Полный текст (192 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قَالَ الشَّيْخ الْفَقِيه الإِمَام الْعَلامَة أَبُو الْقَاسِم شهَاب الدّين عبد الرَّحْمَن بن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم الْمَقْدِسِي الشَّافِعِي نفع الله الْمُسلمين بطول بَقَائِهِ، وأشركنا فِي صَالح دُعَائِهِ:
الْحَمد لله مولي كل نعْمَة، ومؤتي من يَشَاء إِيمَانًا وَحِكْمَة، أَحْمَده على أَن جعلنَا من خير أمة، ووفقنا للاشتغال بكتابه وَسنة نبيه ﷺ فلنا بهما أتم حُرْمَة، وجنبنا طَريقَة الَّذِي لَا يرقبون فِي الله إِلَّا وَلَا ذمَّة، وَأشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ شَهَادَة دافعة لكل نقمة، مَانِعَة من كل وصمة، جالبة للفوز فِي الْآخِرَة بالنضرة وَالنعْمَة، وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله نَبِي الرَّحْمَة، وَكَاشف الْغُمَّة، وسراج الْأمة، الْمنور لكل ظلمَة، الَّذِي امتن الله تَعَالَى بِهِ على هَذِه الْأمة، فَقَالَ: ﴿لقد من الله على الْمُؤمنِينَ إِذا بعث فيهم رَسُولا من أنفسهم يَتْلُوا عَلَيْهِم آيَاته ويزكيهم وَيُعلمهُم الْكتاب وَالْحكمَة﴾ ، صلى الله عَلَيْهِ وعَلى جَمِيع الْمَلَائِكَة والنبيين
стр. 2
المؤيدين بالزلفى والعصمة، وعَلى آله وَأَصْحَابه أولي الْعَزْم والهمة، الَّذين أَحْسنُوا لَهُ الْخدمَة ونقلوا إِلَيْنَا علمه، ووصفوا لنا حكمه وهديه وحلمه، وشبههم بالنجوم النيرة فِي اللَّيَالِي المدلهمة، فَرضِي الله عَن تابعيهم وَمن بعدهمْ من الْعلمَاء الْأَئِمَّة، الَّذين جعل اخْتلَافهمْ لنا رَحْمَة، وَقسم لَهُم مَعَ الْعلم طَاعَته الَّتِي هِيَ أجل قسْمَة.
أما بعد:
فقد صنف فِي علم الحَدِيث وَشرف أَهله كتب حَسَنَة مهمة، والعلوم الْمُتَعَلّقَة بِهِ كَثِيرَة يقصر الزَّمَان عَن تَحْصِيلهَا كَمَا يَنْبَغِي، مَعَ فَتْرَة أَهله وكسلهم حَتَّى قَالَ بعض من تقدم: " يَكْفِي من الحَدِيث شمه " فقنع الْجُمْهُور مِنْهُم بالإجازات وَالسَّمَاع من عوام الشُّيُوخ فَلهم فِي ذَلِك نهمة، وتجري بَينهم فِي ذَلِك منافسات وزحمة، وأعرضوا عَن علومه النافعة
стр. 3
الْمَأْمُور بهَا فَمَا يحركهم إِلَيْهَا همة، وَلَا لَهُم عَلَيْهَا عَزمَة، حَتَّى استولت على خواطرهم العجمة، وَلَو كَانَ أحدهم فِي الفصاحة جَارِيا مجْرى ذِي الرمة، أَو إِبْرَاهِيم بن هرمة، أَو ابْن قيس بن صرمة، وَأطلق بَعضهم على بعض اسْم الْمُحدث والحافظ فاغتر بِهَذَا الْإِطْلَاق كل غر يحْسب أَن كل سَوْدَاء تَمْرَة وكل بَيْضَاء شحمة، وَلم يدر أَن هَذَا الِاسْم قد هان على مطلقيه كَمَا هان على قوم آخَرين اسْم الْفَقِيه الَّذِي لم يكن يُطلق إِلَّا على الْمُجْتَهد النبيه الَّذِي أتقن علمه، وشكر الواصفون من أهل الْحل وَالْعقد فهمه.
فَاعْلَم أَن عُلُوم الحَدِيث الْآن على ثَلَاث دَرَجَات: الدرجَة الأولى:
أَعْلَاهَا وَأَشْرَفهَا وَهِي حفظ متونه وَمَعْرِفَة غريبها وَالنَّفقَة فِيهَا، فَفِي فهمها مَعَ فهم كتاب الله تَعَالَى عَن غَيرهمَا شغل شاغل، وَلَا يضيع الزَّمَان فِيمَا لَا فَائِدَة فِيهِ الْآن من السماع فِي الْبلدَانِ فَإِن الْأَحَادِيث قد دونت وبينت ورتبت وَقسمت وتعب عَلَيْهَا وأتقنها الْأَوَائِل، فَلم تبْق ضَرُورَة تَدْعُو إِلَى تَحْصِيل مَا هُوَ حَاصِل.
стр. 4
الدرجَة الثَّانِيَة:
حفظ أسانيدها وَمَعْرِفَة رجالها وتمييز صحيحها من سقيمها، وَهَذَا كَانَ الأهم فِي الزَّمن الأول حَيْثُ لم تكن كتب مسطرة، وَلَا أُمُور محررة، وَقد كفى المشتغل بِالْعلمِ هَذَا التَّعَب بِمَا قد صنف وَألف من الْكتب.
стр. 5
الدرجَة الثَّالِثَة: الِاشْتِغَال بجمعه وكتابته وسماعه وتطريقه وَطلب الْعُلُوّ فِيهِ والرحلة فِي ذَلِك، فالمشتغل بِهَذَا مشتغل عَمَّا هُوَ الأهم من علومه النافعة فضلا عَن الْعَمَل بِهِ الَّذِي هُوَ الْمَطْلُوب الْأَصْلِيّ من الْمُكَلّفين قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَمَا خلقت الْجِنّ وَالْإِنْس إِلَّا ليعبدون﴾ .
وَمَا أحسن مَا قَالَ جَعْفَر بن أَحْمد السراج:
(إِذا كُنْتُم تكتبون الحَدِيث ... لَيْلًا وَفِي صبحكم تسمعونا)
(وأفنيتم فِيهِ أعماركم ... فَأَي زمَان بِهِ تعملونا)
إِلَّا أَن هَذَا لَا بَأْس بِهِ للبطالين لما فِيهِ من إبْقَاء سلسلة العنعنة الْمُتَّصِلَة بأشرف الْبشر فَهِيَ من خَصَائِص هَذِه الْأمة المرحومة.
стр. 6
وَمِمَّا يزهد من كَانَ لَهُ لب فِي هَذِه الطَّرِيقَة مَا تشْتَمل عَلَيْهِ من مُشَاركَة الصَّغِير فِيهَا للكبير، والفدم للفاهم، وَالْجَاهِل للْعَالم، بل أهل هَذِه الدرجَة لَا يبالون بِتَقْدِيم المسمع الْجَاهِل، فَإِذا كَانَ علو السَّنَد مَعَ النَّاقِص لم يلفت إِلَى الْكَامِل.
وَاعْلَم أَن أَئِمَّة الْمُتَقَدِّمين، لم يَكُونُوا إِلَى هَذَا ملتفتين، قَالَ عبد الله بن هَاشم الطوسي وَغَيره:
" كُنَّا عِنْد وَكِيع فَقَالَ: الْأَعْمَش أحب إِلَيْكُم عَن أبي وَائِل عَن عبد الله، أَو سُفْيَان عَن مَنْصُور عَن إِبْرَاهِيم عَن عَلْقَمَة عَن عبد الله، وهما شيخاه الْأَعْمَش وسُفْيَان؟ قَالَ: فَقُلْنَا: الْأَعْمَش عَن أبي وَائِل أقرب، فَقَالَ: الْأَعْمَش شيخ وَأبي وَائِل شيخ، وسُفْيَان عَن مَنْصُور عَن إِبْرَاهِيم عَن عَلْقَمَة عَن عبد الله فَقِيه عَن فَقِيه عَن فَقِيه عَن فَقِيه عَن فَقِيه، وَحَدِيث يتداوله الْفُقَهَاء خير مِمَّا يتداوله الشُّيُوخ ".
стр. 7
(واخرج أَبُو سعد السَّمْعَانِيّ فِي مُقَدّمَة " تذييله لتاريخ بَغْدَاد " عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم قَالَ: قيل لِسُفْيَان بن عُيَيْنَة: إِن فلَانا يحدث بنزول، فَقَالَ: يزينها الصدْق) .
وروينا فِي " التَّارِيخ " فِي تَرْجَمَة الشَّافِعِي ﵁ أَن أَحْمد بن حَنْبَل لامه فِي حُضُوره مجْلِس الشَّافِعِي وَتَركه مجْلِس سُفْيَان بن عُيَيْنَة ﵃، فَقَالَ لَهُ أَحْمد: اسْكُتْ، فَإِن فاتك حَدِيث بعلو تَجدهُ بنزول، وَلَا يَضرك فِي دينك وَلَا فِي عقلك وَلَا فِي فهمك، وَإِن فاتك عقل هَذَا الْفَتى أَخَاف أَن لَا تَجدهُ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، مَا رَأَيْت أحدا أفقه فِي كتاب الله من هَذَا الْفَتى.
وَسُئِلَ أَبُو بكر مُحَمَّد بن عمر الجعابي الْحَافِظ: " أَكَانَ ابْن صاعد يحفظ؟ فَتَبَسَّمَ وَقَالَ: لَا يُقَال لأبي بكر يحفظ، كَانَ يدْرِي ".
стр. 8
قَالَ حَمْزَة بن يُوسُف السَّهْمِي: " قلت لأبي بكر بن عَبْدَانِ: أيش الْفرق بَين الدِّرَايَة وَالْحِفْظ؟ فَقَالَ: الدِّرَايَة فَوق الْحِفْظ ".
قَالَ الْحَاكِم أَبُو عبد الله: سَمِعت أَبَا عَليّ الْحُسَيْن بن عَليّ الْحَافِظ يَقُول: " لم يكن فِي أَقْرَان أبي مُحَمَّد بن صاعد فِي فهمه وَكَانَ أحفظ مِنْهُ، أَي وَكَانَ يُوجد من هُوَ أحفظ مِنْهُ، قَالَ: والفهم عندنَا أجل من الْحِفْظ ".
قلت:
فانظروا إِلَى كَلَام هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة الْحفاظ حَقًا كَيفَ كَانَ الْأَمر فِي نظرهم على مَا ذكرنَا، وَإِن كَانَ هَذَا مِمَّا لَا يخفى على عَالم إِلَّا أَنِّي أحب أَن اسْتدلَّ على كل طَائِفَة بِكَلَام أئمتها لتَكون الْحجَّة عَلَيْهِم أبلغ، وَلِأَن ذَلِك أقرب إِلَى تحريكهم إِلَى سلوك طريقهم.
ثمَّ اعْلَم أَن كل مَا جَاءَ عَن السّلف ﵃ من الثَّنَاء على أهل الحَدِيث ووصفهم ومدح علمهمْ إِنَّمَا كَانَ بِاعْتِبَار مَا ذَكرْنَاهُ من حفظ متونه والتفقه فِيهَا وتمييز صَحِيحه من سقيمه، والتمسك بِهِ علما وَعَملا، وَإِن كَانُوا متفاوتين فِي ذَلِك، فبعضهم برز فِي الْحِفْظ، وَبَعْضهمْ فِي
стр. 9
الْفِقْه، وَبَعْضهمْ فِي التَّمْيِيز مَعَ الْمُشَاركَة كل فريق للباقين بِمَا لم يبرز فِيهِ، (وَلِهَذَا جَاءَ عَن أبي عبيد الْقَاسِم بن سَلام أَنه قَالَ: " انْتهى علم الحَدِيث فِي زَمَاننَا إِلَى أَرْبَعَة: أَحْمد بن حَنْبَل وَيحيى بن معِين وَعلي بن الْمَدِينِيّ وَأبي بكر بن أبي شيبَة، ثمَّ وصف أَحْمد بِأَنَّهُ أفقههم فِيهِ، وَوصف يحيى بِأَنَّهُ أعلمهم بِصَحِيح الحَدِيث وسقيمه، وَوصف ابْن الْمَدِينِيّ بِأَنَّهُ أعلمهم بِهِ أَي يعلله، وَوصف أَبَا بكر بِأَنَّهُ أحفظهم لَهُ ".
قَالَ يحيى بن أبي بكير: " قيل لِسُفْيَان الثَّوْريّ، إِلَى مَتى تطلب الحَدِيث؟ قَالَ: وَأي خير أَنا فِيهِ خير من الحَدِيث فنصير إِلَيْهِ - يَعْنِي بَدَلا من الحَدِيث - إِن الحَدِيث خير عُلُوم الدُّنْيَا، وَإِن نور الْآخِرَة الحَدِيث ".
قَالَ مُوسَى بن عبد الرَّحْمَن بن مهْدي: سَمِعت أبي يَقُول: " رَأَيْت سُفْيَان الثَّوْريّ فِي الْمَنَام فَقلت: أَي شَيْء وجدت أفضل؟ قَالَ: الحَدِيث ".
(وَجَاء عَن ابْن الْمُبَارك وَغَيره: مَا أعلم شَيْئا أفضل من طلب الحَدِيث لمن أَرَادَ الله بِهِ ".
وَقَالَ وَكِيع: " لَوْلَا أَن الحَدِيث أفضل عِنْدِي من التَّسْبِيح مَا حدثت ".
стр. 10
قَالَ مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة: سَمِعت يُونُس بن عبد الْأَعْلَى يَقُول: سَمِعت الشَّافِعِي يَقُول: " إِذا رَأَيْت رجلا من أَصْحَاب الحَدِيث فَكَأَنِّي رَأَيْت رجلا من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ ".
وروينا عَن الإِمَام الشَّافِعِي ﵀ أَيْضا أَنه قَالَ: " عَلَيْكُم بأصحاب الحَدِيث فهم النَّاس ".
قَالَ أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن جَعْفَر الْخَبَّازِي: سَمِعت أَبَا أَحْمد عبد الله ابْن بكر بن مُحَمَّد الْعَالم الزَّاهِد بِالشَّام فِي جبل لبنان يَقُول:
" أبرك الْعُلُوم وأفضلها وأكثرها نفعا فِي الدّين وَالدُّنْيَا بعد كتاب الله أَحَادِيث رَسُول الله ﷺ ، لما فِيهَا من كَثْرَة الصَّلَوَات عَلَيْهِ، وَإِنَّهَا كالرياض والبساتين تَجِد فِيهَا كل خير وبر، وَفضل وَذكر ".
(وَفِي " جَامع التِّرْمِذِيّ " من حَدِيث ابْن مَسْعُود ﵁ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: " أولى النَّاس بِي يَوْم الْقِيَامَة أَكْثَرهم عَليّ صَلَاة "، ﷺ .
стр. 11
وَقَالَ الْفَقِيه أَبُو زيد الْمروزِي الزَّاهِد: " كنت نَائِما بَين الرُّكْن وَالْمقَام فَرَأَيْت النَّبِي ﷺ فَقَالَ: يَا أَبَا زيد، إِلَى مَتى تدرس كتاب الشَّافِعِي وَلَا تدرس كتابي؟ فَقلت: يَا رَسُول الله، وَمَا كتابك؟ قَالَ: جَامع مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل - يَعْنِي البُخَارِيّ ".
وَكَانَ أَبُو زيد يرويهِ عَن الْفربرِي وَهُوَ أجل من رَوَاهُ عَنهُ) .
وَللَّه در الْقَائِل:
(طلب الحَدِيث طَريقَة ... الماضين من أهل الرشاد)
(فاسلك سبيلهم تنَلْ ... درجاتهم يَوْم الْمعَاد)
وللحافظ أبي طَاهِر السلَفِي ﵀:
(دين النَّبِي وشرعه أخباره ... وَأجل علم يقتنى آثاره)
(من كَانَ مشتغلا بهَا وبنشرها ... بَين الْبَريَّة لَا عفت آثاره)
стр. 12
فسهل الله علينا الِاسْتِمْرَار على الِاشْتِغَال بِهِ على الْوَجْه المرضي، وَإِن كَانَ قد أصبح أَكثر النَّاس عَنهُ معرضين، فَمَا ذَاك بمانع لمن سبق لَهُ الْوَعْد بالنصر من سيد الْمُرْسلين، فقد صَحَّ عَنهُ ﷺ من طرق أَنه قَالَ: " لَا يزَال نَاس من أمتِي منصورين، لَا يضرهم من خذلهم حَتَّى تقوم السَّاعَة ".
وَذكر (أَبُو بكر مُحَمَّد بن مَنْصُور السَّمْعَانِيّ فِي " أَمَالِيهِ " عَن) غير وَاحِد من الْأَئِمَّة مِنْهُم: عبد الله بن الْمُبَارك وَيزِيد بن هَارُون وَأحمد بن حَنْبَل وَعلي بن الْمَدِينِيّ وَالْبُخَارِيّ وَغَيرهم أَن هَذِه الطَّائِفَة المنصورة هم أَصْحَاب الحَدِيث.
قلت: وَأَصْحَاب الحَدِيث جند الله وَرَسُوله لاعتنائهم بنشر شَرِيعَته وإعلاء كَلمته، فالفأل لَهُم بالفوز والنصر وَالْغَلَبَة من كَلَام رب الْعَالمين قَوْله سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَقَد سبقت كلمتنا لعبادنا الْمُرْسلين إِنَّهُم لَهُم المنصورون وَإِن جندنا لَهُم الغالبون﴾ .
стр. 13
وَقد رَأَيْت أَن أذكر فِي هَذَا الْكتاب حَدِيثا من الْأَخْبَار النَّبَوِيَّة، وأشرحه شرحا متقنا، مستوعبا للْكَلَام عَلَيْهِ متْنا وإسنادا فِي كل مَا يتَعَلَّق بِهِ من الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة بجهدي وطاقتي، وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه، أجعَل ذَلِك عنوانا وأنموذجا لما يَنْبَغِي أَن تعرف الْأَخْبَار عَلَيْهِ.
وَوَقع اخْتِيَاري على حَدِيث مبعث النَّبِي ﷺ الَّذِي فِي " الصَّحِيحَيْنِ " من رِوَايَة عَائِشَة وَجَابِر ﵄.
وسميته: شرح الحَدِيث المقتفى فِي مبعث النَّبِي الْمُصْطَفى صلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله وَصَحبه وَسلم، كَمَا يجلهم وشرفهم وكرم.
стр. 14
فصل
أخبرنَا الشَّيْخَانِ البغداديان أَبُو الْقَاسِم أَحْمد بن عبد الله بن عبد الصَّمد بن عبد الرَّزَّاق السّلمِيّ الْعَطَّار وَأَبُو البركات دَاوُد بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن ملاعب رحمهمَا الله قِرَاءَة عَلَيْهِمَا وَأَنا أسمع سنة أَربع عشرَة وسِتمِائَة بِدِمَشْق، قَالَا: أخبرنَا أَبُو الْوَقْت عبد الأول بن عِيسَى بن شُعَيْب السجْزِي الصُّوفِي، أخنا أَبُو الْحسن الدَّاودِيّ، أخنا أَبُو مُحَمَّد بن حمويه، أخنا مُحَمَّد بن يُوسُف بن مطر الْفربرِي، أخنا أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل البُخَارِيّ ﵀ قَالَ: حَدثنِي يحيى بن بكير، ثَنَا اللَّيْث، عَن عقيل، عَن ابْن شهَاب، عَن عُرْوَة، وَزَاد فِي أول كتاب التَّعْبِير: وحَدثني عبد الله بن مُحَمَّد، ثَنَا عبد الرَّزَّاق، أخنا معمر، قَالَ الزُّهْرِيّ: أَخْبرنِي عُرْوَة، عَن عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ أَنَّهَا قَالَت.
ح وأنبأنا أَبُو الْحسن الْمُؤَيد بن مُحَمَّد بن عَليّ بن الْمُقْرِئ الطوسي فِي إِجَازَته سنة تسع وسِتمِائَة، وَأخْبرنَا عَنهُ وَعَن غَيره غير وَاحِد قَالُوا: أخنا أَبُو عبد الله الفراوي، أخبرنَا عبد الغافر بن مُحَمَّد الْفَارِسِي، أخنا أَبُو أَحْمد الجلودي، أَنا إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن سُفْيَان، ثَنَا أَبُو الْحُسَيْن مُسلم بن الْحجَّاج
стр. 15
قَالَ: حَدثنِي أَبُو الطَّاهِر أَحْمد بن عَمْرو بن عبد الله بن عَمْرو بن سرح، أخنا ابْن وهب، أَخْبرنِي يُونُس، عَن ابْن شهَاب، حَدثنِي عُرْوَة بن الزبير أَن عَائِشَة زوج النَّبِي ﷺ أخْبرته أَنَّهَا قَالَت:
كَانَ أول مَا بُدِئَ بِهِ رَسُول الله ﷺ من الْوَحْي الرُّؤْيَا الصَّالِحَة فِي النّوم، فَكَانَ لَا يرى رُؤْيا إِلَّا جَاءَت مثل فلق الصُّبْح، ثمَّ حبب إِلَيّ الْخَلَاء، فَكَانَ يَخْلُو بِغَار حراء يَتَحَنَّث فِيهِ، وَهُوَ التَّعَبُّد اللَّيَالِي ألات الْعدَد قبل أَن يرجع إِلَى أَهله، ويتزود لذَلِك، ثمَّ يرجع إِلَى خَدِيجَة فيتزود لمثلهَا، حَتَّى فجئه الْحق وَهُوَ فِي غَار حراء فَجَاءَهُ الْملك فَقَالَ: اقْرَأ، قَالَ: قلت: مَا أَنا بقارئ، قَالَ: فأخذني فغطني حَتَّى بلغ مني الْجهد، ثمَّ أَرْسلنِي فَقَالَ: اقْرَأ، فَقلت: مَا أَنا بقارئ، فأخذني فغطني الثَّانِيَة حَتَّى بلغ مني الْجهد، ثمَّ أَرْسلنِي فَقَالَ: اقْرَأ، فَقلت: مَا أَنا بقارئ قَالَ: فأخذني فغطني الثَّالِثَة حَتَّى بلغ مني الْجهد، ثمَّ أَرْسلنِي فَقَالَ: ﴿اقْرَأ باسم رَبك الَّذِي خلق خلق الْإِنْسَان من علق اقْرَأ وَرَبك الأكرم الَّذِي علم بالقلم علم الْإِنْسَان مَا لم يعلم﴾ ، فَرجع بهَا رَسُول الله ﷺ ترجف بوادره حَتَّى دخل على
стр. 16
خَدِيجَة فَقَالَ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي، فزملوه حَتَّى ذهب عَنهُ الروع، ثمَّ قَالَ لِخَدِيجَة: أَي خَدِيجَة مَالِي، وأخبرها الْخَبَر قَالَ: لقد خشيت على نَفسِي، قَالَت لَهُ خَدِيجَة: كلا أبشر، فوَاللَّه لَا يخزيك الله أبدا، وَالله إِنَّك لتصل الرَّحِم وَتصدق الحَدِيث، وَتحمل الْكل، وتكسب الْمَعْدُوم، وتقري الضَّيْف، وَتعين على نَوَائِب الْحق، فَانْطَلَقت بِهِ خَدِيجَة حَتَّى أَتَت بِهِ ورقة ابْن نَوْفَل بن أَسد بن عبد الْعُزَّى، وَهُوَ ابْن عَم خَدِيجَة أخي أَبِيهَا، وَكَانَ امْرَءًا تنصر فِي الْجَاهِلِيَّة، وَكَانَ يكْتب الْكتاب الْعَرَبِيّ، وَيكْتب من الْإِنْجِيل بِالْعَرَبِيَّةِ، مَا شَاءَ الله أَن يكْتب، وَكَانَ شَيخا كَبِيرا قد عمي، فَقَالَت لَهُ خَدِيجَة: أَي عَم، اسْمَع من ابْن أَخِيك، فَقَالَ ورقة: يَا بن أخي، مَاذَا ترى؟ فَأخْبرهُ رَسُول الله ﷺ خبر مَا رأى، فَقَالَ لَهُ ورقة: هَذَا الناموس الَّذِي أنزل على مُوسَى ﵇، يَا لَيْتَني فِيهَا جذعا، يَا لَيْتَني أكون حَيا حِين يخْرجك قَوْمك فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : أَو مخرجي هم؟ قَالَ ورقة: نعم، لم يَأْتِ رجل قطّ بِمَا جِئْت بِهِ إِلَّا عودي، وَإِن يدركني يَوْمك أنصرك نصرا مؤزرا. انْتهى متن الحَدِيث إِلَى هُنَا فِي " كتاب مُسلم " وَاللَّفْظ لَهُ، وَأخرجه البُخَارِيّ فِي أول " صَحِيحه "، ثمَّ فِي تَفْسِير سُورَة اقْرَأ، وَفِي
стр. 17
أول كتاب التَّعْبِير، وَقد علمت على أَلْفَاظه الْمُخَالفَة بِالْخَاءِ، وَله فِيهِ إِسْنَاد آخر نَازل ذكره فِي التَّفْسِير.
وَزَاد البُخَارِيّ على مُسلم بِإِخْرَاج تَتِمَّة هَذَا الحَدِيث فَقَالَ - بعد قَوْله: " نصرا مؤزرا ": " ثمَّ لم ينشب ورقة أَن توفّي، وفتر الْوَحْي ".
زَاد فِي كتاب التَّعْبِير: " فَتْرَة حَتَّى حزن النَّبِي ﷺ فِيمَا بلغنَا حزنا غَدا مِنْهُ مرَارًا كي يتردى من رُؤُوس شَوَاهِق الْجبَال، فَكلما أوفى بِذرْوَةِ جبل لكَي يلقِي نَفسه مِنْهُ تبدا لَهُ جِبْرِيل فَقَالَ: يَا مُحَمَّد، إِنَّك رَسُول الله حَقًا، فيسكن لذَلِك جأشه، وتقر نَفسه، فَيرجع فَإِذا طَالَتْ عَلَيْهِ فَتْرَة الْوَحْي غَدا لمثل ذَلِك، فَإِذا أوفى بِذرْوَةِ جبل تبدا لَهُ جِبْرِيل فَقَالَ لَهُ مثل ذَلِك ".
стр. 18
وَزَاد البُخَارِيّ فِي أول " الصَّحِيح " وَفِي التَّفْسِير وَهُوَ أَيْضا فِي " صَحِيح مُسلم ": قَالَ ابْن شهَاب: أَخْبرنِي أَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن أَن جَابر بن عبد الله الْأنْصَارِيّ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ - وَهُوَ يحدث عَن فَتْرَة الْوَحْي قَالَ فِي حَدِيثه: " فَبينا أَنا أَمْشِي سَمِعت صَوتا من السَّمَاء، فَرفعت رَأْسِي فَإِذا الْملك الَّذِي جَاءَنِي بحراء جَالِسا على كرْسِي بَين السَّمَاء وَالْأَرْض، فجثئت مِنْهُ فرقا، فَرَجَعت فَقلت: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي، فَدَثَّرُونِي فَأنْزل الله ﵎: ﴿يَا أَيهَا المدثر قُم فَأَنْذر وَرَبك فَكبر وثيابك فطهر وَالرجز فاهجر﴾ ، ثمَّ تتَابع الْوَحْي " لفظ حَدِيث مُسلم.
وَفِي البُخَارِيّ: " فَرُعِبْت مِنْهُ "، وَفِي مَوضِع: " فجثئت مِنْهُ رعْبًا "، وَفِي آخر: " فجثيت مِنْهُ حَتَّى هويت إِلَى الأَرْض، ثمَّ حمي الْوَحْي وتتابع ".
стр. 19
سَاق البُخَارِيّ ﵀ متن الحَدِيث من رِوَايَة عقيل عَن الزُّهْرِيّ فِي أول " صَحِيحه " ثمَّ قَالَ فِي آخِره، " تَابعه عبد الله بن يُوسُف وَأَبُو صَالح عَن اللَّيْث، وَتَابعه هِلَال بن رداد عَن الزُّهْرِيّ، وَقَالَ يُونُس وَمعمر: ترجف بوادره ".
وسَاق مُسلم ﵀ الحَدِيث من رِوَايَة يُونُس عَن الزُّهْرِيّ، ثمَّ قَالَ: وحَدثني مُحَمَّد بن رَافع، حَدثنَا عبد الرَّزَّاق، أخنا معمر قَالَ: قَالَ الزُّهْرِيّ: فَذكره، غير أَنه قَالَ: " فوَاللَّه لَا يحزنك الله أبدا " بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالنُّون، وَزَاد - بعد: ﴿وَالرجز فاهجر﴾ -: " قبل أَن تفرض الصَّلَاة ".
стр. 20
قَالَ: وحَدثني عبد الْملك بن شُعَيْب بن اللَّيْث، حَدثنِي أبي، عَن جدي، حَدثنِي عقيل بن خَالِد، قَالَ ابْن شهَاب: سَمِعت أَبَا سَلمَة قَالَ: أَخْبرنِي جَابر فَذكره، وَزَاد: قَالَ أَبُو سَلمَة: وَالرجز: الْأَوْثَان ".
قلت: فَتحصل لنا من مَجْمُوع مَا ذكرنَا أَن الَّذين رووا حَدِيث عَائِشَة عَن الزُّهْرِيّ ثَلَاثَة وهم: عقيل بن خَالِد وَيُونُس بن يزِيد وَمعمر بن رَاشد، إِلَّا أَن البُخَارِيّ سَاق متن عقيل، وَمُسلمًا سَاق متن يُونُس وأحال عَلَيْهِ متن معمر وَعقيل، وَكِلَاهُمَا قَالَ: " فجثثت " بثاءين، وَقَالَ يُونُس: " جثثت " بِالْهَمْزَةِ.
" ويحزنك " بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالنُّون رِوَايَة معمر وَحده، وَعقيل وَيُونُس روياه بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَالْيَاء.
وَهَؤُلَاء الثَّلَاثَة أَيْضا رووا عَن الزُّهْرِيّ حَدِيث جَابر، إِلَّا أَن حَدِيث جَابر جَاءَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " أَيْضا من رِوَايَة غير الزُّهْرِيّ من طَرِيق يحيى بن أبي كثير رَوَاهُ عَنهُ الإِمَام الْأَوْزَاعِيّ وَعلي بن الْمُبَارك وَحرب بن شَدَّاد، ذكر البُخَارِيّ فِي تَفْسِير سُورَة المدثر من " صَحِيحه " رِوَايَة عَليّ بن الْمُبَارك وَحرب بن شَدَّاد.
وَذكر فِي كتاب بَدْء الْوَحْي رِوَايَة عقيل عَن الزُّهْرِيّ، وَأَشَارَ بعْدهَا إِلَى رِوَايَة يُونُس وَمعمر عَنهُ.
стр. 21
وَأخرج فِي تَفْسِير سُورَة المدثر رِوَايَة معمر وَعقيل عَن الزُّهْرِيّ وَلم يذكر رِوَايَة الْأَوْزَاعِيّ عَن يحيى، وَلم يذكر مُسلم رِوَايَة حَرْب بن شَدَّاد عَنهُ وَذكر رِوَايَة الْأَوْزَاعِيّ وَعلي بن الْمُبَارك.
قَالَ مُسلم: ثَنَا زُهَيْر بن حَرْب، ثَنَا الْوَلِيد بن مُسلم، حَدثنِي الْأَوْزَاعِيّ قَالَ: سَمِعت يحيى يَقُول:
سَأَلت أَبَا سَلمَة أَي الْقُرْآن أنزل قبل؟ قَالَ: ﴿يَا أَيهَا المدثر﴾ ، فَقلت: أَو ﴿اقْرَأ﴾ قَالَ جَابر: أحدثكُم مَا حَدثنَا رَسُول الله ﷺ قَالَ: جَاوَرت بحراء شهرا، فَلَمَّا قضيت جواري نزلت فَاسْتَبْطَنْت الْوَادي، فنوديت فَنَظَرت أَمَامِي وَخَلْفِي، وَعَن يَمِيني وَعَن شمَالي، فَلم أر أحدا، ثمَّ نوديت فَنَظَرت فَلم أر أحدا، ثمَّ نوديت فَرفعت رَأْسِي فَإِذا هُوَ على الْعَرْش فِي الْهَوَاء - يَعْنِي جِبْرِيل ﷺ - فَأَخَذَتْنِي رَجْفَة شَدِيدَة، فَأتيت خَدِيجَة فَقلت: دَثرُونِي، فَدَثَّرُونِي وَصبُّوا عَليّ مَاء، فَأنْزل الله : ﴿يَا أَيهَا المدثر قُم فَأَنْذر وَرَبك فَكبر وثيابك فطهر﴾ .
حَدثنَا مُحَمَّد بن مثنى، ثَنَا عُثْمَان بن عمر، أخنا عَليّ بن الْمُبَارك، عَن يحيى بن أبي كثير بِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ: " فَإِذا هُوَ جَالس على عرش بَين السَّمَاء وَالْأَرْض ".
стр. 22
وَقَالَ البُخَارِيّ: ثَنَا يحيى، ثَنَا وَكِيع، عَن عَليّ بن الْمُبَارك، عَن يحيى ابْن أبي كثير فَذكره بِنَحْوِهِ وَقَالَ: " فَرفعت رَأْسِي فَرَأَيْت شَيْئا، فَأتيت خَدِيجَة فَقلت: دَثرُونِي وَصبُّوا عَليّ مَاء بَارِدًا، فَدَثَّرُونِي وَصبُّوا عَليّ مَاء بَارِدًا ".
حَدثنَا مُحَمَّد بن بشار، ثَنَا عبد الرَّحْمَن بن مهْدي وَغَيره قَالَا: حَدثنَا حَرْب بن شَدَّاد، عَن يحيى بن أبي كثير فَذكره.
حَدثنَا إِسْحَاق بن مَنْصُور، ثَنَا عبد الصَّمد، ثَنَا حَرْب، ثَنَا يحيى فَذكره، وَقَالَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ: فَقلت: " أنبئت أَنه ﴿اقْرَأ باسم رَبك الَّذِي خلق﴾
حَدثنِي عبد الله بن مُحَمَّد، ثَنَا عبد الرَّزَّاق أخنا معمر.
ح وَحدثنَا عبد الله بن يُوسُف التنيسِي، ثَنَا اللَّيْث، عَن عقيل كِلَاهُمَا عَن الزُّهْرِيّ قَالَ: وَأَخْبرنِي أَبُو سَلمَة، عَن جَابر فَذكر الحَدِيث بِنَحْوِ مَا تقدم.
стр. 23
قلت:
هَذَا حَدِيث صَحِيح مُتَّفق عَلَيْهِ من حَدِيث الزُّهْرِيّ وَيحيى بن أبي كثير - أَعنِي حَدِيث جَابر -.
وَأما حَدِيث عَائِشَة الَّذِي تقدم فَصَحِيح أَيْضا مُتَّفق عَلَيْهِ من حَدِيث الزُّهْرِيّ وَحده، وَقد جمعت هُنَا طرقهما المخرجة فِي " الصَّحِيحَيْنِ ". وسنتكلم على رجالهما على طَرِيق الِاخْتِصَار بعد الْفَرَاغ من شرح متنهما.
وَنحن بعون الله وتوفيقه نورد فِي شرح هاذين الْحَدِيثين من كَلَام أهل الْعلم وَمَا يَفْتَحهُ الله تَعَالَى على مَنْهَج أهل الحَدِيث وأرباب اللُّغَة وأئمة الْفِقْه وَالْأُصُول، ونوضحهما بطرق أخر لَهما مخرجة فِي غير " الصَّحِيحَيْنِ "، ونأتي بِكُل شَيْء فِي مَوْضِعه إِن شَاءَ الله تَعَالَى، ونشرح أَلْفَاظ الْحَدِيثين مُفْردَة ومركبة شَيْئا بعد شئ.
стр. 24
فصل
فَأول ذَلِك قَول عَائِشَة ﵂: " أول مَا بُدِئَ بِهِ رَسُول الله ﷺ من الْوَحْي الرُّؤْيَا ".
قَالَ القَاضِي أَبُو الْفضل عِيَاض بن مُوسَى:
" فِي هَذَا حِكْمَة من الله تَعَالَى وتدريج لنَبيه ﷺ لما أَرَادَهُ الله بِهِ جلّ اسْمه، لِئَلَّا يفجأه الْملك ويأتيه صَرِيح النُّبُوَّة بَغْتَة فَلَا تحتملها قوى البشرية، فَبَدَأَ أمره بأوائل خِصَال النُّبُوَّة وتباشير الْكَرَامَة، من صدق الرُّؤْيَا، وَمَا جَاءَ فِي الحَدِيث الآخر من رُؤْيَة الضَّوْء وَسَمَاع الصَّوْت، وَسَلام الْحجر وَالشَّجر عَلَيْهِ بِالنُّبُوَّةِ، حَتَّى استشعر عَظِيم مَا يُرَاد بِهِ، واستعد لما ينتظره فَلم يَأْته الْملك إِلَّا لأمر عِنْده مقدماته وبشاراته.
وَفِيه أَن الرُّؤْيَا الصادقة أحد خِصَال النُّبُوَّة وجزء مِنْهَا وَأول منَازِل الْوَحْي، وَأَن رُؤْيا الْأَنْبِيَاء وَحي وَحقّ صدق، لَا أضغاث فِيهَا وَلَا تخييل وَلَا سَبِيل للشَّيْطَان إِلَيْهَا.
стр. 25
وَقَالَ أَبُو عبد الله الْقَزاز: قَوْله: " من الْوَحْي " " من " هُنَا لإبانة الْجِنْس كَأَنَّهُ قَالَ: من جنس الْوَحْي وَلَيْسَت من الْوَحْي فَتكون " من " للتَّبْعِيض وَلذَلِك قَالَت " فِي النّوم " فقرنتها بِالنَّوْمِ لِئَلَّا تكون من رُؤْيَة الْملك فِي الْيَقَظَة، وَنحن نقُول: إِن رُؤْيا الْأَنْبِيَاء فِي الصِّحَّة كالوحي.
قَالَ القَاضِي: قد جَاءَ فِي حَدِيث آخر: " إِنَّهَا جُزْء من أَجزَاء النُّبُوَّة "، وَقد بَينا أَنَّهَا من جملَة خصالها، فالوحي أَنْوَاع وضروب وينطلق على معَان، فَلَا يبعد أَن تكون " من " للتَّبْعِيض على هَذَا، وَأَصله الْإِعْلَام، ورؤيا الْمَنَام إِعْلَام وإنذار وَبشَارَة ".
قلت:
أصل الْوَحْي فِي اللُّغَة إِعْلَام بِسُرْعَة فِي خَفَاء، فَتَارَة مُبَاشرَة، وَتارَة بإرسال، وَتارَة بإلهام، وَقد جمع الثَّلَاثَة قَوْله تَعَالَى: (وَمَا كَانَ لبشر أَن
стр. 26
يكلمهُ الله إِلَّا وَحيا ثمَّ، يَعْنِي الإلهام أَو فِي الْمَنَام، ثمَّ قَالَ: ﴿أَو من وَرَاء حجاب﴾ كَمَا كلم مُوسَى ﷺ ﴿أَو يُرْسل رَسُولا﴾ الْآيَة، فَحَيْثُ اسْتعْمل الْوَحْي فَهُوَ بِهَذَا الْمَعْنى نَحْو: ﴿وأوحينا إِلَى أم مُوسَى﴾ ، ﴿وَإِذ أوحيت إِلَى الحواريين﴾ ، ﴿وَأوحى رَبك إِلَى النَّحْل﴾ ، ﴿بِأَن رَبك أوحى لَهَا﴾ ، ﴿وَإِن الشَّيَاطِين ليوحون إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ ، وَكَذَلِكَ أطلق على الْإِشَارَة فِي نَحْو ﴿فَأوحى إِلَيْهِم أَن سبحوا﴾ .
وَقَالَ بعض الْعلمَاء: الْوَحْي قذف فِي الْقُلُوب، وَكَأن الْقُرْآن سمي وَحيا لِأَن الْملك كَانَ يفهمهُ النَّبِي ﷺ وَلَا يفهمهُ عَنهُ سواهُ، كَمَا سموا ضرب الْأَمْثَال وَحيا من جِهَة اللَّفْظ، وَذَلِكَ أَن يضْرب الرجل لِأَخِيهِ مثلا فَيعرف بِهِ أمرا بَينهمَا وَلَا يفهمهُ سواهُ، وكل من أَشَارَ إِلَى معنى من غير إفصاح قبله بذلك المُرَاد فقد أوحى.
стр. 27
قلت: يُقَال: أوحى ووحى لُغَتَانِ مثل: أومى وومى بِمَعْنَاهُ، وَأَصله: أَوْمَأ وومأ بِالْهَمْز، وَإِنَّمَا بَعضهم خفف همزه، حكى ذَلِك الْهَرَوِيّ، وأجود اللغتين: أوحى وَأَوْمَأَ بِالْألف، فَأوحى: هِيَ الْمَشْهُورَة المستعملة فِي الْقُرْآن وَالْكَلَام الفصيح، وَإِن كَانَ اسْتِعْمَال مصدرها قَلِيلا، وَالْوَحي مصدر وحى وَإِن كَانَ اسْتِعْمَال فعله قَلِيلا، وَأنْشد فِيهِ قَول العجاج:
(وحى لَهَا الْقَرار فاستقرت ... )
أَي أَمر الأَرْض بالقرار. وَأنْشد الْجَوْهَرِي:
(لقدر كَانَ وحاه الواحي ... )
قَالَ: " وَالْوَحي أَيْضا الْإِشَارَة، وَالْكِتَابَة، والرسالة، والإلهام، وَالْكَلَام الْخَفي، وكل مَا أَلقيته إِلَى غَيْرك، يُقَال: وحيت إِلَيْهِ الْكَلَام وأوحيت وَهُوَ أَن يكلمهُ بِكَلَام يخفيه ".
стр. 28
وَأنْشد غَيره:
(وحى للطير فارتفعت وخلا ... طَرِيق الرّيح وابتعث السفينا)
قلت: وَمن هَذِه اللُّغَة مجئ اسْم الْفَاعِل على واح كبيت الْعرُوض:
(مَا هيج الشوق من أطلال ... أضحت خلاء كوحي الواحي)
وَقَالَ الْفراء: " أهل الْحجاز يَقُولُونَ: أوحيت، وَأسد وحيت ".
وَكَانَ جؤية بن أبي إِيَاس أحد بني نصر بن مُعَاوِيَة يقْرَأ: ﴿قل أُحي إِلَيّ﴾ يُرِيد: وَحي بِضَم الْوَاو لَا لانضمامها كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذا الرُّسُل أقتت﴾ . قلت:
ثمَّ قد أطلق الْوَحْي على الموحى قَالَ الله تَعَالَى: ﴿إِن هُوَ وَحي يُوحى﴾ ، وَقَالَ: ﴿قل إِنَّمَا أنذركم بِالْوَحْي﴾ ، وَفِي " الصَّحِيح " عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ قَالَ:
" وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتهُ وَحي أوحاه الله إِلَيّ " - يَعْنِي الْقُرْآن -، وَهَذَا كَمَا أطلق الْعلم على الْمَعْلُوم وَالْقُدْرَة على الْمَقْدُور.
стр. 29
وَلما كَانَت المعالم والمعارف الَّتِي وصلت إِلَى رَسُول الله ﷺ من جِهَة ربه مُخْتَلفَة الطّرق والأسباب على مَا نبينه أخْبرت عَائِشَة ﵂ عَن أول سَبَب وَطَرِيق حصل لَهُ مِنْهَا وَكَيف كَانَ ابْتِدَاء ذَلِك.
وَقد جمع الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم السُّهيْلي تِلْكَ الطّرق وحصرها فِي سبع صور، وَتكلم الْفَقِيه أَبُو عبد الله الْحَلِيمِيّ على بَعْضهَا.
فَمِنْهَا النّوم كَمَا فِي حَدِيث عَائِشَة هَذَا، وكقول إِبْرَاهِيم خَلِيل الله لِابْنِهِ ذبيح الله صلى الله عَلَيْهِمَا: ﴿إِنِّي أرى فِي الْمَنَام أَنِّي أذبحك قَالَ يَا أَبَت افْعَل مَا تُؤمر﴾ ، فَدلَّ على أَن الْوَحْي كَانَ يَأْتِيهم فِي النّوم كَمَا يَأْتِيهم فِي الْيَقَظَة، وَفِي " صَحِيح البُخَارِيّ " عَن عبيد بن عُمَيْر قَالَ: " رُؤْيا الْأَنْبِيَاء وَحي، وَقَرَأَ هَذِه الْآيَة ".
وَمِنْهَا أَن ينفث فِي روعه الْكَلَام نفثا كَمَا قَالَ ﷺ : " إِن روح الْقُدس نفث فِي روعي: إِن نفسا لن تَمُوت حَتَّى تستكمل رزقها وأجلها، فَاتَّقُوا الله وأجملوا فِي الطّلب ".
стр. 30
قَالَ أَبُو عبيد: " النفث بالفم شَبيه بالنفخ، فَأَما التفل فَلَا يكون إِلَّا وَمَعَهُ شَيْء من الرِّيق، وَمَعْنَاهُ: أوحى إِلَيّ، والروع بِضَم الرَّاء أَي فِي خلدي وَنَفْسِي ". قَالَ الْحَلِيمِيّ: " وَهَذَا هُوَ الْوَحْي الَّذِي يخص الْقلب دون السّمع، وَحمل على ذَلِك قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذا يوحي رَبك إِلَى الْمَلَائِكَة إِنِّي مَعكُمْ فثبتوا الَّذين آمنُوا﴾ .
قَالَ: " وَذَلِكَ - وَالله أعلم - أَن ينفث الْملك فِي روع الْمُؤمن الإطماع فِي الظفر بالعدو، وَالتَّرْغِيب فِي الثَّوَاب وَالْأَجْر، والاستنكاف من الْفِرَار، فيحمله مَا يجده فِي قلبه من هَذِه الْمعَانِي على الثَّبَات.
وَمِنْهَا أَن يَأْتِيهِ الْوَحْي مثل صلصلة الجرس وَهُوَ أشده عَلَيْهِ كَمَا أخبر ﷺ عَن ذَلِك فِي حَدِيث صَحِيح سَيَأْتِي.
وَقيل: إِن ذَلِك كَانَ ليستجمع قله عِنْد تِلْكَ الصلصلة فَيكون أوعى لما يسمع، وألقن لما يلقى عَلَيْهِ.
стр. 31
وَمِنْهَا أَن يتَمَثَّل لَهُ الْملك رجلا وَقد كَانَ يَأْتِيهِ فِي صُورَة دحْيَة الْكَلْبِيّ ﵁، وَرَآهُ كَذَلِك جمَاعَة من الصَّحَابَة على مَا نَقَلْنَاهُ فِي " شرح ذَات الدُّرَر "، فَفِي أول " صَحِيح البُخَارِيّ " مقدما على هَذَا الحَدِيث المعتنى بشرحه فِي هَذَا الْكتاب عَن عَائِشَة أَيْضا:
" أَن الْحَارِث بن هِشَام سَأَلَ رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُول الله كَيفَ يَأْتِيك الْوَحْي؟ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : أَحْيَانًا يأتيني فِي مثل صلصلة الجرس وَهُوَ أشده عَليّ، فَيفْصم عني وَقد وعيت عَنهُ مَا قَالَ، وَأَحْيَانا يتَمَثَّل لي الْملك (رجلا) فيكلمني فأعي مَا يَقُول، قَالَت عَائِشَة: وَلَقَد رَأَيْته ينزل عَلَيْهِ الْوَحْي فِي الْيَوْم الشَّديد الْبرد فَيفْصم عَنهُ وَإِن جَبينه ليتفصد عرقا ".
قلت وَهَذَا الْعرق الَّذِي كَانَ يَغْشَاهُ ﷺ كَمَا فِي هَذَا الحَدِيث، واحمرار الْوَجْه والغطيط الْمَذْكُورَان فِي حَدِيث يعلى بن أُميَّة، وَثقله على الرَّاحِلَة وعَلى فَخذ زيد بن ثَابت كَمَا ورد فِي حديثين آخَرين، إِنَّمَا
стр. 32
كَانَت لثقل الْوَحْي عَلَيْهِ كَمَا أخبرهُ سُبْحَانَهُ فِي ابْتِدَاء أمره بقوله: ﴿إِنَّا سنلقي عَلَيْك قولا ثقيلا﴾ ، وَذَلِكَ لضعف الْقُوَّة البشرية عَن تحمل مثل ذَلِك الْوَارِد الْعَظِيم من ذَلِك الجناب الْجَلِيل، وللوجل من توقع تَقْصِير فِيمَا يُخَاطب بِهِ من قَول أَو فعل.
قَالَ ابْن إِسْحَاق: " وللنبوة أثقال وَمؤنَة لَا يحملهما وَلَا يَسْتَطِيع لَهَا إِلَّا أهل الْقُوَّة والعزم من الرُّسُل بعون الله ".
ويفصم: أَي يقْلع، من تفصم الْمَطَر أَي أقلع، وأفصمت عَنهُ الْحمى، وأفصم الْفَحْل عَن الضراب أَي كف.
وَحكى ابْن بطال عَن صَاحب " الْأَفْعَال ": " فَصم الشَّيْء عَنهُ ذهب، قَالَ: " فَيُقَال مِنْهُ: فعل وأفعل ".
стр. 33
ويتفصد: أَي يسيل سيلان الدَّم من الفصاد.
وَمِنْهَا أَن يظْهر لَهُ الْملك فِي الصُّورَة الَّتِي خلقه الله تَعَالَى فِيهَا لَهُ سِتّمائَة جنَاح، رَآهُ النَّبِي ﷺ كَذَلِك مرَّتَيْنِ على مَا أخبر الله تَعَالَى بِهِ فِي قَوْله: ﴿وَلَقَد رَآهُ بالأفق الْمُبين﴾ ، ﴿وَلَقَد رَآهُ نزلة أُخْرَى عِنْد سِدْرَة المنتهي﴾ ، وَقد أوضحت ذَلِك بِتَوْفِيق الله فِي " شرح الشقراطيسية ".
وَفِي " الصَّحِيح " أَن عَائِشَة سَأَلت النَّبِي ﷺ عَن هَاتين الْآيَتَيْنِ؟ فَقَالَ: هُوَ جِبْرِيل لم أره على صورته الَّتِي خلق عَلَيْهَا غير هَاتين الْمَرَّتَيْنِ، رَأَيْته منهبطا من السَّمَاء سَادًّا عظم خلقه مَا بَين السَّمَاء إِلَى الأَرْض ".
стр. 34
وَمِنْهَا أَن يكلمهُ الله تَعَالَى من وَرَاء حجاب، وَذَلِكَ على ضَرْبَيْنِ:
أَحدهمَا: فِي الْيَقَظَة وَهُوَ أَعلَى دَرَجَات الْوَحْي، كَمَا كَلمه فِي لَيْلَة الْإِسْرَاء قَالَ ﷺ : " فَأوحى إِلَيّ مَا أوحى، فَفرض عَليّ خمسين صَلَاة ".
فَقيل: كَانَ ذَلِك بِلَا وَاسِطَة، وَقيل: بِوَاسِطَة، وَأما مُوسَى ﵇ فقد اخْتصَّ بِتَكْلِيم الله إِيَّاه بِلَا وَاسِطَة.
وَالثَّانِي: أَن يكلمهُ فِي النّوم كَمَا فِي حَدِيث معَاذ الَّذِي خرجه التِّرْمِذِيّ، قَالَ: " أَتَانِي رَبِّي فِي أحسن صُورَة فَقَالَ: فيمَ يخْتَصم الْمَلأ الْأَعْلَى؟ فَقلت: لَا أَدْرِي، فَوضع كَفه بَين كَتِفي فَوجدت بردهَا بَين ثندوني، وتجلى لي علم كل شَيْء ".
هَذِه الْوُجُوه السِّتَّة من كَيْفيَّة الْوَحْي إِلَى النَّبِي ﷺ ذكرهَا السُّهيْلي وزدتها أَنا بَيَانا وإيضاحا.
ثمَّ ذكر وَجها آخر وَجعله سابعا فَقَالَ: " قد بَينا الطّرق الصِّحَاح عَن عَامر الشّعبِيّ أَن رَسُول الله ﷺ وكل بِهِ إسْرَافيل ﵇، فَكَانَ
стр. 35
يتَرَاءَى لَهُ ثَلَاث سِنِين، ويأتيه بِالْكَلِمَةِ من الْوَحْي، ثمَّ وكل بِهِ جِبْرِيل ﵇ فَجَاءَهُ بِالْقُرْآنِ وَالْوَحي ".
قلت:
لَا يَنْبَغِي أَن تعد هَذِه حَالَة سابعة بِاعْتِبَار اخْتِلَاف مَا بَين جِبْرِيل وإسرافيل ﵉، لِأَن كِلَاهُمَا ملك جَاءَهُ بِالْوَحْي من الله تَعَالَى، على أَن هَذِه رِوَايَة مُرْسلَة، وَحَدِيث عَائِشَة لَا ينافيها فَإِنَّهُ يجوز أَن يكون أول أمره الرُّؤْيَا، ثمَّ وكل بِهِ إسْرَافيل فِي تِلْكَ الْمدَّة الَّتِي كَانَ يَخْلُو فِيهَا بحراء، فَكَانَ يلقِي إِلَيْهِ الْكَلِمَة بِسُرْعَة وَلَا يُقيم مَعَه تدريجا لَهُ وتمرينا وتدريبا، إِلَى أَن جَاءَهُ جِبْرِيل فَعلمه بَعْدَمَا غطه ثَلَاث مَرَّات، فحكت عَائِشَة مَا جرى لَهُ مَعَ جِبْرِيل وَلم تحك مَا جرى لَهُ مَعَ إسْرَافيل اختصارا للْحَدِيث، أَو لم تكن وقفت على قصَّة إسْرَافيل، فَمَا كل مَا جرى للنَّبِي ﷺ من الْآيَات والعجائب قبل الْبعْثَة وَبعدهَا روته عَائِشَة ﵂، وَقد
стр. 36
كَانَ النَّبِي ﷺ يرى عجائب قبل بعثته، فَمن ذَلِك مَا فِي " صَحِيح مُسلم " من حَدِيث جَابر بن سَمُرَة قَالَ: قَالَ النَّبِي ﷺ : " إِنِّي لأعرف حجرا كَانَ يسلم عَليّ قبل أَن أبْعث، إِنِّي لأعرفه الْآن ".
وَوَقع فِي " سير ابْن إِسْحَاق " عَن عبيد بن عُمَيْر أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: " فَجَاءَنِي جِبْرِيل وَأَنا نَائِم بنمط من ديباج فِيهِ كتاب، فَقَالَ: اقْرَأ، قلت: مَا أَقرَأ، فغتني حَتَّى ظَنَنْت أَنه الْمَوْت "، فَذكر نَحْو حَدِيث عَائِشَة.
وَلَيْسَ فِي حَدِيث عَائِشَة أَن ذَلِك كَانَ فِي النّوم، وَلَيْسَ فِيهِ مَا يُنَافِيهِ، وَيجمع بَين الْحَدِيثين من وَجه حسن قَالَه السُّهيْلي وَهُوَ أَن يكون النَّبِي ﷺ رأى جِبْرِيل فِي الْمَنَام قبل أَن يَأْتِيهِ فِي الْيَقَظَة تَوْطِئَة وتيسيرا عَلَيْهِ ورفقا بِهِ، لِأَن أَمر النُّبُوَّة عَظِيم، وعبأها ثقيل والبشر ضَعِيف، وَهَذَا كَمَا ذكره فِي حَدِيث الْإِسْرَاء وَاخْتَارَهُ ثمَّ جمَاعَة من الْعلمَاء، وَفِي حَدِيث عَائِشَة مَا كَأَنَّهُ يرشد إِلَى ذَلِك إِذْ أخْبرت أَنه ﷺ كلان لَا يرى رُؤْيا إِلَّا جَاءَت مثل فلق الصُّبْح، تُرِيدُ فِي صِحَّتهَا وظهورها، فَكَانَت رُؤْيَته جِبْرِيل ﵉ فِي النّوم من ذَلِك لما رَآهُ يقظة وَالله أعلم.
стр. 37
فَإِن قلت: هَذِه التوطئة هَل فعلت مَعَ غير نَبينَا صلى الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ؟
قلت: لم يبلغنِي بعد فِي ذَلِك شَيْء، وَالْأَمر مُحْتَمل، فَيجوز أَن تكون فعلت مَعَ كل وَاحِد مِنْهُم أَو مَعَ بَعضهم، وَيجوز أَن يكون ذَلِك من خَصَائِص مُحَمَّد ﷺ عناية من ربه بِهِ، وَزِيَادَة فِي إكرامه، وتفضيلا لَهُ على غَيره، وإظهارا لعلو مَنْزِلَته عِنْده وَشرف مَحَله، كَمَا عرف ذَلِك مِنْهُ بِهِ فِي غير ذَلِك، وَالله أعلم.
ثن إِنِّي وجدت فِي " كتاب دَلَائِل النُّبُوَّة " لِلْحَافِظِ أبي نعيم أَحْمد بن عبد الله الْأَصْبَهَانِيّ: ثَنَا مُحَمَّد بن أَحْمد بن الْحسن، ثَنَا مُحَمَّد بن عُثْمَان بن أبي شيبَة، ثَنَا منْجَاب بن الْحَارِث، ثَنَا عبد الله بن الْأَجْلَح، عَن إِبْرَاهِيم، عَن عَلْقَمَة بن قيس قَالَ: " إِن أول مَا يُؤْتى بِهِ الْأَنْبِيَاء فِي الْمَنَام حَتَّى تهدأ قُلُوبهم، ثمَّ ينزل الْوَحْي بعد ".
وَقد ذكر الْحَلِيمِيّ من وُجُوه الْوَحْي أمرأ آخر فَقَالَ: " وَمِنْهَا أَن يلهم الله أحدا - يَعْنِي من الْأَنْبِيَاء - بِلَا كَلَام يسمعهُ علم شَيْء فيجده فِي نَفسه من غير توصل تقدم مِنْهُ إِلَيْهِ بِخَبَر أَو اسْتِدْلَال ".
стр. 38
ثمَّ قَالَ: " وَمِنْهَا أَن يُؤمر الْملك فينفث فِي روعه ".
قلت " فجعلهما قسمَيْنِ وَلم يمثل الْقسم الأول، فَالله أعلم.
وَقَالَ: " قد رُوِيَ فِي قَول الله : ﴿حَتَّى إِذا فزع عَن قُلُوبهم﴾ أَن الله تَعَالَى إِذا تكلم بِالْوَحْي سمع أهل السَّمَوَات مثل صَوت السلسلة على الصفوان ففزعوا ".
قَالَ: " فالنبي ﷺ إِذا أُوحِي إِلَيْهِ بِصَوْت مثل صلصلة الجرس كَانَ تَشْبِيها بِالْوَحْي الَّذِي يُوحى إِلَى الْمَلَائِكَة، فَيُشبه - وَالله أعلم - أَنه فِي تِلْكَ الْحَال كَانَ يكرم بإدنائه من طباع الْمَلَائِكَة، وتمثيله من بعض الْوُجُوه بهم، كَمَا كَانَ الْملك فِي بعض الْأَحْوَال يمثل رجلا لتكليمه ومخاطبته ".
قَالَ: " وَمِنْهَا أَن يسمع النَّبِي ﷺ صَوتا وَلَا يرى مكلما، فَيَقَع لَهُ الْعلم بِمَا قيل لَهُ، ذكر وهب فِي كِتَابه أَنه كَانَت للأنبياء منَازِل، فَمنهمْ من كَانَ يسمع الصَّوْت فيفهمه ".
стр. 39
قَالَ الإِمَام أَبُو بكر بن الْعَرَبِيّ - وَهُوَ شيخ السُّهيْلي:
" كَانَ الْوَحْي يَأْتِي رَسُول الله ﷺ على ثَلَاثَة أَنْوَاع:
أَحدهمَا: كَدَوِيِّ النَّحْل، رَوَاهُ عمر ﵁.
الثَّانِي: مثل صلصلة الجرس فِي شدَّة الصَّوْت وَهُوَ أشده.
وَقد كَانَ رجل يَأْتِيهِ فيكلمه وَهُوَ أخفه ".
قَالَ: " وَإِنَّمَا كَانَ البارئ يقلب عَلَيْهِ هَذِه الْأَحْوَال زِيَادَة فِي الِاعْتِبَار، وَقُوَّة فِي الاستبصار ".
стр. 40
فصل:
والرؤيا: مصدر كالرجعى والبشرى، وَهِي فِي الْأَغْلَب مُخْتَصَّة بِمَا يرى مناما، ووصفت الرُّؤْيَا بِالصّدقِ لتحققها وظهورها على وفْق مَا رئي، وَفِي رِوَايَة عقيل " الرُّؤْيَا الصَّالِحَة "، وَهَذَا مُوَافق لما صَحَّ أَيْضا من حَدِيث نَافِع عَن ابْن عمر قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : " الرُّؤْيَا الصَّالِحَة جُزْء من سبعين جُزْءا من النُّبُوَّة ". وَصَحَّ أَيْضا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : " الرُّؤْيَا الصَّالِحَة جُزْء من سِتَّة وَأَرْبَعين جُزْءا من النُّبُوَّة ". أخرجهُمَا مُسلم فِي " صَحِيحه ".
قَالَ ابْن عبد الْبر:
" يحْتَمل أَن تكون الرُّؤْيَا نوعا من سِتَّة وَأَرْبَعين نوعا من نزُول الْوَحْي، فَإِنَّهُ ﷺ كَانَ يَأْتِيهِ الْوَحْي على ضروب - فَذكر حَدِيث عَائِشَة
следующие страницы →