← Адаб

Адаб · id 7853

نثر الدر في المحاضرات

الآبي

Полный текст (1 737 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

هَذَا الْموضع مَاء، فأحفرني وَاشْترط عليّ أَنه أول شَارِب يَأْتِي السَّبِيل. قَالَ: فحضرته فِي جُمُعَة وَهُوَ يخْطب فَسَمعته يَقُول: أَيهَا النَّاس، إِنَّكُم ميتون، ثمَّ إِنَّكُم مبعوثون، ثمَّ إِنَّكُم محاسبون، فلعمري: لَئِن كُنْتُم صَادِقين لقصرتم، وَلَئِن كُنْتُم كاذبين لقد هلكتم، أَيهَا النَّاس، إِنَّه من يقدر لَهُ رزق بِرَأْس جبل أَو بحضيض أَرض يَأْته، فأجملوا فِي الطّلب. قَالَ: فأقمت عِنْده شهرا مَا بِي إِلَّا اسْتِمَاع كَلَامه. قيل: أُتِي الْوَلِيد بن عبد الْملك بِرَجُل من الْخَوَارِج، فَقَالَ لَهُ: أما تقولت فِي الْحجَّاج؟ قَالَ: مَا عَسَيْت أَن أَقُول فِي الْحجَّاج؟ وَهل الْحجَّاج إِلَّا خَطِيئَة من خطاياك؟ وشررة من نارك؟ فلعنك الله، وَلعن الْحجَّاج مَعَك. وَأَقْبل يشتمهما، فَالْتَفت الْوَلِيد إِلَى عمر بن عبد الْعَزِيز، فَقَالَ: مَا تَقول فِي هَذَا؟ قَالَ عمر: وَمَا أَقُول فِيهِ؟ هَذَا رجل يشتمكم، فإمَّا أَن تشتموه كَمَا شتمكم أَو تَعْفُو عَنهُ. فَغَضب الْوَلِيد وَقَالَ لعمر: مَا أَظُنك إِلَّا خارجياً. فَغَضب عمر وَقَالَ: مَا أَظُنك إِلَّا مَجْنُونا. وَقَامَ وَخرج مغضباً. ولحقه خَالِد بن الريان، فَقَالَ لَهُ: مَا دعَاك إِلَى مَا كلمت بِهِ أَمِير الْمُؤمنِينَ؟ وَالله لقد ضربت بيَدي إِلَى قَائِم سَيفي أنتظره مَتى يَأْمُرنِي بِضَرْب عُنُقك. فَقَالَ لَهُ عمر: وَكنت فَاعِلا لَو أَمرك! قَالَ: نعم. فَلَمَّا اسْتخْلف عمر جَاءَ خَالِد بن الريان، فَقَامَ على رَأسه كَمَا كَانَ يقوم على رَأس من كَانَ قبله من الْخُلَفَاء. قَالَ: وَكَانَ رجل من الْكتاب يضر وينفع بقلمه، فجَاء حَتَّى جلس مَجْلِسه الَّذِي كَانَ يجلس فِيهِ الْخُلَفَاء. قَالَ: فَنظر عمر إِلَى خَالِد بن الريان، وَقَالَ: يَا خَالِد ضع سَيْفك؛ فَإنَّك تطيعنا فِي كل أَمر نأمرك بِهِ، وضع أَنْت يَا هَذَا قلمك، فقد كنت تضر بِهِ وَتَنْفَع. ثمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي قد وضعتهما لَك فَلَا ترفعهما. قَالَ: فوَاللَّه مَا زَالا وضيعين مهينين بشر حَتَّى مَاتَا. وَقَالَ: مَا كلمني رجل من بني أَسد إِلَّا تمنيت لَهُ أَن يمد لَهُ فِي حجَّته، حَتَّى يكثر كَلَامه فأسمعه. وَلذَلِك قَالَ يُونُس: لَيْسَ فِي أَسد إِلَّا خطيب أَو شَاعِر أَو قائف أَو راجز أَو كَاهِن أَو فَارس.

стр. 387

يرْوى أَن عمر بن عبد الْعَزِيز كَانَ يدْخل عَلَيْهِ سَالم مولى بني مَخْزُوم، وَقَالُوا: بل زِيَاد، وَكَانَ عمر أَرَادَ شِرَاءَهُ وعتقه، فَأعْتقهُ موَالِيه، وَكَانَ عمر يُسَمِّيه أخي فِي الله، فَكَانَ إِذا دخل وَعمر فِي صدر بَيته تنحى عَن الْقبْلَة، فَيُقَال لَهُ فِي ذَلِك، فَيَقُول: إِذا دخل عَلَيْك من لَا يهولك فَلَا تَأْخُذ عَلَيْهِ شرف الْمجْلس. وهمّ السراج لَيْلَة أَن يخمد، فَوَثَبَ رَجَاء بن حَيْوَة ليصلحه، فأقسم عَلَيْهِ عمر فَجَلَسَ، ثمَّ قَامَ عمر فأصلحه، فَقَالَ لَهُ رَجَاء بن حَيْوَة: أتقوم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ! قَالَ: قُمْت وَأَنا عمر، وتعللت وَأَنا عمر. وَقَالَ: قيدوا النعم بالشكر، وقيدوا الْعلم بِالْكتاب. وَقَالَ لمؤديه: كَيفَ كَانَت طَاعَتي إياك وَأَنت تؤدبني؟ فَقَالَ: أحسن طَاعَة. قَالَ: فأطعني الْآن كَمَا كنت أطيعك إِذْ ذَاك، خُذ من شاربك حَتَّى تبدو شفتاك وَمن ثَوْبك حَتَّى يَبْدُو عقباك. ويروى أَن عمر خرج يَوْمًا فَقَالَ: الْوَلِيد بِالشَّام، وَالْحجاج بالعراق، وقرة بن شريك بِمصْر، وَعُثْمَان بن حَيَّان بالحجاز، وَمُحَمّد بن يُوسُف بِالْيمن. امْتَلَأت الأَرْض وَالله جوراً. وَقَالَ عبد الْملك ابْنه لَهُ يَوْمًا: يَا أَبَت إِنَّك تنام نوم القائلة، وَذُو الْحَاجة على بابك غير نَائِم. فَقَالَ: يَا بني إِن نَفسِي مطيتي، وَإِن حملت عَلَيْهَا فِي التَّعَب خسرتها. وَذكر عمر زياداً، فَقَالَ: قَاتل الله زياداً. جمع لَهُم كَمَا تجمع الذّرة، وحاطهم كَمَا تحوط الْأُم الْبرة، واصلح الْعرَاق بِأَهْل الْعرَاق، وَترك أهل الشَّام فِي شامهم، وجبى من الْعرَاق مائَة ألف ألف، وَثَمَانِية عشر ألف ألف دِرْهَم.

стр. 388

وخطب النَّاس لما مَاتَ ابْنه عبد الْملك، فَقَالَ: الْحَمد لله الَّذِي جعل الْمَوْت حتما وَاجِبا على عباده، فسوى فِيهِ بَين ضعيفهم وقويهم، ورفيعهم وَدينهمْ، فَقَالَ ﵎: " كل نفس ذائقة الْمَوْت ". فَليعلم ذَوُو النهى مِنْهُم أَنهم صائرون إِلَى قُبُورهم، مقرون بأعمالهم، وَاعْلَمُوا أَن لله مَسْأَلَة فاحصة، قَالَ ﵎: " فوربك لنسئلنهم أَجْمَعِينَ. عَمَّا كَانُوا يعْملُونَ " وَقَالَ: إِذا اسْتَأْثر الله بِشَيْء فاله عَنهُ. وَقَالَ فِي خطْبَة لَهُ: أَيهَا النَّاس، إِنَّمَا الدُّنْيَا أمل مخترم، وَأجل منفض، وبلاغ إِلَى دَار غَيرهَا، وسير إِلَى الْمَوْت لَيْسَ فِيهِ تعريج. فرحم الله امْرَءًا فكر فِي أمره، ونصح نَفسه، وراقب ربه، واستقال ذَنبه. أَيهَا النَّاس، قد علمْتُم أَن أَبَاكُم أخرج من الْجنَّة بذنب وَاحِد، وَأَن ربكُم وعد على التَّوْبَة، فَلْيَكُن أحدكُم من ذَنبه على وَجل، وَمن ربه على أمل. وَقَالَ: لَا يتَزَوَّج من الموَالِي فِي الْعَرَب إِلَّا الأشر البطر، وَلَا يتَزَوَّج من الْعَرَب فِي الموَالِي إِلَّا الطمع الطَّبْع. ألأا وَقَالَ لِابْنِهِ عبد الله: يَا بني، التمس الرّفْعَة بالتواضع، والشرف بِالدّينِ، وَالْعَفو من الله بِالْعَفو عَن النَّاس، وَلَا تحقرن أحدا؛ فَإنَّك لَا تَدْرِي لَعَلَّ بعض من تزدريه عَيْنك أقرب إِلَى الله مِنْك وَسِيلَة، وَلَا تنس نصيبك من الدُّنْيَا، وَلَا تنس نصيب النَّاس مِنْك. وَكتب إِلَيْهِ عدي بن أَرْطَأَة لما حفر نهر عدي بِالْبَصْرَةِ: إِنِّي حفرت لأهل الْبَصْرَة نَهرا، أعذبت بِهِ مشربهم، وجادت عَلَيْهِ أَمْوَالهم، فَلم أر لَهُم على ذَلِك شكرا، فَإِن أَذِنت لي قسمت عَلَيْهِم مَا أنفقته عَلَيْهِ. فَكتب إِلَيْهِ عمر: إِنِّي لَا أَحسب أهل الْبَصْرَة عِنْد حفرك لَهُم هَذَا النَّهر خلوا من رجل قَالَ: الْحَمد لله. وَقد رَضِي الله بهَا شكرا من جنته، فارض بهَا شكرا من نهرك. وخطب بِعَرَفَات فَقَالَ: إِنَّكُم قد أنضيتم الظّهْر وأرملتم؛ وَلَيْسَ السَّابِق الْيَوْم من سبق بعيره وَلَا فرسه، وَلَكِن السَّابِق الْيَوْم من غفر لَهُ.

стр. 389

وخطب فَقَالَ: أَيهَا النَّاس؛ لَا تَسْتَكْثِرُوا شَيْئا من الْخَيْر أتيتموه، وَلَا تستقلوا شَيْئا مِنْهُ أَن تفعلوه، وَلَا تستصغروا الذُّنُوب، والتمسوا تمحيص مَا سلف من ذنوبكم بِالتَّوْبَةِ، وَالْعَمَل الصَّالح فِيمَا غبر من آجالكم، فَإِن الْحَسَنَات يذْهبن السَّيِّئَات. وَقد ذكر الله قوما، فَقَالَ: " وَالَّذين إِذا فعلوا فَاحِشَة أَو ظلمُوا أنفسهم ذكرُوا الله فاستغفروا لذنوبهم وَمن يغْفر الذُّنُوب إِلَّا الله وَلم يصروا على مَا فعلوا وهم يعلمُونَ " وَإِيَّاكُم والإصرار على الذُّنُوب؛ فَإِن الله ذكر قوما بِذُنُوبِهِمْ فَقَالَ: " كلا بل ران على قُلُوبهم مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ. كلا إِنَّهُم عَن رَبهم يَوْمئِذٍ لمحجوبون. ثمَّ إِنَّهُم لصالوا الْجَحِيم. ثمَّ يُقَال هَذَا الَّذِي كُنْتُم بِهِ تكذبون " نَار لَا تطفأ، وَنَفس لَا تَمُوت، فَهِيَ كَمَا وصف الله : " كلما أَرَادوا أَن يخرجُوا مِنْهَا أعيدوا فِيهَا ". و " كلما نَضِجَتْ جُلُودهمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيرهَا ليذوقوا الْعَذَاب " فَهَل لأحد بِهَذَا طَاقَة؟ من اسْتَطَاعَ مِنْكُم أَلا يَحْجُبهُ الله فَلْيفْعَل. وخطب فَقَالَ: أما بعد؛ فَإنَّك نَاشِئ فتْنَة، وقائد ضَلَالَة قد طَال جثومها، واشتدت غمومها، وتلونت مصايد عَدو الله فِيهَا، وَمَا نصب لأهل الْغَفْلَة من الشّرك عَمَّا فِي عواقبها، فَلَنْ يهد عمودها، وَلنْ ينْزع أوتادها إِلَّا الَّذِي بِيَدِهِ ملك الْأَشْيَاء، وَهُوَ الرَّحْمَن الرَّحِيم. أَلا وَإِن لله بقايا من عباده، لم يتحيروا فِي ظلمتها، وَلم يشايعوا أَهلهَا على شبهها، مصابيح النُّور فِي قُلُوبهم تزهر، وألسنتهم بحجج الْكتاب تنطق، ركبُوا نهج السَّبِيل، وَقَامُوا على اللقم الْأَكْبَر الْأَعْظَم. وهم خصماء الشَّيْطَان الرَّجِيم. وبهم يصلح الله الْبِلَاد، وَيدْفَع عَن الْعباد، فطوبى لَهُم وللمستصبحين بنورهم، أسأَل الله أَن يجعلنا مِنْهُم. وخطب فَقَالَ: مَا أنعم الله على عبد نعْمَة، فانتزعها مِنْهُ فغاضه من ذَلِك الصَّبْر، إِلَّا كَانَ مَا عاضه الله من ذَلِك أفضل مِمَّا انتزعه مِنْهُ، ثمَّ قَرَأَ: " إِنَّمَا يُوفى الصَّابِرُونَ أجرهم بِغَيْر حِسَاب ". وَمر بِرَجُل يسبح بالحصى، فَقَالَ لَهُ: ألق الْحَصَى، وأخلص الدُّعَاء.

стр. 390

وَكتب إِلَى الْجراح بن عبد الله الْحكمِي: إِن اسْتَطَعْت أَن تدع مِمَّا أحل الله لَك مَا يكون حاجزاً بَيْنك وَبَين مَا حرم الله عَلَيْك فافعل، فَإِنَّهُ من استوعب الْحَلَال كُله تاقت نَفسه إِلَى الْحَرَام. وَسمع وَقع الصَّوَاعِق، ودوي الرّيح، وَصَوت الْمَطَر، وَرَأى فزع النَّاس، فَقَالَ: هَذِه رَحمته، فَكيف نقمته؟ . وَقَالَ لَهُ خَالِد بن عبد الله الْقَسرِي: من كَانَت الْخلَافَة زينته فقد زينتها. وَمن كَانَت شرفته فقد شرفتها، فَأَنت كَمَا قَالَ الشَّاعِر: وَإِذا الدّرّ زَان حسن وُجُوه ... كَانَ للدر حسن وَجهك زينا فَقَالَ عمر: إِن صَاحبكُم أعْطى مقولاً وَحرم معقولاً. وَقَالَ: مَا قرن شَيْء إِلَى شَيْء أفضل من حلم إِلَى علم، وَمن عَفْو إِلَى قدرَة، وَقَالَ رهم مولى عمر بن عبد الْعَزِيز: ولاني عمر ثمَّ قَالَ: يَا رهم إِذا دعتك نَفسك إِلَى ظلم من هُوَ دُونك فاذكر قدرَة الله عَلَيْك، وانتقامه مِنْك، وفناء مَا يكون مِنْك إِلَيْهِ عَنهُ، وَبَقَاء مَا يكون مِنْك إِلَيْهِ عَلَيْك. أَتَى عمر منزله فَقَالَ: هَل من طَعَام؟ فَأصَاب تَمرا وَشرب مَاء، فَقَالَ: من أدخلهُ بَطْنه النَّار؛ فَأَبْعَده الله. وَقَالَ: أحسن الظَّن بأخيك حَتَّى يَغْلِبك. وَقَالَ: الْقُلُوب أوعية السرائر، والشفاه أقفالها، والألسن مفاتيحها، فَلْيحْفَظ كل امْرِئ مِنْكُم مِفْتَاح سره. وَقَالَ لِابْنِهِ: بت على بَيَان من أَمرك، وَليكن لَك مطوي من سرك. وَدخل عَلَيْهِ مسلمة بن عبد الْملك فِي مَرضه الَّذِي توفّي فِيهِ فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، أفقرت أَفْوَاه ولدك من هَذَا المَال، وتركتهم عَالَة لَا أحد لَهُم وَلَا مَال لَهُم، فَلَو أَنَّك أوصيت بهم إليّ أَو إِلَى أشباهي من قَوْمك مِمَّن يَكْفِيك مئونتهم. فَقَالَ: أقعدوني، ثمَّ قَالَ: يَا مُسلم؛ أما مَا ذكرت من إيصائي بولدي إِلَيْك أَو إِلَى أشباهك من قومِي ليكفوني مئونتهم، فَإِن وصيي فيهم ووليي الله

стр. 391

الَّذِي نزل الْكتاب وَهُوَ يتَوَلَّى الصَّالِحين، وَأما مَا ذكرت من إفقاري إيَّاهُم من هَذَا المَال فوَاللَّه مَا ظلمتهم حَقًا هُوَ لَهُم، وَمَا كنت لأعطيهم حق غَيرهم. وَمَا ولد عمر إِلَّا أحد رجلَيْنِ: رجل اتَّقى الله فسيرزقه، وَرجل غدر أَو فجر، فَلَنْ يكون عمر أول من قواه بِالْمَالِ على الْمعْصِيَة. ثمَّ قَالَ: عليّ بهم. فأدخلوا عَلَيْهِ وهم يَوْمئِذٍ اثْنَا عشر، فَلَمَّا نظر إِلَيْهِم اغرورقت عَيناهُ بالدموع وَقَالَ: بنفسي فتية تَركتهم، وَلَا أحد لَهُم. بلَى يَا بني، إِنِّي قد تركتكم بِخَير من الله، لَا تمرون بِمُسلم وَلَا معاهد إِلَّا وَلكم عَلَيْهِ حق. يَا بني، إِنِّي ميلت بَين رأيين: بَين أَن تفتقروا، أَو يدْخل أبوكم النَّار، فَرَأَيْت أَن تفتقروا إِلَى آخر يَوْم من الْأَبَد أحب إِلَى أبيكم من أَن يدْخل النَّار. وَكتب إِلَى الْجراح بن عبد الله الْحكمِي، وَهُوَ على خُرَاسَان: أما بعد؛ فَإِن اسْتَطَعْت أَن تدع مِمَّا أحل الله لَك مَا يكون حاجزاً بَيْنك وَبَين مَا حرم الله فافعل؛ فَإِن من استوعب الْحَلَال كُله تاقت نَفسه إِلَى الْحَرَام. وَكتب إِلَى ابْن حزم: أما بعد؛ فَإِن الطالبين الَّذين نجحوا، والتجار الَّذين ربحوا، الَّذين اشْتَروا الْبَاقِي الَّذِي يَدُوم بالفاني المذموم، فاغتبطوا ببيعهم، وحمدوا عَاقِبَة أَمرهم، فَالله الله، وبدنك صَحِيح، وَأَنت مريح، قبل أَن تَنْقَضِي أيامك، وَينزل بك حمامك، فَإِن الْيَسِير الَّذِي أَنْت فِيهِ يقلص ظله، ويفارقه أَهله، فالسعيد الْمُوفق من أكل فِي عاجلته قصدا، وَقدم ليَوْم فقره غَدا، وَخرج مَحْمُودًا من الدُّنْيَا قد انْقَطع عَنهُ علاج أمورها، وَصَارَ إِلَى نعيم الْجنَّة. وَكتب إِلَى بعض عماله: أما بعد؛ فلتخفّ يدك عَن دِمَاء الْمُسلمين، وبطنك عَن أَمْوَالهم، وَلِسَانك عَن أعراضهم، فَإِذا فعلت ذَلِك فَلَا سَبِيل عَلَيْك " إِنَّمَا السَّبِيل على الَّذين يظْلمُونَ النَّاس ويبغون فِي الأَرْض بِغَيْر الْحق أُولَئِكَ لَهُم عَذَاب أَلِيم ". وَكَانَ من دُعَائِهِ: اللَّهُمَّ أَعْطِنِي من الدُّنْيَا مَا تكفني بِهِ عَن شهواتها، وتعصمني بِهِ من فتنتها، وتغنيني بِهِ عَن جَمِيع أَهلهَا.

стр. 392

الْبَاب السَّادِس: مزح الْأَشْرَاف والأفاضل وَالْعُلَمَاء قَالُوا: كَانَ رَسُول الله ﷺ يمزح وَلَا يَقُول إِلَّا حَقًا. وَفِي حَدِيثه ﵊ أَن ابْنا لأم سليم يُقَال لَهُ عُمَيْر، وَكَانَ لَهُ نفر وَهُوَ طَائِر صَغِير أَحْمَر المنقار، فَقَالُوا: يَا رَسُول الله، مَاتَ نفر. فَجعل ﵇ يَقُول: " يَا أَبَا عُمَيْر. مَا فعل النفير؟ ". وَذكر أَنه كَانَ يمازح بِلَالًا، فَرَآهُ يَوْمًا وَقد خرج بَطْنه فَقَالَ: أم حبين. وَمِمَّا يحفظ من مزحه ﵇ أَنه كَانَ يَقُول لأحد ابْني ابْنَته، وَقد وضع رجلَيْهِ على رجلَيْهِ وَأخذ بيدَيْهِ: " ترقّ عبن بقة. وَهَذَا شَيْء كَانَ النِّسَاء يقلنه فِي ترقيص الصّبيان: حزقةً حزقه ... ترق، عين بقه ترق: أَي ارق من رقيت الدرجَة، والحزقة الَّذِي يُقَارب خطوه، وَشبهه فِي صغره بِعَين البقة. وَقَالَ ﵇ لعجوز: إِن الْجنَّة لَا يدخلهَا عَجُوز يُرِيد: أَنَّهُنَّ يعدن شواب، ثمَّ يدخلن الْجنَّة. واستدبر ﵇ رجلا من وَرَائه وَأخذ بِعَيْنيهِ، وَقَالَ: من يَشْتَرِي مني العَبْد؟ يُرِيد أَنه كَانَ حرا فَهُوَ عبد الله. وَقَالَ لامْرَأَة: " زَوجك الَّذِي فِي عينه بَيَاض " فَقَالَت: لَا. أَرَادَ الْبيَاض الَّذِي حول الحدقة، وظنت الْمَرْأَة أَنه أَرَادَ الْبيَاض الَّذِي يغشى الحدقة فَيذْهب

стр. 393

الْبَصَر. وَخرج إِلَى طَعَام دعِي لَهُ فَإِذا حُسَيْن يلْعَب مَعَ صبوة فِي السِّكَّة، فاستنتل رَسُول الله ﷺ أَمَام الْقَوْم فَبسط يَدَيْهِ، فَطَفِقَ الْغُلَام يفر، هَاهُنَا وَهَاهُنَا، وَرَسُول الله ﷺ يضاحكه حَتَّى أَخذه فَجعل إِحْدَى يَدَيْهِ تَحت ذقنه، وَالْأُخْرَى فِي فأس رَأسه، ثمَّ أقنعه فَقبله. استنتل: يُرِيد: تقدم أَمَام الْقَوْم، وأقنعه: رَفعه. وَقَالَت عَائِشَة: كنت أَلعَب مَعَ الْجَوَارِي بالبنات فَإِذا رأين رَسُول الله ﷺ انقمعن. قَالَت: فيسربهن إليّ. وَقَالَت: قدم وَفد الْحَبَشَة فَجعلُوا يزفنون ويلعبون، وَالنَّبِيّ ﷺ قَائِم ينظر إِلَيْهِم، فَقُمْت، وَأَنا مستترة خَلفه حَتَّى أعييت، ثمَّ قعدت ثمَّ قُمْت، فَنَظَرت حَتَّى أعييت، ثمَّ قعدت وَرَسُول الله ﷺ قَائِم ينظر. فاقدروا قدر الْجَارِيَة الحديثة السن المشتهية للنَّظَر. وَرُوِيَ أَنه ﵇ مر على أَصْحَاب الدركلة فَقَالَ: خُذُوا يَا بني أرفدة حَتَّى يعلم الْيَهُود وَالنَّصَارَى أَن فِي ديننَا فسحة، قَالَ: فَبَيْنَمَا هم كَذَلِك إِذْ جَاءَك عمر، فَلَمَّا رَأَوْهُ ابذعرّوا. وَرُوِيَ أَنه ﵇ سَابق عَائِشَة فِي سفر فسبقته، وَفِي سفر آخر فسبقها. وَقَالَ ﷺ : " هَذِه بِتِلْكَ ". وَرُوِيَ: أَنه لما قتل النَّضر بن الْحَارِث بن كلدة، وأتته ابْنَته فَأَنْشَدته الأبيات الْمَعْرُوفَة، ترثي أَبَاهَا. قَالَ ﵊: " لَوْلَا قَتْلِي أَبَاهَا لتزوجتها ". قَالُوا: يَا رَسُول الله؛ لَيست بِتِلْكَ. قَالَ: فَأَيْنَ الخيلان الثَّلَاثَة بخدها كأنهن رَأس الجوزاء؟ ". وَمن مزحه ﵇ قَوْله لخوّات بن جُبَير الْأنْصَارِيّ صَاحب ذَات النحيين: " مَا فعل جملك الشرود؟ " فَقَالَ: عقله الْإِسْلَام.

стр. 394

وَذَلِكَ أَن خوّاتاً أَتَى امْرَأَة كَانَت تبيع السّمن فِي الْجَاهِلِيَّة، فَقَالَ لَهَا: هَل عنْدك سمن طيب تبيعينه؟ قَالَت: نعم. وحلت زقاً فذاقه، وَقَالَ: أُرِيد أطيب من هَذَا فأمسكيه، فأمسكيه وَحل آخر فذاقه وَقَالَ: أمسكيه فقد شرد جملي، فَقَالَت: وَيحك، حَتَّى أوثق هَذَا! قَالَ: لَا. خذيه وَإِلَّا تركته. فَإِن بَعِيري قد أفلت، فَأَخَذته بِيَدِهَا الْأُخْرَى، فَوَثَبَ عَلَيْهَا وَهِي مَشْغُولَة الْيَدَيْنِ لَا تقدر على الِامْتِنَاع، فَقضى وطره مِنْهَا. فَلَمَّا فرغ قَالَت: لَا هُنَاكَ. وَمن ذَلِك مَا جَاءَ عَنهُ أَنه كَانَ يسير فِي بعض غَزَوَاته فَسمع حداءً قدامه، فَقَالَ: " حثوا السّير نلحق الْحَادِي ". فَلحقه وَسَار مَعَه يسمع حداءه. وَخرج على بِلَال وَهُوَ نَائِم، فَضرب بِيَدِهِ على فَخذه وَقَالَ: أنائمة أم عَمْرو؟ فأنتبه بِلَال فَضرب بِيَدِهِ على مذاكيره. فَقَالَ لَهُ: مَا لَك؟ قَالَ: ظَنَنْت أَنِّي تحولت امْرَأَة. وَسَأَلَ جَابر بن عبد الله: مَا نكحت؟ فَقَالَ ثَيِّبًا. قَالَ: فَهَلا بكرا تلاعبها وتلاعبك. وَقَالَ لرجل استحمله: نَحن حاملوك على ولد النوق. قَالَ: لَا تحملنِي. قَالَ: أَو لَيْسَ الْإِبِل من ولد النوق؟ وَقَالَ لسائقه، وَهُوَ يَسُوق بأزواجه: رفقا بِالْقَوَارِيرِ. وروى عَن أبي الدَّرْدَاء، أَنه كَانَ لَا يحدث إِلَّا وَهُوَ يتبسم، فَقَالَت لَهُ امْرَأَته أم الدَّرْدَاء: إِنِّي أَخَاف أَن يرى النَّاس أَنَّك أَحمَق. فَقَالَ: مَا رَأَيْت رَسُول الله ﷺ حدث حَدِيثا إِلَّا وَهُوَ يتبسم فِي حَدِيثه. وَأصْبح النَّبِي ﷺ يَوْمًا مَا متغير الْوَجْه، فَقَالَ بعض أَصْحَابه: لأضحكنه. فَقَالَ: بِأبي أَنْت وَأمي. بَلغنِي أَن الدَّجَّال يخرج وَالنَّاس جِيَاع، فيدعوهم إِلَى طَعَام، أفترى - إِن أَدْرَكته - أَن أضْرب فِي ثريدته، حَتَّى إِذا تضلعت آمَنت بِاللَّه وكفرت بِهِ؟ . أم أتنزه عَن طَعَامه؟ فَضَحِك ﷺ وَكَانَ ضحكه التبسم - وَقَالَ: " بل يُغْنِيك الله يَوْمئِذٍ بِمَا يُغني بِهِ الْمُؤمنِينَ ". وَقَالَ ﵊: " بعثت بالحنيفية السهلة ".

стр. 395

وَقَالَ: " ينَال العَبْد بِحسن الْخلق أجر الصَّائِم الْقَائِم ". وَقَالَ عَليّ كرم الله وَجهه: لَا بَأْس بالفكاهة يخرج بهَا الرجل عَن حد العبوس. وَلما بلغه قَول عمر: إِن فِيهِ دعابة. قَالَ: ويحه أما علم أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: " إِن الْمُؤمن دعب لعب، وَالْكَافِر خب ضَب ". وَأَتَاهُ رجل بِرَجُل فَقَالَ: إِن هَذَا زعم أَنه احْتَلَمَ على أُمِّي، فَقَالَ: أقمه فِي الشَّمْس وَاضْرِبْ ظله ". وَقَالَ الشّعبِيّ: جَاءَت امْرَأَة من هَمدَان إِلَيْهِ، فَقَالَت: إِن ابْنَتي زوجت وَهِي خَمْسَة أشبار. فَقَالَ: خَمْسَة أشبار تَكْفِي شبْرًا. وَقَالَ عقبَة الْجُهَنِيّ: رَأَيْته يَرْمِي جواريه ويرامينه بقشور الْبِطِّيخ. وَمر بِقوم من الْأَنْصَار فَقَالُوا: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، انْزِلْ عندنَا للغداء. فَقَالَ: إِمَّا حلفتم وَإِمَّا انصرفنا. قَالَ بَعضهم: سمعته وَهُوَ يرقى الْمِنْبَر بِالْكُوفَةِ وَيَقُول: حزقة حزقه ... ترق عين بقه وَحدثت زبراء مولاته قَالَت: كنت أوضئ أَمِير الْمُؤمنِينَ، فَخرج من المستحم واتكأ عَليّ، وَقَالَ: استمسكي يَا زبراء، واتقي لَا تضرطي. وَقَالَ عبد الرَّحْمَن بن عَوْف: أتيت عمر بن الْخطاب فَسَمعته ينشد بالركبانية: وَكَيف ثوائي بِالْمَدِينَةِ بَعْدَمَا ... قضى وطراً مِنْهَا جميل بن معمر فَلَمَّا اسْتَأْذَنت قَالَ: أسمعت مَا قلت؟ قلت: نعم. قَالَ: إِنَّا إِذا خلونا قُلْنَا مَا يَقُول النَّاس فِي بُيُوتهم. وَقَالَ عمر: كل امْرِئ فِي بَيته صبي. وَذكر عِنْده النِّسَاء فَقَالَ: إِذا تمّ الْبيَاض مَعَ كبر الْعَجز فِي حسن القوام فقد كمل.

стр. 396

وَخرج أَبُو بكر إِلَى بصرى، وَمَعَهُ نعيمان وسويبط، وَكِلَاهُمَا بَدْرِي، وَكَانَ سويبط على الزَّاد، فجَاء نعيمان، فَقَالَ: أَطْعمنِي، فَقَالَ: لَا، حَتَّى يَأْتِي أَبُو بكر. وَكَانَ نعيمان رجلا مضحاكاً، فَقَالَ: وَالله لأغيظنك. فَذهب إِلَى نَاس جلبوا ظهرا، وَقَالَ: ابتاعوا مني غُلَاما عَرَبيا فارهاً، وَهُوَ دُعَاء لَهُ لِسَان، لَعَلَّه يَقُول: أَنا حر. فَإِن كُنْتُم تاركيه لذَلِك فدعوني لَا تفسدوا عليّ غلامي. قَالُوا: بل نبتاعه مِنْك بِعشر قَلَائِص، فَأقبل بهَا يَسُوقهَا، وَأَقْبل بالقوم حَتَّى عقلهَا، ثمَّ قَالَ للْقَوْم: دونكم هُوَ هَذَا. فجَاء الْقَوْم فَقَالُوا: قد اشتريناك. فَقَالَ سويبط: هُوَ كَاذِب. أَنا رجل حر. قَالُوا: قد أخبرنَا خبرك. فوضعوا الْحَبل فِي عُنُقه وذهبوا بِهِ، فجَاء أَبُو بكر فَأخْبرهُ بذلك، فَذهب هُوَ وَأَصْحَاب لَهُ فَردُّوا القلائص وأخذوه، فَأخْبر بذلك النَّبِي ﷺ فَضَحِك مِنْهُ حولا. وَأهْدى نعيمان إِلَى النَّبِي ﷺ جرة عسل اشْتَرَاهَا من أَعْرَابِي بِدِينَار، وأتى بالأعرابي بَاب النَّبِي ﷺ ، فَقَالَ: خُذ الثّمن من هَاهُنَا. فَلَمَّا قسمهَا رَسُول الله ﷺ ، نَادَى الْأَعرَابِي: أَلا أعْطى ثمن عَسَلِي؟ فَقَالَ ﷺ : إِحْدَى هَنَات نعيمان. وَسَأَلَهُ: لم فعلت هَذَا؟ فَقَالَ: أردْت برك، وَلم يكن معي شَيْء. فَتَبَسَّمَ النَّبِي ﷺ وَأعْطى الْأَعرَابِي حَقه. وَمِمَّا رُوِيَ من مزح عَليّ ﵁ أَنه كَانَ يَقُول: أَفْلح من كَانَت لَهُ مزخّة ... يزخها ثمَّ ينَام الفخّة وَذكر أَبُو رَافع الصَّائِغ أَنه كَانَ يَقُول: كَانَ عمر ﵁ يمازحني وَيَقُول: أكذب النَّاس الصياغ، يَقُولُونَ: الْيَوْم، وَغدا. وَرُوِيَ: أَن أَبَا قَتَادَة الْأنْصَارِيّ كَانَ فِي عرس وَجَارِيَة تضرب بالدف، وَهُوَ يَقُول لَهَا: ارعفي. أَي تقدمي. وَقيل: مازح مُعَاوِيَة الْأَحْنَف فَمَا رئي مازحان

стр. 397

أوقر مِنْهُمَا. قَالَ: يَا أحنف مَا الشَّيْء الملفف فِي البجاد؟ قَالَ: هُوَ السخينة يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ. أَرَادَ مُعَاوِيَة قَول الشَّاعِر: إِذا مَا مَاتَ ميت من تَمِيم ... فسرك أَن يعِيش فجِئ بزاد بِخبْز، أَو بِتَمْر، أَو بِسمن ... أَو الشَّيْء الملفف فِي البجاد يُرِيد: وطب اللَّبن، والبجاد: مسَاء يلفف فِيهِ ذَلِك، وَأَرَادَ الْأَحْنَف بقوله: السخينة؛ أَن قُريْشًا يأكلونها ويعيرون بهَا، وَهِي أغْلظ من الحساء، وأرق من العصيدة. وَإِنَّمَا تُؤْكَل فِي كلب الزَّمَان، وَشدَّة الدَّهْر، وَقد سموا قُريْشًا سخينة تعييراً بذلك. قَالَ خِدَاش بن زُهَيْر: يَا شدَّة مَا شددنا غير كَاذِبَة ... على سخينة لَوْلَا اللَّيْل وَالْحرم وَقَالَ كَعْب: زعمت سخينة أَن ستغلب رَبهَا ... وليغلبن مغالب الغلاب مازح ابْن عَبَّاس أَبَا الْأسود فَقَالَ: لَو كنت بَعِيرًا لَكُنْت ثفالاً. فَقَالَ أَبُو السود: لَو كنت راعي ذَلِك الْبَعِير، مَا أشبعته من الكلإ، وَلَا أرويته من المَاء، وَلَا أَحْسَنت مهنته. ذكر ابْن أبي ليلى: أَن رجلا تزوج امْرَأَة، وأبركها على أَربع، فَلَمَّا دفع وَقعت على وَجههَا فاندقت ثنيتها، فَرفع ذَلِك إِلَى عَليّ كرم الله وَجهه، فَقَالَ: مطيته يركبهَا كَيفَ شَاءَ.

стр. 398

وَذكر أَن رجلا تزوج امْرَأَة شَابة، فَوَقع عَلَيْهَا، فضمته إِلَى نَفسهَا فَكسرت صلبه، فَرفعت إِلَى عَليّ فَقَالَ: إِنَّهَا لشبقة. ثمَّ جعل الدِّيَة على الْعَاقِلَة. رُوِيَ عَن عَجُوز من الْأَنْصَار قَالَت: زَوجْنَا امْرَأَة على عهد النَّبِي ﷺ . فَنحْن نتغنى: وَأهْدى لنا أكبشنا ... تبحبح فِي المربد وزوجك فِي النادي ... وَيعلم مَا فِي غَد فَقَالَ ﵇: " لَا يعلم مَا فِي غَد إِلَّا الله ". زوجت عَائِشَة امْرَأَة كَانَت عِنْدهَا فهدوها إِلَى زَوجهَا، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : " أَلا أرسلتم مَعهَا من يَقُول: أَتَيْنَاكُم أَتَيْنَاكُم ... فحيانا، وحياكم فَإِن الْأَنْصَار قوم فيهم غزل ". قَالَ بَعضهم: دخلت على ابْن مَسْعُود وقرظة وثابت بن زيد، فَإِن عِنْدهم جوَار يغنين، فَقَالُوا: إِن رَسُول الله ﷺ قد رخص لنا فِي اللَّهْو. وَرُوِيَ: أَنه ﷺ أَتَى يَوْمًا أَطَم حسان بن ثَابت، فَكَانَت سِيرِين جَارِيَته تضرب بِالْعودِ وتغني: هَل عَليّ ويحكما ... إِن لهوت من حرج فَقَالَ ﵇: " لَا إِن شَاءَ الله ". وَسِيرِين هَذِه أُخْت مَارِيَة أم إِبْرَاهِيم ﵁، وَكَانَ الْمُقَوْقس أهداهما إِلَى النَّبِي ﷺ ، فوهب سِيرِين لحسان بن ثَابت.

стр. 399

حكى بَعضهم أَنه سمع أَبَا سُفْيَان يمازح رَسُول الله ﷺ فِي ابْنَته أم حَبِيبَة، وَيَقُول: وَالله إِن هُوَ إِلَّا أَن تركتك فتركتك الْعَرَب. فَمَا انتطحت جماء وَلَا ذَات قرن، وَرَسُول الله ﷺ يضْحك وَيَقُول: أَأَنْت تَقول ذَاك يَا أَبَا حَنْظَلَة! . وَرُوِيَ أَن رجلا عدا على امْرَأَة فقبلها، فَأَتَت النَّبِي ﵇ فشكت ذَلِك إِلَيْهِ، فَقَالَ: مَا تَقول هَذِه؟ قَالَ: صدقت، فأقصها يَا رَسُول الله، فَتَبَسَّمَ رَسُول الله ﷺ وَقَالَ: أَو لَا تعود؟ قَالَ: أَو لَا أَعُود. وَرُوِيَ أَن جَارِيَة كَانَت عِنْد مَيْمُونَة زج النَّبِي ﷺ ، فَسَأَلَ عَنْهَا رَسُول الله ﷺ ، فَقَالُوا: اشتكت عَيناهَا. فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : استرقوا لَهَا فَإِنَّهُ أعجبني عييناها. وَقَالَ خَوات بن جُبَير: نزلت مَعَ رَسُول الله ﷺ من الظهْرَان، فَخرجت من خبائي، فَإِذا نسْوَة جوالس يتحدثن، فأعجبنني، فَرَجَعت فاستخرجت حلَّة لي من عَيْبَة لي. فلبستها، ثمَّ أتيتهن فَجَلَست إلَيْهِنَّ، وَخرج رَسُول الله ﷺ من قُبَّته. فَقَالَ: يَا أَبَا عبد الله، مَا أجلسك إلَيْهِنَّ؟ قَالَ: فهبته حِين رَأَيْته، وَقلت: يَا رَسُول الله، جمل لي شرود، وَأَنا ابْتغِي لَهُ قيدا. فَمضى ﵇ وتبعته، ثمَّ ارتحلنا فَجعل لَا يلحقني فِي الْمسير إِلَّا قَالَ: أَبَا عبد الله، مَا فعل شِرَاد جملك؟ فتعجلت إِلَى الْمَدِينَة فاجتنبت الْمَسْجِد ومجالسة النَّبِي ﷺ ، فَلَمَّا طَال ذَلِك عليّ تحينت سَاعَة خلْوَة الْمَسْجِد، فَدخلت وَجعلت اصلي، وَخرج رَسُول الله ﷺ من بعض حجره، فصلى رَكْعَتَيْنِ خفيفتين، ثمَّ جلس، وطولت رَجَاء أَن يذهب ويدعني، فَقَالَ: طول أَبَا عبد الله مَا شِئْت، فلست قَائِما حَتَّى تَنْصَرِف، فَقلت فِي نَفسِي: لأعتذرن إِلَى رَسُول الله ﷺ فلأبرئن صَدره، فَانْصَرَفت، فَقَالَ: السَّلَام عَلَيْك أَبَا عبد الله، مَا فعل شِرَاد ذَلِك الْجمل؟ قَالَ: قلت: يَا رَسُول الله، وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ مَا شرد ذَلِك الْجمل مُنْذُ أسلمت. فَقَالَ: رَحِمك الله. ثمَّ لم يعد لي فِي شَيْء مِمَّا كَانَ يَقُول. وَرُوِيَ: أَنه ﷺ رَجَعَ من بعض غَزَوَاته، فاستقبلته جَارِيَة، من جواري الْمَدِينَة، فَقَالَت: يَا رَسُول الله، إِنِّي نذرت إِن ردك الله صَالحا أَن اضْرِب بَين يَديك بالدف. فَقَالَ ﷺ : إِن كنت نذرت فاضربي، وَإِلَّا فَلَا. قَالَ: فَضربت،

стр. 400

ثمَّ جَاءَ أَبُو بكر وَهِي تضرب، وَجَاء عليّ كرم الله وَجهه وَهِي تضرب، ثمَّ جَاءَ عمر ﵁ فألقته وَقَعَدت عَلَيْهِ، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : إِن الشَّيْطَان ليفرق مِنْك يَا عمر. شكا عُيَيْنَة بن حصن إِلَى نعيمان صعوبة الصّيام عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: صم بِاللَّيْلِ فَروِيَ أَنه دخل عُيَيْنَة على عُثْمَان ﵁ وَهُوَ يفْطر فِي شهر رَمَضَان. فَقَالَ: الْعشَاء. فَقَالَ: أَنا صَائِم. قَالَ عُثْمَان ﵁: الصَّوْم بِاللَّيْلِ؟ ! قَالَ: هُوَ أخف عليّ. فَيُقَال: إِن عُثْمَان قَالَ: إِحْدَى هَنَات نعيمان. وروى بَعضهم: أَنه رأى عَمْرو بن الْعَاصِ فِي مَسْجِد النَّبِي ﷺ وَاضِعا إِحْدَى يَدَيْهِ على الْأُخْرَى يتَغَنَّى بالشعر. كَانَ رجل يهدي للنَّبِي ﷺ العكة من السّمن أَو الْعَسَل، فَإِذا جَاءَ صَاحبه يتقاضاه جَاءَ بِهِ إِلَى النَّبِي ﷺ فَيَقُول: أعْط هَذَا ثمن مَتَاعه، فَمَا يزِيد رَسُول الله ﷺ على أَن يبتسم، وَيَأْمُر فَيعْطى. دخل صُهَيْب على النَّبِي ﷺ يَوْمًا، وعينه تَشْتَكِي، فَقَالَ: يَا صُهَيْب، أتأكل التَّمْر على عِلّة عَيْنك؟ فَقَالَ: يَا رَسُول الله، إِنَّمَا آكله على الشق الصَّحِيح، فَضَحِك ﵇ حَتَّى بَدَت نَوَاجِذه. وَقيل لِسُفْيَان الثَّوْريّ: المزح هجنة؟ قَالَ: بل سنة. حكى عَن أسلم مولى عمر أَنه قَالَ: كنت أَنا وَعَاصِم بن عمر وَعبد الله بن عمر فِي سفر، فغنينا بَين يَدَيْهِ، فَقَالَ ابْن عمر: كلاكما غير محسن، مثلكما مثل حماري الْعَبَّادِيّ حِين قيل لَهُ: أَي حماريك شَرّ؟ قَالَ: هَذَا، ثمَّ هَذَا. كَانَ نعيمان من الصَّحَابَة وَمِمَّنْ شهد بَدْرًا، وَكَانَ كثير الْعَبَث، فَمر يَوْمًا بمخرمة بن نَوْفَل الزُّهْرِيّ - وَهُوَ ضَرِير - فَقَالَ لَهُ: قدني حَتَّى أبول. فَأخذ بِيَدِهِ حَتَّى إِذا كَانَ فِي مُؤخر الْمَسْجِد قَالَ: اجْلِسْ. فَجَلَسَ يَبُول، وَصَاح بِهِ النَّاس:

стр. 401

يَا أَبَا الْمسور إِنَّك فِي الْمَسْجِد. فَقَالَ: من قادني؟ قَالُوا: نعيمان. قَالَ: لله عليّ أَن أضربه ضَرْبَة بعصاي إِن وجدته. فَبلغ ذَلِك نعيمان. فجَاء يَوْمًا فَقَالَ: يَا أَبَا الْمسور، هَل لَك فِي نعيمان؟ قَالَ: نعم. قَالَ: هُوَ ذَا يُصَلِّي، وَأخذ بِيَدِهِ فجَاء بِهِ إِلَى عُثْمَان ﵁ وَهُوَ يُصَلِّي، وَقَالَ: هَذَا نعيمان. فعلاه بعصاه. وَصَاح النَّاس: ضربت أَمِير الْمُؤمنِينَ. فَقَالَ: من قادني؟ قَالُوا: نعيمان. قَالَ: لَا جرم. لَا عرضت لَهُ بشر أبدا. وَكَانَ نعيمان يُصِيب الشَّرَاب، وَكَانَ يُؤْتى بِهِ النَّبِي ﵇ فيضربه بنعليه، وَيَأْمُر أَصْحَابه فَيَضْرِبُونَهُ بنعالهم، ويحقون عَلَيْهِ التُّرَاب، فَلَمَّا كثر ذَلِك قَالَ لَهُ رجل: لعنك الله. فَقَالَ ﵊: لَا تفعل؛ فَإِنَّهُ يحب الله وَرَسُوله. نظر أَبُو حَازِم الْمَدِينِيّ - وَكَانَ من اعبد النَّاس وأزهدهم - إِلَى امْرَأَة تَطوف بِالْبَيْتِ مسفرة، أحسن من خلق الله وَجها، فَقَالَ: أيتها الْمَرْأَة اتَّقِ الله، فقد شغلت النَّاس عَن الطّواف. فَقَالَت: أَو مَا تعرفنِي؟ قَالَ: من أَنْت؟ فَقَالَت: من اللاء لم يحججن يبغين حسبَة ... وَلَكِن ليقْتلن البريء المغفلا فَقَالَ: فَإِنِّي أسأَل الله أَلا يعذب هَذَا الْوَجْه الْحسن بالنَّار، فَبلغ ذَلِك سعيد بن الْمسيب، فَقَالَ ﵀: أما وَالله لَو كَانَ بعض بغضاء عباد الْعرَاق لقَالَ: أعزبي يَا عدوة الله، وَلكنه ظرف أهل الْحجاز. حج الْأَعْمَش، فَلَمَّا أحرم لاحاه الْجمال فِي شَيْء، فَرفع عكازه فَشَجَّهُ بِهِ، فَقيل لَهُ: يَا أَبَا مُحَمَّد؛ وَأَنت محرم؟ فَقَالَ: إِن من تَمام الْإِحْرَام شج الْجمال.

стр. 402

قَالَ بَعضهم: شيعت عبد الْعَزِيز بن الْمطلب المَخْزُومِي، وَهُوَ قَاضِي مَكَّة إِلَى منزله، وبباب الْمَسْجِد مَجْنُونَة تَقول: أرّق عَيْني ضراط القَاضِي. فَقَالَ أتراها تَعْنِي قَاضِي مَكَّة؟ . خرج الْأَعْمَش يَوْمًا وَهُوَ يضْحك، فَقَالَ لأَصْحَابه: أَتَدْرُونَ مِم أضْحك؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: إِنِّي كنت قَاعِدا فِي بَيْتِي، فَجعلت ابْنَتي تنظر فِي وَجْهي، فَقلت: يَا بنية، مَا تنظرين فِي وَجْهي؟ قَالَت: أتعجّب من رضَا أُمِّي بك ﴿﴾ . قَالَ بَعضهم: كُنَّا عِنْد الشّعبِيّ جُلُوسًا، فَمر حمال على ظَهره دن خل، فَلَمَّا رأى الشّعبِيّ وضع الدن، وَقَالَ لِلشَّعْبِيِّ: مَا كَانَ اسْم امْرَأَة إِبْلِيس؟ قَالَ: ذَاك نِكَاح مَا شهدناه. وَسَأَلَهُ آخر عَن أكل الذبان، فَقَالَ: إِن اشْتهيت فَكل. وَسُئِلَ عَن لحم الشَّيْطَان؟ فَقَالَ: نَحن نرضى عَنهُ بالكفاف. قَالَ ابْن عمر لجاريته وَأَرَادَ مزاحها: خالقي خَالق الْكِرَام، وخالقك خَالق اللئام. وَسَأَلَ رجل الشّعبِيّ عَن الْمسْح على اللِّحْيَة، فَقَالَ: خللها بأصابعك. فَقَالَ: أَخَاف أَلا تبلها. قَالَ الشّعبِيّ: إِن خفت فانقعها من أول اللَّيْل. وَسَأَلَهُ آخر: هَل يجوز للْمحرمِ أَن يحك جسده؟ قَالَ: نعم. قَالَ: مِقْدَار كم؟ قَالَ: حَتَّى يَبْدُو الْعظم. وروى فِي مَجْلِسه حَدِيث النَّبِي ﷺ : " تسحرُوا وَلَو أَن يضع أحدكُم إصبعه على التُّرَاب ثمَّ يَضَعهُ فِي فِيهِ " فَقَالَ رجل: أَي الْأَصَابِع؟ فَتَنَاول الشّعبِيّ إِبْهَام رجله وَقَالَ: هَذِه. وَسَأَلَهُ رجل فَقَالَ: هَل أسلم على الْقَوْم وهم يَأْكُلُون؟ فَقَالَ: إِن أردْت أَن تَأْكُل مَعَهم فَسلم.

стр. 403

جَاءَ رجل إِلَى أبي حنيفَة فَقَالَ لَهُ: إِذا نزعت ثِيَابِي وَدخلت النَّهر لأغتسل فَإلَى الْقبْلَة أفضل أَن أتوجه أَو إِلَى غير الْقبْلَة؟ فَقَالَ لَهُ: الْأَفْضَل أَن يكون وَجهك إِلَى ثِيَابك الَّتِي تنوعها لِئَلَّا تسرق. وَدخل رجل على الشّعبِيّ وَهُوَ فِي الْمَسْجِد وَمَعَهُ امْرَأَة فَقَالَ: أيكما الشّعبِيّ؟ فَقَالَ: هَذِه. وَأَشَارَ إِلَى الْمَرْأَة. خرج الْأَعْمَش يَوْمًا إِلَى جمَاعَة حَضَرُوا مَجْلِسه ليحدثهم وَهُوَ يضْحك، فَسَأَلُوهُ عَن ضحكه فَقَالَ: طلبت مني ابْنَتي قِطْعَة، فَقلت لَهَا: لَيْسَ معي. فَقَالَت لأمها: أَنْت مَا وجدت أحدا تتزوجين بِهِ غير هَذَا؟ . وَجَاء إِلَيْهِ رجل فَقَالَ: يَا أَبَا مُحَمَّد اكتريت حمارا بِنصْف دِرْهَم، وجئتك لتحدثني. فَقَالَ لَهُ: اكتر بِالنِّصْفِ الآخر وارجع، فَمَا أُرِيد أَن أحَدثك. سُئِلَ ابْن سِيرِين عَن إنشاد الشّعْر: هَل ينْقض الشّعْر الْوضُوء أم لَا؟ . وَكَانَ قَائِما يُصَلِّي فَقَالَ: أَلا أَصبَحت عرس الفرزدق جامحاً ... وَلَو رضيت رشح استه لاستقرت ثمَّ كبر. قَالَ الشّعبِيّ: رَأَيْت ابْن عمر وَاضِعا إِحْدَى رجلَيْهِ على الْأُخْرَى وَهُوَ ينشد: يحب الشّرْب من مَال الندامى ... وَيكرهُ أَن تُفَارِقهُ الْفُلُوس قَالَ بشر المريسي لعبادة - وَقد قَالَ لَهُ: كَيفَ أَنْت يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن، وَكَيف أَنْفك؟ وَكَانَ أنف بشر كَبِيرا -: وَيحك يَا عبَادَة، مَا تدع ضلالتك. عنايتك موكلة بِكُل ناتئ فِي الْبدن.

стр. 404

جَاءَ رجل إِلَى ابْن سِيرِين، فَقَالَ: إِذا خلوت بأهلي تَكَلَّمت بِكَلَام أستحي مِنْهُ، فَقَالَ: أفحشه ألذه. قَالَ ابْن عَيَّاش: رَأَيْت على الْأَعْمَش فَرْوَة مَقْلُوبَة، صوفها خَارج، فأصابنا مطر، فمررنا بكلب، فَتنحّى الْأَعْمَش وَقَالَ: لَا يحسبنا شَاة. وَكَانَ يلبس قَمِيصه مقلوباً قد جعل دروزه خَارجه وَيَقُول: النَّاس مجانين، يجْعَلُونَ الخشن إِلَى دَاخل، مِمَّا يَلِي جُلُودهمْ. وَكَانَ يَقُول: إِذا رَأَيْتُمْ الشَّيْخ لَا يحسن شَيْئا فاصفعوه. قَالَ عِيسَى بن مُوسَى، وَهُوَ يَلِي الْكُوفَة، لِابْنِ أبي ليلى: اجْمَعْ الْفُقَهَاء واحضروني. فجَاء الْأَعْمَش فِي جُبَّة فرو وَقد ربط وَسطه بشريط. فابطئوا، فَقَامَ الْأَعْمَش فَقَالَ: إِن أردتم أَن تعطونا شَيْئا، وَإِلَّا فَخلوا سبيلنا، فَقَالَ عِيسَى لِابْنِ أبي ليلى: قلت لَك تَأتِينِي بالفقهاء فجئتني بِهَذَا! قَالَ: هَذَا سيدنَا الْأَعْمَش. قَالَ عُثْمَان الصيدلاني: شهِدت إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ، وَقد أَتَاهُ حائك فِي يَوْم عيد، فَقَالَ: يَا أَبَا إِسْحَاق، مَا تَقول فِي رجل صلى صَلَاة الْعِيد، وَلم يشتر ناطقاً، مَا الَّذِي يجب عَلَيْهِ؟ فَتَبَسَّمَ إِبْرَاهِيم، ثمَّ قَالَ: يتَصَدَّق بِدِرْهَمَيْنِ خبْزًا. فَلَمَّا مضى قَالَ: مَا علينا أَن يفرح الْمَسَاكِين من مَال هَذَا الأحمق. قَالَ دَاوُد الحائك للأعمش: مَا تَقول فِي الصَّلَاة خلف الحائك؟ قَالَ: لَا بَأْس بهَا على غير وضوء. قَالَ: فَمَا تَقول فِي شَهَادَة الحائك؟ قَالَ: تقبل شَهَادَته مَعَ شَاهِدين عَدْلَيْنِ، فَالْتَفت الحائك وَقَالَ: هَذَا وَلَا شَيْء وَاحِد. قَالَ بَعضهم: صرنا إِلَى بَاب الْأَعْمَش، فرأيناه وَاقِفًا بِبَابِهِ، فَلَمَّا رآنا أسْرع الدُّخُول، ثمَّ أسْرع الْخُرُوج، فَقُلْنَا لَهُ فِي ذَلِك، فَقَالَ: رأيتكم فأبغضتكم، فَدخلت إِلَى من هُوَ ابغض مِنْكُم فَخرجت إِلَيْكُم.

стр. 405

كَانَ المتَوَكل يلْعَب بالنرد مَعَ الْفَتْح بن خاقَان، فَقيل لَهُ: يحيى بن أَكْثَم يسْتَأْذن. فَأمر بِرَفْع النَّرْد، وَدخل يحيى، فَلَمَّا جلس قَالَ لَهُ: يَا يحيى، إِن فتحا احتشمك وَأمر بِرَفْع النَّرْد، فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، لم يكن بِهِ احتشامي، وَلكنه خَافَ أَن أعلم عَلَيْهِ. كَانَ للأعمش ابْن يتنسك، فَكَانَ أَبوهُ يتوقر بِحَضْرَتِهِ، وَكَانَ فِيهِ دعابة، فَقَالَ يَوْمًا: اشْهَدُوا على ابْني هَذَا أَنه ابْني لَا يدعى غَدا أَنه أَبى. دخل أَبُو حنيفَة - رَحْمَة الله عَلَيْهِ - على الْأَعْمَش يعودهُ فَقَالَ: يَا أَبَا مُحَمَّد، لَوْلَا أَنه يثقل عَلَيْك لعدتك فِي كل يَوْم. قَالَ: أَنْت تثقل عليّ وَأَنت فِي بَيْتك، فَكيف فِي بَيْتِي؟ . كَانَ أَبُو يُوسُف يكْتب كتابا، وَعَن يَمِينه رجل يُلَاحظ مَا يكْتب، وفطن بِهِ أَبُو يُوسُف، فَلَمَّا فرغ من الْكتاب الْتفت إِلَى الرجل، فَقَالَ: هَل رَأَيْت سقطا؟ قَالَ: لَا. قَالَ أَبُو يُوسُف: جزيت عَن الغباوة خيرا.

стр. 406

قَالَ الْمَنْصُور يَوْمًا لعبد الله بن عَيَّاش المنتوف: قد بغضت إليّ صُورَتك عشرتك، وَحلفت بِاللَّه لَئِن نتفت شَعْرَة من لحيتك لأقطعن يدك. فأعفاها حَتَّى اتَّصَلت، فَكَانَ عِنْده يَوْمًا وحدثه بِأَحَادِيث استحسنها، فَقَالَ لَهُ: سل حَاجَتك. فَقَالَ: نعم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، تقطعني لحيتي أعمل بهَا مَا أُرِيد. فَضَحِك الْمَنْصُور وَقَالَ لَهُ: قد فعلت. خطب باقلاني إِلَى قوم وَذكر أَن الشّعبِيّ يعرفهُ؛ فَسَأَلُوهُ عَنهُ فَقَالَ: إِنَّه لعَظيم الرماد كثير الغاشية. حكى أَن أَبَا عمر القَاضِي كَانَ يسير مَعَ بعض الْعُدُول فِي صحراء، فسمعا صَوت الربَاب من يَد حاذق، فَقَالَ الْعدْل: مَا أحسن هَذَا الضَّرْب ﴿فَقَالَ أَبُو عمر: الضَّرْب، الضَّرْب، - كَأَنَّهُ يُنكر - هَذَا هُوَ السحر، فَقَالَ الْعدْل: القَاضِي أعزه الله أحذق مني بالصناعة. قيل: إِنَّه لم يعرف لعَلي بن عِيسَى الْوَزير مزح قطّ، وَلَا سقطة فِي اللَّفْظ إِلَّا الْيَسِير، فَمن ذَلِك أَنه قطع أرزاق الصفاعنة، فَاجْتمعُوا ووقفوا على طَرِيقه، فَلَمَّا قرب مِنْهُم وضعُوا عمائمهم، وصفع بَعضهم بَعْضًا صفعاً عَظِيما. فَقَالَ: نطلق لَهُم أَرْزَاقهم؛ فَإِن عَمَلهم صَعب. وَمن ذَلِك أَن غُلَاما من أَوْلَاد الحجرية توفّي أَبوهُ، فأسقط رزقه، فاستعان على الْوَزير بِأبي بكر بن مُجَاهِد، وَكَانَ قَرِيبا من قلبه وَسَأَلَهُ مَسْأَلَة الْوَزير فِيهِ، فَكتب لَهُ أَبُو بكر رقْعَة، فِيهَا أَنه من أَوْلَاد الحجرية، وَأَن من حَاله كَيْت وَكَيْت وَأَنه يصلح، فَلَمَّا قَرَأَهَا عَليّ بن عِيسَى كتب بعد " يصلح ": لحمل السِّلَاح، ثمَّ وَقع فِيهَا برد أرزاق أَبِيه عَلَيْهِ. جَازَ الْأَعْمَش يَوْمًا بِابْن لَهُ صَغِير وَهُوَ عُرْيَان، يلْعَب فِي الطين مَعَ الصّبيان فَلم يُثبتهُ، فَقَالَ لبَعض من كَانُوا مَعَه: انْظُر إِلَى هَذَا، مَا أقذره من صبي وأطفسه﴾ وَيجوز أَن يكون أَبوهُ أقذر مِنْهُ. فَقَالَ لَهُ صَاحبه: هَذَا ابْنك مُحَمَّد. فَفتح عَيْنَيْهِ ومسحهما، وَنظر إِلَيْهِ وتأمله، ثمَّ قَالَ: انْظُرُوا إِلَيْهِ بِحَق الله عَلَيْكُم، كَيفَ يتقلب فِي الطين كَأَنَّهُ شبْل؟ عين الله عَلَيْهِ.

стр. 407

قيل للأعمش: مَا تصنع عِنْد مظهر أخي يَقْطِين؟ قَالَ: آتيه كَمَا آتِي الحش! إِذا كَانَت بِي إِلَيْهِ حَاجَة. وَمرض فعاده رجل، وَأطَال الْجُلُوس ثمَّ قَالَ لَهُ: يَا أَبَا مُحَمَّد، مَا أَشد مَا مر بك فِي علتك هَذِه؟ قَالَ: دخولك إليّ. وعاده آخر فَقَالَ: كَيفَ تجدك؟ قَالَ: فِي جهد من رؤيتك، قَالَ: ألبسك الله الْعَافِيَة. قَالَ: نعم، مِنْك. حضر يحيى بن أَكْثَم مجْلِس المتَوَكل، وتغدى، ثمَّ حضر الشَّرَاب والغناء، فَقَالَ لَهُ المتَوَكل: يَا يحيى، قد كثر التَّخْلِيط، وَلَيْسَ هَذَا وقتك. فَقَالَ يحيى بن أَكْثَم: مَا كُنْتُم إِلَى قَاض قطّ أحْوج مِنْكُم إِلَيْهِ إِذا كثر التَّخْلِيط. فَضَحِك وَأمر لَهُ بِمَال. أقرّ رجل عِنْد شُرَيْح بِشَيْء، ثمَّ ذهب لينكر، فَقَالَ شُرَيْح: قد شهد عَلَيْك ابْن أُخْت خالتك. يَعْنِي: أَنَّك أَقرَرت على نَفسك. اشْترى رجل من رجل شَاة فَإِذا هِيَ تَأْكُل الذبان، فخاصمه إِلَى شُرَيْح فَقَالَ: لبن طيب وعلف مجان. مر شُرَيْح بِمَجْلِس لهمدان فَسلم، فَردُّوا عَلَيْهِ وَقَامُوا لَهُ فرحبوا. فَقَالَ: يَا معشر هَمدَان، إِنِّي لأعرف أهل بَيت مِنْكُم لَا يحل لَهُم الْكَذِب. قَالُوا: من هم يَا أَبَا أُميَّة؟ قَالَ: مَا أَنا بِالَّذِي أخْبركُم بهم. قَالَ: فَجعلُوا يسألونه وتبعوه ميلًا أَو قرَابَة ميل، وَيَقُولُونَ: يَا أَبَا أُميَّة من هم؟ وَهُوَ يَقُول: لَا أخْبركُم، فانصرفوا عَنهُ وهم يتلهفون وَيَقُولُونَ: ليته أخبرنَا بهم. قَالَ ابْن أبي ليلى: انصرفت مرّة مَعَ الشّعبِيّ من مجْلِس الْقَضَاء أَنا وَجَرِير بن يزِيد - وَهُوَ يمشي بَيْننَا - فمررنا بخادمة سَوْدَاء تغسل ثوبا فِي إجّان على بَاب دَار، وَهِي تَقول: فتن الشّعبِيّ لما ... فتن الشّعبِيّ لما وتكرره، فَلَمَّا رَأَتْهُ سكتت فَقَالَ الشّعبِيّ: رفع الطّرف إِلَيْهَا وَقَالَ: أردْت أَن يخرج اسْمِي من فمها.

стр. 408

دخل الشّعبِيّ وَلِيمَة فَقَالَ: مَا بالكم كأنكم اجْتَمَعْتُمْ على جَنَازَة؟ أَيْن الْغناء والدف؟ قَالَ الْأَعْمَش لجليس لَهُ: تشْتَهي سمكًا زرق الْعُيُون بيض الْبُطُون، سود الظُّهُور، وأرغفة بَارِدَة لينَة، وخلاً حاذقاً؟ قَالَ: نعم. قَالَ: فانهض بِنَا. قَالَ الرجل: فَنَهَضت مَعَه وَدخل وَدخلت مَعَه. فَقَالَ: جر تِلْكَ السلَّة. قَالَ: فكشفتها فَإِذا فِيهَا رغيفان يابسان وسكرجة وكامخ وشبث، فَجعل يَأْكُل وَقَالَ: تعال وكل. قلت: فَأَيْنَ السّمك؟ قَالَ: مَا قلت لَك إِن عِنْدِي سمكًا، إِنَّمَا قلت لَك: أتشتهيه؟ . وَاشْترى جَارِيَة فَقَالَ لَهُ أَصْحَابه: كَيفَ رَأَيْتهَا؟ قَالَ: فِيهَا من صفة الْجنَّة خصلتان: برد وسعة. وحدّث سُلَيْمَان مولى الشّعبِيّ، أَن الشّعبِيّ كَانَ إِذا اختضب فغرض لاعب ابْنَته بالنرد حَتَّى يعلق الخضاب. قَالَ حَفْص بن غياث: أتيت بَاب الْأَعْمَش فَسَأَلته عَن حَدِيث، فألجأني إِلَى الْحَائِط، وعصر حلقي وأفلتني، فعدوت وَقلت: وَالله لأشكونك إِلَى أبي. فَقَالَ: ردُّوهُ، لَا يقْعد لنا فِي طَرِيق الْخَيْر. وَكَانَ غياث أَبوهُ يجرى على الْأَعْمَش ذكر أَن ميسرَة الْمَكِّيّ قَالَ: لما نفى المتَوَكل يحيى بن أَكْثَم إِلَى مَكَّة كُنَّا ندخل إِلَيْهِ، فَذكرت لَهُ فَأَرَادَ مداعبتي ليتسقطني فَقَالَ: كم سنك؟ قلت: أعزّك الله، أَنا أذكر موت الرشيد، وَأَنا قَابض على لحيتي. وَقبض على لحيته. قَالَ: فاشتغل يحيى بِالْحِسَابِ، وَبَقِي النَّاس ينظرُونَ، ثمَّ فطن فَتَبَسَّمَ وَقَالَ: نعم أَنا أذكر موت آدم وَأَنا قَابض على لحيتي. قَالَ: وَلم يعد إِلَى شَيْء من مداعبتي. وَسَأَلَ يحيى عَن أَخْبَار النَّاس فَقيل لَهُ: ولّي بغا الْكَبِير حَرْب دمشق، وَجعل لَهُ أَنه أَمِير كل مَوضِع دخله. فَقَالَ يحيى: وَإِن دخل من حَيْثُ خرج! ؟

стр. 409

وَذكر عِنْده الْبراق يَوْمًا، فَقَالَ: قد رووا أَنه دون الْبَغْل وَفَوق الْحمار، وَأَن خطوه مُنْتَهى بَصَره. فَإِن كَانَ على ذَلِك فَهُوَ شبكور. فَكَانَ النَّاس يطعنون فِي دينه لهَذَا الْكَلَام وَأَمْثَاله؟ وَقَالَ لرجل من أمنائه يكنى أَبَا عَوْف: نصف كنيتك يُطْفِئ السراج. وَكَانَ يَغْشَاهُ رجل يدعى الْحَارِث، ويكنى أَبَا الْأسد، فَقَالَ لَهُ: أَنْت الْأسد أَبُو الْحَارِث؟ فَقَالَ: أصلحك الله أَنا الْحَارِث أَبُو الْأسد. قَالَ: أَنْت فِي الرِّجَال أم أنتها فِي النِّسَاء؟ . وَكَانَ إِسْمَاعِيل بن إِسْحَاق يصحب يحيى بن أَكْثَم، فَركب يحيى يَوْمًا يُرِيد العبور على الجسر على حمَار، وَإِسْمَاعِيل مَعَه على حمَار لَهُ مَعَ أَصْحَابه، فَامْتنعَ حمَار يحيى من العبور، فَتقدم إِسْمَاعِيل وَعبر حِمَاره، وَتَبعهُ حمَار يحيى وحمير من كَانُوا مَعَه من أَصْحَابه. فَقَالَ إِسْمَاعِيل: حماري يتَقَدَّم حميركم، كَذَا صَاحبه يتقدمكم. فَقَالَ يحيى بالحمارية ﴿وروى عَن أبي رشدين قَالَ: رَأَيْت أَبَا هُرَيْرَة يلْعَب بالسدر. وَقَالَ أنس: قدم رَسُول الله ﷺ وللأنصار يَوْمَانِ يَلْعَبُونَ فيهمَا، فَقَالَ: " قد أبدلكما الله خيرا مِنْهُمَا: الْفطر والنحر ". وَأمر ﵇ عليا فِي أَيَّام التَّشْرِيق أَن يُنَادي: إِنَّهَا أَيَّام أكل وَشرب وبعال. وَكَانَ أَبُو حَازِم من الْمَشْهُورين فِي الزّهْد والنسك، وَكَانَ يجلس فِي الْمَسْجِد الْحَرَام، وَكَانَ النِّسَاء يمررن على النوق فِي الهوادج، فَكَانَ إِذا مرت الْحَسْنَاء البارعة قَالَ من حضر من القرشيين: بارقة﴾ وَإِذا مرت قبيحة سكتوا، فمرت بهم يَوْمًا قبيحة وسكتوا، فَقَالَ أَبُو حَازِم: صَاعِقَة! فتعجبوا من ذَلِك مَعَ زهده. وَيُقَال: إِنَّه لم يمزح عمر بن عبد الْعَزِيز بعد الْخلَافَة إِلَّا مرَّتَيْنِ: إِحْدَاهمَا أَن عديّ بن أَرْطَأَة كتب إِلَيْهِ يَسْتَأْذِنهُ فِي أَن يتَزَوَّج ابْنة أَسمَاء بن خَارِجَة، فَكتب إِلَيْهِ:

стр. 410

أما بعد، فقد أَتَانِي كتابك تستأذن فِي هِنْد، فَإِن يكن بك قُوَّة فَأهْلك الْأَولونَ أَحَق بك وَبهَا. وَإِن يكن بك ضعف فَأهْلك الْأَولونَ أعذر لَك، وَلَكِن الفزاريّ، وَالسَّلَام. يُرِيد بذلك قَول الشَّاعِر: إِن الْفَزارِيّ لَا يَنْفَكّ مغتلماً ... من النواكه دهداراً بدهدار وَأما الثَّانِيَة، فَإِن رجلا من أهل أمج يُقَال لَهُ: حميد، هجاه ابْن عَم لَهُ فَقَالَ: حميد الَّذِي أمج دَاره ... أَخُو الْخمر والشيبة الأصلع فقد مر حميد بعد ذَلِك على عمر، وَلم يعرفهُ فَقَالَ لَهُ: من أَنْت؟ قَالَ: أَنا حميد. فَقَالَ عمر: الَّذِي أمج دَاره؟ فَقَالَ: وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا شربتها مُنْذُ عشْرين سنة. فَقَالَ: صدقت، وَإِنَّمَا أردْت أَن أبسطك. وَجعل يعْتَذر إِلَيْهِ. كَانَ الشّعبِيّ كَاتبا لبشر بن مَرْوَان، فَدخل عَلَيْهِ يَوْمًا وَعِنْده جَارِيَة تغنيه، فاحتشم مِنْهُ بشر، فَقَالَ الشّعبِيّ: إِن الرجل لَا يستحي من كَاتبه وخادمه، فَأمرهَا بشر فغنت، وَقَالَ لَهُ: كَيفَ تسمع؟ فَقَالَ: الصَّغِير أكيسها. يَعْنِي الزير.

стр. 411

الْبَاب السَّابِع: الجوابات المسكتة الْحَاضِرَة قدم حَمَّاد بن جميل من فَارس، فَنظر إِلَيْهِ يزِيد بن المنجاب وَعَلِيهِ جباب وشي، فَقَالَ: " هَل أَتَى على الْإِنْسَان حِين من الدَّهْر لم يكن شَيْئا مَذْكُورا ". فَقَالَ حَمَّاد: " كَذَلِك كُنْتُم من قبل فَمن الله عَلَيْكُم ". جَاءَ رجل إِلَى عمر فَقَالَ: أَعْطِنِي فَقَالَ: وَالله لَا أُعْطِيك. قَالَ: وَالله لتعطيني. قَالَ: وَلم لَا أبالك؟ قَالَ: لِأَنَّهُ مَال الله، وَأَنا من عِيَال الله. قَالَ: صدقت. قَالَ الرّبيع يَوْمًا بَين يَدي الْمهْدي لِشَرِيك " بَلغنِي أَنَّك خُنْت أَمِير الْمُؤمنِينَ. فَقَالَ لَهُ شريك: مَه، لَا تقولن ذَاك، لَو فعلنَا لأتاك نصيبك. خطب رجل إِلَى عبد الله بن عَبَّاس يتيمة كَانَت فِي حجره، فَقَالَ لَهُ: لَا أرضاها لَك. قَالَ: وَلم ذَاك؟ قَالَ: لِأَنَّهَا تشرف وَتنظر، وَهِي مَعَ ذَلِك بَريَّة، فَقَالَ: إِنِّي لَا أكره ذَلِك، فَقَالَ ابْن عَبَّاس: أما الْآن فَإِنِّي لَا أرضاك لَهَا. قَالَ مُعَاوِيَة لعَمْرو بن سعيد: إِلَى من أوصى بك أَبوك؟ فَقَالَ: إِن أبي أوصى إليّ وَلم يوص بِي. وَقَالَ عَمْرو بن الْعَاصِ لعبد الله بن عَبَّاس: اسْمَع يَا ابْن أخي. فَقَالَ: كنت ابْن أَخِيك. وَأَنا الْيَوْم أَخُوك. قَالَ رجل من أهل الْحجاز لِابْنِ شبْرمَة: من عندنَا خرج الْعلم. قَالَ: ثمَّ لم يعد إِلَيْكُم.

стр. 412

قَالَ بِلَال بن أبي بردة للهيثم بن الْأسود: أَنا ابْن أحذ الْحكمَيْنِ. فَقَالَ: أما أَحدهمَا ففاسق، وَأما الآخر فمائق فَابْن أَيهمَا أَنْت؟ . وَقَالَ رجل من ولد أبي مُوسَى لِشَرِيك: هَل كَانَ عَليّ ﵁ يقنت فِي الْفجْر؟ فَقَالَ: نعم، ويلعن فِيهِ أَبَاك. دخلت وُفُود على عمر بن عبد الْعَزِيز، فَأَرَادَ فَتى مِنْهُم الْكَلَام، فَقَالَ عمر: ليَتَكَلَّم أسنكم. فَقَالَ الْفَتى: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن قُريْشًا لترى فِيهَا من هُوَ أسن مِنْك. فَقَالَ: تكلم يَا فَتى. لَقِي مُحَمَّد بن أَسْبَاط عبد الله بن طَاهِر فِي جُبَّة خَز، فَقَالَ: يَا أَبَا جَعْفَر، مَا خلفت للشتاء؟ قَالَ: خلع الْأَمِير. قَالَ ابْن الزيات لبَعض أَوْلَاد البرامكة: من أَنْت، وَمن أَبوك؟ قَالَ: أبي الَّذِي تعرفه، وَمَات وَهُوَ لَا يعرفك. كَانَ لشيطان الطاق ابْن محمق، فَقَالَ أَبُو حنيفَة لَهُ: أَنْت من ابْنك هَذَا فِي بُسْتَان. قَالَ: هَذَا لَو كَانَ إِلَيْك. دخل بَعضهم على عبد الْملك، فَقَالَ: الْحَمد لله الَّذِي ردك على عقبيك. فَقَالَ: وَمن رد إِلَيْك فقد رد على عَقِبَيْهِ، فَسكت. لما قَالَ مِسْكين الدَّارمِيّ: نَارِي ونار الْجَار وَاحِدَة ... وَإِلَيْهِ قبلي تنزل الْقدر قَالَت امْرَأَته: صدق؛ لِأَنَّهَا نَار الْجَار وَقدره. قَالَ الرشيد لإسماعيل بن صبيح: وددت أَن لي حسن خطك. فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، لَو كَانَ حسن الْحَظ مكرمَة، لَكَانَ أولى النَّاس بهَا رَسُول الله ﷺ . وَقَالَ عمر بن عبد الْعَزِيز لرجل: من سيد قَوْمك؟ قَالَ: أَنا. قَالَ: لَو كنت سيدهم مَا قلت.

стр. 413

وَقَالَ مُعَاوِيَة لعقيل لَيْلَة الهرير: أَنْت مَعنا يَا أَبَا يزِيد؟ قَالَ: وَيَوْم بدر كنت مَعكُمْ. دخل شَاب من بني هَاشم على الْمَنْصُور، فَسَأَلَهُ عَن وَفَاة أَبِيه، فَقَالَ: مرض ﵁ يَوْم كَذَا، وَمَات ﵀ يَوْم كَذَا، وَترك ﵁ من المَال كَذَا؛ فانتهره الرّبيع وَقَالَ: بَين يَدي أَمِير الْمُؤمنِينَ توالى الدُّعَاء لأَبِيك! فَقَالَ الشَّاب لَهُ: لَا ألومك؛ لِأَنَّك لم تعرف حلاوة الْآبَاء. قَالَ: فَمَا علمنَا أَن الْمَنْصُور ضحك فِي مَجْلِسه قطّ ضحكاً افترّ عَن نَوَاجِذه إِلَّا يَوْمئِذٍ. قَالَ بَعضهم وَقد بَاعَ ضَيْعَة من آخر لَهُ: أما وَالله لقد أَخَذتهَا ثَقيلَة المئونة، قَليلَة المعونة. فَقَالَ: وَأَنت وَالله لقد أَخَذتهَا بطيئة الِاجْتِمَاع، سريعة التَّفَرُّق. قَالَ رجل لعَمْرو بن الْعَاصِ: وَالله لأتفرّغنّ لَك. فَقَالَ: هُنَاكَ وَالله وَقعت فِي الشّغل. قيل لأبي الْأسود الدؤَلِي: أشهد مُعَاوِيَة بَدْرًا؟ قَالَ: نعم، من الْجَانِب الآخر. قَالَ الْحجَّاج لصالح بن عبد الرَّحْمَن الْكَاتِب: إِنِّي فَكرت فِيك فَوجدت مَالك ودمك لي حَرَامًا. قَالَ: أَشد مَا فِي هَذَا أَيهَا الْأَمِير وَاحِدَة. قَالَ: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: أَن هَذَا بعد الفكرة. يُرِيد: أَن هَذَا مبلغ عقلك. نظر ثَابت بن عبد الله بن الزبير إِلَى أهل الشَّام فشتمهم، فَقَالَ لَهُ سعيد بن خَالِد بن عُثْمَان بن عَفَّان: إِنَّمَا تنتقصهم لأَنهم قتلوا أَبَاك. قَالَ: صدقت لقد قتلوا أبي، وَلَكِن الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار قتلوا أَبَاك. خطب أَبُو الْهِنْدِيّ - وَهُوَ خَالِد بن عبد القدوس بن شِيث بن ربعي -، إِلَى رجل من بني تَمِيم؛ فَقَالَ لَهُ: لَو كنت مثل أَبِيك لزوجتك، فَقَالَ: أَبُو الْهِنْدِيّ: لَكِن لَو كنت مثل أَبِيك مَا خطبت إِلَيْك. ووقف عَلَيْهِ نصر بن سيار وَهُوَ سَكرَان، فَسَبهُ، وَقَالَ لَهُ: ضيعت شرفك. فَقَالَ: لَوْلَا أَنِّي ضيعت شرفي لم تكن أَنْت وَالِي خُرَاسَان.

стр. 414

جلس مُحَمَّد بن عبد الْملك يَوْمًا للمظالم، وَحضر فِي جملَة النَّاس رجل زيه زِيّ الْكتاب، فَجَلَسَ بإزائه، وَمُحَمّد ينفذ الْكَلَام، وَهُوَ لَا يتَكَلَّم. وَمُحَمّد يتأمله، فَلَمَّا خف مَجْلِسه قَالَ لَهُ: مَا حَاجَتك؟ قَالَ: السَّاعَة أذكرها. فَلَمَّا خلا الْمجْلس تقدم وَقَالَ: جئْتُك أصلحك الله متظلماً. قَالَ: مِمَّن؟ قَالَ: مِنْك. قَالَ: مني؟ قَالَ: نعم. ضَيْعَة لي فِي يَد وكيلك يحمل إِلَيْك غَلَّتهَا ويحول بيني وَبَينهَا. قَالَ: فَمَا تُرِيدُ؟ قَالَ: تكْتب بتسليمها إليّ. قَالَ: هَذَا نحتاج فِيهِ إِلَى شُهُود وَبَيِّنَة وَأَشْيَاء كَثِيرَة. قَالَ الرجل: الشُّهُود هم الْبَيِّنَة و " أَشْيَاء كَثِيرَة " عيّ مِنْك. فَخَجِلَ مُحَمَّد وهاب الرجل، وَكتب لَهُ بِمَا أرضاه. قَالَ الْحجَّاج ليحيى بن سعيد بن الْعَاصِ: أَخْبرنِي عبد الله بن هِلَال صديق إِبْلِيس أَنَّك تشبه إِبْلِيس. قَالَ: وَمَا يُنكر الْأَمِير أَن يكون سيد الْإِنْس يشبه سيد الْجِنّ. لما هرب ابْن هُبَيْرَة من خَالِد بن عبد الله الْقَسرِي قَالَ لَهُ: أبقت إباق العَبْد. فَقَالَ لَهُ: نعم حِين نمت نومَة الْأمة عَن عَجِينهَا. دخل رجل من ولد قُتَيْبَة بن مُسلم الْحمام، وبشار بن برد فِي الْحمام، فَقَالَ: يَا أَبَا معَاذ وددت أَنَّك مَفْتُوح الْعين. قَالَ: وَلم؟ قَالَ: لترى استي فتعرف أَنَّك قد كذت فِي شعرك حَيْثُ تَقول: على أستاه سادتهم كتاب ... " موَالِي عَامر " وسم بِنَار قَالَ: غَلطت يَا ابْن أخي. إِنَّمَا قلت: على أستاه سادتهم، وَلَيْسَت مِنْهُم. دخل إِيَاس بن مُعَاوِيَة الشَّام وَهُوَ غُلَام، فَقدم خصما لَهُ - وَكَانَ شَيخا كَبِيرا - إِلَى قَاضِي عبد الْملك، فَقَالَ لَهُ القَاضِي: أتقدم شَيخا كَبِيرا؟ قَالَ: الْحق أكبر مِنْهُ. قَالَ: اسْكُتْ. قَالَ: فَمن ينْطق بحجتي؟ قَالَ: لَا أَظُنك تَقول حَقًا حَتَّى تقوم. قَالَ: لَا إِلَه إِلَّا الله. فَقَامَ القَاضِي فَدخل على عبد الْملك من

стр. 415

سَاعَته فَأخْبرهُ بالْخبر. فَقَالَ: اقْضِ حاجنه السَّاعَة، وَأخرجه من الشَّام، لِئَلَّا يفْسد علينا النَّاس. وَدخل عبيد الله بن زِيَاد بن ظبْيَان - وَكَانَ أفتك النَّاس وأخطب النَّاس - على عبد الْملك، فَأَرَادَ أَن يقْعد مَعَه على السرير، فَقَالَ لَهُ عبد الْملك: مَا بَال النَّاس يَزْعمُونَ أَنَّك لَا تشبه أَبَاك؟ قَالَ: وَالله لأَنا أشبه بِأبي من اللَّيْل بِاللَّيْلِ، والغراب بالغراب، وَالْمَاء بِالْمَاءِ، وَإِن شِئْت أَنْبَأتك عَمَّن لَا يشبه أَبَاهُ. قَالَ: وَمن ذَلِك؟ قَالَ: من لم يُولد لتَمام، وَلم تنضجه الْأَرْحَام، وَمن لم يشبه الأخوال والأعمام. قَالَ: وَمن ذَاك؟ قَالَ: ابْن عمي سُوَيْد بن منجوف. قَالَ: أَو كَذَلِك أَنْت يَا سُوَيْد؟ قَالَ: نعم. وَلما خرجا من عِنْده أقبل سُوَيْد وَقَالَ: وريت بك زنادي. وَالله مَا يسرني أَنَّك كنت نقصته حرفا وَأَن لي حمر النعم. قَالَ: وَالله وَأَنا مَا يسرني بِحِلْمِك الْيَوْم عني سود النعم. وَإِنَّمَا أَرَادَ عبيد الله بذلك عبد الْملك؟ فَإِنَّهُ كَانَ ولد سَبْعَة أشهر. وَعبيد الله هُوَ الَّذِي أَتَى بَاب مَالك بن مسمع، وَمَعَهُ نَار ليحرق عَلَيْهِ دَاره، وَقد كَانَ نابه أَمر فَلم يُرْسل إِلَيْهِ قبل النَّاس، فَأَشْرَف عَلَيْهِ مَالك، فَقَالَ: مهلا يَا أَبَا مطر. وَالله إِن فِي كِنَانَتِي سهم أَنا أوثق بِهِ مني بك. قَالَ: وَإنَّك لعدّني فِي كنانتك، فوَاللَّه أَو لَو قُمْت فِيهَا لطلتها، وَلَو قعدت فِيهَا لخرقتها. قَالَ: مهلا، أَكثر الله فِي الْعَشِيرَة مثلك. قَالَ: لقد سَأَلت رَبك شططاً. قَالَ رجل لرقبة بن مصقلة: مَا أكثرك فِي كل طَرِيق! . فَقَالَ لَهُ: لم تستكثر مني مَا تستقله من نَفسك؟ هَل لقيتني فِي طَرِيق إِلَّا وَأَنت فِيهِ؟ وَلما دخل إِسْمَاعِيل بن حَمَّاد بن أبي حنيفَة الْبَصْرَة قَالَ: هَمَمْت أَن أؤدب من خَالف أَبَا حنيفَة فِي مَسْأَلَة. قَالَ لَهُ قَائِل: هَل كَانَ أَبُو حنيفَة يُؤَدب من خَالفه؟ قَالَ: لَا. قيل لَهُ، فأدّب نَفسك فقد خالفته. حدث بَعضهم قَالَ: خرجت فِي حَاجَة فَلَمَّا كنت بالسيالة وقفت على بَاب ابْن هرمة فَصحت: يَا أَبَا إِسْحَاق، فأجابتني ابْنَته قَالَت: خرج آنِفا. قَالَ:

стр. 416

فَقلت: هَل من قرى، فَإِنِّي مقو من الزَّاد. قَالَت: لَا وَالله. قلت: فَأَيْنَ قَول أَبِيك: لَا أمتع الْعود بالفصال، وَلَا ... أبتاع إِلَّا قريبَة الْأَجَل قَالَت: فَذَاك أفناها. قَالَ الْمهْدي يَوْمًا لِشَرِيك، وَعِيسَى بن مُوسَى عِنْده: لَو شهد عنْدك عِيسَى كنت تقبله؟ وَأَرَادَ أَن يغرى بَينهمَا. فَقَالَ شريك: من شهد عِنْدِي سَأَلت عَنهُ، وَلَا يسْأَل عَن عِيسَى غير أَمِير الْمُؤمنِينَ، فَإِن زكيته قبلته. فقبلها عَلَيْهِ. قيل لسَعِيد بن الْمسيب وَقد كف: أَلا تقدح عَيْنك. قَالَ: حَتَّى أفتحها على من؟ قَالَ مَرْوَان يَوْم الزاب لحاجبه وَقد ولى مُنْهَزِمًا: كرّ عَلَيْهِم بِالسَّيْفِ. فَقَالَ: لَا طَاقَة لي بهم. فَقَالَ: وَالله لَئِن لم تفعل بهم لأسوءنك. قَالَ: وددت أَنَّك تقدر على ذَلِك. ركب الرشيد وجعفر بن يحيى يسايره، وَقد بعث عليّ بن عِيسَى بِهَدَايَا خُرَاسَان بعد ولَايَة الْفضل بن يحيى، فَقَالَ الرشيد لجَعْفَر: أَيْن كَانَ هَذَا فِي أَيَّام أَخِيك؟ قَالَ: فِي منَازِل أَهله. قَالَ بحيرا الراهب لأبي طَالب: احذر على ابْن أَخِيك، فَإِنَّهُ سيصير إِلَى كَذَا وَكَذَا. قَالَ: إِن كَانَ الْأَمر كَمَا وصفت فَإِنَّهُ فِي حصن من الله. قَالَ رجل مطعون النّسَب لأبي عُبَيْدَة لما عمل كتاب المثالب: سببت الْعَرَب جَمِيعًا. قَالَ: وَمَا يَضرك؟ أَنْت خَارج من ذَلِك. قيل لإياس بن مُعَاوِيَة: إِنَّك لتعجب بِرَأْيِك. قَالَ: لَو لم أعجب بِهِ لم أقض بِهِ. قَالَ رجل لعامر بن الطُّفَيْل: استأسر. قَالَ: بَيت أمك لَا يسعني.

стр. 417

قَالَ الرشيد ليزِيد بن مزِيد فِي لعب الصوالجة: كن مَعَ عِيسَى بن جَعْفَر. فَأبى، فَغَضب الرشيد وَقَالَ: أتأنف أَن تكون مَعَه؟ قَالَ: قد حَلَفت لأمير الْمُؤمنِينَ أَلا أكون عَلَيْهِ فِي جد وَلَا هزل. دخل الْحجَّاج دَار عبد الْملك، فَقَالَ لَهُ خَالِد بن يزِيد: مَا هَذَا السَّيْف، وَإِلَى مَتى هَذَا الْقَتْل؟ قَالَ: مَا دَامَ بالعراق رجل يشْهد أَن أَبَاك كَانَ يشرب الْخمر. قيل لأبي عُبَيْدَة: " الْأَصْمَعِي دعيّ ". قَالَ: لَيْسَ فِي الدُّنْيَا أحد يَدعِي إِلَى أصمع. وَقع فِي بعض الثغور نفير؛ فَخرج رجل، وَمَعَهُ قَوس بِلَا نشاب، فَقيل لَهُ: أَيْن الشَّبَاب؟ قَالَ: يجِئ السَّاعَة إِلَيْنَا جَزَاء من عِنْد الْعَدو. قَالُوا: فَإِن لم يجِئ؟ قَالَ: إِن لم يجِئ لم تكن بَيْننَا وَبينهمْ حَرْب. قَالَ رجل لهشام بن الحكم أَلَيْسَ اخْتصم الْعَبَّاس وعليّ إِلَى عمر؟ قَالَ: بلَى. قَالَ: فَأَيّهمَا كَانَ الظَّالِم؟ قَالَ: لَيْسَ فيهمَا ظَالِم. قَالَ: يَا سُبْحَانَ الله، كَيفَ يتخاصم اثْنَان وَلَيْسَ فيهمَا ظَالِم؟ قَالَ: كَمَا تخاصم الْملكَانِ إِلَى دَاوُد ﵇ وَلَيْسَ فيهمَا ظَالِم. قَالَ رجل لِشَرِيك: أَخْبرنِي عَن قَول عليّ ﵁ لِابْنِهِ الْحسن: لَيْت أَبَاك مَاتَ قبل هَذَا الْيَوْم بِعشْرين سنة. أقاله وَهُوَ شاكّ فِي أمره؟ قَالَ: لَهُ شريك: أَخْبرنِي عَن قَول مَرْيَم: " يَا لَيْتَني مت قبل هَذَا ". أقالته وَهِي شاكة فِي عفتها؟ فَسكت الرجل. اسْتَأْذن أَبُو سُفْيَان على عُثْمَان ﵁ فحجبه، فَقيل لَهُ: حجبك أَمِير الْمُؤمنِينَ. فَقَالَ: لَا عدمت من قومِي من إِذا شَاءَ حجبني. دخل الْوَلِيد بن يزِيد على هِشَام، وعَلى الْوَلِيد عِمَامَة وشي، فَقَالَ هِشَام: بكم أخذت عمامتك؟ قَالَ: بِأَلف دِرْهَم. فَقَالَ هِشَام: عِمَامَة بِأَلف؟ - يستكثر ذَلِك - فَقَالَ الْوَلِيد: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنَّهَا لأكرم أطرافي. وَقد اشْتريت أَنْت جَارِيَة بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم لأخس أطرافك.

стр. 418

بَات الْمفضل الضَّبِّيّ عِنْد الْمهْدي. فَلم يزل يحدثه وينشده حَتَّى جرى ذكر حَمَّاد الراوية، فَقَالَ لَهُ الْمهْدي: مَا فعل عِيَاله؟ وَمن أَيْن يعيشون؟ قَالَ: من لَيْلَة مثل هَذِه كَانَت لَهُ مَعَ الْوَلِيد بن يزِيد. لما قَالَ أَبُو الْعَتَاهِيَة: فَاضْرب بطرفك حَيْثُ شئ ... ت، فَلَنْ ترى إِلَّا بَخِيلًا قيل لَهُ: بخلت النَّاس كلهم. قَالَ: فأكذبوني بِوَاحِد. دَعَا أَبُو جَعْفَر الْمَنْصُور أَبَا حنيفَة إِلَى الْقَضَاء. فَأبى، فحبسه، ثمَّ دَعَا بِهِ، فَقَالَ لَهُ: أترغب عَمَّا نَحن فِيهِ؟ فَقَالَ: أصلح الله أَمِير الْمُؤمنِينَ، لَا أصلح للْقَضَاء. فَقَالَ: كذبت. فَقَالَ أَبُو حنيفَة: قد حكم عليّ أَمِير الْمُؤمنِينَ أَنِّي لَا أصلح للْقَضَاء، لِأَنَّهُ نسبني إِلَى الْكَذِب، فَإِن كنت كَاذِبًا فَأَنا لَا أصلح، وَإِن كنت صَادِقا، فَإِنِّي قد صدقت عَن نَفسِي أَنِّي لَا أصلح. فَرده إِلَى الْحَبْس. قَالَ الْحسن بن سهل: مَا نكأ قلبِي كَقَوْل خاطبني بِهِ أَعْرَابِي يحجّ يَوْمًا بالعرب، فَقلت لَهُ: رَأَيْت مَنَازِلكُمْ وخيامكم تِلْكَ الصغار، فَقَالَ لي بالعجلة: فَهَل رَأَيْت فِيهَا من ينْكح أمه أَو أُخْته؟ قَالَ رجل لآخر: أَلا تستحيي من إِعْطَاء الْقَلِيل؟ فَقَالَ: الحرمان أقل مِنْهُ. شكا يزِيد بن أسيد إِلَى الْمَنْصُور مَا ناله من الْعَبَّاس بن مُحَمَّد أَخِيه، فَقَالَ الْمَنْصُور: اجْمَعْ إحساني إِلَيْك وإساءة أخي، فَإِنَّهُمَا يعتدلان. قَالَ: إِذا كَانَ إحسانكم إِلَيْنَا لإساءتكم. كَانَت الطَّاعَة منا تفضلا.

стр. 419

كتب ملك الرّوم إِلَى ملك فَارس: كل شَيْء تَقوله كذب. فَكتب إِلَيْهِ: صدقت. أَي أَنِّي فِي تصديقك كَاذِب. قَالَ بَعضهم: التقى رجلَانِ فِي بعض بِلَاد الْهِنْد، فَقَالَ أَحدهمَا للْآخر - وَكَانَ غَرِيبا -: مَا أقدمك بِلَادنَا؟ فَقَالَ: قدمت أطلب علم الْوَهم. قَالَ: فَتوهم أَنَّك قد أصبته، وَانْصَرف. فأفحمه. قَالَ رجل لِسُلَيْمَان الشَّاذكُونِي: أرانيك الله يَا أَبَا أَيُّوب على قَضَاء أَصْبَهَان. فَقَالَ لَهُ سُلَيْمَان: إِن كَانَ وَلَا بُد فعلى خراجها، فَإِن أَخذ مَال الْأَغْنِيَاء أسهل من أَخذ أَمْوَال الْيَتَامَى. قَالَ رجل من ولد عِيسَى بن مُوسَى لِشَرِيك بن عبد الله حِين عزل عَن الْقَضَاء: يَا أَبَا عبد الله، هَل رَأَيْت قَاضِيا عزل؟ قَالَ: نعم، وَولى عهد خلع. قَالَ مُصعب بن الزبير لسكينة بنت الْحُسَيْن: أَنْت مثل البغلة لَا تلدين. قَالَت: لَا وَالله، وَلَكِن أبي كرمي أَن يقبل لؤمك. قَالَ رجل لآخر: إِن قلت كلمة سَمِعت عشرا. فَقَالَ لَهُ: لَو قلت عشرا. مَا سَمِعت كلمة. قَالَ مُحَمَّد بن مسعر: كنت أَنا وَيحيى بن أَكْثَم عِنْد سُفْيَان، فَبكى سُفْيَان. فَقَالَ لَهُ يحيى: مَا يبكيك يَا أَبَا مُحَمَّد؟ فَقَالَ لَهُ: بعد مجالستي أَصْحَاب أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ ، بليت بمجالستكم. فَقَالَ يحيى - وَكَانَ حَدثا -: فمصيبة أَصْحَاب أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ بمجالستك إيَّاهُم بعد أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ أعظم من مصيبتك. فَقَالَ: يَا غُلَام، أَظن السُّلْطَان سيحتاج إِلَيْك. دَعَا الْحجَّاج رجلا ليوجهه إِلَى محاربة عَدو، فَقَالَ لَهُ: أعندك خير؟ قَالَ: لَا، وَلَكِن عِنْدِي شَرّ. قَالَ: هَذَا هُوَ الَّذِي أريدك لَهُ، امْضِ لوجهك. أكل أَعْرَابِي من بني عذرة مَعَ مُعَاوِيَة، فجرف مَا بَين يَدي مُعَاوِيَة، ثمَّ مد يَده هَاهُنَا وَهَاهُنَا، وَرَأى بَين يَدي مُعَاوِيَة ثريدة كَثِيرَة السّمن فجرها، فَقَالَ

стр. 420

مُعَاوِيَة: " أخرقتها لتغرق أَهلهَا ". فَقَالَ الْأَعرَابِي: لَا، وَلَكِن " سقناه إِلَى بلد ميت ". لما بنى مُحَمَّد بن عمرَان قصراً حِيَال قصر الْمَأْمُون، قيل لَهُ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، باراك وباهاك. فَدَعَاهُ وَقَالَ: لم بنيت هَذَا الْقصر حذائي؟ قَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، أَحْبَبْت أَن ترى أثر نِعْمَتك عليّ، فَجَعَلته نصب عَيْنَيْك. فَاسْتحْسن جَوَابه، وأجزل عطيته. قَالَ رجل لأبي عُبَيْدَة: أحب أَن تخرج لي أَيَّام عشيرتي - وَكَانَ دعيّا - فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: مثلك مثل رجل قَالَ لآخر: اقْرَأ لي من: " قل هُوَ الله أحد " عشْرين آيَة. قَالَ: لَا، وَلَكِنَّك تبغض الْعَرَب. قَالَ: وَمَا عَلَيْك من ذَاك؟ . قَالَ رجل لِابْنِهِ، وَكَانَت أمه سَرِيَّة: يَا ابْن الْأمة. قَالَ: هِيَ عِنْدِي أَحْمد مِنْك. قَالَ: وَلم؟ قَالَ: لِأَنَّهَا ولدتني من حر، وولدتني من أمة. قَالَت عَجُوز: اللَّهُمَّ لَا تمتني حَتَّى تغْفر لي. فَقَالَ زَوجهَا: إِذا لَا تموتين أبدا. شاتم أَعْرَابِي ابْنه فنفاه وَقَالَ: لست بِابْني. فَقَالَ: وَالله لأَنا أشبه بك مِنْك بأبيك، ولأنت كنت على أُمِّي أغير من أَبِيك على أمك. كَانَ بَعضهم يتقلد أَعمال السُّلْطَان، فجَاء أَبوهُ يَوْمًا فَسَأَلَهُ فِي أَمر إِنْسَان، فَاشْتَدَّ ذَلِك عَلَيْهِ وضجر مِنْهُ، فَقَالَ لِأَبِيهِ: أحب أَن أَسأَلك، إِذا جَاءَك إِنْسَان وَقَالَ: كلم ابْنك. تسبني وَتقول: لَيْسَ ذَلِك بِابْني؟ فَقَالَ لَهُ: أَنا أَقُول هَذَا مُنْذُ ثَلَاثِينَ سنة فَلَا يقبل مني. بعث معن بن زَائِدَة إِلَى ابْن عَيَّاش المنتوف ألف دِينَار، وَكتب إِلَيْهِ: قد بعثت إِلَيْك ألف دِينَار، واشتريت بهَا دينك. فَكتب إِلَيْهِ: وصل مَا أنفذت وَقد بِعْتُك بهَا ديني مَا خلا التَّوْحِيد، لعلمي بقلة رغبتك فِيهِ.

стр. 421

لما قدم مُعَاوِيَة حَاجا فِي خمس وَأَرْبَعين تَلَقَّتْهُ قُرَيْش بوادي الْقرى، وَتَلَقَّتْهُ الْأَنْصَار بأجزاع الْمَدِينَة، فَقَالَ: يَا معشر الْأَنْصَار، مَا منعكم أَن تتلقوني حَيْثُ تلقتني قُرَيْش؟ قَالُوا: لم يكن لنا دوابّ. قَالَ: فَأَيْنَ النَّوَاضِح؟ قَالُوا: أنضيناها يَوْم بدر فِي طلب أبي سُفْيَان. قَالَ بَعضهم لشيطان الطاق: أتحل الْمُتْعَة؟ قَالَ: نعم. قَالَ: فَزَوجنِي أمك مُتْعَة. قَالَ: يَا أَحمَق إِذا زَوجتك لم تكن مُتْعَة، أما الْمُتْعَة إِذا زجتك نَفسهَا. وَكَانَ أَبُو حنيفَة وَشَيْطَان الطاق يمشيان ذَات يَوْم إِذْ سمعا رجلا يَقُول: من يدلنا على صبي ذال؟ فَقَالَ شَيْطَان الطاق: أما الصَّبِي فَلَا أَدْرِي، وَلَكِن إِن أردْت أَن أدلك على شيخ ضال فها هُوَ. وَأَوْمَأَ إِلَى أبي حنيفَة. لما أَخذ مُحَمَّد بن سُلَيْمَان صَالح بن عبد القدوس ليوجه بِهِ إِلَى الْمهْدي، قَالَ: أطلقني حَتَّى أفكر لَك فيولد لَك ذكر. قَالَ: بل اصْنَع مَا هُوَ أَنْفَع لَك من أَن يُولد لي، فكر حَتَّى تفلت من يَدي. قَالَ مَرْوَان بن الحكم لحبيش بن دلجة: أَظُنك أَحمَق. فَقَالَ: أَحمَق مَا يكون الشَّيْخ إِذا عمل بظنه. قَالَ بَعضهم لأبي تَمام: لم لَا تَقول مَا يفهم؟ فَقَالَ: لم لَا تفهمون مَا يُقَال. قَالَ مُعَاوِيَة: لَو ولد أَبُو سُفْيَان النَّاس كلهم كَانُوا حلماء. فَقَالَ لَهُ أَبُو جهم بن حُذَيْفَة: قد ولدهم من هُوَ خير من أبي سُفْيَان، آدم ﵇، فَمنهمْ: الْحَلِيم وَالسَّفِيه، والعاقل والأحمق، والصالح والطالح. قَالَ الْأَشْعَث بن قيس الْكِنْدِيّ لشريح القَاضِي: يَا أَبَا أُميَّة، عهدي بك وَإِن شَأْنك لشؤين. فَقَالَ: يَا أَبَا مُحَمَّد أَنْت تعرف نعْمَة الله على غَيْرك وتجهلها فِي نَفسك.

стр. 422

دخل رجل على دَاوُد الطَّائِي وَهُوَ يَأْكُل خبْزًا قد بله بِالْمَاءِ مَعَ ملح جريش. فَقَالَ لَهُ: كَيفَ تشْتَهي هَذَا؟ قَالَ: إِذا لم أشتهه تركته حَتَّى أشتهيه. قَالَ الرشيد: مَا رَأَيْت أزهد من الفضيل، فَقَالَ الفضيل لما بلغه ذَلِك: هُوَ أزهد مني؛ لِأَنِّي أزهد فِي فان، وَهُوَ يزهد فِي بَاقٍ. وَمر عبد الله بن عَامر بعامر بن عبد قيس وَهُوَ يَأْكُل بقلاً بملح، فَقَالَ لَهُ: لقد رضيت بِالْقَلِيلِ. فَقَالَ: أرْضى مني بِالْقَلِيلِ من رَضِي بالدنيا. نظر الفرزدق إِلَى شيخ من الْيمن فَقَالَ: كَأَنَّهُ عَجُوز سبأ. فَقَالَ لَهُ: عَجُوز سبأ خير من عَجُوز مُضر، تِلْكَ. قَالَت: " رب إِنِّي ظلمت نَفسِي وَأسْلمت مَعَ سُلَيْمَان لله رب الْعَالمين ". وَهَذِه: " حمالَة الْحَطب. فِي جيدها حَبل من مسد ". قَالَ ابْن ملجم - لَعنه الله - لعَلي ﵁ لما ضربه بِالسَّيْفِ: إِنِّي اشْتريت سَيفي هَذَا بِأَلف وسممته بِأَلف، وَسَأَلت الله أَن يقتل بِهِ شَرّ خلقه، فَقَالَ عَليّ كرم الله وَجهه: قد أجَاب الله دعوتك. يَا حسن، إِذا مت فاقتله بِسَيْفِهِ. قدم مرزبان من مرازبة فَارس بَاب السُّلْطَان فِي أَيَّام الْمهْدي يشكو عاملهم، فَقَالَ لأبي عبيد الله الْوَزير: أصلحك الله. إِنَّك وليت علينا رجلا، إِن كنت وليته وَأَنت تعرفه، فَمَا خلق الله رعية أَهْون عَلَيْك منا، وَإِن كنت لم تعرفه، فَمَا هَذَا جَزَاء الْملك الَّذِي ولاك أمره، وأقامك مقَامه. فَدخل أَبُو عبيد الله على الْمهْدي وَأخْبرهُ، وَخرج فَقَالَ: إِن هَذَا رجل كَانَ لَهُ علينا حق

стр. 423

فكافأناه. فَقَالَ لَهُ: أصلحك الله، إِنَّه كَانَ على بَاب كسْرَى ساجة منقوشة بِالذَّهَب مَكْتُوب عَلَيْهَا: الْعَمَل للكفاءة، وَقَضَاء الْحُقُوق على بيُوت الْأَمْوَال، فَأمر الْمهْدي بعزل الْعَامِل. وتظلم أهل الْكُوفَة إِلَى الْمَأْمُون من عَامل ولاه عَلَيْهِم، فَقَالَ: مَا علمت فِي عمالي أعدل وَلَا أقوم بِأَمْر الرّعية، وأعود بالرفق عَلَيْهِم مِنْهُ. فَقَامَ رجل من الْقَوْم، فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: مَا أحد أولى بِالْعَدْلِ والإنصاف مِنْك. فَإِذا كَانَ عاملنا بِهَذِهِ الصّفة فَيَنْبَغِي أَن يعدل بولايته بَين أهل الْبلدَانِ، ويساوي بِهِ بَين أهل الْأَمْصَار، حَتَّى يلْحق كل بلد وَأَهله من عدله وإنصافه مثل الَّذِي لحقنا. وَإِذا فعل ذَلِك أَمِير الْمُؤمنِينَ فَلَا يصيبنا مِنْهُ أَكثر من ثَلَاث سِنِين. فَضَحِك الْمَأْمُون، وعزل الْعَامِل عَنْهُم. قَالَ أَحْمد بن أبي خَالِد يَوْمًا لثمامة: أَنا أعرف لكل وَاحِد مِمَّن فِي هَذِه الدَّار معنى غَيْرك، فَإِنِّي لَا أعرف لَك معنى، وَلَا أَدْرِي لماذا تصلح. فَقَالَ ثُمَامَة: أَنا أصلح أَن أشاور فِي مثلك، هَل تصلح لموضعك. فأفحمه. حمل بعض الصُّوفِيَّة طَعَاما إِلَى طحان ليطحنه، فَقَالَ: أَنا مَشْغُول. فَقَالَ: اطحنه وَإِلَّا دَعَوْت عَلَيْك وعَلى حِمَارك ورحاك. قَالَ: وَأَنت مجاب الدعْوَة؟ قَالَ: نعم. قَالَ: فَادع الله أَن يصير حنطتك دَقِيقًا، فَهُوَ أَنْفَع لَك، واسلم لدينك. هجا أَبُو الهول الْحِمْيَرِي الْفضل بن يحيى، ثمَّ أَتَاهُ رَاغِبًا، فَقَالَ لَهُ الْفضل: وَيحك، بِأَيّ وَجه تَلقانِي؟ قَالَ: بِالْوَجْهِ الَّذِي ألْقى بِهِ رَبِّي ﷻ ، وذنوبي إِلَيْهِ أَكثر. فَضَحِك وَوَصله. قَالَ الْحجَّاج لسَعِيد بن جُبَير: اختر لنَفسك أَي قتلة شِئْت. قَالَ: بل اختر أَنْت؛ فَإِن الْقصاص أمامك. جَاءَ شيخ من بني عقيل إِلَى عمر بن هُبَيْرَة فمتّ بقرابته، وَسَأَلَهُ، فَلم يُعْطه شَيْئا. فَعَاد إِلَيْهِ بعد أَيَّام فَقَالَ: أَنا الْعقيلِيّ الَّذِي سَأَلَك مُنْذُ أَيَّام. قَالَ عمر: وَأَنا الْفَزارِيّ الَّذِي مَنعك مُنْذُ أَيَّام. فَقَالَ معذرة إِلَى الله، إِنِّي سَأَلتك

стр. 424

وَأَنا أَظُنك يزِيد بن هُبَيْرَة الْمحَاربي، فَقَالَ: ذَاك ألأم لَك، وأهون بك عَليّ، نَشأ فِي قَوْمك مثلي وَلم تعلم بِهِ، وَمَات مثل يزِيد وَلَا تعلم بِهِ. يَا حرسي اسفع يَده. قَالَ عمر بن الْوَلِيد للوليد بن يزِيد: إِنَّك لتعجب بالإماء. قَالَ: وَكَيف لَا أعجب بِهن، وَهن يَأْتِين بمثلك. سُئِلَ بعض من كَانَ أَبوهُ مُتَقَدما فِي الْعلم عَن مَسْأَلَة، فَقَالَ: لَا أَدْرِي و " لَا أَدْرِي " نصف الْعلم. فَقَالَ لَهُ بعض من حضر: وَلَكِن أَبَاك بِالنِّصْفِ الآخر تقدم. وَقَالَ رجل لرجل قَالَ: " لَا أَدْرِي، وَلَا أَدْرِي، نصف الْعلم ": نعم، وَلكنه أخس النصفين. وَقيل لآخر: مَا تَقول فِي كَذَا؟ فَقَالَ: " لَا أَدْرِي، وَلَا أَدْرِي، نصف الْعلم ". فَقيل لَهُ: قل ذَلِك دفعتين وَهُوَ الْعلم كُله. بعث الأفشين إِلَى ابْن أبي دؤاد: مَا أحب أَن تجيئني، فَلَا تأتني. فَأَجَابَهُ: مَا أَتَيْتُك متعززاً بك من ذلة، وَلَا متكثراً بك من قلَّة، وَلَكِنَّك رجل رفعتك دولة، فَإِن جئْتُك فلهَا، وَإِن قعدت عَنْهَا فلك. أُتِي مُعَاوِيَة بسارق فَأمر بِقطعِهِ، فَخرجت إِلَيْهِ أمه وَقَالَت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، واحدي وكاسبي. فَقَالَ: يَا أمة الله، هَذَا حد من حُدُود الله. قَالَت: اجْعَلْهُ مَعَ صفّين ونظائرها. فَعَفَا عَنهُ. مشت قُرَيْش إِلَى أبي طَالب بعمارة بن الْوَلِيد، فَقَالُوا: ادْفَعْ إِلَيْنَا مُحَمَّدًا نَقْتُلهُ، وَأمْسك عمَارَة فاتخذه ولدا مَكَانَهُ. فَقَالَ: مَا أنصفتموني يَا معشر قُرَيْش. أدفَع إِلَيْكُم ابْني تَقْتُلُونَهُ، وَأمْسك ابنكم أغذوه لكم! كَانَ ربيعَة الرَّأْي لَا يكَاد يسكت، وَتكلم يَوْمًا وَأكْثر وأعجب بِالَّذِي كَانَ مِنْهُ؛ فَالْتَفت إِلَى أَعْرَابِي كَانَ عِنْده وَسَأَلَ الْأَعرَابِي: مَا تَعدونَ العي فِيكُم؟ قَالَ: مَا كنت فِيهِ مُنْذُ الْيَوْم.

стр. 425

دخل عبيد الله بن زِيَاد بن ظبْيَان على أَبِيه وَهُوَ يجود بِنَفسِهِ، فَقَالَ لَهُ: أَلا أوصِي بك الْأَمِير زياداً؟ قَالَ: لَا. قَالَ: وَلم ذَاك؟ قَالَ: إِذا لم يكن للحي إِلَّا وَصِيَّة الْمَيِّت فالحي هُوَ الْمَيِّت. كتب إِبْرَاهِيم بن سيابة إِلَى صديق لَهُ، كثير المَال، يستسلف مِنْهُ نَفَقَة، فَكتب إِلَيْهِ: الْعِيَال كثير، والدخل قَلِيل، وَالدّين ثقيل، وَالْمَال مَكْذُوب عَلَيْهِ. فَكتب إِلَيْهِ إِبْرَاهِيم: إِن كنت كَاذِبًا فجعلك الله صَادِقا، وَإِن كنت محجوجاً فجعلك الله مَعْذُورًا. أَدخل زفر بن الْحَارِث على عبد الْملك بعد الصُّلْح، فَقَالَ: مَا بَقِي من حبك للضحاك؟ . قَالَ: مَا لَا يَنْفَعنِي وَلَا يَضرك. قَالَ: شدّ مَا أحببتموه معاشر قيس! قَالَ: أحببناه، وَلم نواسه، وَلَو كُنَّا واسيناه لقد كُنَّا أدركنا مَا فاتنا مِنْهُ. قَالَ: فَمَا مَنعك من مواساته يَوْم المرج؟ قَالَ: الَّذِي منع اباك من مواساة عُثْمَان يَوْم الدَّار. دخل الشّعبِيّ الْحمام وَفِيه رجل متكشف، فغمض عَيْنَيْهِ، فَقَالَ لَهُ الرجل: يَا شيخ، مَتى ذهبت عَيْنك؟ فَقَالَ: مُنْذُ هتك الله سترك. كتب عَمْرو بن عبد الْعَزِيز إِلَى أبي مجَاز، فَقدم إِلَيْهِ من خُرَاسَان، وَدخل مَعَ النَّاس فَلم يعرفهُ عمر، وَخرج فَسَأَلَ عَنهُ بعد ذَلِك فَقيل لَهُ: قد كَانَ دخل عَلَيْك، فَدَعَا بِهِ وَقَالَ لَهُ: لم أعرفك. فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ. إِذا لم تعرفنِي، فَهَلا أنكرتني. حلف رجل بِالطَّلَاق أَن الْحجَّاج فِي النَّار. فَقيل لَهُ: سل عَن يَمِينك. فَأتى أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ فَأخْبرهُ، فَقَالَ: لست أُفْتِي فِي هَذَا بِشَيْء، يغْفر الله لمن يَشَاء. فَأتى عَمْرو بن عبيد فَأخْبرهُ، فَقَالَ: تمسك بأهلك، فَإِن الْحجَّاج إِن لم يكن من أهل النَّار فَلَيْسَ يَضرك أَن تَزني. كَانَ الْوَلِيد بن عبد الْملك يلْعَب بالحمام؛ فَخَلا لذَلِك يَوْمًا، واستؤذن لنوفل بن مساحق، فَأذن لَهُ، فَلَمَّا دخل قَالَ: خصصتك بِالْإِذْنِ دون النَّاس. فَقَالَ: مَا خصصتني وَلَكِن خسستني، وكشفت لي عَن عَورَة من عوراتك.
следующие страницы →