← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 7849

إشارات الإعجاز

بديع الزمان النورسي

Полный текст (242 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز تأليف / بديع الزمان سعيد النّورسي الكتاب عبارة عن نظرات للأستاذ سعيد النورسي في كتاب الله تعالى تنم عن بصيرة نافذة، ومعرفة كلامية وبلاغية عميقة، وذوق ذاتي رفيع، ومنهج عقلي سديد تحقيق / إحسان قاسم الصالحي

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة ١ الدكتور محسن عبد الحميد استاذ التفسير والفكر الاسلامي جامعة بغداد الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من اُنزل عليه القرآن الحكيم محمد بن عبد الله خاتم الانبياء والرسل، وعلى آله واصحابه والتابعين لهم باحسان الى يوم الدين. اما بعد: فيكاد يجمع المنصفون من العلماء والدارسين المطلعين على تطور اوضاع المسلمين في العصور الاخيرة، ان الاستاذ الجليل بديع الزمان سعيد النورسى، كان شخصية اسلامية كبيرة، صادق الايمان، عظيم الاخلاص، عزيز النفس، عارفاً بحقائق التوحيد، نابغة من نوابغ الزمان، غزير العلم، نافذ الفكر، داعية ثبتاً الى الله تعالى على بصيرة، حمل هموم المسلمين منذ شبابه، وقضى حياته في الجهاد الدائب في سبيل توضيح عقيدة الاسلام وبيان علل احكامه، ودحض الافكار المنحرفة والفلسفات الجاحدة المناقضة له والتخطيط العملي لاجل انقاذ المسلمين من الغزو الفكري الجارف الذي تعرضوا له منذ اوائل القرن الرابع عشر الهجري، بل قبله.

стр. 3

ولقد لقى، رحمه الله تعالى في سبيل ذلك مالقى، مما ليس جزاؤه الا عند الله تعالى البصير بعباده الصالحين واوليائه الصادقين وعلمائه المجاهدين، الذين صدقوا العهد مع الله تعالى، ولم يخشوا فيه سبحانه لومة لائم. وهذا الكتاب الذي بين يديك - قارئي العزيز - جليل القدر، رصين السبك، قوي الحجة، يمثل اجلى تمثيل القدرة السَرَيانية الفائقة للاستاذ النورسى، وراء المعاني الدقيقة في كتاباته كلها، لاسيما العلمية المختصة منها. ولقد كانت تلك موهبة عبقرية، وهبه الله تعالى اياه، لينظر في كتاب الله تعالى من خلالها ببصيرة نافذة، ومعرفة كلامية وبلاغية عميقة، وذوق ذاتي رفيع، ومنهج عقلي سديد، يلتمس الكشف عن الحقيقة، ويبغي ايصال الانسان الى اقتناع كامل بكون هذا القرآن معجزاً، بحيث يجد العقلاء والفصحاء في انفسهم ضرورة الايمان والاعتراف بانه الكتاب الحق الذي نزل من عند علام الغيوب على رسوله الاكرم محمد بن عبد الله عليه افضل الصلاة وازكى التسليم، كي يضع الانسانية على طريق دعوة الحق، وينور بصيرتها بنور الايمان، وادراك اليقين للوصول الى العبودية الخالصة لرب العالمين. لقد استطاع الاستاذ النورسى ان يصقل موهبته الفذة بدراسة العلوم الاسلامية والفلسفات القديمة والعلوم الانسانية والصرفة المعاصرة، زيادة على اطلاعه الواسع على الادب والبلاغة العربية في كتب امثال الجاحظ والزمخشري والسكاكي لاسيما كتب النحوي البلاغي الكبير الامام عبد القاهر الجرجاني حيث آمن بنظريته المشهورة في النظم واعجب بها ايما اعجاب في هذا الكتاب. ولم تكن نظرية النظم جديدة اخترعها الجرجاني من غير مقدمات، وانما لفت النظر اليها الجاحظ في كتابه نظم القرآن والواسطي في كتابه اعجاز القرآن في نظمه والباقلاني في كتابه اعجاز القرآن غير ان الجرجاني شرحها شرحا نحويا بيانيا وافيا مترابطا وصاغ منها نظرية متكاملة تقوم على اساس عدم الفصل بين اللفظ ومعناه وبين الشكل والمضمون وقرر ان البلاغة في النظم لافي الكلمة المفردة ولا في مجرد المعاني، دون تصوير الالفاظ لها. وبناء على ذلك فانه يعرّف النظم بانه: تعليق

стр. 4

الكلمة بعضها على بعض، وجعل بعضها بسبب من بعض، اي تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو وتعمل على قوانينه واصوله وتعرف مناهجه فلا تزيغ عنها. وكأني بالاستاذ النورسى درس نظرية النظم هذه دراسة متقنة ثم ظهر له ان المفسرين الذين سبقوه كالزمخشري والرازي وابي السعود لم يحاولوا تطبيقها من حيث هي منظومة متكاملة تشمل ترتيب السور والآيات والالفاظ سورة بعد سورة وآية بعد آية ولفظا بعد لفظ، بتفاصيلها الكاملة فاراد ان يقتدي بهؤلاء المفسرين العظام فيؤلف تفسيراً يطبق فيه نظرية النظم تطبيقاً تفصيلياً شاملاً من حيث المباني والمعاني ومن حيث المعارف اللغوية والعقلية والذوقية، الكلية منها والجزئية، والتي اعتمد عليها في الكشف عن تفاصيل المنظومة القرآنية التي بها يظهر الاعجاز، وتتكشف دقائق خصائص الاسلوب القرآني التي خالفت خصائص التعبير العربي البليغ قبله، والتي حيرت البلغاء واخرست الفصحاء، ليحق عليهم التحدي المعجز الى يوم القيامة. ولم تتوجه جهود النورسى الى بيان نظرية النظم، مقدمة لاثبات اعجاز القرآن البلاغي فحسب، بل اتجهت كذلك الى التغلغل في معاني الآيات، حيث اراد بناءها تفصيلاً على المرتكزات العقلية للوصول الى اظهار العقائد الاسلامية وارتباطها بحقائق الوجود. ومن الواضح جدا لمن تأمل في الكتاب وترتيبه، انه كان يريد ان يؤلف تفسيراً كاملاً في هذا الاتجاه. ولو قدر للاستاذ - رحمه الله تعالى - ان ينهي عمله العظيم هذا كاملاً، اذن لقدّم تفسيراً بلاغياً وعقلياً كاملاً شاملاً، كان جديراً بان يأخذ منه عمره كله حيث كان من المحقق ان يحوي حينئذ عشرات المجلدات الضخام، لو انه مشى في ضوء منهجه هذا الذي نقرأه في هذا الكتاب. ولكن الله قدّر له الافضل من ذلك اذ وفقه لعمل اجلّ من ذلك واعظم. عمل استطاع فيه ان يضع مسلمي بلده في ظروف عصره في مواجهة القرآن الكريم، دون اشغالهم بقضايا بلاغته واعجازه اللغوي والتي لم تكن مشكلة عصره

стр. 5

من خلال التحقيق في جزئيات دقيقة لا يقوى على فهمها الا الخواص جداً. وكان من المؤكد حينئذ ان يبقى الجمهور الاعظم من المسلمين في عصره بمعزل عن الاستفادة من مواهبه الفذة وحماسه الايماني المنقطع النظير، وكذلك بمعزل عن الصراع الفكري الحضاري الرهيب غير المتكافئ مع الغزو الفكري المادي الجاحد، الذي بدأ يتسلل رويداً رويداً الى الحياة الاسلامية حتى تصدر السياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة والفن والاعلام في كثير من بلاد الاسلام. من اجل ذلك، وقف النورسى عند هذا المجلد من التفسير، ودفعته ظروف عصره وبلده الى اتون الصراع، ولكن في قالب جديد ممثلا بسعيد الجديد سمتُه الهدوء، والتدرج، والبناء، والنفوذ المحكم الى عقول المسلمين وقلوبهم دون صراخ عاطفي او تهريج مدمر، او صدامات فوقية، لم يكن الوضع الاسلامي يومئذ مهيئا لها ويقوى فيها على مجابهة الاعداء الاقوياء في الداخل والخارج. لقد كان اسلوب رسائل النور في وضوحه الحاسم، وهدوئه العلمي الباهر، وبيانه الذوقي الرفيع، وحججه العقلية الدامغة هو البديل العصري الذكي لاسلوب اثبات اعجاز القرآن اللغوي والبياني والعقلي من خلال نظرية النظم، لان ما اثاره الاعداء لم يكن يتصل بالطعن في بلاغة القرآن او مناقشة ما يتعلق باعجازه او بتناسب سوره وآيه وكلماته. وانما كان يركز على شن هجوم عام شامل على اصول الايمان، وحكمة التشريعات، ومحاولة تفكيك النظام الاخلاقي الذي جاء به القرآن الكريم. لقد وعى الاستاذ النورسى التغييرات الهائلة التي احدثها الصراع الجديد فتوجّه اليها بحقائق القرآن التي قدمها من خلال اصول المنطق العقلي الفطري وعلوم ومعارف عصره. انه استطاع ان يثبت من خلال جزء كامل من هذا الكتاب اعجاز القرآن الكريم وبرهن للدارسين وطلاب الحقيقة، انه من السهل ان يستمر في ضوء منهجه العلمي والعقلي والذوقي الرفيع الى النهاية، اذن فليكن هذا كافيا، وليتوجه بكليته وبقية

стр. 6

حياته العامرة الى القضية الاساس، وهي انقاذ ايمان المسلمين في عصر الصراع الاعلامي الرهيب، فأنتج في هذا المجال ايما انتاج من خلال عشرات الكتب والرسائل التي وجهها الى النشئ الجديد، لإلحاق الهزيمة العقيدية والفكرية باعداء الاسلام من الملاحدة وارباب التغريب. على انني اظلم هذا الكتاب اذا ادعيت انه خلا من منهج مواجهة الصراع الجديد، بل ازعم هنا - على قدر ما لي من علم بافكار النورسى من خلال قراءتى لبعض رسائله في عهده الجديد - انه مامن فكرة شرحها او بسطها او مثَّل عليها الا تجد لها بذوراً موجزة او مفصلة في هذا الكتاب العلمي الرصين الذي بين يديك، لاسيما في عرض اصول العقائد الاسلامية باسلوب عصري علمي. غير انه اتجه في كتابه هذا الى مخاطبة خاصة تلامذته من خلال دمج المصطلحات الكلامية القديمة ببدايات منهجه الجديد الذي استقر عليه فيما بعد في رسائل النور. ولعل هذا هو سر تسمية رسائل النور بانها تفسير حقيقي للقرآن الكريم، والحق ان تفسير القرآن ومخاطبة المسلمين بآياته لم يبارح قط فكر النورسى الى آخر لحظة من لحظات حياته الحافلة بالمحن والاحزان، والعلم والدعوة الى التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ﷺ . ان نشر هذا الكتاب بثوبه الجديد هذا سيضع نموذجاً تحليلياً بلاغياً رائعاً امام المهتمين بالدراسات الاعجازية والبلاغية والنقدية المعاصرة. لاسيما في الاوساط العلمية. وسيجد المهتمون بدراسات العقائد الاسلامية من وجهة المنطق العقلاني زادهم فيه من خلال المباحث العقلية والعلمية العميقة التي قدمها الاستاذ تعليقاً على الايات التي حللها من اوائل سورة البقرة. لقد احسن الاستاذ الفاضل احسان قاسم الصالحي بتحقيقه هذا الكتاب من جديد، حيث اغناه بتدقيقاته المفيدة وشروحه القيمة في الحواشي، وهذا فضل يكمل به افضاله السابقة على قراء العربية حين قضى سنوات عدة في ترجمة مجموعة متنوعة من رسائل النور التي دبجها يراع الامام الممتحن سعيد النورسى حجة الاسلام بحق في حياة تركيا الحديثة.

стр. 7

فجزى الله الاستاذ النورسى خير الجزاء ونفع المسلمين بعلمه وحججه الدامغة وكلماته النورانية الصادقة في خدمة كتاب الله تعالى وسنة رسوله الاكرم ﷺ . وفي ختام هذه الكلمات ادعو الله تعالى ان يوفق المحقق الكريم الى تقديم ترجمة كاملة لرسائل النور الى قراء العربية المجيدة.١ وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين. د. محسن عبد الحميد كلية التربية - جامعة بغداد ٢ شعبان ١٤٠٧هـ

стр. 8

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ هذا التحقيق ١ الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ومن والاه، وبعد؛ ففي ايام قاحلة وشهور عجاف اكرمني الله العلي القدير بقراءة هذا التفسير الجليل قراءة لا ارجو من ورائها سوى شرح للصدر، وتغذية للروح وتنضير للذهن. كررت قراءته مرات ومرات، فاطفأ - باذن الله - ظمأ القلب بعذبٍ برود.. ولكن.. ولكن لمست انه بحاجة الى تنسيق جديد وتحقيق سديد ليسهل تناوله ولا يتعذر فهمه لكل من يريد ان يستفيد. وشاء القدر الإلهي ان يأتيني اخ كريم بنسخة مخطوطة منه واخر بطبعته الاولى، وقد كنت احتفظ بترجمته التركية وبطبعته الثانية والاخيرة.. فاستجمعت العناصر الاولى للتحقيق. فايفاءاً لشكره تعالى على ما أنعم عليّ واعداداً لنسخة جيدة من هذا التفسير الجليل هممت ان اقوم بتحقيقه، ولكن.. ولكن قصوري، وقلة خبرتي، وضخامة الموضوع، وجلال المقام، وخشية الزلل.. كانت تكّفني عن القيام بالتحقيق.. بيد ان النظر الى ما عند الله، وفضله العميم، والثقة به، وحسن القصد اليه في خدمة كتابه العزيز.. كانت تدفعني الى العمل.. فتخليت عن الإحجام ولازمت الإقدام متوكلاً على العلي العلام، وسرت بخطوات متئدة، كالآتي:

стр. 9

اولاً: قابلت بين النسخ التي توفرت لديّ وهي: أ - نسخة بخط (الملا عبد المجيد النورسي) ١مصححة من قبل المؤلف نفسه. فأعتبرتها الأساس في التحقيق٢. ب - الطبعة الاولى من الكتاب، المطبوع سنة ١٣٣٤ في مطبعة (اوقاف اسلامية) باستانبول ومصححة من قبل المؤلف وعليها بعض الهوامش بخط يده. وقد رمزت اليها بـ (ط١) . ج - مخطوط بخط السيد (طاهر بن محمد الشوشي) ٣ انتهى منه سنة ١٣٧٣هـ، وضم فيه تعليقات واستدراكات جيدة على النسّاخ، مع وضع لعناوين صغيرة لاهم الموضوعات في الصفحة، وقد رمزت اليه بـ (ش) . فكل اضافة او تعليق مذيل بـ (ش) هو منه. د - الترجمة التركية له، والتي قام بها (الملا عبد المجيد النورسى) ونَشرَتْها (دار سوزلر في استانبول) سنة (١٩٧٦) . وقد رمزت اليها بـ (ت) . هـ - تحقيق قام به الشيخ صدرالدين البدليسي، حيث وضع بعض الهوامش وصحح اخطاء مطبعية، فرمزت اليها بـ (ب) .

стр. 10

و - الطبعة الاخيرة المطبوعة في مؤسسة الخدمات الاجتماعية في بيروت سنة ١٣٩٤ (١٩٧٤) وقد لاحظت فيها: ١- ترجمة السيد عاصم الحسيني لمقدمة الكتاب التي كتبها الاستاذ النورسى بالتركية، اقتصرت على قسمٍ منها، فاجريتُ فيها تغييرات طفيفة لتفي بمراد المؤلف، ثم اتتمت ترجمة بقية المقدمة. ٢- كلمة ثناء او (تقريظ) للشيخ صدرالدين البدليسي، وهي كلمة قيمة لبيان ظروف تأليف التفسير، ومقارنته مع تفاسير اخرى مشهورة، فأبقيتها كما هي. ٣- هناك في ختام الكتاب ثلاث عشرة شهادة من شهادات الفلاسفة وعلماء اوربا حول أحقية القرآن، اهملتُها لركاكة ترجمتها اولاً ولعدم عثوري على اصولها كي اترجمها مجدداً، ووضعت بدلاً منها ما قدّمه الاستاذ الدكتور عمادالدين خليل مشكوراً فصلاً من كتابه القيم قالوا عن الاسلام وهو الفصل الاول الخاص بالقرآن الكريم، فألحقناه كاملاً بالكتاب، فجزاه الله خيراً على عمله الجليل. ثانياً: وبعد المقابلة او في اثنائها صححت الاخطاء المطبعية والاملائية، مع تشكيل وضبط الكثير من الكلمات، ثم عزوت الآيات الكريمة الى سورها. وخرّجت الاحاديث الشريفة الواردة فيه من الكتب المعتمدة المتوفرة لديّ، وبمساعدة الاخ الكريم فلاح عبد الرحمن. وتركنا قسما من الاحاديث كما هو، لعل الله يهئ لنا من المصادر الحديثية ما نتمكن من تخريجه، او يرشدنا اليه علماؤنا الافاضل. ثالثاً: راجعت امهات القواميس كالمحيط والمصباح ومختار الصحاح وغيرها لتفسير بعض ما استغلق عليّ من كلمات.. رابعاً: استخرجت الامثال الواردة فيه، وقابلتها مع اصولها في مجمع الامثال للميداني.

стр. 11

خامساً: وضحت بعض ما أُبهم عليّ من العبارات، استناداً الى الترجمة التركية، حيث جاءت فيها تلك العبارات اكثر وضوحا. وادرجتها في الهامش مع تذييلها بـ (ت) ورقم الصفحة. سادساً: استشكلت عليّ امور نحوية ومسائل لغوية. اضطرتني الى مراجعة امهات الكتب اللغوية كالمغني والاشموني وغيرهما، حتى اطمأن القلب وحصلت القناعة التامة بان ما اقره الاستاذ النورسى هو الصواب، او فيه جواز، وان ما الفته وتعلمته من قواعد النحو ما هو الا النزر اليسير من بحر محيط عظيم بل ما هو الا الوجه الشائع من بين وجوه كثيرة. وبعد الفراغ من العمل بتوفيق الله ، وضعت كل ماقمت به بين يدي اخي الاستاذ الدكتور محسن عبد الحميد ليدلني على عثراتي ويبصرني على ثغرات العمل؛ اذ هو الذي صاحَبَ الرازي سنين، ولازم الالوسى سنين اخرى، وخَبَر اصول التفسير وضوابطه درسا وتدريساً لسنين طويلة، ومازال، فكلل جهدي جزاه الله خيراً بمقدمة وافية شافية. وبعد: فلقد بذلت ما بوسعى في تحقيق الكتاب، ولست زاعما اني اوفيت حقه، ولكن حسبي انني حاولت، وبذلت ما استطعت ابتغاء ان يكون من العمل الصالح عندالله، ورجاء ان تنالي دعوة خالصة ممن ينتفع به. والله نسأل ان يوفقنا الى حُسن القصد وصحة الفهم وصواب القول وسداد العمل. وصلّ اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. احسان قاسم الصالحي ليلة النصف من شعبان سنة ١٤٠٧

стр. 12

اشارات الاعجاز في مظان الايجاز تأليف بديع الزمان سعيد النورسي تحقيق احسان قاسم الصالحي

стр. 13

باسمه سبحانه كلمة لستة من طلاب النور لقد درسنا على استاذنا الفاضل قسماً من تفسيره الموسوم "اشارات الاعجاز" الذي ألّفه قبل اربعين سنة اثناء الحرب العالمية الاولى، حينما كان يؤدي فريضة الجهاد في الخط الامامي لساحة القتال واحياناً كان على صهوة جواده. ونحن مع قصر فهمنا بدقائق اللغة العربية واسرار البلاغة، فقد ادركنا عندما قرأنا هدا التفسير على يد استاذنا الفاضل انه تفسير بديع وخارق للعادة، فرأينا من الانسب ان نذكر النقاط الاربع الآتية حول بيان هذا التفسير للاعجاز النظمي فحسب من وجوه الاعجاز للقرآن الكريم: النقطة الاولى: ان معانى القرآن الكريم معانى شاملة كلية وعامة لا تقتصر على طائفة معينه او على معنى جزئي، بل يقدم اطيب الاغذية طراً وألذها طعماً الى الوف الطبقات المتباينة من الجن والانس، فيوفي حاجة افكارهم ويشبع عقولهم ويغذى قلوبهم وينمي ارواحهم، كل بما يليق به؛ وذلك لانه وحي سماوي وخطاب صمداني يخاطب الله سبحانه جميع طبقات البشر المصطفين خلف الاعصار، فيجيب عن اسئلة واستفسارات جميع الطوائف ويلبي حاجاتهم كلها؛ فلا غرو انه كلام رب العالمين، صادر من ارفع مراتب الربوبية المطلقة. النقطة الثانية: ان الفاظ القرآن الكريم التي هي بمثابة الاصداف لنفائس لآلئ المعاني الكلية الشاملة، والتي نزلت من صفة الكلام الازلي وخاطبت جميع الاعصار وجميع البشرية، لا ريب انها كلية جامعة. وقد لمسنا في هذا التفسير قسماً من الاعجاز - القطعي الثبوت - في كل حرف من حروف ذلك الكتاب الحكيم والتي يثمركل

стр. 14

منها عشر حسنات او مائة او الفاً او الوفاً بل في الاوقات المباركة - كليلة القدر - ثلاثين الف ثمر من ثمرات الجنة. النقطة الثالثة: ان الحسن والجمال اللذين يلمعان في مجموع الشئ، لا يتحريان في كل جزء من اجزائه، ولا يعدّ نقصاً ما لم يشاهد ذلك الجمال في الجزء. ومع هذا فان الاعجاز النظمى الذي نراه في جميع سور القرآن الكريم وفي آياته نراه بنمط آخر عندما ندقق ونحلل هيئات وكيفيات كلماته وجمله. وهذا التفسير المؤلف بالعربية يبين منبعاً من المنابع السبعة لاعجاز الكتاب الحكيم، الا وهو الجزالة الخارقة في الفاظه مبيناً ادق فروعه واخفى اسراره. فلا شك انه لا يعد اسرافاً - بل هو حقيقة - اهتمام "اشارات الاعجاز" بكل حرف من حروف القرآن العظيم التي يثمر كل منها عشراً من الحسنات بل يرتقى الثواب ثلاثين الفاً في بعض الاوقات. النقطة الرابعة: ان معانى القرآن الحكيم لها جامعية واسعة وكلية شاملة وذلك لصدوره من الكلام الازلى وخطابه جميع الطبقات البشرية في جميع الاعصار لذا لا تنحصر تلك المعاني على مسألة واحدة كما هي في الانسان بل هي كالعين الباصرة تنظر الى اوسع المدى. فيضم الكلام الازلى ضمن نظره المحيط جميع الازمان وجميع البشرية بطوائفها كافة. فبناء على ما اسلفناه نقول: ان جميع الوجوه التي اوردها المفسرون في كتبهم التى تفوق العد وما استنبطوه من المعاني المشتمل عليها الكتاب الكريم صراحة او اشارة او رمزاً او ايماءً او تلويحاً او تلميحاً مرادة ومقصودة بالذات من الكتاب الكريم، شريطة ان لا تردها العلوم العربية وان تستحسنها البلاغة وان يقبلها علم اصول مقاصد الشريعة. طاهري، زبير، صونغور، ضياء، جيلان، بايرام.

стр. 15

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الترجمة التركية تنبيه لقد تم تأليف تفسير اشارات الاعجاز في السنة الاولى من الحرب العالمية الاولى على جبهة القتال بدون مصدر او مرجع. وقد اقتضت ظروف الحرب الشاقة وما يواكبها من حرمان أن يُكْتب هذا التفسير في غاية الايجاز والاختصار لاسباب عديدة. وقد بقيت الفاتحة والنصف الاول من التفسير على نحو اشد اجمالا واختصارا: أولاً: لان ذلك الزمان لم يكن يسمح بالايضاح، نظراً الى ان (سعيداً القديم) كان يعبّر بعبارات موجزة وقصيرة عن مرامه. ثانياً: كان (سعيد) يضع درجة افهام طلبته الاذكياء جداً موضع الاعتبار. ولم يكن يفكر في فهم الآخرين. ثالثاً: لما كان يبيّن أدق وأرفع ما في نظم القرآن من الايجاز المعجز، جاءت العبارات قصيرة ورفيعة. بيد انني أجَلت النظر فيه الآن بعين (سعيد الجديد) . فوجدت ان هذا التفسير بما يحتويه من تدقيقات، يعدّ بحق تحفة رائعة من تحف (سعيد القديم) بالرغم من اخطائه وذنوبه. ولما كان (اي سعيد القديم) يتوثب لنيل مرتبة الشهادة اثناء الكتابة، فيكتب مايعنّ له بنية خالصة، ويطبق قوانين البلاغة ودساتير علوم العربية، لم استطع ان اقدح

стр. 16

في اي موضع منه، اذ ربما يجعل الباري هذا المؤلَّف كفارة لذنوبه ويبعث رجالاً يستطيعون فهم هذا التفسير حق الفهم. ولولا موانع الحرب العالمية، فقد كانت النيّة تتجه الى ان يكون هذا الجزء وقفاً على توضيح الاعجاز النظمي من وجوه اعجاز القرآن، وان تكون الاجزاء الباقية كل واحد منها وقفاً على سائر اوجه الاعجاز. ولو ضمت الاجزاء الباقية حقائقَ التفسير المتفرقة في الرسائل لأصبح تفسيراً بديعاً جامعاً للقرآن المعجز البيان. ولعل الله يبعث هيئة سعيدة من المنورين تجعل من هذا الجزء ومن الكلمات والمكتوبات الست والستين، بل المائة والثلاثين من اجزاء رسائل النور مصدراً، وتكتب في ضوئه تفسيراً من هذا القبيل. (*) سعيد النورسي (*) ان هذا التفسير القيم بين دفتيه نكاتٍ ١ بلاغية دقيقة، قد لايفهمها كثير من القراء، ولايعيرون لها اهتمامهم، ولاسيما ما جاء ضمن الآيتين اللتين تصفان حال الكفار والآيات الأثنتى عشرة الخاصة بالمنافقين. ان ذكر نكات دقيقة في تلك الآيات والاقتصار على بيان دقائق دلالات الفاظها وبدائع اشاراتها باهتمام بالغ، من دون تفصيل لماهية الكفر، مع تطرق يسير الى الشبهات التي يلتزمها المنافقون - خلافاً لما جرى في سائر الآيات من تحقيق وتفصيل - اقول ان سبب ذلك كله نلخصه في نكات ثلاث: النكتة الاولى: لقد احسّ سعيد القديم - بفيض من القرآن الكريم - انه سيظهر في هذا الزمان المتأخركفار لا يهتدون بكتاب ومنافقون من الاديان السابقة، كما ظهروا في بداية الاسلام، فاكتفى ببيان النكات الدقيقة لتلك الآيات من دون ان يخوض في حقيقة

стр. 17

مسلكهم وبيان نقاط ارتكازهم، بل تركها مجملة دون تفصيل، لئلا يعكّر صفو اذهان القراء الكرام. ومن المعلوم ان نهج رسائل النور هو: عدم ترك أثرٍ سئٍ مهما كان في ذهن القارئ، اذ تجيب اجوبة قاطعة على الشبهات التي يثيرها اعداء الاسلام من دون ان تذكر الشبهة نفسها - بخلاف سائر العلماء - فتسد بهذا دخول اية شبهة كانت في ذهن القارئ. فانتهج سعيد القديم في تفسيره هذا مسلك رسائل النور، فأولى اهتمامه بالجانب البلاغي لتلك الآيات وبيان الفاظها واشاراتها لئلا يكدّر الاذهان ويعكر صفوها. النكتة الثانية: لما كانت قراءة كل حرف من القرآن الكريم فيها عشر حسنات أو مائة حسنة أو ألفاً من ثمرات الآخرة أو الوفاً منها، فلا يعدّ اذن ايضاح سعيد القديم لنكات دقيقة تخص كلمات القرآن الكريم اسرافاً في الكلام، اذ رغم دقة الاهداب وصغر بؤبؤ العين فإن لهما اهمية عظمى. فلقد احسّ سعيد القديم في النكات البلاغية مثل هذه الاهمية، لذا لم تثنه شراسة المعارك وهول الحرب في الجبهة الامامية عن املاء ادق النكات القرآنية على تلاميذه. النكتة الثالثة: ان الترجمة التركية لهذا التفسير لم توف بلاغته الفائقة حق الوفاء، بل جاءت مختصرة في مواضع عدة. وسنلحق بها - باذن الله - التفسير العربي رفعاً لهذا النقص ما لم يكن من مانع. فيرجى بذل المستطاع ليكون طبعه مطابقاً للاصل محافظاً على توافقاته الرائعة التي لم تمسها ارادة انسان، وذلك لئلا تضيع علامات قبوله. سعيد النورسي

стр. 18

افادة المرام اقول: لما كان القرآنُ جامعاً لأشتات العلوم وخطبةً لعامة الطبقات في كل الاعصار، لا يتحصّل له تفسير لائق من فهم الفرد الذي قلما يخلُص من التعصب لمسلكه ومشربه؛ اذ فهمُه يخصُّه ليس له دعوة الغير اليه إلاّ ان يُعدّيه ١ قبول الجمهور. واستنباطُه - لا بالتشهي - له العمل لنفسه فقط، ولا يكون حجةً على الغير إلاّ ان يصدّقه نوعُ اجماع. فكما لابد لتنظيم الاحكام واطرادها ورفع الفوضى - الناشئة من حرية الفكر مع اهمال الاجماع - من وجود هيئة عالية من العلماء المحققين الذين - بمظهريتهم لأمنية العموم واعتماد الجمهور - يتقلدون كفالة ضمنية للامة، فيصيرون مظهر سرَّ حجِّيةِ الاجماع الذي لاتصير نتيجةُ الاجتهاد شرعاً ودستوراً الاّ بتصديقه وسكّته ٢؛ كذلك لابد لكشف معاني القرآن وجمع المحاسن المتفرقة في التفاسير وتثبيت حقائقه - المتجلية بكشف الفن ٣ وتمخيض الزمان - من انتهاض هيئة عالية من العلماء المتخصصين، المختلفين في وجوه الاختصاص، ولهم مع دقةِ نظر وُسْعةُ ٤ فكرٍ لتفسيره. نتيجة المرام: انه لابد ان يكون مفسر القرآن ذا دهاء عال واجتهاد نافذ وولاية كاملة. وماهو الآن إلاّ الشخص المعنوي المتولد من امتزاج الارواح وتساندها وتلاحق الافكار وتعاونها وتظافر القلوب واخلاصها وصميميتها، من بين تلك الهيئة. فبسر للكل حكمٌ ليس لكلٍ كثيراً مايُرى آثارُ الاجتهاد وخاصةُ الولاية، ونورُه وضياؤها ٥، من جماعة خَلَتْ منها افرادُها.

стр. 19

ثم اني بينما كنت منتظراً ومتوجهاً لهذا المقصد بتظاهر هيئة كذلك - وقد كان هذا غاية خيالي من زمان مديد - اذ سنح لقلبي من قبيل الحس قبل الوقوع تقرّب زلزلة عظيمة ١، فشرعتُ - مع عجزي وقصوري والاغلاق في كلامي - في تقييد ما سنح لي من اشارات اعجاز القرآن في نظمه وبيان بعض حقائقه، ولم يتيسر لي مراجعة التفاسير. فان وافقها فبِها ونِعْمَتْ والاّ فالعُهدة عليّ. فوقعتْ هذه الطامة الكبرى.. ففي اثناء اداء فريضة الجهاد كلما انتهزتُ فرصة في خط الحرب قيدتُ مالاح لي في الاودية والجبال بعبارات متفاوتة باختلاف الحالات. فمع احتياجها الى التصحيح والاصلاح لايرضى قلبي بتغييرها وتبديلها؛ اذ ظهرتْ في حالة من خلوص النية لا توجد الآن، فاعرضها لأنظار اهل الكمال لا لأنه تفسير للتنزيل، بل ليصير - لو ظفر بالقبول - نوعَ مأخذٍ ٢ لبعض وجوه التفسير. وقد ساقني شوقي الى ماهو فوق طوقي، فان استحسنوه شجعوني على الدوام. ومن الله التوفيق. سعيد النورسي

стр. 20

لمعة من تعريف القرآن فان قلت: القرآن ما هو؟ قيل لك: هو الترجمةُ الازلية لهذه الكائنات، والترجمانُ الابدي لألسنتها التاليات للآيات التكوينية، ومفسّرُ كتاب العالَم.. وكذا هو كشافٌ لمخفيات كنوز الاسماء المستترة في صحائف السموات والارض.. وكذا هو مفتاحٌ لحقائق الشؤون المضْمَرة في سطور الحادثات.. وكذا هو لسان الغيب في عالم الشهادة..وكذا هو خزينةٌ للمخاطبات الازلية السبحانية والالتفاتات الابدية الرحمانية.. وكذا هو أساسٌ وهندسةٌ وشمسٌ لهذا العالم المعنوي الاسلامي.. وكذا هو خريطةٌ للعالم الأُخروي.. وكذا هو القولُ الشارح والتفسيرُ الواضح والبرهان القاطع والترجمان الساطع لذات الله وصفاته واسمائه وشؤونه.. وكذا هو مربٍّ للعالم الانساني، وكالماء وكالضياء للانسانية الكبرى التي هي الاسلامية.. وكذا هو الحكمة الحقيقية لنوع البشر، وهو المرشد المهدي الى ما خُلِقَ البشرُ له.. وكذا هو للانسان: كما انه كتابُ شريعةٍ كذلك هو كتاب حكمةٍ، وكما انه كتابُ دعاء وعبودية كذلك هو كتابُ امرٍ ودعوة، وكما انه كتابُ ذكرٍ كذلك هو كتابُ فِكر، وكما انه كتابٌ واحد لكن فيه كتبٌ كثيرةٌ في مقابلة جميع حاجات الانسان المعنوية، كذلك هو كمنزل مقدسٍ مشحون بالكتب والرسائل. حتى انه قد أبرز لمشْرَب كلِّ واحدٍ من اهل المشارب المختلفة، ولمسلك كلِّ واحدٍ من اهل المسالك المتباينة من الاولياء والصديقين ومن العرفاء والمحققين رسالةً لائقةً لمذاق ذلك المشرب وتنويره، ولمساق ذلك المسلك وتصويره حتى كأنه مجموعة الرسائل. سعيد النورسي

стр. 21

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (اَلرَّحْمنُ * عَلَّمَ اَلْقُرْآنَ * خَلَقَ الاِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ) فنحمده مصلين على نبيه محمد الذي ارسله رحمة للعالمين وجعل معجزته الكبرى الجامعة برموزها واشاراتها لحقائق الكائنات باقية على مر الدهور الى يوم الدين وعلى آله عامة واصحابه كافة. أما بعد؛ فاعلم! اولاً: ان مقصدنا من هذه الاشارات تفسير جملة من رموز نظْمِ القرآن؛ لأن الاعجاز يتجلى من نظمه. وما الاعجاز الزاهر الاّ نقشُ النظم. وثانياً: ان المقاصد الاساسية من القرآن وعناصره الاصلية اربعة: التوحيد والنبوة والحشر والعدالة؛ لانه: لما كان بنو آدم كركبٍ وقافلةٍ متسلسلةٍ راحلةٍ من أودية الماضي وبلاده، سافرةٍ في صحراء الوجود والحياة، ذاهبةٍ الى شواهق الاستقبال، متوجهةٍ الى جنّاته، فتهتز بهم المناسبات وتتوجه اليهم الكائنات. كأنه اَرسلَتْ حكومةُ الخِلقة فَنَّ الحكمةِ مستنطقا وسائلاً منهم بـ "يا بني آدم! مِن أين؟ الى أين؟ ماتصنعون؟ مَنْ سلطانكم؟ مَنْ خطيبكم؟ " فبينما المحاورة، اذ قام من بين بني آدم - كأمثاله الأماثل من الرسل اولي العزائم - سيّدُ نوعِ البشر محمّد الهاشمي ﷺ وقال بلسان القرآن: "ايها الحكمة! نحن معاشر الموجودات نجئ بارزين من ظلمات العدم بقدرة سلطان الازل، الى ضياء الوجود.. ونحن معاشر بني آدم بُعِثْنا بصفة المأمورية ممتازين من بين اخواننا الموجودات بحمل الامانة.. ونحن على جناح السفر من طريق الحشر

стр. 22

الى السعادة الابدية، ونشتغل الآن بتدارك تلك السعادة وتنمية الاستعدادات التي هى رأسُ مالِنا.. وانا سيُّدُهم وخطيبهم. فها دونكم منشوري! وهو كلام ذلك السلطان الأزلي تتلألأ عليه سكّةُ الاعجاز. والمجيب عن هذه الاسئلة الجوابَ الصواب ليس الا القرآنُ، ذلك الكتاب.. كان ١ هذه الاربعة عناصره الاساسية. فكما تتراءى هذه المقاصد الاربعة في كله، كذلك قد تتجلى في سورةٍ سورة، بل قد يُلْمَح بها في كلامٍ كلام، بل قد يُرْمَز اليها في كلمةٍ كلمة؛ لان كل جزء فجزء كالمرآة لكلٍ فكلٍ متصاعداً، كما ان الكل يتراءى في جزءٍ فجزءٍ متسلسلا. ولهذه النكتة - اعني اشتراك الجزء مع الكل - يُعرّف القرآنُ المشخَّصُ كالكلي ذي الجزئيات؟. ان قلت: ارني هذه المقاصد الاربعة في "بسم الله" وفي "الحمد لله". قلت: لما اُنزل (بسم الله) لتعليم العباد كان "قُلْ" مقدَّراً فيه. وهو الأُمّ في تقدير الاقوال القرآنية ٢. فعلى هذا يكون في "قل" اشارة الى الرسالة.. وفي (بسم الله) رمز الى الالوهية.. وفي تقديم الباء تلويحٌ الى التوحيد ٣.. وفي (الرحمن) تلميحٌ الى نظام العدالة والاحسان.. وفي (الرحيم) ايماء الى الحشر. وكذلك في (الحمد لله) اشارةٌ الى الالوهية.. وفي لام الاختصاص رمزٌ الى التوحيد.. وفي (رب العالمين) ايماء الى العدالة والنبوة ايضا؛ لان بالرسل تربيةُ نوع البشر.. وفي (مالك يوم الدين) تصريح بالحشر. حتى ان صَدَف (اِنَّا اَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ) ٤ يتضمن هذه الجواهر. هذا مثالا فانسج على منواله.

стр. 23

(بِسْمِ الله) كالشمس يضئ نَفْسَه كغيرِه، فاستغنى. حتى ان باءه متعلقة بالفعل المفهوم من معناها - اي: استعين به، او المفهوم عرفاً، أي: أتَيمّن به، أو بما يستلزمه "قل" المقدَّر من "أقرأ" - المؤخّر للاخلاص والتوحيد ١. اما "الاسم" فاعلم! ان لله اسماء ذاتية، واسماء فعلية متنوعة كالغفار والرزاق والمحيي والمميت وأمثالها. وتنوّعُها وتكثُّرها بسبب تعدد نسبة القدرة الازلية الى انواع الكائنات ٢. فكأن (بسم الله) استنزالٌ لتأثير وتعلق القدرة ليكون ذلك التعلقُ روحاً مُمدّاً لكسب العبد. (الله) لفظة الجلال نسخةٌ جامعة لجميع الصفات الكمالية لدلالتها التزاماً عليه؛ بسر استلزام ذاته تعالى لصفاته بخلاف سائر الأَعلام، لعدم الاستلزام. (الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) وجه النظم: ان لفظ الجلال كما يتجلى منه الجلال بسلسلته، كذلك يتراءى الجمال بسلسلته من (الرحمن الرحيم) . اذ الجلال والجمال اصلان تسلسل منهما - بتجليهما في كل عالم - فروعٌ: كالامر والنهي، والثواب والعذاب، والترغيب والترهيب، والتسبيح والتحميد، والخوف والرجاء الى آخره. . وايضا كما ان لفظ الجلال اشارة الى الصفات العينية والتنزيهية؛ كذلك "الرحيم" ايماء الى الصفات الغيرية الفعلية؛ و"الرحمن" رمز الى الصفات السبع التي هي لا عينٌ ولاغيرٌ؛ اذ "الرحمن" بمعنى الرزاق، وهو عبارة عن اعطاء البقاء. والبقاءُ تكررُ الوجود. والوجود يستلزم صفة مُمَيِّزة وصفة مُخَصِّصَة وصفة مُؤَثِّرَة، وهي العلم والارادة والقدرة. والبقاء الذي هو ثمرة اعطاء الرزق يقتضي عُرفاً ثبوت البصر والسمع والكلام؛ اذ لابد للرزاق من البصر ليرى حاجة المرزوق إن لم يَطلب، ومن السمع ليستمع كلامه إن طلب، ومن الكلام ليتكلم مع الواسطة إن كانت. وهذه الست تستلزم السابعة التي هي الحياة.

стр. 24

ان قلت: تذييل "الرحمن" الدال على النِعَمِ العظيمة بـ "الرحيم" الدال على النعم الدقيقة يكون صنعة التدلّي. والبلاغة في صنعة الترقِّي من الادنى الى الاعلى؟ قلت: تذييلٌ للتتميم كالاهداب للعين واللجام للفرس.. وايضا لما توقفت العظيمةُ على الدقيقة، كانت الدقيقة ارقى كالمفتاح للقفل واللسان للروح.. وايضا لما كان هذا المقام مقام التنبيه على مواقع النِعَمِ كان الأخفى أجدر بالتنبيه، فيكون صنعةُ التدلِّي في مقام الامتنانِ والتعدادِ صنعةَ الترقِّي في مقام التنبيه. ان قلت: "الرحمن" و"الرحيم" كامثالهما بمبادئها محالٌ في حقه تعالى كرقَّةِ القلب. وان اُريد منها النهايات ١ فما حكمة المجاز؟ قلت: هي حكمة المتشابهات ٢؛ وهي التنزلات الالهية الى عقول البشر؛ لتأنيس الاذهان وتفهيمها، كمن تكلم مع صبيّ بما يألفه ويأنس به. فان الجمهور من الناس يجتنون معلوماتهم عن محسوساتهم ولا ينظرون الى الحقائق المحضة الا في مرآة متخيلاتهم ومن جانب مألوفاتهم.. وايضا المقصود من الكلام: افادةُ المعنى، وهي لاتتم الا بالتأثير في القلب والحس، وهو لايحصل الا بإلباس الحقيقة اسلوبَ مألوف المخاطب وبه يستعد القلب للقبول. (الحَمْدُ) وجه النظم مع ما قبله: ان "الرحمن" و"الرحيم" لما دلّتا على النِعَم استوجبتا تعقيب الحمد. ثم ان (الحمد لله) قد كُرِّرَت في أربع سُوَرٍ من القرآن ٣، كل واحدة منها ناظرة الى نعمة من النعم الاساسية التي هي: النشأة الاولى، والبقاء فيها؛ والنشأة الاُخرى، والبقاء بعدها. ٤

стр. 25

ثم وجه نظمه في هذا المقام، أي جعله فاتحةَ فاتحةِ القرآن هو: انه كتصوّر العلة الغائية ١ المقَدَّم في الذهن؛ لان الحمدَ صورةٌ اجمالية للعبادة التي هي نتيجةٌ للخِلقة، والمعرفةِ التي هي حكمةٌ وغايةٌ للكائنات. فكأن ذكره تصورٌ للعلة الغائية.. وقد قال (وماخلقتُ الجنَّ والإِنس الاّ ليعبدون) ثم ان المشهور من معاني الحمد اظهار الصفات الكمالية. وتحقيقه: ان الله سبحانه خلق الانسان وجعله نسخة جامعة للكائنات، وفهرستة ٣ لكتاب العالَم المشتمل على ثمانية عشر الف عالَم، وأودع في جوهره انموذجاً من كل عالَم تجلى فيه اسمٌ من اسمائه تعالى. فاذا صرفَ الانسانُ كل مااُنعِمَ عليه الى ماخُلِقَ لأجله ايفاءً للشكر العرفي - الداخل تحت الحمد - وامتثالاً للشريعة التي هي جلاء لصدأ الطبيعة، يصيرُ كلُّ انموذجٍ مشكاةً لعالَمِهِ ومرآةً له وللصفة المتجلية فيه والاسم المتظاهر منه. فيكون الانسان بروحه وجسمه خلاصةَ عالمَيْ الغيب والشهادة، ويتجلى فيه ما تجلى فيهما. فبالحمد يصير الانسان مظهراً للصفات الكمالية الالهية. يدل على هذا قول محي الدين العربي ٤ في بيان حديث (كُنْتُ كَنْزَاً مَخْفِيًّا فَخَلًقْتُ الْخَلْقَ لِيَعْرِفُوني) ٥ أي: فخلقت الخلق ليكون مرآةً أشاهِدُ فيها جمالي.

стр. 26

(لله) أي الحمد مختص ومستحق للذات ١ الاقدس المشخص الذي يُلاحَظ بمفهوم "الواجب الوجود" ٢ اذ قد يلاحظ المشخص بأمر عام. وهذه اللام متعلقة بمعنى نفسها، كأنها تشربت معنى متعلقها ٣. وفي اللام اشارة الى الاخلاص والتوحيد. (رَبِّ) أي الذي يربّي العالم بجميع اجزائه، التي كلٌ منها كالعالم عالَم؛ وذرَّاتهُ كنجومه متفرِّقةٌ متحرِّكة بالانتظام. واعلم! ان الله عيّن لكل شئ نقطةَ كمالٍ وأودع فيه ميلاً اليها، كأنه أمَرَه أمراً معنويا ان يتحرك به اليها، وفي سفره يحتاج الى ما يُمدُّه ودفع ما يَعوقهُ، وذلك بتربيته . لو تأملت في الكائنات لرأيتها كبني آدم طوائف وقبائل يشتغل كلٌ منفرداً ومجتمعاً بوظيفته التي عيَّنَها له صانِعُه ساعياً مُجدّاً مطيعا لقانون خالقه. فما اعجب الانسان كيف يشذّ! (الْعَالَمِينَ) الياء والنون إما: علامة للاعراب فقط كـ "عشرين وثلاثين".. أو للجمعية؛ لأن اجزاء العالم عَوالم.. أو العالمُ ليس منحصراً في المنظومة الشمسية. قال الشاعر: الَحَمْدُ لله كَمْ لله مِنْ فَلَكٍ تَجرِي النّجُومُ بِهِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وآثرَ جمعَ العقلاء مثل (رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ) ٤ اشارةً الى ان نظرَ البلاغة يصوّر كل جزء من أجزاء العالم بصورةِ حيّ عاقلٍ متكلِّم بلسان الحال. اذ العالَم اسمُ مايُعلَمُ به الصانعُ ويشهدُ عليه ويشير اليه. فالتربية والإعلامُ يُومِيان - كالسجود - الى انها كالعقلاء. (الْرَّحْمن الْرَّحِيمِ) وجه النظم: انهما اشارتان الى أساسَيْ التربية؛ اذ "الرحمن" لكونه بمعنى الرزاق يلائم جلب المنافع؛ و"الرحيم" لكونه بمعنى الغفار يناسب دفع المضار وهما الاساسان للتربية.

стр. 27

(مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) اي يوم الحشر والجزاء. وجه النظم: انه كالنتيجة لسابقه؛ اذ الرحمة من أدلة القيامة والسعادة الابدية؛ لان الرحمة انما تكون رحمةً، والنعمة نعمةً إذا جاءت القيامة وحصلت السعادة الابدية. وإلاّ فالعقلُ الذي هو من اعظم النِعَم يكون مصيبةً على الانسان، والمحبة والشفقة اللتان هما من ألطف انواع الرحمة تتحولان ألماً شديداً بملاحظة الفراق الابدي. إن قلت: ان الله تعالى مالكٌ لكل شئ دائما فما وجه الاختصاص؟ ١ قلت: للاشارة الى ان الاسباب الظاهرية التي وضَعَها الله تعالى في عالم الكون والفساد لإظهار عظمته - أي لئلا يُرى في ظاهر نظر العقل مباشرةُ يد القدرة بالامور الخسيسة في جهة مُلْك الأشياء - ترتفع في ذلك اليوم وتتجلّى ملكوتيةُ كل شئ صافيةً شفّافةً، بحيث يَرى ويَعرف كلُ شئ سيِّدَه وصانِعَه بلا واسطة. وفي التعبير بلفظ "اليوم" إشارة الى امارة حدسية من امارات الحشر بناء على التناسب البيّن بين اليوم والسنة، وعمر البشر ودوران الدنيا. كالكائن بين اَمْيال الساعة العادّة للثواني والدقائق والساعات والايام. فكما ان مَن يرى ميلاً أتمَّ دَوْرَه يحدس في نفسه ان من شأن الآخر أيضاً ان يتم دوره وإن كان بمهلة؛ كذلك ان من يرى القيامة النوعية المكررة في أمثال اليوم والسنة يتحدس بتولد ربيع السعادة الأبدية في صبح يوم الحشر للإنسان الذي شخصُه كنوعٍ. والمراد من (الدّين) إمّا الجزاء، أي يوم جزاء الأعمال الخيرية والشرية، أو الحقائق الدينية، أي يوم طلوعها وظهورها وغلبة دائرة الاعتقاد على دائرة الاسباب؛ لأن الله أودع بمشيئته في الكائنات نظاماً يربط الاسباب بالمسببات وألجأ الانسان بطبيعته ووهمه وخياله الى ان يراعي ذلك النظام ويرتبط به. وكذا وجّه كل شئ اليه وتَنَزَّه عن تأثير الاسباب في مُلكه. وكلّف الانسان اعتقاداً وايماناً بان يراعي تلك الدائرة بوجدانه وروحه ويرتبط بها. ففي الدنيا دائرة الاسباب غالبة على دائرة الاعتقاد؛ وفي الأُخرى تتجلى حقائق العقائد غالبة على دائرة الاسباب. واعلم! ان لكلٍ من هاتين الدائرتين مقاماً معيناً وأحكاماً مخصوصة، فلابد ان يُعطى كلٌّ حقّه. فمن نظر في مقام دائرة الاسباب بطبيعته ووهمه وخياله ومقاييس

стр. 28

الاسباب، الى دائرة الاعتقاد اضطر الى الاعتزال. ومن نظر في مقام الاعتقاد ومقاييسه بروحه ووجدانه الى دائرة الاسباب أنتج له توكلا تَنْبَلِياً ١ وتمرداً في مقابلة المشيئة النظامة. (اِيَّاكَ نَعْبُدُ) في "الكاف" نكتتان: احداهما: تضمن الخطاب بسر الالتفات ٢ للاوصاف الكمالية المذكورة، اذ ذكرها شيئاً شيئاً يحرّك الذهن ويُعدّه ويملأُهُ شوقاً ويهزه للتوجه الى الموصوف. فـ"اياك" أي: يامن هو موصوف بهذه الصفات. والاخرى: ان الخطاب يشير الى وجوب ملاحظة المعاني في مذهب البلاغة ليكون المقروء كالمُنْزَل، فينجر طبعاً وذوقاً الى الخطاب. فـ "ايّاك" يتضمن الامتثال بـ (أُعْبُدْ رَبَّكَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ) . ٣ والتكلم مع الغير في (نعبد) لوجوه ثلاثة: أي نعبد نحن معاشر أعضاء وذرّات هذا العالم الصغير - وهو أنا - بالشكر العرفي الذي هو إطاعة كلٍ لما أُمر به.. ونحن معاشر الموحّدين نعبدك باطاعة شريعتك.. ونحن معاشر الكائنات نعبد شريعتك الكبرى الفطرية ٤ ونسجد بالحيرة والمحبة تحت عرش عظمتك وقدرتك. وجه النظم: ان "نعبد" بيان وتفسير لـ "الحمد" ونتيجة ولازم لـ (مالك يوم الدين) . واعلم! ان تقديم "اياك" للاخلاص الذي هو روح العبادة. وان في خطاب الكاف رمزاً الى علة العبادة لان من اتصف بتلك الاوصاف الداعية الى الخطاب استحق العبادة. (وَاِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) هذه كـ (ايَّاك نعبد) باعتبار الجماعات الثلاث:

стр. 29

اي نحن معاشر الاعضاء ومعاشر الموحِّدين ومعاشر الكائنات نطلب منك التوفيق والاعانة على كل الحاجات والمقاصد التي أهمها عبادتك. كرَّرَ "اياك" لتزييد لذة الخطاب والحضور.. ولأن مقام العيان أعلى وأجلّ من مقام البرهان.. ولأن الحضور أدعَى الى الصدق وبأن لايكذب.. ولاستقلال كلٍّ من المقصدين. واعلم! ان نظم "نستعين" مع "نعبد": كنظم الاجرة مع الخدمة، لأن العبادة حق الله على العبد، والاعانة إحسانُه تعالى لعبده. وفي حصر "اياك" إشارة الى ان بهذه النسبة الشريفة التي هي العبادة والخدمة له تعالى يترفَّعُ العبد عن التذلل للاسباب والوسائط، بل تصير الوسائطُ خادمةً له وهو لايعرف الا واحدا، فيتجلى حُكْمُ دائرة الاعتقاد والوجدان كما مر. ومن لم يكن خادما له تعالى بحق يصير خادماً للاسباب ومتذللاً للوسائط. لكن يلزم على العبد وهو في دائرة الاسباب ان لايهمل الاسباب بالمرة لئلا يكون متمردا في مقابلة النظام المودع بحكمته ومشيئته تعالى، لأن التوكل في تلك الدائرة عطالة كما مر. وكنظم المقدِّمة مع المقصود لأن الاعانة والتوفيق مقدمة العبادة. (اِهْدِنَا) وجه النظم: انه جواب العبد عن سؤاله تعالى كأنه يسأل: أيّ مقاصدك أعلَقُ بقلبك؟ فيقول العبد: اهدنا. واعلم! ان "اهدنا" بسبب تعدد مراتب معانيه - بناء على تنوّع مفعوله الى الهادين والمستهدين والمستزيدين وغيرهم - كأنه مشتق من المصادر الاربعة لفعل الهداية. فاهدنا باعتبار معشر "ثبّتنا"، وبالنظر الى جماعة "زدنا"، وبالقياس الى طائفة "وفّقنا" والى فرقة "اَعْطنا".. وأيضا ان الله تعالى بحكم (أعْطَى كُلَّ شَيْء خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى) ١ هدانا بإعطاء الحواس الظاهرة والباطنة، ثم هدانا بنصب الدلائل الآفاقية والأنفسية، ثم هدانا بارسال الرسل وانزال الكتب، ثم هدانا أعظم الهداية بكشف الحجاب عن الحق فظهر الحق حقا والباطل باطلا. اللَّهُمَّ اَرِنَا الْحَقَّ حَقًّا وَارْزُقْنَا اِتِّبَاعَهُ وَاَرِنَا الْبَاطِلَ بَاطِلاً وَارْزُقْنَا اجْتِنَابَهُ.

стр. 30

(الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) اعلم! أن الصراط المستقيم هو العدل الذي هو ملخص الحكمة والعفة والشجاعة اللاتي هي أوساطٌ للمراتب الثلاث للقوى الثلاث. توضيحه: ان الله لما اسكن الروحَ في البدن المتحوِّل المحتاج المعروض للمهالك أودع لإدامتها فيه قوىً ثلاثا. إحداها: القوة الشهوية البهيمية الجاذبة للمنافع. وثانيتها: القوة الغضبية السَبُعية الدافعة للمضرات والمخرِّبات. وثالثتها: القوة العقلية الملكية المميزة بين النفع والضر. لكنه تعالى - بحكمته المقتضية لتَكمُّل البشر بسر المسابقة - لم يحدِّد بالفطرة تلك القوى كما حدد قوى سائر الحيوانات، وإن حدَّدَها بالشريعة؛ لأنها تنهي عن الافراط والتفريط وتأمر بالوسط، يصدع عن هذا (فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ) ١. وبعدم التحديد الفطري يحصل مراتب ثلاث: مرتبة النقصان وهي التفريط، والزيادة وهي الافراط، والوسط وهي العدل. فتفريط القوة العقلية الغباوة والبلادة، وافراطها الجربزة ٢ الخادعة والتدقيق في سفاسف الامور، ووسطها الحكمة. (وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ اُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً) اعلم! انه كما تنوع اصل هذه القوة الى تلك المراتب، كذلك كل فرع من فروعها يتنوع الى هذه الثلاث. مثلا: في مسألة خَلق الافعال: مذهبُ أهل السنة وسطُ الجبر والاعتزال ٤، وفي الاعتقاد: مذهبُ التوحيد وسط التعطيل والتشبيه.. وعلى هذه القياسُ.

стр. 31

وتفريط القوة الشهوية الخمودة وعدم الاشتياق الى شئ، وافراطها الفجور بأن يشتهي ما صادف حَلَّ أو حَرُمَ، ووسطها العفةُ بأن يرغب في الحلال ويهرب عن الحرام. وقس على الاصل كل فرع من فروعاته من الاكل والشرب واللبس وأمثالها. وتفريط القوة الغضبية الجبانة أي الخوف مما لايُخاف منه والتوهم، وافراطها التهوّر الذي هو والدُ الاستبداد والتحكم والظلم، ووسطها الشجاعة أي بذل الروح بعشق وشوق لحماية ناموس ١ الاسلامية واعلاء كلمة التوحيد. وقس عليها فروعها.. فالاطراف الستة ظلمٌ والاوساط الثلاثة هي العدل الذي هو الصراط المستقيم، اي العملُ بـ (فَاسْتَقِمْ كَما اُمِرْتَ) ٢ ومَن مرَّ على هذا الصراط يمر على الصراط الممتد على النار. (صِرَاطَ الَّذِينَ اَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) اعلم! ان نظم درر القرآن ليس بخيط واحد بل النظم - في كثيرٍ - نقوش تحصل من نسج خطوطِ نسبٍ متفاوتة قُرباً وبُعداً، ظهوراً وخفاء. لان أساس الاعجاز بعد الايجاز هذا النقش. مثلا: صراط الذين انعمت عليهم يناسب: (الحمد لله) لان النعمة قرينة الحمد.. و (رب العالمين) لان كمال التربية بترادف النِعَم.. و (الرحمن الرحيم) لان المنعم عليهم - اعني الانبياء والشهداء والصالحين - رحمةٌ للعالمين ومثال ظاهر للرحمة.. و (مالك يوم الدين) لان الدين هو النعمة الكاملة.. و (نعبد) لانهم الائمة ٣.. و (نستعين) لانهم الموفقون.. و (اهدنا) لانهم الاسوة بسر (فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ) ٤..

стр. 32

و (الصراط المستقيم) لظهور انحصار الطريق المستقيم في مسلكهم. هذا مثال لك فقس عليه. . وفي لفظ "الصراط" إشارة الى ان طريقهم مسلوكة محدودة الاطراف مَن سلكها لايخرج عنها. وفي لفظ "الذين" - بناء على انه موصول، ومن شأن الموصول ان يكون معهوداً نَصْبَ العين للسامع - اشارة الى علو شأنهم وتلألؤهم في ظلمات البشر، كأنهم معهودون نصب العين لكل سامع وإن لم يتحرَّ ولم يطلب.. وفي جمعيته رمز الى إمكان الاقتداء بهم وحقانية مسلكهم بسر التواتر اذ (يَدُ الله مَعَ الْجَمَاعَةِ) ١.. وفي صيغة "انعمت" اشارة الى وسيلة طلب النعمة.. وفي نسبتها شافع له كأنه يقول: ياالهي! من شأنك الانعامُ وقد أنعمْتَ بفضلك، فأنْعِمْ عليّ وان لم استحق.. وفي "عليهم" اشارة الى شدة اعباء الرسالة وحمل التكليف، وايماء الى انهم كالجبال العالية تتلقىاعباء الرسالة وحمل التكليف، وايماء الى انهم كالجبال العالية تتلقى شدائد المطر لإفاضة الصحارى. وما أجمل في (الذين انعمت عليهم) يفسره (فَاُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ اَنْعَمَ الله عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِييِّنَ والصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء والصَّالِحِينَ) ٢ اذ القرآن يفسر بعضه بعضا. ان قلت: مسالك الانبياء متفاوتة وعباداتهم مختلفة؟ قيل لك: ان التبعية في اصول العقائد والاحكام؛ لانها مستمرة ثابتة دون الفروعات التي من شأنها التغير بتبدل الزمان. فكما ان الفصول الاربعة ومراتب عمر الانسان تؤثر في تفاوت الادوية والتلبّس، فكم من دواء في وقت يكون داء في آخر؛ كذلك مراتب عمر نوع البشر تؤثر في اختلاف فروعات الاحكام التي هي دواء الارواح وغذاء القلوب.

стр. 33

(غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمَْ) . وجه النظم: اعلم! ان هذا المقام لكونه مقام الخوف والتخلية يناسب المقامات السابقة؛ فينظر بنظر الحيرة والدهشة الى مقام توصيف الربوبية بالجلال والجمال، وبنظر الالتجاء الى مقام العبودية في "نعبد"، وبنظر العجز الى مقام التوكل في "نستعين"، وبنظر التسلي الى رفيقه الدائمي أعني مقام الرجاء والتحلية، اذ اوّل ما يتولد في قلب من يرى أمراً هائلا حِسُّ الحيرة ثم ميلُ الفرار ثم التوكلُ عند العجز ثم التسلي بعد ذلك الامر. ان قلت: ان الله حكيم غني فما الحكمة في خلق الشر والقبح والضلالة في العالم؟ قيل لك: اعلم! ان الكمال والخير والحسن في الكائنات هي المقصودة بالذات وهي الكليات؛ وان الشر والقبح والنقصان جزئيات بالنسبة اليها قليلة تبعية مغمورة في الخلقة، خلقها خالقها منتشرة بين الحسن والكمال، لا لذاتها، بل لتكون مقدمة، وواحداً قياسياً، لظهور - بل لوجود - الحقائق النسبية للخير والكمال. ان قلت: فما قيمة الحقائق النسبية حتى اُستُحسن لأجلها الشرّ الجزئي؟ قيل لك: ان الحقائق النسبية هي الروابط بين الكائنات.. وهي الخطوط المنسوج منها نظامها.. وهي الاشعة المنعكس منها وجود واحد لانواعها. وان الحقائق النسبية أزيدُ بألوفٍ من الحقائق الحقيقية؛ اذ الصفات الحقيقية لذاتٍ لو كانت سبعة كانت الحقائق النسبية سبعمائة. فالشر القليل يُغْتَفَر بل يُسْتَحْسَن لاجل الخير الكثير؛ لان في ترك الخير الكثير - لان فيه شراً قليلاً - شراً كثيراً. وفي نظر الحكمة اذا قابل الشر القليل شراً كثيراً صار الشر القليل حسناً بالغير، كما تقرر في الاصول في الزكاة والجهاد. وما اشتهر من: "ان الاشياء انما تُعْرَف باضدادها" معناه: ان وجود الضد سبب لظهور ووجود الحقائق النسبية للشئ. مثلا: لو لم يوجد القبح ولم يتخلل بين الحسن لما تظاهر وجود الحسن بمراتبه الغير ١ المتناهية.

стр. 34

ان قلت: ما وجه تفاوت هذه الكلمات الثلاث: فعلاً، واسم مفعولٍ، واسمَ فاعلٍ، في: "انعمت" و "المغضوب" و "الضالين"؟ وأيضاً ما وجه التفاوت في ذكر: صفة الفرقة الثالثة، وعاقبة الصفة في الفرقة الثانية، وعنوان صفة الفرقة الاولى باعتبار المآل؟ قيل لك: اختار عنوان النعمة؛ لان النعمة لذةٌ تميل النفس اليها.. وفعلاً ماضيا للاشارة الى ان الكريم المطلق شأنه ان لايسترد مايعطى.. وأيضاً رمز الى وسيلة المطلوب بإظهار عادة المنعم، كأنه يقول: لأن من شأنك الانعام وقد أنعَمْتَ فأنْعِم عليّ. أما (غير المغضوب) فالمراد منه: الذين تجاوزوا بتجاوز القوة الغضبية فظلموا، وفسقوا بترك الاحكام كتمرد اليهود. ولما كان في نفس الفسق والظلم لذة منحوسة وعزة خبيثة لا تتنفر منه النفس ذَكَرَ القرآنُ عاقبته التي تُنَفِّر كلَّ نفسٍ وهي نزول غضبه تعالى.. واختار الاسم الذي من شأنه الاستمرار اشارة الى ان العصيان والشر انما يكون سمة اذا لم ينقطع بالتوبة والعفو. أمّا (ولا الضَّالين) فالمراد منه: الذين ضلوا عن الطريق بسبب غلبة الوهم والهوى على العقل والوجدان ووقعوا في النفاق بالاعتقاد الباطل كسفسطة النصارى. اختار القرآن نفسَ صفتهم لان نفسَ الضلالة أَلَمٌ، ينفر النفس ويجتنب منه الروح وإن لم يرَ النتيجة.. وإسماً لأن الضلالة انما تكون ضلالة اذا لم تنقطع. ١

стр. 35

واعلم! ان كل الالم في الضلالة وكل اللذة في الايمان. فإن شئت تأمل في حال شخص، بينما اخرجَتْه يدُ القدرة من ظلمات العدم وألقَتْهُ في الدنيا - تلك الصحراء الهائلة - اذ يفتح عينيه مستعطفا، فيرى البليات والعلل كالاعداء تتهاجم عليه، فينظر مسترحماً الى العناصر والطبائع فيراها غليظة القلب بلا رحمة قد كشرت عليه الاسنان؛ فيرفع رأسه - مستمداً - الى الاجرام العلوية فيراها مهيبة ومدهشة تهدده كأنها مرامي ١ نارية من أفواه هائلة تمر حواليه؛ فيتحير ويخفض رأسه متستراً ويطالع نفسه؛ فيسمع الوفَ صيحاتِ حاجاته وأنين فاقاته، فيتوحش، فينظر الى وجدانه ملتجأً؛ فيرى فيه الوفاً من آمال متهيجةٍ ممتدةٍ لاتُشبعها الدنيا. فبالله عليك كيف حال هذا الشخص ان لم يعتقد بالمبدأ والمعاد والصانع والحشر؟ أتظن جهنم أشدَّ عليه من حاله وأحرقَ لروحه؟ فإن له حالة تركبت من الخوف والهيبة والعجز والرعشة والقلق والوحشة واليتم واليأس؛ لأنه اذا راجع قدرته يراها عاجزة ضعيفة؛ واذا توجه الى تسكين حاجاته يراها لاتسكت؛ واذا صاح واستغاث لايُسْمَع ولا يُغاث فيظن كل شئ عدواً، ويتخيل كل شئ غريبا فلا يستأنس بشئ؛ ولا ينظر الى دوران الاجرام الاّ بنظر الخوف والدهشة والتوحش المزعجة للوجدان. ثم تأمل في حال ذلك الشخص اذا كان على الصراط المستقيم واستضاء وجدانهُ وروحُه بنور الايمان، كيف ترى انه اذا وضع قدمه في الدنيا وفتح عينيه فرأى تهاجم العاديات الخارجية يرى اذاً "نقطة استناد" يستند اليها في مقابلة تلك العاديات، وهي معرفة الصانع فيستريح. ثم اذا فتش عن استعداداته وآماله الممتدة الى الأبد يرى "نقطة استمداد" يستمد منها آماله وتتشرب منها ماء الحياة وهي معرفة السعادة الابدية. واذ يرفع رأسه وينظر في الكائنات يستأنس بكل شئ وتجتني عيناه من كل زهرة اُنسية وتحبّبا، ويرى في حركات الأجرام حكمةَ خالقها ويتنزّه بسيرها وينظر نظر العبرة والتفكر. كأن الشمس تناديه: أيها الأخ! لاتتوحش مني فمرحبا بقدومك! نحن كلانا خادمان لذاتٍ واحد، مطيعان لأمره. والقمر والنجوم والبحر وأخواتها يناجيه كلٌ منها بلسانه الخاص وترمز اليه: بأهلاً وسهلاً، أما تعرفنا؟ كلنا مشغولون

стр. 36

بخدمة مالكك فلا تضجر ولا تتوحش ولا تخف من تهديد البلايا بنعراتها، فان لجام كلٍ بيد خالقك. فذلك الشخص في الحالة الاولى يحس في أعماق وجدانه ألماً شديداً فيضطر للتخلص منه وتهوينه وابطال حسه بالتسلي، بالتغافل، بالاشتغال بسفاسف الأمور، ليخادع وجدانه وينام روحُه؛ والا احس بألمٍ عميق يحرق أعماق وجدانه. فبنسبة البُعْدِ عن الطريق الحق يتظاهر تأثير ذلك الالم. وأما في الحالة الثانية فهو يحس في قعر روحه لذةً عالية وسعادة عاجلة كلما أيقظ قلبه وحرَّك وجدانه وأحسّ روحه استزاد سعادة واستبشر بفتح أبواب جنات روحانية له. اَللَّهُمَّ بِحُرْمَةِ هذِهِ السُّورَةِ اِجْعَلْنَا مِنْ اَهْلِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ. ***

стр. 37

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ السورة الاولى من الزَّهْرَاوَيْنِ ١ ان قلت: ان في القرآ ن الموجز المعجز أشياء مكررة تكراراً كثيراً في الظاهر كالبسملة و"فبأي آلاء" الخ.. و"ويل يومئذ" الخ.. وقصة موسى وأمثالها، مع ان التكرار يُمِلُّ وينافي البلاغة. قيل لك: "مَا كُلُّ مَا يَتَلأْلأُ يُحْرِقُ" فان التكرار قد يُمِلُّ، لا مطلقاً. بل قد يُستحسن وقد يُسأم. فكمَا أن في غذاء الانسان ماهو قُوت كلما تكرر حلا وكان آنس، وما هو تفكّه ان تكرر مُلَّ وان تجدد اُستُلِذّ، كذلك في الكلام ما هو حقيقة وقوت وقوّة للافكار وغذاء للارواح كلما استعيد اُستحسن واستؤنس بمألوفه كضياء الشمس. وفيه ماهو من قبيل الزينة والتفكه، لذتُه في تجدّد صورتِه وتلوّن لباسه. اذا عرفت هذا فاعلم! انه كما ان القرآن بمجموعه قوتٌ وقوّة للقلوب لايُمَلُّ على التكرار بل يُستحلى على الإكثار منه، كذلك في القرآن ماهو روح لذلك القوت كلما تكرر تلألأ ٢ وفارت اشعة الحق والحقيقة من اطرافه، وفي ذلك البعض ماهو أسّ الأساس والعقدة الحياتية والنور المتجسد بجسدٍ سرمدي كـ (بسْمِ الله الرَّحْمَن الرَّحِيْم) . فيا هذا شاور مذاقك ان كنت ذا مذاق!.. هذا بناء على تسليم التكرار، والاّ فيجوز ان تكون قصة موسى مثلا مذكورة في كل مقامٍ لوجهٍ مناسب من الوجوه المشتملة هي عليها. فان قصة موسى أجدى من تفاريق العصا ٣ أخذَها القرآن بيده البيضاء فضةً فصاغتها ذهباً، فخرت سحرةُ البيان ساجدين لبلاغته.

стр. 38

وكذا في "البسملة" جهات: من الاستعانة والتبرك والموضوعية بل الغايتية والفهرستية للنقط الاساسية في القرآن. وأيضا فيها مقامات: كمقام التوحيد ومقام التنزيه ومقام الثناء ومقام الجلال والجمال ومقام الاحسان وغيرها. وايضا فيها احكام ضمنية: كالاشارة الى التوحيد والنبوة والحشر والعدل اعني المقاصد الاربعة المشهورة، مع ان في اكثر السور يكون المقصود بالذات واحداً منها، والباقي استطراديا. فلِمَ لايجوز ان يكون لجهة او حُكمٍ او مقام منها مناسبة مخصوصة لروح السورة وتكون موضوعاً للمقام بل فهرستة اجمالية باعتبار تلك الجهات والمقامات؟ ***

стр. 39

الم ١ اعلم! ان ههنا مباحث اربعة: المبحث الاول: ان الاعجاز قد تنفّس من اُفق (الم) لأن الاعجاز نور يتجلى من امتزاج لمعات لطائف البلاغة. وفي هذا المبحث لطائف كل منها وإن دقَّ لكن الكل فجرٌ صادق. منها: ان (الم) مع سائر اخواتها في أوائل السور تنصّف كل الحروف الهجائية التي هي عناصر كل الكلمات. فتأمل!. ومنها: ان النصف المأخوذ اكثر استعمالاً من المتروك. ومنها: ان القرآن كرر من المأخوذ ماهو اَيْسَرُ على الألسنة كالألف واللام. ومنها: انه ذكر المقطّعات في رأس تسع وعشرين سورة عدة الحروف الهجائية. ١ ومنها: ان النصف المأخوذ ينصّف كل ازواج أجناس طبائع الحروف من المهموسة والمجهورة والشديدة والرخوة والمستعلية والمنخفضة والمنفتحة وغيرها، واما الاوتار فمن الثقيل القليل كالقلقلة؛ ومن الخفيف الكثير كالذلاّقة. ٢ ومنها: ان النصف المأخوذ من طبائعها ألطفُ سجيةً. ومنها: ان القرآن اختار طريقاً في المقطعات من بين اربعة وخمسمائة احتمال، لا يمكن تنصيف طبائع الحروف الا بتلك الطريق، لان التقسيمات الكثيرة متداخلة ومشتبكة ومتفاوتة. ففي تنصيف كلٍ غرابة عجيبة. فمن لم يجتن نور الاعجاز من مزج تلك اللمعات فلا يلومنّ الاّ ذوقه.

стр. 40

المبحث الثاني: اعلم ان (الم) كقرع العصا يوقظ السامعَ ويهزُّ عِطفه بأنه - بغرابته - طليعةُ غريبٍ وعجيبٍ. وفي هذا المبحث ايضاً لطائف: منها: ان التهجي وتقطيع الحروف في الاسم اشارة الى جنس ما يتولد منه المسمى. ومنها: ان التقطيع اشارة الى ان المسمى واحد اعتباريّ لا مركب مزجي. ومنها: ان التهجي بالتقطيع تلميح الى إراءة مادة الصنعة؛ كإلقاء القلم والقرطاس لمن يعارضك في الكتابة. كأن القرآن يقول: "أيها المعاندون المدّعون! انكم امراء الكلام، هذه المادة التي بين أيديكم هي التي أصنع فيها ما أصنع". ومنها: ان التقطيع المرمز الى الاهمال عن المعنى يشير الى قطع حجتهم بـ "إنّا لانعرف الحقائق والقصص والاحكام حتى نقابلك". فكأن القرآن يقول: "لا أطلب منكم إلاّ نظم البلاغة فجيئوا به مفتريات". ومنها: ان التعبير عن الحروف باسمائها من رسوم أهل القراءة والكتابة ١، ومن يسمعون منه الكلام امّيّ مع محيطه، فنظراً الى السجية - مع ان اول ما يتلقاهم خلاف المنتظر - يرمز إلى: "ان هذا الكلام لايتولد منه بل يُلقى اليه". ومنها: ان التهجي أساس القراءة ومبدؤها ٢ فيومئ الى أن القرآن مؤسس لطريق خاص ومعلم لأمّيين. ومن لم ير نقشاً عالياً من انتساج هذه الخيوط - وإن دقّ البعض - فهو دخيل في صنعة البلاغة فليقلِّد فتاوى أهلها.
следующие страницы →