وإذا جاءت الألف ياء في آخر المضارع مثل: يجزي، يرمي، يبكي، يسري، يهدي، يبني، يأوي، رسمت ألف الماضي ياء: جزى، رمى، بكى، سرى، هدى، بنى، أوى.
ب- ملاحظة المصدر:
ففي الأفعال: سعى، نأى، نهى، تكتب الألف ياء؛ لأن المصدر سعْي، نأْي، نهْي.
أما الألف الثالثة في آخر الاسم فيعرف أصلها بالرجوع إلى المعاجم وملاحظة مثناها وجمعها.
٢- في اللغة أفعال ثلاثية آخرها ألف، وهذه الألف منقلبة عن واو في لغة، وعن ياء في لغة أخرى؛ ولهذا يجوز رسم ألفها واوا أو ياء مثل: نما، نمى، فالمضارع ينمو، وينمي، ولكن الأحسن أن تكتب على أكثر اللغتين استعمالا.
كما أن في اللغة أسماء ثلاثية آخرها ألف لينة يجوز كتابتها ألفا أو ياء مثل المها: جمع مهاة وهي البقرة الوحشية فتجمع على مهوات أو مهيات، ومثلها الرحى فتثنى رحوان، رحيان، وتجمع على رحوات، ورحيات.
٣: أ- فيما يلي طائفة من الأسماء الثلاثية المختومة بألف لينة، أصلها واو فترسم ألفا: الجدا: المطر أو العطية، الجفا، الحجا: العقل، الحفا، الخطا، الخنا: الفحش، الدّنا: جمع دنيا، الذّرا، الربا: الزيادة، الرُّبا: جمع ربوة، الرجا: الناحية، الرضا، الرّشا: جمع رشوة، السنا: الضوء، الشبا: جمع شباة وهي حد كل شيء، الشجا: ما يعترض الحلق من عظم وغيره، الشذا: جمع شذاة وهي الرائحة الطيبة، الشفا: حرف كل شيء، الصبا، الضحا، الطلا:
стр. 72
ولد الظبي، الظبا: جمع ظبة وهي حد السيف، العِدا، العُرا، العشا: سوء البصر ليلا، العصا، العلا، الفلا: جمع الفلاة وهي الصحراء، القفا، النشا.
ب- وفيما يلي طائفة من الأسماء الثلاثية المختومة بألف لينة، أصلها ياء فترسم ياء: الأذى، البلى، التقى، الثرى، الجنى، الجوى، الحصى، الحمى، الدمى، الرؤى، الردى، الرقى: جمع رقية، السدى: وهو من الثوب ما مد من خيوطه، السُرى، الشرى: مسكن الأسد، الشوى: الأطراف أو جلدة الرأس، الصدى، الضنى، الطوى: الجوع، العمى، الغنى، الفتى، الفدى، القذى، القِرى: الكرم، القُرى، القلى، الكرى: النوم، الكلى: جمع كلية، اللحى: جمع لحية، اللمى: سمرة لشفة، المدى، المنى، ندى، نوى، نهى، هدى، الهوى، الورى، الوغى، الونى: التعب.
٤- الألف اللينة إذا رسمت ياء لا يجوز نقطها، مثل: سعى الفتى إلى الغنى.
٥- من أنواع الألف المتطرفة:
أ- الألف المبدلة من ياء المتكلم، وهذه ترسم ألفا، مثل: يا حسرتا، واكبدا، والهفتا، واأسفا، يا ويلتا.
والأصل: يا حسرتي، واكبدي، والهفتي، واأسفي، يا ويلتي.
ب- الألف المبدلة من نون التوكيد الخفيفة، مثل: ليعلما المسرف أن عاقبة الإسراف وخيمة، ومثل: ﴿لَنَسْفَعَا بِالنَّاصِيَةِ﴾
ج- الألف المبدلة من نون: إذن، وهذه تكتب ألفا على رأي بعض العلماء، ويرى آخرون أن تظل نونا؛ لأنها مثل أن ولن.
стр. 73
الباب الرابع: الحروف التي تحذف من الكتابة
أشهر هذه الحروف: الألف، وأل، والميم، والنون، والواو، والياء.
حذف الألف
الألف التي تحذف من أول الكلمة:
أولا: تحذف الألف من كلمة ابن وكلمة ابنة:
١- إذا كانت كل منهما مفردة، وواقعة بين علمين متصلين، وكانت نعتا للعلم الأول، ولم تقع في أول السطر، وتفصيل هذه الشروط كما يلي:
أ- أن تكون كلمة ابن أو ابنة مفردة مثل: فتح مصر عمرو بن العاص، وسميت أسماء بنة أبي بكر ذات النطاقين، فإذا ثنيت أو جمعت لا تحذف ألفها، مثل: اشتهر العباس وحمزة ابنا عبد المطلب، وتفوق على وأحمد وأسامة أبناء مصطفى، ونجحت فاطمة وخديجة ابنتا حسين.
ب- أن تقع بين علمين لا يفصل بينهما شيء آخر غيرها، أما نحو: الفلاح ابن الفلاح أدرى من غيره بشئون الزراعة فلا تحذف ألف ابن؛ لأنها وقعت بين اسمين غير علمين، ونحو: فتح الأندلس طارق هو ابن زياد: لا تحذف ألف ابن؛ لأن كلمة هو قد فصلت بين العلمين.
ويشمل العلم الاسم الذي وضع علما، مثل: إسماعيل وزينب، والكناية عن شخص لا يعرف اسمه، مثل: فلان بن علان، والكنية المعروفة في النحو
стр. 74
بأنها ما صدرت بأب أو أم، مثل: حضر أبو الفضل بن أبي المجد، ونجحت أم الخير بنة أم العز، واللقب مثل: قابلت الهادي بن زين العابدين
ج- أن تكون كلمة ابن أو ابنة نعتا للعلم قبلها، فإذا كانت خبرا مثلا لا تحذف ألفها، مثل: يوسف ابن يعقوب، جوابًا لمن سأل: ابن مَن يوسف؟ ومثل: السيدة سكينة ابنة الحسين، جوابًا لمن سأل: ابنة مَن السيدة سكينة؟
د- ألا تقع كلمة ابن أو ابنة في أول السطر، وإلا بقيت الألف.
٢- إذا دخلت عليها همزة الاستفهام، نحو أبن البواب هذا؟ أي: هل هذا ابن البواب؟ ومثل أبنة الريف تفوق ابنة المدينة في التعليم الجامعي؟
٣- إذا وقعتا بعد حرف النداء: يا مثل: يابن الأكرمين، يابنة النيل.
ثانيا: تحذف همزة الوصل إذا وقعت بعد همزة الاستفهام، مثل: أسمه مجدي؟ ومثل: ﴿أصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِين﴾ إلا إذ كانت همزة الوصل هي همزة أل التعريفية فإنها لا تحذف بعد همزة الاستفهام، وإنما تكتب هي وهمزة الاستفهام ألفا عليها مدة، مثل: آلشاهد قال هذا؟
ثالثا: تحذف الألف من كلمة اسم في البسملة الكاملة، ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ ، أما نحو: باسم الوطن، وباسم العلي القادر، وباسمك اللهم فلا تحذف.
رابعا: تحذف ألف أل إذا دخل عليها اللام، سواء أكانت
стр. 75
مكسورة -لام الجر- في: للفنون أثر في الأمم، أم كانت مفتوحة، مثل لام الابتداء في: ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْر﴾ ، ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾ ، ولام الاستغاثة، نحو: يا للرجال، واللام بعد يا التعجبية، نحو: يا للماء! يا للسماء!
الألف التي تحذف من وسط الكلمة:
١- تحذف الألف من لفظ الجلالة: الله ومن كلمة: إله بدون أل أو مع أل الإله.
٢- وتحذف من كلمة الرحمن إذا كانت علما مقرونا بأل، أما نحو: لا زلت كريما رحمانا، فلا حذف؛ لأنها ليست علمًا، وخالية من أل.
٣- تحذف من بعض كلمات أخرى، أشهرها: لكن ساكنة النون، أو مشدد النون، والسموات، وأولئك، ومن طه الألف الوسطى.
ملاحظة:
اقتصرنا هنا على الكلمات التي يجب حذف ألفها من الكتابة، وتركنا الكلمات التي يكون هذا الحذف جائزا فيها لا واجبا مثل: ثلثمائة وثلاثمائة، ومثل: هرون وهارون.
الألف التي تحذف من آخر الكلمة:
١- تحذف الألف من ما الاستفهامية إذا سبقت بحرف جر، مثل: فيم تفكر؟ لم سافرت؟ عم تسأل؟ مم تعبت؟ بم تكتب؟ علام عولت؟ حتام تنتظر؟ إلام الخلف بينكم؟ أو سبقت بمضاف، مثل: بمقتضام تصرفت هذا التصرف؟
ويشترط في هذا الحذف ألا تركب ما مع ذا، فإذا ركبت
стр. 76
لا تحذف ألفها؛ مثل: لماذا؟ بماذا؟
٢- وتحذف أيضا من آخر كلمة: طه.
٣- ومن حرف النداء: يا، إذا دخل على علم (١) مبدوء بهمزة غير ممدودة، زائد على ثلاث ولم يحذف منه شيء، نحو: يأنور، يأسعد، يأحمد، فإذا كانت همزة العلم ممدودة، مثل: آدم وآزر، لا تحذف ألف يا، فتكتب يا آدم، يا آذر وإذا حذف من العلم شيء بقيت ألف يا، مثل: يا إبرهيم، يا إسمعيل، يا إسحق، على رأي من يحذفون الألفات المتوسطة من هذه الأسماء.
أو إذا دخلت يا على كلمة أهل أو أي أو أيه نحو: يأهل المروءة، يأيها الإنسان، يأيتها المربية.
٤- وتحذف الألف أيضا من كلمة: ذا، إذا كانت اسم إشارة مقرونا باللام الدالة على البعد، مثل: ذلك، ذلكما-ذلكم-ذلكن.
٥- وتحذف الألف من ها التنبيهية إذا دخلت على:
أ- اسم إشارة ليس مبدوءا بالتاء أو الهاء، وليس بعده كاف، مثل: هذا، هذه، هذي، هؤلاء.
أما اسم الإشارة المبدوء بتاء فلا تحذف معه ألف ها مثل: هاتا، هاتي، هاتان، وكذلك المبدوء بهاء، مثل: هاهنا.
стр. 77
وكذلك اسم الإشارة الذي لحقته كاف الخطاب ألا تحذف معه ألف: ها، مثل: هاذاك.
ب- ضمير مبدوء بهمزة، مثل: هأنا، هأنتما، هأنتم، هأنتن.
٦- تحذف ألف الضمير أنا، إذا دخلت عليه ها التنبيهية، وجاء بعده كلمة ذا مثل: هأنذا.
حذف أل
تحذف أل إذا سبقت بلام، وكان بعدها لام، سواء أكانت اللام السابقة مكسورة مثل: لليمون فوائد، أما لليل من آخر؟ أم كانت مفتوحة مثل: للهو البريء أمتع للنفس، وللعفو أليق بالأحرار.
وتشمل هذه القاعدة الاسم الموصول للمثنى وجماعة الإناث، فإذا دخلت عليه اللام مكسورة أو مفتوحة حذفت أل من أوله، مثل: الجائزة للذَيْن يسبقان، للذَان شهدا زروًا أحق بالعقاب، الفضل للتَين سهرتا على راحة المريض. لَلتَان تتطوعان لخدمة المرضى جديرتان بالثناء. المجد للاتي -للائي- يحسنّ تربية الأطفال، للاتي -للائي- يحسنَّ إدارة منازلهن ويسعدن أزواجهن خير من العاملات المهملات.
حذف الميم
يحذف من الفعل: نعم، المكسور العين إذا أدغمت ميمه في ما، نحو: ﴿نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِه﴾ .
حذف النون
١- تحذف من كلمتي عن، مِنْ إذا دخلتا على مَنْ نحو:
стр. 78
عمن، ممن، أو على: ما، سواء أكانت ما استفهامية. نحو: عم تبحث؟ ومم تنفق؟
أم كانت زائدة، نحو: عمّا قليل أعود، و ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا﴾ ، أم كانت موصولة، نحو تجاوزت عمّا قلته، وأنفق مما كسبته، أم كانت مصدرية نحو: عفوت عمّا أسأت، وعبجت مما أسرعت.
٢- وتحذف-كذلك- مِن: إن الشرطية إذا جاء بعدها: ما، الزائدة نحو: ﴿فَإِمَّا تَرَيْنَ مِنْ الْبَشَرِ أَحَدا﴾ ، ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا﴾ ، أو جاء بعدها لا النافية، مثل: إلا تثبتوا فاتكم النصر.
٣- وتحذف أيضًا من أن المصدرية الناصبة للمضارع إذا جاء بعدها لا النافية مثل: يجب ألا تتسرع، أما أنْ المخففة من الثقيلة وبعدها لا النافية فلا تحذف نونها، مثل: أشهد أن لا إله إلا الله، وكذلك أنْ المفسرة وبعدها لا النافية، لا تحذف نونها مثل: أوحيت إليه أن لا فائدة من الإلحاح.
حذف الواو
تحذف تخفيفا من الكلمات:
داود، طاوس، ناوس: مقبرة النصارى، هاون: ما يدق فيه.
حذف الياء
١- تحذف من الكتابة الياء الناشئة من إشباع الحرف المكسور في الشعر، مثل:
ريم على القاع بين البان والعلم ... أحل سفك دمي في الأشهر الحرم
٢- وتحذف ياء الاسم المنقوص المعرف بأل إذا وقف عليه بإسكان ما قبل الياء في لغةٍ نحو: الداع، والمتعال. والتلاق، في: الداعي، والمتعالي، والتلاقي.
стр. 79
الباب الخامس: الحروف التي تزاد في الكتابة:
أشهر هذه الحروف الألف والواو.
زيادة الألف
الألف لا تقع إلا في وسط الكلمة، أو في آخرها:
فتزاد وسطا في كلمة: مائة، مفردة أو مركبة، مثل: ثلاثمائة، أربعمائة، خمسمائة، ستمائة، سبعمائة، ثمانمائة، تسعمائة، وكذلك إذا كانت مثناة نحو، مائتان، مائتين، أما المجموعة فلا تزاد فيها ألف، مثل: مئات مئون، مئين، وكذلك المنسوب إليها لا تزاد فيه ألف، مثل النسبة المئوية، والعيد المئوي.
وتزاد طرفًا في المواضع الآتية:
أ- بعد واو الجماعة. نحو: جلسوا، ولم يتكلموا، وقلت لهم تحدثوا.
أما الواو التي هي حرف علة ولام الفعل فلا تكتب بعدها
ألف مثل: يدعو، نرجو، وكذلك الواو علامة الرفع في جمع المذكر السالم المضاف والملحق به المضاف، لا يكتب بعدها ألف مثل: مهندسو المشروع ضاربو المثل في الصبر والإخلاص، وبنو العروبة يأبون العار، والحق يعرفه ذوو الإنصاف وانتهت سنو الشدة.
ب- في آخر بيت الشعر إذا كانت للإطلاق نحو:
قفي يا أخت يوشع خبرينا ... أحاديث القرون الغابرينا
ج- في آخر الاسم المنصوب المنون، نحو تنزهت عصرا، بشرط ألا
стр. 80
يكون الاسم منتهيا بتاء التأنيث المربوطة. فلا زيادة في تنزهت فترة.
أو منتهيا بهمزة فوق ألف، فلا زيادة في أصلحت خطأً، وبنينا مخبأً، أو منتهيا بهمزة قبلها ألف، فلا زيادة في لقيت جزاء، وسمعت نداء.
زيادة الواو
لا مجال لزيادة الواو إلا في وسط الكلمة أو في آخرها:
١- فتزاد وسطًا في:
أ- أولى الإشارية، وكذلك أولاء بدون الكاف، أو معها أولئك (١) ، أما الأُلَى اسما موصولا فلا تزاد فيها الواو، مثل: نحن الألى سبقوا بالفضل.
ب- وفي كلمتي أولو، أولي بمعنى أصحاب، وهما الملحقتان بجمع المذكر السالم، مثل: نحن أولو قوة، إن أولي النعم محسودون، هذه تذكرة لأولي الألباب.
ج- وفي كلمة أولات بمعنى صاحبات، وهي الملحقة بجمع المؤنث السالم في إعرابه، مثل: الأمهات أولات الأطفال واجبهن ثقيل.
٢- وتزداد طرفًا في كلمة عمرو مرفوعة أو مجرورة؛ للتفرقة بينها وبين كلمة عُمَر مثل: كان عمرو بن العاص من دهاة العرب، ومعاوية مدين لعمرو بن العاص في نجاح خطته.
أما عمرو المنصوبة فلا تشتبه بكلمة عمر المنصوبة، ولذا لا تزاد فيها
стр. 81
الواو، فنقول: إن عَمْرًا داهية، ونقول إن عُمَرَ عادل، ففي آخر عَمْرًا المنصوبة ألف لأنها منونة، أما عُمَر فهي غير منونة؛ فلا تلحقها ألف، وذلك كافٍ للتفرقة بينهما، وتزداد الواو في عمرو المنصوبة إذا كانت غير منونة، وذلك في حال وصفها بكلمة ابن مثل: إن عَمْرو بن هند قد آثار عمرو بن كلثوم، وذلك لأن حذف الواو في هذه الحالة يجعلها تلتبس بكلمة عُمَر.
ويشترط في زيادة الواو في كلمة عمرو ما يأتي:
أ- أن تكون كلمة عمرو علمًا على شخص، فإذا لم تكن علما بأن كانت مصدرا، مثل: مصدر الفعل عَمَرَ، عمرًا لا تزاد فيها الواو وكذلك كلمة عمر بمعنى اللحمة المتدلية من الأسنان.
ب- ألا تضاف إلى ضمير.
ج- ألا تصغر.
د- ألا تقرن بأل.
هـ- ألا تكون منسوبة.
فإذا فقد أحد هذه الشروط لا تزاد الواو في آخرها.
стр. 82
الباب السادس: ما يوصل بغيره من الكلمات في الكتابة وما يكتب منفصلا عن غيره
من المفهوم أن الكتابة إنما هي تصوير خطي للألفاظ، وذلك بتدوين الحروف الهجائية التي تصور أصوات كل لفظ، بحيث يكون المكتوب مطابقًا للمنطوق به في ذوات حروفه، وترتيبها وعددها.
وطبيعي أن تتكون الصورة الخطية العامة للكلمة من مجموع حروفها متضامّة ومنفصلة عن حروف كلمة أخرى سابقة أو لاحقة؛ لأن كل كلمة تعدل على معنى غير معنى الكلمة الأخرى، وتمايز المعنيين يستوجب تمايز اللفظين، غير أن هناك بعض الكلمات النَّحْوية لها من الخصائص ما يحتم وصلها بغيرها في الكتابة، ويخضع هذا الوصل لقاعدة عامة هي:
توصل بغيرها كل كلمة لا يصح الابتداء بها، أو لا يصح الوقف عليها.
أ- فما لا يصح الابتداء به، بل يجب وصله بغيره في الكتابة:
١- نونا التوكيد، وتوصلان بآخر المضارع والأمر مثل: لأخدمنّ الوطن، تبرعنّ لهذا المشروع -لنون التوكيد الثقيلة- ومثل: لنكونا من المتطوعين، فكرا في مستقبلك لنون التوكيد الخفيفة.
ملاحظة: كتبت نون التوكيد الخفيفة ألفا تطبيقا لقاعدة سابقة.
٢- علامة المثنى في الكتابان والكتابين، وجمع المذكر السالم في: المجتمعون والمجتمعين، وجمع المؤنث السالم في: المسلمات.
стр. 83
٣- تاء التأنيث وتوصل بآخر الماضي، مثل: الشمس أشرقت.
٤- الضمائر البارزة المتصلة، سواء أكانت للرفع، وهي التاء، ونا، وتوصلان بآخر الماضي، وألف الاثنين، وواو الجماعة، ونون النسوة وتوصل بآخر الفعل
الماضي والمضارع والأمر، وياء المخاطبة وتوصل بآخر المضارع والأمر أم كانت للنصب أو الجر، وهي ياء المتكلم، نا، كاف المخاطب، هاء الغائب وما تصرف منهما.
ب- ومما لا يصح الوقف عليه:
١- الحرف المفرد أي: المكون من حرف واحد سواء أكان هذا الإفراد بالوضع اللغوي، مثل باء الجر، وتاء القسم، ومثل اللام الجارة، أو للابتداء، أو للاستغاثة، أو الواقعة في جواب قسم، ومثل السين، وفاء العطف أو الجزاء، أم كان هذا الإفراد عرضا، وذلك مثل الميم في من والعين في عن إذا دخلتا على ما مثل: مم مما، عمّ عما، أو دخلتا على من مثل: ممن، عمن، فقد حذفت نون من وعن لقاعدة سابقة، وبقي من الكلمة حرف واحد، فيوصل بما أو مِنْ بعده.
٢- أما لفظ أل فيوصل بالاسم بعده، نحو: الرجل، الابتسام.
٣- الكلمة التي ركبت مع ما بعدها تركيبا مزجيا، مثل: بعلبك، معد يكرب.
٤- العدد من ثلاثة إلى تسعة إذا ركب مع المائة، نحو: ثلاثمائة وتسعمائة، بخلاف ما ركب معها من الكسور، مثل: رُبْع مائة أي: خمسة وعشرين، وخمس مائة أي: عشرين.
стр. 84
٥- الظروف التي تليها كلمة إذ المنونة، نحو: وقتئذ، حينئذ، يومئذ، أما إذ غير المنونة فيفصل عنها الظرف نحو: رجعت حين إذ سقط المطر.
٦- توصل كلمة حب بكلمة ذا في حبذا ولا حبذا، ويلاحظ أن كل كلمة أوردناها في هذه البنود الستة لا يمكن الوقف عليها.
تعقيبات:
أ- يفهم من قاعدة وصل الكلمات أن كل ما يصح الابتداء به والوقف عليه يفصل عما جاوره في الكتابة، فيفصل الاسم الظاهر عن الاسم الظاهر وعن الضمير المنفصل، ويفصل كل منهما عن غيره من الأسماء أو الأفعال أو الحروف المكونة من أكثر من حرف.
ب- هناك أدوات توصل بغيرها طبقا لقواعد أخرى معينة، وأشهر هذه الأدوات:
كي-لا-ما-من
كي:
١- كي الناصبة للمضارع تفصل عن لا النافية بعدها، نحو: سكت كي لا أسبب لك حرجا، بشرط ألا تسبق كي باللام، فإذا سبقتها اللام كتبت الكلمات الثلاث متصلة، نحو: سكت لكيلا أسبب لك حرجا.
٢- كي توصل بكلمة ما بعدها إذا كانت ما استفهامية وحينئذ تحذف ألف ما ويعوض عنها بهاء السكت، مثل: كيمه؟ أي لمه؟ أو كانت ما مصدرية، نحو جئتك كيما أتعلم، فكي هنا بمنزلة لام التعليل، وما مصدرية، أي: جئتك للتعلم.
стр. 85
أو كانت ما زائدة نحو: احفظ الإخوان، كيما يحفظوا منك المغيبا.
لا
١- توصل لا النافية بإن الشرطية قبلها، نحو: إلا يكن الكلام مفيدًا فالصمت مستحب، فقد وصلت لا بإن بعد حذف نونها، طبقا لقاعدة سابقة.
٢- وتوصل كذلك بأن المصدرية الناصبة للمضارع، مثل: يستحسن ألا تسافر اليوم، فقد وصلت لا بأن بعد حذف نونها، طبقا لقاعدة سابقة.
ومن هذه الحالة أيضا أن تسبق أن المصدرية باللام، فتكتب الكلمات الثلاث متصلة، مثل: سكت لئلا تطول المناقشة، وهنا اعتبرت الهمزة متوسطة، فكتبت على ياء لكسر ما قبلها.
أما أن المفسرة وأن المخففة من الثقيلة فتفصلان عن لا الواقعة
بعدهما، مثل: أومأت إليه أن لا يقوم، ومثل: علمت أن لا يرد الحق إلا القوة، ومثل: وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه.
مَنْ
مِنْ أنواع مَنْ: الاستفهامية والموصولة، وكلتاهما توصل بأحرف الجر: من وعن وفي، قبلهما، مثل: ممن اقترضت هذا المال؟ للاستفهامية، واستفد ممن جرب للموصولة، وعمن تبحث؟ للاستفهامية، وعفوت عمن أساء إلىَّ، للموصولة، ويلاحظ أن نون من وعن قد حذفتا -طبقا لقاعدة سابقة- وبقي منهما حرف واحد فكان وصله بها واجبًا.
стр. 86
ومثل: فيمن تفكر؟ للاستفهامية، ووضعتُ ثقتي فيمن يحفظ السر، للموصولة.
ما
تأتي ما اسمية أو حرفية، ولكل منهما أنواع: فالاسمية تأتي استفهامية، وموصولة، ونكرة، ومعرفة تامة.
ما الاستفهامية:
١- توصل بالاسم قبلها إذا كان مضافا، مثل: بمقتضام كتبت هذه الشكوى؟
٢- وتوصل بأحرف الجر: من، عن، في، إلى، حتى، على، كي، اللام، نحو: مم؟ عم؟ فيم؟ إلام؟ حتام؟ علام؟ كيمه؟ لم؟ ولمه؟ وفي جميع هذه الأمثلة تحذف ألف ما كما ذكر سابقا.
ما الموصولة:
توصل بالكلمات: من، عن، في، سيّ، نِعم، مكسورة العين مثل: سررت مما عملته، وسألت عما تحتاج إليه، وفكرت فيما أخبرتني به، ويحب الأطفال القصص لاسيما الخيالية، و ﴿نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِه﴾ .
ما النكرة:
هي بمعنى شيء، وحكمها حكم الموصولة في وصلها بالكلمات السابقة، والأمثلة المذكورة في الموصولة تصلح أن تكون فيها ما نكرة موصوفة بمعنى شيء.
ملاحظة:
ما الاسمية مهما يكن نوعها توصل بالفعل نِعَّم إذا جاء مكسور العين،
стр. 87
وأدغمت ميمه في ميم ما نحو: نِعمَّا نرشدكم إليه، وهذب الطفل تهذيبا نِعمَّا، فإذا كان الفعل ساكن العين فصل عن ما مثل: نِعْمَ ما يقول الفاضل.
وما الحرفية تأتي نافية، ومصدرية، وزائدة.
ما النافية:
تفصل عما قبلها إلا إذا كان حرفًا مفردًا فتوصل به، نحو: سعى إلى المال فما نفعه المال.
ما المصدرية:
١- توصل بكلمة: كل، المنصوبة على الظرفية، وفي هذه الحالة تكون كلمة: كلما، أداة شرط تفيد التكرار، نحو: كلما قلت السلع ارتفع سعرها.
٢- وتوصل ما المصدرية أيضا بكلمة حين، وريث، وقبل، ومثل (١) نحو: أصغيت إليه حينما تكلم، أي: حين كلامه، ويجوز اعتبار ما هنا زائدة، أي: حين تكلم، وتوصل بما قبلها أيضا، ومثل: انتظرته ريثما صلى، أي: وقت صلاته، وخرجت قبلما حضر، أي: قبل حضوره، وعاملته مثلما عاملني، أي: مثل معاملته إياي.
٣- وتوصل ما المصدرية بالحرف المفرد قبلها -وقد سبق شرح ذلك في وصل الحروف المفردة- ومن ذلك الباء، مثل: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُم﴾ أي: بصبركم، والكاف، مثل: ﴿آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاس﴾ ، أي: كإيمان الناس، واللام مثل: أكبرته لما وفى بعهده، أي: لوفائه بعهده.
ما الزائدة:
وهي نوعان: كافة، وغير كافة.
стр. 88
ما الزائدة الكافة:
١- توصل بآخر الأفعال: طال، جل، قل، نحو: طالما نصحت له، وجلما قلت له، وقلما انتفع به، وما في هذه الأمثلة قد كفت الفعل عن طلب الفاعل، وإذا اعتبرت ما مصدرية، وهي والفعل بعدها في تأويل مصدر فاعل كتبت أيضا متصلة بالفعل قبلها.
٢- وتوصل بآخر إن وأخواتها فتكفها عن العمل، مثل: إنما ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ كأنما، لكنما، ليتما، لعلما.
وتفصل هذه الأدوات عن كلمة ما التي بعدها إذا كانت ما موصولة، أو نكرة موصوفة، نحو: إن ما تقوله حق، أي: أن الذي تقوله حق، أو أن شيئا تقوله حق، ونحو: ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِر﴾ يجوز اعتبار ما كافة فتوصل بإن، ويجوز اعتبارها موصولة فتفصل عنها، أي: أن الذي صنعوه كيد ساحر، أو نكرة موصوفة فتفصل أيضا، أي: أن شيئا صنعوه كيد ساحر.
٣- وتوصل بكلمة رُبَّ فتكفَّها عن الجر مثل: ربما تنجح الحيلة، وربما حيلة تغلب القوة.
ما الزائدة غير الكافة:
توصل بما قبلها في الأحوال الآتية:
١- إذا وقعت بعد كلمة ليت وظلت عاملة، مثل: ليتما أخاك هنا.
٢- إذا وقعت بعد أدوات الشرط: إن، أين، حيث، كيف، مثل: إما نخافن فاستعذ، ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمْ الْمَوْتُ﴾ ، حيثما تقم نجد أنيسًا، كيفما تكن معاملتك للناس يعاملوك، وما في هذه الأمثلة لم تكف الأدوات عن الجزم.
٣- إذا وقعت بعد أي الشرطية، مثل: أيما الكتابين قرأت استفدت،
стр. 89
أو أي الاستفهامية، مثل: أيما عالم اخترع هذا الدواء؟ أو أي الدالة على كمال الصفة، مثل: أخلصت أيما إخلاص، وفي هذه الأمثلة نجد أن ما لم تكفَّ أي عن الإضافة إلى ما بعدها.
٤- إذا وقعت بعد بين مثل: فبينما الصمت سائد إذ انطلقت صيحة مرعبة، وما هنا لم تكف بين عن الإضافة إلى الجملة بعدها.
٥- سبقت الإشارة إلى زيادة ما بين مِنْ ومجرورها، أو بين عَنْ ومجرورها، وفي هذه الحالة توصل ما بحرف الجر ولا تكفُّه عن جر ما بعدها، مثل: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا﴾ ، عما قريب تنكشف الحقيقة.
стр. 90
الباب السابع: هاء التأنيث وتاؤه
هاء التأنيث:
هي الهاء التي تلحق أواخر بعض الأسماء، فتكون علامة على تأنيثها وضعًا، مثل: خديجة، فاطمة، أو للتفرقة بين الأسماء المذكرة والمؤنثة، مثل: نشيطة، مرتفعة، غارقة.
أو تلحق آخر بعض جموع التكسير، بشرط ألا تنتهي مفرداتها بتاء مفتوحة، مثل: سعاة، قضاة، غزاة، أما التاء في أصوات وأبيات وأموات فهي من أصل الكلمة، وليست للتأنيث.
أو تلحق آخر بعض الأسماء للمبالغة، مثل: نابغة، راوية، علامة، نسابة.
وهاء التأنيث هذه تحرك ويفتح ما قبلها، وعلامتها أن يوقف عليها بالهاء، وترسم هذه الهاء تاء مربوطة، إلا إذا أضيف الاسم إلى ضمير فترسم تاء مفتوحة، مثل: إجابته، مناقشتهما، مكافأتهم.
تاء التأنيث:
هي التي يوقف عليها بلفظها، وتكتب تاء مفتوحة، وهي تلحق جميع أنواع الكلمة:
١- فتلحق بعض الأسماء المفردة، مثل: أخت، بنت.
وهي من علامة جمع المؤنث السالم والملحق به، مثل: زهرات، صفات، أخوات، بنات، أولات، وهي في هذه الأسماء تحرك على حسب إعراب الكلمة.
стр. 91
٢- وتلحق آخر الفعل الماضي إذا كان الفاعل أو نائبه مؤنثا، نحو: سمعت الأم صراخ ابنها فأسرعت إليه، وهي في هذا الموضع ساكنة قبلها فتحة.
٣- وتلحق أربعة أحرف هي:
ثمت، ربت، لعلت، لات.
أما ثمة الظرفية المفتوحة الثاء فإنها ترسم بالتاء المربوطة.
стр. 92
الباب الثامن: علامات الترقيم
الترقيم في الكتابة هو وضع رموز اصطلاحية معينة بين الجمل أو الكلمات؛ لتحقيق أغراض تتصل بتيسير عملية الإفهام من جانب الكاتب، وعملية الفهم على القارئ، ومن هذه الأغراض تحديد مواضع الوقف، حيث ينتهي المعنى أو جزء منه، والفصل بين أجزاء الكلام، والإشارة إلى انفعال الكاتب في سياق الاستفهام، أو التعجب، وفي معارض الابتهاج، أو الاكتئاب، أو الدهشة أو نحو ذلك، وبيان ما يلجأ إليه الكاتب من تفصيل أمر عام، أو توضيح شيء مبهم، أو التمثيل لحكم مطلق؛ وكذلك بيان وجوه العلاقات بين الجمل؛ فيساعد إدراكها على فهم المعنى، وتصور الأفكار.
وكما يستخدم المتحدث في أثناء كلامه بعض الحركات اليدوية، أو يعمد إلى تغيير في قسمات وجهه، أو يلجأ إلى التنويع في نبرات صوته؛ ليضيف إلى كلامه قدرة على دقة التعبير، وصدق الدلالة، وإجادة الترجمة عما يريد بيانه للسامع، كذلك يحتاج الكاتب إلى استخدام علامات الترقيم؛ لتكون بمثابة هذه الحركات اليدوية، وتلك النبرات الصوتية، في تحقيق الغايات المرتبطة بها.
وموضوع الترقيم يتصل اتصالا وثيقا بالرسم الإملائي، فكلاهما عنصر أساسي من عناصر التعبير الكتابي الواضح السليم، وكما يختلف المعنى باختلاف صورة الهمزة مثلا في بعض الكلمات، كذلك يضطرب المعنى إذا
стр. 93
أسيء استعمال إحدى علامات الترقيم، بأن وضعت في غير موضعها، أو حلت محل غيرها.
فمثلا: إذا أخطأ الكاتب في كتابة كلمة: سئل، بأن كتب الهمزة على ألف سأل انعكس المعنى، وصار المسئول سائلا، وكذلك إذا كتب كلمة: يكافئ، على هذه الصورة: يكافأ، صار الكلام حديث عمن أخذ المكافأة، لا من أعطى المكافأة.
وكذلك إذا كتب: أعطى أحمد أصدقاءه نسخًا من مصور الوطن العربي، صار المعنى المفهوم أن أحمد هو الذي قدم لأصدقائه هذه النسخ، وربما كان الكاتب يريد أن هؤلاء الأصدقاء هم الذين أعطوا أحمد هذه النسخ، وهذا المعنى يتطلب أن ترسم الجملة بصورتها الصحيحة، التي تكون فيها كلمة أصدقاؤه فاعلا مرفوعًا، والهمزة المضمومة في هذا الموضع ترسم على واو، أصدقاؤه.
ويحدث هذا الاضطراب في المعنى إذا أخطأ الكاتب، ووضع علامة ترقيم بدل أخرى، فمثلا: إذا كتب الجملتين الآتيتين وبينهما فصلة: ساءت حال الأسرة بعد موت عائلها، لأنه لم يدخر شيئا، فهم القارئ أن هذه الجملة إنماهي جزء من التعبير عن معنى معين، وخفيت عليه العلاقة الحقيقية بين هاتين الجملتين، وهي أن الجملة الثانية سبب للجملة الأولى، وفي هذا الموضع تستخدم الفصلة المنقوطة، لا الفصلة، ووضع الفصلة المنقوطة يقف بالقارئ على هذه العلاقة الحقيقية حين يقرأ.
وكذلك إذا طالعنا الجملة الآتية وبعدها علامة التأثر: ما أعظم الآثار المصرية! وطلب منا ضبط آخر الكلمتين: أعظم، الآثار، أدركنا من وضع علامة التأثر، أن الجملة أسلوب تعجب؛ فنفتح آخر أعظم؛ لأنها فعل
стр. 94
ماضٍ للتعجب، وآخر الآثار؛ لأنها مفعول به.
أما إذا كان بعد هذه الجملة علامة الاستفهام، أدركنا أن الجملة استفهامية؛ فنرفع كلمة أعظم أفعل تفضيل خبر ما، ونجر كلمة الآثار؛ لأنها مضاف إليه، ولو حذفت علامة الترقيم من كل جملة لتحير القارئ في تصوير المعنى، وفي ضبط بعض الألفاظ.
ولأهمية علامات الترقيم حرص علماء اللغات على استخدامها، مع شيء من الاختلاف أو التقارب بين صورها، ومواضع استخدامها في مختلف اللغات.
وطلابنا يؤخذون بمعرفتها واستخدامها في كتابة اللغات الأجنبية التي يتعلمونها؛ ولهذا كان الاهتمام بتعلمها واستخدامها في لغتنا أمرا أساسيًا مطلوبا وعلامات الترقيم في الكتابة العربية يبينها الجدول الآتي:
مواضع استعمال هذه العلامات (١)
١- الفصلة
وتسمى أيضا الفاصلة وتستعمل لفصل بعض أجزاء الكلام عن بعض،
стр. 95
فيقف القارئ عندها وقفة خفيفة، أما مواضع استعمالها فهي:
أ- توضع بين الجمل التي يتكون من مجموعها كلام تام في معنى معين، مثل: إمداد الريف بالنور الكهربي يحقق فوائد كثيرة: فهو يساعد على حفظ الأمن، ويرفع مستوى المعيشة في القرى، ويشجع على إنشاء المصانع الريفية، ويحدَّ من هجرة الريفيين إلى المدن.
ب- وتوضع بين أنواع الشيء وأقسامه، مثل: أنواع المادة ثلاثة: أجسام صلبة، وأجسام سائلة، وأجسام غازية، ومثل: التقديرات الجامعية هي: ممتاز، وجيد جدا، وجيد، ومقبول، وضعيف، وضعيف جدا.
جـ- وبين الكلمات المفردة المرتبطة بكلمات أخرى، تجعلها شبيهة بالجمل في طولها مثل:
كل فرد في الأمة مجند لمعركة المصير: الفلاح في حقله، والعامل في مصنعه، والطالب في معهده، والموظف في ديوانه.
د- وبعد لفظ المنادى، مثل: يا علي، حل موعد سفرك.
٢- الفصلة المنقوطة
وتوضع بين الجمل، فتشير بأن يقف القارئ عندها وقفة أطول قليلا من سكتة الفصلة، وأشهر مواضع استعمالها ثلاثة:
أ- أن توضع بين جملتين تكون ثانيتهما مسببة عن الأولى، مثل:
لقد غامر بماله كله في مشروعات لم يخطط لها، فتبدد هذا المال، ومثل:
اغتر الفريق بقوته، واعتمد على نتائجه الماضية، وتهاون في كفاح خصمه؛ ولهذا خسر المعركة.
ب- أن توضع بين جملتين تكون ثانيتهما سببًا في الأولى، مثل:
стр. 96
لم يحرز أخوك ما كان يطمع فيه من درجات عالية؛ لأنه لم يتأن في الإجابة، ولم يحسن فهم المطلوب من الأسئلة.
ج- أن توضع بين جمل طويلة، يتألف من مجموعها كلام تام الفائدة، فيكون الغرض من وضعها إمكان التنفس بين الجمل، وتجنب الخلط بينها بسبب تباعدها، مثل:
ليست مشكلة الامتحانات نابعة من دوائر التعليم، فيما تعالجه من تحديد مستوى الأسئلة، وما تضعه من نظام في تقدير الدرجات، وما يتلو ذلك من إعلان نسب النجاح، وتعيين الناجحين والراسبين؛ وإنما المشكلة -في نظري- تنبع وتتضخم مما تتطوع به الصحافة وغيرها، من المبالغة في رواية أخبار الامتحانات، وقصصها، وأحداثها، وآثارها في نفوس الطلاب، وأولياء الأمور.
٣- النقطة
وتسمى الوقفة وهي توضع بعد نهاية الجملة التي تمّ معناها، واستوفت كل مقوماتها، بحيث تلاحظ أن الجملة التالية تطرق معنى جديدًا، غير ما عرضته الجملة السابقة، مثل:
قال علي بن أبي طالب: أول عوض الحليم عن حلمه أن الناس أنصاره.
وحد الحلم ضبط النفس عند هيجان الغضب. وأسباب الحلم الباعثة على ضبط النفس كثيرة لا تعجز المرء.
٤- النقطتان
تستعملان في سياق التوضيح والتبيين، ومن مواضع استعمالها:
أ- أنهما توضعان بين لفظ القول والكلام المقول أوما يشبههما في المعنى مثل:
стр. 97
قيل لإياس بن معاوية: ما فيك عيب إلا كثرة الكلام، فقال: أفتسمعون صوابًا أو خطأً؟ قالوا: لا بل صوابًا، قال: فالزيادة، من الخير خير، ومثل: وهذه نصيحتي إليكم تتلخص فيما يأتي: لا تستمعوا إلى مقالة السوء، ولا تجروا وراء الإشاعات، ولتكن ألسنتكم من وراء عقولكم.
ب- وتوضعان بين الشيء وأنواعه وأقسامه، مثل: أنواع الخط الهندسي ثلاثة: مستقيم، ومنكسر، ومنحنٍ.
ج- وقبل الكلام الذي يعرض لتوضيح ما سبقه، مثل: التوعية الصحية جليلة الفوائد: ترشد الناس إلى اتباع الأساليب السليمة في التداوي، وترك الخرافات الشائعة، وتزيدهم إيمانًا بضرورة التردد على الأطباء والمستشفيات وتبصرهم بوسائل اتقاء العدوى، وتعلمهم طرق القيام بالإسعافات الممكنة.
د- وقبل الأمثلة التي تساق لتوضيح قاعدة، أو حكم، مثل: تحذف نون المثنى عند إضافته، مثل: يدا الزرافة أطول من رجليها، ومثل: في جسم الإنسان بعض المعادن: كالحديد، والفسفور، والكبريت.
٥- الشَّرْطَة
وتسمى أيضا الوصلة، وأكثر ما تستعمل في موضعين:
أ- توضع بين العدد رقمًا أو لفظا وبين المعدود، مثل:
للكلام شروط أربعة لا يسلم المتكلم من الزلل إلا بها:
أولا- أن يكون للكلام داعٍ يدعوا إليه: إما في اجتلاب نفع، وإما في دفع ضرر.
ثانيا- أن يأتي به في موضعه، ويتوخى به إصابة فرصته.
стр. 98
ثالثا- أن يقتصر منه على قدر الحاجة.
رابعا- أن يتخير اللفظ الذي يتكلم به.
ب- وبين ركني الجملة إذا طال الركن الأول، بأن توالت فيه جمل كثيرة، عن طريق الوصف، أو العطف أو الإضافة، أو نحو ذلك، بحيث تكون هذه الجمل فاصلا بين هذا الركن والركن الثاني الذي يتم به معنى الكلمة، ويبدو ذلك في مواضع يبدو منها:
١- الفصل بين المبتدأ والخبر، مثل:
الموظف الذي يعكف على عمله في جد ودَأَبٍ وإخلاص، زاهدًا في الشهرة والدعاية، متوخيا مصلحة العمل ومصلحة الناس، عفيف اليد واللسان، حي الضمير- هو المثل الأعلى للموظف المنشود.
٢- الفصل بين الشرط والجواب مثل:
من يقدم على مشروع يعتقد أن له فيه خيرًا، قبل أن يدرس ما يتطلبه هذا.
المشروع من إعداد الوسائل، ودراسة الملابسات، واستشارة المجربين، وتصور الوجوه المحتملة لنتائج هذا الإقدام للاستعداد لها -فليس نجاحه مضمونا، فهذه الشَّرطة التي وضعت قبل الخبر في المثال الأول هو المثل الأعلى، وقبل مثال الشرط في المثال الثاني -فليس نجاحه مضمونا- جاءت بمثابة تنبيه للقارئ على أن الكلام الذي يتلوها إنما جاء مكملا لمعنى قد بدأ التعبير عنه بذكر المبتدأ في المثال الأول -الموظف- وذكر أداة الشرط وفعله في المثال الثاني -من يقدم- ثم طال الكلام بعد المبتدأ قبل أن يذكر الخبر، وطال الكلام بعد الشرط، قبل أن يذكر الجواب، وهذه الإطالة قد تنسي القارئ الركن الأول المذكور سابقا؛ فيقف حيال الركن الثاني حائرًا منكرا؛ لأنه في ظنه مقطوع الصلة بما قبله، ولكن هذه الشرطة تنبهه على أن للكلمة التالية صلة بما قبلها، فيعود ببصره إلى ما قبلها، وحينئذ يتضح له مبدأ المعنى فيدركه مرتبطًا.
стр. 99
وقد فطن البلاغيون إلى مثل هذا الموقف، فذكروا أن من أقسام الإطناب التكرير لطول الفصل، وذلك مثل:
المكسب الذي يكلفني اصطناع النفاق، أو الملق، أو المداهنة، أو اغتنام ضعف الرفاق واحتياجاتهم، أو يزين لي اغتيابهم، وإطلاق الإشاعات السيئة حولهم، المكسب الذي يكلفني هذا المسلك أرفضه في عزة وإباء.
فقد بدأ المتكلم قوله بكلمة المكسب وهي مبتدأ وحين أراد ذكر الخبر، وهو جملة أرفضه لاحظ أن بين المبتدأ والخبر فاصلا من الكلام طويلا، فكرر المبتدأ إذ قال: المكسب الذي يكلفني هذا المسلك أرفضه.
وكان يمكن أن أيضا تكرار المبتدأ بالإشارة إليه، كأن يقول: هذا المكسب أرفضه، وانتفاعا بعلامة الترقيم -الشرطة- في هذا المقام، كان يمكن وضع هذه الشرطة قبيل الخبر، بدلا من تكرار المبتدأ، بذكره أو الإشارة إليه، فتفيد هذه الشرطة أن ما بعدها إنما هو مكمل للمعنى.
٦- علامة الاستفهام
توضع بعد الجملة الاستفهامية، سواء أكانت أداة الاستفهام مذكورة في الجملة، أم محذوفة، فمثال المذكورة:
أهذا كتابك؟ متى عدت من السفر؟، أين يعمل أخوك؟ أي الدول فازت بكأس العالم في مسابقة كرة القدم؟ من بطل فريقها؟
ومثال المحذوفة: تسمع الكلام المكذوب عني وتسكت؟ أي أتسمع، أو هل تسمع؟.
٧- علامة التأثر
توضع بعد الجمل التي تعبر عن الانفعالات النفسية، كالتعجب، والفرح، والحزن، والدعاء، والدهشة، والاستغاثة، ونحو ذلك، مثل:
стр. 100
ما أقسى ظلم القريب! يا لجمال الخضرة فوق الرُّبا! لقد أعدنا بناء قواتنا المسلحة! يتبدد في الهواء أصوات الداعين إلى السلام! رعى الله العرب، وسدد خطاهم! تحيرت في فهم الباعث على أن تقتل الأم طفلها! يا للطاعمين للجائعين! الويل للصهيونيين!
٨- علامة التنصيص
يوضع بين قوسيها المزدوجتين كل ما ينقله الكاتب من كلام غيره، ملتزمًا نصه وما فيه من علامات الترقيم، مثل: حكى عن الأحنف بن قيس أنه قال: "ما عاداني أحد قط إلا أخذت في أمره بإحدى ثلاث خصال: إن كان أعلى مني عرفت له قدره، وإن كان دوني رفعت قدري عنه، وإن كان نظيري تفضلت عليه".
وتكثر علامة التنصيص في البحوث والموضوعات التي يضمنها أصحابها جملا
أو فقرات مما قاله غيرهم في هذا المجال نفسه، للاستشهاد، أو الاعتزاز بها في تقرير ما يريدون من حقائق، أو لمناقشتها والرد عليها.
وكما تستعمل علامة التنصيص في النثر، تستعمل أيضا في الشعر، وذلك إذا ضمن الشاعر قصيدته بيتا أو أكثر لشاعر آخر من قصيدة أخرى، تتفق مع قصيدته في الوزن والقافية، فيوضع هذا البيت بين علامة التنصيص، دلالة على أنه لشاعر آخر.
٩- علامة الحذف
أ- عندما ينقل الكاتب جملة أو فقرة أو أكثر من كلام غيره؛ للاستشهاد بها في تقرير حكم مثلا، أو في مناقشة فكرة، قد يجد الموقف يشير بالاكتفاء ببعض هذا الكلام المنقول، والاستغناء عن بعضه، مما لا يتصل اتصالا وثيقًا بحاجة الكاتب، فيحذف ما يستغنى عنه، ويكتب بدل المحذوف علامة الحذف وهي:....، ليدل القارئ على أنه أمين في النقل،
стр. 101
ولم يبتر الكلام المنقول، مثل (١) :
فكرة الإحسان في الإسلام فكرة واسعة الأفق، تشمل كل خير يقدم للناس: كإعانتهم في أمورهم، أو نهيهم عن ارتكاب المعاصي، أو هدايتهم للطريق الصحيح،.....، كل هذا إحسان، بل إن معاملة الحيوان برفق، إحسان وصدقة كذلك.
ب- وأحيانا يرى هذا الكاتب أن في الكلام الذي يريد نقله جملا يقبح ذكرها، ويرى التغاضي عنها، فيحذفها ويكتب مكانها علامة الحذف، مثل:
تملكني الحزن والأسى حين سمعت هذين الرجلين يتشاتمان، ويتبادلان أنواع السباب، فيقول أحدهما:.....ويقول الآخر:......
١٠- القوسان
يوضعان في وسط الكلام، ويكتب بينهما الألفاظ التي ليست من الأركان الأساسية لهذا الكلام، مثل: الجمل الاعتراضية، والتفسير، وألفاظ الاحتراس، وغير ذلك، مما يقطع توالي الأركان الأساسية في الجملة الواحدة، أو تعاقب الجملتين المرتبطتين في المعنى.
فمثال الاعتراض بالدعاء:
سمع رسول الله ﷺ رجلا يقول: الشحيح أعذر من الظالم فقال: "لعن الله الشحيح، ولعن الظالم" ومثل: أتاني (أبيت اللعن) أنك لمتني.
ومثال الاعتراض بالشرط:
شبابك (إن لم تنفقه فيما يؤثل مجدك، ويرفع ذكرك) لا خير فيه.
ومثال الاعتراض بالقيد:
стр. 102
الفقر (على مرارته) أهون على النفس من مذلة السؤال.
ومثال الاعتراض بالجملة الحالية قول الشاعر:
وكدت (ولم أخلق من الطير) إن بدا ... لها بارق نحو الحجاز أطير
ومثال التفسير:
الذمام (بالذال) العهد، والزمام (بالزاي) ما تقاد به الدابة، ومثال: يجوز تقديم المفعول به على الفاعل، مثل: شرب الدواء المريض، فالمفعول به (الدواء) تقدم على الفاعل (المريض) .
ومثل الاحتراس قول ابن المعتز يصف فرسًا:
صببنا عليها (ظالمين) سياطنا
فطارت بها أيدٍ سراع وأرجل
تعقيب:
كثير من الكتاب يستعملون الشرطتين بدل القوسين في جميع المواضع التي سبق شرحها، وهذا الاستعمال جائز ومشهور، مثل:
المال -إن لم تحصنه بالخلق الحميد- يصير مطية الانحراف.
ملحوظة:
لا يجوز وضع علامة من علامات الترقيم في أول السطر: إلا علامة التنصيص والقوسين.
تدريبات على علامات الترقيم
نعرض فيما يلي ثلاث قطع نثرية:
الأولى: استخدمت فيها علامات الترقيم، والغرض منها أن يقف القارئ عند كل علامة، ويفكر في القاعدة التي سوغت وضعها في هذا الموضع مستعينا بما شرحناه من القواعد.
والثانية: لم تكتب فيها علامات الترقيم، ولكن وضع بدلها أرقام، وبعد القطعة ذكرت العلامات التي حلت محلها هذه الأرقام، والغرض منها أن يقف القارئ عند كل رقم، ويفكر في علامة الترقيم التي يمكن أن تحل محل هذا الرقم، طبقا للقواعد التي شرحت، ويقابل بين ما وصل إليه فكره،
стр. 103
وما وضحناه بعد القطعة؛ ليعرف مدى صوابه أو خطئه؛ فيزداد فهما للقواعد.
والثالثة: لم تكتب فيها علامات الترقيم، وتركت أمكنتها خالية، والغرض منها أن يستقل الطالب بالتفكير في العلامات المناسبة التي توضع في هذه الأماكن الخالية، مستعينا بالقواعد المشروحة.
القطعة الأولى
من شجاعة على بن أبي طالب:
كان له في الحرب مواقف مشهورة، يضرب بها الأمثال: فهو الشجاع الذي ما فرّ قط، ولا ارتاع من كتيبة، ولا بارز أحدا إلا قتله.
ولما دعا معاوية إلى المبارزة؛ ليستريح الناس من الحرب بقتل أحدهما، وتسريح المقاتلين، وإلقاء السلاح، والعودة إلى المجادلة باللسان في أمر الخلافة- قال له عمرو: لقد أنصفك، فقال معاوية: ما غششتني منذ نصحتني إلا
اليوم، أتأمرني بمبارزة أبي الحسن، وأنت تعلم أنه الشجاع المطرق؟ أراك طمعت في إمارة الشام بعدي!
وقد شهد الغزوات كلها مع النبي ﷺ إلا غزوة تبوك فقد خلفه على أهله، حين خرج لقتال الروم في جيش جرار ... وأبلى علي في نصرة رسول الله ما لم يُبْلِه أحد.
القطعة الثانية (١)
مما هو جدير بالملاحظة أن القرن التاسع عشر١ الذي ازدهرت فيه الروح الديمقراطية٢ وانتعشت فيه آمال الضعفاء والمحرومين٣ واختفى كثير من معالم السلطات المستبدة الجائرة٤ وتطلع كثير من الناس إلى أسلوب جديد في الحكم٥ هو من أحفل العصور بالمخترعات٦ والكشوف العلمية٧ ألم يلاحظ أن جلائل الأعمال الحضارية٨ وروائع الابتكار٩ ومعجزات الصناعة١٠ لم تتم إلا في هذا القرن على أيدي الديمقراطيين١١ الذين كان الأرستقراطيون ينعتونهم بالضعفاء والمرضى١٢ ولا غرابة
стр. 104
في ذلك ١٣ لأن كل اختراع إنما هو وليد الضرورة والحاجة١٤ وقد قيل١٥ ١٦ الضرورة أم الاختراع١٧ ومن ثم تبنت الروح الديمقراطية كل اختراع وابتكار١٨
وقد قضت سخرية القدر١٩ بأن الديمقراطية هي التي توجد الاختراع٢٠ والأرستقراطية هي التي تجني ثمره٢١ وتغنم فوائده ٢٢ بعد أن يثبت على التجربة ٢٣ ويتحقق نفعه٢٤ وكثيرا ما كانت الأرستقراطية٢٥ والاختراع في أطواره الأولى٢٦ من ألد أعدائه٢٧ وأعنف المقاومين له٢٨ والمعارضين في ظهوره ٢٩ خوفا على السلطة٣٠ وحفاظا على الاستعلاء٣١
стр. 105
القطعة الثالثة
هذه المدنية الحاضرة التي تبهر مؤرخي التقدم البشري بما تم معها من انقلاب كبير في وسائل النقل والصناعة وأساليب العيش جميعا مدينة بازدهارها إلى الأرض التي نعيش عليها لأنك لو ذهبت تمتحن هذه المدنية وتردها إلى أصولها لوجدتها في قرارها عالة على بضع مواد قليلة مما يخرج من الأرض بحيث لو قدر أن تنتزع هذه المواد من الأرض لتداعى بناء المدنية الحاضرة ودكت أركانه
وهل الإنسان على حد ما يقول كاريل إلا حيوان يصنع الآلات فهو بغيرها من أضعف الكائنات حولا وأقلها خطرا وهو بها سيد الكون الذي تعنو له الكائنات وتسخر لخدمته قوى الطبيعة وتذلل أمامه كل الصعاب
ويقول بعض العلماء ليس تاريخ التقدم البشري إلا قصة جهاد الإنسان في سبيل درس مواد الأرض وتخير أصلها لصنع آلاته وأطوعها للتشكل على النحو الذي يريد وأثبتها لاحتمال ما يكلفها من جهد
стр. 106
الباب التاسع: قواعد الإملاء على بساط البحث
نود في هذا الباب أن نقف أمام بعض القواعد الإملائية، التي شرحت في الأبواب السابقة، وقفة تأمل وبحث ومناقشة، يشجعنا على ذلك عدة أمور، منها:
١- أن هذه القواعد ليست موضع اتفاق بين العلماء قديما وحديثا، ومن الخير مناقشة آرائهم المتضاربة مناقشة علمية، قد تسفر عن حسم الخلاف، وتيسير الكتابة على أصول يتفق عليها.
ومن المسلَّم أن هذه الخلافات كانت مدعاة إلى الحيرة والاضطراب ولكنها -كذلك- قد تكون مفيدة لنا فيما نحن بسبيله الآن من العمل على تيسير القواعد الإملائية وتهذيبها، وقد جاء في تقرير لجنة الإملاء بمجمع اللغة العربية -الدورة الرابعة عشرة: ومن حسن حظنا أن علماء الرسم لم يتركوا قاعدة إلا وقد اختلفوا فيها، واستفدنا من هذا الخلاف في وضع قواعد مطابقة لما نريد من التيسير والتذليل. صفحة ٩٨ من الجزء الثامن من مجلة المجمع.
٢- أن هذه الخلافات التي نراها في الرسم الإملائي، كأنها تنادي بأن الكلمة الأخيرة لم تُقَل بعد في تحرير القواعد الإملائية وضبطها وإحكامها، وأن الباب مفتوح لكل من تدفعه الحماسة والغيرة، ليقول كلمة هادية، أو يدلي برأي ناضج رشيد.
٣- أن هذه المحاولة قد قام بها في العصر الحاضر كثير من أولي الفطنة
стр. 107
والغيرة على اللغة: أفرادا في بحوث كتبوها، ومقترحات عرضوها، ورسائل وكتب ألفوها، وجماعات في الهيئات العلمية المختصة، مثل: مجمع اللغة العربية
وقد تبين لي -وأنا أقرأ مطبوعات المجمع- أنه قد شغل ببحث تيسير الإملاء مدة طويلة، تقع -كما تفيد هذه المطبوعات التي قرأتها- بين شهر نوفمبر سنة ١٩٤٧، وشهر يناير سنة ١٩٦٠، أي أكثر من اثنتي عشرة سنة، وفي خلال هذه المدة الطويلة، درس المجمع عدة مقترحات من أعضائه، وعدة قرارات وملاحظات لهيئات علمية أخرى، مثل: المؤتمر الثقافي للجامعة العربية، ولجنة اللغة العربية في المجمع العلمي العراقي، وأساتذة اللغة العربية بدار المعلمين العالية ببغداد، وأساتذة اللغة العربية بوزارة التربية والتعليم بمصر.
ومع تعدد الجلسات التي عقدها مجلس المجمع، ومؤتمره، ولجانه؛ لبحث هذه المقترحات والملاحظات، لم ينته الأمر إلى موافقة على اتخاذ قرار حاسم في تيسير الإملاء، إلا في جلسة ١٢ من يناير ١٩٦٠؛ إذ وافق فيها مؤتمر المجمع على ما أقرته لجنة الأصول من قواعد رسم الهمزة.
وماذا حدث بعد ذلك؟ هل أتيح لهذه القواعد التي ووفق عليها، أن تتخذ سبيلها إلى الهيئات التعليمية، والأجهزة الإعلامية: كالجامعات، والمدارس، والصحف، والإذاعة ونحوها؛ لتقوم هذه الهيئات والأجهزة بنشرها وتطبيقها؟
الذي أعلمه أن الخلاف في الإملاء العربي، لا يزال قائما بين الدول العربية المختلفة، وبين أبناء الدولة الواحدة، بل بين أبناء الطبقة المتجانسة من المتعلمين، وأن أحدا من المثقفين لم يحس أن للمجمع رأيا حاسما يجب أن ينفذ، وتشريعا مدروسا يجب أن يطبق، وغاية الأمر: أن المجمع قال رأيه، وسكت بعد قراره خمس عشرة سنة حتى اليوم، وسكت الناس أيضا، ومضوا على ماهم فيه من
стр. 108
الحيرة والاختلاف والاضطراب في الرسم الإملائي. ففيم كان هذا الجهد المضني؟ وفيم أنفق هذا الوقت الثمين الطويل؟ وكيف يرضى هذا المجمع الموقر الجليل أن تعطل قراراته، وتطوف حولها الكلمة الشائعة: مع وقف التنفيذ؟!
٤- أن التجارب التربوية التي يقوم بها المعلمون، وملاحظاتهم الدقيقة الواعية، لما يقع فيه التلاميذ من تعثر أو خطأ في مجالات القراءة، قد أثبتت أن كثيرا من تلك القواعد الإملائية -حتى المتفق عليها- قد أفسدت بعض الأغراض التعليمية، التي ينشدها المعلمون، ويتعهدونها في التلاميذ، كما سيأتي بيانه.
على أننا في هذه المناقشة العلمية للقواعد الإملائية، سنلتزم عدة مبادئ لن نحيد عنها؛ توقيا للإسراف والشطط، ومن هذه المبادئ:
١- الإبقاء على رسم المصحف كما هو دون تغيير، ولكننا -من الوجهة التربوية- نطرح هذا السؤال، ونترك الإجابة عنه للمختصين بوزارة التربية والتعليم: أتكتب الآيات القرآنية في الكتب المدرسية، مثل كتب الدين والقراءة والنصوص وغيرها بالرسم المصحفي، أم تكتب بالرسم الإملائي الذي يُؤخذ به الطلاب في مجالاتهم التعليمية؟ أما رأيي الشخصي: فهو إيثار كتابتها في الكتب المدرسية بالرسم الإملائي؛ لنيسر على الطلاب قراءتها، ونجنبهم مواقف الحيرة والاضطراب.
٢- أننا لن نقترح صورا جديدة للرسم الإملائي، تبتعد كثيرا عن الصور المألوفة في طباعة التراث العربي قديمه وحديثه؛ حتى لا ينكر أبناء الأجيال الحاضرة والمستقبلة ما يطلعون عليه من هذا التراث، بل سنحرص على أن يظل المطبوع منه سهل القراءة، ميسور التناول.
стр. 109
٣- ألا نبيح نوعا من الرسم الإملائي تخرج به كلمة من القاعدة الإملائية المقررة، التي تشمل هذه الكلمة.
٤- أن تكون المقترحات مما يجعل الإملاء غير متعارض مع التوجيهات والتنبيهات النحوية التي نأخذ بها التلاميذ، وغير معوق للقراءة المنطلقة المرسلة التي ننشدها دائما.
٥- أن نسترشد فيما نقترحه بآراء الأئمة السابقين، ولا نغفل الأسس التي استندوا إليها في ربط القواعد الإملائية ببعض القواعد الصرفية والنحوية، دون تعسف أو مغالاة.
٦- أن تقتصر مناقشاتنا على بعض القواعد؛ لتكون مجرد أمثلة، وأن ندعو المدرسين وأعلام اللغة إلى أن يتابعوا هذا الجهد في سعة واستيعاب؛ لتثمر جهودهم؛ فيضعوا أمام الهيئات العلمية اللغوية طائفة من الآراء المدروسة، يمكن اتخاذها نواة لما نريد الوصول إليه، وهو حسم هذه الخلافات، وتوحيد
قواعد الرسم الإملائي، في جميع البلاد العربية؛ فقد طال أمر هذه الخلافات في مجمع اللغة وخارجه، دون الوصول إلى حلول مقبولة مقررة، تتخذ سبيلها إلى حيز التطبيق في المجالات التعليمية والكتابية بوجه عام.
وما كان لهذه القضية أن تستغرق هذا الوقت الطويل، ولا ينتهي أمرها إلى حكم فاصل، وإذن فقد آن لها أن تظفر بنظرة جادة مخلصة، تدرس مشكلاتها، وتضع لها حدا، نطمئن إليه، ونهتدي به.
وفيما يلي بعض القواعد الإملائية التي نريد مناقشاتها:
رسم الهمزة
الهمزة في أول الكلمة:
المقرر في القواعد الإملائية أن همزة القطع ترسم ألفا، فوقها همزة مفتوحة
стр. 110
أو مضمومة مثل: أجاب، أجيب، أو تحتها همزة إذا كانت مكسورة، مثل: إجابة، وتظل هذه الهمزة معتبرة كأنها في أول الكلمة إذا دخل على الكلمة حرف، مثل: أل، واللام الجارة إذا لم يلها أنْ المدغمة في لا، ولام التعليل، ولام الجحود، ولام الابتداء، ولام القسم الداخلة على الفعل، وباء الجر، وكاف الجر، والسين، والواو، والفاء، وترسم همزة القطع مع هذه الأحرف ألفا فوقها أو تحتها همزة.
أما همزة الاستفهام الداخلة على كلمة مبدوءة بهمزة قطع مكسورة، فتعتبر هذه الهمزة متوسطة، وتطبق عليها قاعدة الهمزة المتوسطة، فترسم ياء مثل: أئذا، أئنك، إئله، أئفكا.
فإذا كانت همزة القطع مضمومة، ودخلت عليها همزة الاستفهام، اعتبرت همزة متوسطة ورسمت على واو، مثل: أؤلقي، أؤجيب.
وهنا نقف أمام هذه القاعدة العجيبة، ونسأل: ما الفرق بين همزة الاستفهام والحروف السابقة وكل منها مكون من حرف واحد -ما عدا أل- ولم نكتب الفعل: أجيب مع السين بهذه الصورة: سأجيب، ومع همزة الاستفهام بصورة أخرى
جديدة هي: أؤجيب؟ أليس من اليسير اطراد القاعدة، واعتبار همزة الكلمة التي دخل عليها أي حرف، حتى همزة الاستفهام، أنها في أول الكلمة، وترسم ألفا فوقها أو تحتها همزة؟
إن هذه القاعدة السائدة التي نناقشها الآن، ونقترح تغييرها، تضع أمام التلميذ ثلاثة أنواع مختلفة من الصعوبات:
١- أن انفراد همزة الاستفهام بحكم خاص في هذا المقام، يؤدي إلى الإكثار من القواعد، وهذا أمر ينبغي ألا نلجأ إليه إلا اضطرارا، كما أن هذا الحكم الخاص بهمزة الاستفهام، لا مبرر له، ويعتبر شذوذا وخروجا على قاعدة أصلية مقررة، يمكن -في يسر ومنطق- أن تنطبق على جميع