَ، عن أبي صالحٍ: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيه﴾. قال: تَجْرى فيه مُتَعَرِّضةً. وقال آخرون فيه بما حدَّثني به محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيه﴾. قال: تَمْخُرُ السفينةُ الرياحَ، ولا تَمْخُرُ الريحُ من السُّفُنِ، إلا الفُلْكَ العظيمَ (٢). حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، وحدَّثني المُثَنَّى، قال: أخبرنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، وحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا: إسحاقُ، قال: ثنا عبد اللهِ، عن ورقاءَ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ نحوَه، غيرَ أن الحارثَ قال في حديثِه: ولا تَمْخُرُ الرياحُ مِن السفنِ (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ نحوَه. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿مَوَاخِرَ﴾. قال: تَمْخُرُ الريحَ. وقال آخرون فيه ما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:

стр. 9649

﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ﴾: تَجْرِى بريحٍ واحدةٍ، مُقبلةً ومُدبِرةً (١). حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: تجرى مُقْبِلةً ومُدْبِرةً، بريحٍ واحدةٍ (٢). حدَّثنا المُثَنَّى، قال: أخبرنا إسحاقُ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن يزيدَ بنُ إبراهيمَ، قال: سمِعت الحسنَ: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ﴾. قال: مقبلةً ومدبرةً، بريحٍ واحدةٍ (٣). والمخْرُ في كلامِ العربِ صوتُ هبوبِ الريحِ إذا اشتدَّ هبوبُها، وهو في هذا الموضعِ صوتُ جريِ السفينةِ بالريحِ إذا عصَفَت، وشَقِّها الماءَ حينَئِذٍ بصدرِها. يُقالُ: منه: مخَرَت السفينةُ تَمْخُرُ مَخْرًا ومُخورًا، وهى ماخرةٌ. ويقالُ: امْتَخَرْتُ الريحَ وتَمَخَّرْتُها. إذا نظَرْتَ مِن أين هُبوبُها، وتَسَمَّعْتَ صوتَ هُبوبِها. ومنه قولُ واصلٍ مولى أبي (٤) عُيَيْنةَ: كان يُقالُ: إذا أراد أحدُكم البولَ فلْيَتَمَخَّرِ الريحَ. يريدُ بذلك: ليَنْظُرْ مِن أينَ مَجراها وهبوبُها؛ ليَسْتَدْبِرَها، فلا تُرجِعَ عليه البولَ وتردَّه عليه (٥). وقولُه: ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولتَتصَرَّفوا في طلبِ معايِشِكم بالتجارةِ (٦)، كما حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾. قال: تجارةُ البرِّ والبحرِ.

стр. 9650

وقولُه: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. يقولُ: ولتَشْكُروا ربَّكم على ما أنعَم به عليكم، من ذلك [ما سخَّر لكم] (١) مِن هذه الأشياءِ، التي عدَّدها في هذه الآياتِ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ومِن نِعَمِه عليكم أيُّها الناسُ أيضًا، أن ألْقَى في الأرضِ رواسِيَ، وهى جمعُ راسيةٍ، وهى الثوابتُ في الأرضِ مِن الجبالِ. وقولُه: ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ يعنى: أن لا تميدَ بكم، وذلك كقولِه: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦). والمعنى: أن لا تَضِلوا. وذلك أنه جلَّ ثناؤُه أرْسَى الأرضَ بالجبالِ، لئلا تَمِيدَ خلقَه الذي على ظهرِها، وقد كانت مائدةً قبل أن تُرْسَى بها. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ، عن قيسِ بن عُبَادٍ، أن الله ﵎ لما خلَق الأرضَ جَعَلت تمورُ، قالت الملائكةُ: ما هذه بمُقِرَّةٍ على ظهرِها أحدًا، فأصبَحت صُبحًا وفيها رواسيها (٢). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحجاجُ بنُ المنهالِ، قال: ثنا حمادٌ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن عبدِ اللهِ بن حبيبٍ، عن عليّ بن أبى طالبٍ، قال: لما خلّق اللهُ الأَرضَ قمَصت (٣)، وقالت: أي ربِّ، أَتَجْعَلُ عليَّ بنى آدمَ، يَعْمَلُون عليَّ الخطايا، ويَجْعَلُون

стр. 9651

عليَّ الخَبَثَ؟ قال: فأَرْسَى اللهُ عليها مِن الجبالِ ما تَرَوْن وما لا تَرَوْنَ، فكان إقرارُها كاللحمِ يَتَرَجْرَجُ (١). والمَيْدُ هو الاضْطرابُ والتكفِّى (٢)، يُقال: مادت السفينةُ تمِيدُ مَيْدًا. إذا تَكَفَّأتْ بأهلِها، ومالَت، ومنه المَيْدُ الذي يَعْتَرى راكبَ البحرِ: وهو الدُّوَارُ (٣). وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾: أن تُكْفَأَ بكم. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ﴾. قال: الجبالَ، ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾. قال قتادةُ: سمعتُ الحسنَ يقولُ: لما خُلِقت الأَرضُ كادَت تَميدُ، فقالوا: ما هذه بمُقِرَّةٍ على ظهرِها أحدًا. فأصبَحوا وقد خُلِقت الجبالُ، فلم تَدْرِ الملائكةُ ثمَّ (٤) خُلِقت الجبالُ (٥)؟

стр. 9652

وقولُه: ﴿وَأَنْهَارًا﴾. يقولُ: وجعَل فيها أنهارًا، فعطَف بالأنهارِ على الرواسِي، وأعملَ فيها ما أعملَ في الرواسِي، إذ كان مفهومًا معنى الكلامِ والمرادُ منه، وذلك نظيرُ قول الراجزِ (١): تَسْمَعُ في أجوافِهن صَوْرا … وفي اليَدَيْنِ حَشَّةً وبَوْرَا والحشَّةُ: اليُبْسُ، فعَطَف بالحَشَّةِ على الصوتِ، والحَشَّةُ لا تُسْمَعُ، إذ كان مفهومًا المرادُ منه، وأن معناه: وتَرَى في اليدين حَشَّةً. وقوله: ﴿وَسُبُلًا﴾، وهي جمعُ سبيلٍ، كما الطُّرُقُ جمعُ طريقٍ. ومعنى الكلامِ: وجعَل لكم أيُّها الناسُ في الأرضِ سُبُلًا وفجاجًا تَسْلُكونها، وتَسيرون فيها في حوائجِكم، وطَلَبِ معايشِكم؛ رحمةً بكم ونعمةً منه بذلك عليكم، ولو عمّاها عليكم لهلَكتم ضلالًا وحَيْرةً. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَسُبُلًا﴾، أي: طُرُقًا (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَسُبُلًا﴾. قال: طُرُقًا (٣). وقولُه: ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾، يقولُ: لكي تَهْتَدوا بهذه السُّبُلِ التي جعَلها

стр. 9653

لكم في الأرضِ، إلى الأماكن التي تَقْصِدون، والمواضعِ التي تُرِيدون، فلا تَضِلُّوا وتَتَحَيَّروا. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦)﴾. اختَلف أهلُ التأويلِ في المعنيِّ بالعلاماتِ؛ فقال بعضُهم: عُنِى بها معالمُ الطرقِ بالنهارِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾. يعنى بالعلاماتِ: معالمَ الطُّرُقِ بالنهارِ، ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ بالليل (١). وقال آخرون: عُنِى بها النجومُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾. قال: منها ما يكونُ علاماتٍ، ومنها ما يَهتَدُون به. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾. قال: منها ما يكونُ علامةً، ومنها ما يُهْتَدى به (٢).

стр. 9654

حدَّثنا المُثَنَّى، قال: أخبرنا إسحاقُ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (١). حدثني المُثَنَّى، قال: أخبرنا إسحاقُ، قال: ثنا قَبيصةُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ مثلَه. قال المُثَنَّى: قال (٢) إسحاقُ: خالَف قَبيصةُ وكيعًا في الإسنادِ. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ والعلاماتُ النجومُ، وإن الله ﵎ إنما خلَق هذه النجومَ لثلاثِ خَصَلات؛ جعَلها زينةً للسماءِ، وجعَلها يُهتَدى بها، وجعَلها رُجومًا للشياطين، فمن تعَاطى فيها غيرَ ذلك، فقد رأيَه، وأخطَأ حظَّه، وأضاع نصيبَه، وتكلَّف ما لا علمَ له به. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَعَلَامَاتٍ﴾. قال: النجومُ (٣). وقال آخرون: عُنِى بها الجبالُ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا محمدُ، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ عن الكلبيِّ: ﴿وَعَلَامَاتٍ﴾. قال: الجبالُ (٤).

стр. 9655

وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يقالَ: إن الله تعالى ذكرُه عدَّد على عبادِه مِن نِعَمِه إنعامَه عليهم بما جعَل لهم مِن العلاماتِ التي يهْتدون بها في مسالِكهم وطُرُقِهم التي يَسيرونها، ولم يَخْصُصْ بذلك بعضَ العلاماتِ دونَ بعضٍ، فكلُّ علامةٍ اسْتَدلَّ بها الناسُ على طُرُقِهم وفِجاجِ سُبُلِهم، فداخلٌ في قولِه: ﴿وَعَلَامَاتٍ﴾، والطُّرُقُ المسْبُولةُ الموطوءةُ علامةٌ للناحيةِ المقصودةِ، والجبالُ علامات يُهْتَدى بهنَّ إلى قَصْدِ السبيل، وكذلك النجومُ بالليلِ، غير أن الذي هو أولى بتأويلِ الآيةِ أن تَكُونَ العلاماتُ من أدلةِ النهارِ إذ كان اللهُ قد فصَل منها أدلةَ الليل بقولِه: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾؛ وإذ كان ذلك أشبهَ وأولى بتأويلِ الآيةِ، فالواجبُ أن يَكُون القولُ في ذلك ما قاله ابن عباسٍ في الخبرِ الذي رُوِّيناه عن عطيةَ عنه، وهو أن العلاماتِ معالمُ الطُّرُقِ وأماراتُها التي يُهْتدى بها إلى المستقيمِ منها نهارًا، وأن يكون النَّجمِ الذي يُهْتدى به ليلًا هو الجَدْىُ والفَرْقدانِ، لأنَّبها اهتداءَ السفرِ، دونَ غيرِها مِن النجومِ. فتأويلُ الكلامِ إذن: وجعَل لكم أيُّها الناسُ علاماتٍ تسْتَدِلُّون بها نهارًا على طُرُقِكم في أسفارِكم، ونجومًا تهتَدون بها ليلًا في سُبُلكم. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لعَبَدةِ الأوثانِ والأصنامِ: أفمن يخلقُ هذه الخلائقَ العجيبةَ، التي عدَّدناها عليكم، ويُنْعِمُ عليكم هذه النِّعَمَ العظيمةَ، كمن لا يخلقُ شيئًا، ولا يُنْعِمُ عليكم نعمةً صغيرةً ولا كبيرةً. يقول: أتُشْرِكون هذا في عبادةِ هذا؟ يُعَرِّفُهم بذلك عِظمَ جهلِهم، وسوءَ نظرِهم لأنفسِهم، وقلَّةَ شُكْرِهم لمن أَنْعَم عليهم بالنِّعمِ التي عدَّدها عليهم، التي لا يُحْصِيها أحدٌ غيرُه. قال لهم جلَّ ثناؤُه مُوَبِّخَهم:

стр. 9656

﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ أَيُّها الناسُ. يقولُ: أفلا تَذكَّرون نِعمَ اللهِ عليكم، وعظيمَ سُلطانِه وقُدرتِه على ما شاء، وعجزَ أوثانِكم وضعْفَها وَمَهانتَها، وأنها لا تَجْلُّبُ إلى نفسِها نفعًا، ولا تَدْفَعُ عنها ضُرًّا، فتَعْرِفوا بذلك خَطَأَ ما أنتم عليه مُقيمون، من عبادِتكُموها، وإقرارِكم (١) لها بالأُلُوهَةِ. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾. واللهُ هو الخالقُ الرازقُ، وهذه الأوثانُ التي تُعْبَدُ مِن دونِ اللهِ تُخْلَقُ، ولا تَخْلُقُ شيئًا، ولا تَمْلِك لأهلِها ضَرًّا ولا نفعًا. قال اللهُ: ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (٢). وقيل: ﴿كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾ [ومن لا يَخْلُقُ] (٣) هو الوَثَنُ والصَّنَمُ، و "مَن" لذَوِى التمييزِ خاصةً، فجُعِل في هذا الموضعِ لغيرِهم التمييزُ، إذ وقَع تَفْصِيلًا بينَ مَن يَخْلُقُ ومَن لا يَخْلُقُ. ومَحْكيٌّ عن العربِ: اشْتَبه عليَّ الراكبُ وحملُه (٤)، فما أَدْرِى مَن ذا مِن (٥) ذا. حيثُ جُمِعًا وأحدُهما إنسانٌ، حَسُنت "من" فيهما جميعًا. ومنه قولُ اللهِ : ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾ [النور: ٤٥]. وقولُه: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾: لا تُطِيقوا أداءَ شُكْرِها، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. يقول جلَّ ثناؤُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ﴾ لما كان منكم من تقصيرٍ في شكرِ بعضِ ذلك، إذا تُبتُم وأنَبْتُم إلى طاعتِه، واتباعِ مَرْضاتِه،

стр. 9657

﴿رَحِيمُ﴾ بكم أن يُعَذِّبَكم عليه بعدَ الإنابةِ إليه والتوبةِ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (١٩) وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: واللهُ (١) الذي هو إلهُكم أيها الناسُ، يَعْلَمُ مَا تُسِرُّون في أنفسِكم من ضمائرِكم، فتُخْفُونه عن غيرِكم فَمَا (٢) تُبْدُونه (٣) بألسنتِكم وجوارحِكم، وما تُعْلِنونه بألسنتِكم وجوارحِكم من (٤) أفعالِكم، وهو مُحْصِ ذلك كلَّه عليكم، حتى يُجَازِيَكم به يومَ القيامةِ؛ المحسنَ منكم بإحسانِه، والمسيءَ منكم بإساءتِه، ومُسائِلُكم عما كان منكم مِن الشكرِ في الدنيا على نِعَمِه التي أنعَمها عليكم، منها (٥) التي أحْصَيتم والتي لم تُحْصُوا. وقولُه: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وأوثانُكم الذين تَدْعون مِن دونِ اللهِ، أَيُّها الناسُ، آلهةً لا تَخْلُقُ شيئًا وهى تُخْلَقُ - فكيف يَكُونُ إلهًا ما كان مصنوعًا مُدَبَّرًا؟ لا تَمْلِك لأنفسِها نفعًا ولا ضَرًّا؟. القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لهؤلاء المشركين مِن قريشٍ: والذين تَدْعُون مِن دونِ اللهِ، أيُّها الناسُ، ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾. وجعَلها جلَّ ثناؤُه

стр. 9658

أمواتًا غيرَ أحياءٍ؛ إذ كانَت لا أرواحَ فيها، كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾: وهى هذه الأوثانُ التي تُعْبَدُ مِن دونِ اللهِ، أمواتٌ لا أرواحَ فيها، ولا تَمْلِكُ لأهلِها ضَرًّا ولا نَفْعًا. وفي رفْعِ الأمواتِ وجهان؛ أحدُهما: أن يَكُونَ خبرًا للذين. والآخرُ على الاستئنافِ. وقولُه: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾. يقولُ: وما تَدْرِى أصنامُكم التي تَدْعونَ مِن دونِ اللهِ متى تُبْعَثُ. وقيل: إنما عُنِى بذلك الكفارُ، أنهم لا يَدْرون متى يُبعَثون. القولُ في تأويلَ قولِه : ﴿إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٢٢)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: معبودُكم الذي يَسْتَحِقُّ عليكم العبادةَ وإفرادَ الطاعةَ له، دونَ سائرِ الأشياءِ - معبودٌ واحدٌ؛ لأنه لا تَصْلُحُ العبادةُ إلا له، فأَفْرِدوا له الطاعةَ، وأخْلِصوا له العبادةَ، ولا تَجْعَلُوا معه شريكًا سواه. ﴿فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: مستنكرةٌ لما نَقُصُّ عليهم مِن قدرةِ اللهِ وعظمتِه، وجميلِ نِعَمِه عليهم، وأن العبادةَ لا تَصْلُحُ إلا له، والأُلوهةَ ليست لشيءٍ غيرِه (١)، ﴿وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾. [يقولُ: وهم مستكبرون] (٢) عن إفرادِ اللهِ بالأُلوهةِ، والإقرارِ له بالوحدانيةِ، اتباعًا منهم لما مضَى عليه من الشركِ باللهِ أسلافُهم، كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ﴾ لهذا الحديثِ الذي قضَى (٣)، ﴿وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ عنه

стр. 9659

القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ (٢٣)﴾. يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿لَا جَرَمَ﴾: حقًّا (١) أن الله يَعْلَمُ ما يسرُّ هؤلاء المشركون، من إنكارِهم ما ذكَرنا من الأنباءِ في هذه السورةِ، واعتقادِهم نكيرَ (٢) [قولِنا لهم] (٣): إلهُكم إلهٌ واحدٌ، واستكبارِهم (٤) على اللهِ وما يُعْلِنون من كفرِهم باللهِ وفِرْيتِهم عليه، ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾. يقولُ: إن الله لا يُحِبُّ المستكبرين عليه أنْ يُوَحِّدوه، ويَخْلَعوا ما دونَه مِن الآلهةِ والأندادِ، كما حدَّثنا محمدُ بنُ [عُمرَ بنُ عليٍّ] (٥)، قال: ثنا جعفرُ بنُ عونٍ، قال: ثنا مِسْعَرٌ، عن رجلٍ، أن الحسنَ بنُ عليٍّ كان يَجْلِسُ إلى المساكينِ، ثم يقولُ: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾. القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٤)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وإذا قيل لهؤلاء الذين لا يُؤمِنون بالآخرةِ من المشركين: ﴿مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾ أي شيءٍ أَنزَل ربُّكم؟ قالوا: الذي أنزَل ما سطَّره الأوَّلون مِن قَبْلِنا [من الأباطيلِ] (٦).

стр. 9660

وكان ذلك كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾. يقولُ: أحاديثُ الأوَّلين وباطِلُهم، قال ذلك قومٌ مِن مشركي العربِ كانوا يَقْعُدون بطريقِ مَن أَتَى النبيَّ (١) ﷺ ، فإذا مرَّ بهم أحدٌ من المؤمنين (٢) يريدُ نبيَّ اللهِ ﷺ ، قالوا (٣) لهم: أساطيرُ الأوّلين. يُريدُ: أحاديثُ الأوَّلين وباطِلُهم. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدِ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾. يقولُ: أحاديثُ الأوَّلين (٤). القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٢٥)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يقولُ هؤلاء المشركون لمن سأَلهم: ماذا أنزَل ربُّكم؟: الذي أنزَل ربُّنا - فيما يَزْعُم محمدٌ - عليه أساطيرُ الأوَّلين. لتَكُونَ لهم ذنوبُهم التي هم عليها مُقِيمون، مِن تكذيبِهم باللهِ (٥)، وكفرِهم بما أنْزَل على رسولِه ﷺ ، ومِن ذُنوبِ الذين يَصُدُّونهم عن الإيمانِ باللهِ - يُضِلُّون: يَفْتِنون منهم - بغير علمٍ. وقولُه: ﴿أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾. يقولُ: ألا ساء الإثمُ الذي يَأْثَمون، والثِّقَلُ ﴿الذي يَتَحَمَّلون] (٦). وبنحوَ الذي قلنا في تأويلِ (٧) ذلك قال أهلُ التأويلِ.

стр. 9661

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن [أبى نجيحٍ] (١)، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، ومِن أوزارِ مَن أضَلوا؛ احتمالُهم (٢) ذنوبَ أنفسِهم، وذنوبَ مَن أَطاعَهم، [ولا يُخَفِّفُ ذلك عمن أطاعَهم] (٣) مِن العذابِ شيئًا (٤). حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ نحوَه، إلا أنه قال: ومن أوزارِ الذين يُضِلونهم: حملُهم ذُنوبَ أنفسِهم. وسائرُ الحديثِ مثلُه (٥). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، وحدَّثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدِ اللهِ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ﴾. قال: حملُهم ذُنوبَ أنفسِهم وذنوبَ مَن أطاعَهم، ولا يُخَفِّفُ ذلك عمن أطاعَهم من العذابِ شيئًا. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ نحوَه.

стр. 9662

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: أي ذنوبَهم وذنوبَ الذين يُضِلُّونهم بغيرِ علمِ، ﴿أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾. حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [يقولُ: يَحْمِلُون ذُنوبَهم، وذلك مِثْلُ قولِه: ﴿وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣]. يقولُ: يَحْمِلُون مع ذُنوبِهم ذُنوبَ الذين يُضِلُّونهم بغيرِ علمٍ] (١) (٢). حدَّثني المثنى، قالَ: أخبَرنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾. قال: قال النبيُّ ﷺ : "أيُّما داعٍ دعَا إلى ضلالةٍ فاتُّبِع، فإن عليه مِثْلَ أوزارِ مَن اتَّبَعَه مِن غيرِ أن يَنْقُصَ مِن أوزارِهم شيءٌ؛ وأيُّما داعٍ دعا إلى هُدًى فاتُّبِع، فله مثلُ أجورِهم مِن غيرِ أن يَنْقُصَ مِن أجورِهم شيءٌ (٣). حدَّثني المثنى، قال: أخبَرنا سويدٌ، قال: أخبَرنا ابن المباركِ، عن رجلٍ، قال: قال زيدُ بنُ أسلَمَ أنه بلَغه أنه يَتَمَثَّلُ للكافرِ عملُه في صورةِ أقبَح ما خلَق اللهُ وجهًا، وأنتَنِه ريحًا، فيَجْلِسُ إلى جَنْبِه كلَّما أفزَعه شيءٌ زادَه (٤)، وكلَّما تخوَّف شيئا (٥) زادَه

стр. 9663

خوفًا. فيقولُ: بئس الصاحبُ أنت، ومن أنت؟ فيقولُ: وما تَعْرِفُني؟ فيقولُ: لا. فيقولُ: أنا عمَلُك، كان قبيحًا، فلذلك تَرَانى قبيحًا، وكان مُنتِنًا، فلذلك تَرَانى مُنْتِنًا، طَاطِئْ إليَّ (١) أرْكَبْك، فطالَما ركِبتنى في الدنيا. فيَرْكَبُه، وهو قولُه: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (٢). القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٢٦)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قد مكَر الذين من قبلِ هؤلاء المشركين، الذين يَصُدُّون عن سبيلِ اللهِ من أراد اتباعَ دينِ اللهِ، فرامُوا (٣) مغالبةَ اللهِ ببناءٍ بَنَوْه، يُريدون بزعمِهم الارتفاعَ إلى السماءِ لحربِ مَن فيها. وكان الذي رام ذلك - فيما ذُكر لنا - جبارًا من جبابرةِ النَّبَطِ، فقال بعضُهم: هو نُمرودُ بنُ كَنْعانَ. وقال بعضُهم: هو بُخْتُنَصَّرَ. وقد ذكَرتُ بعضَ أخبارِهما في سورة "إبراهيم" (٤). وقيل: إن الذي ذُكِر في هذا الموضعِ هو الذي ذكَره اللهُ في سورةِ "إبراهيمَ". ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: أمر الذي حاجَّ إبراهيمَ في ربِّه بإبراهيمَ فأُخْرج - يعنى: من مدينتِه - قال (٥):

стр. 9664

فأُخرِج (١) فلقِى لوطًا على بابِ المدينةِ، وهو ابن أخيه، فدعاه، فآمَن به، وقال: ﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾ [العنكبوت: ٢٦]، وحلَف نُمرودُ أن (٢) يطلبَ إلهَ إبراهيمَ، فأخذ (٣) أربعةَ أفراخٍ (٤) من أفراخِ (٥) النُّسورِ، فرباهنَّ باللحمِ والخبزِ (٦)، حتى كَبِرْنَ وغَلُظْنَ واستعلَجنَ (٧)، فربطهنَّ في تابوتٍ، وقعَد في ذلك التابوتِ، ثم رفع رجْلًا من لحمٍ لهنَّ فطِرْنَ، حتى إذا ذهَبنَ في السماءِ، أشرَف يَنظُرُ إلى (٨) الأرضِ، فرأَى الجبالَ تَدِبُّ كدبيبِ النملِ، ثم رفَع لهنَّ اللحمَ، ثم نظرَ فرأى الأرضَ يُحيطُ (٩) بها بحرٌ، كأنها فَلَكةٌ (١٠) في ماءٍ، ثم رفَع طويلًا فوقَع في ظلمةٍ، فلم يَرَ ما فوقَه [ولم يرَ] (١١) ما تحتَه، ففزِع، فألقى اللحمَ، فاتَّبِعْنَه مُنقَضَّاتٍ؛ فلمَّا نظَرت الجبالُ إليهنَّ، وقد أَقْبَلْنَ مُنقضَّاتٍ، وسمِعنَ (١٢) حفيفَهنَّ، فزِعَت الجبالُ، وكادت أن تزولَ من أمكنتِها، ولم يفعلنَ، وذلك قولُ اللهِ: ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ [إبراهيم: ٤٦]. وهي في قراءةِ ابن مسعودٍ: (وَإنْ

стр. 9665

كادَ (١) مَكْرُهُمْ). فكان طَيْرُورَتُهن (٢) به من بيتِ المقدسِ ووقوعُهن به في جبلِ الدخانِ، فلمَّا رأَى أنه لا يُطِيقُ شيئًا، أخَذ في بُنيانِ الصرحِ، فبَنى حتى إذا أسنَده (٣) إلى السماءِ ارتقَى فوقَه يَنْظُرُ (٤)، يَزعْمُ، إلى إلهِ إبراهيمَ، فأحدَث، ولم يكن يُحدِثُ، وأخَذَ اللهُ بُنْيانَهُ مِنَ القَوَاعد، ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾، يقولُ: من مأمنِهم. وأخَذهم من أساسِ (٥) الصَّرْحِ، فتَنَقَّضَ بهم، يسقُط (٦)، فتَبلْبلَتْ ألسنُ الناسِ يومئذٍ من الفزعِ، فتكلَّموا بثلاثةٍ وسبعين لسانًا، فلذلك سُمَّيَتْ بابلَ. و [إنما كان لسانُ الناسِ من] (٧) قبلِ ذلك بالسُّريْانيةِ. حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾. قال: هو نُمرودُ حينَ بنى الصرحَ (٨). حدَّثني المثنى، قال: أخبَرنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، عن زيدِ ابن أسلمَ: إن أوّلَ جبارٍ كان في الأرضِ نُمرودُ، فبعَث اللهُ عليه بَعوضةً، فدخَلت في مَنخَرِه، فمكث أربعَمائةِ سنةٍ يُضْرَبُ رأسُه بالمطارقِ، أرحمُ الناسِ به من جمعَ يديه
следующие страницы →