Полный текст (54 стр.). Показаны 36–54 · переход к 41.
стр. 36
وكان من نتاج) أعوجَ (لبني أسد) العسجديُّ (. و) أثاَل (فرس ضَمْرةَ بن ضَمْرة بن دَارِم. و) الخذواء (فرس شيطان ابن الحكم بن يربوع. و) الشَّيِّط (فرس لبيد بنِ جَبَلَةَ الضبيِّ. و) العرادة (فرس كلحبة اليربوعي.) والأحْوَى (فرس عُوَيْد ابن سلمى بن ربيعة الضبي. و) الأَغرُّ (فرس طَريف بن تميم. و) كاملٌ (فرس زيد الفوارس الضبي. و) ذو الوُشُوم (فَرسُ عبد الله ابن عدَّاء. و) وحفة (فَرَس عُلاثةَ بْنِ الجُلاس التميمي. و) مبدوع (فرس الحارث بن ضِرار الضبي. و) الغرَّاف (فرس البَراء بن قَيْسٍ بن عَتَّاب. و) الشَّقراء (فرس الرُّقاد بن المنذر الضبي. و) المكَسّرُ (فرسُ عُتيبةَ بن الحارث بن شهاب. و) شَوْلة (فرس زيد الفوارس الضّبي. و) النحَّام (فرسُ سُليْكٍ، وفيه يقول:
قدِّم النحَّام واعجلْ يا غلامْ ... واقذف السّرجَ عليه واللِّجامْ
و) الوَرْد (و) الجُمَانة (فرساً عامر بت الطُّفيل. و) حَذْفة (فرس خالد ابن جعفر بن كلاب. و) جِروة (فرس شدَّاد بن معاوية العَبسي.
و) الأبجر (فرس عنترة بن شداد بن معاوية العبسي. وفيه يقول:
لا تعجلي: أَشْدُدْ حزام الأَبجرِ ... إني إذا الموتُ دَعَا لَمْ أَضْجَرِ
ولم أُمَنَّ النفس بالتأخر و) وَجْزَةُ (فَرسَ يزيد بنْ أبي سِنانٍ المرِّي فارس غَطَفَان.
و) محِاَج (فرس مالك بن عوف. وله يقول يوم حُنَينٍ:
أَقْدِمْ مِحَاحُ أنه يومٌ نُكُرْ ... مثلى على مثلك يحمى ويَكُرّْ
إذا أضيع الصفُّ يوما والدُّبر و) العُبَيْد (فرس العباس بن مِردْاس السُّلمى، وهو الذي عاتب النبي ﷺ حين أعطى عُيينةَ بنَ حِصْنٍ الفَزَاري. والأقْرع بن حابس التميمي مائة مائة من الأبل، وأعطاه أَبَاعرَ قلائل. فقال في ذلك:
أتجعلُ نَهْبي ونَهْبَ العُبيْ ... د بين عُيَيْنَةَ والأَقْرع؟
وما كان حِصْنٌ ولا حابسٌ ... يَفُوقَان مِرْداسَ في مجمع
وما أنا دون امرئ منهما ... ومن تَضَعِ اليومَ لا يُرفعِ
قال ابن إسحاق: فقال رسول الله ﷺ : أذهبوا به فاقطعوا عَنَّي لسِاَنه، فأعطَوْهُ حتى رَضِىَ، فكان ذلك قطْعَ لسانه الذي أمَرَ به رسول الله صلى الله عيه وسلم.
و) البيضاء (فرس بُجير بن عبد الله بن قشير. و) المصِّبحُ (فَرسَُ عَوْف بن الكاهن السُّلَمي. و) الصَّيُودُ (فَرسٌ مشهورةٌ منسوبة في جياد خيل العرب. و) الضَّخْمُ (فرسٌ لرَحْضَةَ بن مؤمَّل السُّلَمي، وله يقول:
أليس أحق الناس أن يَشْهد الوغَى ... وأن يقتل الأبطال ضخمٌ على ضَخم؟
و) قُرْزُل (فرس الطُّفيل بن مالك العامري. و) القُوَيس (فرس سَلَمة ابن الحارث العبسي و) سُلَّم (فرس زَبَّان بن سيَّار الفزَاري. و) ميَّاسٌ (فرس شمير بن ربيعة الباهلي. و) النعامة (فرس كان في ربيعة للحارثِ بن عُبَادٍ. و) زيِم (فرس الأخنس بن شهاب التغلبي، وكان من مشهوري فرسان العرب. ولها يقول:
هذا أوَانُ الشدَّ فاشتدّي زِيَمْ ... لا عَيْشَ إلا الطَّعْنُ في يوم البُهَمْ
و) خُميرة (فرس شيطان بن مُدْلج الُجشَمي. و) النُّبَاكُ (فرس الصباح بن خالد التغلبي. و) الشَّمُوس (فرس يزيد بن خَذَّاق. و) العَنز (فرس أبي عفراء بن سنان المحاربي. و) الْجَوْن (كان منها في اليمن فرس امرئ القيس بن حُجْر الكندي. و) العطاَّف (فرس عمرو ابن مَعْدِ يِكَرب الزبَّيدي.) والهطَّال (فرس زَيد الخليل بن مُهلهلِ الطائي، ويكنى) أبا مكنف (وفيه يقول:
أقرِّبُ مَرْبطَ الهطَّال إني ... أَرى حرباً تلَّقح عن حيال
أسويه بمكنفَ إذ شَتَوْنا ... وأُوثره على جُلِّ العِيال
وسُمِّى) زَيْدَ الخيل (لكثرة خليه، قمن عتاقها:) الهطاَّل (المذكور، و) الكامل (و) الكُميتُ (، و) الوَرْد (، و) لاَحق (، و) ذَءول (.
قال ابن إسحاق: قَدِمَ على رسول الله ﷺ وقد طيَّئ فيهم) زيَد الخيل (، وهو سيدهم، فلما انتهَوْا إليه وكلَّموه عرض عليهم النبي ﷺ الإسلام، فأسلموا وحَسُنَ إسلامهم، ثم سماه رسول الله ﷺ زَيدَ الخير (.
стр. 37
و) العَّطاس (فرس عبد الله بن عبد المَدنِ. و) العصا (فرس جَذِيمة ابن مالك الأزْدي، ملك الحيرة في أول الزمان، قبل بني المنذر بدهر، وهو جذَِيمةُ الأبْرشُ الذي قتلته الزَّبَّاء، ونجا قَصِير على فرسه) العصا (فأخذ بثأره بعد ذلك، وقتل الزبَّاءَ في حديث طويل.
و) الضُّبيبُ (فَرسَ حسَّان بن حَنْظلةَ الكندي؛ وكان شهد مع كِسْرَى يوم النَّهروان، ويوم التقى كِسْرَى وبهرْام، فهزم كسرى، فخرج هارباً وأدركه حَسَّان بن حنظلة، وقد قام بكسرى برذَونه، فنزل حسان عن فرسه الضُّبيب، فركبه كسرى ونجا، فقال حسان في ذلك:
تلافَيْتُ كسرى أن يُضام ولم أكن ... لأتركه في الخيل يَعْثُر راجلا
بَذَلت له صدر الضُّبيْب وقد بدت ... مسوَّمةٌ من خيل تُركٍ وكاُبلا
ثم ظهر كسرى فقتل بهرام، فاما اسْتَقَرَّ به ملكه أتاه حَسَّان بن حنظلة، فأقام ببابه لا يصل إليه، فلما طال به الأمر أتى الحاجب فقال: إنك قد أطلت حجابي، وأنا أعظم الناس يداً عند كِسْرىَ، فأعلمهْ مكاني، فأعلمه مكانه، فإذِن له فقال: من أنت؟ وما يَدُك هذه؟ قال: أنا الذي حملتك على فَرسي يَوْمَ النهروان، وقد قام بن بِرْذَونك! قال كسرى: أُفٍ لك! لقد ذكَّرتني أَخْبثَ يوم مرَّ بي قَطُّ! أَخْرِجوا هذا الكلب! فأخْرَجُوه.. حتى إذا تجلت عن كسرى الهموم ندم واستحى، فأكرمه وأحسن جائزته، وأقطعه) طَسُّوج (، وهي من الكوفة على فراسخ.
و) البُرَيْتُ (فرس ابن قبيصة الطاَّئي.) حَوْمل (فرس حارثةَ بن أَنس. بن الحارث. و) اليَحْموم (فرس النعمان بن المنذر ملك العرب، وكان) اليحموم (من رباط غطفان. و) القُريَط (و) نحَلْة (و) شاهر (أفراس لكندة (. و) خصاف (فرس مالك بن عمرو ابن المنذر بن الحارث بن مارية ذات القرطين المعلَّقين بالكعبة.
وكان مالك بن عمرو جَبَاناَ فأذاق إذا شهد الحرب كان منها مَدىَ النَّبْل، إذ جاءه سهم يوماً، فوقع عند يد فرسه، فقال: إن كاد هذا السهم أن يصيبني، فاهتز السَّهم وكثر اهتزازه وهو ينظر إليه، فنزل فحفر عنه، فإذا السَّهْمُ قد أصاب يَرْبوعا في نَفَقه. فلم يخطئ جمجمته فقتله. فركب مالكُ بْنُ عَمْرِو، فقال) ما المرء في شيء ولا اليربوع (. فَذَهَبَتْ مَثلاً. ثم قال: أراني أفرُّ بأجلي، وقد دخل السهم على اليربوع حين وَفى أجلهُ، ولم يُغن عنه شيئاً تحرُّزُه، ما أموت ولا أقتل إلا بأجلي، فَحَمل فَخَرقَ الصَّفَّ مُقبلاً ومدُبراً، فكان بعد ذلك من اشد قومه. فقال في ذلك شاعر من غساَّن:
إذا وجّه الدهرُ السهامَ إلى امرئ ... أصاب ولا يُشْوِي ويمَّم قاصداً
ورُب خِصَافٍ قد أفاتت سهامه ... وأي امرئ يَبْقَى على الدهر خالداً
و) الضُّبيح (فَرَسُ خوَّات بن جُبير الأنصاري. و) الورْهَاءُ (فرس فَتَادة الكِنديِّ. و) كنْزة (فَرَسُ المنذر بن شماس الجذامي. و) اليسيرُ (فَرَس أبي النَّضير السعدي. و) الهدَّاجُ (فَرَسُ الرَّيب ابن الشَّريِق السَّعدي. و) الَجوْن (فرس الحارث بن أبي شَمِرٍ الغسَّاني. قال فيه عًلْقَمةُ حين أسر أخاه شأساً قصدته التي أولها: طَحاَ بِكَ قلبٌ في الحسان طروب يقول فيها بعد:
فأقسم لولا فارس الجَوْن منهمُ ... لآبُوا خَزَايا، والإيابُ حبيبُ
تُقدِّمه حتى تَغِيبَ حُجُولُه ... وأنت لبيض الدراعين ضَرُوب
و) العَارمُ (فرس المنذر بن الأعلم الخوْلاني. و) العَرِن (فرس عُمير بن جَبَل البَجَلي. و) نِصاب (فرس الأحوص بن ثعلبة الكلبي. وابنتها) ورِيعة (وَهَبَها الأحوص لمالك بن نوُيرة. و) موكل (و) القَراّع (فرسا ربيعة بن غزالة اليشكري. و) الغزالة (فرس محلم ابن الأرقم. و) صَعْدة (فرس ذؤيب بن هلال الخُزاعي.
و) النعامة (فرس قُرَّاص الأزْدي. و) ذو الريش (فَرس السَّمح ابن هند الخَوْلاني، و) الطيَّار (فرس أبي رَيْسَان الخَوْلاني. و) الجَنَاح (فرس محمد بن مسلمة الأنصاري، صاحب رسول الله ﷺ . و) المعُلَّي (فرس الأسعر بن) أبي (حُمْران الجعُفي. و) بهرام (فرس النعمان) بن عُقْبَةَ (العَتَكي. و) صُهْبيَ (فرس النَّمِر بن تَوْلَبَ العُكلي. وفيها يقول:
أتذهب باطلاً عَدَواتُ صُهْبيَ ... وركْضُ الخيل تختلج اختلاجا؟
стр. 38
وكرِّى في الكريهة كلُّ يوم ... إذا الأصوات خالطت العَجَاجا
و) الحُلَيْل (فَرَسُ مقْسَم بن كَثيِر الأصبحي. و) أطلال (فرس بُكير الكناني و) الغمامة (. و) الصَّريح (. و) قَيْد (و) مادق (كانت لملوك بني ماء السماء. و) الشَّعور (فرس الحبِطَات من بني تميم، و) آفق (. و) الُخبَاس (. و) ناعق (لبني فُقَيم. و) رعْشَن (لمراد. و) الصَّغا (فرس مجُاشع بن مسعود السَّلَمي، وكانت من نجل) الغَبْراء (فرسِ حمل بن بدر الفزاري، فاشتراها عمر بن الخطاب بعشرة آلاف درهم، ثم غزا مجَاشع، فقال عمر ﵁: تحبس هذه بالمدينة وصاحبها في نحور العدو، وهو إليها أحوج؟! فردها إليه فأنتجت عند ولده، حتى بعث الحجاج) بن يوسف (فأخذ بقيتها منهم.
و) القتاديُّ (. و) التِّرياق (للخزرج في الإسلام. و) الحَرُون (فرس مُسْلم بن عمرو، أبي قتُيبة بن مسلم الباهلي، اشتراه من رجل - وقد حَرَنَ تحته - بألف درهم، ثم رأى في منامه أن عصافير تخرج من إحليله، فأرسل إلى محمد بن سيِرين، فقال له ابن سيرين: إن صدقت رؤياك لتنتجن جياداً! فمنه الجياد اليوم. و) مُناهب (لبني تَغْلِبَ بنِ يَربْوع. و) الضَّيْف (لبني تغلب. و) حُمْيل (لبني عِجْل. و) البُطين (. و) البوَّاب (. و) الذائد (من) الحرون (المذكور، فرس مسلم بن عمرو الباهلي المذكور. و) الصاحب (غَنِيٍّ الباهلي.
ومنها) غُطيف (من خيول أهل الشام. ومنها) الأعرابي (كان لعبَّاد بن زياد من خيل أهل العالية. ومنها) القطَرانيُّ (السلامي. وكان) الذائد (للعباس بن الوليد بن عبد الملك بن مروان. وجًلُّ السوابق تنسب إلى) البطين (و) الذائد (.
الباب الثالث عشر
ذكر ألفاظٍ شتى
وتسمية أشياء تختص بها الخيل
من ذلك سِنُّ الفَرس. إذا وضعته أمة) مُهْر (ثم) فَلُوُّ (. فإذا استكمل سنةً فهو) حَوْليٌّ (. ثم في الثانية) جَذَع (. ثم في الثالثة) ثَنِىّ (. ثم في الرابعة) رباع (. ثم في الخامسة) قارح (. ثم بعد ذلك إلى أن يتناسى عمره) مُذَكٍ (.
فصل في أصواته وما ينسب إليه من ضروب ضرْبه
) الصَّهيل (صوته في أكثر أحواله.) الضَّبْح (صوت نَفَسه إذا عدا. وقد نطق به القرآن) القَبْع (صوتٌ يردده من حلقه إلى مَنْخَريه إذا نفر شيء أو كرهه.) الحمحمة (صوته إذا طلب العلف أو رأى صاحبه فاستأنس إليه.
) النَّثير (هو له كالعطاس للإنسان.) الخَضيعة (و) الوَقيب (صوتُ بطنه. وكذلك) البقبقة (و) القبقبة (. و) الرَّعيق (و) الرُّعاق (صوت يسمع من قُنْبِه، كما يُسْمع) الوعيق (من فَرْج الرَّمِكَة.
وأما ضروب ضَرْبه فيقال:) نَفَحت (الدابة بيدها و) رَمحَت (برجلها، و) نطحت (برأسها، و) صدمت (بصدرها، و) خطَرت (بذَنَبها.
فصل في صفات مشيه وعَدْوه على التفصيل
) الضَّيْر (هو أن يثبت فتقع قوائمه مجتمعة) العَنَقُ (هو أن يتباعد بين خُطاه ويتوسع في مشيه. و) الهمْلَجَةُ (هو أن يقارب بين خُطاه مع الإسراع، وهو السير عند الناس.) الارتجال (هو أن يخلط الهملجة بالعَنَق.) الخَبُّ (و) الخبَبَ (هو أن يستقيم بهادِيه في جَرْيه، ويراوح بين يديه ويقبض رجليه.) الضَّبْع (هو أن يلوي حافر يديه إلى عَضُديه.) العُجَيْلَي (هو بين الخبِّ والتقريب.
) التقريب (هو أن يرفع يديه معاً.) الرَّدَيان (هو أن يرجم الأرض بحافره رجماً.) الدَّحْو (هو أن يرمي رمياً. ولا يرفع سُنْبُكه من الأرض كثيراً.) الإمجاج (هو أن يأخذ في العْدو قبل أن يضطرم.
) الإحضار (هو أن يَعدُو عَدْوًا متداركاً.) الإهذاب (و) الإلهْاب (هو أن يضطرم في عدْوه.) الإرخاء (هو أشد من) الإحضار (وكذلك) الابتراك (.) الإهْماج (هو أن يجتهد في يَذْل ما عنده ويستفرغ جهده.
وترتيب العَدْوِ عندهم:) الخَبُّ (أولاً، ثم) التقريب (، ثم) الإمجاج (، ثم) الإحضار (، ثم) الإرخاء (، ثم) الإهذاب (، ثم) الإهماج (.
فصل في زَجْره وحثه
تقول العرب: أَوْشيت الفرس، وألهبتُه بالسَّوط، ومَرَيته بالعِقبِ. قال الشاعر:
يُوشُونَهُنَّ إذا آنسوا فَزَعاً ... تحت السَّنَوَّر بالأَعقاب والجِذَم
أي يستخرجون جريها بالركض بالأقدام، وهي الأعقاب، وبالضرب بالسياط، وهي الجذَم.
قال أمرؤ القيس بصف فرسه في حالة الجري:
стр. 39
فللِسَّوط أُلهْوبٌ وللِسَّاقِ دِرَّةٌ ... وللزجر منه وَقْعُ أَهْوجَ مِنْعَبِ
يقول إذا حرّكةُ بساقه ألهب الجري، أي أتى بجري كالتهاب النار، وإذا ضربه بالسوط دَرَّ بالجري. وإذا زجر وقع منه ذلك موقعه من الأهوج الذي لا عقل له. والمِنْعبُ: الذي يَمُدُّ عنقه في الجري. والهمْز والغَمْز بالعَقِبِ معروفان.
فصل
وأما الزَّجر فهو بألفاظ عُوِّدتها الخيل وأَلِفَتْ لُغاتِها. فمما كانت العرب تستعمل من ذلك:) يهياه (. و) هل (قال الشاعر:
فَظَنَنَّا أنَّه غالِبُه ... فزجرناه بيهياه وهَلْ
وكذلك) أرْحب (. و) أَرْحِى (. و) أَقدِم (. و) هَبْ (و) هَبيِ (.
وكان يستعمل في تسكينه وكفه عن حركته ومرحه قولهم) هَلاَ (. قال الشاعر:
إذا قاده السُّوَّاس لا يملكونه ... وكان الذي يألون قولاً له) هَلاَ (
وقد جمع طُفَيلٌ الغَنَويُّ زَجْرَ الخيل في بيت واحد. فقال:
وقيل أقدمي وأقدم وأخّ وأخِّرِى ... وها وهَلاَ وأصبْر وقادِعُها هَبِي
ومنه) النَّقْر (وهو أن ينفض له بفيه، وذلك بأن وضع طرف اللسان على مقدم الحنك الأعلى، وينزع بعد الشد، فيصوت بنزعة صوتاً قد فهمت الخيل منه التسكين عادة، كما فهمت الصفير عند شرب الماء.
حتى قال الشاعر:
ولا تشربْ بلا طَربٍ فإِني ... رأيتُ الخيلَ تَشْربُ بالصفيرِ
وقال امرؤ القيس في النَّقر:
أخفِّضه بالنَّقر لما علوتُه ... ويرفعُ طَرْفاً غَيرَ جَافٍ غضيض
ولكل قوم عادة، وفي كل زمان نقص وزيادة.
فصل في أوصافٍ تخُصُّه
يقال فرس) ضليع (: شديد الأضلاع. و) مِشْياط (: سريع السِّمن. و) صَلُود (: لا يَعْرق. والعَصيم: هو عَرَقهُ إذا يبس عليه. وفرس) خوَّار العِنان (: إذا كان ليِّن المعطف. وفرس) قَلَهْذَم (: إذا كان في جملة خلقه قصيراً جداً. وفرس) كَهَام (: كَلِيلٌ عن الغاية. و) العَجيز (من الخيل: كالعِنِّين من الرجال. ويقال في حَمْلِ الرَّمَكةِ:) عَقُوق (. وفي النتاج:) نَتُوج (.
فصل في أوصاف فعله وتقلبه
) القَضْم (: هو أن يأخذ في الرَّعي بجحافله وثناياه. و) الخْضم (: إن يأخذ بفيه كلَّه.) والأَزْم (: شَدُّه على اللجام بفيه.
ومما يفعل به:) التسويم () وهو (إرساله في المرعى وتركهُ وحده. تقول: سوَّمته وأهملته. و) التَّنْدِيَة (: أن تورده الماء حتى يشرب، ثم ترده إلى الرعي يأخذ منه لَممَه، ثم ترده إلى الماء. تقول: ندَّيتهُ تنديةً. واسم الموضع يفعل به ذلك) المُنَدَّي (. و) التمريغ (هو أن تصوِّت به حتى يربض ويتمرغ في التراب. وذلك ترفيه له من الإعياء، وشفاء من التعب والعرق، وربما فعل الفَرَسُ ذلك بنفسه، فاستراح إليه. واسم الموضع الذي يفعل ذلك فيه) المرَاغة (
فصل في ألفاظ تختص بجماعات الخيل
) الطليعة (: هي أول الجيش. و) سَرَْعان (الخيل: أوائلها. و) المسَّبقات (من الخيل: المتقدمات، وهي) البوادي (.
و) ساقة (العسكر: آخره. و) الكَيُّولُ (: آخر الصفوف في الحرب. و) أنْدَلَفَتِ (الخيل إذا خرجت أول خروجها بسرعة.
وأول جماعاتها:) مِقْنَب (، ثم) مِنْسَر (، ثم) رَعيل (و) رَعْلة (، ثم) كرْدُوسٌ (، ثم) قُنْبُلة (.
فصل في أسماء العساكر
أولها) جريدة (وهي التي تُجرَّدُ لوجه من الوجوه. ثم) سرَيِةٌ (وهي من خمسين إلى أربعمائة. ثم) كَتيبة (وهي من خَمسمائة إلى ألف. ثم) الجيش (وهو ألف أربعة آلاف. وكذلك) الفَيْلَق (و) الجَحْفَلُ (. ثم) الخميس (وهو من أربعة آلاف إلى أثنى عشر ألفاً. و) العسكر (يجمعها.
فصل في نُعوتها بالكثرة وشِدةَّ الشَّوكة
كتيبة) رَجْراجَةٌ (. جيش) لَجِبٌ (. عَسْكرٌ) جرَّارٌ (. جَحفْلٌ) لُهامٌ (. خَمِيسٌ) عَرَمْرمٌ (.
وكان يقال لكتيبة رسول الله صلى الله علية وسلم:) الخَضْراء (، وإنما قيل لها الخضراء لكثرة الحديد فيها. وكل كتيبة كثر فيها الحديد فهي خَضْراء.
فصل في أماكن تختصُّ بها الخيل جماعاتٍ وآحاداً
) المُعسْكَرُ (: موضع العسكر.) المعركة (: مكان القتال.) المَلْحمة (: مكان القتل الشديد.) المأزق (: و) المأقِط (ما تضايق من أماكن الحرب.) الأصْطَبل (: بيتها الذي تحبس فيه.) مَرْبِطها (: موضع ربطها من ذلك و) الآرى (: مكان اعتلافها.
فصل في أسماء أشياء تخص بها الخيل دون غيرها
стр. 40
) المقِبص (و) المِقوسُ (: حبل تُصَفٌّ عليه الخيل عند السباق و) الوهَق (: حبل يُرمى به بأنشوطة تؤخذ به الدابة إذا ندَّت.) الرّسَنُ (و) القيَادُ (و) المِقْوَدُ (: ما يوضع في رأسها فتقاد به. و) الشكيمة (: فأس اللَّجام. و) الحَكَمَةُ (: دون اللجام. و) الوِثاق (: ما يوثق به الفرس جملةً.
و) الطَّوَل (و) الطِّيلُ (: حبل) يشد (به الفرس ويرسل في المرعى، وهو يمسك صاحبه بطرفه، أو يوثِّقه بالأرض بوتد أو غيره.) والقَيدُ (ليديه. و) الشِّكال (: حبل له عُرى يُوضع في يد ورجل، وقد يوضع في يد ورجل من خلاف.
و) الأَخيَّة (: حبل له عُروة واحدة يوضع في رجل الفرس، ويوثق طرفها بالأرض. وهي) الرِّبْقة (.) الرِّباط (: حبل تحبس به الدابة خاص لها. تقول: ربطت الفرس بالرِّباط. وهو الحبل الواحد، وأوثقتُها بالوِثَاقِ أجمع.
وتقول) وَدَجْت (الفَرَسَ، والوِدَاج خاصٌ بالدَّابة، كالفِصَاد للإنسان. و) سمرته (إذا أنعلته بالحديد. وذلك أيضاً خاص بالدابة.
الباب الرابع عشر
ذكر نبذة من الشعر في إيثار العرب الخيلَ
على غيرها وإكرامها لها وافتخارِها بذلك
لم تزل العرب تفضِّل الجياد من الخيل على الأولاد، وتستكرمها للزينة والطرد. على أنهم لَيطْوَوْنَ مع شبعها، ويظمئون مع ريِّها، ويؤْثرِونها على أنفسهم وأهليهم عند حلول الأزمة واللأواء، واغبرار آفاق السَّنَةِ الشهباء.
وعلى ذلك تدل أخبارهم وتشهد أشعارهم. فلنذكر من ذلك نبذة إن شاء الله.
فمما روى لأحد بني عامر بن صَعْصَعة:
بني عامرٍ ما لي أرى الخيل أصبحتْ ... بطاناً وبعض الضَّمر للخيل أفضل
بني عامرٍ إن الخيول وقايةٌ ... لأنفسكم والموت وقْتٌ مؤجَّلُ
أهينوا لها تكرمون وباشروا ... صيانتها، والصونُ للخيل أَجْملُ
متى تُكرموها يُكْرِمِ المرءُ نفسه ... وكلُّ امرئٍ من قومه حيثُ يَنْزِلُ
ومن ذلك كلام الأسْعر بن حُمْرانَ الجعُفيَّ:
ولقد عَلِمْت على تجنُّبيَ الرَّدَى ... أن الحصون الخيلُ لا مَدَرُ القُرى
إني وجدت الخيلَ عِزّاً ظاهراً ... تنجى من الغَمَّا ويكشفن العَمَى
وتَبيت للثَّغر المخُوفِ طلائعاً ... وتَبيتُ للصُّعلوك غرة ذي الغِنى
وقال طُفيل الغَنَويُّ:
إني وإن قلَّ مالي لا يُفارقني ... مثلُ النعامة في أوصاله طُولُ
أو ساهِمُ الوجه لم تُقْطَع أباجلُهُ ... يصان وهْوَ ليوم الرَّوع مَبذْولُ
وقال إسماعيل بن عَجْلان:
ولا مالَ إلا الخيل عندي أُعدُّه ... وإن كنتُ من حُمر الدنانير موُسرا
أقاسِمُها مالي وأُطعِمُ فَضْلها ... عيالي، وأرجو أن أُعان وأوجرا
إذا لم يكن عندي جوادٌ رأيتُني ... ولو كان عندي كنزُ قارونَ مُعْسرا
وقال كعب بن مالك:
ونُعِدُّ للأعداء كُلَّ مضَّمر ... وَرْدٍ ومحجولِ القوائم أبلقِِ
أَمَر المليك بربطها لعدوَّه ... في الحرب. إن الله خيرُ مُوفِّقِِ
فتكون غيظاً للعدوِّ وحائطاً ... للدار إن دَلفت خيول المُرَّق
وقال علقمة بن عمرو المازني:
ما كنت اجعل مالي فَرْغ سانيةٍ ... في رأس جذع يَصُبُّ الماء في الطين
الخيلُ مِن عُدَّتي أَوْصى الإله بها ... ولم يُوَصِّ بغرس في البساتين
كم من مدينةِ جبار أَطْفنَ بها ... حتى تَرَكْنَ الأعالي كالميادين
وقال قَيْسُ بن الحارث:
لا تُقْصيا مَرْبِطَ الشَّقراء مُنْتَبذاً ... فإن رَيْبَ الدَّهر مرهوبُ
كم من فقير بإذن الله قد نَعَشَتْ ... ومتْرَفٍ تركتْهُ وهو مجدوب
وقال عنترةُ الفوارس في فَرَس أبيه شدَّاد:
فمن يك سائلاً عنّى فإني ... ) وجِرْوةَ (لا تَرُود ولا تُعارُ
مقرَّبة الشتاء فلا تراها ... وراء الحيِّ تَتْبعها المِهَارُ
وقال ضبيعَةُ القَيْسيُّ:
جزى الله) الأغرَّ (جزاءَ صِدْق ... إذا ما أُوقدتْ نار الحروبِ
يقيني باللَّبَانِ ومَنْكَبِيْه ... وأحميه بمُطَّرد الكُعوبِ
وأَدْفيه إذا هبَّت شمالٌ ... ، بليل، حَرْجَفٌ بعد الجنوبِ
أُراهُ أَهْلَ حين يَسْعى ... رعاة الحيِّ في جمع الحَلُوب!
وقال الأعْرج المعْنِيُّ:
стр. 41
أَرَى أمَّ عمرو لا تزال تَوَجَّعُ ... تَلُوم ولا أَدري علاَمَ تَفَجَّعُ
تلوم على أنْ أَمْنَحَ الورْد لِقْحةً ... وما تستوي والوردَ ساعة تفزع
إذا هي قامت حاسراً مشمعلَّة ... نَخيِبَ الفؤاد رأسُها لا يُقَنَّعُ
وقُمتُ إليه باللِّجام وسرجه ... هنالك يَجزيني بما كنت أصنع
وقال مَكْحُولُ بن عبد الله السَّعْدي:
تلوم على رَبْط الجياد وحَبْسها ... ووصَّى بها اللهُ النبيَّ محمدا
ذريني وعدي من عيالك شطبة ... كُمَيْتاً، ومشمول الجوانح أقودا
إذا قيل أَمْسِكْه وقد فاض ماؤه ... أبَى، وترامى بالوليد فأبعدا
وقال القحيف بن حُمير العُقيلي:
وحالفَنْا السيوفَ وصافناتٍ ... سواءٌ هُنَّ فينا والعيالُ
شعيراً زادها، وقليل قتٍّ ... ومن ماءِ الحديد لها نِعَالُ
وقال رجل من بني تَميمٍ، وقد طلب منه الملك فَرَساً تسمى) سَكابِ (فمنعها منه:
أَبَيْتَ اللعن إن) سَكابِ (علْقٌ ... نفيس لا تعار ولا تباعُ
مفدَّاةٌ مكرَّمةٌ علينا ... تُجاع لها العيال ولا تُجاعُ
سليلة سابقَيْن تناجلاها ... إذا نُسبا يضمهما الكُراع
فلا تطمع ... أَبَيْتَ اللعن فيها ومَنْعَكَهَا بشيءٍ يُستطاع
وقال الأخنس بن شهاب التغلبي:
ترى رابطاتِ الخيل حول بيوتنا ... كَمِعْزي الحجاز أَسْلمتها الزَّرائبُ
فَيُغْبَقْنَ أَحْلاباً ويُصْبَحْن مثلها ... وهنَّ من التَّعداء قبٌّ شوازب
وقال جعفر بن أبي كلابٍ:
أربغوني إراغتكم فإني ... وحَذْفةَ كالشجا تحت الوريد
أُسوِّيها بنفسي أو بَجزءٍ ... فألحفها ردائي في الجليد
أَمَرْت الراعِيَيْن ليؤثراها ... لها لبن الخليَّة والصَّعود
وقال مالك بن نُوَيْرةَ:
إذا ضيّع الأنذال في المَحْل خيلَهُم ... فلم يركبوا حتى تهيجُ المصايفُ
كفاني دوائي ذَا الخُمار وصنعتي ... على حينَ لا يقْوى على الخيل عالفُ
أُعلِّل أَهْلي عن قليلِ متاعِهِمْ ... وأسقيه مَحْضَ الشَّوْل والحيُّ هاتفُ
وقال أبو دُوَادٍ الإيَادِي:
عَلِقَ الخيل حبّ قلبي مُقِلاًّ ... وإذا ثاب عنديَ الإكثارُ
عَلِقَتْ همَّتي بهِنَّ فما يم ... نع مني الأعنَّة الإقتارُ
جُنَّةٌ لي في كل يوم رِهانٍ ... جمعت في رهانها الأدسار
وانجرادي بهن نحو عدوّي ... وارتحال البلاد والتَّسيارُ
وقال الأخطل، وتنسب لعبد الله بن عباس:
أحِبُّوا الخيلَ واصطَبروا عليها ... فإن العز فيها والجَمَالا
إذا ما الخيل ضيّعها أناس ... ضممناها فشاركت العيالا
نُقاسِمُها المعيشةَ كلَّ يوم ... ونُلبِسُها البراقعَ والجِلالا
ومن الأبيات المفردة في ذلك ما يُذكر بحول الله: قال عَمْرو بن مالك:
وسابق كعُقاب الدَّجْن أجعلُه ... دُون العيال له الإيثار واللّطَف
وقال عامر بن الطُّفَيل:
وللخيل أيامٌ فمن يصطبر لها ... ويعرِفْ لها أيامها الخير يُعقِب
وقال الرّبعي:
وقلتُ لقومي أكرِموا الخيل إنني ... أرى الخيل قد ضَمَّت إلينا الأقاصيا
وقال طَرفة:
نُمسِكُ الخيلَ على مكروها ... حِين لا يُمسكها إلا الصُّبُرْ
وقال لَبِيدٌ:
معاقِلُنا التي نأوِي إليها ... بناتُ الأعوجية، والسُّيوفُ
وقال بعضهم وهو نظم حديث للنبي ﷺ
الخير ما طلعت شمسٌ وما غربت ... مُعلَّقٌ بنواصي الخيل معقودُ
والشعر في هذا المعنى كثير، وأما ما نظم منه في أوصافها، ونعوتها، وتشبيهاتها، فلا يحصى كثرةً للعرب وغيرهم.
وبتمام هذا الباب تم الكلام على الخيل. فلنتكلم فيما شرطناه من ذكر السلاح بحول الله.
الباب الخامس عشر
ذكر السيوف
قال رسول الله ﷺ :) من تقلَّد سيفاً في سبيل الله ألبسه الله وشاح الكرامة (.
وقال علي بن أبي طالب ﵁:) سمعت النبي ﷺ يقول: إن الله ليباهي بالتقليد ملائكته. وهم يُصلون عليه ما دام متقلداً سيفَه (.
стр. 42
وقال الأحنف بن قيس: لا تزال العرب عَرَباً ما لبست العمائم، وتقلدت السيوف، ولم تَعْدُد الحِلم ذُلاًّ.
وكان لرسول الله ﷺ جملة أسياف، فمنها) ذو الفَقَار (الذي غَنِمه يومَ بَدْر، وكان لمنِّبه بن الحجاج. ومنها) العَضْب (كان قد أعطاه لسعد بن عُبادة. ومنها) البتَّار (. و) المِخذم (. و) الرَّسوب (. و) الحَتْف (. وكان له سيف قَلَعيّ أصابه من سلاح بني قَيْنُقَاع. وكان له سيف آخر ورثه عن أبيه. فهذه جملة من أسيافه ﵊ فيما ذكر.
وروى أن عُكّاشة بن مِحْصَن قاتل بسيفه يوم بدر حتى انكسر في يده، فأتى رسول الله ﷺ فأعطاه جِذْلاً من حطب، وقال له: قاتل بهذا يا عُكَّاشة! فلما أخذه من رسول الله ﷺ هزَّه فعاد سيفاً في يده طويل القامة، شديد المتن، أبيض الحديدة. فقاتل به حتى فَتحَ الله على المسلمين وكان ذلك السيف يسمى) العَوْن (. ثم لم يزل عنده يشهد به المشاهد مع رسول الله ﷺ ، حتى قتل في خلافة أبي بكر ﵁.
وروى أن عبد الله بن جحش انقطع سيفه يوم أُحُد، فأعطاه رسول الله ﷺ عُرْجُون نخلة؛ فصار في يده سيفاً قائِمُهُ منه، وكان يسمى) العُرجون (. ولم يزل يُتَناول حتى بيع من) بغا (التركي.
وكانت العرب تقول:) السيف ظل الموت، ولُعاب المنيّة (. وكانت تكنيه) أبا الوجَل (.
ومن أمثالهم فيه قولهم:) سَبَقَ السيفُ العَذَل (. وقولهم:) محا السيف ما قال ابْنُ دَارَةَ أجمعا (.
وقال بعضهم: السيف هو الصاحب الوليُّ، والصديق الوفيُّ، والرسول الوَحِيُّ.
وقال أبو تمام الطائي:
السيف أصدق أنباءً من الكتب ... في حده الحدُّ بين الجد واللعب
بِيض الصفائح لا سُود الصحائف في ... متونهن جَلاَءُ الشكِّ والرِّيبِ
والسيف يُغنى عن غيره، ولا يُغنى عنه غيره في الأكثر، ويُعْمل به عمل السلاح كله. قال جامعٌ المحاربيُّ: إذا التقى السيفُ السيفَ زال الخيار.
وقال أبو الطيب:
حقرت الردينيات حتى تركتها ... وحتى كأن السيف للرمح شاتم
وقيل إن العرب كانت تطعن به كالرمح، وتضرب به كالعمود، وتقطع به كالسِّكِّين، وتجعله سوطاً ومقرعة، وتتخذه جمالاً في الملإ، وسِراجاً في الظلمة، وأُنساً في الوحدة، وجليساً في الخلاء، وضجيعاً للنائم، ورفيقاً للسائر. وتسميه عِطَافاً، ووِشاحاً، وعصاً، ورداءً، وثَوباً.
وهو قاضي القتال، وفيصل الحُكْم بين الرجال. وبذلك كله وردت الأشعار، وصارت الأمثال والأخبار.
قال عُتبةُ بن عَبْد السُّلَمِيّ: أعطاني رسول الله ﷺ سيفاً قصيراً، فقال: إن لم تستطع أنْ تضرب به فاطعن به طَعْناً.
سأل أعرابي ابنين كانا له عن أي السيوف أحب إليهما. فقال أحدهما:) الصقيل الحسام، الباتر المخذام، الماضي السِّطام، المرهف الصِّمصام، الذي إذا هززته لم يكْبُ، وإذا ضربت به لم يَنْبُ (. فقال للآخر: فما تقول أنت؟ فقال:) نِعْمَ السيف نَعَتَ! وغيرُه أحبُ إليَّ منه (. قال: وما هو؟ قال:) الحسام القاطع، والرونق اللامع، الظمآن الجائع! الذي إذا هززته هَتَك، وإذا ضربت به فتك (! فقال لهما: أخبراني عن أبغض السيوف إليكما؟ فقال أحدهما:) الفُطار الكَهام، النابي عن اللحم والعظام، الذي إذا ضُرب به لم يقطع، وإذا ذُبح به لم ينجع (. فقال للآخر: فما تقول أنت؟ قال: بئس السيف نَعَت! وغيره أبغض إليَّ منه. قال: وما هو؟ قال:) الطَّبِعُ الدَّدان، المِعْضَد المهان، الذي أن ضُرب لم يُسِلِ الدَّمَ، وإن أنت أكرهته (.
السِّطام: هو حد السيف وغيره، والفُطار: هو الذي لا يقطع.
ويروى أن عُمَرَ بن الخطاب ﵁ قال يوماً: مَنْ أجود العرب؟ قيل له: حاتم الطائي. قال: فمن شاعرها؟ قيل له: امرؤ القيس. قال: فأي سيوفها أمضى؟) قيل (: صَمْصَامة عمرو بن مَعْد يكَرِبَ الزُّبيدي. قال. فبعث عُمَرُ إلى عَمْرو أن يبعث إليه سيفه المعروف بالصَّمصَامة، فبعث به إليه، لما ضرب به وجده دون ما كان يبلغه عنه؛ فكتب إليه في ذلك، فرد إليه: إني إنما بعثت إلى أمير المؤمنين بالسيف، ولم أبعث إليه بالساعد الذي يضرب به.
стр. 43
قال الهيْثَمُ بن عَدِي: لما صار سيف عمرو بن معد يكرب الذي يقال له الصمصامة إلى موسى الهادي، دَعَا بِه، فوضع بين يديه، فجرد، ثم قال لحاجبه: إيذَنْ للشعراء، فلما دخلوا أمرهم أن يقولوا فيه، فبدأهم أنس فقال:
حاز صمصامة الزُّبيديِّ من دو ... ن جميع الأنام موسى الأمينُ
سيف عَمْروٍ وكان فيما سمعنا ... خير ما أُغْمِدت عليه الجفونُ
أخضر المتن بين حديه نور ... من فِرِنْدٍ تمتدُّ فيه العيون
أُوقدت فوقه الصواعقُ ناراً ... ثم شابت به الزُّعاف المنون
وإذا ما سللته بَهرَ الشم ... سَ ضياءً فلم تكد تستبين
وكأن الفِرِنْدَ والرونقَ الجا ... رِيَ في صفحتيه ماءٌ مَعينُ
وكأنَّ المَنُونَ نِيطت إليه ... فهْوَ من كل جانبيه مَنونٌ
نِعْمَ مِخْراقُ ذي الحفيظة في الهيج ... اء يسطو به ونعم القرين
ما يُبالي من انتضاه لضرب ... أَشِمال سَطَتْ به أم يمين
قال: فأمرَ له ببَدرة، وقيل: أعطاه السيف، ثم اشتراه بعدُ بخمسين ألف درهم.
ويروى أن عُروة ببن الزَّبير سأل عبد الملك بن مروان أن يردَّ عليه سيف أخيه عبد الله بن الزُّبير، فأخرجه إليه في جملة أسياف مُنْتَضَاةٍ، فأخذه عُروة من بينها. فقال له عبد الملك: بِمَ عرفتَه بين هذه الأسياف؟ قال: بقول النابغة:
ولا عيبَ فيهم غير أن سيوفهم ... بهنَّ فُلولٌ من قِراع الكتائبِ
تُؤُرِّثْن من أزمان يوم حَلِيمةٍ ... إلى اليوم قد جُرِّبْن كلَّ التجارب
وجَّه ملكُ الرّوم إلى هَارُونَ الرَّشيدِ بثلاثة أسياف مع هدايا كبيرة، وعلى كل سيف منها مكتوب: فكان الأول: أيها المقاتل! احمل تَغْنمْ، ولا تفكِّرْ في العاقبة فَتُهْزَم. وعلى الثاني: إذا لم تَصلْ ضربة سيفك، فصِلْ ها بإلقاء خوفك. وعلى الثالث: التأني فيما يُخاف عليه الفَوْتُ أفضل من العجلة إلى إدراك الأمل.
فصل
وللسيف في لغة العرب أسماء كثيرة، وأوصاف متعددة. فمن أسمائه:) الجُنْثي (قال أبو عبيدة: الجُنثْيُّ من أجود الحديد. وقيل: الجنثي: القَيْنُ الذي كان يعملها فنسبت إليه. والذي طُبع بأرض الهند نسبت إليه، فقيل:) هِنديٌّ (. و) مُهَنَّد (و) هُنْدُواني (. وكذلك) اليَمانُّي (منسوب إلى اليَمَن. و) القَلَعيُّ (نسبة إلى القلعة، وقيل إنه الأبيض، فيكون اسم صفة.
و) القسوسيُّ (نسب إلى قسوس: جبل فيه معدن حديد. و) المشْرَفيُّ (نُسب إلى المَشارف، وهي قرى من أرض العرب تقرب من الريف. و) السُّريْجيُّ (نُسب إلى سُرَيْج: قَيْنٍ كان يعملها.
ومن أسماء صفاته: إذا كان عريضاً فهو) صفيحة (. وإن كان لطيفاً مهذباً فهو) قضيب (. وإن كان صقيلاً فهو) خَشيب (وقيل: إنه الذي لم يصقل، وقيل: إنه الذي لم يُحكم عمله مع صلابة فيه ومُضِيّ. وإن كان رقيقاً فهو) مَهْو (. وإن كان فيه حُزُوز مطمئنة عن متنه فهو) مُشَطَّب (و) مُفَقَّر (. وحُزوزُه: شُطَبُه وَفِقَرُهُ. وبذلك سمي سيف النبي ﷺ ، وسيف علي ﵁.
وقيل إن) ذا الفَقَار (ما كان له حد من جانب، وجانبه الآخر حاف لا يقطع. وبذلك عُرف سيف عَمْرو بن مَعْدِ يكرب، وهو الصّمصامة. فإن كان شفرتاه حديداً مذكراً؛ ومتنه أنيث فهو) مذكراً (، وهذه صفة الإفرنجي، والعرب تزعم أنه من عمل الجن، وهو أبقى على الضرب به في البدء، فأن الهندي قد ينكسر في البدء، وهو للحدِّ أجود.
فإذا كان له بريق فهو) إبريق (. فإن كان لصلابته وصفائه وحسن صقله لا يْعلَقُ به دَمُ الضريبة فهو) إصْلِيتٌ (فإذا طال عليه الدهر فتكسَّر حده فهو) قضيم (فإن كان كليلاً عن القطع فهو) كَهام (، و) دَدَانٌ (. فإن كان في متنه اثرٌ فهو) مأثور (. فإن كان للامتهان في قطع الشجر ونحوها فهو) مِعْضد (. وإن كان للحم والعظام فهو) مِعضَاد (.
ومن أسماء صفات حده: إذا كان قطَّاعا فهو) مِقْصَل (، و) مِخْضَل (و) مِخْذَم (، و) جُرَاز (، و) باتر (، و) عَضْبٌ (، و) حُسام (، و) قاضب (، و) هُذَام (. وكل هذه الأسماء مأخوذة من سرعة القطع. فإذا كان ماضياً في العظام فهو) مُصمِّم (. فإذا كان صارماً لا يثنيه شيء فهو) صَمْصَام (.
فصل في أسماء أجزائه
стр. 44
) جوهرُه (و) أَثْرُه (: فِرِنْده الذي يظهر كالماء فيه يخيل للناظر أنه يسيل به إذا هُزَّ.) ذُبابُه (: طرف نصله.) ظُبَتَاه (فوق الذباب،) غِراره (: حدَّاه، وهما شفرتاه.) عموده (: وسطه.) متْنُه (: جملة منصله) رئاسُهُ (ما عدا نَصْلَه.) قابضه (: مقبض كف الضارب به، وهو قائمه.) السُّنبلة (: ما دخل من النصل في الرئاس وهو) السِّنْحُ (أيضاً. و) السِّيلاَن (: يكتنفان السِّنخ.) القبيعة (: رأس رئاسِهِ.) الشَّعِيرة (: ما يحبسها.
وفي أسماء أجزاء غمده: هو) جَفْنُه (، و) خِلَّته (، و) خِلَلُه (. وقيل: إن الخِلَلَ جلود في باطن الغمد. و) حمائله (: ما يعلَّق به، واحدتها) حمالة (وهي أيضاً) نجادُه (. و) كَلْبُه (: حلقة تكون فيها سيوره. قال الشاعر على طريقة الإلغاز في ذلك:
رُبَّ سَيْر رأيتُ في فم كَلْب ... جُعل الكَلْبُ للأمير جَمَالاً
و) السِّيَة (: أطراف سيور الحمائل. و) ساربه (: وقاية لمدخل النصل في الغمد من فضة أو حديد أو غير ذلك. و) ثعلته (: وقاية لذبابه وظُبَتَيْه. و) القِراب (: الجراب، غلاف كالغمد يُجعل فيه السيف بغمده.
ومما جاء من الشعر في السيف: قال طَرَفة:
وآليتُ لا ينفكُّ كَشْحي بطانةً ... لعضْب صقيل الشَّفرتين مُهنَّدِ
أخي ثقة لا يَنْثنَي عن ضريبة ... إذا قيل: مهلاً قال حاجزه: قَدِ!
حُسام إذا ما قمت منتصراً به ... كَفَى العَوْدَ منه البدءُ، ليس بِمِعْضَدِ
إذا ابتدر القومُ السلاحَ وجدتني ... منيعاً إذا ابتلّت بقائمة يدي
وقال ابن المعتَزِّ:
ولي صارمٌ فيه المنايا كوامنٌ ... فما يُنْتضَى إلا لسفك دماءِ
تَرَى فوق متنيه الفِرِنْدَ كأنه ... بقيةُ غَيْمٍ رقَّ دُون سماءِ
وقال العَلَوي:
كأنَّ على إفرنده مَوْجَ لَجَّة ... تَقَاصَرُ في حافاته وتَطُولُ
كأن عيونَ الذَّرِّ كُسِّرن حَوله ... عيونُ جَرادٍ بينهن ذُحولُ
حُسَامٌ غداة الرَّوع حتى كأنه ... من الله في قبض النفوس رسولُ
وقال ابن عَبْد ربِّه:
وذي شُطَبٍ تَقْضي المنايا بحُكمه ... وليس لما تقضي المنيةُ دافعُ
فِرِنْدٌ إذا ما اعتنَّ للعَيْن راكدٌ ... وبَرْقٌ إذا ما اهتزَّ بالكفِّ لامعُ
يسلِّل أرواحَ الكُماة استلاله ... ويرتاع منه الموتُ، والموتُ رائع
إذا ما التقت أمثالهُ في وقيعةٍ ... هنالك ظَنُّ النفسِ بالنفس واقع
وقال ابن الزقاق:
ذو ظمأٍ يشربُ ماءَ الطلُّى ... وليس يُرْويه الذي يشربُ
تخاله منصلتاً بارقاً ... وكوكباً أو قبساً يلهب
أرْسَل في الحرب شُواظاً له ... يَصْلى لظاه البطلُ المحرب
تُساجلُ الماءَ له صفحةٌ ... ويوقد النار له مضرب
كُلِّل من إفرنده جوهراً ... يَنْهَبُ أرواحاً ولا يُنهب
يفترُّ عن صفحته غمدُهُ ... كما انجلى عن مائه الطِّحْلِبُ
وقال غيره:
ومهنَّدٍ جال الفرندُ بمتنه ... فتوقدت نارُ الردى بغرارهِ
فيكاد يُغرِقُ حامليه بمائه ... ويكاد يُحرِق مُنتضِيه بنارهِ
وقال أبو العلاء المعرِّي:
ولولا ما بسيفك من نُحول ... لقلنا أَظْهر الكَمَد انتحالا
سليلُ النار دقَّ ورقَّ حتى ... كأنَّ أباه أورثه السُّلالا
مُحلَّى البُردِ تحسبه تَردَّى ... نجومَ الليل وانتعل الهلالا
مقيمُ النصل في طَرَفي نقيض ... يكون تبايُنٌ منه اشتكالا
تبيَّنُ فوقه ضحْضاحَ ماء ... وتُبصر فيه للنار اشتعالا
إذا بَصُرَ الأمير وقد نضاه ... بأعلى الجو ظنَّ عليه آلا
ودَّبت فوقه حُمرْ المنايا ... ولكن بعد ما مُسخت نمالا
يُذيب الرعبُ منه كلَّ عَضْب ... فلولا الغِمدُ يُمسكه لسالا
ومن يك ذا خليل غيرِ سيف ... يصادفْ في مودته اختلالا
وقال أبو العباس التُّطيلي في سيوف:
هِيمٌ وِرادٌ لوَ أنَّ الماء صافحها ... لزلَّ أو زال عنها وهو ظمآنُ
يكاد يخلق مهراق الدماء بها ... فلا تقل هي أنصاب وأوثان
مَوْتى! فإن خلعت أجفانها علمت ... أن الدروع على البطال أكفان
ومن أحسن ما قيل في وصف السيف قول حبيب بن أوس:
стр. 45
ونبَّهن مثل السيف لو لم تسُلَّه ... يدان لسلَّته ظُباه من الغِمْدِ
ومن الإفراط في وصفه قول النابغة:
يقدُّ السَّلُوقيَّ المضاعَفَ نسجهُ ... ويوقد بالصُّفَّاحِ نارَ الحبُاحِبِ
وأقوال الشعراء في السف كثيرة جدّاً، وفيما ذكرناه من ذلك كفاية.
فصل
ومن شرط السيف أن لا يُسلَّ إلا عند الضرب به، وأن سُلَّ قبل ذلك أوْرَث الجُبن.
وليس في السلاح ما يجب أن يُحذر عند العمل به كالسيف. وقد وجد كثير ممن عمل به بغير حذر ولا دُربة أصاب أُذُن فرسه أو عضده، وربما أصاب أُذُنَ نفسه أو رجلَه فقطعها، أو أثَّر فيها.
فإذا أراد الفارس العمل به طرَّف رجله في ركابه حتى لا يظهر منها شيء عن مقدَّم الركاب، بحسب ما يمكن اعتماده عليه، ويضرب بالسيف نَفْحاً وشزراً؛ إلا ما كان قبالة وجهه فليكن حينئذ أشد حذراً على نفسه وفَرَسه. وليعْتَل يده عند ضربه ما أمكنه إلى خارج، فبذلك يكون آمناً. وليطْرَحْ مقابله عن يمينه أبداً في كل حال، ولا سيما الرامح.
ومن أراد التعلم به والتمرُّن في الضرب فليعمد إلى قَصَبة رِطْبة أو قضيب رطب، ويثبت أصله في الأرض، ويتوثق منه؛ ثم يتباعد عنه، ويجعله على يمينه، ويُجري فرسه ملء فروجه؛ فإذا دنا منه سَلَّ سيفه بسرعة وحّذَرٍ وخفة، ونَفخ به ما يحاذي رأسه من ذلك القضيب أو القصبة، أو يضرب ذلك شزراً بلباقة وخفة. يفعل ذلك مراراً يقص في كل طَلَق منه ما أمكنه؛ إلى أن يبقى قَدْر ذراع. ويُدمن العمل حتى يصير له عادة ويخف عليه العمل به إن شاء الله، والشَّزْر: هو الضرب به عن يمين وشمال، والنَّفح: إلى خارج اليمين.
الباب السادس عشر
ذكر الرماح
قال رسول الله ﷺ :) عليكم بالقنا والقِسِىِّ، فيها نُصِر نبيُّكُمْ وفُتح لكم في البلاد (. والقنا: هي الرماح.
وكان لرسول الله ﷺ أربعة أرماح: رمح يسمى) المتثني (، والثلاثة أصابها من سلاح بني قَيْنُقاع.
وكانت العرب تقول:) الرمح رِشَاءُ المنيّة. ومن أمثالهم فيه:) ذكّرتني الطعنَ وكنت ناسياً (.
وسأل أعرابي ابنين كانا له عن أي الرماح أحبُّ إليهما؟ فقال أحدهما: المارن المثقف، المقوَّم المخطف، الذي إذا هززته لم يتعطَّفْ. وإن طعنتَ به لم يتقصَّفْ، فقال للآخر: فما تقول أنت؟ قال: نعم الرمح وصَفَ! وغيرُه أحبُّ إليَّ منه. فقال: وما هو؟ قال: الذابل العسَّال، المقوم النَّسال، الماضي إذا هززته، النافذ إذا همزتَه.
قال: فأخبراني عن أبغض الرماح إليكما؟ فقال أحدهما: الأعصل عند الطِّعَان، المثلَّم عند السِّنان، الذي إذا هززته انعطف، وإذا ضربت به انقصف.
فقال للآخر: فما تقول أنت؟ قال: بئس الرمح وَصَف! وغيره أبغضُ إليَّ منه؛ فقال: وما هو؟ فقال: الضعيف المهزّ، اليابس الكزّ، الذي إذا أكرهته انحطم، وإذا طعنت به انقصم.
الأعْصَلُ: هو الملتوي.
قال بعضهم: الرماح هي العوالي، والسُّمْر الحوالي، وقرون الجياد، وأرشية قلوب الأكباد، بها تستماح المُهج، وتستباح الفروج والفُرَج. خُلقت كالأراقم، لثغر الحلاقم، فسليمها معذور، وكَليِمُها مذعور ومن قولهم في ذلك:
وكم عاتقٍ قد أنكحَتْنا رماحُنا ... ومن ثيِّبٍ حَلَّت لنا لم تُطَلَّق
فصل من أسمائها على الترتيب:
) العنَزَة (، وهي عصا فوق الهراوة فيها) زُجٌ (، وهي من السلاح لإمكان الدفع بها، والزُّج فيها يشبه السنان وإن لم يكنه. ثم) النَّيْزك (، وهو أطول من العَنَزَة وفيه سنان دقيق، وجمعه نيازك، ومثله) المِطْرد (.
و) المزراق (كذلك لأنه يُرمى به للطافة عصاه، وقد يكون سنانه مربعاً لطيفاً لخرق الدروع وشبه ذلك.
فإذا زاد طولها وفيها سنان عريض فهي) حَرْبة (و) أَلَّة (جمعها حِراب، وإلاَل.
و) الخُرْص (من قصار الرماح وجمعه خُرْصان. فإن كان أصمَّ فهو) مِدْعَسٌ (يُدْعِس به، وجمعه مَدَاعس.
وأطولها الرُّمْحُ، والقَنَاة
فصل في أسماء صفاتها ونسبها
стр. 46
إذا كانت العصا قد نبتت مستوية ولم تحتج إلى تثقيف، وهو التقويم، فهي) صَعْدةٌ (. وإن احتاجت إلى تثقيف فهو) المثقَّف (. وإن كان الرمح مضطرباً فهو) عاسل (. فإن كان شديد الاضطراب فهو) عسَّال (و) عرَّاصٌ (فإذا كان ليناً فهو) لَدْنٌ (و) ذابل (و) مارن (. فإن كان شديداً فهو) سَمْهَرِيٌّ (. فإن كان صُلْباً لا ينثني فهو) صَدْق (. فإن كان متثلماً فهو) ثَلِبٌ (.
و) الخَطِّيُّ (من قصب فارس، منسوب إلى) الخَطّ (: من أرض فارس تنبت بها.
و) اليَزنيُّ (منسوب إلى ذي يَزَن: من ملوك اليمن.
و) الرُّدَيْنيُّ (منسوب إلى رُدَينة: امرأة كانت تعملها، وقيل: تباع عندها. و) الأسمر (هو) الأظْمى (مأخوذ من الظمأ، وهو العطش. و) اللَّهذم (النافذ السنان، والعريض السنان هو) المِنْجل (، من النَّجَل، وهو الاتساع. وطعنة نَجْلاَء: أي واسعة.
و) الوَشيجْ (منبت الرماح، وقيل: هي الرماح أنفسها و) المُرَّانُ (الرماح، واحدها) مُرَّانة (وقيل: المرَّانُ مَنبتها.
فصل في تفصيل أجزاء الرمح
) سنانه (،) ونَصله (، و) قرونه (:) شفرته (. وطرفها) سائبته (. و) ظُبتاه (و) شفرتاه (: حدّاه، وكذلك) غِراره (. و) عَيْرُه (الناتئ في وسطه. و) الجُبَّة (: مدخل الثعلب في النَّصْل. و) الثعلب (ما يدخل من العصا في الجبَّة. و) المِحْور (: مسماره و) زافرته (: أعلاه. و) صدره (، و) عاليتُهُ (، و) عامِلُه (وذلك إلى قدر الثلث منه. ثم) عَائِده (، و) وعموده (: وسطه. ثم) سَاقُه (، و) سافلته (، و) عَقِبُه (، و) كَعْبُه (. ثم) زُجُّه (و) مركزه (وهو الحديدة التي في أسفله إن كانت حادة، وإلا فهي) حَلْقته (.
و) أنابيب (الرماح الهندية وكعوبُها: ما بين عُقدها، وهي حُروزُها وفصولها.) و) قِصَدُ (الرماح: كسُورها وقطُعها. واحدها) قِصْدَة (.
فصل في صفة الركوب بالرمح
وهو أن يأخذ الرجل رمحه بيمينه، وعِنانَه بشماله مع قَرَبوس سرجه، ويضع زُجَّ رمحه بالأرض، وليبعد منها قليلاً؛ ويضع صدر قدمه اليسرى في ركابه الأيسر، ثم يعتمد على الرمح، ويشيل نفسه على فرسه، وينهض وهو يدير الرمح على كَفَل الفرس إلى الجانب الأيمن حتى يستقلَّ بسرعة؛ ثم يضع الرمح في يساره مع العِنان، ويسوِّي ثيابه وآلته بيمينه، ثم يصرف الرمح إلى يمينه.
وإن كان في صحراء ولم يقرب منه إنسان يخاف أن يناله الرمح أو شجرةٌ ينشب فيها، فليأخذ أن أحبَّ وسط الرمح بيده اليسرى مع العِنان والعُرفِ أن رأى ذلك، أو القَرَبوس إن كان أخذ العرف بيساره أو لم يكن عُرْفٌ ويأخذ المؤخرة بيمينه، أو القرَبوسَ إن كان أخذ العرف بيساره، ويركب.
ولا ينبغي أن يتعرض الرجل لأخذ رمحه من الأرض وهو راكب، فربما وطئه الفرس فكسره أو ضربه فأبعده عنه، بل ينزل ويأخذ رمحه ويركب كما وصفت.
وأما النزول بالرمح فهو أن يأخذه بيساره، ويضع زُجَّه بالأرض عند يد فرسه اليسرى، ويأخذ القربوس بيده اليمنى ثم ينزل، وحين يصير إلى الأرض يأخذ رمحه بيمينه بسرعة، لئلا يدور عليه الفرس فيحطمه أو يصيب الأرض بسنانه، أو يعقر أحداً. فليلتفت لهذا كله.
فصل
ومن أراد تعليم العمل بالرمح والدُّربة في ذلك فليضع دريئة، وهي عُود أو شبهه قائم بالأرض قدر ارتفاع الفارس، ويتوثق من أسفله، ويشد في أعلاه حلقة أو حبلاً مَلْويَّاً شبه الحلقة، ثم يتباعد منه، ويُجري فَرَسه ملء فروجه، فإذا قَرُب من تلك الدَّريئة تأبَّطَ رمحه، وأخرج منه عن إبطه بقَدْر ما يخفُّ عليه حَمْلُه وتحتمله قُوَّته، ثم يأخذ بسنانه تلك المعلَّقة،، ثم يلوي رمحه بسرعة ليخلَّص السنانَ من الحلْقة. وربما احتاج إلى أن يقلب رمحه إلى خلفه، أو إلى أن ينفذ الحلقة ويأخذ رمحه لقْفاً من خلفها. وربما كانت الحلْقَة تدور حيث أدارها، ويداوم العمل على ذلك كيفما أمكنه، حتى يخف عليه العمل. فلا يخطئ الإصابة إن شاء الله.
وأما صفة إمساكه عند الِّلقاء والطَّعِن به والتخلُّص منه بعد ذلك، فذلك يحتاج إلى بَسْطِ وتطويل ومشاهدة بالعِيان أيضاً، لكثرة أحواله، واختلاف وجوهه وطرقه.
وينبغي للفارس أن يخفف رُمْحَه ما قَدرَ، فإنه على الخفيف أقوى، وله أضبط، وبه أحكم، وعلى قَدْرِ قوَّته واحتماله. وكانت رماح الفرسان من عشرة أذرع، وأقلُّ من ذلك جائز.
стр. 47
وليكن بين الرقيق والغليظ قدر ما لا تَعجزه عنه الكف ولا تلتقي عليه الأنامل. فالتوسط هو المحمود، وبحسب قدر اليد والتمكن من ذلك.
ومما جاء من الشعر في الرمح قولُ المعرِّي:
وذي ظمأٍ وليس به حَيَاةٌ ... تيقَّن طُولَ حامله فَطَالا
توهَّم كلَّ سَابِغَةٍ غَديراً ... فرنَّق يَطْلُبُ الحَلَق الدِّخالا
ملأتَ به صُدوراً من أُناسٍ ... فلاقت عن ضغائنها اشتغالا
ومن أبدع ما قيل فيه قَوْلُ شيخنا القاضي الشريف أبي القاسم الحسني ﵀:
وأصمَّ ممطولِ الكُعوب إذا اقتضى ... مُهَجَ الكماة فَدَيْنُه لا يُمْطَلُ
متوقِّد حتى أقول: أَذَابِلٌ ... بيديَّ منه أم ذُبالٌ مُشْعَل
لولا التهاب النَّصل أيْنع عُودُه ... مما يُعَلُّ من الدِّماء وينهَلُ
فاعجب له إن النَّجيع بطَرْفه ... رَمَدٌ ولا يَخفى عليه مَقْتَلُ
والشِّعرُ فيه كثير.
الباب السابع عشر
ذكر القِسيِّ والنَّبل
وقد فضَّلَ الله تعالى القوسَ على جميع الأسلحة، وجعل التشاغُل بأمورها من التجارات المرْبحة، والآراء المنجحة.
عن رسول الله ﷺ أنه قال) ما مدَّ الناسُ أيديَهُم إلى شَيْء من السِّلاح إلا وللقَوْسِ عليه فضيلةٌ (وقال ﷺ :) من اتّخذَ في بيته قوساً نَفَى اللهُ عنه الفَقْرَ ما دامتْ في بيته (.
وكان ﷺ يخطب عند الحرب وهو متكئٌ على قوسه.
وقال ﷺ :) مُنتهَى المؤمنِ القَوسُ والنَّبْل (.
فصل
والترغيب في الرماية كثير. عم عُقْبةَ بن عامرٍ قال: سمعت رسول الله ﷺ وهو على المنبر يقول:) وأَعِدُّوا لهم ما استطعتم من قوة، أَلاَ إنَّ القوَّةَ الرَّمْيُ (.
وكان ﷺ يعجبه أن يكون الرجل رامياً فارساً سابحاً.
وقال ﷺ :) علموا أبناءكم الرمي فإنه نِكاية للعدُوِّ (.
وقال ﷺ لقوم من الأنصار رآهم يرمون:) ارمُوا يا بني إسماعيل! فقد كان أبوكم رامياً (.
وقال ﷺ :) من رَمَى بسهم في سبيلِ اللهِ مُخطئاً أو مَصيباً كان لهُ من الأجْر كرقبةٍ أعْتقها مِنْ وَلَدِ إسماعيل (.
وقال ﷺ :) إن الله ليُدخِلُ بالسَّهم الواحدِ ثلاثةَ نَفَرٍ الجنَّةَ: صانِعَهُ يَحْتَسِبُ في صُنعه الخير، والرامِيَ له، والمُمِدَّ به (.
وعن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: ما سمعت رسول الله ﷺ فَدَى أحداً غيرَ سَعْد بن أبي وقَّاص، فإنه قال له يوم أُحُد:) فداكَ أبي وأمي (. وفي ذلك اليوم قال رسول الله ﷺ لسعد ولأبي طلحةَ وقتَادةَ وغيرهم من الرُّماة:) اثبتوا! فلن يزال النصر معنا ما ثبتُّم (. وكان عدد الرماة في ذلك اليوم خمسة عشر رامياً.
والأحاديث في هذا المعنى أكثر من أن تحصى. ولله دَرُّ الشاعر إذ يقول:
فمن شاءَ يسلكُ سُبْل العنايهْ ... ويحصُلُ من عزها في نهايهْ
ويَحْظَى بكل ثواب جزيل ... فلا يتعدَّ طريق الرمايهْ
فإن بها في الدُّنَى رِفعةً ... ونصراً لدين نبيِّ الهدايهْ
فصل
كان لرسول الله ﷺ قوس من نَبْع تسمى) الصَّفراء (، وقوس من شوحطٍ تسمى) الرَّوْحاء (وقوس أخرى من شوحط تسمى) البيضاء (، وقوس أخرى تسمى) الكَتُوم (.
والقِسِىُّ جنسان: قوس اليد، وهي العربية، وتنقسم على أنواع، وقوس للرِّجل، وهي الإفرنجية وتنقسم كذلك) إلى (أنواع.
فالقوس العربية أَنْسَبُ للفارس، لأنها أسْرعُ وأقلُّ مئونةً؛ والقوس الإفرنجية أنْسَبُ للراجل، لأنها أبلغُ وأكثرُ مَعَونةً، ولا سيَّما في الحصار والمراكب البحرية وشبه ذلك، وهي خاصَّةٌ بأهل الأندلس، بها يصيدون، وعنها يَرْمُون، وفيها يتنافسون، وعليها يعتمدون فُرساناً ورجالاً، وهي التي نَصِفُ هنا إن شاء اللهُ تعالى.
فصل
стр. 48
وهذه القوس - أعْني الإفرنجية - تتألف من عَمُود وقَضيب وجَوْزَةٍ ومفْتاح. وكان العمود قبلُ يسمى المجْرَى، وإنما سُمِّي بذلك لجرْيِ السِّهام عليه، وكان مفتاحه طالعاً من جهة الجوزة يرمي سهاماً عِدَّة، مشتملة. ثم استخرج هذا العود في زمن النّمرود، وسُمي عموداً لأنه عمد به وفيه ستة أثقاب: ثقْبُ المشْرَب، وثقْبُ الحلْقِ وهو للحل والربط، والحلُّ الربط لسبعة أشياء: الحك، والغسل، والنشر، واللَّية، والتزريق، والرّفُوع، والنزول. والثقبُ الثالث لستة، وهو ثقب الأمانة والوديعة. والثقب الرابع للجَوْزة، وهو ثقب القُفل والشرب والرِّياسةِ. والثقب الخامس للمسمار، وهو ثقب التكليف والحِمالة والعُدَّة. والثقب السادس للمفتاح، وهو ثقب الحركةَ والهيئة والأسرار. فمنه تنفتح الصنعة، وهو رُوحها ومعناها.
وسمي القضيب قضيباً لأنه ينكح في خمسة مواضع: موضع في وسطه، وأربعة مواضع في أطرافه، وله وتران: حربي، وعوير.
وسمي الجوزة جوزة لجواز المتحرك والناطق والصامت عليها. واسم الجوزة: القلب، لأن رأس المفتاح يتقلب بها. وفيه سر وفي الجوزة آخر، فإذا اجتمعا ظهرت الحكمة.
وسمي المفتاح مفتاحاً لأنه يفتح أسرار جميع ما ذكرناه.
فصل
أسرار القوس في سبعة أشياء: حيوان يعقل وهو الرامي، ومنفصل عن حيوان لا يعقل وهو الريش والشمع والجوزة والقضيب والسهم، فتصول هذه الأربعة عند الرمي ولا يصول أحدها وحده.
وقيل: إن القوس مأخوذ من الدائرة، وهي كمال الصنعة؛ وذلك أن أهل الهندسة لما نظروا الشمس والقمر والنجوم استخرجوها منها.
وتتكلم القوس بلسان الحال، وتتنفس كتنفس الصبح، وتسمى ملكاً لأنها تملك، وإذا وضعها الرامي خاف منها كخيفة الملك إذا دخل عليه، ويخافه كذلك غيره من أجلها.
فصل
والقسى تنتخب من عشرة عيدان: خمسة برية، وخمسة بستانية. فالبرية: الطخش، وهو النبع بلغة العرب، والزنبوج، والدردال، والكتم، والشبر.
والبستانية: النارْنجُ، والنّسْمان، والتُّفَّاح، والرُّمَّان، والسَّفّرْجل.
وفي ذلك يقول بعضهم:
عَجْبَاً من القوس الكريمة إنها ... لم تَرْعَ حقَّ حمائم الأغصانِ
عادت لها حَتْفاً وكانت مَألَفاً ... وكذاك حُكْمُ تصرُّفِ الأزمانِ
وقال ابن الزّقاق:
نفسي الفداءُ لَنْبعة زَوْراءِ ... مشغوفةٍ بمقَاتلِ الأعداء
أَلِفَتْ حَمَامَ الأيكِ وهي نَضيرةٌ ... واليومَ تألفها بكسر الحاء
ولهذه العيدان التي تنتخب منها القوس معادن في الجوف والقبلة والشرق والغرب؛ ولقطعها فَصْلان: تُقطع في فصل سموم الشتاء وهو المختار، وشُبَّهت بالطفل الذي تتم رضاعته، وتُقطع في فصل سموم الصَّيف على وجه الاضطرار. والأصلي هو أحسن القُضبان، وما يُقطع في فصل فهو في حقها نُقصان.
فصل
وأعلم أن القوس تُرْبطُ على وجهين: بالنظر، وهو أصل، وبالقياس وهو فرع. فأما أهل المعرفة في ذلك فهم ثلاثة نفر: العَريف، والمعلِّم، والرَّامي. ولكل واحد منهم درجةٌ زائدةٌ على صاحبه.
فيَزيد المعلم على الرامي رطوبةَ اليدين، ويَزيدُ العَريف على المعلِّم نُورَ القلب، فيربطون القوس بالنظر، فأن غُمَّ عليهم قاسُوا بالضابط.
وصِفة القياس به: أن يُفْتَح الضابط، وتُفْتَتَح طَرفَه في الحرف الأسفل من ثقب الحلق، ثم تضع الطرف الآخر في حرف آخِرِ الصَّدر من القضيب، ثم اطلب به الجهة الأخرى، فأن تساوى القياس فهو المراد، وأن زاد طَرَف الضابط على حرف الصدر فهو مخفوض فارفعه، وأن نقَصَ فهو مرفوع فاخفضه، حتى يستقيم لك القياس.
ولا بد لربطها من لزَازَيْن اثنين قَدّاً واحداً من عُود طيبٍ فتىٍّ يشد بهما القضيب بعد ربطه بصمته من جلد أيِّلِ ذَكَر، مقطوعة على طول الجلد، مع حلقة حديد توضع فها الرجل اليسرى عند الجرِّ، وتسمى لذلك ركاباً.
стр. 49
فإذا نزل القضيب مطبوعاً في الحلق فَحوِّلْ يدك به طالعاً حتى يكون في أول الحكِّ وآخِر الغسلِ، وابدأ بربطه وبضرب الَّلزازين: المَيَامن قبل المَيَاسر، لئلا يكون فيه لحن؛ ثم أَوتره وضع الجباد على رقيق خاصرتك، وخُذ المخطاف بيدك اليسرى بعد إشباع يدك اليمنى تحت المفتاح، وضعه في الوتر، واطلع به ثم أَوْقِعْه على بركة الله، فأن خرجت عنه الإبهام فإن خروجك بسلام، ثم حوِّل القوس وانقله إلى يدك اليسرى وركِّب السهم وارْمِ ما أحْبَبْتَ.
فصل
قال بعض علماء هذا الشأن: أَوْقِعْ بحِلم، وانظُر بعِلْم، واقْرُصْ بغَضَب.
وقيل: شّدَّ اليسار، وحُدَّ النَّظر، فقد صحَّ لك من الأمر أَثر.
وقد قيل: إذا أصاب الرامي الغرض بسهمه قتل ببلاد العدو رَجُلا، وإذا رَمَيْت فتعوَّد العجلة.
وقد حُكي عن رجل من العرب أنه وقف على رَامٍ قدَّمٍ جرّ قوسه وهو ينظر! فقال له: ما الذي تنظر؟ قال: لَعَلِّي أَعْرض أحداً! فقال له: اِرْمِ السَّهمَ يَطْلَبْ صاحبَه.
والعالي من الرماة هو الجَّرارُ، الثابت النظر، السريع الرماية. وقيل: العلوُّ في الرماية: الجَرّ، والرمي، والجرأة. ولا تجتمع هذه الخصال إلا في قليل من الرُّماة.
واعلم أن جرَّ القوس مَخُوفٌ في زمن الشتاء، وذلك حذراً على الرامي لشدة القوس، وحذراً على القضيب لحسومته. فالقضيب الشرقيُ يَصْلح للشتاء، والقضيب الغربي يصلح للصيف. فإن كنت في زمن الشتاء فاجعل قَوسك للشمس حتى ترطب وتلين، وارْمِ بها. وإن كان يومَ قَرٍّ فلا سبيل إلى ذلك إلا في الغزو خاصة. وإن كنت في زمن الصيف فاجعلها في مكان بارد حتى تبردَ وارْمِ بها.
والشأن كلُّه والبَرَكة في قَرْصِ المفتاح. والقرص على ثلاثة أوجه: فمن الناس من يكون ضبطُه سلساً، فيكون قَرصُه ليناً، ومنهم من يكون ضبطه بَيْنَ بَيْنَ، فيكونُ قَرصُه شيئاً شيئاً. فهم لا يستوُون في ذلك. والخاتمة إنما هي القَرْص.
فصل
واعلم أن القوسَ لا يستوي طرفاها حتى يَكْمُلَ عليها الصفة. فأحْذَرْ ستَّ خصال، فإنها رأس الخطأ في هذه الصنعة: الوتر الخَشِن، فإنه يَنْقص الرمي ويكسر القضيب، وفي القضيب الفراغ، والامتلاء، والوقوف، والخشْب الذي يكون تحت الصدر، وترقيق الأطراف.
ومما هو عند الرُّماة فرضٌ واجب حَترة الكتان للوَتَر. وإذا رأيت قوساً قوية فلا تَجُرها بِوَجْه.
وإذا مشيت في الغزو فثقِّل الزاد وخفِّف السلاح، وبزائد القوس على جميع السلاح. فالقوس الخفيفة هي النفَّاعة الرمي.
وإذا رأيت الناس في الصدمة الأولى فقف مكانك، حتى ترى ما يكون، لعلك تفض بمن وصل إلى الناس شده. ولتكن سهامُك مستويةَ العمل غزاليَّة التركيب، رقاقَ بيوتِ الرِّيش، فَرْديَّة الأفواق.
وأحذر سبع خصال، فأما أسباب رجوع السهم إلى الرامي، فمنها في السهم اثنتان: فِصَر الفُوقِ، والتجنيب أمام. وفي الجوزة اثنتان: سَعَة النهر، وعلو العَتبَة. وفي القضيب ثلاثة: الفراغ، والامتلاء - وقد تقدم ذكرهما - والغسْل.
فصل
واعلم أن الرماية صَنعةٌ، والغرضَ سَعْدٌ، فضربُ الغرض من السُّعود.
واعلم أن الأول من السهام يسمى) دليلاً (والثاني) بانياً (، والثالثَ) ظَهُوراً (، والرابع) طالباً (والخامس) ضارباً (، والسادس) سَدَّ ذريعة (. فإذا رميتَ الدليل وجاء فوق الإشارة، ورميت الباني وجاء تحتها، ورميت الظَّهورَ وجاء يميناً، ورميت الطالب وجاء يَساراً فارْمِ الخامس فهو الضارب كاسمه كما ذكرنا، والسادسُ هو المحقَّق، وهُوَ سَدُ الذريعة.
ومن رمى الستة ولم يُصِبْ بأحدها فَرِمايتهُ خِداج، فلا يتعاهَدِ الرمْيَ أَبَداً. ومن أصاب باثنين فشغله قد تَيَسَّر، ومن أصاب بأربعة فهو قد أصاب كثيراً من الصنعة، ومن أصاب الستة فقد حاز درجة المنتهى، ودخل في دعوة رسول الله ﷺ لسعد بن أبي وقَّاصٍ ﵁، وكان أول سَهْم رمى به في غزوة بدر الأَبْواء. وهذه الأبيات من قوله في ذلك:
ألا هَلَ أتى رسولَ الله أني ... حَمَيْتُ صَحابتي بصدور نَبْلي
فما يعتدُّ رامً في عدوٍّ ... بسهم يا رسول الله قَبلي
أذود بها أوائلهم ذِياداً ... بكل حُزونة وبكل سَهْلِ
وذلك أن دينك ديِنُ صِدق ... وذو حق أتيتَ به وعَدلِ
стр. 50
يُنجَّي المؤمنون به ويُخْزي ... به الكفَّار عند مَقام مَهْلِ
فَمَهْلاً قد غَوِيتَ فلا تَعِبْني ... غَوىَّ الحيِّ ويْحك يا ابن جَهْلِ!
وفي السهم الكامل خصال محمودة تزين الرماية وتشد الحك والغسل، والتحريك.
قال شيوخ هذه الطريقة: القصير حقير، والبارز فارس، ولكل شيء حبيب، وحبيب القوس السهمُ العدل.
فصل
واعلم أن الحديد سبعةَ عَشَرَ صِنفاً، أربعة منها للصيد، وذلك: الزجُّ، والشلياط، والمرجفلي، والمجنَّح. وثلاثة للدرع وذلك: السّبط، والمربَّع الطويل، والمثلّث. وأربعة للتُّرس وذلك: المربَّع القصير، والقطرال، والبلُّوطة، والشبري. وأربعة للدَّرق: وذلك الشِّلياط، وهو أصغر من الصيد، والطموح، والمجواف، والملحاني واثنان لمعنيين آخرين: وهما: البجوق وهو لقطع البشت وسهم الحمى وهو لخرق السفن وأبراج العود. فلا تخل من هذه الأصناف المذكورة، ولْتُعلَّم على أفواقها لتكون معلومة عندك أن تمد يدك إلى كنانتك في وقت الحاجة وتخرج الذي تريد منها.
وقد قيل:) قبل الرمي تراش السهام (. والكلام في هذا الباب يطول، إذ لو تتبعنا الكلام في القوس والنبل والرمي لخرجنا عن مقصود التأليف.
فصل
ومما جاء من الشعر في القوس:
أنا القوسُ الذي لا شكَّ أَنِّي ... أُبيدُ الأُسْدَ في الحرب الزَّبُونِ
أنا أقضي على الأبطال قِدْما ... وفي كَبدي سِهامٌ بالمَنون
سِهامٌ فُوِّقت لي من كمين ... فَوَيْلٌ للكُماة من الكمين
إذا فوّقتُ سهمي ليس يُلْقَى ... بتُرْسٍ، لا ولا دِرع حصين
ومن ذلك أيضاً:
سَلُوا حَلَق الماذيِّ عن حدِّ أَسْهُمٍ ... فقد ثَلَّمتْ حَدَّ القنا والقواضب
تخبِّرْكُمُ أني إذا الخيل أوجفتْ ... شَريكُ المنايا في نفوس الكتائب
إذا سَمِعَ الأبطال في الرَّوْع هزَّتي ... رأيتهُم تحت الِعتَاق الشّوازبِ
كأنَّ اهتزازي نفخة الصُّور كلما ... أصاخوا لها خَرَّوا على كل جانبِ
لئن فَخَرَ الخطِّيُّ إن شُبِّهت به ... حِسَانُ التثَنِّي من قُدود الكواعب
ففي أسهم الألحاظ للفخر مسرح ... إذا رُمْتَهُ، أو في قِسِيِّ الحواجب!
ومن ذلك أيضاً:
سِهامي نافذاتٌ في الأعَادي ... إذا الرامي أجَادَ بيَ الرِّمايهْ
أُقيمُ بكفه ويصير سَهْمي ... إلى بُعْدِ ويُدرك كل غايةْ
وليس الرمحُ يفعلُ مثلَ فعلي ... ولا السَّيفُ المهنَّدُ في الحمايهْ
فَخَرْتُ على السلاح بذا. وفضلي ... إذا فكَّرْتَ ليس له نِهايهْ
ومن ذلك أيضاً:
ذَرِ الْخَطِّىَّ يَثْنِي مِعْطَفيه ... فإن لأسهمي فَضْلاً عليهِ
إذا كان العُلا قَتْلَ الأعادِي ... أيفضل غَيْر أَسْرَعِنا إليه
والشعر في القوس كثير يطول ذكره.
وأما بالقوس فأنواع القسيِّ مختلفة، وأحوالها متفننة، والعمل بها يحتاج إلى بَسْطٍ لا يحتمله هذا المختصر.
وللرماية كتب معروفة، وصناعة مشهورة، فلينظر منها بحسب ما يليق به ويَخفُّ عليه. لكن عُمدة الفارس الرامي: الفَرسُ الحَسَنُ الرياضة،) والقوس (المتأتية للجرِّ على الفَرَس. وبالله التوفيق.
الباب الثامن عشر
ذكر الدروع
الدروع قد عَدها الله في النعمة التي أنعم بها على الناس، قال المفسرون في قوله تعالى) وسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بأُسَكمُ (: إنها الدروع. وإنها لتدافع الوجل، ما تَرَاخى الأجلَ. ولذلك قال عباد بن الحُصَيْن وقد سألهُ رجل: أي درع كنتَ تحب أن تلقى عدوك فيها؟ فقال له: في أَجَلٍ مُسْتَأخِر.
وكان لرسول الله ﷺ درع يقال لها:) ذاتُ الفُضُول (، وكانت له درع أخرى إذا علقت بَزَرافينها لم تمسَّ الأرض، وإذا أرسلت مسَّت الأرض. وكان ﵇ لا يشاهد الحرب إلا بها.
وكان له دِرْعان أصابهما من بني قَيْنُقَاع. يقال لإحداهما) الصُّغدية (. وقيل إنه كان عنده درعُ دَاوُدَ ﵇ التي كانت عليه يوم قَتْلِ جَالُوتَ.
رُوِي أن لُقمان الحكيمَ كان يجالس داود ﵇، وداود يصنع الدرع، ولم يَدْرِ لقمانُ ما هي، ولم يسأله عنها؛ فلما أكملها لَبِسها، وقال إنها لَحِصْنٌ لِيوم بأس، فعِلمَ لقمانُ حينئذ أمْرهَا.
стр. 51
فصل في أسمائها ونعوتها
فمن ذلك) الجُنَن (وكلُّ ما يُتَّقى به فهو جُنَّة. و) الَّلأمة (: الدرع التَّامة التي لها فُضول. فإذا كانت واسعة فهي) زَعْفة (ثم) نَثْرة (، و) نَثلْة (. ثم) فضْفاضة (إذا كانت مع سعته ضافية. فإن كانت ضيقة فهي) السُّك (. فإن كانت ليِّنة فهي) خَدْباء (و) دِلاَص (. فإن كانت مُحكمةً صُلبة فهي) قَضَّاء (، و) حَصْداء (، فإذا كانت طويلة الذيل فهي) ذائل (. فإذا كانت بيضاء فهي) ماذَّية (. وقيل: إن الماذيَّة المعينة، وقيل: السهلة اللينة.
ومساميرها) الحَرَابي (واحدها) حِرْباَء (ورءوس مساميرها:) القَتير (واحدها) قَتِيرة (وهي المشَبَّهةُ بعيون الجَرَاد. و) المضاعَفة (هي المتداخلة حَلْقتين حَلْقتين. وحَلَقها:) الزّرَد (. فإذا كانت من صفائح مثقوبة فهي) مسرودة (. فإذا كانت منسوجة مرمولة فهي) جَدْلاء (. فإذا كانت قصيرة فهي) شليل (و) بَدَن (. فإذا كانت صدراً بغير ظهر فهي) جَوشَنٌ (. و) السَّلوقية (منسوبة إلى سَلوق (قريَةٍ باليمن تعمل بها. و) الحُطَمية (مَنْسوبةٌ إلى) حُطَمة (، قيل: إنه رجل من عبد قيس بن أفصى. و) الفْرعَوْنية (منسوبة إلى) فِرْعَوْن (. و) الداودية (تنسب إلى) داود ﵇.
ومما جاء من الشعر في الدِّرع قال المعري:
غَدِيرٌ وَشَته الريحُ وِشيةَ صاَنع ... فلم يتغير حِينَ دَامَ سُكُونها
كأن الدَّبي غَرْقَى بها غيرَ أعيُنٍ ... إذا ردَّ فيها ناظر يِسْتَبينها
وما حَيَوان البَرِّ فيها بسالم ... إذا لم يُغثه سِيفُها أو سَفِينُها
فلو لم يَضَعْها عنه للسِّلم فارس ... لَخُلِّد ما دامت عليه غُضُونها
ولو عَلِمَتْ نفسُ الفتى يومَ حتفه ... ولاقته فيها لم تَغُلْها مَنُونها
أَمونٌ إذا أَوْدعت نفسَك جسمها ... ولاقيت حَرْباً لم يَخُنْكَ أمينها
وقال عبد القيس بن خُفَاف:
وسابغةٍ من جياد الدرو ... ع تَسْمَعُ للسَّيف فيها صليلا
كمِثْلِ الغدير زَفَتْه الدَّبورُ ... يَجُرُّ المدجَّجِ منها فضولا
وقال أبو إسْحَاق بن خَفَاجَة يصف لاَبِس دِرْع:
زرَّ الحديد عليه جَيْب حمامة ... وَرْقَاءَ في غَبَش العَجَاج الأقْتَمِ
فكأنَّ جِلْدَةَ حَيَّةٍ خُلعت به ... يَوْمَ الكريهة فوق عِطْفَيْ أرقم
فصل
ومن العرب من يفخر ويتمدح بلبس الدرع في الحرب. قال عنترةُ الفوارس:
عَجِبَتْ عُبَيْلَةُ من فتىً متبذِّل ... عاري الأشَاجِع شاَحبٍ كالمُنْصُلِ
شَعْثِ المَفَارق مُنْهَجٍ سربالُه ... لم يدَّهنْ حَوْلاً ولم يَتَرَجَّلِ
لا يَكْتسي إلا الحديدَ ... إذا اكْتَسَى وكذاك كلّ محارب مُسْتَبْسِلِ
قد طال ما لَبَسَ الحديدَ فإنما ... صدأُ الحديد بجلده لم يُغْسَلِ
ومنهم من يتمدح بضد ذلك ويرى أن الدرع مَتْعَبةٌ ومَشْغَلةٌ، وإن من يقتحمُ الحرب دُون دِرع أشجعُ، وفي قتاله أسرعُ. قال الأعشى:
وإذا تَجيءُ كتيبةٌ ملمومة ... خَرْساءُ يَخشى الذائدون نهاَلَها
تأْوي طوائُفها إلى محمودة ... مكروهةٍ يخشى الكماةُ نزالها
كنتَ المقدَّم غيرَ لابِسِ جُنَّةٍ ... بالسيف تضرب مُعْلِمَاً أبطالَهَا
وعلمت أن النفس تَلْقىَ حَتْفْها ... ما كان خالقُها المليكُ قَضَى لها
وقال محمد بن مُسْلمٍ يمدح رَجُلاً:
يَلْقى السيوف بوجهه وبنَحَره ... ويُقيم هَامَته مُقامَ المِغْفرِ
ويقول للطرِّف اصطبرِ لشَبَا القنا ... فعقرتُ رُكْنَ المَجْدِ إن لم تُعْقَر!
فصل
ومن الدروع) المِغْفَر (، وهو يُنسج لَسْج الدرع يُغطَّى به الرأس والوجه. قال ابن المعتز يُخاطب غلاماً:
ولما اقتحمتَ الوغى دارعاً ... وقنَّعت وَجْهَكَ بالمِغْفَرِ
حسبنا مُحيَّاك شَمْسَ الضُّحَى ... عليها نِقَابٌ من العَنْبرِ
وما صُنع للرأس من حديد منقور فهي) بَيْضَةٌ (. و) قَوْنَسُها (: أشراف مقدَّمها. و) دائرتها (: مُؤخَّرها.
ومن أسماء البيضة) خُوْذة (. و) تَرْكَةٌ (. و) تريكة (. و) ربيعة (. و) خَيْضعة (. ويقال في الجمع) خُوَذٌ (و) تَرَائك (.
الباب التاسع عشر
ذكر الترسة وشبهها
стр. 52
التُرْس: هو المِجَنُّ الدائر، وعليه تدور الدوائر.
عن أنس بن مالكٍ قال: كان أبو طَلْحةَ يتترَّس مع رسول الله ﷺ بتُرْسٍ واحد.
فصل
ومن أسمائها جمعاً:) التِرَاس (، و) الجَوْب (، و) الفَرْض (، و) الجُنَنُ (،) والمجَانُّ (. واحدها) تُرس (، و) جَوْبٌ (و) فَرْض (، و) مِجَنٌّ (، و) مُجْنَأ (.
فإن كانت من جلود فهي) دَرَقٌ (، و) حَجَف (، و) يَلَبٌ (. واحدها) دَرَقة (، و) حَجَفة (، و) يَلَبةَ (. وقيل: إن) اليَلَبَ (مَدارعُ من جلد. وقيل: إنها كالبيضة للرأس خاصة. وقيل: إن) الجَحَف (من خشب. و) الدَّرّقُ (تصنع من جلود البقر، وتصنع من جُلود الوحش، ومن جلود اللمط، وهي أحسنها وأمْنَعُها. والّلمط. هو حيوان من إحدى غرائب المغرب، يَعْمُرُ الصَّحارَى يُصنع من جلده الدَّرق.
وخاصية دَرَقة جلد الّلمط أنها أن أصيبت بضربة سيف أو رمح انغلقت الضَّربةُ والتحمت من وقتها واختفت فلا تظهر.
فصل
يجب على صاحب التُّرس في القتال أن يتّرس بوسَط تُرسه من السيف والمزراق والحجارة، ويديرها يمنة ويسرة خارجاً عن محاذاته، ولا يلصقه ببدنه متى خاف وقع منه شيء به. ويدرأ به عن نفسه وعن فرسه في إدارته له، وأن يلقى الحجر بصدر التُرس أحسن، وليورِّيه ليزلَّ ما يقع عليه. ويترس من الرمح بجملته ومعظمه، فإذا أحسَّ بوقع السنان به ورَّى وأخرجه عن بدنه، وليحذر الاعتماد عليه عند ذلك بجسمه لئلا يصرعه، وليحذر أيضاً عند توريته به أن يَزِلَّ عنه) السِّنان (، فيعلق بثوبه. فهذا المقدار هو الذي ينبغي أن يحافظ عليه.
والعمل بالدَّرقة كالعمل بالتُّرس سواء. لكن الدَّرقة تحبس الرمح لرطوبتها واستواء جِرْمها، فيجب استراقه والتورية بها عنه، لئلا تَثْقُلَ في اليد فيتعذر العمل بها.
والركوب بالترس له حالتان في طوله وقصره: فإن كان طويلاً نزع يده من عُروته، ثم أخذ عِنانه بيده اليسرى وركب وليحذرْ منه على ذَقَنِه إن كان يبلغه. وأما إن قَصُرَ فليأخذه تحت إبطه ويَرْكب. وللأسْعَد ابن بليط في تُرْس:
مجنٌّ حَكَى صانعوه السماء ... لتقصُرَ عنه طوالُ الرماحْ
وصاغوا مثالَ الثريَّا عليه ... كواكب تَقْضي لنا بالنجاحْ
وقد طَوَّقوه بطوق اللُّجيْنِ ... كما جَلَّلَ الأُفْقَ ضوءُ الصباحْ
الباب العشرون
السلاح والعدة على الإطلاق
واتخاذ السلاح من فَرْضِ الجهاد لقول الله وأَعِدُّوا لهُمْ ما اسْتَطَعْتم من قُوَّةٍ (. قال ابن عبَّاس: القوة: السلاح والعدة في سبيل الله. واقتناء ذلك للواجِدِ على قَدْر همته، وعزةِ نفسه إلى ما فيها من الأجر والثواب.
رُوي عن عبد الله بن زجر أن رسول الله ﷺ قال:) مَنْ اتَّخذ عُدَّةً في سبيل الله جُعلت في ميزانه كلَّ غّدَاة (.
وعن عبد الله بن شوذب أن رسول الله ﷺ قال:) تُعْرَضُ أعمال بني آدم كلَّ اثنين، وكلَّ خميس، فمن زاد في سلاحه زِيدَ في حسناته، ومن نَقصَ من سلاحه نُقِصَ من حَسناته (.
والعُدَّة من أسباب القَدَرِ، وأعوان الظَّفَرِ، فما انفسحت المدة قيل للنبي ﷺ : أرأيت دواءً نتداوى به ورُقًى نسترقيها، يَرُدُّ من قدَرِ الله شيئاً؟ فقال: هي مِنْ قدََرِ الله.
فصل
كانت العرب تقول: السيف ظل الموت والرْمْحُ رِشَاءُ المنيَّة، والسهام لا تؤامر مَنْ أرسلها، والدرع مَتْعبة، وإنها لحصن، والترس مِجَنٌّ.
وسأل عَمُ بن الخطاب ﵁ عَمْرو بن مَعْد يكربَ عن السلاح، فقال: يسأل أمير المؤمنين عما بدا له! قال: ما تقول في الرمح؟ قال: أخوك وربما خانك فانقصف. قال: فما تقول في النَّبْل؟ قال: منايا تُخطيء وتصيب. قال: فما تقول في التَرس؟ قال: هو المجنُّ الدائر. وعليه تَدُررُ الدوائر. قال فما تقول في الدِّرع؟ قال: مَثْقَلة للراجل، مَشْغَلة للفارس، وإنها لحِصْنٌ حصين، قال: فما تقول في السيف؟ قال: هنالك قارعتكَ أُمُّك بالثكل! لا أم لك! فضربه عُمَرُ بالدِّرَّة، وقال له: بل لا أم لك! قال: الحُمّى أضرعتني إليك.
وقد جمع العلويُّ وصف الخيل والسلاح، فأحسن حيث يقول:
بحسبيَ من مالي من الخيل أعْيطُ ... سليمُ الشَّظَى عاري النواهق أمْعَطُ
стр. 53
وأبيضُ من ماء الحديد مهنَّدٌ ... وأسمرُ عسَّالُ الكعوب عَنَطْنطُ
وبيضاءُ كالضَّحضاح زَعْفٌ مُفاضة ... يكفَتُها عنّى نِجَادٌ مخطَّطُ
ومعطوفةُ الأطراف كَبْداء سَمْحةٌ ... منفَّجَة الأعطاف صفراءُ شَوْحط
فيا ليتَ مالي غير ما قد جمعتُه ... على لُجَّةٍ تيَّارها يَتَغَطْغَطُ
ويا ليتني أُمْسِي على الدهر ليلةً ... وليس على نفسي أمير مُسَلَّطُ
وقال العيَّار الضَّبِّى في معناه:
أعددتُ بيضاءَ للحروب ومَصْ ... قولَ الغِرارين يَقْصِم الحَلَقَا
وفارجاً نَبْعةً ومِلْء جف ... ير مِنْ نِصَالٍ تخالها ورَقا
وأرْيحيّاً عَضْباً وذا خُصَلٍ ... مُخْلولق المَتْن سابحاً تَئِقَا
يملأ عينيك بالفضاء ويُرض ... يك عِقَاباً إن شئتَ أو نزقا
فصل
وإذا انفرد الفارس بشيء من السلاح نُعِتَ به. فهو بالسيف:) مُسِيفٌ (و) سيَّاف (. والضارب به) سائف (. وهو بالرمح) رَامِح (وبالنَّبل) نابل (و) نَبَّال (. وبالنشَّاب) ناشب (. وبالدِّرع) دارع (. وبالمِغْفر) مقنع (، وبالتُرس) تَرَّاسٌ (.
فإن جَمَعَ السيف والنَّبل فهو) قارن (. وإن جمع السلاح فهو) سالح (.) والشَّكَّةُ (: السلاح التام. تقول: فارس) شاكي السلاح (، مخفَّففاً،. وقيل إنه من شَوْكَة السلاح، فإن كان كذلك فهو مقلوب من شائك، وفارس) مؤمَّل (: تام السلاح من الأداة. وكذلك) مُدَجَّج (. و) السَّنوَّرُ (: السلاح مع الدِّرع. و) البزُّ (و) البِزّة (: السلاح بلا درع.
فإن كان الفارس لا سيف معه فهو) أَمْيَلُ (. وإن كان دون رمح فهو) أَجَمُّ (. وإن كان دون درع فهو) حاسر (. وإن كان دون تُرسِ فهو) أكْشَف (فإن كان لا شيء من السلاح فهو) أَعْزل (.
فإذا لبس الدرع تقول) اسْتَلأْمَ (: أي لبس اللأَّمَةَ. و) سَنَّ (عليه الدرع: صبَّها عليه. و) نَثَلها (: لبسها عليه أيضاً. و) تقنَّع (لبس المِغفر. و) اجْتنَّ (: لبس الجُنَّة.
و) جلَّل (بالسيف: إذا حمل على قِرنه به وحضَّض عليه به، و) جلَّله (به: علاه،) وسافه (: ضربه به وحَزَبه به، و) طبَّق (: إذا أصاب المَفْصِل، و) بَري (: إذا قطع اللحم والعظم وأبَانَ العضو.
و) المِصاعُ () والمماصَعة (: المجالدة بالسيوف، و) المطاعنة () والمداعسة (: المضاربة بالرمح. تقول: رَمَح ودَعَسَ ونَدَسَ: إذا طَعن بالرمح. ونَبَلَ ورَشَقَ: إذا رَمَى بالسهام.
قلتُ: وإحكامُ العمل بالسِّلاح لا يتساوى الناس فيه، بل التفاوُتُ بينهم في ذلك شديد، والتباين بعيد. فيجبُ على العاقل أن يشاهد من أهلها الأعمال، ويحاضرَ بها الرجال، ويأخذّ بحظ من التمرن فيه مع من يراه أهلاً لذلك ويصطفيه، حتى يعرف كيفية الطعن والضرب والثقابة بالسلاح في الحرب، ووجوه العملِ في الكرِّ والفر، والامتناع، والدخول على المبارزين، والخروج عنهم في المطاعنة والمِصاع، وملاحظة مواقع السهام، وأوقات الإقدام والإحجام، واسْتِرَاقَ الأرض في المبارزة، واستتارَ الشمس عند اللقاء، والمناجزة والمراوغة، والعطف في القتال، ودقائق ذلك، ولواحقه لدى النزال، وترصُّدَ غِرَّة العدو في حال الحركة والهدوء، والختْلِ في تعطيل الرمح بالضرب عليه أو ملكه على ربه، أو ردِّه إليه، أو خلع عِذار الفَرس، أو قطِع عِنانه، ليشتغل الفارس بأمر فرسه وشأنه، فيتمكن منه في الْحِين، وتظهر الفِراسة فيه وتستبين.
ومن لم يتمرَّن في ذلك فلا تَغُرَّّهُ نفسه بأن تسلك به هذه المسالك. ففي معرفة ذلك كلَّه وإمعان النظر فيه يتفاضل الفُرْسَان، مع الاستثبات وجرأة الْجنَان، وشدة الحذر عند منازعة الأقران، ومنازلة الميْدان. والله جلَّ وعلا في كل حال هو المستعان.
قال أبو الطيب:
إن السِّلاح جميع الناس تَحْمِلُه ... وليس كلَّ ذواتِ المِخلْبِ السَّبُعُ
стр. 54
وهنا بحمد الله انتهيتُ إلى ما قَصَدْت، وفرغت من تلخيص ما قدمت وتممت الغرضَ، وأدَّيتُ الواجب المفَرَضَ، لمَّا جلبت...... إلى مُميَّزه، وأجريت الجواد بميدان مُجَوَّزه، مَنْ جيوشُ الإسلام قد خطت بساحته، ورغبت في فيض النَّدَى من راحته، وبلادُ العدو قد أعطته يد الانقياد، لتبلغ منه السُّؤل وتنالَ كل المراد. وقد تاقت إليه تَوقَان الدّنِفِ إلى الأسَاة، والندب إلى المواساة. وهي تحسد أمثالها في أن لاذت منه بالثَّواء، وتود أن لو صافحته في اللقاء، فظفرت منه بالبرء الشافي، والرِّدْء الكافي، والحبيب المصافي.
ثم هو - أَيَّدهُ الله تعالى - يُسرِّحها من عقال الخمول، ويعمها بالخصب بعد المُحُول، ويُنقذها من يد الامتهان بحماته ووفوده، ويجعلها بعد الحضيض في منزلة كيوان بكماته وجنوده. فله العزائم التي تُذعِر الأيام، وتوقظ الخَطْب إذا نام، والشجاعة والكرم لطبيعته حليفان، ولسجيته مصاحبان، والكُرَب بسنانه تتَفَرّج، والأخبار عن ثنائه تتأرّج، والأصوات ترتفع داعية مختلفة، والأيدي تمتد ضارعة مؤتلفة، في أن يُرغم الله مَعاطس الأصنام بصدق جَدِّه، ويُمضي عزائم الإسلام بمضاه حَده.
اللهم مكِّن له في أرضه أوسع التمكين، واشدد وَطْأته على المعتدين، وأيِّد به أحزاب المؤمنين، وبدِّد بجنوده أَوشَابَ الكافرين، واجعلهم لسيوفه الماضية حَصِيداً خامِدين.
اللهم اكْلأهُ من جوانبِه وجهاته، وأحْي معالم الإيمان بحياته. واحرُسْه في يقْظاته وَسِناتِه عن ... العلية وذاته، وانشر بريح النصر عَذَبَاتِ ألْويته وراياته.
اللهم أَرِهِ الأمل في أهله وأولاده، وحُماته وأجناده، واحطُطْ) رحال (الغبطة لديه، وابسط بالخيرات يديه. إنك على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير.
والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد خاتم النبيين) وإمام المرسلين (، وعلى آله وأصحابه وأنصاره البررة الأكرمين. وسلم كثيراً.