ولم يكن الصحابة يأنفون من البكاء على الميت، بل أثر ذلك عنهم كما بكت حفصة ﵂ على أبيها عمر بن الخطاب رضي الله فعن عمرو بن ميمون قال: ... (رأيت عمر بن الخطاب ﵁ قبل أن يصاب بأيام بالمدينة وقف على حذيفة بن اليمان وعثمان بن حنيف قال كيف فعلتما أتخافان أن تكونا قد حملتما الأرض ما لا تطيق قالا حملناها أمرا هي له مطيقة ما فيها كبير فضل قال انظرا أن تكونا حملتما الأرض ما لا تطيق قال قالا لا فقال عمر لئن سلمني الله لأدعن أرامل أهل العراق لا يحتجن إلى رجل بعدي أبدا قال فما أتت عليه إلا رابعة حتى أصيب قال إني لقائم ما بيني وبينه إلا عبد الله بن عباس غداة أصيب وكان إذا مر بين الصفين قال استووا حتى إذا لم ير فيهم خللا تقدم فكبر وربما قرأ سورة يوسف أو النحل أو نحو ذلك في الركعة الأولى حتى يجتمع الناس فما هو إلا أن كبر فسمعته يقول قتلني أو أكلني الكلب حين طعنه فطار العلج بسكين ذات طرفين لا يمر على أحد يمينا ولا شمالا إلا طعنه حتى طعن ثلاثة عشر رجلا مات منهم سبعة فلما رأى ذلك رجل من المسلمين طرح عليه برنسا فلما ظن العلج أنه مأخوذ نحر نفسه وتناول عمر يد عبد الرحمن بن عوف فقدمه فمن يلي عمر فقد رأى الذي أرى وأما نواحي المسجد فإنهم لا يدرون غير أنهم قد فقدوا صوت عمر وهم يقولون سبحان الله سبحان الله فصلى بهم عبد الرحمن صلاة خفيفة فلما انصرفوا قال يا بن عباس انظر من قتلني فجال ساعة ثم جاء فقال غلام المغيرة قال الصنع قال نعم قال قاتله الله لقد أمرت به معروفا الحمد لله الذي لم يجعل ميتتي بيد رجل يدعي الإسلام قد كنت أنت وأبوك تحبان أن تكثر العلوج بالمدينة وكان العباس أكثرهم رقيقا فقال إن شئت فعلت أي إن شئت قتلنا قال كذبت بعد ما تكلموا بلسانكم وصلوا قبلتكم وحجوا حجكم فاحتمل إلى بيته فانطلقنا معه وكأن الناس لم تصبهم مصيبة قبل يومئذ فقائل يقول لا بأس وقائل يقول أخاف عليه فأتي
стр. 72
بنبيذ فشربه فخرج من جوفه ثم أتي بلبن فشربه فخرج من جرحه فعلموا أنه ميت فدخلنا عليه وجاء الناس فجعلوا يثنون عليه وجاء رجل شاب فقال أبشر يا أمير المؤمنين ببشرى الله لك من صحبة رسول الله ﷺ وقدم في الإسلام ما قد علمت ثم وليت فعدلت ثم شهادة قال وددت أن ذلك كفاف لا علي ولا لي فلما أدبر إذا إزاره يمس الأرض قال ردوا علي الغلام قال بن أخي ارفع ثوبك فإنه أنقى لثوبك وأتقى لربك يا عبد الله بن عمر انظر ما علي من الدين فحسبوه فوجدوه ستة وثمانين ألفا أو نحوه قال إن وفي له مال آل عمر فأده من أموالهم وإلا فسل في بني عدي بن كعب فإن لم تف أموالهم فسل في قريش ولا تعدهم إلى غيرهم فأد عني هذا المال انطلق إلى عائشة أم المؤمنين فقل يقرأ عليك عمر السلام ولا تقل أمير المؤمنين فإني لست اليوم للمؤمنين أميرا وقل يستأذن عمر بن الخطاب أن يدفن مع صاحبيه فسلم واستأذن ثم دخل عليها فوجدها قاعدة تبكي فقال يقرأ عليك عمر بن الخطاب السلام ويستأذن أن يدفن مع صاحبيه فقالت كنت أريده لنفسي ولأوثرن به اليوم على نفسي فلما أقبل قيل هذا عبد الله بن عمر قد جاء قال ارفعوني فأسنده رجل إليه فقال ما لديك قال الذي تحب يا أمير المؤمنين أذنت قال الحمد لله ما كان من شيء أهم إلي من ذلك فإذا أنا قضيت فاحملوني ثم سلم فقل يستأذن عمر بن الخطاب فإن أذنت لي فأدخلوني وإن ردتني ردوني إلى مقابر المسلمين وجاءت أم المؤمنين حفصة والنساء تسير معها فلما رأيناها قمنا فولجت عليه فبكت عنده ساعة واستأذن الرجال فولجت داخلا لهم فسمعنا بكاءها من الداخل فقالوا أوص يا أمير المؤمنين استخلف قال ما أجد أحدا أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر أو الرهط الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض فسمى عليا وعثمان والزبير وطلحة وسعدا وعبد الرحمن وقال يشهدكم عبد الله بن عمر وليس له من الأمر شيء كهيئة التعزية له فإن أصابت الإمرة سعدا فهو
стр. 73
ذاك وإلا فليستعن به أيكم ما أمر فإني لم أعزله عن عجز ولا خيانة وقال أوصي الخليفة من بعدي بالمهاجرين الأولين أن يعرف لهم حقهم ويحفظ لهم حرمتهم وأوصيه بالأنصار خيرا والذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم أن يقبل من محسنهم وأن يعفى عن مسيئهم وأوصيه بأهل الأمصار خيرا فإنهم ردء الإسلام وجباة المال وغيظ العدو وأن لا يؤخذ منهم إلا فضلهم عن رضاهم وأوصيه بالأعراب خيرا فإنهم أصل العرب ومادة الإسلام أن يؤخذ من حواشي أموالهم ويرد على فقرائهم وأوصيه بذمة الله تعالى وذمة رسوله ﷺ أن يوفى لهم بعهدهم وأن يقاتل من ورائهم ولا يكلفوا إلا طاقتهم فلما قبض خرجنا به فانطلقنا نمشي فسلم عبد الله بن عمر قال يستأذن عمر بن الخطاب قالت أدخلوه فأدخل فوضع هنالك مع صاحبيه فلما فرغ من دفنه اجتمع هؤلاء الرهط فقال عبد الرحمن اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم فقال الزبير قد جعلت أمري إلى علي فقال طلحة قد جعلت أمري إلى عثمان وقال سعد قد جعلت أمري إلى عبد الرحمن بن عوف فقال عبد الرحمن أيكما تبرأ من هذا الأمر فنجعله إليه والله عليه والإسلام لينظرن أفضلهم في نفسه فأسكت الشيخان فقال عبد الرحمن أفتجعلونه إلي والله علي أن لا آلو عن أفضلكم قالا نعم فأخذ بيد أحدهما فقال لك قرابة من رسول الله ﷺ والقدم في الإسلام ما قد علمت فالله عليك لئن أمرتك لتعدلن ولئن أمرت عثمان لتسمعن ولتطيعن ثم خلا بالآخر فقال له مثل ذلك فلما أخذ الميثاق قال ارفع يدك يا عثمان فبايعه فبايع له علي وولج أهل الدار فبايعوه) (١)
стр. 74
وفي هذا الحديث بكاء حفصة وبكاء عائشة ﵄ على عمر بن الخطاب ﵁ ولو كانتا تعلمان نكرا في ذلك لم تفعلاه.
وقد يكون دافع البكاء الخوف على الميت من سوء العاقبة، فإذا علم أهل الميت حسن خاتمته أو رجوا له عملا صالحا طابت نفوسهم لما يعلمون له من الكرامة كما جاء في حديث أنس بن مالك أن أم الربيع بنت البراء وهي أم حارثة بن سراقة (أتت النبي ﷺ فقالت يا نبي الله ألا تحدثني عن حارثة وكان قتل يوم بدر أصابه سهم غرب فإن كان في الجنة صبرت وإن كان غير ذلك اجتهدت عليه في البكاء قال يا أم حارثة إنها جنان في الجنة وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى) (١)
أقوال العلماء في البكاء على الميت
قال أبو جعفر الطحاوي "فذهب قوم إلى كراهة البكاء على الميت واحتجوا في ذلك بهذا الحديث وبما قد روى عن رسول الله ﷺ إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه" (٢)
قال الشيرازي: (ويجوز البكاء على الميت من غير ندب ولا نياحة لما روى جابر أن رسول الله ﷺ قال يا إبراهيم إنا لا نغني عنك من الله شيئا ثم ذرفت عيناه فقال له عبد الرحمن بن عوف يا رسول الله أتبكي أو لم تنه عن البكاء قال لا ولكن نهيت عن النوح ولا يجوز لطم الخدود وشق الجيوب لما روى عبد الله ابن مسعود أن النبي ﷺ قال ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية) (٣)
стр. 75
قال النووي: " قال الشافعي والأصحاب البكاء على الميت جائز قبل الموت وبعده ولكن قبله أولى لحديث جابر بن عتيك ﵁: (أن رسول الله ﷺ جاء يعود عبد الله بن ثابت فوجده قد غلب فصاح النسوة وبكين فجعل ابن عتيك يسكتهن فقال رسول الله ﷺ دعهن فإذا وجب فلا تبكين باكية قالوا وما الوجوب يا رسول الله قال الموت) (١)
стр. 76
حديث صحيح رواه مالك في الموطأ والشافعي وأحمد وأبو داود والنسائي وغيرهم بأسانيد صحيحة ولفظ الشافعي في الأم:"وأرخص في البكاء قبل الموت فإذا مات أمسكن" (١) قال النووي: "وقال صاحب الشامل وطائفة يكره البكاء بعد الموت لظاهر الحديث في النهي ولم يقل الجمهور ويكره وإنما قالوا الأولى تركه قالوا وهو مراد الحديث ولفظ الشافعي محتمل هذا كله في البكاء بلا ندب ولا نياحة أما الندب والنياحة ولطم الخد وشق الجيب وخمش الوجه ونشر الشعر والدعاء بالويل والثبور فكلها محرمة باتفاق الأصحاب وصرح الجمهور بالتحريم ووقع في كلام بعضهم لفظ الكراهة وكذا وقع لفظ الكراهة في نص الشافعي في الأم وحملها الأصحاب على كراهة التحريم وقد نقل جماعة الإجماع في ذلك قال إمام الحرمين ﵀ ورفع الصوت بإفراط في معنى شق الجيب قال غيره هذا إذا كان مختارا فإن كان مغلوبا لم يؤاخذ به لأنه غير مكلف" (٢)
واختلف العلماء في أحاديث تعذيب الميت بالبكاء فتأولوها على وجوه:
- فتأولها المزني والشافعية وجمهور العلماء على من وصى أن يبكى عليه ويناح بعد موته فنفذت وصيته فهذا يعذب ببكاء أهله عليه ونوحهم لأنه بسببه ومنسوب إليه قالوا فأما من بكى عليه أهله وناحوا من غير وصية منه فلا يعذب ببكائهم ونوحهم لقوله تعالى: ((وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)) (٣)
- وقالت طائفة هو محمول على من أوصى بالبكاء والنوح أو لم يوص بتركهما فمن أوصى بهما أو أهمل الوصية بتركهما يعذب بهما لتفريطه بإهماله الوصية بتركهما فأما من أوصى بتركهما فلا يعذب بهما إذ لا صنع له فيهما ولا تفريط وحاصل هذا القول إيجاب الوصية بتركهما فمن أهملها عذب بهما
стр. 77
- وقالت طائفة معنى الأحاديث أنهم كانوا ينوحون على الميت ويندبونه بتعديد شمائله ومحاسنه في زعمهم وتلك الشمائل قبائح في الشرع فيعذب بها كما كانوا يقولون يا مرمل النسوان ومؤتم الولدان مخرب العمران ومفرق الأخدان ونحو ذلك مما يرونه شجاعة وفخرا وهو حرام شرعا
- وقالت طائفة معناه أنه يعذب بسماعه بكاء أهله ويرق لهم وإلى هذا ذهب محمد بن جرير وغيره قال القاضي عياض: وهو أولى الأقوال. واحتجوا بحديث فيه "أن النبي ﷺ زجر امرأة عن البكاء على أبيها وقال إن أحدكم إذا بكى استعبر له صويحبه فيا عباد الله لا تعذبوا إخوانكم."
- وقالت عائشة ﵂ معنى الحديث أن الكافر وغيره من أصحاب الذنوب يعذب في حال بكاء أهله عليه بذنبه لا ببكائهم
والصحيح من هذه الأقوال ما قدمناه عن الجمهور وأجمعوا كلهم على اختلاف مذاهبهم أن المراد بالبكاء بصوت ونياحة لا مجرد دمع العين والله أعلم (١)
وقال النووي: "والندب حرام وهو أن يعد شمائل الميت فيقال واكهفاه واجبلاه ونحو ذلك، والنياحة حرام والجزع بضرب الخد وشق الثوب ونشر الشعر حرام وإذا فعل أهل الميت شيئا من ذلك لا يعذب الميت والحديث فيه متأول على من أوصى بالنياحة عليه" (٢)
قال ابن قدامة: " أما البكاء بمجرده فلا يكره في حال" (٣)
стр. 78
ومن خلال دراستي للأحاديث تبين لي أن البكاء على الميت حزنا دون تسخط ولا جزع ولا ندب جائز بدليل فعل النبي ﷺ وأصحابه كما سبق أن ذكرته ولا فرق في ذلك بين ما كان قبل الموت أو بعده، أما حديث جابر بن عتيك أن رسول الله ﷺ : (جاء يعود عبد الله بن ثابت فوجده قد غلب فصاح به رسول الله ﷺ فلم يجبه فاسترجع رسول الله ﷺ وقال غلبنا عليك يا أبا الربيع فصاح النسوة وبكين فجعل بن عتيك يسكتهن فقال رسول الله ﷺ دعهن فإذا وجب فلا تبكين باكية قالوا وما الوجوب يا رسول الله قال الموت قالت ابنته والله إن كنت لأرجو أن تكون شهيدا فإنك كنت قد قضيت جهازك قال رسول الله ﷺ إن الله قد أوقع أجره على قدر نيته وما تعدون الشهادة قالوا القتل في سبيل الله تعالى قال رسول الله ﷺ الشهادة سبع سوى القتل في سبيل الله المطعون شهيد والغرق شهيد وصاحب ذات الجنب شهيد والمبطون شهيد وصاحب الحريق شهيد والذي يموت تحت الهدم شهيد والمرأة تموت بجمع شهيدة) (١)
стр. 79
والمقصود بالبكاء الذي نهين عنه هنا البكاء بصوت لقوله "فصاح" والصياح هو الصوت مع البكاء (١) ، وبهذا يمكن الجمع بين الأحاديث الدالة على بكاء النبي ﷺ وإقراره بكاء أصحابه.
أما حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (أن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه) (٢) فقد أجاب عنه العلماء بأن عائشة ﵂ أجابت عنه بقولها: (يغفر الله لأبي عبد الرحمن أما إنه لم يكذب ولكنه نسي أو أخطأ إنما مر رسول الله ﷺ على يهودية يبكى عليها فقال إنهم ليبكون عليها وإنها لتعذب في قبرها) وذلك في حديث ابن عمر السابق نفسه كما جاء مطولا عند البخاري ومسلم وغيرهما (٣) ، وروى الطحاوي الحديث من رواية لعائشة ﵂ قالت: (أما والله ما تحدثون هذا الحديث عن الكاذبين ولكن السمع يخطئ وإن لكم في القرآن لما يشفيكم ألا تزر وازرة وزر أخرى ولكن رسول الله ﷺ قال إن الله ليزيد الكافر عذابا ببعض بكاء أهله عليه) (٤)
стр. 80
فلا بأس بالبكاء على الميت إذا كان بكاء لا معصية معه من قول فاحش ولا نياحة دليل ذلك ما رواه عبد الله بن عمر ﵄ قال: (اشتكى سعد بن عبادة شكوى له فأتى رسول الله ﷺ يعوده مع عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود فلما دخل عليه وجده في غشيته فقال قد قضى فقالوا لا والله يا رسول الله فبكي رسول الله ﷺ فلما رأى القوم بكاء رسول الله ﷺ بكوا فقال ألا تسمعون أن الله تعالى لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب ولكن يعذب بهذا وأشار إلى لسانه أو يرحم) (١)
стр. 81
وتحزن المرأة حين يفارقها زوجها أو تشعر بأنها أسخطته، وكلما كانت له أكثر حبا كان حزنها لفراقه أكثر وندمها على إسخاطه أشد وأوجع كما بلغ الحزن من زوجات رسول الله ﷺ مبلغا عظيما حين أسخطنه وهجرهن، بل اشتد ذلك على أهلهن وذويهن وعامة المسلمين كما أخبر ابن عباس (لبثت سنة وأنا أريد أن أسأل عمر عن المرأتين اللتين تظاهرتا على النبي ﷺ فجعلت أهابه فنزل يوما منزلا فدخل الأراك فلما خرج سألته فقال عائشة وحفصة ثم قال كنا في الجاهلية لا نعد النساء شيئا فلما جاء الإسلام وذكرهن الله رأينا لهن بذلك علينا حقا من غير أن يدخلهن في شيء من أمورنا وكان بيني وبين امرأتي كلام فأغلظت لي فقلت لها وإنك لهناك قالت تقول هذا لي وابنتك تؤذي النبي ﷺ فأتيت حفصة فقلت لها إني أحذرك أن تعصي الله ورسوله وتقدمت إليها في أذاه فأتيت أم سلمة فقلت لها فقالت أعجب منك يا عمر قد دخلت في أمورنا فلم يبق إلا أن تدخل بين رسول الله ﷺ وأزواجه فرددت وكان رجل من الأنصار إذا غاب عن رسول الله ﷺ وشهدته أتيته بما يكون وإذا غبت عن رسول الله ﷺ وشهد أتاني بما يكون من رسول الله ﷺ وكان من حول رسول الله ﷺ قد استقام له فلم يبق إلا ملك غسان بالشام كنا نخاف أن يأتينا فما شعرت إلا بالأنصاري وهو يقول إنه قد حدث أمر قلت له وما هو أجاء الغساني قال أعظم من ذاك طلق رسول الله ﷺ نساءه فجئت فإذا البكاء من حجرهن كلها وإذا النبي ﷺ قد صعد في مشربة له وعلى باب المشربة وصيف فأتيته فقلت استأذن لي فأذن لي فدخلت فإذا النبي ﷺ على حصير قد أثر في جنبه وتحت رأسه مرفقة من آدم حشوها ليف وإذا أهب معلقة وقرظ فذكرت الذي قلت لحفصة وأم سلمة والذي ردت علي أم سلمة فضحك رسول الله صلى
стр. 82
الله عليه وسلم فلبث تسعا وعشرين ليلة ثم نزل) (١)
وقد يكون من دواعي الحزن رؤية تفريط الناس في دينهم وذهاب هيبته من نفوسهم، أو رؤية المنكرات، لاسيما عند عدم القدرة على تغييرها كما حكى الزهري ﵀ قال: (دخلت على أنس بن مالك بدمشق وهو يبكي فقلت ما يبكيك فقال لا أعرف شيئا مما أدركت إلا هذه الصلاة وهذه الصلاة قد ضيعت) (٢)
- بكاء الألم
ومما لا يقدر الإنسان على منع نفسه منه دمعة تنزل لتألمه ألما نفسيا أو جسميا، فالدموع مظهر طبيعي للتعبير عن تألم الإنسان يشترك فيها الكبير والصغير، وإن كان بعض الناس أجلد من بعض، ومن أمثلة ذلك في السنة ما حدث به ابن عباس: (أن زوج بريرة كان عبدا يقال له مغيث كأني أنظر إليه يطوف خلفها يبكي ودموعه تسيل على لحيته فقال النبي ﷺ لعباس يا عباس إلا تعجب من حب مغيث بريرة ومن بغض بريرة مغيثا فقال النبي ﷺ لو راجعته قالت يا رسول الله تأمرني قال إنما أنا أشفع قالت لا حاجة لي فيه) (٣)
стр. 83
فهو يبكي عليها لما كان بينهما من العلاقة المشروعة، ثم تألم لما عتقت وتأبت عليه فكان يتبعها ويبكي، ولم ينكر عليه النبي ﷺ البكاء بل رق له وتشفع فيه.
ومن بكاء الألم بكاء الصبي فإنه يبكي جوعا ويبكي خوفا، وقد كان ﷺ يقدر بكاءه ويشفق على أمه التي تسمع بكاءه وهو في الصلاة فيخفف صلاته رأفة بها وبه كما صح عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: (إني لأدخل في الصلاة فأريد إطالتها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز مما أعلم من شدة وجد أمه من بكائه) (١)
стр. 84
وحينما يكون البكاء منهم على أمر يخالف مصلحتهم فإنه يحتمل ولا يؤبه به كع أنهم لا يلامون عليه ولا يوبخون، كما روي عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ قال: (كان رسول الله ﷺ إذا سافر كان آخر عهده بإنسان من أهله فاطمة وأول من يدخل عليها إذا قدم فاطمة فقدم من غزاة له وقد علقت مسحا أو سترا على بابها وحلت الحسن والحسين قلبين من فضة فقدم فلم يدخل فظنت أن ما منعه أن يدخل ما رأى فهتكت الستر وفككت القلبين عن الصبيين وقطعته بينهما فانطلقا إلى رسول الله ﷺ وهما يبكيان فأخذه منهما وقال يا ثوبان اذهب بهذا إلى آل فلان أهل بيت بالمدينة إن هؤلاء أهل بيتي أكره أن يأكلوا طيباتهم في حياتهم الدنيا يا ثوبان اشتر لفاطمة قلادة من عصب وسوارين من عاج) (١)
стр. 85
- بكاء الشوق
وقد يحرك القلب ويبكي العين ذكر الأحبة والشوق لهم مع استحالة ذلك لفقدهم أو موتهم، قال واقد بن عمرو بن سعد بن معاذ قال (قدم أنس بن مالك فأتيته فقال من أنت فقلت أنا واقد بن عمرو بن سعد بن معاذ قال فبكى وقال إنك لشبيه بسعد وإن سعدا كان من أعظم الناس وأطولهم وإنه بعث إلى النبي ﷺ جبة من ديباج منسوج فيها الذهب فلبسها رسول الله ﷺ فصعد المنبر فقام أو قعد فجعل الناس يلمسونها فقالوا ما رأينا كاليوم ثوبا قط فقال أتعجبون من هذه لمناديل سعد في الجنة خير مما ترون) (١)
وقد يشتاق المؤمن إلى حال كان عليه من التعبد أو قوة الإيمان أو صدق الإخاء أو المناجاة أو زيادة يجدها في إيمانه فيذكر عهده الماضي ويبكي حنينا إليه ورغبة فيه، كما بكت أم أيمن وأبكت الخليفتين أبا بكر وعمر ﵃ أجمعين، حدث أنس قال: قال أبو بكر ﵁ بعد وفاة رسول الله ﷺ لعمر (انطلق بنا إلى أم ايمن نزورها كما كان رسول الله ﷺ يزورها فلما انتهينا إليها بكت فقالا لها ما يبكيك ما عند الله خير لرسوله ﷺ فقالت ما أبكي أن لا أكون أعلم إن ما عند الله خير لرسوله ﷺ ولكن أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء فهيجتهما على البكاء فجعلا يبكيان معها) (٢)
стр. 86
- بكاء الرحمة
حينما يخالط القلب شعور بالرحمة ويمتزج به الإحساس بالشفقة مع عجز المرء عن تقديم ما ينفعه أو دفع ما يضره تذرف الدموع، يتجلى هذا الموقف في زيارة رسول الله ﷺ لقبر أمه، وحينما وقف على قبرها خالطه الشعور بالرحمة والشفقة عليها أن ماتت مشركة قبل بعثته ﷺ ، فعن أبي هريرة قال: (زار النبي ﷺ قبر أمه فبكى وأبكى من حوله فقال استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يؤذن لي واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي فزوروا القبور فإنها تذكر الموت) (١)
ومن ذلك رحمة عمر بن الخطاب برسول الله ﷺ حين رأى أثر السرير في جنبه فلم يملك دمعه رأفة به، كم جاء في رواية صحيح مسلم: (عن
стр. 87
عمر بن الخطاب ﵁ قال: (لما اعتزل نبي الله ﷺ نساءه قال دخلت المسجد فإذا الناس ينكتون بالحصى ويقولون طلق رسول الله ﷺ نساءه وذلك قبل أن يؤمرن بالحجاب فقال عمر فقلت لأعلمن ذلك اليوم قال فدخلت على عائشة فقلت يا بنت أبي بكر أقد بلغ من شأنك أن تؤذي رسول الله ﷺ فقالت مالي ومالك يا بن الخطاب عليك بعيبتك قال فدخلت على حفصة بنت عمر فقلت لها يا حفصة أقد بلغ من شأنك أن تؤذي رسول الله ﷺ والله لقد علمت أن رسول الله ﷺ لا يحبك ولولا أنا لطلقك رسول الله ﷺ فبكت أشد البكاء فقلت لها أين رسول الله ﷺ قالت هو في خزانته في المشربة فدخلت فإذا أنا برباح غلام رسول الله ﷺ قاعدا على أسكفة المشربة مدل رجليه على نقير من خشب وهو جذع يرقى عليه رسول الله ﷺ وينحدر فناديت يا رباح استأذن لي عندك على رسول الله ﷺ فنظر رباح إلى الغرفة ثم نظر إلى فلم يقل شيئا ثم قلت يا رباح استأذن لي عندك على رسول الله ﷺ فنظر رباح إلى الغرفة ثم نظر إلي فلم يقل شيئا ثم رفعت صوتي فقلت يا رباح استأذن لي عندك على رسول الله ﷺ فإني أظن أن رسول الله ﷺ ظن أنى جئت من أجل حفصة والله لئن أمرني رسول الله ﷺ بضرب عنقها لأضربن عنقها ورفعت صوتي فأومأ إلى أن ارقه فدخلت على رسول الله ﷺ وهو مضطجع على حصير فجلست فأدنى عليه إزاره وليس عليه غيره وإذا الحصير قد أثر في جنبه فنظرت ببصري في خزانة رسول الله ﷺ فإذا أنا بقبضة من شعير نحو الصاع ومثلها قرظا في ناحية الغرفة وإذا أفيق معلق قال فابتدرت عيناي (١) قال ما يبكيك يا بن الخطاب قلت يا نبي الله ومالي لا أبكى
стр. 88
وهذا الحصير قد أثر في جنبك وهذه خزانتك لا أرى فيها إلا ما أرى وذاك قيصر وكسرى في الثمار والأنهار وأنت رسول الله ﷺ وصفوته وهذه خزانتك فقال يا بن الخطاب ألا ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا قلت بلى قال ودخلت عليه حين دخلت وأنا أرى في وجهه الغضب فقلت يا رسول الله ما يشق عليك من شأن النساء فإن كنت طلقتهن فإن الله معك وملائكته وجبريل وميكائيل وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك وقلما تكلمت وأحمد الله بكلام إلا رجوت أن يكون الله يصدق قولي الذي أقول ونزلت هذه الآية آية التخيير ((عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِّنكُنَّ)) ((وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ المُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ)) (١) وكانت عائشة بنت أبي بكر وحفصة تظاهران على سائر نساء النبي ﷺ فقلت يا رسول الله أطلقتهن قال لا قلت يا رسول الله إني دخلت المسجد والمسلمون ينكتون بالحصى يقولون طلق رسول الله ﷺ نساءه أفأنزل فأخبرهم أنك لم تطلقهن قال نعم إن شئت فلم أزل أحدثه حتى تحسر الغضب عن وجهه وحتى كشر فضحك وكان من أحسن الناس ثغرا ثم نزل نبي الله ﷺ ونزلت فنزلت أتشبث بالجذع ونزل رسول الله ﷺ كأنما يمشي على الأرض ما يمسه بيده فقلت يا رسول الله إنما كنت في الغرفة تسعة وعشرين قال إن الشهر يكون تسعا وعشرين فقمت على باب المسجد فناديت بأعلى صوتي لم يطلق رسول الله ﷺ نساءه ونزلت هذه الآية ((وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ)) فكنت أنا استنبطت ذلك الأمر وأنزل الله آية
стр. 89
التخيير) (١)
- بكاء الموافقة
كثيرا نرى أحدا يبكي فنبكي لبكائه وربما لا نعرف سبب بكائه، وإنما يكون ذلك بسبب التداعي والتهييج وهو ما يعرف بالموافقة وذلك في بدء الأمر لا شيء فيه من حيث الذم أو المدح، فإذا تبين السبب واستمر البكاء كان للموافِق حكم الموافَق أجرا أو تأثما، وفي السنة دلائل على بكاء الموفقة منها ما رواه عبد الله بن عمر ﵄ قال: (اشتكى سعد بن عبادة شكوى له فأتى رسول الله ﷺ يعوده مع عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود فلما دخل عليه وجده في غشيته فقال قد قضى فقالوا لا والله يا رسول الله فبكي رسول الله ﷺ فلما رأى القوم بكاء رسول الله ﷺ بكوا فقال ألا تسمعون أن الله تعالى لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب ولكن يعذب بهذا وأشار إلى لسانه أو يرحم) (٢)
стр. 90
ومنها ما جاء في حديث الإفك الطويل وفيه رفعة عائشة ﵂ واستجابة المولى لدعائها وإظهاره لبراءتها رحمة بها لما ظلمت وافتري عليها الإفك حتى بكت وبكت وبكت شهرا لا يجف لها دمع ولا تهنأ بطعام، فعن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ حين قال لها أهل الإفك ما قالوا فبرأها الله منه قال الزهري وكلهم حدثني طائفة من حديثها وبعضهم أوعى من بعض وأثبت له اقتصاصا وقد وعيت عن كل واحد منهم الحديث الذي حدثني عن عائشة وبعض حديثهم يصدق بعضا زعموا أن عائشة قالت كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يخرج سفرا أقرع بين أزواجه فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه فأقرع بيننا في غزاة غزاها فخرج سهمي فخرجت معه بعد ما أنزل الحجاب فأنا أحمل في هودج وأنزل فيه فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله- ﷺ من غزوته تلك وقفل ودنونا من المدينة آذن ليلة بالرحيل فقمت حين آذنوا بالرحيل فمشيت حتى جاوزت الجيش فلما قضيت شأني أقبلت إلى الرحل فلمست صدري فإذا عقد لي من جزع أظفار قد انقطع فرجعت فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه فأقبل الذين يرحلون لي فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب وهم يحسبون أني فيه وكان النساء إذ ذاك خفافا لم يثقلن ولم يغشهن اللحم وإنما يأكلن العلقة من الطعام فلم يستنكر القوم حين رفعوه ثقل الهودج فاحتملوه وكنت جارية حديثة السن فبعثوا الجمل وساروا فوجدت عقدي بعد ما استمر الجيش فجئت منزلهم وليس فيه أحد فأممت منزلي الذي كنت به فظننت أنهم سيفقدونني فيرجعون إلي فبينا أنا جالسة غلبتني عيناي فنمت وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني من وراء الجيش فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان نائم فأتاني وكان يراني قبل الحجاب فاستيقظت باسترجاعه حين أناخ راحلته فوطىء يدها فركبتها فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا معرسين في نحر الظهيرة فهلك من هلك وكان الذي تولى الإفك
стр. 91
عبد الله بن أبي بن سلول فقدمنا المدينة فاشتكيت بها شهرا يفيضون من قول أصحاب الإفك ويريبني في وجعي أني لا أرى من النبي ﷺ اللطف الذي كنت أرى منه حين أمرض إنما يدخل فيسلم ثم يقول كيف تيكم لا أشعر بشيء من ذلك حتى نقهت فخرجت أنا وأم مسطح قبل المناصع متبرزنا لا نخرج إلا ليلا إلى ليل وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبا من بيوتنا وأمرنا أمر العرب الأول في البرية أو في التنزه فأقبلت أنا وأم مسطح بنت أبي رهم نمشي فعثرت في مرطها فقالت تعس مسطح فقلت لها بئس ما قلت أتسبين رجلا شهد بدرا فقالت يا هنتاه ألم تسمعي ما قالوا فأخبرتني بقول أهل الإفك فازددت مرضا إلى مرضي فلما رجعت إلى بيتي دخل علي رسول الله ﷺ فسلم فقال كيف تيكم فقلت ائذن لي إلى أبوي قالت وأنا حينئذ أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما فأذن لي رسول الله ﷺ فأتيت أبوي فقلت لأمي ما يتحدث به الناس فقالت يا بنية هوني على نفسك الشأن فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا أكثرن عليها فقلت سبحان الله ولقد يتحدث الناس بهذا قالت فبت الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم ثم أصبحت فدعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي يستشيرهما في فراق أهله فأما أسامة فأشار عليه بالذي يعلم في نفسه من الود لهم فقال أسامة أهلك يا رسول الله ولا نعلم والله إلا خيرا وأما علي بن أبي طالب فقال يا رسول الله لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير وسل الجارية تصدقك فدعا رسول الله ﷺ بريرة فقال يا بريرة هل رأيت فيها شيئا يريبك فقالت بريرة لا والذي بعثك بالحق إن رأيت منها أمرا أغمصه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن العجين فتأتي الداجن فتأكله فقام رسول الله ﷺ من يومه فاستعذر من عبد الله بن أبي بن سلول فقال رسول الله
стр. 92
صلى الله عليه وسلم من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهلي فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرا وقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا وما كان يدخل على أهلي إلا معي فقام سعد بن معاذ فقال يا رسول الله أنا والله أعذرك منه إن كان من الأوس ضربنا عنقه وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه أمرك فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج وكان قبل ذلك رجلا صالحا ولكن احتملته الحمية فقال كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على ذلك فقام أسيد بن الحضير فقال كذبت لعمر الله والله لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين فثار الحيان الأوس والخزرج حتى هموا ورسول الله ﷺ على المنبر فنزل فخفضهم حتى سكتوا وسكت
стр. 93
وبكيت يومي لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم فأصبح عندي أبواي قد بكيت ليلتين ويوما حتى أظن أن البكاء فالق كبدي قالت فبينا هما جالسان عندي وأنا أبكي إذ استأذنت امرأة من الأنصار فأذنت لها فجلست تبكي معي فبينا نحن كذلك إذ دخل رسول الله ﷺ فجلس ولم يجلس عندي من يوم قيل في ما قيل قبلها وقد مكث شهرا لا يوحى إليه في شأني شيء قالت فتشهد ثم قال يا عائشة فإنه بلغني عنك كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرئك الله وإن كنت ألممت بشيء فاستغفري الله وتوبي إليه فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه فلما قضى رسول الله ﷺ مقالته قلص دمعي حتى ما أحس منه قطرة وقلت لأبي أجب عني رسول الله ﷺ قال والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ فقلت لأمي أجيبي عني رسول الله ﷺ فيما قال قالت والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ قالت وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرا من القرآن فقلت إني والله لقد علمت أنكم سمعتم ما يتحدث به الناس ووقر في أنفسكم وصدقتم به ولئن قلت لكم إني بريئة والله يعلم إني لبريئة لا تصدقوني بذلك ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني بريئة لتصدقني والله ما أجد لي ولكم مثلا إلا أبا يوسف إذ قال فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون ثم تحولت على فراشي وأنا أرجو أن يبرئني الله ولكن والله ما ظننت أن ينزل في شأني وحيا ولأنا أحقر في نفسي من أن يتكلم بالقرآن في أمري ولكني كنت أرجو أن يرى رسول الله ﷺ في النوم رؤيا يبرئني الله فوالله ما رام مجلسه ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أنزل عليه الوحي فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق في يوم شات فلما سري عن رسول الله ﷺ وهو يضحك فكان أول كلمة تكلم بها أن قال لي يا عائشة احمدي الله فقد برأك الله فقالت لي أمي
стр. 94
قومي إلى رسول الله ﷺ فقلت لا والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله فأنزل الله تعالى إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ)) (١) الآيات فلما أنزل الله هذا في براءتي قال أبو بكر الصديق ﵁ وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه والله لا أنفق على مسطح شيئا أبدا بعد ما قال لعائشة فأنزل الله تعالى ((وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُوا الفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ)) إلى قوله ((أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)) (٢) فقال أبو بكر بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي فرجع إلى مسطح الذي كان يجري عليه وكان رسول الله ﷺ يسأل زينب بنت جحش عن أمري فقال يا زينب ما علمت ما رأيت فقالت يا رسول الله أحمي سمعي وبصري والله ما علمت عليها إلا خيرا قالت وهي التي كانت تساميني فعصمها الله بالورع) (٣)
وفي هذا الحديث بكاء عائشة ﵂ لما علمت بخبر الإفك، ورأت من رسول الله ﷺ ما لم تكن ترى من الجفاء فعتبت وأسفت لما يمكن أن يكون وقر في قلوب أهلها من التصديق بالخبر أو تطرق الشك إلى نفوسهم، وفي الحديث تبين أن الأصحاب يوافقون أصحابهم في مشاعرهم فيبكون لبكائهم بدليل بكاء المرأة مع عائشة ﵂ ولم ينهها رسول الله ﷺ عن ذلك فدل على الإباحة.
стр. 95
- بكاء العتب
تقدم فيما مضى من حديث الإفك بكاء عائشة ﵂ عتبا قالت: (وبكيت يومي لا يرقأ لي دمع) وتلك دموع تكثر وتغزر حينما تعتب على قريب أو حبيب يقف موقفا لم تكن تتوقعه، ورغم أنه لم يكن ملوما في موقفه لمبررات يراها إلا أن العتب يلازم النفس فتبكي العين أشد البكاء وهذا البكاء مباح حيث لم يرد فيه ذم ولا مدح.
وحينما يتلقى المؤمن كلمة تسوؤه من أناس لا يظن أنهم يؤذونه يعتب عليهم حتى يبكي من ذلك ما حدث به أنس ﵁ قال: (بلغ صفية أن حفصة قالت بنت يهودي فبكت فدخل عليها النبي ﷺ وهي تبكي فقال ما يبكيك فقالت قالت لي حفصة إني بنت يهودي فقال النبي ﷺ إنك لابنة نبي وإن عمك لنبي وإنك لتحت نبي ففيم تفخر عليك ثم قال اتقي الله يا حفصة) (١)
стр. 96
والصغار أيضا لهم عتب على من يهابونه ويحبونه لذا بكت الجارية يوم دعا عليها النبي ﷺ عتبا لأنها لم تر من نفسها صنيعا تستحق به التأنيب فضلا عن الدعاء حدث أنس بن مالك قال: (كانت عند أم سليم يتيمة وهي أم أنس فرأى رسول الله ﷺ اليتيمة فقال آنت هيه لقد كبرت لا كبر سنك فرجعت اليتيمة إلى أم سليم تبكي فقالت أم سليم ما لك يا بنية قالت الجارية دعا على نبي الله ﷺ أن لا يكبر سني فالآن لا يكبر سني أبدا أو قالت قرني فخرجت أم سليم مستعجلة تلوث خمارها حتى لقيت رسول الله ﷺ فقال لها رسول الله ﷺ ما لك يا أم سليم فقالت يا نبي الله أدعوت على يتيمتي قال وما ذاك يا أم سليم قالت زعمت أنك دعوت أن لا يكبر سنها ولا يكبر قرنها قال فضحك رسول الله ﷺ ثم قال يا أم سليم أما تعلمين أن شرطى على ربي أنى اشترطت على ربي فقلت إنما أنا بشر أرضى كما يرضى البشر وأغضب كما يغضب البشر فأيما أحد دعوت عليه من أمتي بدعوة ليس لها بأهل أن تجعلها له طهورا وزكاة وقربة يقربه بها منه يوم القيامة) (١)
- بكاء الفرح
وكما يبكي المرء من الحزن فهو يبكي من الفرح أيضا، ولا يكون ذلك غالبا إلا حينما يبلغ الفرح منه مبلغا عظيما كما بكى أبو هريرة لإسلام أمه، بعد أن بكى قبل حزنا لضلالها،
стр. 97
قال أبو هريرة: (كنت أدعو أمي إلى الإسلام وهي مشركة فدعوتها يوما فأسمعتني في رسول الله ﷺ ما أكره فأتيت رسول الله ﷺ وأنا أبكي قلت يا رسول الله إني كنت أدعو أمي إلى الإسلام فتأبى علي فدعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما أكره فادع الله أن يهدي أم أبي هريرة فقال رسول الله ﷺ اللهم اهد أم أبي هريرة فخرجت مستبشرا بدعوة نبي الله ﷺ فلما جئت فصرت إلى الباب فإذا هو مجاف فسمعت أمي خشف قدمي فقالت مكانك يا أبا هريرة وسمعت خضخضة الماء قال فاغتسلت ولبست درعها وعجلت عن خمارها ففتحت الباب ثم قالت يا أبا هريرة اشهد أن لا إله إلا الله واشهد أن محمدا عبده ورسوله قال فرجعت إلى رسول الله ﷺ فأتيته وأنا أبكي من الفرح قال قلت يا رسول الله أبشر قد استجاب الله دعوتك وهدى أم أبي هريرة فحمد الله وأثنى عليه وقال خيرا قال قلت يا رسول الله ادع الله أن يحببني أنا وأمي إلى عباده المؤمنين ويحببهم إلينا قال فقال رسول الله ﷺ اللهم حبب عبيدك هذا يعني أبا هريرة وأمه إلى عبادك المؤمنين وحبب إليهم المؤمنين فما خلق مؤمن يسمع بي ولا يراني إلا أحبني) (١) ومن ذاق حلاوة الإيمان تمناها لأحب حبيب، وليس أحب من الأم لذا بلغت فرحة أبي هريرة قمتها لاسيما وقد تأبت عليه وأظهرت ما آيسه من إسلامها.
стр. 98
وفرح أبي بن كعب بأمر الله لنبيه ﷺ أن يقرأ عليه سورة البينة وتسميته له حتى بكى من الفرح، كما حدث بذلك أنس بن مالك ﵁ قال: (قال النبي ﷺ لأبي إن الله أمرني أن أقرأ عليك لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب قال وسماني قال نعم فبكى) (١)
وهل من شيء خير للمؤمن من أن يذكره الله تعالى ويخصه بخصوصية ينفرد بها عن غيره.
أنواع أخرى من البكاء
- بكاء الشياطين
كما أن البشر يبكون، فالشياطين أيضا تبكي، حدث أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (إذا قرأ بن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي يقول يا ويله وفي رواية أبي كريب يا ويلي أمر بن آدم بالسجود فسجد فله الجنة وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار) (٢)
- بكاء الجماد
قال الله تعالى ((فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ)) (٣)
стр. 99
قال ابن كثير:" أي لم تكن لهم أعمال صالحة تصعد في أبواب السماء فتبكي على فقدهم ولا لهم في الأرض بقاع عبدوا الله تعالى فيها فقدتهم فلهذا استحقوا أن لا ينظروا ولا يؤخروا لكفرهم وإجرامهم وعتوهم وعنادهم" (١) وحمل كثير من أهل العلم هذا على الحقيقة قال الطبري: "عن سعيد بن جبير قال أتى بن عباس رجل فقال يا أبا عباس أرأيت قول الله ﵎ (فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ) فهل تبكي السماء والأرض على أحد قال نعم إنه ليس أحد من الخلائق إلا له باب في السماء منه ينزل رزقه وفيه يصعد عمله فإذا مات المؤمن فأغلق بابه من السماء الذي كان يصعد فيه عمله وينزل منه رزقه بكى عليه وإذا فقده مصلاه من الأرض التي كان يصلي فيها ويذكر الله فيها بكت عليه وإن قوم فرعون لم يكن لهم في الأرض آثار صالحة ولم يكن يصعد إلى السماء منهم خير قال فلم تبك عليهم السماء والأرض" وذكر ذلك عن عدد من التابعين منهم مجاهد وسعيد بن جبير (٢) وذهب بعضهم إلى أن ذلك من المجاز قال الشيخ السعدي:" هذا التعبير مجاز عن عدم الاكتراث بهلاكهم والاعتداد بوجودهم وفيه تهكم بهم وبحالهم المنافية لحال من يعظم فقده فيقال عنه بكت عليه السماء والأرض ومنه ما روي أن المؤمن إذا مات ليبكي عليه مصلاه ومحل عبادته ومصاعد عمله ومهابط رزقه وآثاره في الأرض وعن الحسن يبكي عليه أهل السماء والأرض " (٣)
стр. 100
وقد دلت السنة على أن الجماد يبكي إذا استدعاه حدث للبكاء إلا أن البشر لا يدركون بكاءه كما لا يدركون تسبيحهم، ومن الأدلة على بكاء الجماد بكاء النخلة التي كان ﷺ يخطب عندها، أخبر جابر بن عبد الله ﵄ (أن النبي ﷺ كان يقوم يوم الجمعة إلى شجرة أو نخلة فقالت امرأة من الأنصار أو رجل يا رسول الله ألا نجعل لك منبرا قال إن شئتم فجعلوا له منبرا فلما كان يوم الجمعة دفع إلى المنبر فصاحت النخلة صياح الصبي ثم نزل النبي ﷺ فضمها إليه تئن أنين الصبي الذي يسكن قال كانت تبكي على ما كانت تسمع من الذكر عندها) (١)
قال ابن حجر: " قال البيهقي: قصة حنين الجذع من الأمور الظاهرة التي حملها السلف عن الخلف، ورواية الأخبار الخاصة فيها كالتكلف. وفي الحديث دلالة على أن الجمادات قد يخلق الله لها إدراكا كالحيوان بل كأشرف الحيوان، وفيه تأييد لقول من يحمل (وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ) (٢) على ظاهره. " (٣)
стр. 101
قال ابن عبد البر: " ومن حمل ذلك على الحقيقة قال جائز أن ينطقها الله كما تنطق الأيدي والجلود والأرجل يوم القيامة وهو الظاهر من قول الله : ((يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ)) (١) ومن قوله: ((وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ)) الآية و ((قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ)) (٢) وقال: قوله ((تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ)) (٣) أي تتقطع عليهم غيظا كما تقول فلان يتقد عليك غيظا وقال ((إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً)) (٤) فأضاف إليها الرؤية والتغيظ إضافة حقيقية وكذلك كل ما في القرآن من مثل ذلك واحتجوا بقول الله : ((يَقُصُّ الحَقَّ)) (٥) ومن هذا الباب عندهم قوله: ((فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ)) (٦) " (٧)
خاتمة
من خلال دراسة أحاديث رسول الله ﷺ في الكتب الستة والبحث عن هذا السلوك " البكاء" تبين أنه ليس له حكم ثابت، بل حكمه باعتبار موجبه، فإن كان موجبه مذموما كان محرما أو مكروها كالنياحة على الميت فإن موجبها السخط من قدر الله تعالى، وإن كان الموجب ممدوحا كان البكاء مستحبا، فهو لا يعدو أن يكون أثرا، ولما كان هذا السلوك فطريا في الإنسان لم ينه عنه عند اندفاعه وغلبته كأثر للألم الحسي أو المعنوي لأن فيه شيء من التنفيس عن الإنسان.
стр. 102
ومن خلال البحث في السنة النبوية عن البكاء ودراسة موقف الرسول ﷺ منه تبين أن الإسلام لا يخالف الفطرة بل يوافقها ويهذبها بما يعود عليها بالنفع فلو ترك المبتلى بفقد حبيبه يبكي بشدة تصل إلى درجة الانتحاب لازداد به البكاء حتى تنقطع نفسه وتتفتت كبده ولن يعيد البكاء فقيده، وسينقطع عن معاشه وعبادته، وهو في هذا كأنما يشكو ربه فإنه هو الذي قدر عليه وابتلاه.
وإذ أبحث في السنة النبوية وأضع هذه الأحاديث بين يدي القاريء مبينة حكم كل نوع من أنواع البكاء، آمل أن يعتني الباحثون في علم النفس الإسلامي بهذه الجوانب ويدرسوها ويطبقوها على الواقع ويستخرجوا النتائج التي تثبت للناس أن ما جاء به الدين هو الأصلح لهم، وليزدادوا إيمانا مع إيمانهم.
والله أسأل أن ينفع به، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
المصادر والمراجع:
١. أحكام القرآن، لأبي بكر أحمد بن علي الرازي الجصاص، دار الكتاب العربي، بيروت
٢. الأوسط، لأبي بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري، دار طيبة، الرياض، ط الأولى ١٤٠٥
٣. الأم لمحمد بن إدريس الشافعي، دار الفكر، ١٤١٠
٤. بدائع الصنائع، علاء الدين الكاساني، دار الكتاب العربي، بيروت ١٣٨٢ط الثانية
٥. بداية المجتهد ونهاية المقتصد، لمحمد بن أحمد بن رشد القرطبي، دار الفكر، بيروت
٦. البكاء عند قراءة القرآن، لعبد الله بن إبراهيم اللحيدان
٧. البكاء من خشية الله تعالى/ لحسين بن عودة العوايشة، دار بن حزم، الطبعة الأولى ١٤٢٣
٨. البيان والتحصيل، لأبي الوليد بن رشد القرطبي، دار الغرب الإسلامي، ط الثانية ١٤٠٨
٩. تخريج الأحاديث والأثار، لجمال الدين عبد الله بن يوسف الزيلعي، دار ابن حزم، الرياض، ط الأولى ١٤١٤
١٠. التخويف من النارلأبي الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي، دار البيان، دمشق، ط الأولى ١٣٩٩
стр. 103
١١. التعاريف، لمجمد بن عبد الرؤوف المناوي،دار الفكر المعاصر، بيروت، دمشق، ط الأولى ١٤١٠
١٢. تغليق التعليق، للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، دار عمار، ط الأولى ١٤٠٥
١٣. تفسير القرآن العظيم لاسماعيل بن عمر بن كثير، دار الفكر، بيروت ١٤٠١
١٤. تفسير القرطبي، لأبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي، دار الشعب القاهرة
١٥. تقريب التهذيب، للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، دار الرشيد، ط الثانية ١٤٠٨
١٦. تلخيص الحبير، للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني،المدينة المنورة،١٣٨٤
١٧. التمهيد لابن عبد البر، لأبي عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر النمري، وزارة عموم الأوقاف،المغرب١٣٨٧
١٨. تهذيب التهذيب للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، دائرة المعارف النظامية، حيدر أباد بالهند،١٣٢٥ط الأولى
١٩. تهذيب الكمال، مؤسسة الرسالة، ط الأولى، بيروت، للمزي
٢٠. تيسير الكريم الرحمن، لعبد الرحمن بن ناصر السعدي، مؤسسة الرسالة، بيروت ١٤٢١
٢١. جامع البيان في تفسير القرآن لمحمد بن جريرالطبري، دارالفكر، بيروت ١٤٠٥
٢٢. حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، لمحمد عرفة الدسوقي، دار إحياء الكتب العربية
٢٣. حلية الأولياء،لأبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني، دار الكتاب العربي بيروت ١٤٠٥
٢٤. دموع الصالحين / لأبي الفداء محمد عزت عارف، ط الأولى، مركزفجر للطباعة، القاهرة ١٤٢٤
٢٥. دموع القراء (بكاء السلف عند تلاوة القرآن وسماعه) لمحمد شومان بن أحمد الرملي، دار النفائس الأردن، ط الأولى ١٤٢٣
٢٦. الرقة والبكاء، لابي بكرعبد الله بن محمد ابن ابي الدنيا، دار بن حزم ١٤١٩
٢٧. الرقة والبكاء لموفق الدين عبد الله بن أحمد ابن قدامة، دار القلم، دمشق ط الأولى،١٤١٥
٢٨. روضة الطالبين للنووي، بيروت، المكتب الإسلامي، ط الثانية ١٤٠٥
стр. 104
٢٩. الزهد لابن المبارك، لعبد الله بن المبارك بن واضح المروزي، دار الكتب العلمية، بيروت
٣٠. الزهد لابن حنبل، تأليف أحمد بن عمرو بن أبي عاصم الشيباني، دار الريان للتراث، القاهرة، ط الثانية ١٤٠٨
٣١. سنن ابن ماجة لمحمد بن يزيد أبو عبد الله القزويني دار الفكر، بيروت، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي
٣٢. سنن أبي داوود لسليمان بن الأشعث أبو داود السجستاني الأزدي، دار الفكر،
٣٣. سنن الترمذي، لمحمد بن عيسى الترمذي، دار إحياء التراث، بيروت، تحقيق أحمد شاكر
٣٤. السنن الكبرى لأحمد بن الحسين بن علي بن موسى البيهقي دار الباز، مكة، ١٤١٤
٣٥. سنن الدارمي لأبي محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، دار الكتاب العربي، بيروت،١٤٠٧
٣٦. السنن الكبرى للنسائي، دار الكتب العلمية، بيروت،١٤١١، "الأولى
٣٧. سنن النسائي الصغرى (المجتبى) لأحمد بن شعيب أبي عبد الرحمن النسائي، مكتب المطبوعات، حلب، ١٤٠٦
٣٨. سنن الدارقطني، لعلي بن عمرأبي الحسن الدارقطني، دار المعرفة، بيروت ١٣٨٦
٣٩. سنن سعيد بن منصور١، لسعيد بن منصور الخرساني، الدار السلفية، الهند،١٤٠٣
٤٠. سنن سعيد بن منصور٢، دارالعصيمي، الرياض،١٤١٤،ط الأولى
٤١. سير أعلام النبلاء، لمحمد بن أحمد بن قايماز الذهبي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط التاسعة ١٤١٣
٤٢. شرح معني الآثار، لأحمد بن سلامة بن عبد الملك بن سلمة الطحاوي، دار الكتب العلمية، بيروت،١٣٩٩، ط الأولى
٤٣. الشرح الكبير، لأبي الفرج عبد الرحمن بن قدامة، طبعة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
٤٤. شعب الإيمان لأبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي، دار الكتب العلمية، بيروت ط الأولى١٤١٠
٤٥. الشمائل المحمدية، محمد بن عيسى الترمذي،مؤسسة الكتب العلمية، بيروت، الإولى ١٤١٢
٤٦. صحيح ابن حبان لمحمد بن حبان بن أحمد أبو حاتم البستي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ١٤١٤، ط الثانية بتحقيق شعيب الأرنؤوط
стр. 105
٤٧. صحيح ابن خزيمة لمحمد بن إسحاق بن خزيمة أبو بكر السلمي النيسابوري، المكتب الإسلامي، بيروت،١٣٩٠، بتحقيق د. محمد الأعظمي
٤٨. صحيح مسلم لمسلم بن الحجاج أبو الحسين القشيري النيسابوري، دار إحياء التراث، بيروت، بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي
٤٩. صحيح البخاري لمحمد بن إسماعيل البخاري دار ابن كثير، اليمامة، بيروت، ١٤٠٧، ط الثالثة
٥٠. صحيح سنن الترمذي
٥١. صفة الصفوة،لعبد الرحمنن بن علي بن محمد أبو الفرج بن الجوزي، دار المعرفة، بيروت، ط الثانية ١٣٩٩
٥٢. صفة ضحك وبكاء النبي ﷺ ومزاحه مع أصحابه/ لأحمد مصطفى قاسم الطهطاوي، دار الفضيلة القاهرة
٥٣. علل الترمذي، لأبي طالب القاضي، عالم الكتب، بيروت، ط الأولى ١٤٠٩
٥٤. عمدة القاري، لبدر الدين محمود بن أحمد العيني، دار إحياء التراث، بيروت
٥٥. فتح الباري،لأحمد بن علي بن حجر العسقلاني، دار المعرفة، بيروت
٥٦. فقه اللغة وسر العربية للثعلبي
٥٧. الفواكه الدواني، لأحمد بن غنيم بن سالم النفراوي المالكي،دار الفكر، بيروت ١٤١٥
٥٨. الكاشف للذهبي، لحمد بن أحمد أبو عبد الله الذهبي الدمشقي، دار القبلة للثقافة، جدة، ط الأولى ١٤١٣
٥٩. لسان العرب، لمحمد بن مكرم بن منظور الأفريقي، دار صادر بيروت، ط الأولى
٦٠. مجمع الزوائد، لعلي بن أبي بكر الهيثمي، دار الريان للتراث، القاهرة، بيروت،١٤٠٧
٦١. المجموع، للنووي، دار الفكر، بيروت،١٣٩٧
٦٢. مختار الصحاح لمحمد بن أبي بكر الرازي، مكتبة لبنان،١٤١٥
٦٣. المسند للامام أحمد بن حنبل الشيباني، مؤسسة قرطبة، مصر
٦٤. مسند ابي عوانة للإمام أبي عوانة يعقوب بن إسحاق الاسفرائني، دار المعرفة، بيروت
٦٥. مسند أبي يعلى لأبي يعلى أحمد بن علي بن المثنى الموصلي، دار المأمون للتراث، دمشق، ١٤٠٤،ط الأولى
стр. 106
٦٦. مسند اسحاق بن راهوية، لإسحاق بن إبراهيم بن مخلد بن راهوية الحنظلي، مكتبة الإيمان، المدينة المنورة،١٤١٢، ط الأولى، تحقيق د. عبد الغفور بن عبد الحق البلوشي
٦٧. مسند البزار، لأبي بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار، مؤسسة علوم القرآن، بيروت،١٤٠٩، ط الأولى، بتحقيق د. محفوظ الرحمن زين الله
٦٨. مسند الربيع، للربيع بن حبيب بن عمر الأزدي البصري، دار الحكمة بيروت،ط الأولى ١٤١٥
٦٩. مسند الشاشي، لأبي سعيد الهيثم بن كليب الشاشي، مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، ١٤١٠، ط الأولى،، بتحقيق د. محفوظ الرحمن زين الله
٧٠. مسند الشافعي، محمد بن إدريس الشافعي، دار الكتب العلمية بيروت
٧١. المسند المستخرج على صحيح مسلم، لأبي نعيم أحمد بن عبد الله بن إسحاق بن موسى بن مهران الهراني الأصبهاني، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤١٧،ط الأولى، بتحقيق محمد بن حسن الشافعي
٧٢. مصباح الزجاجة،لأحمد بن أبي بكر بن إسماعيل الكناني، دار العربية، بيروت، ط الثانية ١٤٠٣
٧٣. المصباح المنير، تأليف أحمد بن محمد الفيومي، المكتبة العلمية، بيروت
٧٤. مصنف عبد الرزاق، لأبي بكر عبد الرزاق بن همام الصنعاني، المكتب الإسلامي، بيروت ١٤٠٣،ط الثانية
٧٥. المصنف لابن أبي شيبة، لأبي بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة الكوفي، مكتبة الرشد، الرياض ١٤٠٩
٧٦. المعجم الأوسط، لسليمان بن أحمد بن أيوب أبو القاسم الطبراني، دار الحرمين، القاهرة، ١٤١٥
٧٧. المعجم الصغير، لسليمان بن أحمد بن أيوب أبو القاسم الطبراني، المكتب الإسلامي، بيروت ط الأولى ١٤٠٥
٧٨. المعجم الكبير، لسليمان بن أحمد بن أيوب أبو القاسم الطبراني، مكتبة العلوم والحكم، الموصل، ١٤٠٤، ط الثانية
٧٩. معجم مقاييس اللغة لابن فارس
٨٠. المغني لعبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي، دار الفكر، بيروت، ط الأولى ١٤٠٥
стр. 107
٨١. المنتقى لأبي محمد عبدبن علي بن الجارود النيسابوري، مؤسسة الكتاب، بيروت، ط الأولى، ١٤٠٨
٨٢. المهذب، لإبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي، دار الفكر، بيروت
٨٣. الموطأ، للإمام مالك بن أنس الأصبحي، بتحقيق محمد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، مصر
٨٤. نصب الراية، لعبد الله بن يوسف أبو محمد الحنفي الزيلعي، دار الحديث، مصر، ١٣٥٧
٨٥. النهاية في غريب الأثر، لأبي السعادات المبارك بن محمد الجزري، المكتبة العلمية، بيروت، ١٣٩٩
فهرس الموضوعات
مقدمة ... ٣
السبب الباعث على اختيار الموضوع
التمهيد
الكتب المؤلفة في الموضوع
الباب الأول: البكاء الممدوح
البكاء عند قراءة القرآن
البكاء في الصلاة
البكاء من خشية الله
البكاء عند العجزعن تحصيل شيء من مراضي الله
بكاء التوبة:
بكاء استشعار مقام النبي ﷺ
الباب الثاني: البكاء المذموم
بكاء النياحة
بكاء التصنع والكذب
الباب الثالث: البكاء المباح
بكاء الحزن
أقوال العلماء في البكاء على الميت
بكاء الألم
بكاء الشوق
بكاء الرحمة
بكاء الموافقة
بكاء العتب
بكاء الفرح
أنواع أخرى من البكاء
بكاء الشياطين
بكاء الجماد
خاتمة
المصادر والمراجع
فهرس الموضوعات
الموضوع ... الصفحة
مقدمة ... ٣
السبب الباعث على اختيار الموضوع ... ٥
التمهيد
تعريف البكاء ... ٦
الكتب المؤلفة في الموضوع ... ٨
الباب الأول: البكاء الممدوح ... ١٠
стр. 108
البكاء عند قراءة القرآن ... ١١
البكاء في الصلاة ... ١٧
البكاء من خشية الله ... ١٨
البكاء عند العجزعن تحصيل شيء من مراضي الله ... ٢٩
بكاء التوبة: ... ٣٥
بكاء استشعار مقام النبي ﷺ ... ٤٨
الباب الثاني: البكاء المذموم ... ٥٣
بكاء النياحة ... ٥٤
بكاء التصنع والكذب ... ٥٨
الباب الثالث: البكاء المباح ... ٥٩
بكاء الحزن ... ٥٩
أقوال العلماء في البكاء على الميت ... ٦٨
بكاء الألم ... ٧٥
بكاء الشوق ... ٧٧
بكاء الرحمة ... ٧٨
بكاء الموافقة ... ٨١
بكاء العتب ... ٨٧
بكاء الفرح ... ٨٩
أنواع أخرى من البكاء ... ٩٠
بكاء الشياطين ... ٩١
بكاء الجماد ... ٩١
خاتمة ... ٩٥
المصادر والمراجع ... ٩٦