المملكة العربية السعودية - وزارة التعليم العالي
وكالة كليات البنات - الإدارة العامة لكليات البنات بالرياض
الأقسام الأدبية
* * *
البكاء
في الكتاب والسنة
بحث مقدم للحصول على التفرغ العلمي
* * *
إعداد:
د. رقية بنت محمد المحارب
أستاذ الحديث وعلومه المساعد بقسم الدراسات الإسلامية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة
الحمد لله الأول فليس قبله شيء، الآخر فليس بعده شيء، الظاهر فليس فوقه شيء، الباطن فليس دونه شيء، خلق فأبدع، وصور فأحسن، فتبارك الله أحسن الخالقين له الحكمة البالغة، وكل شيء عنده بمقدار، وصلى الله على نبي الرحمة المهداة، القدوة المجتباة، رسول رب العالمين، محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه أجمعين. ... أما بعد
فإن هذا الدين عظيم لم يبق شيئا من الحركات والسكنات والخطرات إلا بينه ونظمه فبين حلاله وحرامه ومباحه كما قال سبحانه: (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ) (١)
ومما اعتنى به الإسلام المشاعر البشرية، والخواطر القلبية والسلوك الظاهر، ومن ذلك البكاء وأعني به خروج الدمع من العين، وقد اعتنى المحدثون ببيانه وترجموا لأحواله بأبواب متعددة مثل (باب البكاء على الميت) (باب البكاء من خشية الله) (باب البكاء عند المريض) (باب البكاء عند قراءة القرآن) (باب البكاء في الصلاة) واعتنى به الفقهاء وعلماء السلوك فبوبوا له أبوابا وجعلوا له مسائل وفصولا لبيان أحكامه، وألف في ذلك مصنفات مفردة مثل كتاب "الرقة والبكاء" لموفق الدين عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي المتوفى سنة٦٢٠هـ وكتاب " الرقة والبكاء" لعبد الله بن محمد بن عبيدة ابن أبي الدنيا رحمهما الله.
وهذا البحث استقراء لأنواع البكاء في الكتاب والسنة، سواء كان التعبير عنه لفظيا بأي تصريف من تصريفات الفعل (بكى) أو معنويا كالتعبير بالدموع أو وصف الحال بما يدل على البكاء كفيض العيون.
стр. 2
وقد ورد في البكاء ثماني آيات في كتاب الله خمس منها باللفظ وثلاث بالمعنى، وورد فيه عدد كثير من الأحاديث، وسأقتصر على نماذج من الكتب الستة في كل معنى لما في الاستيعاب من الإطالة التي يضيق عنها وقت البحث.
وقد نهجت في هذا البحث المنهج التالي:
١- استقراء الآيات وتخريجها.
٢- تفسير الآيات ووضعها في المكان المناسب من البحث.
٣- استقراء الأحاديث الواردة في البكاء لفظاً ومعنى، واستعنت بالموسوعات الحاسوبية؛ رجاء الدقة واغتناما للوقت.
٤- تصنيف الأحاديث وإيرادها تحت كل نوع من أنواع البكاء.
٥- تخريج الأحاديث.
٦- تناول المعنى المناسب للموضوع بالتفصيل.
٧- إيراد المسائل الفقهية المتعلقة بالبكاء والترجيح بينها ما أمكن.
٨- شرح الكلمات الغريبة الواردة في الأحاديث.
٩- ذكر الآثار وأقوال العلماء في البكاء وتصنيفها في المكان المناسب حسب الحاجة لذلك.
١٠- تذييل البحث بفهارس متنوعة.
وقد قسمت هذا البحث إلى تمهيد وثلاثة أبواب وخاتمة أما التمهيد فأذكر فيه تعريف البكاء في اللغة والاصطلاح وما أُلف فيه من كتب، مع نبذة مختصرة عن الكتاب ومؤلفة. أما الباب الأول فأذكر فيه البكاء الممدوح، وأما الباب الثاني فأذكر فيه البكاء المذموم، وأما الباب الثالث فأذكر فيه البكاء المباح وهو ما لم يرد فيه ذم ولا مدح.
وأما الخاتمة فأجمل فيها ما توصلت إليه من نتائج وتوصيات.
ولما كانت الأحاديث في البكاء كثيرة كثرة يضيق البحث عن استيعابها اكتفيت بشواهد للدلالة على كل نوع منه.
стр. 3
السبب الباعث على اختيار الموضوع:
اطلعت على كتاب "الرقة والبكاء" لابن قدامة فأثر في قوله" فإنني أحببت جمع أخبار أداوي بها قسوة قلبي، وأستجلب بها دموع عيني، فطلبت ذلك في مظانه فلم أر أجلب له ولا أجمع لما أردت من أخبار الصالحين" (١) فإذا كان ابن قدامة العالم العابد صاحب التصانيف يبحث عما يداوي قلبه، فلأنا أحرى والله بذلك، ولم أر أجلب لرقة القلب من البحث في حديث رسول الله ﷺ .
التمهيد
تعريف البكاء
في اللغة:
قال ابن فارس: (بكوء) الباء والكاف والواو والهمزة أصلان: أحدهما البكاء , والآخر نقصان الشيء وقلته.
فالأول بكى يبكي﴾ بكاء ﴿. قال الخليل: هو مقصور وممدود. وتقول: باكيت فلانا فبَكَيِِْتُه, أي كنت أبكى منه.
قال النحويون: من قصره أجراه مجرى الأدواء والأمراض، ومن مده أجراه مجرى الأصوات كالثغاء والرغاء والدعاء. وأنشد من قصره ومده:
بكت عيني وحق لها بكاها ... وما يغني البكاء ولا العويل
قال الأصمعي: بكيت الرجل وبكّيته، كلاهما إذا بكيت عليه؛ وأبكيته صنعت به ما يبكيه.
والأصل الآخر قولهم للناقة القليل اللبن هي بكيئة, وبكؤت نبكؤ بكاءة ممدودة. وأنشد:
يقال محبسها أدنى لمرتعها ... ولو تعادى ببكء كل محلوب
يقول: محبسها في دار الحفاظ أقرب إلى أن تجد مرتعا مخصبا. قال أبو عبيد: فأما قوله ﷺ : "إنا معشر الأنبياء بكاء" فإنهم قليلة دموعهم. وقال زيد الخليل:
وقالوا عامر سارت إليكم ... بألف أو بكا ًمنه قليل
فقوله بكا ًنقص, وأصله الهمز, من بكأت الناقة تبكأ, إذا قل لبنها. وبكؤت تبكؤ أيضا. (٢)
قال الثعالبي في بيان درجات البكاء: إذا تهيأ الرجل للبكاء. قيل: أجهش. فإن امتلأت عينه دموعا قيل: اغرورقت عينه، وترقرقت. فإذا سألت قيل: دمعت وهمعت. فإذا حاكت دموعها المطر قيل: همت. فإذا كان لبكائه صوت قيل: نحب ونشج. فإذا صاح مع بكائه قيل: أعول. (٣)
стр. 4
قال الجوهري: واسْتَبْكاهُ وأبْكاهُ بمعنى وتَباكَى تكلف البكاء والبَكِيُّ بفتح الباء الكثير البُكاء والبُكِيُّ بضم الباء جمع باكٍ مثل جالس وجلوس إلا أن الواو قلبت ياء (١)
في الاصطلاح
قال المناوي: " البكاء بالمد سيلان الدمع عن حزن وقيل بالمد إذا كان الصوت أغلب وبالقصر إذا كان الحزن أغلب" (٢)
الكتب المؤلفة في الموضوع
١. الرقة والبكاء / لأبي بكر عبدا لله بن محمد ابن أبي الدنيا المتوفى سنة ٢٨١هـ، وقد ذكر مؤلفه جملة من الأبواب المتعلقة بالبكاء موردا فيها آثارا وأخبارا عن البكائين من التابعين ومن تبعهم وهو أكثر تفصيلا من الذي بعده حيث ذكر البكاء من خشية الله، واستدعاء البكاء، وأسباب البكاء، والبكاء عند قراءة القرآن، والبكاء في الصلاة، إلى غير ذلك من الأبواب التي تثري الراغب في الاستزادة، وختم الكتاب بجماع أخبار البكائين. والكتاب يقع في ٣٦٩ صفحة
٢. الرقة والبكاء / لموفق الدين عبدا لله بن أحمد بن قدامة المقدسي المتوفى٦٢٠هـ، اعتنى المؤلف بإيراد الأخبار وسرد الحكايات التي فيها رقة وخشية تلين بها القلوب، وتدمع لها العيون، وروايته بسنده إلى مشائخه فمن بعدهم تكاد تطغى على الكتاب، وقد جمع روايات الكتاب من كتب السير والمغازي والتاريخ والتراجم والزهد والرقائق. ولا يورد شيئا مما حدث في عصره ولا يعلق على الروايات بنقد رغم كثرة ما يورد من الضعيف لأنه كان يهدف إلى تأثير الخبر دون تحري صحته, وبدأ الكتاب بذكر طرف من صفات الصالحين، ثم أتبعه بذكر شيء من أخبار متقدمي الأنبياء ﵈. ثم شيء من أخبار نبينا ﷺ . ثم ختمه بصالحي أمة نبينا ﷺ وأخبار من فنون شتى، ثم ختم الكتاب بذكر شيء من أوصاف الجنة ونعيمها.
стр. 5
٣. صفة ضحك وبكاء النبي ﷺ ومزاحه مع أصحابه/ لأحمد مصطفى قاسم الطهطاوي، ومن عنوان الكتاب يتبين أن المؤلف قسم الكتاب حسب العنوان وذكر تحت قسم صفة بكائه ﷺ عددا من الأحاديث التي تحكي بكاء النبي ﷺ وهو كتاب مختصر يقع في ١٢٥ صفحة
٤. البكاء من خشية الله تعالى/ لحسين بن عودة العوايشة بين فيه فضل البكاء من خشية الله تعالى ووضح السبيل على ذلك والعوائق مع ذكر بعض النصوص والآثار في بكاء النبي ﷺ وأصحابه. وهو يقع في ٧٢ صفحة
٥. دموع القراء (بكاء السلف عند تلاوة القرآن وسماعه) لمحمد شومان بن أحمد الرملي وذكر فيه بابين ذكر في الأول فصل في عظمة القرآن وفصل في الحث على تدبر القرآن وفصل في الثناء على البكائين وفصل في خوف السلف من النفاق وذكر في الثاني فصل في بكاء الأنبياء وآخر في بكاء النبي صلى اله عليه وسلم عند تلاوة القرآن وثالث في بكاء الصحابة ورابع في بكاء التابعين. وهو يقع في ١٩٢ صفحة
٦. دموع الصالحين / لأبي الفداء محمد عزت عارف وهو أشبه بالذي قبله جدا في المادة والتصنيف وهو يقع في ١٩٤صفحة
٧. البكاء عند قراءة القرآن، لعبد الله بن إبراهيم اللحيدان، ويقع في ٥٤ صفحة
стр. 6
الباب الأول: البكاء الممدوح
خلق الإنسان ضعيفا يعتريه الحزن والخوف والفرح فتؤثر فيه الأحداث تأثيرا بليغا، فيحتاج إلى التنفيس عن باطنه المكبوت، وأحيانا يخونه التعبير أحوج ما يكون إليه فيكون دمع العين أبلغ تعبيرا وأكثر دلالة على الصدق من الألفاظ بل من الأيمان أحيانا، ويصور ذلك قوله تعالى: (وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ) (١) فالمتأمل لهذه الحادثة يدرك بجلاء ثناء الله تعالى على تلك القلوب المتعلقة بنصر دينه والرغبة الصادقة في مشاركة رسوله ﷺ الجهاد بالنفس مع عدم المال وذات اليد، أما قوله تعالى: (وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) (٢) فيشهد أن الأيمان المغلظة لم تجد شيئا أمام كذب القلوب، مع أن الكذب قد يتلبس به البكاء أيضا فالبكاء الكاذب ودموع التماسيح لا تجدي شيئا مع مخالفة الحال للمقال فهؤلاء أخوة يوسف جاءوا أباهم عشاء يبكون، وكان إحساسه العميق بكذبهم -لمعرفته بغيرتهم وتخوفه من كيدهم مع صدق النبوءة- في محله.
ولما كان البكاء بهذه المثابة وله هذا الشأن كان منه ما مدحه الشارع ومنه ما ذمه، وسنتناول في هذا الباب البكاء الممدوح، والمدح يثبت بالثناء على فاعله بالكتاب أو بالسنة، ومن خلال الاستقصاء لأنواع البكاء الممدوح أستعرضه في العناوين التالية:
١. البكاء عند قراءة القرآن
стр. 7
عندما يستشعر المؤمن أن الله تعالى يخاطبه بكلامه، ويستشعر عظمة الله وجلاله ويستشعر أيضا أن هذا القرآن نزل على قلب محمد ﷺ مع تفكره في الدار الآخرة وما سيكون فيها من حساب وحشر وجزاء عندما يتخيل ذلك كله وهو يقرأ القرآن لا يملك سرعة ضربات قلبه وقشعريرة جلده فتدمع العين وتفيض حتى يبل دمعها الأقدام، وهذا الحال هو حال العارفين بربهم، وقد وصفهم في كتابه مثنيا عليهم بذلك حيث قال سبحانه: (قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا) (١) قال ابن جرير: "يقول تعالى ذكره ويخر هؤلاء الذين أوتوا العلم من مؤمني أهل الكتابين من قبل نزول الفرقان إذا يتلى عليهم القرآن لأذقانهم يبكون ويزيدهم ما في القرآن من المواعظ والعبر خشوعا يعني خضوعا لأمر الله وطاعته واستكانة له" (٢) بل ذلك عمل الأنبياء من قبل وقد أخبر المولى عن حالهم بقوله (أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا) (٣) قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي: "خروا سجدا وبكيا) أي: خضعوا لآيات الله وخشعوا لها، وأثرت في قلوبهم من الإيمان والرغبة والرهبة ما أوجب لهم البكاء والإنابة والسجود لربهم" (٤) وهو حال أصحاب رسول الله ﷺ رضوان الله عليهم أجمعين قال الجصاص في قوله تعالى: (ويزيدهم
стр. 8
خشوعا) " يعني به أن بكاءهم في حال السجود يزيدهم خشوعا إلى خشوعهم وفيه الدلالة على أن مخافتهم لله تعالى حتى تؤديهم إلى البكاء داعية إلى طاعة الله وإخلاص العبادة على ما يجب من القيام بحقوق نعمه" (١)
والبكاء والتخشع أثناء قراءة القرآن والصلاة مندوب إليه مرغب فيه، قال القاسمي: " دل نعت هؤلاء ومدحهم بخرورهم باكين على استحباب البكاء والتخشع، فإن كل ما حمد فيه من النعوت والصفات التي وصف الله تعالى بها من أحبه من عباده يلزم الاتصاف بها، كما أن ما ذم منها من مقته منهم يجب اجتنابه " (٢)
стр. 9
وهكذا دلت السنة المطهرة على استحباب البكاء عند قراءة القرآن فقد أخرج البخاري في صحيحه بسنده عن إبراهيم قال: " قال لي النبي ﷺ (اقرأ علي قلت: أقرأ عليك وعليك أنزل قال فإني أحب أن أسمعه من غيري فقرأت عليه سورة النساء حتى بلغت (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا) (١) قال أمسك فإذا عيناه تذرفان" (٢)
стр. 10
وأخرج أيضا"عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت لم أعقل أبوي إلا وهما يدينان الدين ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله ﷺ طرفي النهار بكرة وعشية ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدا بفناء داره فكان يصلي فيه ويقرأ القرآن فيقف عليه نساء المشركين وأبناؤهم يعجبون منه وينظرون إليه وكان أبو بكر رجلا بكاء لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين" (١)
стр. 11
وقد تفتر النفوس وتركن إلى الدنيا فيقل بكاؤها وتجف دموعها؛ ولكن أبا بكر بقي على العهد لم تغيره الأحداث ولم تزده الأيام إلا رقة وخشوعا؛ لاسيما إذا كان يرتل القرآن بين يدي ربه وهو في صلاة، ولذا ازدادت رغبة رسول الله ﷺ في استخلافه على الصلاة ولم يقبل اعتذار عائشة بنت أبي بكر عن أبيها بأنه رجل بكاء إذا صلى غلبه البكاء، وقد صح بذلك الخبر كما روى البخاري عن عائشة أم المؤمنين ﵂ أنها قالت: " إن رسول الله ﷺ قال في مرضه مروا أبا بكر يصلي بالناس قالت عائشة: قلت إن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء فمر عمر فليصل للناس فقالت عائشة فقلت لحفصة قولي له إن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء فمر عمر فليصل للناس ففعلت حفصة فقال رسول الله ﷺ مه إنكن لأنتن صواحب يوسف مروا أبا بكر فليصل للناس فقالت حفصة لعائشة ما كنت لأصيب منك خيرا" (١)
стр. 12
وهكذا كان أصحاب رسول الله ﷺ بكاؤون عند سماع القرآن الكريم، فعمر بن الخطاب رغم شدته وقوته وصلابته لم يكن يملك عينيه عند سماع القرآن، وتراه يقاوم الجهر ببكائه حتى يغلبه فيستحيل نشيجا تتقطع معه نياط القلب، حدث عبد الله بن شداد ﵁ قال: سمعت نشيج عمر وأنا في آخر الصفوف يقرأ: (قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ) (١)
стр. 13
واشتهر ذلك عن كثير من الصحابة حتى عرفوا به وامتلأت سيرهم بروايات تدل على إخباتهم وبكائهم منهم عبد الرحمن بن عوف (١) ، وابن عمر (٢) ، وعائشة (٣) ، وأبو هريرة (٤) ، وعبد الله بن رواحة (٥) ، وابن عباس (٦) ، وغيرهم.
стр. 14
وكل عاقل متأمل لآيات الله وقر اليقين في قلبه لا يملك دمع عينه، كما يدعوه ذلك إلى الارتقاء في مصاف المؤمنين، فهذا النجاشي تتلى عليه آيات القرآن فيبكي حتى تبل دموعه لحيته كما روي عن أم سلمة ﵂ زوج النبي ﷺ أنها قالت: " لما ضاقت علينا مكة فذكرت الحديث في هجرتهم إلى أرض الحبشة وما كان من بعثة قريش عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة إلى النجاشي ليخرجهم من بلاده ويردهم عليهم وما كان من دخول جعفر بن أبي طالب وأصحابه ﵃ على النجاشي، قال فقال النجاشي هل معكم شيء مما جاء به فقال له جعفر نعم فقرأ عليه صدرا من كهيعص فبكى والله النجاشي حتى أخضل لحيته وبكت أساقفته حتى أخضلوا مضاجعهم ثم قال إن هذا الكلام ليخرج من المشكاة التي جاء به موسى انطلقوا راشدين ثم ذكر الحديث في تصويرهما له أنهم يقولون في عيسى بن مريم ﵇ أنه عبد فدخلوا عليه وعنده بطارقته فقال ما تقولون في عيسى بن مريم ﵇ فقال له جعفر نقول هو عبد الله ورسوله وكلمته وروحه ألقاها إلى مريم العذراء البتول فدلى النجاشي يده إلى الأرض فأخذ عويدا بين أصبعيه فقال ما عدا عيسى بن مريم ما قلت هذا العويد ثم ذكر الحديث قالت فلم ينشب أن خرج عليه رجل من الحبشة ينازعه في ملكه فوالله ما علمتنا حزنا حزنا قط كان أشد منه فرقا من أن يظهر ذلك الملك عليه فيأتي ملك لا يعرف من حقنا ما كان يعرف فجعلنا ندعو الله ونستنصره للنجاشي فخرج إليه سائرا فقال أصحاب رسول الله- ﷺ بعضهم لبعض من رجل يخرج فيحضر الوقعة حتى ينظر على من تكون فقال الزبير ﵁ وكان من أحدثهم سنا أنا فنفخوا له قربة فجعلها في صدره ثم خرج يسبح عليها في النيل حتى خرج من الشقة الأخرى إلى حيث التقى الناس فحضر الوقعة وهزم الله ذلك الملك وقتله وظهر النجاشي عليه فجاءنا الزبير ﵁ فجعل يليح إلينا بردائه ويقول ألا
стр. 15
أبشروا فقد أظهر الله النجاشي فوالله ما فرحنا بشيء فرحنا بظهور النجاشي" (١)
وقد يقسو القلب وتجمد العين فيتأبى الدمع، وحينئذ يضيق المرء بجفائه ويبحث في مبكيات تذيب تلك القسوة، فلا يجد أحسن من التباكي مع ترنيم القرآن والتغني به كما أخرج ابن ماجة في السنن من حديث عبد الرحمن بن السائب قال: (قدم علينا سعد بن أبي وقاص وقد كف بصره فسلمت عليه فقال من أنت فأخبرته فقال مرحبا بابن أخي بلغني أنك حسن الصوت بالقرآن سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن هذا القرآن نزل بحزن فإذا قرأتموه فابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا وتغنوا به فمن لم يتغن به فليس منا) (٢)
стр. 16
٢. البكاء في الصلاة
وقد يكون البكاء عند قراءة القرآن والمرء في صلاة، فهل يفسد البكاء الصلاة؟
قال ابن بطال: " أجاز العلماء (١) البكاء في الصلاة من خوف الله ، واحتجوا بحديث عائشة وبفعل عمر.
وقال أشهب: قال مالك: قرأ عمر بن عبد العزيز في الصلاة، فلما بلغ (فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى) (٢) خنقته العبرة، فسكت، ثم قرأ، فنابه ذلك، ثم قرأ، فنابه ذلك، وتركها، وقرأ: (وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ) (٣)
واختلفوا في الأنين والتأوه (٤) ، فقال ابن المبارك: "إذا كان غالبا فلا بأس به " (٥) .
وقال الشافعي (٦) وأبو ثور (٧) : "لا بأس به إلا أن يكون كلاما مفهوما".
стр. 17
وقالت طائفة: يعيد صلاته. وهذا قول الشعبي (١) والنخعي (٢) والكوفيين (٣) . "اهـ
ولم يرد أن النبي ﷺ كان يصيح أو يصرخ ببكائه، بل كان يكتمه حتى يضطرب جسده كما أخبر بذلك مطرف عن أبيه قال: (أتيت النبي ﷺ وهو يصلي ولجوف أزيز كأزيز المرجل يعني يبكي) (٤)
стр. 18
٣. البكاء من خشية الله
البكاء من خشية الله مقام عال ومطلب للصالحين عزيز؛ ذلك بأنه يترتب عليه ثواب عظيم وأجر جليل، وهو دلالة الإيمان وشعار اليقين؛ ولذا فإن رسول الله ﷺ أخبر فيما رواه عنه أبو هريرة قال: (قال رسول الله ﷺ لا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع ولا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم) (١)
стр. 19
والمقصود بالبكاء من خشية الله البكاء الخالص الذي لا تشوبه شائبة رياء ولا سمعة، وقد يكون ذلك من المرء خاليا وقد يكون وهو بحضرة آخرين، والغالب أن الدمع إذا نزل خشية لله في حال الخلوة أن يكون ذلك خالصا؛ لذا كان جزاؤه من جنس عمله فأمن الله خوفه بأن أظله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، بما خشي وخاف في الدنيا التي أمن فيها كثير من الناس، روى أبو هريرة، عن النبي ﷺ قال: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله الإمام العادل وشاب نشأ في عبادة ربه ورجل قلبه معلق في المساجد ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه ورجل طلبته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله ورجل تصدق أخفى حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه) (١)
стр. 20
والخوف من الله تعالى وخشيته لا يورثها إلا العلم بالله تعالى، فعلى قدر العلم به تكون هيبته في النفوس لذا فإن الأنبياء والمرسلين صلوات الله عليهم أجمعين كانوا أكثر الناس خوفا وشفقة منه كما قال الله تعالى: (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ) (١) ويقول سبحانه عن الملائكة المقربين: (وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ) (٢)
وقد كان ﷺ أعلم الناس بربه تعالى لذا كان يقول عن نفسه (أما والله إني لأتقاكم لله وأخشاكم له) (٣) وجاء التصريح باستجلاب العلم للدموع فيما رواه البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: (قال خطب رسول الله ﷺ خطبة ما سمعت مثلها قط قال لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا قال فغطى أصحاب رسول الله ﷺ وجوههم لهم خنين فقال رجل من أبي قال فلان فنزلت هذه الآية (لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) (٤)
стр. 21
ومثله حديث أبي ذر قال: قرأ رسول الله ﷺ هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا حتى ختمها ثم قال إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع قدر أربع أصابع إلا ملك واضع جبهته ساجدا لله والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا وما تلذذتم بالنساء على الفرش ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله تعالى والله لوددت أني شجرة تعضد) (١)
ووردت هذه الكلمة أيضا في سياق آخر روى ذلك عن ابن أم مكتوم ﵁ قال: (خرج النبي ﷺ ذات غداة فقال سعرت النار لأهل النار وجاءت الفتن كقطع الليل المظلم لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا) (٢)
стр. 22
وقد كان ﷺ يرى ما لا يرى الناس كما يعلم ما لا يعلمون، ولذا فإنه يعظ أصحابه ويحذرهم مخالفة أمره لأن في المخالفة هلاكهم وتعرضهم لسخط مولاهم كما أخبر بذلك أنس رض الله عنه قال: (قال صلى بنا رسول الله ﷺ ذات يوم فلما قضي الصلاة أقبل علينا بوجهه فقال أيها الناس إني إمامكم فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود ولا بالقيام ولا بالانصراف فإني أراكم أمامي ومن خلفي ثم قال والذي نفس محمد بيده لو رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا قالوا وما رأيت يا رسول الله قال رأيت الجنة والنار) (١)
ولخشية رسول الله ﷺ من ربه تعالى وإشفاقه من لقائه كان دائم مراقبته والتذكير به، فلا يمر حدث إلا ويثير قلقه، إما على نفسه وإما على أمته، وإما عليهما جميعا فعن البراء قال: (كنا مع رسول الله ﷺ في جنازة فجلس على شفير القبر فبكى حتى بل الثرى ثم قال يا إخواني لمثل هذا فأعدوا) (٢)
стр. 23
ومن مهيجات البكاء خشية من الله أن يذكر المرء أن له ذنبا فيخاف أن يلقاه به، ثم لا يغفره ربه بل يؤاخذه به، أو أن يلقى ربه على مالا يريد من الإيمان والإخلاص والاتباع، ومن ذلك ما أخرجه مسلم عن جابر بن عبد الله قال: (لبس النبي ﷺ يوما قباء من ديباج (١) أهدي له ثم أوشك أن نزعه فأرسل به إلى عمر بن الخطاب فقيل له قد أوشك ما نزعته يا رسول الله فقال نهاني عنه جبريل فجاءه عمر يبكي فقال يا رسول الله كرهت أمرا وأعطيتنيه فما لي قال إني لم أعطكه لتلبسه إنما أعطيتكه تبيعه فباعه بألفي درهم) (٢) فعمر ﵁ خشي أن يكون فاعلا ما كره رسول الله صلى الله عليه أن يفعله فيتعرض لمقت الله وعقابه.
وقد يهيج البكاء ذكر النار وما فيها من عذاب كما روت عائشة ﵂: (أنها ذكرت النار فبكت فقال رسول الله ﷺ ما يبكيك قالت ذكرت النار فبكيت فهل تذكرون أهليكم يوم القيامة فقال رسول الله ﷺ أما في ثلاثة مواطن فلا يذكر أحد أحدا عند الميزان حتى يعلم أيخف ميزانه أو يثقل وعند الكتاب حين يقال ((هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ)) (٣) حتى يعلم أين يقع كتابه أفي يمينه أم في شماله أم من وراء ظهره وعند الصراط إذا وضع بين ظهري جهنم) (٤)
стр. 24
ويزيد القلب ارتعادا والعين إدرارا معرفة نسبة من يدخل النار من أهل الدنيا، لاسيما مع استحضار هول الموقف وشدة الكرب ووصف النار كما روي عن عمران بن حصين أن النبي ﷺ : (لما نزلت ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ)) (١) ... إلى قوله: ((وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ)) قال أنزلت عليه هذه وهو في سفر فقال أتدرون أي يوم ذلك فقالوا الله ورسوله أعلم قال ذلك يوم يقول الله لآدم ابعث بعث النار فقال يا رب وما بعث النار قال تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة قال فأنشأ المسلمون يبكون فقال رسول الله ﷺ قاربوا وسددوا فإنها لم تكن نبوة قط إلا كان بين يديها جاهلية قال فيؤخذ العدد من الجاهلية فإن تمت وإلا كملت من المنافقين وما مثلكم والأمم إلا كمثل الرقمة في ذراع الدابة أو كالشامة في جنب البعير ثم قال إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة فكبروا ثم قال إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة فكبروا ثم قال إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة فكبروا قال لا أدري قال الثلثين أم لا) (٢) ،
стр. 25
ومثله ما روي عن أبي الدرداء: (عن النبي ﷺ قال ان الله تعالى يقول يوم القيامة لآدم ﵇ قم فجهز من ذريتك تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار وواحدا إلى الجنة فبكى أصحابه وبكوا ثم قال لهم رسول الله ﷺ ارفعوا رؤوسكم فوالذي نفسي بيده ما أمتي في الأمم إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود فخفف ذلك عنهم) (١)
стр. 26
ويهيج البكاء خشية الله تعالى والخوف من الوقوع فيما يسخطه دون شعور من صاحبه، مع أنه يبذل جهده تقى وصلاحا وعملا صالحا، كما روي عن عمر بن الخطاب ﵁: (أنه خرج يوما إلى مسجد رسول الله ﷺ فوجد معاذ بن جبل قاعدا عند قبر النبي ﷺ يبكي فقال ما يبكيك قال يبكيني شيء سمعته من رسول الله ﷺ سمعت رسول الله ﷺ يقول إن يسير الرياء شرك وإن من عادى لله وليا فقد بارز الله بالمحاربة إن الله يحب الأبرار الأتقياء الأخفياء الذين إذا غابوا لم يفتقدوا وإن حضروا لم يدعوا ولم يعرفوا قلوبهم مصابيح الهدى يخرجون من كل غبراء مظلمة) (١)
стр. 27
على أن لا يستحيل ذلك يأسا وقنوطا؛ بل يتلازم هذا الخوف مع حسن الظن بالله تعالى والطمع في رحمته، فإنه رحيم بعباده وبهذين الشعورين يبقى المؤمن متوازنا لا يخاف فينقطع به اليأس عن العمل، ولا يرجو فيأمن حتى ينقطع عن العمل أيضا وكلا الطرفان تطرف مذموم، وما من دين توازن هذا التوازن.
стр. 28
وقد يبكي المرء خشية من الله أن يفتن هو أو أهله بفتنة تحرمه من لذيذ نعيم الله تعالى ومن هنيء مرضاته، كأن يكون على غير العهد الذي كان عليه رسول الله- ﷺ كما جاء في حديث أسماء بنت يزيد: (قالت كنا مع النبي ﷺ في بيته فقال إذا كان قبل خروج الدجال بثلاث سنين حبست السماء ثلث قطرها وحبست الأرض ثلث نباتها فإذا كانت السنة الثانية حبست السماء ثلثي قطرها وحبست الأرض ثلثي نباتها فإذا كانت السنة الثالثة حبست السماء قطرها كله وحبست الأرض نباتها كله فلا يبقى ذو خف ولا ظلف إلا هلك فيقول الدجال للرجل من أهل البادية أرأيت إن بعثت إبلك ضخاما ضروعها عظاما أسنمتها أتعلم إني ربك فيقول نعم فتمثل له الشياطين على صورة إبله فيتبعه ويقول للرجل أرأيت إن بعثت أباك وابنك ومن تعرف من أهلك أتعلم أني ربك فيقول نعم فيمثل له الشياطين على صورهم فيتبعه ثم خرج رسول الله ﷺ وبكى أهل البيت ثم رجع رسول الله ﷺ ونحن نبكي فقال ما يبكيكم فقلت يا رسول الله ما ذكرت من الدجال فوالله إن أمة أهلي لتعجن عجينها فما تبلغ حتى تكاد تفتت من الجوع فكيف نصنع يومئذ فقال رسول الله ﷺ يكفي المؤمنين عن الطعام والشراب يومئذ التكبير والتسبيح والتحميد ثم قال لا تبكوا فإن يخرج الدجال وأنا فيكم فأنا حجيجه وإن يخرج بعدي فالله خليفتي على كل مسلم) (١)
стр. 29
ومن مهيجات البكاء أن يكره المرء على فعل معصية تأنف نفسه من فعلها فإذا تذكر نهي الله وعظم الذنب بكى كما روي عن بن عمر قال سمعت النبي ﷺ يحدث حديثا لو لم أسمعه إلا مرة أو مرتين حتى عد سبع مرات ولكني سمعته أكثر من ذلك سمعت رسول الله ﷺ يقول كان الكفل من بني إسرائيل لا يتورع من ذنب عمله فأتته امرأة فأعطاها ستين دينارا على أن يطأها فلما قعد منها مقعد الرجل من امرأته أرعدت وبكت فقال ما يبكيك أأكرهتك قالت لا ولكنه عمل ما عملته قط، وما حملني عليه إلا الحاجة فقال تفعلين أنت هذا وما فعلته اذهبي فهي لك وقال لا والله لا أعصي الله بعدها أبدا فمات من ليلته فأصبح مكتوبا على بابه إن الله قد غفر للكفل) (١)
стр. 30
وحينما يتذكر المرء القبر، ويذكر أنه أول منازل الآخرة، وأول مراحل القدوم على الله تعالى لا يملك دمعة عينة خشية من الله وتعظيما للوقوف بين يديه كما روي عن هانئ مولى عثمان قال: (كان عثمان إذا وقف على قبر بكى حتى يبل لحيته فقيل له تذكر الجنة والنار فلا تبكي وتبكي من هذا فقال إن رسول الله ﷺ قال إن القبر أول منازل الآخرة فإن نجا منه فما بعده أيسر منه وإن لم ينج منه فما بعده أشد منه قال وقال رسول الله ﷺ ما رأيت منظرا قط إلا القبر أفظع منه) (١)
стр. 31
ولا يبرح المؤمن أن يحاسب نفسه فإذا أوجس منها ظلما لعباد الله وعلم أنه محاسب ومقتص منه عاد على نفسه باللائمة، مؤنبا ومثربا فأعول وبكى كما جاء في حديث عائشة أن رجلا قعد بين يدي النبي ﷺ فقال يا رسول الله إن لي مملوكين يكذبونني ويخونونني ويعصونني وأشتمهم وأضربهم فكيف أنا منهم قال يحسب ما خانوك وعصوك وكذبوك وعقابك إياهم فإن كان عقابك إياهم بقدر ذنوبهم كان كفافا لا لك ولا عليك وإن كان عقابك إياهم دون ذنوبهم كان فضلا لك وإن كان عقابك إياهم فوق ذنوبهم أقتص لهم منك الفضل قال فتنحى الرجل فجعل يبكي ويهتف فقال رسول الله ﷺ أما تقرأ كتاب الله (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ) (١) الآية فقال
الرجل والله يا رسول الله ما أجد لي ولهؤلاء شيئا خيرا من مفارقتهم أشهدكم أنهم أحرار كلهم) (٢)
стр. 32
ويغلب عند الخشوع والخشية لله تعالى أن يرافق دمع العين قشعريرة في الجلد ووجل في القلب كما في قوله تعالى ((اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ)) (١)
وإذا بقي القلب قاسيا والعين جافة استحق العبد المعاتبة على هذا الجفاء كما في قوله تعالى ((أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الحَقِّ وَلاَ يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ)) (٢)
والذي جاءت به السنة الاعتدال في البكاء ولو كان من خشية الله خلافا لما يتكلفه بعض الناس من العويل الشديد والصراخ الذي يفزع الحاضرين ويذهب عنهم التفكر والتدبر، ويجلب الخوف الشديد الدافع لليأس من رحمة الله، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: " وما يحصل عند الذكر المشروع من البكاء ووجل القلوب واقشعرار الجسوم فمن أفضل الأحوال التي جاء بها الكتاب، أما الاضطراب الشديد والغشي والصيحان؛ فإن كان صاحبه لم يعلم ما هو عليه لم يلم، وسببه قوة الوارد مع ضعف القلب، والقوة والتمكن أفضل، كما هو حال النبي ﷺ وأصحابه، وأما السكون قسوة وجفاء فهذا مذموم. " (٣)
стр. 33
٤. البكاء عند العجز عن تحصيل شيء من مراضي الله
عندما تتطلع النفوس العالية إلى القمة وترغب في الوصول إلى مرضاة من تحب تزيل كل عقبة في طريقها؛ لكن حينما تكون العقبة عائقة والوصول متعذر تنقطق النفوس إثرها وتخفق القلوب ويفارق العين الكرى فيبيت المؤمن في ألم وحسرة تدمع من شدتها عيون الرجال، كما يصور القرآن هذا المشهد الرائع في سورة التوبة
(وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ) (١)
стр. 34
وكما يبكي الصالحون على فوات فضل أو منزلة عند الله، فقد بكى قبلهم من هو خير منهم من الأنبياء والمرسلين كبكاء موسى ﷺ لما فاته من كثرة التابعين الذين رآهم مع محمد ﷺ ، روى في الصحيح عن أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة ﵄ أن نبي الله ﷺ حدثهم عن ليلة أسري به بينما أنا في الحطيم وربما قال في الحجر مضطجعا إذ أتاني آت فقد قال وسمعته يقول فشق ما بين هذه إلى هذه فقلت للجارود وهو إلى جنبي ما يعني به قال من ثغرة نحره إلى شعرته وسمعته يقول من قصه إلى شعرته فاستخرج قلبي ثم أتيت بطست من ذهب مملوءة إيمانا فغسل قلبي ثم حشي ثم أعيد ثم أتيت بدابة دون البغل وفوق الحمار أبيض فقال له الجارود هو البراق يا أبا حمزة قال أنس نعم يضع خطوه عند أقصى طرفه فحملت عليه فانطلق بي جبريل حتى أتى السماء الدنيا فاستفتح فقيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل وقد أرسل إليه قال نعم قيل مرحبا به فنعم المجيء جاء ففتح فلما خلصت فإذا فيها آدم فقال هذا أبوك آدم فسلم عليه فسلمت عليه فرد السلام ثم قال مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح ثم صعد حتى أتى السماء الثانية فاستفتح قيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل وقد أرسل إليه قال نعم قيل مرحبا به فنعم المجيء جاء ففتح فلما خلصت إذا يحيى وعيسى وهما ابنا الخالة قال هذا يحيى وعيسى فسلم عليهما فسلمت فردا ثم قالا مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح ثم صعد بي إلى السماء الثالثة فاستفتح قيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل وقد أرسل إليه قال نعم قيل مرحبا به فنعم المجيء جاء ففتح فلما خلصت إذا يوسف قال هذا يوسف فسلم عليه فسلمت عليه فرد ثم قال مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح ثم صعد بي حتى أتى السماء الرابعة فاستفتح قيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل أو قد أرسل إليه قال نعم قيل مرحبا به فنعم
стр. 35
المجيء جاء ففتح فلما خلصت إلى إدريس قال هذا إدريس فسلم عليه فسلمت عليه فرد ثم قال مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح ثم صعد بي حتى أتى السماء الخامسة فاستفتح قيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد ﷺ قيل وقد أرسل إليه قال نعم قيل مرحبا به فنعم المجيء جاء فلما خلصت فإذا هارون قال هذا هارون فسلم عليه فسلمت عليه فرد ثم قال مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح ثم صعد بي حتى أتى السماء السادسة فاستفتح قيل من هذا قال جبريل قيل من معك قال محمد قيل وقد أرسل إليه قال نعم قال مرحبا به فنعم المجيء جاء فلما خلصت فإذا موسى قال هذا موسى فسلم عليه فسلمت عليه فرد ثم قال مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح فلما تجاوزت بكى قيل له ما يبكيك قال أبكي لأن غلاما بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها من أمتي ثم صعد بي إلى السماء السابعة فاستفتح جبريل قيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل وقد بعث إليه قال نعم قال مرحبا به فنعم المجيء جاء فلما خلصت فإذا إبراهيم قال هذا أبوك فسلم عليه قال فسلمت عليه فرد السلام قال مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح ثم رفعت لي سدرة المنتهى فإذا نبقها مثل قلال هجر وإذا ورقها مثل آذان الفيلة قال هذه سدرة المنتهى وإذا أربعة أنهار نهران باطنان ونهران ظاهران فقلت ما هذان يا جبريل قال أما الباطنان فنهران في الجنة وأما الظاهران فالنيل والفرات ثم رفع لي البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم أتيت بإناء من خمر وإناء من لبن وإناء من عسل فأخذت اللبن فقال هي الفطرة أنت عليها وأمتك ثم فرضت علي الصلوات خمسين صلاة كل يوم فرجعت فمررت على موسى فقال بم أمرت قال أمرت بخمسين صلاة كل يوم قال أمتك لا تستطيع خمسين صلاة كل يوم وإني والله قد جربت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك فرجعت فوضع عني عشرا فرجعت إلى موسى
стр. 36
فقال مثله فرجعت فوضع عني عشرا فرجعت إلى موسى فقال مثله فرجعت فوضع عني عشرا فرجعت إلى موسى فقال مثله فرجعت فأمرت بعشر صلوات كل يوم فرجعت فقال مثله فرجعت فأمرت بخمس صلوات كل يوم فرجعت إلى موسى فقال بما أمرت قلت أمرت بخمس صلوات كل يوم قال إن أمتك لا تستطيع خمس صلوات كل يوم وإني قد جربت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك قال سألت ربي حتى استحييت ولكن أرضى وأسلم قال فلما جاوزت نادى مناد أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي) (١)
стр. 37
وكما بكى سعد بن أبي وقاص خوفا من الموت في أرض غير التي هاجر إليها فعن حميد بن عبد الرحمن الحميري عن ثلاثة من ولد سعد كلهم يحدثه عن أبيه (أن النبي ﷺ دخل على سعد يعوده بمكة فبكى قال ما يبكيك فقال قد خشيت أن أموت بالأرض التي هاجرت منها كما مات سعد بن خولة فقال النبي ﷺ اللهم اشف سعدا اللهم اشف سعدا ثلاث مرار قال يا رسول الله إن لي مالا كثيرا وإنما يرثني ابنتي أفأوصي بمالي كله قال لا قال فبالثلثين قال لا قال فالنصف قال لا قال فالثلث قال الثلث والثلث كثير إن صدقتك من مالك صدقة وإن نفقتك على عيالك صدقة وإن ما تأكل امرأتك من مالك صدقة وإنك أن تدع أهلك بخير أو قال بعيش خير من أن تدعهم يتكففون الناس وقال بيده) (١)
стр. 38
وقد يكون المانع من تحصيل ما حصله الآخرون من الأجر لا إراديا كأن تحيض المرأة في أيام فاضلة يصومها الناس كيوم عرفة أو عاشوراء أو تريد التمتع بالحج فلا تتمكن من ذلك لأجل الحيض فحينئذ تستشرف النفس ويحال بينها وبين ما تشتهي فتندفع العين بالدمع سحا، كما كان من شأن عائشة ﵂ قالت: (خرجنا مع رسول الله ﷺ في أشهر الحج وليالي الحج وحرم الحج فنزلنا بسرف قالت فخرج إلى أصحابه فقال من لم يكن منكم معه هدي فأحب أن يجعلها عمرة فليفعل ومن كان معه الهدي فلا قالت فالآخذ بها والتارك لها من أصحابه قالت فأما رسول الله ﷺ ورجال من أصحابه فكانوا أهل قوة وكان معهم الهدي فلم يقدروا على العمرة قالت فدخل علي رسول الله ﷺ وأنا أبكي فقال ما يبكيك يا هنتاه قلت سمعت قولك لأصحابك فمنعت العمرة قال وما شأنك قلت لا أصلي قال فلا يضيرك إنما أنت امرأة من بنات آدم كتب الله عليك ما كتب عليهن فكوني في حجتك فعسى الله أن يرزقكيها قالت فخرجنا في حجته حتى قدمنا منى فطهرت ثم خرجت من منى فأفضت بالبيت قالت ثم خرجت معه في النفر الآخر حتى نزل المحصب ونزلنا معه فدعا عبد الرحمن بن أبي بكر فقال اخرج بأختك من الحرم فلتهل بعمرة ثم افرغا ثم ائتيا ها هنا فإني أنظركما حتى تأتياني قالت فخرجنا حتى إذا فرغت وفرغت من الطواف ثم جئته بسحر فقال هل فرغتم فقلت نعم فآذن بالرحيل في أصحابه فارتحل الناس فمر متوجها إلى المدينة) (١)
стр. 39
فهذا رسول الله ﷺ يحبس أمته جمعا لئلا يفوت زوجته فضل ذهب الناس به، وحرمت منه وبقي قلبها متعلقا به فيا له من خلق عظيم وتقدير كريم تتقاصر دونه كل هامات العالم الزاعم كفالة حقوق المرأة.
ومثل هذا ما روته عائشة زوج النبي ﷺ أن أم حبيبة بنت جحش ختنه (١) رسول الله ﷺ وتحت عبد الرحمن بن عوف استحيضت سبع سنين فاستفتت رسول الله ﷺ في ذلك فقال رسول الله ﷺ إن هذه ليست بالحيضة ولكن هذا عرق فاغتسلي وصلي قالت عائشة فكانت تغتسل في مركن في حجرة أختها زينب بنت جحش حتى تعلو حمرة الدم الماء قال بن شهاب فحدثت بذلك أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فقال يرحم الله هندا لو سمعت بهذه الفتيا والله إن كانت لتبكي لأنها كانت لا تصلي) (٢) يعني أنها كانت تبكي لأنها كانت تشعر بالعجز عن تحصيل مرضاة الله بالصلاة لكثرة ما كانت تستحاض فتدع الصلاة ظنا منها أن سائر خروج الدم مهما طال يمنع المرأة من الصلاة.
стр. 40
٥. بكاء التوبة:
حينما يحرك المؤمن إلى الذنب شهوة أو شبهة أو غفلة لا يلبث أن يعود على نفسه بالملامة فيبقى ذنبه أمام عينيه ماثلا يخاف مغبته ويخشى عقوبته الدنيوية والأخروية فيحمله الندم على تدارك ما فات، فيعزم على تجنب الذنب وتأبى نفسه الوقوع فيه مرة أخرى؛ ولكن ما هي الحيلة فيما مضى! هل يعود اللبن إلى الضرع أم وقف عقارب الساعة وإرجاعها يمكن أن يرجع الزمان! هيهات هيهات.