← Книги сунны

Книги сунны · id 7891

شرح السنة للبغوي

البغوي، أبو محمد

Полный текст (6 133 стр.). Показаны 3361–3400 · переход к 3366.

стр. 3361

وَشَرِكَةٌ فِي الْحُقُوقِ وَفِي الأَبْدَانِ، مِثْلَ حَدِّ الْقَذْفِ وَالْقصَاصِ يَرِثُهُ جَمَاعَةٌ. وَشَرِكَةٌ فِي حُقُوقِ الأَمْوَالِ، كَالشُّفْعَةِ تَثْبُتُ لِجَمَاعَةٍ، فَالشَّرِكَةُ فِي الأَعْيَانِ قَابِلَةٌ لِلْقِسْمَةِ إِنِ احْتَمَلَتِ الْعَيْنُ الْقِسْمَةَ، وَقِسْمَةُ الْمَنَافِعِ تَكُونُ بِالْمهَايَاةِ يَسْتَوْفِيهَا أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ مُدَّةً مَعْلُومَةً، ثُمَّ يَسْتَوْفِي الآخَرُ بِقَدْرِهِ. وَنَوْعٌ آخَرُ مِنَ الشَّرِكَةِ هِيَ الشَّرِكَةُ فِي الْمُعَامَلاتِ، وَهِيَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَنْوَاعٍ، أَحَدُهُمَا: شَرِكَةُ الْعِنَانِ، وَهِيَ أَنْ يُخْرِجَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ وَيَخْلِطَا، ثُمَّ يَأْذَنُ كُلُّ وَاحِدٍ لِصَاحِبِهِ فِي التَّصَرُّفِ، فَمَا يَحْصُلُ مِنَ الرِّبْحِ، يَكُونُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ الْمَالَيْنِ، فهَذَا النَّوْعُ مِنَ الشَّرِكَةِ جَائِزٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ بَعْدَ أَنْ يَتَّفِقَ صِفَةُ الْمَالَيْنِ. وَالنَّوْعُ الثَّانِي: شَرِكَةُ الْوُجُوهِ وَهُوَ أَنْ يَشْتَرِكَا مِنْ غَيْرِ مَالٍ بَيْنَهُمَا عَلَى أَنْ يَشْتَرِيَا فِي الذِّمَّةِ وَيَبِيعَا، فَمَا يَحْصُلُ مِنَ الرِّبْحِ يَكُونُ بَيْنَهُمَا. وَالثَّالِثُ: شَرِكَةُ الأَبْدَانِ وَهُوَ أَنْ يَشْتَرِكَ مُحْتَرِفَانِ عَلَى أَنْ يَعْمَلا، فَمَا يَحْصُلُ مِنَ الرِّبْحِ، يَكُونُ بَيْنَهُمَا، فَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيهِمَا، فَأَبْطَلَهُمَا الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَجَازَهُمَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَأَحْمَدُ، سَوَاءً اتَّفَقَتْ حِرْفَةُ الْمُحْتَرِفِينَ، أَوِ اخْتَلَفَتَا، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: اشْتَرَكْتُ أَنَا، وَعَمَّارٌ، وَسَعْدٌ، فِيمَا نُصِيبُ يَوْمَ بَدْرٍ. وَجَوَّزَ أَحْمَدُ الاشْتِرَاكَ فِي الاصْطِيَادِ، وَالاحْتِطَابِ. وَالنَّوْعُ الرَّابِعُ: شَرِكَةُ الْمُفَاوَضَةِ، أَبْطَلَهَا الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَجَازَهَا الأَوْزَاعِيُّ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَبُو يُوسُفَ: يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ رَأْسُ مَالِهِمَا سَوَاءً،

стр. 3362

ثُمَّ مَا مَلَكَ أَحَدُهُمَا بِالشِّرَاءِ يُشَارِكُهُ الآخَرُ فِيهِ، وَإِنْ مَلَكَ بإِرْثٍ أَوْ هِبَةٍ لَا يُشَارِكُهُ الآخَرُ فِيهِ، غَيْرَ أَنَّهُ إِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِ مَالِ الشَّرِكَةِ تَفْسُدِ الشَّرِكَةُ بَيْنَهُمَا، وَكُلُّ ضَمَانٍ لَزِمَ أَحَدَهُمَا بِغَصْبٍ أَوْ إِتْلافٍ، كَانَ الآخَرُ مُؤَاخَذًا بِهِ. بَابُ التَّوْكِيلِ ٢١٥٨ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِسَائِيُّ، أَنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلالُ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمُّ. ح وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْعَارِفُ، قَالا: أَنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمُّ، أَنا الرَّبِيعُ، أَنا الشَّافِعِيُّ، أَنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ شَبِيبِ بْنِ غَرْقَدَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ الْحَيَّ يُحَدِّثُونَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، أَعْطَاهُ دِينَارًا لِيَشْتَريَ لَهُ بِهِ شَاةً، أَوْ أُضحِيَةً، فَاشْتَرَى لَهُ شَاتَيْنِ، فَبَاعَ إِحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ، وَأَتَاهُ بِشَاةٍ وَدِينَارٍ، فَدَعَا لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْعِهِ بِالْبَرَكَةِ، فَكَانَ لَوِ اشْتَرَى تُرَابًا لَرَبِحَ فِيهِ».

стр. 3363

قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ شَبِيبِ بْنِ غَرْقَدَةَ، فَوَصَلَهُ، وَيَرْوِيهِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، وَيُقَالُ: عُرْوَةُ بْنُ الْجَعْدِ الْبَارِقِيُّ بِهَذِهِ الْقِصَّةُ أَوْ مَعْنَاهَا. وَبَارِقٌ: جَبَلٌ نَزَلَهُ بَعْضُ الأَزْدِ، ثُمَّ نَزَلَ عُرْوَةُ الْكُوفَةَ. وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ التَّوْكِيلِ فِي الْمُعَامَلاتِ، وَفِي كُلِّ مَا تَجْرِي فِيهِ النِّيَابَةُ، فَقَدْ وُكِّلَ عُمَرُ، وَابْنُ عُمَرَ فِي الصَّرْفِ، وَكَتَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو إِلَى قُهْرُمَانَهُ وَهُوَ غَائِبٌ عَنْهُ، أَنْ يُزَّكِيَ عَنْ أَهْلِهِ، الصَّغِيرِ والْكَبِيرِ. قَالَ الإِمَامُ: وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي تَأْوِيلِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَفِي بَيْعِ عُرْوَةَ الشَّاةَ مِنْ غَيْرِ إِذْنٍ لَهُ فِي الْبَيْعِ، فَذَهَب بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّ مَنْ بَاعَ مَالَ الْغَيْرِ دُونَ إِذْنِهِ، يَكُونُ الْعَقْدُ مَوْقُوفًا عَلَى إِجَازَةِ الْمَالِكِ، فَإِنْ أَجَازَ صَحَّ، وَيُحْتَجُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَجُوِّزْ، وَتَأَوَّلَ الْحَدِيثَ عَلَى أَنَّ وَكَالَتَهُ كَانَتْ وَكَالَةَ تَفْوِيضٍ وَإِطْلاقٍ، وَالْوَكِيلُ الْمُطْلَقُ يَمْلِكُ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ، وَيَكُونُ تَصْرَفُّهُ صَادِرَا عَنْ إِذْنِ الْمَالِكِ، وَلا بَأْسَ أَنْ يَجْعَلَ لِلْوَكِيلِ أَجْرًا مَعْلُومًا عَلَى عَمَلِهِ، كَانَ ابْنُ سِيرِينَ، وَعَطَاءٌ، وَإِبْرَاهِيمُ، وَالْحَسَنُ، لَا يَرَوْنَ بِأَجْرِ السِّمْسَارِ بَأْسًا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا بَأْسَ أَنْ يَقُولَ بِعْ هَذَا الثَّوْبَ، فَمَا زَادَ عَلَى كَذَا وَكَذَا فَهُوَ لَكَ، وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ:

стр. 3364

إذَا قَالَ: بِعْ بكَذَا، فَمَا كَانَ مِنَ الرِّبْحِ فَلَكَ أَوْ بَيْنِي وَبَيْنَكَ، فَلا بَأْسَ. وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ». بَابُ العَارِيَةِ قَالَ اللَّهُ : ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: ٧]، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: كُنَّا نَعُدُّ الْمَاعُونَ عَارِيَةَ الدَّلْوِ وَالْقِدرِ. ٢١٥٩ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا أَبُو نُعَيْمٍ، نَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ، حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: "

стр. 3365

دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ وَعَلَيْهَا دِرْعُ قِطْرٍ ثَمَنُ خَمَسَةُ دَرَاهِمَ، فَقَالَتِ: ارْفَعْ بَصَرَكَ إِلَى جَارِيَتي، انْظُرْ إلَيْها، فإنَّها تُزْهَى أَنْ تَلْبسَهُ فِي الْبَيْتِ، وَقَدْ كَانَ لِي مِنْهُنَّ دِرْعٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَمَا كَانَتِ امْرَأَةٌ تُقَيَّنُ بِالْمَدِينَةِ إِلا أَرْسَلَتْ إِلَيَّ تَسْتَعِيرُهُ ". هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ. الْقِطْرُ: ضَرْبٌ مِنَ الْبُرُودِ غَلِيظٌ. وَقَوْلُهَا «تُزْهَى» أَيْ: تَأْنَفُ وَتَتَكَبَّرُ، يُقَالُ: زَهِيَ الرَّجُلُ يُزْهَى: إِذَا دَخَلَهُ الزَّهْوُ، وَهُوَ الْكِبْرُ، قَوْلُهَا: «تُقَيَّنُ»، أَيْ تُزيَّنُ، يُقَالُ: قَيَّنَ الْعَرُوسَ: إِذَا زَيَّنَهَا، وَالْقِينَةُ الَّتِي تُزَيَّنُ الْعَرَائِسَ، وَالْقِينَةُ: الْمَاشِطَةُ، وَالْقِينَةُ: الْمُغَنِّيَةُ، وَالْقِينَةُ: الأَمَةُ، وَالْقَيْنُ: الْعَبْدُ. ٢١٦٠ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنا آدَمُ، نَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا، يَقُولُ: " كَانَ فَزَعٌ بِالْمَدِينَةِ فَاسْتَعَارَ النَّبِيُّ ﷺ فَرَسًا مِنْ أَبِي طَلْحَةَ، يُقَالُ لَهُ: الْمَنْدُوبُ فَرَكِبَ، فَلَمَّا رَجَعَ، قَالَ: مَا رَأَيْنَا مِنْ شَيْءٍ، وَإِنْ وَجَدْنَاهُ لَبَحْرًا ".

стр. 3366

هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ وَكِيعٍ، عَنْ شُعْبَةَ. قَالَ الإِمَامُ ﵀: فِيهِ جَوَازُ اسْتِعَارَةِ الْفَرَسِ لِلرُّكُوبِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ عَيْنٍ أَمْكَنَ الانْتِفَاعُ بِهَا مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهَا يَجُوزُ إِعَارَتُهَا. وَقَوْلُهُ: «وَإِنْ وَجَدْنَاهُ لَبَحْرًا» يُرِيدُ: مَا وَجَدْنَاهُ إِلا بَحْرًا، وَقَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ، وَحَفْصُ بْنُ عَاصِمٍ «إنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ» أَيْ: مَا هَذَانِ إِلا سَاحِرَانِ. وَأَرَادَ بِهِ الْفَرَسَ، شَبَّهَهُ بِالْبَحْرِ، أَيْ: إِنَّ جَرْيَهُ كَجَرْيِ الْبَحْرِ، أَوْ أَنَّهُ يَسْبَحُ فِي جَرْيِه كَالْبَحْرِ إِذَا مَاجَ. وَفِيهِ إِبَاحَةُ التَّوَسُّعِ فِي الْكَلامِ، وَتَشْبِيهُ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ بِمَعْنًى مِنْ مَعَانِيهِ وَإِنْ لَمْ يَسْتَوْفِ جَمِيعَ أَوْصَافِهِ، وَفِيهِ إِبَاحَةُ تَسْمِيَةِ الدَّوَابِّ، وَكَانَ مِنْ عَادَةِ

стр. 3367

الْعَرَبِ تَسْمِيَةِ الدَّوَابِّ، وَأَدَاةُ الْحَرْبِ، بِاسْمٍ يُعْرَفُ بِهِ إِذَا طُلِبَ سِوَى الاسْمِ الْجَامِعِ. وَكَانَ سَيْفُ النَّبِيِّ ﷺ يُسَمَّى ذَا الْفقَارِ، وَرَايَتُهُ الْعُقَابُ، وَدِرْعُهُ ذَاتُ الفُضُولِ، وَبَغْلَتُهُ دُلْدُلُ، وَبَعْضُ أَفْرَاسِهِ السِّكْبُ، وَبَعْضُهَا الْبَحْرُ. وَقَالَ سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ: كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فِي حَائِطِنَا فَرَسٌ، يُقَالُ لَهُ: اللَّحِيفُ، وَيُرْوَى اللَّخِيفُ، وَيُقَالُ: سُمِّيَ الْفَرَسُ اللَّحِيفُ لِطُولِ ذَنَبِهِ، فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ: كَأَنَّهُ كَانَ يَلْحَفُ الأَرْضَ بِذَنَبِهِ، أَيْ: يُغَطِّيهَا. وَقَالَ مُعَاذٌ: كُنْتُ رِدْفَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى حِمَارٍ، يُقَالُ لَهُ: عُفَيْرُ، وَكَانَتْ نُوقُهُ تُسَمَّى الْقَصْوَاءُ، وَالْعَضْبَاءُ، وَالْجَدْعَاءُ. قَالَ حُمَيْدُ بْنُ زَنْجُوَيْهِ: إِنَّمَا يُرَادُ بِتَسْمِيَةِ مَا وَصَفْنَا فِيمَا نَرَى إِيجَازُ الْكَلامِ، لأَنَّ الرَّجُلَ قَدْ يَكُونُ فِي مَرْبَطِهِ الْخَيْلُ الْكَثِيرَةُ، وَالسُّيُوفُ الْكَثِيرَةُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ مَتَاعِ الْبَيْتِ، فَإِذَا طُلِبَ بِاسْمٍ يُعْرَفُ بِهِ كَانَ أَوْجَزَ وَأَخَفَّ مِنْ أَنْ يُطْلَبَ بِالاسْمِ الْجَامِعِ، فَيُقَالُ: أَيُّهَا؟ وَيَنْبَغِي أَنْ يُحْسِنَ ذَلِكَ الاسْمَ، فَيَكُونُ أَيْمَنَ لَهُ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمَّى بَغْلَتَهُ الدُّلْدُلَ، وَهُوَ طَائِرٌ، وَحِمَارَهُ الْيُعْفُورَ وَهُوَ وَلَدُ الظَّبْيَةِ، لأَنَّهُمَا أَخَفُ وَأَسْرَعُ مِنَ الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ، وَسَمَّى بَعْضَ خَيْلِهِ جَنَاحًا، وَبَعْضَهَا السِّرْحَانَ وَهُوَ الذِّئْبُ، لأَنَّ ذَا الْجَنَاحِ وَالسِّرْحَانِ أَخَفُ وَأَسْرَعُ مِنَ الْخَيْلِ، وَسَمَّى رَايَتَهُ الْعُقَابَ لِسُرْعَتِهِ، وَقُدْرَتِهِ عَلَى الصِّيدِ، وَيُقَالُ: كَانَتْ رَايَتُهُ الْعُقَابُ قِطْعَةً مِنْ مِرْطٍ أَسْوَدَ،

стр. 3368

وَكَانَ لِوَاؤُهُ أَبْيَضَ، وَيُرْوَى: كَانَ اسْمُ رِدَائِهِ الْفَتْحَ، وَاسْمُ غَنَمِهِ غَيْثَةٌ وَبَرَكَةٌ، لِيَكْثُرَ لَبَنُهَا، وَيُبَارَكَ فِيهَا، وَيُرْوَى أَنَّ اسْمَ جَارِيَتِهِ خَضِرَةٌ. بَابُ ضَمَانِ الْعَارِيَةِ ٢١٦١ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْمَيْرَبَنْدِ كُشَائِيُّ، أَنا أَبُو سَهْلٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ السِّجْزِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ حَمْدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْخَطَّابِيُّ، أَنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرِ بْنِ دَاسَةَ التَّمَّارُ، نَا أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ الأَشْعَثِ، نَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَسَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، قَالا: نَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَنا شَرِيكٌ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ أُمَيَّةَ بْنِ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَعَارَ مِنْهُ أَدْرَاعًا يَوْمَ حُنَيْنٍ، فَقَالَ: أَغَصْبًا يَا مُحَمَّدُ؟ قَالَ: «بَلْ عَارِيَةٌ مَضُمُونَةٌ». ٢١٦٢ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْمَيْرَبَنْدِ كُشَائِيُّ، أَنا أَبُو سَهْلٍ السِّجْزِيُّ،

стр. 3369

أَنا أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ، أَنا أَبُو بَكْرِ بْنُ دَاسَةَ، نَا أَبُو دَاوُدَ، نَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ نَجْدَةَ الْحَوْطِيُّ، نَا ابْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّه ﷺ يَقُولُ: «الْعَارِيَةُ مُؤداةٌ، وَالْمِنْحَةُ مَرْدُودَةٌ، والدَّيْنُ مَقْضِيٌ، والزَّعِيمُ غَارِمٌ». هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي ضَمَانِ الْعَارِيَةِ، فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَغَيْرِهِمْ، إِلَى أَنَّهَا مَضْمُونَةٌ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ.

стр. 3370

وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهَا أَمَانَةٌ فِي يَدِ الْمُسْتَعِيرِ، إِلا أَنْ يَتَعَدَّى فِيهَا، فَيَضْمَنُ بالتَّعَدِّي، يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَهُوَ قَوْلُ شُرَيْحٍ، وَالْحَسَنُ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَبِهِ قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ، وَقَالَ مَالِكٌ: إِنْ ظَهَرَ هَلاكُهُ لَمْ يَضْمَنْ، وَإِنْ خَفِيَ هَلاكُهُ ضَمِنَ. وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مَنِ اسْتَأْجَرَ عَيْنًا لِلانْتِفَاعِ أَنَّهَا لَا تَكُونُ مَضْمُونَةً عَلَيْهِ إِلا أَنْ يَتَعَدَّى فَيَضْمَنَ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَدِيث صَفْوَانَ: «بَلْ عَارِيَةٌ مَضْمُونَةٌ» لَيْسَ عَلَى سَبِيلِ الشَّرْطِ، لأَنَّ مَا يَكُونُ أَمَانَةً لَا يَصِيرُ بِالشَّرْطِ مَضْمُونًا كَالْوَدَائِعِ، وَلَكِنْ كَانَ صَفْوَانُ جَاهِلا بِحُكْمِ الإِسْلامِ، فَأَخْبَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ حُكْمَ الإِسْلامِ ضَمَانُ الْعَارِيَةِ. وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ: «العَارِيَةُ مُؤَدَّاةٌ» دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ أَدَاءِ عَيْنِهَا عِنْدَ قِيَامِهَا، وَأَدَاءِ قِيمَتِهَا عِنْدَ هَلاكِهَا. وَقَوْلُهُ: «الْمِنْحَةُ مَرْدُودَةٌ» فَالْمِنْحَةُ: مَا يَمْنَحُ الرَّجُلُ صَاحِبَهُ مِنْ أَرْضٍ يَزْرَعُهَا مُدَّةً، أَوْ شَاةٍ يَشْرَبُ دَرَّهَا، أَوْ شَجَرَةٍ يَأْكُلُ ثَمَرَهَا، ثُمَّ يَرُدُّهَا فَتَكُونُ مَنْفَعَتُهَا لَهُ، وَالأَصْلُ فِي حُكْمِ الْعَارِيَةِ، عَلَيْهِ رَدُّهَا. وَأَجْزَاءُ الْعَارِيَةِ إِذَا تَلِفَتْ بِالاسْتِعْمَالِ لَا يَجِبُ ضَمَانُهَا، لأَنُّه مَأْذُونٌ فِي إِتْلافِهَا، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مُؤْنَةِ رَدِّ الْعَارِيَةِ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ، وَقَوْلُهُ: «الزَّعِيمُ غَارِمٌ» فَالزَّعِيمُ: الْكَفِيلُ، فَكُلُّ مَنْ تَكَفَلَّ دَيْنًا عَنِ الْغَيْرِ، عَلَيْهِ الْغُرْمُ. وَرُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «عَلى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حتَّى تُؤَدِّي» ثُمَّ إِنَّ الْحَسَنَ نَسِيَ، قَالَ: هُوَ أَمِينُكَ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ.

стр. 3371

بَابُ الغَصْبِ قَالَ اللَّهُ : ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [النِّسَاء: ٢٩]. ٢١٦٣ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي شُرَيْحٍ، أَنا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيُّ، نَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، أَنا شُعْبَةُ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ الأنْصَاريَّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ «نَهَى عَنِ النُّهْبَى والْمُثْلَةِ». هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ آدَمَ، عَنْ شُعْبَةَ. وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ: هُوَ جَدُّ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ أَبُو أُمِّهِ. ٢١٦٤ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي شُرَيْحٍ، أَنا أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ، نَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، أَنا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ،

стр. 3372

عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنِ انْتَهَبَ فَلَيْسَ مِنَّا». وَبِهَذَا الإِسْنَادِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَ ذَلِكَ. هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَتَتَأَوَّلُ النُّهْبَى فِي الْحَدِيثِ عَلَى الْجَمَاعَةِ يَنْتَهِبُونَ الْغَنِيمَةَ، فَلا يُدْخِلُونَهُ فِي الْقَسْمِ، وَالْقَوْمُ يُقَدَّمُ إِلَيْهِمُ الطَّعَامُ فَيَنْتَهِبُونَهُ، فَكُلٌّ يَأْخُذُ بِقَدْرِ قُوَّتِهِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَإِلا فَنَهْبُ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ مُحَرَّمٌ لَا يُشْكِلُ عَلَى أَحَدٍ، وَمَنْ فَعَلَهُ يَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ وَالزَّجْرَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. بَابُ إِثْمِ مَنْ غَصَبَ أَرْضًا ٢١٦٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الْخِرَقِيُّ، أَنا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الطَّيْسَفُونِيُّ، أَنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْجَوْهَرِيُّ، نَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْكُشْمِيهَنِيُّ، نَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، أَنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنِ الْعَلاءِ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ،

стр. 3373

عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الأَرْضِ ظُلْمًا، طوَّقَهُ اللَّهُ إيَّاهُ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ». هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُجْرٍ، وَأَخْرَجَاهُ مِنْ طُرُقٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ. قَوْلُهُ: «طَوَّقَهُ اللَّهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» قِيلَ: أَرَادَ طَوْقَ التَّكْلِيفِ لَا طَوْقَ التَّقْلِيدِ، وَهُوَ أَنْ يُطَوَّقَ حَمْلَهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَقِيلَ: أَرَادَ أَنَّهُ يَخْسِفُ بِهِ الأَرْضَ، فَتَصِيرُ الْبُقْعَةُ الْمَغْصُوبَةُ فِي عُنُقِهِ كَالطَّوْقِ، وَهَذَا أَصَحُّ، لِمَا ٢١٦٦ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُف، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، نَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ أَخَذَ مِنَ الأَرْضِ شَيْئًا بِغَيْرِ حَقِّهِ، خُسِفَ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ إِلَى سبْعِ أَرَضينَ». هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ.

стр. 3374

بَابُ مَنْ غَرَسَ أَرْضَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ ٢١٦٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ الْمَيْرَبَنْدِ كُشَائِيُّ، أَنا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سِرَاجٍ الطَّحَّانُ، أَنا أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ قُرَيْشِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْمَرْوَرَذِيُّ، أَنا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَكِّيُّ، أَنا أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلامٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجُمَحِيَّ يُحَدِّثُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، يَرْفَعُهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً، فَهِيَ لَهُ، وَلَيْسَ لِعِرْقِ ظَالِمٍ حَقٌّ». قَالَ الْجُمَحِيُّ: قَالَ هِشَامٌ: الْعِرْقُ الظَّالِمُ، أَنْ يَجِيءَ الرَّجُلُ إِلَى أَرْضٍ قَدْ أَحْيَاهَا رَجُلٌ قَبْلَهُ، فَيَغْرِسُ فِيهَا، أَوْ يُحْدِثُ فِيهَا شَيْئًا، لِيَسْتَوْجِبَ بِهِ الأَرْضَ، هَذَا الْكَلامُ أَوْ نَحْوُهُ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: فَهَذَا التَّفْسِيرُ فِي الْحَدِيثِ، وَمِمَّا يُحَقِّقُ ذَلِكَ حَدِيثٌ آخَرُ سَمِعْتُ عَبَّادَ بْنَ عَوَّامٍ، يُحَدِّثُهُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عُرْوَةَ،

стр. 3375

عَنْ أَبِيهِ، يَرْفَعُهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَ هَذَا الْحَدِيثِ، قَالَ: قَالَ عُرْوَةُ: وَلَقَدْ أَخْبَرَنِي الَّذِي حَدَّثَنِي بِهَذَا الْحَدِيثِ، أَنَّ رَجُلا غَرَسَ فِي أَرْضِ رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ نَخْلا، فَاخْتَصَمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَضَى لِلأَنْصَارِيِّ بِأَرْضِهِ، وقَضَى عَلَى الآخَرِ أَنْ يَنْزِعَ نَخْلَهُ، قَالَ: «فَلَقَدْ رَأَيْتُهَا يُضْرَبُ فِي أُصُولِهَا بِالْفُئُوسِ وَإِنَّهَا لَنَخْلٌ عَمٌّ». قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: قَوْلُهُ: «نَخْلٌ عَمٌّ»: هِيَ التَّامَّةُ فِي طُولِهَا وَالْتِفَافِهَا، وَوَاحِدَتُهَا: عَمِيمَةٌ، وَمِنْهُ قِيلَ لِلْمَرْأَةِ: عَمِيمَةٌ إِذَا كَانَتْ كَذَلِكَ فِي خَلْقِهَا. قَالَ الإِمَامُ: مَنْ غَصَبَ أَرْضًا فَزَرَعَهَا أَوْ غَرَسَهَا، قُلِعَ زَرْعُهُ وَغِرَاسُهُ، وَلا شَيْءَ لَهُ، وَعَلَيْهِ أَجْرُ مِثْلِ الأَرْضِ مِنْ يَوْمِ أَخْذِهَا، وَضَمَانُ نُقْصَانِ دَخْلِ الأَرْضِ بِالْغَرْسِ أَوِ الْقَلْعِ، وَإِنْ أَدْرَكَ الزَّرْعَ، فَهُوَ لِمَنْ كَانَ الْبِذْرُ لَهُ، لأَنَّهُ تَوَلَّدَ مِنْ عَيْنِ مَالِهِ، عَلَى قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ قَالَ: إِذَا حُصِدَ الزَّرْعُ، فَهُوَ لِصَاحِبِ الأَرْضِ، وَلِلزَّارِعِ الأُجْرَةُ، وَاحْتَجَّ بِمَا رَوَى شَرِيكٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: «مَنْ زَرَعَ فِي أَرْضِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ، فَلَيْسَ لَهُ مِنَ الزَّرْعِ شَيْءٌ، وَلَهُ نَفَقَتُهُ»، وَهَذَا حَدِيثٌ ضَعَّفَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ: لَا أَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي إِسْحَاقَ إِلا بِرِوَايَةِ شَرِيكٍ، وَيُحْكَى، عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ قَالَ: زَادَ أَبُو إِسْحَاقَ فِيهِ «بِغَيْرِ إِذْنِهِ» وَلَمْ يَذْكُرْ غَيْرُهُ هَذَا الْحَرْفَ.

стр. 3376

قَالَ الإِمَامُ: إِنْ ثَبَتَ قَوْلُهُ: «بِغَيْرِ إذْنِهِ» فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: «لَيْسَ لَهُ مِنَ الزَّرْعِ شَيْءٌ» عَلَى سَبِيلِ الْعُقُوبَةِ وَالْحِرْمَانِ لِظُلْمِهِ وَغَصْبِهِ، فَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ، فَمَنْ زَرَعَ أَرْضَ الْغَيْرِ بِإِذْنِهِ، فَإِنْ كَانَ الْبِذْرُ مِنَ الزَّارِعِ، فَمَا حَصَلَ فَلَهُ، وَإِنْ كَانَ الْبِذْرُ مِنْ مَالِكِ الأَرْضِ، فَمَا حَصَلَ فَلِمَالِكِ الأَرْضِ، وَلِلْزَارِعِ أَجْرُ عَمَلِهِ. وَلَوْ بَاعَ الْغَاصِبُ الْمَالَ الْمَغْصُوبَ، فَبَيْعُهُ مَرْدُودٌ، وَالْمُشْتَرِي بِمَنْزِلَةِ الْغَاصِبِ إِنْ كَانَ عَالِمًا بِهِ، وَإِنْ كَانَ جَاهِلا فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ، غَيْرَ أَنَّ الْعَيْنَ وَلَوْ هَلَكَتْ عِنْدَهُ ضَمِنَ قِيمَتَهَا، وَلا يَرْجِعُ بِهَا عَلَى الْغَاصِبِ، فَإِنْ خَاصَمَهُ الْمَالِكُ، وَانْتَزَعَهَا مِنْ يَدِهِ بِالْبَيِّنَةِ، رَجَعَ هُوَ بِالثَّمَنِ عَلَى الْبَائِعِ الْغَاصِبِ. رُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : «مَنْ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ عِنْدَ رَجُلٍ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، وَيَتَّبعُ البيِّعُ مَنْ بَاعَ». بَابُ مَنْ حَلَبَ مَاشِيَةَ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ ٢١٦٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَحْلِبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إِلا بِإِذْنِهِ، أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ

стр. 3377

تُؤْتَى مَشْرُبَتُهُ، فَتُكْسَرَ خِزَانَتُهُ، فَيُنْتَقَلَ طَعَامُهُ؟ فإنَّما تَخْزُنُ لَهُمْ ضُرُوعُ مَوَاشِيهمْ أَطْعِمَتَهُمْ، فَلا يَحْلِبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إِلا بِإِذْنِهِ». هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى. كِلاهُمَا عَنْ مَالِكٍ. وَالْمَشْرُبَةِ كَالْغُرْفَةِ يُوضَعُ فِيهَا الْمَتَاعُ، وَرُوِيَ «فَينتثل طَعَامُهُ» بِالثَّاء، أَيْ: يُسْتَخْرَجُ، وَيُقَالُ لِلتُّرَابِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الْبِئْرِ: نَثِيلٌ، وَفِي الْحَدِيثِ: «نَثَلَ مَا فِي كِنَانَتِهِ» أَيْ: صَبَّهَا وَنَثَرَهَا. وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَحْلِبَ مَاشِيَةَ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَإِنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ، وَمَالِكُهَا غَيْرُ حَاضِرٍ، فَلَهُ أَنْ يَحْلِبَهَا وَيَشْرَبَ وَيَضْمَنَ لِلْمَالِكِ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الأَطْعِمَةِ، وَقَالَ قَوْمٌ: لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، لأَنَّ الشَّرْعَ أَبَاحَهُ لَهُ، كَمَا لَوْ أَكَلَ مَالَ نَفْسِهِ. وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى إِبَاحَتِهِ لِغَيْرِ الْمُضْطَرِّ، إِذَا لَمْ يَكُنِ الْمَالِكُ حَاضِرًا، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ حَلَبَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَبَنًا مِنْ غَنَمِ رَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ يَرْعَاهَا عَبْدٌ لَهُ، وَصَاحِبُهَا غَائِبٌ فِي مَخْرَجِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ،

стр. 3378

وَاحْتَجُّوا بِمَا رَوَى قَتَادَةُ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ عَلَى مَاشِيَةٍ، فَإِنْ كَانَ فِيهَا صَاحِبُها فَلْيَسْتَأْذِنْهُ، فَإِنْ أَذِنَ لَهُ، فَلْيَحْتَلِبْ وَلْيَشْرَبْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا، فَلْيُصوِّتْ ثَلاثًا، فَإِنْ أَجَابَهُ أَحَدٌ، فَلْيَسْتَأْذِنْهُ، فَإِنْ لَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ، فَلْيَحْتَلِبْ وَلْيَشْرَبْ وَلا يَحْمِلْ». وَقَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ، وَقَالُوا: إِنَّمَا يُحَدِّثُ عَنْ صَحِيفَةِ سَمُرَةَ. وَقَدْ رَخَّصَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ لابْنِ السَّبِيلِ فِي أَكْلِ ثِمَارِ الْغَيْرِ، لِمَا رُوِيَ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، بِإِسْنَادٍ غَرِيبٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ دَخَلَ حَائِطًا، فَلْيَأْكُلْ وَلا يَتَّخِذْ خُبْنَةً» وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، سُئِلَ عَنِ الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ، فَقَالَ: «مَنْ

стр. 3379

أَصَابَ مِنْهُ مِنْ ذِي حَاجَةٍ غَيْرَ مُتَّخِذٍ خُبْنَةً، فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ». وَعِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ لَا يُبَاحُ إِلا بِإِذْنِ الْمَالِكِ، إِلا لِضَرُورَةِ مَجَاعَةٍ يَأْكُلُهَا بِالضَّمَانِ إِذَا لَمْ يَجِدِ الْمَالِكَ. وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى إِثْبَاتِ الْقِيَاسِ، وَرَدُّ الشَّيْءِ إِلَى نَظِيرِهِ حَيْثُ شَبَّهَ النَّبِيُّ ﷺ ضُرُوعَ الْمَوَاشِي فِي حِفْظِ اللَّبَنِ بِالْغُرْفَةِ الَّتِي يَحْفَظُ فِيهَا الإِنْسَانُ مَتَاعَهُ، وَيُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى وُجُوبِ الْقَطْعِ عَلَى مَنْ حَلَبَ لَبَنًا مُسْتَرْسَلا مِنَ الْمَاشِيَةِ فِي مَرَاحِهَا، أَوْ مِنَ الرَّاعِيَةِ إِذَا كَانَتْ مَحْرُوسَةً حِرَاسَةَ مِثْلِهَا، كَمَا لَوْ سَرَقَ مَتَاعًا مِنَ الْغُرْفَةِ. بَابُ الْمَاشِيَةِ إذَا أَتْلَفَتْ مَالَ الغَيْرِ ٢١٦٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنا أَبُو

стр. 3380

إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حَرَامِ بْنِ سَعدِ بْنِ مُحيصة، «أَنَّ نَاقَةً لِلْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ دَخَلَتْ حَائِطًا، فَأَفْسَدَتْ، فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ عَلَى أَهْلِ الْحَوَائِطِ حِفْظَهَا بِالنَّهَارِ، وَأَنَّ مَا أَفْسَدَتِ الْمَوَاشِي بِاللَّيْلِ ضَامِنٌ عَلَى أَهْلِهَا». قَوْلُهُ: ضَامِنٌ، أَيْ: مَضْمُونٌ عَلَى أَهْلِهَا. قَالَ الإِمَامُ: ذَهَبَ إِلَى هَذَا بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ مَا أَفْسَدَتِ الْمَاشِيَةُ بِالنَّهَارِ مِنْ مَالِ الْغَيْرِ، فَلا ضَمَانَ عَلَى رَبِّهَا، وَمَا أَفْسَدَتْ بِاللَّيْلِ، يَضْمَنُهُ رَبُّهَا، لأَنَّ فِي عُرْفِ النَّاسِ أَنَّ أَصْحَابَ الْحَوَائِطِ وَالْبَسَاتِينِ يَحْفَظُونَهَا بِالنَّهَارِ، وَأَصْحَابَ الْمَوَاشِي يُسَرِّحُونَهَا بِالنَّهَارِ، وَيَرُدُّونَهَا بِاللَّيْلِ إِلَى الْمَرَاحِ، فَمَنْ خَالَفَ هَذِهِ الْعَادَةَ، كَانَ خَارِجًا عَنْ رُسُومِ الْحِفْظِ إِلَى حَدِّ التَّضْيِيعِ، هَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ مَالِكُ الدَّابَّةِ مَعَهَا، فَإِنْ كَانَ مَعَهَا، فَعَلَيْهِ ضَمَانُ مَا أَتْلَفَتْهُ سَوَاءً كَانَ رَاكِبُهَا، أَوْ سَائِقُهَا، أَوْ قَائِدُهَا، أَوْ كَانَتْ وَاقِفَةً، وَسَوَاءً أَتْلَفَتْ بِيَدِهَا، أَوْ رِجْلِهَا، أَوْ فَمِهَا، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ.

стр. 3381

وَذَهَبَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ، إِلَى أَنَّ الْمَالِكِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا، فَلا ضَمَانَ عَلَيْهِ لَيْلا كَانَ أَوْ نَهَارًا، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «جُرْحُ الْعَجْمَاءِ جُبَارٌ» وَهَذَا حَديثٌ عَامٌّ خَصَّهُ حَدِيثُ الْبَرَاءِ، وَإِنْ كَانَ الْمَالِكُ مَعَهَا، قَالُوا: إِنْ كَانَ يَسُوقُهَا، فَعَلَيْهِ ضَمَانُ مَا أَتْلَفَتْ بِكُلِّ حَالٍ، وَإِنْ كَانَ قَائِدَهَا أَوْ رَاكِبَهَا فَعَلَيْهِ ضَمَانُ مَا أَتْلَفَتْ بِفَمِهَا أَوْ يَدِهَا، وَلا يَجِبُ عَلَيْهِ ضَمَانُ مَا أَتْلَفَتْ بِرِجْلِهَا، وَاحْتَجُّوا بِمَا رُوِيَ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّه ﷺ ، قَالَ: «الرِّجْلُ جُبَارٌ» وَهَذَا حَدِيثٌ غَيْرُ مَحْفُوظٍ، وَسُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ مَعْرُوفٌ بِسُوءِ الْحِفْظِ. وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: كَانُوا لَا يُضَمِّنُونَ مِنَ النَّفْحَةِ، وَهِيَ الرَّمْيَةِ بِالرِّجْلِ، وَيُضَمِّنُونَ مِنْ رَدِّ الْعِنَانِ، وَقَالَ حَمَّادٌ: لَا تُضْمَنُ النَّفْحَةُ إِلا أَنْ يَنْخُسَ إِنْسَانٌ الدَّابَةَ، قَالَ الْحَكَمُ، وَحَمَّادٌ: إِذَا سَاقَ الْمكاري حِمَارًا عَلَيْهِ امْرَأَةٌ فَتَخِرُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ.

стр. 3382

وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: إذَا سَاقَ دَابَّةً فَأْتعَبَهَا، فَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا أَصابَتْ، وَإنْ كَانَ خَلْفَهَا مُتَرَسِّلا لَمْ يَضْمَنْ، وَلَوْ غَلَبْتُهُ الدَّابَّةُ، فَأَتْلَفَتْ شَيْئًا، فَلِلشَّافِعِيِّ فِيهِ قَوْلانِ، وَقَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «جُرْحُ الْعَجْمَاءِ جُبَارٌ، وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ، والْبِئْرُ جُبَارٌ» وَأَرَادَ بِالْمَعْدِنِ، وَالْبِئْرِ: أَنْ يَسْتَأْجِرَ الرَّجُلُ قَوْمًا لِيَعْمَلُوا فِي مَعْدِنٍ لَهُ، فَانْهَارَ الْمَعدِنُ عَلَيْهِمْ، أَوِ اسْتَأْجَرَ رَجُلا لِيَحْفُرَ لَهُ بِئْرًا فِي مِلْكِهِ، فَانْهَارَتْ عَلَيْهِ، فَدِمَاؤُهُمْ هَدَرٌ، لأَنَّهُمْ أَعَانُوا عَلَى قَتْلِ أَنْفُسِهِمْ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِالْبِئْرِ أَنْ يَحْفِرَ الرَّجُل بِئْرًا فِي مِلْكِ نَفْسِهِ أَوْ فِي مَوَاتٍ، فَتَرَدَّى فِيهَا إِنْسَانٌ فَهَلَكَ، فَهُوَ هَدَرٌ، وَإِنْ كَانَتْ فِي دَارِهِ بِئْرٌ، فَأَذِنَ لإِنْسَانٍ بِدُخُولِهَا فَدَخَلَ فَسَقَطَ فِيهَا، لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إِلا أَنْ يَكُونَ لَيْلا، أَوِ الدَّاخِلِ أَعْمَى، أَوْ كَانَتْ مُغَطَّاةً، وَلَمْ يُعْلِمْهُ بِهَا ضَمِنَ الدِّيَةَ عَاقِلَتُهُ وَلا قَوَدَ. وَرُوِيَ «وَالنَّارُ جُبَارٌ» قِيلَ: هُوَ تَصْحِيفٌ، وَإِنَّمَا هُوَ «الْبِئْرُ جُبَارٌ»، وَإِنْ صَحَّ، فَتَأْوِيلُهُ النَّارُ يُوقِدُهَا الرَّجُلُ فِي مِلْكِهِ، فَتَطِيرُ بِهَا الرِّيحُ إِلَى مَالٍ لِغَيْرِهِ مِنْ حَيْثُ لَا يُمْكِنُهُ رَدُّهَا، فَهُوَ هَدَرٌ. قَالَ الإِمَامُ: وَهَذَا إِذَا أَوْقَدَهَا فِي وَقْتِ سُكُونِ الرِّيحِ، ثُمَّ هَبَّتِ الرِّيحُ، فَإِنْ أَوْقَدَ فِي أَرْضٍ فَلاةٍ مَمْلُوكَةٍ لَهُ فِي وَقْتِ هُبُوبِ الرِّيَاحِ وَلا

стр. 3383

حَائِلَ ثُمَّ يَمْنَعُهَا مِنْ أَنْ تَطَيِّرَهَا الرِّيحُ، فَتُصِيبُ زَرْعَ الْغَيْرِ، فَيَضْمَنُ، كَمَا لَوْ رَمَى مِنْ مِلْكِهِ نَارًا إِلَى مَالِ الْغَيْرِ فَأَحْرَقَهُ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ عَلَى قَوْلِهِ «الْمَعْدِنُ جُبَارٌ»: وَهَذَا أَصْلٌ لِكُلِّ عَامِلٍ عَمِلَ عَمَلا بِكِرَاءٍ، فَعَطِبَ فِيهِ أَنَّهُ هَدَرٌ لَا ضَمَانَ عَلَى مَنِ اسْتَعْمَلَهُ، إِلا أَنَّهُمْ إِذَا كَانُوا جَمَاعَةً، ضَمِنَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَلَى قَدْرِ حِصَصِهِمْ مِن الدِّيَّةِ، وَمِنْ هَذَا لَوْ أَنَّ رَجُلَيْنِ هَدَمَا حَائِطًا، فَسَقَطَ عَلَيْهِمَا، فَقَتَلَ أَحَدُهُمَا، كَانَ عَلَى عَاقِلَةِ الَّذِي لَمْ يَمُتْ نِصْفُ الدِّيَّةِ لِوَرَثَةِ الْمَيِّتِ، وَيَسْقُطُ النِّصْفَ، لأَنَّ الْمَيْتَ أَعَانَ عَلَى قَتْلِ نَفْسِهِ. وَلَوْ مَالَ حَائِطٌ إِلَى الطَّرِيقِ، فَسَقَطَ فَأَصَابَ إِنْسَانًا، لَمْ يَضْمَنْ عِنْدَ بَعْضِهِمْ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، إِلا أَنْ يَبْنِيَهُ مَائِلا، فَيَضْمَنُ، لأَنَّ الْمَيْلَ حَادِثٌ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ فِيهِ تَعَدٍّ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنْ تَقَدَّمَ إِلَيْهِ رَجُلٌ، وَأَشْهَدَ، فَلَمْ يَهْدِمْ حَتَّى سَقَطَ، ضَمِنَ مَا أَصَابَهُ، وَهُوَ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ. بَابُ الشُّفْعَةِ ٢١٧٠ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِسَائِيُّ، أَنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلالُ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمُّ. ح وَأَنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ الْقَفَّالُ، أَنا أَبُو مَسْعُودٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ الْخَطِيبُ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الأَصَمُّ. ح وَأَخْبَرَنَا أَبُو حَامِدٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، وَأَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْعَارِفُ، قَالا: أَنا أَبُو بَكْرٍ الْحِيرِيُّ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمُّ، أَنا الرَّبِيعُ، أَنا الشَّافِعِيُّ، نَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ الْقَدَّاحُ، أَنا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ،

стр. 3384

عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: «الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ فَلا شُفْعَةَ». هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ وَغَيْرِهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِدْرِيسَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ مَعْنَاهُ، وَأَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ جَابِرٍ. ٢١٧١ - أَنا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا مُسَدَّدٌ، ثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، أَنا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: «قَضَى النَّبِيُّ ﷺ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإذَا وَقَعَتِ الحُدُودُ، وَصُرِفَت الطُّرُقُ، فَلا شُفْعَةَ». وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَاقِ عَنْ مَعْمَرٍ: «فِي كُلِّ مَالٍ لَمْ يُقْسَم».

стр. 3385

هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ. قِيلَ: الشُّفْعَةُ اشْتِقَاقُهَا مِنَ الزِّيَادَةِ، وَهِيَ أَنْ يَضُمَّ الْمَأْخُوذَ إِلَى مَا عِنْدَهُ فَيشفعه، أَيْ: يَزِيدُهُ. قَالَ الإِمَامُ: اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى ثُبُوتِ الشُّفْعَةِ لِلشَّرِيكِ فِي الرَّيْعِ الْمُنْقَسِمِ، إِذَا بَاعَ أَحَدُ الشُّرَكَاءِ نَصِيبَهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ، فَلِلْبَاقِينَ أَخْذُهُ بِالشُّفْعَةِ بِمِثْلِ الثَّمَنِ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهِ الْبَيْعُ، وَإِنْ بَاعَ بِشَيْءٍ مُتَقَوَّمٍ مِنْ ثَوْبٍ أَوْ عَبْدٍ، فَيَأْخُذُهُ بِقِيمَةِ مَا بَاعَهُ بِهِ. وَاخْتَلَفُوا فِي ثُبُوتِ الشُّفْعَةِ لِلْجَارِ، فَذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَمَنْ بَعْدَهُمْ إِلَى أَنْ لَا شُفْعَةَ لِلْجَارِ، وَأَنَّهَا تَخْتَصُّ بِالْمَشَاعِ دُونَ الْمَقْسُومِ، هَذَا قَوْلُ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ، ﵄، وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ: سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالزُّهْرِيِّ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيِّ، وَرَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَالأَوْزَاعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي ثَوْرٍ. وَذَهَبَ قَوْمٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَغَيْرِهِمْ، إِلَى ثُبُوتِ الشُّفْعَةِ لِلْجَارِ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، غَيْرَ أَنَّهُمْ، قَالُوا: الشَّرِيكُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْجَارِ، وَاحْتَجُّوا بِمَا ٢١٧٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو حَامِدٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، أَنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، أَنا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ الطُّوسِيُّ، نَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ مُنِيبٍ، نَا سُفْيَانُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ،

стр. 3386

عَنْ أَبِي رَافِعٍ، يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الْجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِهِ». هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ، عَنْ سُفْيَانَ. والسَّقَبُ: الْقُرْبُ، بِالسِّينِ وَالصَّادِ. يُرِيدُ بِمَا يَلِيهِ، وَبِمَا يَقْرُبُ مِنْهُ، وَلَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ذِكْرُ الشُّفْعَةِ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْهُ الشُّفْعَةَ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَحَقُّ بِالْبِرِّ وَالْمَعُونَةِ، كَمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي جَارَيْنِ فَإِلَى أَيِّهِمَا أُهْدِي؟ قَالَ: «إِلَى أَقْرَبِهِمَا مِنْكَ بَابًا»، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ مِنْهُ الشُّفْعَةَ، فَيُحْمَلُ الْجَارُ عَلَى الشَّرِيكِ جَمْعًا بَيْنَ الْخَبَرَيْنِ، وَاسْمُ الْجَارِ قَدْ يَقَعُ عَلَى الشَّرِيكِ، لأَنَّهُ يُجَاوِرُ شَرِيكَهُ بِأَكْثَرَ مِنْ مُجَاوَرَةِ الْجَارِ، فَإِنَّ الْجَارَ لَا يُسَاكِنُهُ، وَالشَّرِيكُ يُسَاكِنُهُ فِي الدَّارِ الْمُشْتَرِكَةِ. قَالَ الإِمَامُ: يَدلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَالَ: «أَحَقُّ» وَهَذِهِ اللَّفْظَةُ تُسْتَعْمَلُ فِيمَنْ لَا يَكُونُ غَيْرُهُ أَحَقَّ مِنْهُ، وَالشَّرِيكُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ أَحَقُّ مِنْ غَيْرِهِ، وَلَيْسَ غَيْرُهُ أَحَقَّ مِنْهُ، وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْجَارُ أَحَقُّ بِشُفْعَةِ جَارِهِ يُنْتَظَرُ بِهَا وَإِنْ كَانَ غَائِبًا، إِذَا كَانَ طَرِيقُهُمَا وَاحِدًا» وَهَذَا حَدِيثٌ لَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ

стр. 3387

غَيْرُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَتَكَلَّمَ شُعْبَةُ فِي عَبْدِ الْمَلِكِ مِنْ أَجْلِ هَذَا الْحَدِيثِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَخَافُ أَنْ لَا يَكُونَ مَحْفُوظًا، وَأَبُو سَلَمَةَ حَافِظٌ، وَكَذَلِكَ أَبُو الزُّبَيْرِ، وَلا يُعَارَضُ حَدِيثُهُمَا بِحَدِيثِ عَبْدِ الْمَلِكِ. وَيَحْتَجُّ مَنْ يُثْبِتُ الشُّفْعَةَ فِي الْمَقْسُومِ إِذَا كَانَ الطَّرِيقُ مُشْتَرِكًا بِهَذَا، وَبِقَوْلِهِ: «إِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ،

стр. 3388

وَصُرِفَتِ الطُّرُقِ»، وَالْمُرَادُ مِنْهُ الطَّرِيقُ فِي الْمَشَاعِ، فَإِنَّ الطَّرِيقَ فِي الْمَشَاعِ يَكُونُ شَائِعًا بَيْنَ الشُّرَكَاءِ، فَكُلُّ وَاحِدٍ يَدْخُلُ مِنْ حَيْثُ يَشَاءُ، فَإِذَا قُسِّمَ الْعَقَارُ بَيْنَهُمْ، مَنَعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَتَطَرَّقَ شَيْئًا مِنْ حَقِّ صَاحِبِهِ، فَتَصِيرُ الطَّرِيقُ بِالْقِسْمَةِ مَصْرُوفَةً. وَلَوْ كَانَ بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ بِئْرٌ أَوْ حَمَّامٌ أَوْ طَاحُونَةٌ، لَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ، فَبَاعَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ، فَلا شُفْعَةَ لِلآخَرِ عِنْدَ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، لأَنَّ الشُّفْعَةَ لِدَفْعِ مَؤُنَةِ الْمُقَاسَمَةِ، وَلا يَلْحَقُهُ هَهُنَا مَؤُنَةُ الْمُقَاسَمَةِ، وَعِنْدَ الثَّوْرِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ تَثْبُتُ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ سُرَيْجٍ لِسُوءِ الْمُشَارَكَةِ فِيمَا يَتَأَبَّدُ ضَرَرُهُ كَمَا فِي الْمُنْقَسِمِ. وَتَثْبُتُ الشُّفْعَةُ لِلذِّمِّيِّ عَلَى الْمُسْلِمِ، وَكَانَ الشَّعْبِيُّ لَا يَرَى الشُّفْعَةَ لِلذِّمِّيِّ. بَابُ عَرْضِ الدَّارِ عَلَى الشَّرِيكِ قَبْلَ الْبَيْعِ ٢١٧٣ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي شُرَيْحٍ، أَنا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيُّ، نَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، أَنا زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ شَرِيكًا فِي رَبْعَةٍ أَوْ نَخْلٍ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى

стр. 3389

يُؤذِنَ شَرِيكَهُ، فَإنْ رَضِيَ أَخَذَهُ وَإِنْ كَرِهَ تَرَكَهُ». هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ، وَيَحْيَى بْنُ يَحْيَى، عَنْ زُهَيْرٍ. الرَّبْعُ وَالرَّبْعَةُ: الْمَنْزِلُ الَّذِي يَرْبَعُ بِهِ الإِنْسَانُ وَيتوطنه. وَيُرْوَى عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الشُّفْعَةُ فِي كُلِّ شِرْكٍ رِبْعَةٍ، أَوْ حَائِطٍ، لَا يَصْلُحُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يُؤْذِنَ شَرِيكَهُ، فَإِذَا بَاعَ وَلَمْ يُؤْذِنْهُ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ حَتَّى يُؤْذِنَهُ»، فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الشُّفْعَةِ لَا تَثْبُتُ إِلا فِي الْعَقَارِ وَالأَرَاضِي، وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَإِنْ كَانَ فِيهَا أَشْجَارٌ وَأَبْنِيَةٌ، فَيَثْبُتُ لِلشَّفِيعِ أَخْذُها تَبَعًا لِلأَرْضِ. وَذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّ الشُّفْعَةِ تَثْبُتُ فِي جَمِيعِ الأَمْوَالِ الْمُشْتَرِكَةِ مِنَ الْعُرُوضِ وَالْحَيَوَانِ وَغَيْرِهَا، لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الشَّرِيكُ شَفِيعٌ، وَالشُّفْعَةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ» وَهَذَا الْحَدِيثُ غَيْرُ ثَابِتٍ مُسْنَدًا، إِنَّمَا هُوَ عَنِ ابْنِ مُلَيْكَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُرْسَلٌ. وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ، عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْبَائِعِ أَنْ يَحْتَالَ لإِبْطَالِ حَقِّ الشَّفِيعِ، وَإِذَا أَرَادَ الْبَيْعُ فَعَلَيْهِ أَنْ يَعْرِضَ عَلَى الشَّرِيكِ، فَإِنْ رَغِبَ فِيهِ، لَمْ يَخْتَرْ عَلَيْهِ غَيْرَهُ، فَلَوْ أَخْبَرَهُ فَتَرَكَ أَوْ عَفَا عَنِ الشُّفْعَةِ، فَلا يَبْطُلُ بِهِ حَقُّهُ عَنِ

стр. 3390

الشُّفْعَةِ، لأَنَّهُ عَفْوٌ قَبْلَ ثُبُوتِ الْحَقِّ، فَإِذَا بِيعَ، فَلَهُ أَخْذُهُ عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَقَالَ الْحَكَمُ: إِذَا أَذِنَ لَهُ قَبْلَ الْبَيْعِ، فَلا شُفْعَةَ لَهُ، وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: مَنْ بِيعَتْ شُفْعَتُهُ وَهُوَ شَاهِدٌ لَا يُغَيِّرُهَا، فَلا شُفْعَةَ لَهُ، أَمَّا بَعْدَ الْبَيْعِ إِذَا عَلِمَ بِهِ الشَّفِيعُ، فَالأَخْذُ يَكُونُ عَلَى الْفَوْرِ، فَإِنْ أَخَّرَ مَعَ الإِمْكَانِ بَطل حَقُّهُ، وَقِيلَ: لَا يُبْطُلُ مَا لَمْ يَمْضِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، وَقِيلَ: لَا يَبْطُلُ أَبَدًا مَا لَمْ يَرْضَ بِهِ، أَمَّا إِذَا كَانَ غَائِبًا لَمْ يَعْلَمْ بِالْبَيْعِ، فَهُوَ عَلَى شُفْعَتِهِ وَإِنْ طَالَتِ الْمُدَّةُ. بَابُ وَضْعِ الْخَشَبِ عَلَى جِدَارِ الْجَارِ ٢١٧٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ ، قَالَ: «لَا يَمْنَعُ أَحَدُكُمْ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَهُ فِي جِدَارِهِ». قَالَ: ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: مَا لِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ؟ وَاللَّهِ لأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ. هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْلَمَةَ،

стр. 3391

وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى. كِلاهُمَا عَنْ مَالِكٍ. وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ، قَالُوا: إِذَا بَنَى الرَّجُلُ بِنَاءً، فَاحْتَاجَ فِيهِ إِلَى أَنْ يَضَعَ رَأْسَ الْخَشَبِ عَلَى جِدَارِ الْجَارِ، فَلَيْسَ لِلْجَارِ مَنْعُهُ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ. وَذَهَبَ الأَكْثَرُونَ إِلَى أَنَّهُ لَا يُجْبَرُ الْجَارُ عَلَيْهِ، وَالْخَبَرُ مَحْمُولٌ عَلَى النَّدْبِ، وَالاسْتِحْبَابِ، وَحُسْنِ الْجِوَارِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَعَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَقَالَ الشَّافِعِيّ فِي الْجَدِيدِ: هَذَا كَمَا رُوِيَ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، أَنَّهُ كَانَ لَهُ عَضُدٌ مِنْ نَخْلٍ فِي حَائِطِ رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ، وَمَعَ الرَّجُلِ أَهْلُهُ، وَكَانَ سَمُرَةُ يَدْخُلُ إِلَى نَخْلِهِ، فَيَتَأَذَّى بِهِ، فَطَلَبَ إِلَيْهِ أَنْ يَبِيعَهُ، فَأَبَى، فَطَلَبَ إِلَيْهِ أَنْ يُنَاقِلَهُ فَأَبَى، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَطَلَبَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَبِيعَهُ، فَأَبَى، فَطَلَبَ إِلَيْهِ أَنْ يُنَاقِلَهُ فَأَبَى، قَالَ: «فَهَبْهُ لَهُ وَلَكَ كَذَا وَكَذَا» أَمْرًا رَغَّبَهُ فِيهِ، فَأَبَى، فَقَالَ: «أَنْتَ مُضَارُّ» وَقَالَ لِلأَنْصَارِيِّ: «اذْهَبْ فَاقْلَعْ نَخْلَهُ». قَوْلُهُ: «عَضُدٌ» أَيْ: طَرِيقَةٌ مِنَ النَّخْلِ، وَقِيلَ: إِنَّمَا هُوَ عَضِيدٌ، وَالْعَضِيدُ مِنَ النَّخْلِ: مَا لَمْ يَطُلْ، قَالَ الأَصْمَعِيُّ، إِذَا صَارَ لِلنَّخْلَةِ جِذٌ يُتَنَاوَلُ مِنْهُ، فَهُوَ عَضِيدٌ، وَهَذَا كَانَ عَلَى سَبِيلِ الرَّدْعِ عَنِ الإِضْرَارِ لَا عَلَى سَبِيلِ الْحَتْمِ، لأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ قَلَعَ نَخْلَهُ، وَهَذَا كَمَا رُوِيَ أَنَّ الضَّحَّاكَ

стр. 3392

بْنَ خَلِيفَةَ سَاقَ، خَلِيجًا لَهُ مِنَ الْعُرَيْضِ، فَأَرَادَ أَنْ يَمُرَّ بِهِ فِي أَرْضِ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ، فَأَبَى مُحَمَّدٌ، فَكَلَّمَ الضَّحَّاكُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَدَعَا عُمَرُ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُخلِّيَ سَبِيلَهُ، فَقَالَ: لَا، فَقَالَ عُمَرُ: لِمَ تَمْنَعُ أَخَاكَ مَا يَنْفَعُهُ وَهُوَ لَكَ مَنْفَعَةٌ تَشْرَبُ بِهِ أَوَّلا وَآخِرًا، وَلا يَضُرُّكَ؟ فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ، فَقَالَ عُمَرُ: وَاللَّهِ لَيَمُرَّنَّ بِهِ وَلَوْ عَلَى بَطْنِكَ، فَأَمَرَهُ عُمَرُ أَنْ يَمُرَّ بِهِ، فَفَعَلَ الضَّحَّاكُ. أَمَّا إِذَا اسْتَعْلَتْ شَجَرَتُهُ، فَخَرَجَتْ أَغْصَانُهَا إِلَى هَوَاءِ دَارِ الْجَارِ، أَوْ خَرَجَتْ عُرُوقُهَا إِلَى دَارِ الْجَارِ، أَمَرَ بِصَرْفِهَا، وَإِزَالَةِ الضَّرَرِ عَنِ الْجَارِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ، قُطِعَ. ٢١٧٥ - أَخْبَرَنَا ابْنُ عَبْدِ الْقَاهِرِ، أَنا عَبْدُ الْغَافِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، نَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ، نَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ، نَا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، نَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ، نَا خَالِدُ الْحَذَّاءِ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: «إذَا اخْتَلَفْتُمْ فِي الطَّريقِ جُعِلَ عَرْضُهُ سَبْعَةَ أَذْرُعٍ». وَهَذَا أَيْضًا عَلَى مَعْنَى الإِرْفَاقِ، فَإِنْ كَانَتِ السِّكَّةُ غَيْرَ نَافِذَةٍ، فَهِيَ مَمْلُوكَةٌ لأَهْلِهَا، فَإِنِ اتَّفَقُوا عَلَى تَضْيِيقِهَا يَجُوزُ، وَإِنِ اخْتَلَفُوا، فَلَيْسَ لأَحَدٍ أَنْ يَبْنِي فِيهَا بِنَاءً خَارِجًا إِلَى هَوَاءِ السِّكَّةِ، وَلا أَنْ يُضَيِّقَ مَنْفَذَهَا،

стр. 3393

وَلا لِمَنْ ظَهَرَ دَارُهُ إِلَيْهَا أَنْ يَفْتَحَ فِيهَا بَابًا إِلا بِإِذْنِ جَمَاعَتِهِمْ، وَإِنْ كَانَتِ السِّكَّةُ نَافِذَةً، فَحَقُّ الْمَمَرِّ فِيهَا لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ، فَمَنْ بَنَى إِلَيْهَا سَابَاطًا مِنْ مُلْكِهِ، أَوْ دِكَّةً عَلَى بَابِهِ، أَوْ غَرَسَ شَجَرَةً، فَإِنْ لَمْ يَضُرَّ بِالْمَارَّةِ لَمْ يَمْنَعْ مِنْهُ، وَإِنْ أَضَرَّ بِهِمْ مُنِعَ، كَالْقَاعِدِ فِي السُّوقِ لِلْبَيْعِ، وَيُشَبِّهُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: إِذَا بَنَى، أَوْ قَعَدَ لِلْبَيْعِ، بِحَيْثُ يَبْقَى لِلْمَارَّةِ مِنْ عَرْضِ الطَّرِيقِ سَبْعَةُ أَذْرُعٍ، فَلا يَمْنَعُ، لأَنَّ هَذَا الْقَدْرَ يُزِيلُ ضَرَرَ الْمَارَّةِ، وَكَذَلِكَ فِي أَرَاضِي الْقُرَى الَّتِي تُزْرَعُ إِذَا خَرَجُوا مِنْ حُدُودِ أَرَاضِيهِمْ إِلَى سَاحَاتِهَا، لَمْ يُمْنَعُوا إِذَا تَرَكُوا لِلْمَارَّةً سَبْعَةَ أَذْرُعٍ، فَأَمَّا الطُّرُقُ إِلَى الْبُيُوتِ الَّتِي يَقْتَسِمُونَهَا فِي دَارٍ يَكُونُ مِنْهَا مَدْخَلُهُمْ إِلَيْهَا، فَيَتَقَدَّرُ بِمِقْدَارٍ لَا يَضِيقُ عَنْ مَآرِبِهِمِ الَّتِي لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْهَا، كَمَمَرِّ السَّقَّاءِ، وَالْحَمَّالِ، وَمَسْلَكِ الْجَنَازَةِ وَنَحْوِهَا. ٢١٧٦ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، أَنا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ بِشْرَانَ، أَنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ، نَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، نَا مَعْمَرٌ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ ثَقِيف، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، يَرْفَعُ الْحَدِيثَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي الَّذِي يَقْطَعُ السّدر، قَالَ: «يُصَبُّ عَلَيْهِ العَذَابُ»، وَقَالَ: «يُصَوَّبُ رأْسُهُ فِي النَّارِ»، قَالَ: فَسَأَلْتُ بَنِي عُرْوَةَ عَنْ ذَلِكَ،

стр. 3394

فَأَخْبَرُونِي أَنَّ عُرْوَةَ قَطَعَ سِدْرَةً كَانَتْ فِي حَائِطِهِ، فَجَعَلَ مِنْهَا بَابًا لِحَائِطٍ. قَالَ الإِمَامُ: قَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: نَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، نَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعَمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُبَيْشٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ قَطَعَ سِدْرَةً، صَوَّبَ اللَّهُ رأْسَهُ فِي النَّارِ». قَالَ أَبُو دَاوُدَ لَمَّا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ فِي سُنَنِهِ: هَذَا الْحَدِيثُ مُخْتَصَرٌ يَعْنِي: مَنْ قَطَعَ سِدْرَةً فِي فَلاةٍ يَسْتَظِلُّ بِهَا ابْنُ السَّبِيلِ وَالْبَهَائِمِ عَبَثًا وَظُلْمًا، بِغَيْرِ حَقٍّ يَكُونُ لَهُ فِيهَا، صَوَّبَ اللَّهُ رأْسَهُ فِي النَّارِ. بَابُ الْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ وَالْمُضَارَبَةِ ٢١٧٧ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ،

стр. 3395

أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: «أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْبَرَ لِيَهُودَ أَنْ يَعْمَلُوهَا، وَيَزْرَعُوهَا، وَلَهُمْ شَطْرُ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا». هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مُحَمَّدٌ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُنْذِرِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ عِيَاضٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَامَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ وَزَرْعٍ». وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَبْعَثُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ، فَيَخْرُصُ النَّخْلَ حِينَ يَطِيبُ قَبْلَ أَنْ يُؤْكَلَ مِنْهُ، ثُمَّ يُخَيِّرُ يَهُودَ يَأْخُذُونَهُ بِذَلِكَ الْخَرَصِ، أَوْ يَدْفَعُونَهُ إِلَيْهِمْ بِذَلِكَ الْخَرَصِ».

стр. 3396

قَوْلُهُ: «أَنْ يَعْمَلُوهَا وَيَزْرَعُوهَا» أَيْ: يَعْمَلُوا فِي النَّخْلِ مِنْهَا، وَيَزْرَعُوا بَيَاضَ أَرْضِهَا، وَلِذَلِكَ سَمُّوا الْمُسَاقَاةَ مُعَامَلَةً. قَالَ الإِمَامُ: هَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْمُسَاقَاةِ، وَهِيَ أَنْ يَدْفَعَ الرَّجُلُ نَخِيلَهُ أَوْ كَرْمَهُ إِلَى رَجُلٍ لِيَعْمَلَ فِيهَا بِمَا فِيهِ صَلاحُهَا وَصَلاحُ ثَمَرِهَا، عَلَى أَنْ يَكُونَ لَهُ جُزْءٌ مَعْلُومٌ مِنَ الثَّمَرِ، نِصْفٌ أَوْ ثُلُثٌ أَوْ رُبُعٌ عَلَى مَا يَتَشَارَطَانِ، وَعَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ غَيْرَ أَبِي حَنِيفَةَ، فَإِنَّهُ أَبْطَلَ عَقْدَ الْمُسَاقَاةِ، وَخَالَفَهُ صَاحِبَاهُ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَقَالا بِقَوْلِ جَمَاعَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَاخْتَلَفُوا فِيمَا تَصِحُّ فِيهِ الْمُسَاقَاةُ مِنَ الأَشْجَارِ، فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ، فِي أَظْهَرِ قَوْلَيْهِ إِلَى أَنَّهَا لَا تَصِحُّ إِلا فِي النَّخْلِ وَالْكَرْمِ، لأَنَّ ثَمَرَهُمَا ظَاهِرٌ يُدْرِكُهُ الْبَصَرُ، فَيُمْكِنُ خَرْصُهُ، وَعَلَّقَ الْقَوْلَ فِي غَيْرِهِمَا مِنَ الثِّمَارِ كَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَالتُّفَّاحِ، لِتَعَذُّرِ خَرْصِهَا بِتَفَرُّقِ ثِمَارِهَا فِي تَضَاعِيفِ الأَوْرَاقِ. وَجَوَّزَ مَالِكٌ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدُ فِي جَمِيعِهَا، وَجَوَّزَ مَالِكٌ فِي الْقِثَّاءِ وَالْبِطِّيخِ، وَجَوَّزَ أَبُو ثَوْرٍ فِي النَّخْلِ وَالْكَرْمِ وَالرّطابِ وَالْبَاذِنْجَانِ، وَمَالَهُ ثَمَرَةٌ قَائِمَةٌ إِذَا دَفَعَ أَرْضًا وَذَلِكَ فِيهَا.

стр. 3397

أَمَّا الْمُزَارَعَةُ: وَهِيَ أَنْ يَكُونَ الْبِذْرُ مِنْ مَالِكِ الأَرْضِ، وَمِنَ الزَّارِعِ الْعَمَلُ، وَشَرَطَ لَهُ جُزْأً مَعْلُومًا مِمَّا يَحْصُلُ فَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيهَا، فَذَهَبَ أَكْثَرُهُمْ إِلَى جَوَازِهَا، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ عُمَرَ، وَعَلِيٌّ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَسَعْدُ بْنُ مَالِكٍ، قَالَ قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ: مَا بِالْمَدِينَةِ أَهْلُ بَيْتِ هِجْرَةٍ إِلا يَزْرَعُونَ عَلَى الثُّلُثِ والرُّبُعِ، وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَالْقَاسِمِ، وَعُرْوَةَ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَطَاوُسٍ، وَبِهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، وَحُجَّتُهُمْ مُعَامَلَةُ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ أَهْلِ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ وَزَرْعٍ، وَقِيَاسًا عَلَى الْمُسَاقَاةِ وَعَلَى الْمُضَارَبَةِ، الَّتِي اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى جَوَازِهَا. وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى، أَنَّ الْمُزَارَعَةَ فَاسِدَةٌ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَاحْتَجُّوا بِمَا رَوَى سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: مَا كُنَّا نَرَى بِالْمُزَارَعَةِ بَأْسًا حَتَّى سَمِعْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ، يَقُولُ: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْهَا، فَتَرَكْنَا مِنْ أَجْلِهِ». وَجَوَّزَ الشَّافِعِيُّ الْمُزَارَعَةَ تَبَعًا لِلْمُسَاقَاةِ، إِذَا كَانَ بَيْنَ ظَهْرَانَيِ النَّخِيلِ بَيَاضٌ لَا يُتَوَصَّلُ إِلَى سَقْيِ النَّخِيلِ إِلا بِسَقْيِ الْبَيَاضِ، فَإِنْ أَفْرَدَ الْمُزَارَعَةَ عَنِ الْمُسَاقَاةِ، أَوْ أُمْكِنَ سَقْيُ النَّخِيلِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْقِيَ الْبَيَاضَ، لَمْ يَجُزْ، وَلَمْ يُجَوِّزِ الْمُخَابَرَةِ، لأَنَّهَا لَيْسَتْ فِي مَعْنَى الْمُسَاقَاةِ، لأَنَّ الْبِذْرَ فِي الْمُخَابَرَةِ يَكُونُ مِنْ جِهَةِ الْعَامِلِ، فَالْمُزَارَعَةِ: اكْتِرَاءُ الْعَامِلِ بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنَ الأَرْضِ، وَالْمُخَابَرَةِ: اكْتِرَاءُ الْعَامِلِ الأَرْضَ بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا.

стр. 3398

قَالَ الإِمَامُ: وَذَهَب الأَكْثَرُونَ إِلَى جَوَازِ الْمُزَارَعَةِ، وَضَعَّفَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ حَدِيثَ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، لِمَا فِيهِ مِنَ الاضْطِرَابِ: مَرَّةً يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَمَرَّةً يَقُولُ: حَدَّثَنِي عُمُومَتِي عَنْهُ، وَصَارَ إِلَى الْحَدِيثِ الثَّابِتِ فِي مُعَامَلَةِ أَهْلِ خَيْبَرَ، عَلَى أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ رَافِعِ، حَدِيثٌ مُجْمَلٌ، وَجَاءَ تَفْسِيرُهُ مِنْ غَيْرِ هَذَا الطَّرِيقِ عَنْ رَافِعٍ، وَعَنْ غَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْهَا مَا ٢١٧٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَرَ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ، نَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ يَحْيَى هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ، سَمِعَ حَنْظَلَةَ الزُّرَقِيَّ، عَنْ رَافِعٍ، قَالَ: " كُنَّا أَكْثَرَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ حَقْلا، وَكَانَ أَحَدُنَا يُكْرِي أَرْضَهُ فَيَقُولُ: هَذِهِ الْقِطْعَةُ، لِي وَهَذِهِ لَكَ، فَرُبَّما أَخْرَجَتْ ذِهِ، وَلَمْ تُخْرِجْ ذِهِ، فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ ". هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ عَمْرٍو النَّاقِدِ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ. ٢١٧٩ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ، نَا اللَّيْثُ، عَنْ رَبيِعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ قَيْسٍ،

стр. 3399

عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، قَالَ: حَدَّثني عَمَّايَ، أَنَّهُمْ «كَانُوا يُكْرُونَ الأَرْضَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَا يَنبُتُ عَلَى الأَرْبَعَاءِ، أَوْ شَيْءٌ يَسْتَثْنِيهِ صَاحِبُ الأَرْضِ، فَنَهَانَا النَّبِيّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ»، فَقُلْتُ لِرَافِعٍ: فَكَيْفَ هِيَ بِالدِّينَارِ وَالدَّرَاهِمِ؟ فَقَالَ رَافِعٌ: لَيْسَ بِهَا بَأْسٌ. وَقَالَ اللَّيْثُ: وَكَانَ الَّذِي نُهِيَ مِنْ ذَلِكَ مَا لَوْ نَظَرَ فِيهِ ذُوُو الفَهْمِ بِالحَلالِ، وَالْحَرَامِ، لَم يُجِيزُوهُ، لِمَا فِيهِ مِنَ الْمُخَاطَرَةِ ". هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَ مُسْلِمٌ مَعْنَاهُ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، عَنْ رَبِيعَةَ. الأَرْبِعَاءُ: جَمْعُ الرَّبِيعِ، وَهِيَ النَّهْرُ الصَّغِيرُ، مِثْلُ الْجَدْوَلِ وَالسَّريِّ وَنَحْوِهِ. قَالَ الإِمَامُ: فَقَدْ أَعْلَمَ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ مِنَ الْمُزَارَعَةِ مَا عُقِدَ عَلَى الْجَهَالَةِ أَوِ الْخَطَرِ، وَهُوَ أَنْ يَشْتَرِطَ لِلْعَامِلِ مَا عَلَى السَّوَاقِي وَالْجَدَاوِلِ، أَوْ يَجْعَلَ حَقَّهُ فِي قِطْعَةٍ بِعَيْنِهَا، وَفِيهِ خَطَرٌ مِنْ حَيْثُ إِنَّ تِلْكَ الْقِطْعَةَ رُبَّمَا لَا تُنْبِتُ شَيْئًا، أَوْ رُبَّمَا لَا تُنْبِتُ إِلا تِلْكَ الْقِطْعَةَ، فَيَأْخُذُ أَحَدُهُمَا كُلَّهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لِلآخَرِ نَصِيبٌ، فَهُوَ كَمَا لَوْ شَرَطَ لِلْعَامِلِ فِي الْمُسَاقَاةِ ثَمَرَةُ نَخْلَةٍ بِعَيْنِهَا، لَا يَصِحُّ الْعَقْدُ، وَكَذَلِكَ لَو

стр. 3400

شَرط فِي عقد الْمُضَاربَة لِلْعَامِلِ مَا يربح على الْجُزْء دون مَا يربح على غَيره لَا يَصح، وَكَذَلِكَ لَو شَرط لنَفسِهِ أَو لِلْعَامِلِ درهما من الرِّبْح، ثُمَّ الْبَاقِي بَينهمَا لَا يَصح، لِأَنَّهُ بِمَا لَا يحصُل إِلا دِرْهَم، فيستبد أَحدهمَا بِجَمِيعِهِ. ٢١٨٠ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، نَا سُفْيَانُ، قَالَ عَمْرٌو قُلْتُ لِطَاوُسٍ: لَوْ تَرَكْتَ الْمُخَابَرَةَ، فإنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْهَا، قَالَ: أَيْ عَمْرُو، إِنِّي أُعْطيهِمْ وأُعِينُهُمْ، وَإِنَّ أَعْلَمَهُمْ أَخْبَرَنِي، يَعْنِي ابْنَ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَنْهَ عَنْهُ، ولَكِن قَالَ: «أَنْ يَمْنحَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهِ خَرْجًا مَعْلُومًا». هَذَا حديثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ، عَنْ سُفْيَانَ. فَأَخْبَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ، أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ لَيْسَ هُوَ تَحْرِيمُ الْمزَارَعَةِ، إِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يَتَمَانَحُوا أَرَاضِيَهُمْ، وَأَنْ يُرْفُقَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا ٢١٨١ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، أَنا أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الصَّيْرَفِيُّ، أَنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّفَّارُ، نَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى الْبِرْتِيُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَنا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ،
следующие страницы →