١١ الابتعادُ عن الأعمالِ الشاقةِ والمرهِقةِ للجسدِ بلا فائدة، والتي يحتاج الجسدُ بعدَها إلى راحةٍ ونومٍ مستغرقٍ.
١٢ إلزامُ النفسِ الهمَّ بالقيامِ وهذا الهمُّ لا يتأتَّى إلا بصدقِ الطلبِ والحرصِ، سُئل المحاسبي عن الدليلِ على أنَّ الهمَّ يوقظ صاحبَه، فقال: "الدليلُ على ذلك أنَّ العبدَ قد ينام الليالي الكثيرةَ، فلا يستيقظ إلا بقربِ وقتِ صلاةِ الفجرِ أو بعدَه، حتى إذا عرضت له حاجةٌ من حوائجِ الدُّنيا يهتمُّ بأن ينالَها، ويحذرُ أن تفوتَه إن لم يدلج لها، فإذا نام مهتمًا بالقيامِ وقد ألزم قلبَه الحذرَ من أن يذهبَ به النوم ُفيفوتَه البكورُ تيقَّظَ في الليلِ مرارًا لغيرِ الوقتِ الذي ينتبه له، يحرِّكه الاهتمامُ والحذرُ اللذان نام وهما في قلبِه، فإذا كان الاهتمامُ والحذرُ لأمرِ الدنيا يوقظان عقلَه وينبهانِه بعدَ ما نام وذهب عقلُه؛ فهما أولى أن يوقظاه لأمرِ الآخرةِ وهو يقظان لم ينم.
стр. 37
وشتانَ بين المطلوبين هذا يطلب قليلاً فانيًا مكدرًا بالغمومِ والأمراضِ والأسقامِ، ومن بعدِه يختمُ له بالموتِ، ومن بعدِ الموتِ ينظر فيه بعدَما ذهبت لذتُه ومنفعتُه، وبقي السؤالُ بين يدي اللهِ تعالى، حتى يُسألَ عنه: ماذا صنع فيه؟ ثم العفوُ أو العذابُ عليه، ومع هذه الأسبابِ المكدرةِ في الدُّنيا والآخرةِ لن ينالَ من ذلك إلا ماقدر له، وهذا يهتمُّ لطلبِ باقٍ كثيرٍ لا يفنى، مع نعيمٍ مقيمٍ وعيشٍ سليمٍ قد أُزيلت عنه الأمراضُ والأسقامُ، ورُفعت عنه الهمومُ والغمومُ والأحزانُ، ولا يختم بموتٍ أبدًا،ولا حسابَ ولا تبعةَ فيه عليه، والمولى راضٍ عنه، هو مسرورٌ بما يتقلَّبُ فيه من نعيمِ الآخرةِ، باقٍ فيه أبدًا، ولا يشاءُ إلا بلغت فيه مشيئتُه في حياةٍ ليس فيها موتٌ، ونعيمٌ لا يخاف عليه أبدًا الفوت، مجاورُ القدوسِ الأعلى في دارِه، لا يخاف سخطَه بعدَ رضاه ثم ما رضي له بذلك حتى أكملَ ذلك له بغايةِ الكرامةِ، وقرَّبه إليه في الزيارةِ، وأنجزَ له ما وعدَه من الرؤيةِ والنظرِ إلى وجهِهِ الكريمِ ، إذ يقول جلَّ من قائلٍ: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ) [القمر:٥٤،٥٥] فأعظِم به من مجلسٍ، وأكرِم به من زائرٍ ومزورٍ، وناظرٍ ومنظورٍ إليه، ومقبِلٍ ومقبَلٍ عليه، مترددٌ فيما بين نعيمِه ولذاتِه، والنظرِ إلى وجهِهِ جلَّ وعزَّ، فشتانَ ما بين الهمَّتين، وشتانَ ما بين الغايتين، فإذا كان هذا النائمُ يوقظُه اهتمامُه لهذا الفاني المنغَّصِ المكدَّرِ بعد ذهابِ عقلِه، فالهمُّ للباقي الهنيءِ السليمِ، والحذر من فوتِه مع الحلولِ في العذابِ الأليمِ؛ أولى أن يتيقَّظَ له العقلُ، ولم يذهب بنومٍ، فإذا اهتم وحذر تيقظ" (١) .
стр. 38
١٣ التيقُّنُ من القيامِ والقدرةِ عليه وعلى الوترِ بعدَ النومِ وذلك أفضلُ لقولِه تعالى: (إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلا) [المزمل:٦] .
قال بعضُ المفسرين: " (إنَّ ناشئةَ الليلِ) : أي ساعات الليلِ وأوقاته التي فيها التفرغُ والصفاءُ، وما ينشئُه المرءُ من طاعةٍ وعبادةٍ يقوم لها من مضجعِه بعد هدأةٍ من الليل، (هي أشد وطئًا) أي: هي أشدُّ على المصلِّي وأثقلُ من صلاةِ النهارِ، لأنَّ الليلَ جُعل للنومِ والراحةِ، فقيامُه على النفسِ أشدُّ وأثقلُ، ومن شأنِ هذه الممارسةِ الصعبةِ أن تقويَ النفوسَ، وتشدَّ العزائمَ، وتصلبَ الأبدانَ" (١) .
وصلاةُ الليلِ مشهودةٌ وذلك أفضلُ، فإن لم يتيقَّن العبدُ من القدرةِ على القيامِ فإنَّه يشرعُ له أن يصليَ قبلَ أن ينامَ.
عن جابرٍ ﵁ قال رسولُ اللهِ – ﷺ : (من خافَ أن لا يقومَ من آخرِ الليلِ، فليوتر أولَه، ومن طَمِع أن يقومَ آخرَه فليوتر آخرَ الليلِ، فإنَّ صلاةَ آخرِ الليلِ مشهودةٌ وذلك أفضلُ) رواه مسلم.
وما ذاك إلا لأنَّ من لم يتقين القيامَ وفاتَه الوترُ ليلتَه كلَّها فاته خيرٌ كثيرٌ، ومن ثم يتكرَّرُ هذا مراتٍ حتى يسهلَ عليه التفويتُ والتضييعُ،لأنَّ المرءَ حين يقصِّر لأولِ مرةٍ يجد في قلبِه غمًّا وهمًّا، فإن عاد مرةً أخرى خفَّ هذا الهمُّ والاغتمامُ، فإذا تكرَّر نقصَ ونقصَ حتى يذهب،فلا يحزنُ لفواتِ القيامِ فيُحرمَ القيامَ كلَّه.
١٤ أن يسعى إلى وضعِ ما ينبِّهُه كتوقيتِ الساعةِ المنبِّهةِ أو تكليفِ أحدٍ أهلِه أو جيرانِه أو أصدقائِه بإيقاظِه.
стр. 39
فإذا كان ممن لا يشعرُ بتصرفاتِه وهو نائمٌ فليُبعد منبِّهَهُ ويجعل بينه وبينه حائلاً فلا يستطيعُ إغلاقَه إلا ببذلِ جهدٍ، كوضعِه على نافذةٍ مرتفعةٍ أو خزينةِ ملابسٍ عاليةٍ فلا يتمكن من الوصول إليها إلا بالصعودِ على كرسيٍّ ونحوِه، فيكون بعد ذلك قد استيقظ تمامًا، وهذا بلا ريبٍ لا يضطرُ إليه إلا من تكررَ منه إغلاقُ المنبِّهِ والنومُ مرةٍ ومراتٍ، أو يستخدمُ التوقيتَ لإطفاءِ التكييفِ فيضبطه مثلاً قبلَ وقتِ قيامِه فيضايقه ذلك فيستيقظ.
١٥ أن يتعاونَ مع أحدٍ أهلِ بيتِه على القيامِ لأنَّ الشيطانَ أغلبُ على الواحدِ منه على الاثنين، والتعاونُ أدعى للتنافسِ، وأدومُ للعملِ لا سيما إذا كان التعاونُ بينَ الزوجِ وزوجتِه، قال رسولُ اللهِ- ﷺ : (رَحِمَ اللهُ رجلاً قامَ من اللَّيلِ فصلَّى وأيقظَ امرأتَه فإن أبت نضَحَ في وجهِها الماءَ، ورَحِمَ اللهُ امرأةً قامت من اللَّيلِ فصلَّت وأيقظت زوجَها فإن أبى نضَحَت في وجهِه الماءَ) رواه أبو داوود وقال الألباني: حسن صحيح.
وعن أمِّ سلمةَ زوجِ النبيِّ ﷺ ﵂: أنَّه استيقظَ ليلةً فزعًا، يقول: (سبحانَ اللهِ، ماذا أنزل اللهُ من الخزائنِ؟ وماذا أُنزل من الفتنِ؟ من يوقظ صواحبَ الحجراتِ، يريد أزواجَه، لكي يصلِّين؟ رُبَّ كاسيةٍ في الدُّنيا، عاريةٌ في الآخرةِ) رواه البخاري.
وكان أبو هريرةَ وامرأتُه وخادمُه يقَسِّمون الليلَ ثلاثًا. يصلِّي هذا، ثم يوقظُ هذا.
стр. 40
١٦ العزيمةُ على من تكلِّفه بإيقاظِك أن لا يتركَك حتى تستيقظَ ويتأكدَ من استيقاظِك، ولو دعاه ذلك إلى نضحِ الماءِ في وجهِك لما في ذلك من طردٍ للشيطانِ وحضورٍ للعقلِ، وعليك أن لا تغضبَ إن فعلَ ذلك، حتى لا تفترَ عزيمتُه على إيقاظِك، فإنَّك لو تعلم مقدارَ ما أيقظك صاحبُك له لقبَّلت رأسَه أن أيقظَك ولو أراقَ عليك الماءَ. ولعلِّي أضربُ مثلاً يقرِّب المعنى للقلوبِ، بأصحابٍ ناموا في بيتِ ملِكٍ وعدَهم وعدًا، وهو منجزٌ وعدَه لهم أن يعطيَهم مسألتَهم ويسمع شكواهم فيُشكيهم ويأخذ حقَّهم ممن ظلمَهم، ويصفح عن حقوقِه التي قصَّروا فيها باعتذارِهم منه، فلما أدركَهم التعبُ وكان موعدُ الملكِ متأخرًا ناموا وأمروا من يستيقظُ منهم أن يوقظَهم، فلما قَرُب موعدُ الملكِ وجاء ينظر مَن بمجلسِه، إذا هذا المستيقظُ يوقظُ أصحابَه فلما غلبَهم النومُ تركهم خشيةَ أن ينغِّصَ عليهم نومَهم، فلما ذهب الملكُ وفات الموعدُ وأخذ كلُّ حاضرٍ نصيبَه ذهبوا يعاتبون هذا الذي لم يوقظهم وقصَّر في الإلحاحِ عليهم، ولو كان أراقَ عليهم الماءَ وهم مدركون لِما له سيقومون وما سينالهم من النصيبِ الوافرِ لما تضايقوا ولا عاتبوه، وإنما عاتبوه لتقصيرِه. وهكذا الحريصُ على قيامِ الليلِ يعزِمُ على صاحبِه أو أهلِه أن يوقظوه، ولو كان ذلك مزعجًا له، ولو فرَّطوا في إيقاظِه لعاتبَهم على ذلك.
١٧ اتباعُ السنةِ في النومِ، وذلك في وقتِ النومِ، وكيفيةِ الاضطجاعِ وغيرِها، كما يلي:
стр. 41
أالنومُ أولَ الليلِ فإنَّ في ذلك عونًا كبيرًا على قيامِ الليلِ، أما من ينام نصفَ الليلِ أو بعدَ ذلك فإنه يشقُّ عليه القيامُ لأنه لم يستوفِ راحةَ جسدِه وحقَّه من النومِ، وحقُّ المرءِ من النومِ في اليومِ والليلةِ ثمان ساعاتٍ، دلَّ على ذلك حديثُ وصفِ صلاةِ داوودَ –﵇، فعن عبدِ اللهِ بنِ عمرِو بنِ العاصِ –﵄ أنَّ رسولَ اللهِ – ﷺ قال: (أحبُّ الصلاةِ إلى اللهِ صلاةُ داوودَ، وأحبُّ الصيامِ إلى اللهِ صيامُ داوودَ كان ينام نصفَ الليلِ ويقوم ثلثَه وينام سدسَه ويصوم يومًا ويفطر يومًا) متفق عليه.
ولو جمعنا السدسَ إلى النصفِ لكان الثلثين، والثلثان ثماني ساعاتٍ إذا كان الليلُ اثنتي عشرةَ ساعةً، ولما كان المؤمنُ يتأخرُ عن النومِ في أولِ الليلِ لأداءِ العشاءِ كانت القيلولةُ عوضًا له عما ينقصه من النومِ ليتمَّ له ثماني ساعاتٍ أو قريبًا منها، فإذا جاء ثلثُ الليلِ الآخرِ إذا هو يقظٌ نشيطٌ. وقد كان رسولُ اللهِ – ﷺ يَقيلُ، وينام أولَ الليلِ، وقد ثبت ذلك عنه، روت عائشةُ –﵂:" أنَّ النبيَّ– ﷺ كان ينام أولَ الليلِ ويقوم آخرَه فيصلي". متفق عليه. وكان النبيُّ – ﷺ يكرهُ الحديثَ بعدَ العشاءِ كما في البخاري.
ب ألا ينامَ على فراشٍ وثير، بل يكتفي باليسيرِ، وذلك لما رُوى أنَّ رسولَ اللهِ- ﷺ ، نام وقد ثُني فراشُه أربعَ ثنياتٍ وكان يثني اثنتين فلما أصبحَ وقد فاته القيامُ سأل: ماذا صنعتم به؟ فلما أخبروه قال: (ردُّوه كما كان) أخرجه الترمذي في الشمائل، وضعفه الألباني.
كذلك عليه أن لا يلتحفَ بأغطيةٍ كثيرةٍ لأنها تستدعيه إلى الدفءِ والكسلِ.
стр. 42
ج-أن ينامَ على وضوءٍ وذكرٍ، فمن توضأ ونام طاهرًا باتَ تحرسُه الملائكةُ وتدعو له وتستغفرُ له. عن ابنِ عمرَ –﵄ قال: قال رسولُ اللهِ- ﷺ : (من باتَ طاهرًا، بات في شِعارِه ملَكٌ، فلم يستيقظ إلا قال الملكُ: اللهم اغفر لعبدِك فلان فإنَّه بات طاهرًا) أخرجه ابن حبان في صحيحه وقال الألباني: حسن صحيح.
ويحسن به أن يسألَ اللهَ قبلَ نومِه أن يوقظَه للصلاةِ.
د-النومُ على الشِّقِّ الأيمنِ، كما أرشدَ النبيُّ – ﷺ البراءَ بنَ عازبٍ فقال: (إذا أخذتَ مضجعَك فتوضأ وضوءَك للصلاةِ ثم اضطجع على شِقِّكَ الأيمنِ..) رواه مسلم.
هـ-الحرصُ على أذكارِ النومِ التي وردت في السنةِ والآياتِ والسورِ التي كان يقرأ بها قبلَ نومِه، فهي حمايةٌ للعبدِ من الشيطانِ بإذن اللهِ، ويعينُ على القيامِ، والنومُ بعدَ القراءةِ يكون خفيفًا ويبات صاحبُه على القرآنِ ويستيقظُ عليه، وإنه لمشاهدٌ أنَّ من نام على القرآنِ قام يقرأ القرآنَ، ومن نام على الشعرِ قام يشعر، ومن نام على الغناءِ قام يغني.. وهكذا.
ومما وردَ من الأذكارِ والسورِ التي تُقرأ قبلَ النومِ:
قراءةُ سورتي الزُّمرِ والإسراءِ، فعن عائشةَ –﵂ قالت: "كان رسولُ اللهِ- ﷺ لا ينام حتى يقرأ الزُّمرِ وبني إسرائيلَ". رواه الترمذي وصححه الألباني، و"بني إسرائيل" اسمٌ لسورةِ الإسراءِ.
وعن عائشة ﵂:" أنَّ النبيَّ ﷺ كان إذا أوى إلى فراشِه كلَّ ليلةٍ جمع كفَّيه ثم نفثَ فيهما يقرأ (قل هو اللهُ أحدٌ) و (قل أعوذ بربِّ الفلقِ) و (قل أعوذ بربِّ الناسِ) ثم يمسحُ بهما ما استطاعَ من جسدِه، يبدأُ بهما على رأسِه ووجهِه وما أقبلَ من جسدِه يفعلُ ذلك ثلاثَ مراتٍ". متفق عليه.
وكذلك قراءةُ آيةِ الكرسيِّ.
стр. 43
وما ثبت من حديثِ أبي هريرةَ –﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (إذا أوى أحدُكم إلى فراشِه، فليأخذ داخلةَ إزارِه فلينفض بها فراشَه وليسمِّ اللهَ فإنَّه لا يعلمُ ما خلَفَه بعدَه على فراشَه، فإذا أرادَ أن يضطجعَ فليضطجِع على شِقِّه الأيمنِ وليقُل سبحانَك الَّلهم ربِّي وضعتُ جنبي وبك أرفعُه إن أمسكتَ نفسي فاغفر لها وإن أرسلتَها فاحفظها بما تحفظُ به عبادَك الصالحين) رواه مسلم.
وما أرشد النبيُّ ﷺ -إليه ابنتَه فاطمةَ-﵄ حينما اشتكت إليه ما تلقى في يدِها من الرَّحى فسألته خادماً. فقال ﷺ لها ولعليٍّ ﵄: (ألا أدلُّكما على خيرٍ مما سألتُما؟ إذا أخذتما مضاجعَكما، أو أويتما إلى فراشِكما، فسبِّحا ثلاثاً وثلاثين، واحمدا ثلاثاً وثلاثين، وكبرا أربعاً وثلاثين، فهو خيرٌ لكما من خادمٍ) أخرجه البخاري
وكذلك قراءةُ سورةِ الكافرون،فعن نوفلٍ ﵁ أنَّ رسولَ اللهِ- ﷺ قال له:" اقرأ قل يا أيها الكافرون ثم نم عند خاتمتِها فإنها براءةٌ من الشركِ".أخرجه أبو داوود والترمذي وصححه الألباني.
والاكتحالُ قبلَ النومِ من هديِ نبيِّنا – ﷺ ، عن ابنِ عباسٍ ﵄ – قال:"كان رسول الله ﷺ يكتحلُ بالإثمدِ ثلاثاً قبلَ أن ينامَ كلَّ ليلةٍ " أخرجه الإمام أحمد وصحح إسناده أحمد شاكر.
وله أثرٌ في القيامِ بيدَ أنَّ أكثرَ الناسِ عن هذا غافلون. والاكتحالُ بالإثمدِ يجلو البصرَ ويذهب الرمدَ، والرمدُ يجعل المرءَ ميالاً لإغماضِ عينيه بعدَ النومِ مما يكون مدعاةً لغلبةِ النومِ، وقد ورد في الحديثِ: (وكاءُ السّهِ العينان فمن نام فليتوضأ) رواه أبو داوود وحسنه الألباني.
وحين الاستيقاظ:
стр. 44
أ-أن يذكرَ اللهَ أولَ ما يدركه وعيُه ويعقلُ يقظتَه، ويلزمُ نفسَه بذلك قبلَ النومِ ويستحضرُ أنَّه إن لم يفعل فإنَّ عدوَّه يتربصُ له بالكيدِ، بل قد أعدَّ الحبلَ ليوثِقَه به ويعقدُ عليه ثلاثَ عقدٍ، فإذا أرادَ العبدُ حلَّ العقدِ سارعَ الشيطانُ لعقدِها مرةً أخرى، وهذه العقدٌ تحَلُّ بإذنِ اللهِ، ولكن لكلِّ عقدةٍ حلٌّ:
فالعقدةُ الأولى: حلُّها بذكرِ اللهِ.
والعقدةُ الثانيةُ: حلُّها بالوضوءِ.
والعقدةُ الثالثةُ: حلُّها بالصلاةِ.
والشَّيطانُ ينتهزُ ويتحيَّنُ الفرصَ ليعيدَ العقدَ مرةً أخرى، فإذا قام العبدُ وذكر اللهَ وانحلت عقدةٌ عاد الشيطانُ ليعقدَها بقولِه: عليك ليلٌ طويلٌ فنَم، وقد تقولُ: إذا كان الشيطانُ يعود ليعقدَ عليَّ فكيف أحصِّنُ نفسي من عقدِه؟!
إذا أردتَ أن تحصنَ نفسَك من عقدِه، فعليك أن لا تعطيَ الشيطانَ فرصةً لإعادةِ العقدِ وذلك بأن تستمرَّ في ذكرِ اللهِ وترفع به صوتَك رفعًا ليس بالقويِّ، وإنما تسمع نفسَك ومن كان مستيقظاً عندك وذلك هديُ نبيِّك محمدٍ – ﷺ .
عن ابنِ عباسٍ –﵄ أنَّ رسولَ اللهِ – ﷺ كان يقول إذا قام إلى الصلاةِ من جوفِ الليلِ: (اللَّهم لك الحمدُ، أنتَ نورُ السماواتِ والأرضِ، ولك الحمدُ، أنتَ قيَّومُ السماواتِ والأرضِ، ولك الحمدُ، أنتَ ربُّ السماواتِ والأرضِ ومن فيهنَّ، أنتَ الحقُّ، ووعدُك الحقُّ، وقولُك الحقُّ، ولقاؤك الحقُّ، والجنةُ حقٌّ، والنارُ حقٌّ، والساعةُ حقٌّ، اللَّهم لك أسلمتُ، وبك آمنتُ، وعليك توكَّلتُ، وإليك أنبتُ، وبك خاصمتُ، وإليك حاكمتُ، فاغفر لي ما قدَّمتُ وأخَّرتُ، وما أسررتُ وما أعلنتُ، أنت إلهي، لا إله إلا أنتَ) رواه البخاري ومسلم.
فلو لم يكن رسولُ اللهِ- ﷺ يرفعُ صوتَه بهذا الدعاءِ لمَا سمِعَه عبدُ اللهِ بنُ عباسٍ وحدَّثَ به.
стр. 45
وانظر يا عبد َاللهِ في هذه الكلماتِ التي يبادِرُ بها – ﷺ أولَ ما يقومُ، إنها تجديدٌ للإيمانِ بعدَ البعثِ من المنامِ، وكأنَّها حياةٌ جديدةٌ تبدأها بالإيمانِ والاستسلامِ للهِ، ومَن هذا قولُه، وهذه حالُه عندَ يقظتِه فأنَّى للشيطانِ أن يجدَ إليه سبيلاً.
كما يمكن أن تقرأَ شيئًا من القرآنِ عند يقظتِك ويُسنُّ قراءةُ العشرِ الأواخرِ من سورةِ آلِ عمرانَ، ولكن عليك أن تقرأَها جالسًا لئَلَّا يغلبك النومُ.
عن عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ –﵁ أنَّه بات عندَ ميمونةَ زوجِ النبيِّ – ﷺ وهي خالتُه. قال: (فاضطجعت في عرضِ الوسادةِ، واضطجع رسولُ اللهِ – ﷺ وأهلُه في طولِها، فنام رسولُ اللهِ – ﷺ حتى إذا انتصفَ الليلُ أو قبلَه بقليلٍ أو بعدَه بقليلٍ، استيقظ رسولُ اللهِ – ﷺ ، فجلس يمسحُ النومَ عن وجهِه بيديه (١) ، ثم قرأَ العشرَ الآياتِ الخواتمَ من سورةِ آلِ عمرانَ، ثم قام إلى شنٍّ (٢) معلقةٍ، فتوضأ منها فأحسنَ الوضوءَ، ثم قام يصلِّي. قال عبدُ اللهِ: فقمتُ فصنعتُ مثلَ ما صنع ثم ذهبتُ فقمتُ إلى جنبِه، فوضع رسولُ اللهِ ﷺ يدَه اليمنى على رأسي فأخذ بأُذُني يفتِلُها، فصلَّى ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين ثم أوترَ ثم اضطجعَ حتى جاءَه المؤذِّنُ، فقامَ فصلَّى الصبحَ) متفق عليه.
стр. 46
فرسولُ اللهِ – ﷺ قرأ بصوتٍ مسموعٍ سمِعه ابنُ عباسٍ –﵁.
ولا يجبُ لقراءتِك الوضوءُ ما دمتَ تقرأُ من صدرِك.
ثم تسارعُ إلى الوضوءِ لتحُلَّ العقدةَ الثانيةَ، وأنتَ عندَ وضوئِك تستحضرُ أنَّ الشيطانَ قد بال في أذنيك ومنخريك، فتبالغ في المضمضةِ والاستنشاقِ، والمبالغةُ فيهما لا سيَّما عندَ القيامِ من النومِ
مطردةٌ للنومِ ومبعدةٌ للشيطانِ.
وإيَّاك أن ترجعَ إلى فراشِك بعدَ الوضوءِ، فإنَّ الشيطانَ يريد أن يعيدَك إلى قيدِه فيزيِّن لك الفراشَ ويغريك، ويوسوسُ لك تارةً بالاستدفاءِ وتارةً بالراحةِ.
ب- السواكُ من أعظمِ ما يُذهبُ النومَ ويعينُ على القيامِ، فله فائدةٌ عجيبةٌ لا سيَّما قبلَ الوضوءِ، فإذا استقعدتَ في فراشِك فتناول سواكَك الذي أعددتَه قبلَ النومِ، وليكن قريباً منك، ثم استك به فإنَّه سنةُ نبيِّك ومطهرةٌ لفمِك ومرضاةٌ لربِّك.
عن حذيفةَ-﵁ قال: "كان رسولُ اللهِ- ﷺ -يشوصُ (١) فاه بالسِّواك".متفق عليه.
ج- أن ينهضَ من الفراشِ مباشرةً، إن غلبَ عليك النومُ فمارس بعضَ التمارينِ الرياضيةِ الخفيفةِ لتستعيدَ نشاطَك، وذلك كالمشي والحركةِ والقيامِ والجلوسِ بسرعةٍ مراتٍ متكررةٍ.
د- البدءُ بركعتين خفيفتين يُذهبُ عنك النومَ، لأنَّ البدءَ بركعتين طويلتين إذا كنت ناعساً قد يغلبك النومُ أثناءَها لقلةِ الحركةِ.
فمن هديه – ﷺ بدءُ القيامِ بركعتين خفيفتين،وأمرَ بذلك لما فيه من فائدةِ تنشيطِ الجسمِ وطردِ النومِ، فعن أبي هريرةَ –﵁-أنَّ النبيَّ – ﷺ -قال:" إذا قام أحدُكم من الليلِ فليبدأ الصلاةَ بركعتين خفيفتين" رواه مسلم.
стр. 47
هـ-وحتى لا يملَّ قائمُ الليلِ أو يغلبَه الشيطانُ، فعليه أن ينوِّعَ في صلاتِه من حيث عددِ الركعاتِ وصفتِها، كما وردت السنةُ بذلك.
فتارةً يصلي إحدى عشرةَ ركعةً، مثنى مثنى، وهي أكثرُ صلاتِه – ﷺ ولم يزد على هذا العددِ، لا في رمضانَ ولا في غيرِه، ولكنَّها صلاةٌ بطمأنينةٍ وخشوعٍ.
تقول عائشةَ –﵂ (ما كان رسولُ اللهِ – ﷺ يزيدُ في رمضانَ ولا في غيرِه على إحدى عشرةَ ركعة يصلي أربعًا فلا تسل عن حسنِهن وطولِهن ثم يصلي أربعًا فلا تسل عن حسنِهن وطولِهن ثم يصلي ثلاثًا) متفق عليه.
وتارةً يصلي تسعَ ركعاتٍ، وعنها –﵂: (وكان يصلي من الليلِ تسعَ ركعاتٍ فيهنَّ الوترُ) رواه مسلم.
وإن شاء أوترَ بثلاثٍ وإن شاء أوترَ بخمسٍ وإن شاء أوترَ بواحدةٍ.
وعلى المبتدئ في قيامِ الليلِ أن يتدرَّجَ فيه، فلا يثقلُ على نفسِه في بدايةِ الأمرِ حتى لا يملَّ أو يتركَ القيامَ، فيبدأُ بركعاتٍ قليلةٍ لمدةِ أشهر ثم إذا اعتاد عليها زاد وهكذا، وكذلك تطويلُ القيامِ يكون بالتدرجِ.
ويرى في الجهرِ والإسرارِ في القراءةِ أيُّهما الأنسبُ له وأخشعُ لقلبِه.
-وإذا غلبه نعاسٌ تركَ الصلاةَ ونام، فعن أبي هريرةِ –﵁ يرفعه: (إذا قام أحدُكم من الليلِ فاستعجمَ القرآنُ على لسانِه فلم يدرِ ما يقول فليضطجِع) رواه مسلم.
-ولم يستكمل رسولُ اللهِ – ﷺ قيامَ ليلةٍ وقال لابنِ عمرَ –﵁: (فإنَّك إذا فعلت ذلك هجمت عينُك ونفهت نفسُك وإنَّ لنفسِك حقًّا) رواه البخاري. ونفهت:بمعنى نهكت وتعبت.
стр. 48
١٧- الحرصُ على قضاءِ القيامِ والوردِ إذا فات من الليلِ؛ لأنَّ من علم أن يقضيَه في النهارِ، وقد يكون مشغولاً بطلبِ رزقِه أو دراستِه أو وظيفتِه فلا يستطيعُ قضاءَه؛ من علم ذلك وكان حقًّا حريصًا على القيامِ لم يفوِّت القيامَ إلا مكرهًا، وقد نهى النبيُّ ﷺ عن تركِ القيامِ بقولِه لعبدِ اللهِ بنِ عمرِو: (يا عبدَ اللهِ لا تكن مثلَ فلانٍ كان يقومُ الليلَ فتركَ قيامَ الليلِ)
رواه البخاري.
-وقضاء القيام ثبت عن رسول الله ﷺ ولكن لم يكن يقضيه وترًا وإنما يقضيه شَفعًا، وجاء ذلك في حديثِ عائشةَ ﵂ قالت: (كان رسولُ الله ﷺ إذا فاتته الصلاةُ من وجعٍ أو غيرِه صلى من النهارِ ثنتيْ عشرةَ ركعة) رواه مسلم.
فهذا رسولُ اللهِ ﷺ مع أنَّه غُفر له ما تقدَّم من ذنبِه وما تأخَّرَ يحرص على قضاءِ القيامِ إذا غلبه الوجعُ أو النومُ.
ومن يفعل ذلك ينل نصيبَ القائمِ لأنَّ من نام عن حزبِه أو نسيه فصلَّاه مابين طلوعِ الشمسِ إلى الزَّوالِ فكأنما صلَّاه من الليلِ كما وردَ ذلك عنه ﷺ في صحيحِ مسلمٍ.
وعليه أن يحاسبَ نفسَه ويعاتبَها عندَ فواتِ القيامِ.
فصل
في الأسباب الصارفة عن القيام
كما أنَّ هناك ما يعينُ على قيامِ الليلِ كما قدَّمتُ فلا ريبَ أنَّ هناك ما يعوقُ القيامَ ويصرفُ صاحبَه عنه، ومن ذلك:
стр. 49
١- غفلةُ القلبِ عن اللهِ وعن نعيمِه وعقابِه وعن رضاه وسخطِه، فلا يتفكَّرُ العبدُ في دينِه ولا مولاه ولا أوامِره ولا نواهيه، إنما لا يعرف إلا أداءَ الصلاةِ كما يرى الناسُ يؤدونها ولا يحرص على اليقظِة لأدائِها فإذا كان نائمًا لم يسعَ إلى اليقظِة؛ بل قد يأبى إذا أوقظ، وهذا على خطرٍ عظيمٍ، إذ كيف يُفلحُ من هذه حاله، وإنما هذه حالُ المنافقين والعياذُ باللهِ، وقد قال عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ-﵁: (ولقد رأيتُنا ولا يتخلَّفُ عنها إلا منافقٌ معلومُ النفاقِ) رواه مسلم.
لما في القيامِ من المشقةِ التي لا يتحمَّلُها إلا الصابرون المحتسبون للأجرِ فيما عندَ اللهِ.
٢- كثرةُ الذنوبِ والإصرارُ على المعاصي ولو كانت صغارًا؛ سببٌ في حرمانِ العبدِ من قيامِ الليلِ، وإنَّ العبدَ ليحرمُ الرزقَ بالذنبِ يصيبُه، وأيُّ رزقٍ أكبرُ من التوفيقِ للقيامِ لمناجاةِ اللهِ ولقائِه. قال رجلٌ للحسنِ: "يا أبا سعيدٍ إني أبيتُ معافى، وأحبُّ قيامَ الليلِ وأعدُّ طَهوري فمالي لا أقومُ؟ فقال: ذنوبُك قيَّدتْك."
٣- اتباعُ الهوى والابتداعُ في الدينِ يقللُ القيامَ، فعلى المؤمنِ إذا كان في شِرةٍ (١) وقوةٍ أن يعملَ متبعًا السنةَ ولا يبتدع، فإن ممن تعلقوا بالقيامِ ولم يهتدوا للسنةِ فيه، من أُثرَ عنه أنه كان يصلي الليلَ ولا ينام. أو من أُثرَ عنه أنه يقرأُ القرآنَ كلَّه في قيامِ ليلةٍ، وهذا ابتداعٌ وخلافٌ للهدي النبوي، بل إنه ﷺ نهى عن ذلك وغضب على من أرادَ أن يفعلَ ذلك وقال: من رغبَ عن سنَّتي فليس منِّي.
стр. 50
فمثلاً ما قيل عن وهبِ بن منبهٍ أنه ما وضع جنبَه إلى الأرضِ ثلاثين سنةً، وكان يقول: لئن أرى في بيتي شيطانًا أحب إليَّ من أن أرى في بيتي وسادةً لأنها تدعو إلى النومِ. هذا ولله الحمدُ غيرُ ثابت عنه فهو قولٌ مُمَرَّضٌ (أي منقولٌ بقيل) ولو صح عنه ذلك فإنا لا نقبلُه حتى لو كان وهبُ بنُ منبه من التابعين لأنَّ هذا العملَ خلافُ السنةِ، بل إنَّ رسولَنا – ﷺ كان يضعُ جنبَه على الأرضِ وينامُ ويتكئُ على الوسادةِ ويكرهُ أن يكونَ الشيطانُ في بيتِه. وإنك حين تقرأ في بعضِ الكتبِ التي تذكر تكلَّفَ بعضِ السلفِ في العبادةِ تجد منها الكثيرَ من هذه المخالفاتِ ككتابِ "حليةِ الأولياءِ" لأبي نعيمٍ، و"إحياءِ علومِ الدين"ِ للغزاليِّ وغيرِها، مما لا يكون مؤلِّفُه متحريًا صحةَ المتنِ.
وأنتَ يجبُ أن تكونَ بصيرًا بدينِك وأن تقبلَ من الأخبارِ عن السلفِ ما وافقَ السنةَ، وما خالفها فلا تأخذْ به ولا تغبْطهم عليه؛ فإنه بدعٌ ورهبانيةٌ، الإسلامُ منها براء، وإنما انتشرت حينما تقلدَّها المتصوفةُ ودعوا إليها ووضعوا فيها الأحاديثَ المناكيرَ.
وقد نهى – ﷺ عن المبالغةِ في العبادةِ بما يشقُّ على النفسِ مما لم يأمرِ اللهُ به، فعن أنسٍ ﵁ قال: دخل رسولُ اللهِ ﷺ المسجدَ وحبلٌ ممدودٌ بين ساريتين فقال: (ما هذا؟ ، قالوا: لزينبَ تُصلي، فإذا كسلت أو فترت أمسكت به، فقال: حلّوه، ليصلِّ أحدُكم نشاطَه فإذا كسلَ أو فترَ قعد) رواه البخاري ومسلم.
стр. 51
وعن عائشةَ –﵂ أن النبيَّ ﷺ قال: (إذا نعسَ أحدُكم في الصلاةِ فليرقد حتى يذهبَ عنه النومُ، فإنَّ أحدَكم إذا صلَّى وهو ناعسٌ، لعلَّه يذهبُ يستغفرُ فيسبُّ نفسه) رواه البخاري ومسلم. وعن عائشةَ ﵂ زوجِ النبيِّ – ﷺ قالت: (إن الحوْلاءَ بنتَ تُوَيْت بنِ حبيبِ بنِ أسدِ بنِ عبدِ العزَّى مرَّت بها وعندها رسولُ اللهِ ﷺ فقلت: هذه الحوْلاءُ بنتُ تُوَيْت وزعموا أنها لا تنامُ الليلَ، فقال: لا تنام الليلَ؟ خذوا من العملِ ما تطيقون، فو اللهِ لا يسأمُ الله حتى تسأموا) متفق عليه واللفظ لمسلم.
٤- التعلقُ بالدُّنيا، والنومُ وأنت تفكرُ فيها يقسِّي قلبَك ويطيلُ أملَك، وتقومُ من نومِك على ما نمتَ عليه، فكيف تريدُ أن تقومَ وأنت لا تستحضرُ الآخرةَ ولا العملَ لها؟!
وسبحانَ اللهِ إنَّ من الملاحَظِ أن من نام يردِّدُ آيةً قام يرددها، ومن نام يردد أغنيةً قام يرددها. وكذلك التعلُّقُ بأحدِ المخلوقين يجعل المرءَ ينامُ وهو يفكِّر فيه، ويقومُ وهو يفكِّر فيه، ومَن هذه حالُه فأنّى له أن يتذكرَ ربَّه أو نعيمَه وعذابَه؟!
стр. 52
٥- السهرُ والنومُ المتأخرُ من أكبرِ العوائقِ عن القيامِ لأنَّ العبدَ إذا لم يكتفِ جسدُه من النومِ فإنَّه يصعبُ عليه القيامُ ويثقل نومُه، ونحن الآن في هذا العصر كَثُر سهرُنا فأصبحنا لا ننامُ إلا بعد منتصفِ الليلِ، وليتَ هذا في خيرٍ أو طلبِ علمٍ أو سهرٍ على جهادٍ أو على الأقلِّ في مباحٍ، بل أكثرُ سهرِنا في اللهوِ واللَّعبِ؛ فمِن ساهرٍ على لَعِبِ الوَرقِ، ومِن ساهرٍ عندَ التلفازِ، ومِن ساهر على لغوٍ وغيبةٍ إلى غيرِ ذلك، وهذا لو لم يكن به تضييع الفريضة فهو محرم، فكيف وهو يعطل أداءَك لفريضةِ صلاةِ الفجرِ؟!! بل إنَّ المباحَ إذا كان السهرُ عليه يعطِّلُك عن أداءِ الفريضةِ صار محرمًا.. لذا كره النبيُّ – ﷺ الحديثَ بعدَ صلاةِ العشاءِ.
فعن أبي برزةَ قال: "كان النبيُّ ﷺ يكرهُ النومَ قبلَ صلاةِ العشاءِ والحديثَ بعدَها". رواه البخاري، إلا طلب العلم وحديث الرجلِ مع أهلهِ (أي زوجه) والسفرِ، وهذه كلُّها مندوبةٌ ولكن بشرطِ أن لا تضيعَ عليك صلاةَ الفجرِ في وقتِها وإلا فهي محرمةٌ، واللهُ أعلم.
وكان عمرُ بنُ الخطابِ يضربُ الناسَ بالدِّرةِ بعدَ صلاةِ العشاءِ ويقول: (أسَمَرٌ أولَّ الليل ونومٌ آخرَه) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه.
стр. 53
٦- التعبُ في النهارِ وإرهاقِ الجسدِ بالأعمالِ التي لا فائدةَ منها مما يجعلُ العبدُ لا يستطيع القيامَ، فكثيرٌ من الشبابِ يلعبُ الكرةَ في النهارِ عدةَ ساعاتٍ فإذا نام نام مرهقًا، فإذا حضرتْه الصلاةُ لم يستطعِ القيامَ لتعبِه، وكذلك كثيراتٌ من الشابَّاتِ تتعبُ نفسَها في كثيرٍ من الأمورِ التي لا طائلَ منها أو هي عنها في غنىً، فإذا وضعتْ جنبَها لم تكد ترفعُه إلا بعدَ طلوعِ الفجرِ لتعبِها وإرهاقِها،كالتعبِ في الأسواقِ والإعدادِ للحفلاتِ والولائمِ التي قد تَذهبُ بنهارِها كلِّه، وهي تستطيع أن تقللَ من تعبِها هذا، فتعطي نفسَها راحةً تمكِّنها من القيامِ.
٧- كثرةُ اللغوِ بالنهارِ وقلةُ الذكرِ تقسِّي القلبَ فلا يستطيعُ أن يذكرَ اللهَ بعد يقظتِه فيغلب عليه الشيطانُ فينام.
٨- كثرةُ الأكلِ فإنَّ الشبعَ يكثرُ النومَ ويزيدُه. يقول أحدُ الشيوخِ لطلاَّبِه: لا تأكلوا كثيرًا فتشربوا كثيرًا فترقدوا كثيرًا فتتحسَّروا عند الموتِ كثيرًا. قال الغزاليُّ –﵀: وهذا هو الأصلُ الكبيرُ وهو تخفيفُ المعدةِ عن ثقلِ الطعامِ.
٩- أكلُ الحرامِ والخبيثِ يقسِّي القلبَ ويضربُ عليه القفالَ، فلا يستيقظُ صاحبُه، بل ويحرم الخيرَ، ومن أكبرِ الخيرِ القيامُ للهِ ومناجاتُه.
١٠- النومُ في الفراشِ الوثيرِ فإن يثقلُ صاحبَه عن القيامِ.
وقد مرَّ الحديثُ عن هذا في الأسبابِ المعينةِ.
قال الثوريُّ –﵀: حُرمتُ قيامَ الليلِ خمسةَ أشهرٍ بذنبٍ أذنبتُه، قيل: وما ذاك الذنبُ؟ قال: رأيتُ رجلاً يبكي فقلت في نفسي: هذا مراءٌ.
وقال بعضُهم: دخلتُ على كرزِ بنِ وبرةَ، وهو يبكي فقلت: أتاك نعيُ أهلِك؟ فقال: أشدُّ، فقلت: وجعٌ يؤلمك؟ فقال: أشدُّ، قلت: فما ذاك؟ قال: بابي مغلقٌ وستري مسبلٌ ولم أقرأ حزبي البارحةَ، وما ذاك إلا بذنبٍ أحدثتُه.
стр. 54
قال الغزاليُّ ﵀: "وهذا لأنَّ الخيرَ يدعو للخيرِ والشرَّ يدعو للشرِ، والقليلُ من كلِّ واحدٍ منها يجرُّ إلى الكثيرِ".
فالذنوبُ كلُّها تورثُ قساوةَ القلبِ وتمنع من قيامِ الليلِ، وأخصُّها بالتأثيرِ تناولُ الحرامِ، وتؤثرُ اللقمةُ الحلالُ في تصفيةِ القلبِ وتحريكِه إلى الخيرِ ما لا يؤثر غيرُها، ويعرف ذلك أهلُ المراقبةِ للقلوبِ بالتجربةِ بعد شهادةِ الشرعِ له، ولذلك قال بعضُهم: كم من أكلةٍ منعَتْ من قيامِ الليلِ سنةً، وكما أنَّ الصلاةَ تنهى عن الفحشاءِ والمنكرِ؛ فكذلك الفحشاءُ تنهى عن الصلاةِ وسائرِ الخيراتِ. وقال بعضُ السجَّانين: كنتُ سجَّانًا نيِّفًا وثلاثين سنةً أسألُ كلَّ مأخوذٍ بليلٍ أنه هل صلى العشاءَ في جماعةٍ؟ فكانوا يقولون: لا.
وهذا تنبيهٌ على أنَّ بركةَ الجماعةِ تنهى عن تعاطي الفحشاءِ والمنكرِ" (١) .
فصلٌ
في الترهيبِ من تركِ قيامِ الليلِ
إنه لا يوفَّقُ عبدٌ إلى قيامِ الليلِ ثم يتركه إلا كان ذلك بسببِ ذنوبِه وبعدِه عن اللهِ؛ لذا فإذا بدَرَ ذلك منك يا عبدَ اللهِ وتركتَ القيامَ ليالي أو شهرًا فحاسبْ نفسك، وسلْ قلبَك: ماذا فعلت؟! وسل جوارحَك: ماذا اقترفت؟!.
واعلم أنَّ تركَ القيامِ لمن كان يقومُه منقصةٌ ومذمةٌ.
فعن ابنِ مسعودٍ ﵁ قال: ذُكرَ عندَ النبيِّ ﷺ رجلٌ نامَ حتى أصبحَ. قال: (ذاك رجلٌ بال الشيطانُ في أذنيه -أو قال: في أذنه-) متفق عليه.
واعلم أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قد مقت مَن ينامُ الليلَ حتى يصبحَ لا يقومُ يصلي.
стр. 55
عن عبدِ اللهِ بنِ عمرِو بنِ العاصِ ﵄ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : (يا عبدَ اللهِ، لا تكن مثلَ فلانٍ كان يقومُ الليلَ فترك قيامَ الليلِ) متفق عليه.، ويدلُّ الحديثُ على كراهةِ قطعِ ما يعتاده الإنسانُ من أعمالِ البرِّ لغيرِ عذرٍ.
وليس أحدٌ يقومُ في الليلِ ويكتبُ اللهُ له القيامَ إلا والله يحبُّه، حيث جعله يناجيه ويتلو كتابَه، ويتغنَّى به، وهذا شرفٌ عظيمٌ لا يُحرمه إلَّا من حرَمه اللهُ، نعوذ بالله من الحرمان.
فصلٌ
فيما جاء عن رسولِ اللهِ ﷺ في قيامِ الليلِ
لقد عقدتُ هذا الفصلَ لأبينَ حرصَ رسولِ اللهِ ﷺ على القيامِ، وحالَه فيه من الخشوعِ والبكاءِ والتطويلِ، ولستُ أريدُ بعقدِه بيانَ هديِه في القيامِ وعددَ ركعاتِه وأحوالَ قنوتِه وغيرَها لأني لن أستوعبَها في هذه الصفحاتِ.
والتطويلُ هنا مخالفٌ لجملةِ الرسالةِ، وإنما أُحيل القارئَ الكريمَ على بعضِ الكتبِ التي وصفت قيامَه ﷺ . وبينَّت أحكامَ هذا القيامِ سواءً أكان ذلك في كتابٍ مفردٍ أم في جزءٍ من كتابٍ قديمًا وحديثًا.
فمِمَّن كتبَ فيه ابنُ القيَّمِ ﵀ في كتابِه القيمِ المشهورِ (زادِ المعادِ (١) ، وممن أفرد له كتابًا من المحدثين الدكتور فيحان المطيري في كتابِه (إسعافِ أهلِ العصرِ بما وردَ في أحكامِ الوترِ) .
وأُورِد بعضَ الأحاديثِ التي تبيِّنُ حرصَه ﷺ على قيام الليل:
١- عن أبي ذرٍ ﵁ قال: قام النبيُّ ﷺ حتى أصبحَ بآية (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [المائدة:١١٨] رواه ابن ماجه وحسنه الألباني.
стр. 56
٢- عن المغيرةِ بنِ شعبةَ –﵁ قال: قام النبيُّ – ﷺ حتى تورَّمت قدماه، فقيل له: قد غُفرَ لك ما تقدَّم من ذنبِك وما تأخرَ؟ قال: (أفلا أكون عبدًا شكورًا) متفق عليه.
٣- - قالت عائشةُ ﵂: (لا تدع قيامَ الليلِ، فإنَّ رسولَ الله – ﷺ كان لا يدعه، وكان إذا مرضَ أو كسلَ صلَّى قاعدًا) رواه أبو داوود وابن خزيمة وصححه الألباني.
٤- عن أنسٍ ﵁ قال:" كان رسولُ اللهِ – ﷺ يفطرُ من الشهرِ حتى نظنَّ أن لا يصومَ منه، ويصومُ حتى نظنَّ أن لا يفطرَ منه شيئًا، وكان لا تشاءُ أن تراه مصليًا إلا رأيتَه ولا نائمًا إلا رأيتَه". رواه البخاري.
٥- عن عائشةَ ﵂: (أنَّ رسولَ اللهِ – ﷺ كان يصلي إحدى عشرة ركعةً –تعني في الليل- يسجدُ السجدةَ من ذلك قدرَ ما يقرأُ أحدُكم خمسين آيةً، قبل أن يرفعَ رأسَه ويركعُ ركعتين قبلَ صلاةِ الفجرِ، ثم يضطجعُ على شقِّهِ الأيمنِ حتى يأتيَه المنادي للصلاةِ) رواه البخاري.
٦- عن ابنِ مسعودٍ –﵁ قال:"صليتُ مع النبيِّ – ﷺ ليلةً، فلم يزل قائمًا حتى هممتُ بأمرِ سوءٍ، قيل: وما هممتَ؟ قال: هممتُ أن أجلسَ وأدعَه". متفق عليه.
стр. 57
٧- عن حذيفةَ ﵁ قال: " صليتُ مع النبيِّ ﷺ ذاتَ ليلةٍ، فافتتحَ البقرةَ، فقلتُ: يركعُ عند المئةِ، ثم مضى، فقلت: يصلي بها في ركعةٍ، فمضى فقلتُ: يركعُ بها، ثم افتتحَ النساءَ فقرأَها، ثم افتتحَ آلَ عمرانَ فقرأَها، يقرأُ مترسلاً: إذا مرَّ بآيةٍ فيها تسبيحٌ سبَّحَ، وإذا مرَّ بسؤالٍ سأل، وإذا مرَّ بتعوذٍ تعوذ، ثم ركعَ فجعل يقولُ: سبحانَ ربي العظيمِ، فكان ركوعُه نحوًا من قيامِه، ثم قال: سمعَ اللهُ لمن حمدَه، ربَّنا لك الحمدُ، ثم قامَ طويلاً قريبًا مما ركعَ، ثم سجدَ فقال: سبحانَ ربي الأعلى، فكان سجودُه قريبًا من قيامِه". رواه مسلم.
٨- عن أبي سلمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ أنَّه سألَ عائشةَ: " كيف كانت صلاةُ رسولِ اللهِ ﷺ في رمضان؟ قال: فقالت: ما كان رسولُ الله ﷺ يزيدُ في رمضان ولا في غيرِه على إحدى عشرة ركعةٍ، يصلي أربعًا فلا تسألْ عن حسنهِنَّ وطولهِنَّ، ثم يصلي أربعًا فلا تسألْ عن حسنهِنَّ وطولهِنَّ، ثم يصلي ثلاثًا، قالت عائشةُ: فقلت: يا رسولَ الله أتنامُ قبل أن توترَ؟ فقال: (يا عائشةُ إنَّ عينيَّ تنامانِ ولا ينامُ قلبي) متفق عليه.
فصلٌ
بعضُ الآثارِ عن السلفِ الصالحِ في قيامِ الليلِ
١- روي أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ ﵁: كان يمرُّ بالآيةِ من وردِه بالليلِ فيسقط حتى يُعاد منها أيامًا كثيرةً، كما يُعاد المريضُ (١) .
٢- وكان ابنُ مسعودٍ ﵁ إذا هدأتِ العيونُ قام فيسمعُ له دويٌّ كدويِّ النحلِ حتى يصبحَ. (٢)
٣- وكان طاووس ﵀ إذا اضطجعَ على فراشِه تقلَّب عليه كما تقلب الحبةُ في المقلاةِ ثم يثِبُ ويصلي إلى الصباحِ، ثم يقول: طيَّر ذكرُ جهنمَ نومَ العابدين. (٣)
стр. 58
٤- وقال الحسنُ: ما نعلم شيئًا أشدَّ من مكابدةِ الليلِ، ونفقةِ هذا المالِ، فقيل: ما بالُ المتهجدينَ من أحسنِ الناسِ وجوهًا، قال: لأنَّهم خلوا بالرحمنِ فألبسهم نورًا من نورِه. (١)
٥- قال الفضيلُ: إني لأستقبلُ الليلَ من أوَّلِه فيهولني طولُه فأفتتحُ القرآنَ فأصبحُ وما قضيتُ نهمتي. (٢)
فانظر يرعاك الله إلى اللذة التي يشعر بها حتى لا يشعر بالوقت بل يحسه قصيرًا في جانب مناجاته لربه. (٣)
وليس ذلك كل ليلة.. فحاشا أن يخالفوا سنةَ رسولِ اللهِ وإنما أخبر عن هذا الحديثِ ولو كان ليلةً.
٦- وقال أيضًا: إذا لم تقدر على قيامِ الليلِ وصيامِ النهارِ فاعلم أنَّك محرومٌ وقد كثرت خطيئتُك.
٧- كان للحسنِ بنِ صالحٍ جاريةٌ فباعها من قومٍ، فلما كان في جوفِ الليلِ قامت الجاريةُ فقالت: يا أهلَ الدارِ الصلاةَ الصلاةَ، فقال: أصبحنا؟ أطَلَع الفجرُ؟ فقالت: وما تصلون إلا المكتوبةَ؟! قالوا: نعم، فرجعَتْ إلى الحسنِ فقالت: يا مولاي بعتني من قومٍ لا يصلون إلا المكتوبةَ؛ رُدَّني، فرَدَّها.
٨- قال الربيعُ: بتُّ في منزلِ الشافعيِّ –﵀ ليالي كثيرةً فلم يكن ينامُ من الليلِ إلا يسيرًا.
٩- وكان أبو حذيفةَ يحيي نصفَ الليلِ فمرَّ بقومٍ، فقالوا: إنَّ هذا يحيي الليلَ كلَّه، فقال: إني أستحي أن أُوصفَ بما لا أفعلُ، فكان بعد ذلك يحيي الليلَ كلَّه.
وقد سبق أن بيَّنتُ أنَّ إحياءَ الليلِ كلِّه كلَّ ليلةٍ منهيٌّ عنه، فلعلَّ من روى ذلك عن أبي حذيفةَ اعتقد ذلك كما وصفوه بذلك من قبلُ؛ولم يكن يقومُ إلا نصفَ الليلِ.
стр. 59
١٠- يقال إنَّ مالكَ بنَ دينارٍ –﵁ بات يردد هذه الآيةَ ليلةً حتى أصبحَ (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) [الجاثية:٢١] .
١١- وقال المغيرةُ بنُ حبيبٍ: رمقتُ مالكَ بنَ دينارٍ –﵀ فتوضأ بعد العشاءِ ثم قام إلى مصلاه فقبضَ على لحيتِه فخنقته العبرةُ، فجعلَ يقول: اللهم حرّم شيبةَ مالكٍ على النارِ، إلهي قد علمتَ ساكنَ الجنةِ من ساكنِ النارِ فأيُّ الرجلين مالكٌ، وأيُّ الدارين دارُ مالكٍ فلم يزل يقولُ ذلك حتى طلعَ الفجرُ.
١٢- وقال مالكُ بنُ دينارٍ سهرت ليلةً عن وردي ونمتٌ، فإذا أنا في المنامِ بجاريةٍ كأحسنِ ما يكون وفي يدها رقعةٌ، فقالت لي: أتحسنُ تقرأ؟ فقلت: نعم فدفعتْ إليَّ الرقعةَ فإذا فيها:
أألهتك اللذائذُ والأماني ... عن البيضِ الأوانسِ في الجنان
تعيش مخلدًا لا موت فيها ... وتلهو في الجنان مع الحسان
تنبَّه من منامك إن خيرًا ... من النوم التهجد بالقران (١)
١٣- عن نافعٍ أنَّ ابنَ عمرَ –﵁: "كان إذا فاتته صلاةُ العشاءِ في جماعةٍ أحيا بقيةَ ليلِه" (٢) . وكان ﵁: "كلما استيقظَ من الليلِ صلى"١.
١٤- عن بردٍ مولى ابنِ المسيبِ قال: "ما نودي للصلاةِ منذ أربعين سنةٍ إلا وسعيدٌ في المسجدِ"١.
стр. 60
١٥- عن مسلمةَ بنِ محاربٍ قال: قدم عروةُ بنُ الزبير على الوليدِ بنِ عبدِ الملكِ ومعه ابنه محمدُ بنُ عروةَ فدخل محمدُ بنُ عروةَ دارَ الدوابِّ فضربتْه دابةٌّ فخرَّ، فحُمل ميتًا، ووقعت في رجلِ عروةَ الأكلةُ، ولم يدع تلك الليلة وردَه، فقال له الوليد: اقطعها قال: لا، فترقت إلى ساقه، فقال له الوليد: اقطعها وإلا أفسدت عليك جسدك، فقطعت بالمنشار وهو شيخ كبير، فلم يمسكه أحد، وقال: لقد لقينا من سفرنا هذا نصبًا. وقال محمدُ بنُ عبيدٍ: لم يتركْ عروةُ بنُ الزبيرِ وردَه إلَّا في الليلِ التي قُطعت فيها رجلُه، قال: وتمثَّلَ بأبياتِ معنِ بن أوسٍ:
لعمرك ما أهويتُ كفي لريبةٍ ... ولا حملتني نحو فاحشةٍ رجلي
ولا قادني سمعي ولا بصري لها ... ولا دلني رأيي عليها ولا عقلي
وأعلم أني لم تصبني مصيبةٌ ... من الدهر ِإلا قد أصابت فتىً قبلي (١)
١٦-كان لأبي مسلمٍ الخولانيِ ﵀ سوطٌ يعلِّقه في مسجدِه فإذا كان السحرُ ونعسَ أو ملَّ أخذَ السوطَ وضربَ به ساقيه ثم قال: لأنتِ أولى بالضربِ من شرارِ الدوابِّ.
١٧- كان أيَّوبُ السختيانيُّ يقوم الليلَ كلَّه، فيُخفي ذلك، فإذا كان عند الصبحِ، رفع صوتَه كأنَّه قام تلك الساعةَ.
١٨- كان الحسنُ يصلي فإذا أعيي صلى قائماً فإذا فتر صلى مضطجعاً (٢) .
١٩- كان سليمانُ التيميُّ مرةً يصلي بعد العشاءِ الآخرةِ فقرأ (تباركَ الذي بيدِه الملكُ) حتى أتى على قوله: (فلما رأوه زلفةً سيئت وجوهُ الذين كفروا) جعل يردِّدُها إلى الفجرِ، ولما ماتَ قالت جاريةٌ من جيرانِه لأمِّها: يا أمَّاه ما فعلَ المشجبُ الذي كان فوقَ ذلك السطحِ؟ تظن أنَّ سليمانَ التيميَّ-﵀ كان المشجب (٣) .
стр. 61
خاتمة
وبعد أن أتمتتُ بعونِ اللهِ وفضلِه هذه الرسالةَ، فإنِّي أعتذرُ عمًّا جاء فيها من تقصيرٍ، وإنما كتبتُها إرشادًا لنفسي وعونًا لها على القيامِ، وحرصتُ أن يشاركَني إخواني في الفائدةِ، فرجوت ذلك بطباعتِها، علَّها تكونُ لي عذرًا بتبليغِ النصيحةِ للمسلمين عامةً، عسى اللهُ أن يهديَنا للقيامِ بما فرَضَ علينا، ويمنَّ علينا بالتقرُّبِ إليه بما يحبُّ ويرضى، ويتقبَّلها منا جميعًا، وأسألُه أن يرفعَ عن هذه الأمةِ ما حلَّ بها من فرقةٍ وفتنٍ وبلاء. ٍ
وأذكِّرك -أخي- أن العملَ الصالحَ في هذا الزمانِ، بات شاقًّا على النفوسِ المولعةِ بالدنيا، فأغلبُ الناسِ اليومَ مُلقىً في قلبه الهوانُ، حبُّ الدنيا وكراهيةُ الموتِ، لذا فإنَّ المتمسِّك بدينِه يجد نفسَه تتجاذبُه الفتنُ وتعرضُ عليه صباحَ مساءَ، وصدق رسولُ الله ﷺ : (يأتي على الناسِ زمانٌ القابضُ على دينِه كالقابضِ على الجمرِ) أخرجه الترمذي وصححه الألباني.
وأبشر يا أخي فهذا زمانُ الصبرِ، أجرُ المؤمنِ فيه كأجرِ خمسين من الصحابةِ بنصِ رسولِ الله ﷺ ، فلنكن ممَّن يسارعُ في الخيراتِ، ويدعو اللهَ رغبًا ورهبًا.
جعلنا اللهُ من المتقين وحَشَرنا في زمرتِهم وأوفَدَنا وفادتَهم، اللهم آمين.
والحمدُ للهِ الذي تتم بنعمتِه الصالحاتُ.
وصلى اللهُ على نبيِّنا محمدٍ وعلى آلِه وصحبِه أجمعين.
وكتبته:
د/ رقية بنت محمد المحارب.
стр. 62
ظهر الغلاف الخارجي
أذكِّرك -أخي- أن العملَ الصالحَ في هذا الزمانِ، بات شاقًّا على النفوسِ المولعةِ بالدنيا، فأغلبُ الناسِ اليومَ مُلقىً في قلبه الهوانُ، حبُّ الدنيا وكراهيةُ الموتِ، لذا فإنَّ المتمسِّك بدينِه يجد نفسَه تتجاذبُه الفتنُ وتعرضُ عليه صباحَ مساءَ، وصدق رسولُ الله ﷺ : (يأتي على الناسِ زمانٌ القابضُ على دينِه كالقابضِ على الجمرِ) أخرجه الترمذي وصححه الألباني.
وأبشر يا أخي فهذا زمانُ الصبرِ، أجرُ المؤمنِ فيه كأجرِ خمسين من الصحابةِ بنصِ رسولِ الله ﷺ ، فلنكن ممَّن يسارعُ في الخيراتِ، ويدعو اللهَ رغبًا ورهبًا.