Полный текст (6 133 стр.). Показаны 3746–3785 · переход к 3751.
стр. 3746
والخِداعُ، كَانُوا يصدقون أَنهم أَرَادوا بهَا التوكيد، فلمَّا رأى عُمَر فِي زَمَانه أمورًا ظَهرت، وأحوالا تَغَيَّرت، ألزمهم الثَّلَاث.
قَالَ الإِمَامُ: وَهَذَا بيَّن فِي قَوْله: إِنَّ النَّاسَ قَدِ اسْتَعْجَلُوا فِي أَمرٍ كَانَتْ لَهُمْ فِيهِ أَناةٌ.
وَمِنْهُم من تَأَوَّلَه على غير الْمَدْخُول بهَا، فقد روى أَيُّوب عَنْ غير وَاحِد، عَنْ طَاوس، أَن أَبَا الصَّهْبَاء قَالَ لِابْنِ عَبَّاس: أما علمتَ أَن الرجل كَانَ إِذا طلق امْرَأَته ثَلَاثًا قبل أَن يدْخل بهَا جعلوها وَاحِدَة على عهد رَسُولِ اللَّه ﷺ وَأَبِي بَكْر، وصدرًا من إِمَارَة عُمَر؟ فَأقر بِهِ ابْن عَبَّاس، وَذهب إِلَى هَذَا جمَاعَة من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن عَبَّاس، مِنْهُم: سَعِيد بْن جُبَير، وَطَاوُس، وَأَبُو الشعْثَاء، وَعَمْرو بْن دِينَار، وَقَالُوا: من طلق الْبكر ثَلَاثًا، فَهِيَ وَاحِدَة.
وعامةُ أهل الْعلم على خلاف قَوْلهم.
стр. 3747
وَإِنَّمَا اخْتلفُوا فِيمَا إِذا قَالَ لغير الْمَدْخُول بهَا: أَنْت طَالِق، أَنْت طَالِق، أَنْت طَالِق، قَالَه ثَلَاثًا: فَذهب جمَاعَة إِلَى أَنَّهُ لَا يَقع إِلا وَاحِدَة، لِأَنَّهَا تبين باللفظة الأولى، فَلَا حكم لما بعْدهَا، وَهُوَ قَول سُفْيَان الثَّوْرِيّ، وَالشَّافِعِيّ، وَأَصْحَاب الرَّأْي، وَأَحْمَد، وَإِسْحَاق، وَذهب جمَاعَة إِلَى وُقُوع الثَّلَاث كَمَا فِي الْمَدْخُول بهَا، وَهُوَ قَول ربيعَة، وَمَالك، وَابْن أَبِي ليلى، وَالأَوْزَاعِيّ، وَاللَّيْث بْن سَعْد.
وتأوَّل بَعضهم حَدِيث ابْن عَبَّاس على طَلَاق الْبَتَّةَ، كَانَ عُمَر يَرَاهَا وَاحِدَة، فَلَمَّا تتايع النَّاس فِيهِ ألزمهم الثَّلَاث.
٢٣٦٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ، عَنْ مُحَمِّدِ بْنِ إِيَاسِ بْنِ بُكَيْرٍ، أَنَّهُ قَالَ: " طَلَّقَ رَجُلٌ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا، ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَنْكِحَهَا، فَجَاءَ يَسْتَفْتِي، فَذَهَبْتُ مَعَهُ أَسْأَلُ لَهُ، فَسَأَلَ أَبَا هُرَيْرَةَ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالا: «لَا نَرَى أَنْ تَنْكِحَهَا حَتَّى تَتَزَوَّجَ زَوْجًا غَيْرَكَ»
وَسُئِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلاثًا قَبْلَ
стр. 3748
أَنْ يَمَسَّهَا، فَقَالَ: «الْوَاحِدَةُ تُبينُهَا، وَالثَّلاثُ تُحَرِّمُهَا حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ».
بَاب المُطَلَّقَةِ ثَلاثًا لَا تَحِلُّ إِلا بَعْدَ إِصَابة زَوْجٍ غَيْره
قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [الْبَقَرَة: ٢٣٠].
٢٣٦١ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِسَائِيُّ، أَنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الخَلالُ، نَا أَبو الْعَبَّاسِ الأَصَمُّ.
ح وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْعَارِفُ، قَالا: أَنا أَبُو بَكْرٍ الْحِيرِيُّ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمُّ، أَنا الرَّبِيعُ، أَنا الشَّافِعِيُّ، أَنا سُفْيَان، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهُ سَمِعَهَا تَقُولُ: جَاءَتِ امْرَأَةُ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيِّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: إنِّي كُنْتُ عِنْدَ رِفَاعَةَ فَطَلَّقَنِي، فَبَتَّ طَلاقِي، فَتَزَوَّجْتُ بَعْدَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزُّبَيْرِ بْنِ بَاطَا، وَإِنَّ مَا مَعَهُ مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوْبِ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَقَالَ: «أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ؟
стр. 3749
لَا، حَتَّى يَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ، وَتَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ».
وَأَبُو بَكْرٍ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَخَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بِالْبَابِ يَنْتَظِرُ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ، فَنَادَى: يَا أَبَا بَكْرٍ، أَلا تَسْمَعُ مَا تَجْهَرُ بِهِ هَذِهِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟.
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّد، عَنْ أَبِي الْيَمَانِ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ عَمْرٍو النَّاقِدِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ
والعُسَيْلَةُ: تَصْغِير الْعَسَل، شبه لَذَّة الْجِمَاع بالعسل، وَإِنَّمَا أَدخل الْهَاء فِي التصغير على نِيَّة اللَّذَّة، وَقيل: على معنى النُّطْفَة، وَقيل: على معنى الْقطعَة، يُرِيد قِطْعَة من الْعَسَل، كَمَا قَالُوا: ذُو الثُّدَيَّة على معنى قِطْعَة من الثدي، وَقيل: على معنى الْوَقْعَة الْوَاحِدَة الَّتِي تحل للزَّوْج الأول.
وَقيل: الْعَسَل يُذكَّر ويؤنَّث، فَإِذا أنِّث، قيل فِي تصغيرها: عُسيلة.
وَالْعَمَل على هَذَا الْحَدِيث عِنْد عَامَّة أهل الْعلم من أَصْحَاب النَّبِيّ ﷺ وَغَيرهم، قَالُوا: إِذا طلق الرجل امْرَأَته ثَلَاثًا، فَلَا تحل لَهُ بعد ذَلِكَ، حَتَّى تنْكح زوجا آخر، ويصيبها الزَّوْج الثَّانِي، فَإِن فَارقهَا، أَو مَاتَ
стр. 3750
عَنْهَا قبل أَن أَصَابَهَا فَلَا تحل، وَلَا تحل بِإِصَابَة شُبْهَة، وَلَا زنى، وَلَا ملك يَمِين.
وَلَو طلق امْرَأَته الْأمة ثَلَاثًا، ثُمَّ اشْتَرَاهَا، لَا يحلُّ لَهُ وَطْؤُهَا بِملك الْيَمين حَتَّى يُصيبها زوجُ آخر، رُوي ذَلِكَ عَنْ زَيْد بْن ثَابِت، وَقَالَهُ أهل الْعلم عَامَّة، وَكَانَ ابْن الْمُنْذر، يَقُول: فِي الْحَدِيث دلالةٌ على أَن الزَّوْج الثَّانِي إِن وَاقعهَا وَهِي نَائِمَة، أَو مغمى عَلَيْهَا لَا تحسُّ باللذة أَنَّهَا لَا تحِلُّ للزَّوْج الأول، لِأَن الذواق أَن تُحِسَّ باللذة، قَالَ الإِمَامُ: وَعَامة أهل الْعلم على أَنَّهَا تحل.
وَلَو طلق امْرَأَته طَلْقَة أَو طَلْقَتَيْنِ، فنكحت زوجا آخر، وأصابها، ثُمَّ فَارقهَا، وعادت إِلَى الزَّوْج الأول، فَإِنَّهَا تعود إِلَيْهِ بِمَا بَقِي من الطَّلَاق عِنْد أَكثر أهل الْعلم، وَهُوَ قَول عُمَر، قَالَ: «أَيُّمَا امَرْأةٍ طَلَّقَهَا زَوْجُها تَطْلِيقةً أَوْ تَطَلِيقَتيْن، ثُمَّ تَركَهَا حَتَّى تَحِلَّ، وتزوَّج زَوْجًا غَيْرهُ، فَيَمُوتُ عَنها أَو يُطَلِّقُها، ثُمَّ يَنْكِحُها زَوْجُها الأَوَّلُ، تَكُونُ عِنْدَهُ على مَا بقيَ مِنْ طَلاقِهَا».
قَالَ مَالِك: وَتلك السّنة عندنَا الَّتِي لَا اخْتِلَاف فِيهَا، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيّ، وَإِلَيْهِ رَجَعَ مُحَمَّد بْن الْحَسَن.
وَقَالَ أَبُو حنيفَة: تعود إِلَيْهِ بِثَلَاث طلقات، وَالزَّوْج الثَّانِي يهدِم مَا دون الثَّلَاث كَمَا يهدِمُ الثَّلَاث، وَهُوَ قَول عَليّ.
стр. 3751
بَاب الإِيلاءِ
قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [الْبَقَرَة: ٢٢٦]، والإيلاءُ: اليمينُ، وَهُوَ الأَليَّةُ، يُقَالُ: آلى فُلانٌ مِن امرأَتِهِ، أَيْ: حَلَفَ أَن لَا يَقْرَبَهَا، يُقَال: آلى: وتأَلَّى وائْتَلَى، قَالَ اللَّه : ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ﴾ [النُّور: ٢٢].
وَيقْرَأ: «وَلَا يتألَّ».
٢٣٦٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، نَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: «أَيُّمَا رَجُلٍ آلَى مِنَ امْرَأَتِهِ، فَإِنَّهُ إِذَا مَضَتِ الأَرْبَعَةُ الأَشْهُرِ، وُقِفَ حتَّى يُطَلِّقَ أَوْ يَفِيءَ، وَلا يَقَعُ عَلَيْهَا طَلاقٌ إِذَا مَضَتِ الأَرْبَعَةُ الأَشْهُرِ حتَّى يُوقَفَ».
стр. 3752
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ: وَيُذْكَرُ ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، وَعَائِشَةَ، وَاثْنَيْ عَشَرَ رَجُلا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
стр. 3753
٢٣٦٣ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِسَائِيُّ، أَنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلالُ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمُّ، أَنا الرَّبِيعُ، أَنا الشَّافِعِيُّ، أَنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ،
стр. 3754
عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ: أَدْرَكْتُ بِضْعَةَ عَشَرَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، كُلُّهُمْ يَقُولُ: «يُوقَفُ الْمُؤْلِي»
قَالَ الإِمَامُ: الْإِيلَاء: أَن يحلف الرجلُ أَن لَا يقربَ امْرَأَته أَكثر من أَرْبَعَة أشهر، فَلَا يُتعرض لَهُ قبل مُضي أَرْبَعَة أشهر، فَإِذا مَضَت أربعةُ أشهر، فَاخْتلف أهلُ الْعلم فِيهِ، فَذهب أَكثر أهل الْعلم من أَصْحَاب النَّبِيّ ﷺ إِلَى أَنَّهُ لَا يَقع الطلاقُ بمضيِّها، بل يُوقف، فإمَّا أَن يَفيءَ، ويُكفِّر عَنْ يَمِينه، أَو يُطلق، وَهُوَ قَول مَالِك، وَالشَّافِعِيّ، وَأَحْمَد، وَإِسْحَاق.
قَالَ الشَّافِعِيّ: فَإِنْ طَلَّقَ، وَإِلَّا طَلَّقَ عَلَيْهِ السُّلْطَانُ وَاحدةً.
وَقَالَ بعض أهل الْعلم: إِذا مَضَت أَرْبَعَة أشهر يَقع عَلَيْهَا الطَّلَاق.
قَالَ ابْن عَبَّاس: «عزمُ الطَّلَاق انْقِضَاء الْأَشْهر الْأَرْبَعَة»، ثُمَّ اخْتلفُوا
стр. 3755
فَقَالَ بَعضهم: يَقع عَلَيْهَا طَلْقَة وَاحِدَة رَجْعِيَّة، وَهُوَ قَول سَعِيد بْن الْمُسَيِّب، وَأَبِي بَكْر بْن عَبْد الرَّحْمَنِ، وَقضى بِهِ مَرْوَان بْن الحكم، وَهُوَ رَأْي ابْن شِهَاب.
وَقَالَ بَعضهم: إِذا مَضَت أَرْبَعَة أشهر، وَقعت عَلَيْهَا طلقةٌ بَائِنَة، وَهُوَ قَول الثَّوْرِيّ، وَأَصْحَاب الرَّأْي، وَقَالَ الْأسود بْن يَزِيد: إِذا مَضَت أَرْبَعَة أشهر، فنُفست، وأشهدَ، فَهِيَ امْرَأَته، وَكَذَلِكَ قَالَ إِبْرَاهِيم: إِن كَانَ لَهُ عذر، فَأشْهد، فَهِيَ امْرَأَته.
وَمن قَالَ بِوُقُوع الطَّلَاق بعد مُضي الْمدَّة، قَالَ: إِذا حلف على أَرْبَعَة أشهر يكون مؤليًا، وبمضيِّها يَقع الطَّلَاق، وَأما على قَول من قَالَ بِالْوَقْفِ.
لَا يكون مؤليًا، لِأَن الْوَقْف يكون فِي حَال بَقَاء الْيَمين، وَقد ارْتَفَعت هَهُنَا بِمُضِيِّ أَرْبَعَة أشهر، أما إِذا حلف على أقل من أَرْبَعَة أشهر، فَلَا
стр. 3756
يثبت حكمُ الْإِيلَاء، بل هُوَ حَالف، فَإِن جَامعهَا قبل مُضي الْمدَّة الْمَحْلُوف عَلَيْهَا، فَعَلَيهِ كَفَّارَة الْيَمين.
وَلَو حلف أَن لَا يَطَأهَا حَتَّى تفطِم وَلَدهَا، فَإِن أَرَادَ وَقت الْفِطَام، وَهُوَ مُضيُّ الْحَوْلَيْنِ، فَإِن بَقِي من الْحَوْلَيْنِ أَكثر من أَرْبَعَة أشهر، فَهُوَ مؤل، فَإِن بَقِي أقل، فَلَيْسَ بمؤل، وَإِن أَرَادَ فعل الْفِطَام، والصبيُّ فِي سنّ لَا يحْتَمل الْفِطَام فِي أَرْبَعَة أشهر، فَهُوَ مؤل، وَإِن كَانَ يحْتَمل الْفِطَام فِي أَرْبَعَة أشهر، فَلَيْسَ بمؤل.
قَالَ مَالِك: بَلغنِي أَن عليا سُئل عَنْ ذَلِكَ، فَلم يَرهُ إِيلَاء، وَهُوَ قَول مَالِك.
بَاب الظِّهَارِ
قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ إِلَى قَوْله وَزُورًا﴾ [المجادلة: ٢]، أَي: كَذِبًا، سُمِّيَ زُورًا، لأَنَّهُ مَيْلٌ عَنِ الحقِّ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ : ﴿تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ﴾ [الْكَهْف: ١٧]، أَيْ: تَمِيلُ.
وَقَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣].
стр. 3757
٢٣٦٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الْخِرَقِيُّ، أَنا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الطَّيْسَفُونِيُّ، أَنا عَبْدُ اللَّهِ بْن عُمَرَ الْجَوْهَرِيُّ، نَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْكُشْمِيهَنِيُّ، نَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَرْمَلَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّ خَوْلَةَ بِنْتَ ثَعْلَبَةَ كَانَتْ تَحْتَ أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ، فَتَظَاهَرَ مِنْهَا، وَكَانَ بِهِ لَمَمٌ، فَجَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: إِنَّ أَوْسًا تَظَاهَرَ مِنِّي، وَذَكَرَتْ أَنَّ بِهِ لَمَمًا، وَقَالَتْ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بالْحَقِّ مَا جِئْتُكَ إِلا رَحْمَةً لَهُ، إِنَّ لَهُ فِيَّ مَنَافِعَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ الْقُرْآنُ فِيهِمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مُرِيهِ فَلْيَعْتِقْ رَقَبَةً».
قَالَتْ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا عِنْدَهُ رَقَبَةً، وَلا يَمْلِكُهَا، قَالَ: «مُرِيهِ فَلْيَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ»، قَالَتْ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَوْ كَلَّفْتُهُ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ مَا اسْتَطَاعَ.
قَالَ: «مُرِيهِ فَلْيُطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا»، قَالَتْ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ.
قَالَ: «مُرِيهِ فَلْيَذْهَبْ إِلَى فُلانِ بْنِ فُلانِ، فَقَدْ أَخْبَرَنِي أَنَّ عِنْدَهُ شَطْرَ تَمْرٍ صَدَقَةً، فَلْيَأْخُذْهُ صَدَقَةً عَلَيْهِ، ثُمَّ لِيَتَصَدَّقْ بِهِ عَلَى سِتِّينَ مِسْكِينًا»
стр. 3758
قَالَ أَبُو سُلَيْمَان الْخطابِيّ: لَيْسَ معنى «اللَّمَمُ» هَهُنَا: الخَبل، وَالْجُنُون، وَلَو كَانَ بِهِ ذَلِكَ، ثُمَّ ظَاهر فِي تِلْكَ الْحَال، لم يكن يلْزمه شَيْء، بل معنى «اللمم» هَهُنَا: الإلمامُ بالنِّساء، وَشدَّة الْحِرْص، والتوقان إلَيْهِنَّ.
قَالَ الإِمَامُ: هَذَا كَمَا رُوي عَنْ سُلَيْمَان بْن يَسَار، عَنْ سَلمَة بْن صَخْر فِي حَدِيث الظِّهَار، قَالَ: كنت امْرأ أُصِيب من النِّسَاء مَا لَا يُصيب غَيْرِي، فَلَمَّا دخل شهرُ رَمَضَان، خفتُ أَن أُصِيب من امْرَأَتي شَيْئا، فظاهرت مِنْهَا حَتَّى يَنْسَلِخَ شهرُ رَمَضَان، فَبينا هِيَ تُحَدِّثنِي ذاتَ لَيْلَة، إِذْ تكشفَ لي مِنْهَا شَيْء، فَلم ألبث أَن وقعتُ عَلَيْهَا، فانطلقتُ إِلَى النَّبِيّ ﷺ ، فأخبرتهُ، فَذكر الْحَدِيث، وَفِيه: «فَأَطْعِمْ وَسَقًا مِنْ تَمْرٍ بَيْنَ سِتِّينَ مِسْكينًا».
стр. 3759
قَالَ الإِمَامُ: صورةُ الظِّهار أَن يَقُول الرجل لامْرَأَته: أنتِ عليَّ كَظهر أُمِّي، فَإِذا عَاد، يلزمُه الكفَّارةُ، وَلَا يجوز لَهُ أَن يقربهَا مَا لم يُخرج الْكَفَّارَة، وَهِي عتقُ رَقَبَة مُؤمنَة، فَإِن لم يجد، فَصِيَام شَهْرَيْن مُتَتَابعين، فَإِن لم يستطِع، فإطعامُ سِتِّينَ مِسْكينا.
وَاخْتلف أهل الْعلم فِي الْعود، فَذهب قوم إِلَى أَن الْكَفَّارَة تجب بِنَفس الظِّهَار، وَالْمرَاد من الْعود: هُوَ الْعود إِلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّة من نفس الظِّهَار، وَهُوَ قَول مُجَاهِد، وَالثَّوْرِيّ، وَقَالَ قوم: هُوَ إِعَادَة لفظ الظِّهَار وتكريره، وَقَالَ قوم: هُوَ الْوَطْء، وَبِهِ قَالَ الْحَسَن، وَطَاوُس، وَالزُّهْرِيّ، وَقَالَ قوم: هُوَ الْحرم على الْوَطْء، وَبِهِ قَالَ مَالِك، وَأَحْمَد، وَأَصْحَاب الرَّأْي، وَعند الشَّافِعِيّ، الْعود: هُوَ أَن يمْسِكهَا عقب الظِّهَار زَمَانا يُمكنهُ أَن يُفارقها، فَلم يفعل، فَإِن طَلقهَا عقيب الظِّهَار فِي الْحَال، أَو مَاتَ أَحدهمَا فِي الْوَقْت، فَلَا كَفَّارَة، لِأَن الْعود لِلْقَوْلِ هُوَ الْمُخَالفَة، وقصده بالظهار التَّحْرِيم، فَإِذا أمْسكهَا على النِّكَاح، فقد خَالف قَوْله، فَيلْزمهُ الْكَفَّارَة، وَفِي الْعَرَبيَّة لِمَا قَالوا أَي: فِيمَا قَالُوا، وَفِي بعض مَا قَالُوا.
стр. 3760
وَلَو شبهها بعضو من أَعْضَاء الْأُم سوى الظّهْر، فَقَالَ: أَنْت عَليّ كيد أُمِّي، أَو كبطن أُمِّي، أَو قَالَ: يُدك أَو بطنُك، عليَّ كَظهر أُمِّي، أَو كبطن أُمِّي، فَهُوَ ظِهَار على أصح قولي الشَّافِعِيّ، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: إِن شببها بِبَطن الْأُم، أَو فرجهَا، أَو فَخذهَا، فَهُوَ ظِهَار كالظهر، وَإِن شبهها بعضو آخر سواهَا، فَلَيْسَ بظهار، وَلَو قَالَ: أَنْت عليَّ كعين أُمِّي، أَو كروح أُمِّي، فَهُوَ ظِهَار، إِلا أَن يُرِيد بِهِ الْكَرَامَة، فَلَا يكون ظِهَارًا، وَلَو قَالَ: كأمي، أَو مثل أُمِّي، فَلَيْسَ بظهار إِلا أَن يُرِيد بِهِ الظِّهَار.
وَلَو قَالَ: أَنْت عليَّ كَظهر جدتي، أَو ابْنَتي، أَو أُخْتِي، أَو عَمَّتي، أَو خَالَتِي، فظهار، وَكَذَلِكَ إِن شبهها بِامْرَأَة مُحرمَة عَلَيْهِ بِسَبَب الرَّضَاع على أصح الْقَوْلَيْنِ، فَإِن كَانَت محرَّمة بالصِّهريَّة، فَلَيْسَ بالظهار على الْأَصَح كالملاعنة.
قَالَ الإِمَامُ: فِي حَدِيث سَلمَة بْن صَخْر: «ظَاهَرْتُ مِنْهَا حتَّى يَنْسَلِخَ شَهْرُ رَمَضَانَ».
فَفِيهِ دَلِيل على أَن الظِّهَار الْمُؤَقت ظِهَار، وَهُوَ قَول أَصْحَاب الرَّأْي، وأصحُّ قولي الشَّافِعِيّ.
وَذهب قوم إِلَى أَنَّهُ لَا يجب بِهِ شَيْء، وَهُوَ قَول مَالِك، وَاللَّيْث، وَابْن أَبِي ليلى.
ثُمَّ اخْتلف قَول الشَّافِعِيّ فِي أَنَّهُ إِذا ظَاهر مؤقتًا، بِأَن ظَاهر يَوْمًا، أَو شهرا، أَن التَّأْقِيت هَل يسْقط أم لَا؟ فَقَالَ فِي قَول: يتأبد، كَمَا لَو طَلقهَا مُدَّة
стр. 3761
يتأبد، وَالثَّانِي: لَا يتأبد، حَتَّى لَو طَلقهَا فِي الْوَقْت، ثُمَّ رَاجعهَا بعد مُضي الْمدَّة، فَأَمْسكهَا، وَوَطئهَا، لَا كَفَّارَة عَلَيْهِ.
قَالَ الإِمَامُ: وَفِي حَدِيث أَوْس بْن الصَّامِت دليلٌ على أَن الْمظَاهر إِذا جَامع قبل أَن يُكفَّر لَا يجبُ عَلَيْهِ إِلا كَفَّارَة وَاحِدَة، وَهُوَ قَول أَكثر أهل الْعلم، وَبِهِ قَالَ سُفْيَان، وَمَالك، وَالشَّافِعِيّ، وَأَحْمَد، وَإِسْحَاق.
وَقَالَ بَعضهم: إِذا وَاقعهَا قبل أَن يُكفِّر، فَعَلَيهِ كفَّارتان، وَهُوَ قَول عَبْد الرَّحْمَنِ بْن مهْدي.
وَلَو ظَاهر من أَربع نسْوَة بِكَلِمَة وَاحِدَة، فَعَلَيهِ أَربع كفَّارات على أظهر قولي الشَّافِعِيّ، كَمَا لَو طلقهن، يَقع على كل وَاحِدَة طَلْقَة.
وَقَالَ فِي الْقَدِيم: لَا يجب إِلا كَفَّارَة وَاحِدَة، وَهُوَ قَول ربيعَة، وَمَالك، ويُروى ذَلِكَ عَنْ عُرْوَة بْن الزبير، وَلَو ظَاهر من امْرَأَة وَاحِدَة مرَارًا قبل أَن يُكفِّر، فَإِن قَالَهَا مُنْفَصِلَة، أَو أَرَادَ بِكُل وَاحِدَة ظِهَارًا آخر، فَعَلَيهِ كفَّارات، وَإِن قَالَهَا مُتَتَابِعًا، وَقَالَ: أردْت ظِهَارًا وَاحِدًا، فَعَلَيهِ كَفَّارَة وَاحِدَة، وَقَالَ مَالِك: لَا يجب إِلا كَفَّارَة وَاحِدَة إِلا أَن يكفِّر عَنِ الأول، ثُمَّ يُظاهر ثَانِيًا، فَعَلَيهِ كَفَّارَة أُخْرَى.
وَمن ظَاهر من أمته، فَلَا كَفَّارَة عَلَيْهِ، كَمَا لَو طَلقهَا لَا يَقع، وَعند مَالِك يلْزمه الكفَّارة إِذا أَرَادَ أَن يمسَّها.
стр. 3762
بَابُ مَا يُجْزِئُ مِنَ الرِّقَابِ فِي الكَفَّارَةِ
٢٣٦٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِلالِ بْنِ أُسَامَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْحَكَمِ، أَنَّهُ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ جَارِيَةً لِي كَانَتْ تَرْعَى غَنَمًا لِي، فَجِئْتُهَا، فَفَقَدَتْ شَاةً مِنَ الْغَنَمِ، فَسَأَلْتُهَا عَنْهَا، فَقَالَتْ: أَكَلَهَا الذِّئْبُ، فَأَسِفْتُ عَلَيْهَا، وَكُنْتُ مِنْ بَنِي آدَمَ، فَلَطَمْتُ وَجْهَهَا، وَعَلَيَّ رَقَبَةٌ، أَفَأُعْتِقُهَا؟ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَيْنَ اللَّهُ؟» فَقَالَتْ: فِي السَّمَاءِ، قَالَ: «مَنْ أَنَا»، قَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ.
قَالَ: «أَعْتِقْهَا»
٢٣٦٥ - قَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَشْيَاءُ كُنَّا نَصْنَعُهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ كُنَّا نَأْتِي الْكُهَّانَ؟، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَأْتُوا الْكُهَّانَ»
٢٣٦٥ - قَالَ: وَكُنَّا نَتَطَيَّرُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّمَا ذَلِكَ شَيْءٌ يَجِدُهُ أَحَدُكُمْ فِي نَفْسِهِ، فَلا يَصُدَّنَّكُمْ».
стр. 3763
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ حَجَّاجٍ الصَّوَّافِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ هِلالِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، وَقَالَ: عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ، وَهُوَ الصَّوَابُ، وَأَبُو مَيْمُونَةَ اسْمُهُ أُسَامَةُ
وَقَوله: أسفتُ عَلَيْهَا.
أَي: غضبْتُ، والأسف: الْغَضَب، قَالَ اللَّه : ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف: ٥٥]، أَي: أغضبونا، وَقَالَ: ﴿فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ [طه: ٨٦]، أَي: شَدِيد الْغَضَب.
قَالَ الإِمَامُ ﵀: فِيهِ دَلِيل على أَن شَرط الرَّقَبَة فِي جَمِيع الْكَفَّارَات أَن تكون مُؤمنَة، لِأَن الرجل لما قَالَ: عليَّ رَقَبَة، أفأعتقُها؟ لم يُطلق لَهُ النَّبِيّ ﷺ الجوابَ بإعتاقها حَتَّى امتحنها بِالْإِيمَان، وَلم يسْأَل عَنْ جِهَة وُجُوبهَا، فَثَبت أَن جَمِيع الْكَفَّارَات فِيهَا سَوَاء، وَهُوَ مَذْهَب أَكثر أهل الْعلم، وَإِلَيْهِ ذهب مَالِك، وَالأَوْزَاعِيّ، وَالشَّافِعِيّ، وَأَبُو عُبَيْدٍ.
стр. 3764
وَذهب بَعضهم إِلَى أَن يجوز إِعْتَاق الْكَافِرَة فِي جَمِيع الكفَّارات إِلا فِي كَفَّارَة الْقَتْل، حُكي ذَلِكَ عَنْ عَطَاء، وَهُوَ قَول الثَّوْرِيّ، وَأَصْحَاب الرَّأْي، وَاتَّفَقُوا على أَنَّهُ لَا يُجزئ الْمُرْتَد، وَقد شَرط اللَّه الْإِيمَان فِي رَقَبَة الْقَتْل، وَأطلق ذكر الرَّقَبَة فِي غَيره، فَوَجَبَ أَن يحمل المُطلق على المقيَّد، كَمَا قيد الشَّهَادَة بِالْعَدَالَةِ فِي مَوضِع، فَقَالَ : ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطَّلَاق: ٢]، وَأطلق فِي مَوضِع، ثُمَّ الْكل سَوَاء فِي كَون الْعَدَالَة شرطا فِيهِ.
وَاخْتلف قَول الشَّافِعِيّ فِيمَن نذر إِعْتَاق رَقَبَة مُطلقًا، فَهَل يخرج عَنْهُ بِإِعْتَاق رَقَبَة كَافِرَة أم لَا؟ قَالَ الإِمَامُ: أقربُها إِلَى الِاحْتِيَاط وأشبهها بِظَاهِر الْحَدِيث، أَن لَا يجوز.
وَيجوز إِعْتَاق الصَّغِير عَنِ الْكَفَّارَة إِذا كَانَ أحدُ أَبَوَيْهِ مُسلما، أَو كَانَ قد سباه مُسْلِم، لِأَنَّهُ مَحْكُوم بِإِسْلَامِهِ تبعا لِلْأَبَوَيْنِ أَو للسابي، وَشَرطه أَن يكون سليم الرّقّ، سليم الْبدن، عَنْ عيب يُضِرُّ بِالْعَمَلِ ضَرَرا بَينا حَتَّى لَا يجوز أَن يعْتق عَنْ كَفَّارَته مكَاتبا، وَلَا أم ولد، وَلَا عبدا اشْتَرَاهُ بِشَرْط الْعتْق، وَلَو اشْترى قريبُهُ الَّذِي يُعتق عَلَيْهِ بنيَّة الْكَفَّارَة، عتق عَلَيْهِ، وَلَا يحوز عَنِ الْكَفَّارَة، وجوَّز أَصْحَاب الرَّأْي الْمكَاتب إِذا لم يكن أدَّى شَيْئا من نُجُوم الْكِتَابَة، وَعتق الْقَرِيب، وجوَّزوا الْمُدبر، وجوَّز طَاوس أم الْوَلَد، وَلم يجوزها الْأَكْثَرُونَ، وَيجوز الْأَعْوَر، والأعرج، والأبرص، ومقطوع الْأذن، وَالْأنف، والخصي، والمجبوب، والأخرس الَّذِي يعقل الْإِشَارَة، لِأَن هَذِه الْعُيُوب لَا تُخِلُّ بِالْعَمَلِ خَللا بيِّنًا، وَلَا يجوز الْأَعْمَى، وَلَا الْمَجْنُون، وَلَا المريضُ الَّذِي لَا يُرْجَى زَوَال مَرضه، وَلَا مَقْطُوع
стр. 3765
إِحْدَى الْيَدَيْنِ، أَو إِحْدَى الرجلَيْن، وَلَا مَقْطُوع إِبْهَام، أَو سبَّابة، أَو وسطى، من إِحْدَى الْيَدَيْنِ، وَيجوز مقطوعُ الْخِنْصر، والبنصر، فَإِن كَانَ مقطوعهما لَا يجوز، وجوَّز أَصْحَاب الرَّأْي مَقْطُوع إِحْدَى الْيَدَيْنِ، أَو إِحْدَى الرجلَيْن، وَلم يُجوِّزوا مَقْطُوع الْأُذُنَيْنِ، وَلَا الأَصَمّ، وَلَا الْأَخْرَس، لفَوَات جنس من الْمَنْفَعَة على الْكَمَال، وَيجوز إِعْتَاق ولد الزِّنَى عَنِ الْكَفَّارَة عِنْد الْأَكْثَرين.
سُئِلَ أَبُو هُرَيْرَةَ، فَقَالَ: يُجزئهُ، وَقَالَ الزُّهْرِيّ، وَالأَوْزَاعِيّ: لَا يجوز، لما رُوي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيّ ﷺ ، قَالَ: «وَلَدُ الزِّنَا شَرُّ الثَّلاثَةِ».
стр. 3766
وَاخْتلفُوا فِي تَأْوِيل هَذَا الْحَدِيث قيل: إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ فِي رجل بِعَيْنِه كَانَ موسومًا بالشرِّ، ورُوي أَن ابْن عُمَر كَانَ إِذا قيل لَهُ: وَلَدُ الزِّنَا شرُّ الثَّلَاثَة، قَالَ: بل هُوَ خير الثَّلَاثَة.
وَقيل معنى قَوْله: «شَرُّ الثَّلاثة» أصلا ونسبًا، لِأَنَّهُ خلق من مَاء خَبِيث، وَلَا يُؤمن أَن يُؤثر ذَلِكَ فِيهِ، ويدُبَّ فِي عروقه، فيحمله على الشَّرّ.
وَقَول ابْن عُمَر هُوَ خير الثَّلَاثَة، فوجهه أَنَّهُ لَا إِثْم لَهُ فِي الذَّنب الَّذِي بَاشرهُ الزانيان، فَهُوَ خير مِنْهُمَا لبراءته من الذَّنب.
بَاب اللِّعانِ
قَالَ اللَّه : ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النُّور: ٦].
الْآيَات.
٢٣٦٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ، أخْبَرَهُ أَنَّ عُوَيْمِرَ الْعَجْلانِيَّ جَاءَ إِلَى عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ الأَنْصَارِيِّ، فَقَالَ لَهُ: يَا عَاصِمُ، أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلا أَيَقْتُلُهُ، فَتَقْتُلُونَهُ أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟ سَلْ لِي عَنْ ذَلِكَ يَا عَاصِمُ، رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَسَأَلَ عَاصِمٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
стр. 3767
الْمَسَائِلَ وَعَابَهَا، حَتَّى كَبُرَ عَلَى عَاصِمٍ مَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَّمَا رَجَعَ عَاصِمٌ إِلَى أَهْلِهِ، جَاءَهُ عُوَيْمِرٌ، فَقَالَ: يَا عَاصِمُ، مَاذَا قَالَ لَكَ رَسُولُ اللَّه ﷺ ؟، فَقَالَ عَاصِمٌ لِعُوَيْمِرٍ: لَمْ تَأْتِنِي بِخَيْرٍ، قَدْ كَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَسْأَلَةَ الَّتِي سَأَلْتُهُ عَنْهَا، فَقَالَ عُوَيْمِرٌ: وَاللَّهِ لَا أَنْتَهِي حَتَّى أَسْأَلَهُ عَنْهَا، فَجَاءَ عُوَيْمِرٌ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَسَطَ النَّاسِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ رَجُلا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلا أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ، أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «قَدْ أُنْزِلَ فِيكَ وَفِي صَاحِبَتِكَ، فَاذْهَبْ فَأْتِ بِهَا».
فَقَالَ سَهْلٌ، فَتَلاعَنَا وَأَنَا مَعَ النَّاسِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا فَرَغَا مِنْ تَلاعُنِهِمَا، قَالَ عُوَيْمِرٌ: كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أَمْسَكْتُهَا، فَطَلَّقَهَا ثَلاثًا قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللَّه ﷺ .
قَالَ مالكٌ: قَالَ ابْن شِهَاب: فكانَتْ تِلْكَ سُنَّةَ المتلاعِنَيْنِ.
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، كِلاهُمَا عَنْ مَالِكٍ.
стр. 3768
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِسَائِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلالُ، أَنا أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمُّ.
ح وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْعَارِفُ، قَالا: أَنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، أَنا أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمُّ، أَنا الرَّبِيعُ، أَنا الشَّافِعِيُّ، أَنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، مِثْلَ مَعْنَاهُ، وَزَادَ: ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «انْظُرُوهَا فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَسْحَمَ أَدْعَجَ عَظِيمَ الأَلْيَتَيْنِ، فَلا أُرَاهُ إِلا قَدْ صَدَقَ، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَحْمَرَ كَأَنَّهُ وَحَرَةٌ، فَلا أُرَاهُ إِلا كَاذِبًا»، فَجَاءَتْ بِهِ عَلَى النَّعْتِ الْمَكْرُوهِ.
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ
الأَسْحَمُ: الشَّديد السوَاد، يُقَالُ: غُرابٌ أسحم، أَي شَدِيد السوَاد، والوحرةُ: دُويبةٌ شبه الوزغة تلزق الأَرْض، جمعهَا وَحَرٌ، وَمِنْه وحرُ الصَّدر، وَهُوَ الحقد والغيظ، سمي بِهِ لتشبُّثه بِالْقَلْبِ، ويُقَالُ: فلانٌ وَحِرُ الصَّدر، إِذا دبَّت الْعَدَاوَة فِي قلبه كدبيب الوَحَر.
стр. 3769
وَإِنَّمَا كره النَّبِيّ ﷺ مَسْأَلَة عَاصِم، لِأَنَّهُ كَانَ يسْأَل لغيره، وَلم يكن بِهِ إِلَيْهِ حَاجَة، وَلما فِيهِ من هتك الْحُرْمَة، فأظهر النَّبِيّ ﷺ الْكَرَاهِيَة إيثارًا لستر العورات.
قَالَ الإِمَامُ ﵀: وحكمُ هَذَا الْمَسْأَلَة أَنَّهُ من رمى إنْسَانا بالزنى، فَإِن كَانَ الْمَقْذُوف مُحصنا، يجب على الْقَاذِف جلدُ ثَمَانِينَ إِن كَانَ حرا، وَإِن كَانَ عبدا، فجلد أَرْبَعِينَ، قَالَ اللَّه : ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النُّور: ٤]، وَإِن كَانَ الْمَقْذُوف غير مُحصن، فعلى قَاذفه التَّعْزِير.
وشرائطُ الْإِحْصَان خَمْسَة: الْإِسْلَام، وَالْعقل، وَالْبُلُوغ، وَالْحريَّة، والعفة من الزِّنَى، حَتَّى إِن من زنى فِي أول بُلُوغه مرّة، ثُمَّ تَابَ، وحسُنت حَالَته، وامتد عمره، فقذفه قَاذف لَاحَدَّ عَلَيْهِ، وَلَا حدَّ فِي النِّسْبَة إِلَى غير الزِّنَى من الْفَوَاحِش، إِنَّمَا فِيهِ التَّعْزِير، سُئل عَليّ عَنْ قَول الرجل للرجل: يَا فَاجر، يَا خَبِيث، يَا فَاسق، قَالَ: هنَّ فواحشُ، فِيهِنَّ تَعْزِير، وَلَيْسَ فِيهِنَّ حد.
وَكَانَ الشَّعْبِيّ يَقُول فِي الرجل إِذا دخل بِالْمَرْأَةِ، فَقَالَ: لم أَجدهَا عذراء: إِن عَلَيْهِ الْحَد.
وَكَانَ إِبْرَاهِيم النَّخعي لَا يرى عَلَيْهِ الْحَد، وَيَقُول: العُذرة تذْهب من النَّزوة وَمن التعنيس.
قَالَ الإِمَامُ: وَهَذَا قَول الْعلمَاء.
وَلَا فرق فِي مُوجب الْقَذْف بَين من يقذف أَجْنَبِيّا، أَو زَوجته، غير أَن الْمخْرج مِنْهُمَا مُخْتَلف، فَإِذا قذف أَجْنَبِيّا، لَا يسْقط الحدُّ عَنْهُ إِلا بِالْإِقْرَارِ من جِهَة الْمَقْذُوف، أَو إِقَامَة أَرْبَعَة من الشُّهَدَاء على زِنَاهُ، وَإِذا قذف زَوجته، فَلَا يسْقط إِلا بِأحد هذَيْن، أَو بِاللّعانِ، وَعند أَصْحَاب الرَّأْي لَا حدَّ على من قذف زَوجته، إِنَّمَا مُوجبه اللّعان، وَالشَّرْع جعل اللّعان فِي حق الزَّوْج بِمَنْزِلَة الشَّهَادَة، فَقَالَ اللَّه جلّ ذكره: ﴿وَالَّذِينَ
стр. 3770
يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النُّور: ٦]، فثبتَ أَن اللِّعان حجَّة الْقَاذِف على صدقه كالبيِّنة، وَلَو شهد الزَّوْج على زَوجته بالزنى مَعَ ثَلَاثَة، فشهادة الزَّوْج مَرْدُودَة عِنْد بعض أهل الْعلم، وَهُوَ قَاذف عَلَيْهِ الحدُّ إِلا أَن يُلاعن، وَهُوَ قَول النَّخعي، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيّ، وَذهب قوم إِلَى أَن شَهَادَة الزَّوْج مَقْبُولَة، وَعَلَيْهَا الْحَد، وَهُوَ قَول الشَّعْبِيّ، وَأَصْحَاب الرَّأْي، وَمن جعل الزَّوْج قَاذِفا بِهَذِهِ الشَّهَادَة، قَالَ: حكم الثَّلَاثَة الَّذين شهدُوا حكم شُهُود الزِّنَى إِذا لم يكملوا أَرْبَعَة.
وَاخْتلف فيهم أهل الْعلم، فَذهب أَكْثَرهم إِلَى أَنهم قذفة، عَلَيْهِم حد الْقَذْف، لما رُوي عَنْ عُمَر أَنَّهُ شهد عِنْده ثَلَاثَة على رجل بالزنى، وَلم يكمل الرَّابِع شَهَادَته، فجلد الثَّلَاثَة، وَهُوَ قَول أَصْحَاب الرَّأْي، وَأظْهر قولي الشَّافِعِيّ، وَذهب بَعضهم إِلَى أَنهم لَا يحدُّون، لأَنهم جَاءُوا مَجِيء الشُّهُود، وَلَو شهد أَربع على زنى امْرَأَة، وأقامت الْمَرْأَة أَربع نسْوَة على أَنَّهَا عذراء، لَا حدَّ عَلَيْهَا، لِأَن عذرتها تَنْفِي زنَاهَا، وَلَا حدَّ على قاذفها لقِيَام الْبَيِّنَة على زنَاهَا، وَقد يتَصَوَّر عود العُذرة.
قَالَ الشَّعْبِيّ: مَا كنتُ لأقيم الْحَد على امْرَأَة عَلَيْهَا من اللَّه خَاتم، وَعنهُ رِوَايَة أُخْرَى: أَن الحدَّ يُقَام عَلَيْهَا.
وَيجْرِي اللِّعان بَين الزَّوْجَيْنِ الرقيقين والذميين، كَمَا يجْرِي بَين الحرَّين الْمُسلمين عِنْد أَكثر أهل الْعلم، وَهُوَ قَول سَعِيد بْن الْمُسَيِّب، وَسليمَان بْن يَسَار، وَالْحَسَن، وَبِهِ قَالَ ربيعَة، وَمَالك، وَاللَّيْث، وَالثَّوْرِيّ، وَالشَّافِعِيّ، وَأَحْمَد، وَإِسْحَاق.
وَجُمْلَته أَن من صَحَّ يَمِينه، صَحَّ لِعَانه، وَذهب بَعضهم إِلَى أَنَّهُ لَا يَصح اللّعان إِلا مِمَّن هُوَ من أهل الشَّهَادَة، وَهُوَ قَول حَمَّاد، وَالزُّهْرِيّ، وَالأَوْزَاعِيّ، وَأَصْحَاب الرَّأْي، حَتَّى قَالُوا: لَو
стр. 3771
كَانَ أحد الزَّوْجَيْنِ ذِمِّيا، أَو رَقِيقا، أَو محدودًا فِي قذف، فَلَا لعان.
وَاتَّفَقُوا على جَوَاز لعان الْفَاسِق، وَالْأَعْمَى، وَفِي قَول سهل: «فَتَلاعَنَا وَأَنَا مَعَ النَّاسِ».
دَلِيل على أَن اللِّعان يَنْبَغِي أَن يكون بِمحضر جمَاعَة من الْمُؤمنِينَ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِمَّا يُستر، كَمَا أَن الحدَّ يُقَام بِمحضر جمَاعَة من النَّاس، ليَكُون أبلغ فِي الزّجر، قَالَ اللَّه : ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النُّور: ٢].
ويُلاعَن فِي الْمَسْجِد، فقد رُوي فِي حَدِيث سهل بْن سَعْد: «فَتَلاعَنَا فِي المَسْجِدِ وأَنا شَاهِدٌ».
وَقَوله: «فَطَلَّقَهَا ثَلاثًا» فِيهِ دَلِيل على أَن الْجمع بَين الطلقات الثَّلَاث لَا يكون بِدعَة، إِذْ لَو كَانَ بِدعَة، لأنكر عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّه ﷺ ، وَإِن لم يكن يَقع فِي هَذَا الْموضع لوُقُوع الْفرْقَة بِاللّعانِ، وَلَكِن الرجل كَانَ جَاهِلا بالحكم، فَلَو لم يكن جَائِزا، لمَنعه عَنْهُ حَتَّى يتَبَيَّن لَهُ الحكم، فَلَا يجترئ عَلَيْهِ فِي الْموضع الَّذِي يَقع.
وَاخْتلف أهل الْعلم فِي الْوَقْت الَّذِي تقع فِيهِ الْفرْقَة بَين الزَّوْجَيْنِ فِي اللِّعان، فَذهب قوم إِلَى أَنَّهُ تقع بفراغ الزَّوْج من اللّعان، وَإِلَيْهِ ذهب الشَّافِعِيّ، وَذهب جمَاعَة إِلَى أَنَّهُ يَقع بتلاعنهما جَمِيعًا، رُوي ذَلِكَ عَنِ ابْن عَبَّاس، وَهُوَ قَول مَالِك، وَالأَوْزَاعِيّ، وَأَحْمَد، وَذهب أَصْحَاب الرَّأْي إِلَى أَنَّهُ يَقع بتفريق الْقَاضِي بَينهمَا بعد تلاعنهما، حَتَّى لَو طَلقهَا قبل قَضَاء الْقَاضِي يقعُ، وَذهب عُثْمَان البتي إِلَى أَن الْفرْقَة لَا تقع وفراق الْعجْلَاني امْرَأَته كَانَ بِالطَّلَاق.
стр. 3772
وَفرْقَة اللَّعان فرقة فسخ عِنْد كثير من أهل الْعلم حَتَّى لَا تسْتَحقّ الْمَرْأَة نَفَقَة الْعدة، وَلَا السُّكْنَى، وَإِلَيْهِ ذهب الشَّافِعِيّ، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: اللَّعان تطليفة بَائِنَة، وَلها السُّكْنَى وَالنَّفقَة فِي الْعدة، ويحتج من لَا يُوقع الْفرْقَة بِنَفس اللّعان بتطليق الْعجْلَاني الْمَرْأَة بعد اللِّعان، فَلَو كَانَت الْفرْقَة وَاقعَة، لم يكن للتطليق معنى، وَمن أوقع بِاللّعانِ الْفرْقَة، حمل ذَلِكَ مِنْهُ على الْجَهْل بالحكم، أَو يحْتَمل أَنَّهُ لما قيل لَهُ: لَا سَبِيل لَك عَلَيْهَا.
وجد من ذَلِكَ فِي نَفسه، فَقَالَ: «كَذبتُ عَلَيْهَا إِن أمسكتُها هِيَ طَالِق ثَلَاثًا».
يُرِيد بذلك تَأْكِيد تِلْكَ الْفرْقَة، يدل عَلَيْهِ أَن الْفرْقَة لَو لم تكن وَاقعَة، لكَانَتْ الْمَرْأَة فِي حكم المطلقات ثَلَاثًا، وَأَجْمعُوا على أَنَّهَا لَيست فِي حكم المطلقات ثَلَاثًا تحلُّ لَهُ بعد زوج آخر.
وَقَول ابْن شِهَاب: «فَكَانَتْ تِلْكَ سُنَّةُ المُتَلاعِنَين».
يُرِيد أَنَّهُمَا لَا يَجْتَمِعَانِ بعد اللِّعان.
وَفِي قَوْله ﷺ : «إِنْ جَاءَتْ بِهِ أَسْحَمَ أَدْعَجَ لَا أَرَاهُ إِلا قَدْ صَدَقَ».
دَلِيل على أَن التحلية بالنعوت الْمَكْرُوهَة إِذا أُرِيد بهَا التَّعْرِيف، لَا تكون غيبَة يَأْثَم بهَا قائلُها، وَفِيه دَلِيل على جَوَاز الِاسْتِدْلَال بالشبه، وَفِيه بَيَان أَن مَعَ جَوَاز الِاسْتِدْلَال بِهِ لَا يُحكم بِهِ إِذا كَانَ هُنَاكَ مَا هُوَ أقوى مِنْهُ فِي الدّلَالَة على ضد مُوجبه، لِأَن النَّبِيّ ﷺ لم يُوجب الحدِّ عَلَيْهَا بالشبه لما جَاءَت بِهِ على النَّعْت الْمَكْرُوه، لوُجُود الْفراش، كَمَا لم يُعتبر الشّبَه فِي ولد وليدة زَمعَة لوُجُود مَا هُوَ أقوى، وَهُوَ الْفراش.
وَفِيه دَلِيل على أَن الْمَرْأَة كَانَت حَامِلا، وَأَن اللّعان وَقع على نفي الْحمل، وَهُوَ قَول أَكثر أهل الْعلم، وَبِهِ قَالَ مَالِك، وَالأَوْزَاعِيّ، وَابْن أَبِي ليلى، وَالشَّافِعِيّ، أَن اللّعان على نفي الْحمل جَائِز، وَذهب أَصْحَاب الرَّأْي
стр. 3773
إِلَى أَن اللِّعان على نفي الْحمل لَا يجوز، فَإِن فعل صحِّ، تعلق بِهِ أَحْكَامه، غير أَن الْوَلَد يلْزمه لُزُوما لَا يُمكنهُ نَفْيه بعده.
٢٣٦٨ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْمَخْلَدِيُّ، أَنا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ السَّرَّاجُ، أَنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «لاعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا، وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِالأُمِّ».
هَذَا حَدِيث مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّد، عَنْ يَحْيَى بْن بُكير، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم، عَنْ يَحْيَى بْن يَحْيَى، وَقُتَيْبَة، كلٌّ عَنْ مَالِك
ويحتج بهَذَا الْحَدِيث من لَا يرى وقوعَ الْفرْقَة إِلا بتفريق الْحَاكِم بَينهمَا، وَمن أوقع الْفرْقَة بِنَفس اللِّعان، قَالَ: إِضَافَة التَّفْرِيق إِلَيْهِ، لِأَن سَببه كَانَ بِحَضْرَتِهِ ﵇، كَمَا لَو ادّعى على رجل شَيْئا بَين يَدي الْقَاضِي، فَأقر الْمُدعى عَلَيْهِ، فألزمه الْقَاضِي الْأَدَاء، يُضَاف الحكمُ فِيهِ إِلَى القَاضِي، وَثُبُوت الْحق بِإِقْرَار الْمُدَّعِي عَلَيْهِ، أَو مَعْنَاهُ: أَنَّهُ بيَّن أَن الْفرْقَة قد وَقعت بَينهمَا باللِّعان يدل عَلَيْهِ أَن الْوَلَد يكون لاحقًا بِالْأُمِّ من غير حكم الْحَاكِم، ثُمَّ أضيف الإلحاقُ إِلَيْهِ ﷺ .
стр. 3774
٢٣٦٩ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِسَائِيُّ، أَنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الخلالُ، أَنا أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمُّ.
ح وَأَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْعَارِفُ، قَالا: أَنا أَبُو بَكْرٍ الْحِيرِيُّ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمُّ، أَنا الرَّبِيعُ، أَنا الشَّافِعِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ، يَقُولُ: أَنا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِلْمُتَلاعِنَيْنِ: «حِسَابُكُمَا عَلَى اللَّهِ، أَحَدُكُمَا كَاذِبٌ لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا».
قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَالِي، قَالَ: «لَا مَالَ لَكَ إِنْ كُنْتَ صَدَقَتْ عَلَيْهَا، فَهُوَ بِمَا اسْتَحْلَلْتَ مِنْ فَرْجِهَا، وَإِنْ كُنْتَ كَذَبْتَ عَلَيْهَا، فَذَلِكَ أَبْعَدُ لَكَ مِنْهَا أَوْ مِنْهُ».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، كِلاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ
قَالَ الإِمَامُ فِي قَوْله: «لَا سبيلِ لكِ عَلَيْهَا» دليلٌ على وُقُوع الْفرْقَة باللِّعان، وَأَنَّهَا لَا تحلُّ لَهُ أبدا، وَإِن أكذب الرجل نَفسه، وَهُوَ قَول أَكثر أهل الْعلم، يُروى ذَلِكَ عَنْ عُمَر، وَعلي، وَابْن مَسْعُود، وَهُوَ قَول الزُّهْرِيّ، وَإِلَيْهِ ذهب مَالِك، وَالأَوْزَاعِيّ، وَالثَّوْرِيّ، وَالشَّافِعِيّ، وَأَحْمَد، وَإِسْحَاق، وَأَبُو يُوسُف، حَتَّى قَالَ الشَّافِعِيّ: لَو لاعنَ زَوجته الْأمة، ثُمَّ اشْتَرَاهَا لَا تحِلُّ لَهُ إصابتها، كَمَا لَو اشْترى أُخْته من الرَّضَاع
стр. 3775
لَا يحلُّ لَهُ وَطْؤُهَا، لِأَن حُرْمَة الرَّضَاع مؤبَّدة، وَذهب أَبُو حنيفَة إِلَى أَنَّهُ إِذا أكذب نَفسه، يرتفعُ تَحْرِيم العقد، فَيجوز لَهُ نِكَاحهَا، كَمَا يلْحقهُ النسبُ الْمَنْفِيّ بعد الإكذاب، يُروى ذَلِكَ عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب، وَقَالَ سَعِيد بْن جُبَير: تعود مَنْكُوحَة لَهُ إِذا أكذب نَفسه.
وَفِيه دَلِيل على أَن زوج الْمُلَاعنَة لَا يرجع عَلَيْهَا بِالْمهْرِ إِن كَانَ قد دخل بهَا، وَإِن أقرَّت الْمَرْأَة بالزنى، فَأَما إِذا تلاعنا قبل الدُّخُول، فَاخْتلف فِيهِ أهلُ الْعلم، فَذهب قوم إِلَى أَن لَهَا نصفَ الْمهْر، وَهُوَ قَول قَتَادَة، وَالشَّعْبِيّ، وَالْحَسَن، وَسَعِيد بْن جُبَير، وَبِهِ قَالَ مَالِك، وَالأَوْزَاعِيّ، وَالشَّافِعِيّ، وَقَالَ الحكم، وَحَمَّاد: لَهَا الصَدَاق كَامِلا، وَقَالَ الزُّهْرِيّ: لَا صدَاق لَهَا.
٢٣٧٠ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، أَنا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانٍ، نَا عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ هِلالَ بْنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ امْرَأَتَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ بِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «الْبَيِّنَةُ أَوْ حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ».
فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِذَا رَأَى أَحَدُنَا عَلَى امْرَأَتِهِ رَجُلا يَنْطَلِقُ يَلْتَمِسُ الْبَيِّنَةَ؟! فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: «البَيِّنَةُ وَإِلا حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ».
فقَالَ هِلالٌ: وَالَّذِي
стр. 3776
بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إنِّي لَصَادِقٌ، فَلَيُنْزِلَنَّ اللَّهُ مَا يُبَرِّئُ ظَهْرِي مِنَ الْحَدِّ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النُّور: ٦ - ٩]، فَانْصَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَأرْسَلَ إِلَيْهَا، فَجَاءَ هِلالٌ، فَشَهِدَ وَالنَّبيُّ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ؟».
ثُمَّ قامَتْ فَشَهِدتْ، فَلَمَّا كَانَتْ عِنْدَ الْخَامِسَةِ، وَقَّفُوهَا، وَقَالُوا: إِنَّهَا مُوجِبَةٌ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَتَلَكَّأَتْ، وَنَكَصَتْ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهَا تَرْجِعُ، ثُمَّ قَالَتْ: لَا أَفْضَحُ قَوْمِي سَائِرَ الْيَوْمِ، فَمَضَتْ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَبْصِرُوهَا، فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَكْحَلَ العَيْنَيْنِ سَابِغَ الأَلْيَتَيْنِ، خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ، فَهُوَ لِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ»، فَجَاءَتْ بِهِ كَذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَوْلا مَا مَضَى مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ».
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ
خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ: عظيمُهما، ويُروى: خدل السَّاقَيْن، أَي: الممتلئ السَّاق، المكتنز اللَّحْم.
стр. 3777
وَفِيه دَلِيل على أَن مُوجب قذف الزَّوْجَة الحدُّ، كَمَا فِي قذف الْأَجَانِب، فَإِن لم يُقم بيِّنة، وَلم يُلاعن، يُحَدُّ، وَفِيه دَلِيل على أَنَّهُ إِذا قذف امْرَأَته بِرَجُل بِعَيْنِه، ثُمَّ لَاعن، سقط عَنْهُ حدُّ المرمي بِهِ، كَمَا يسْقط حدُّ الزَّوْجَة، لِأَنَّهُ مُضْطَر إِلَى ذكر من يقذفها بِهِ، كَمَا هُوَ مُضْطَر إِلَى قذف زَوجته، لإِزَالَة الضَّرَر عَنْ نَفسه، ثُمَّ اللِّعان كَانَ حجَّة لَهُ فِي حقِّ الزَّوْجَة، كَذَلِك فِي حق المرمي بِهِ، هَذَا إِذا سمَّى المرمي بِهِ فِي اللِّعان، فَإِن لم يُسمِّه، فَفِي سُقُوط حدِّه للشَّافِعِيّ قَولَانِ: فَإِن قُلْنَا: لَا يسقُط، فَلهُ إِعَادَة اللّعان لإسقاطه، وَذهب قوم إِلَى أَن حد المرمي بِهِ لَا يسْقط اللّعان، وَهُوَ قَول مَالِك، وَأَصْحَاب الرَّأْي.
وَفِي قَوْله عِنْد الْخَامِسَة: «إنَّها مُوجِبَةٌ».
دَلِيل على أَن حكم اللّعان لَا يثبت إِلا بِاسْتِيفَاء الْكَلِمَات الْخمس، وَإِلَيْهِ ذهب الشَّافِعِيّ، وَذهب أَبُو حنيفَة إِلَى أَنَّهُ إِذا أَتَى بِالْأَكْثَرِ، قَامَ مقَام الْكل.
والسُّنة فِي اللّعان أَن يُوقف الْملَاعن عِنْد الْكَلِمَة الْخَامِسَة، ويُحذِّر، ويقَالَ: إِنَّهَا مُوجبَة.
يَعْنِي: تُوجب الْغَضَب فِي حَقّهَا، واللَّعن فِي حَقه.
ورُوي فِي حَدِيث عِكْرِمَة، عَنِ ابْن عَبَّاس، فَلَمَّا كَانَت الْخَامِسَة قيل: «يَا هِلالُ، اتَّقِ اللَّه، فإِنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الآخِرَةِ، وإنَّهَا المُوجِبَةُ الَّتي تُوجِبُ عَلَيْكَ العَذَابَ».
وقيلَ لَهَا عِنْدَ الخَامِسَةَ كَذَلِك.
стр. 3778
ورُوي عَنِ ابْن عَبَّاس أَن النَّبِيّ ﷺ " أَمر رجلا حِين أَمر المتلاعنين أَن يتلاعنا أَن يضع يَده على فِيهِ عِنْد الْخَامِسَة يَقُول: إنَّها مُوجِبَةٌ ".
ويُبدأ فِي اللِّعان بِالرجلِ: فيقيمه الْحَاكِم، ويلقنه كلمة كلمة، ثُمَّ يُقيم الْمَرْأَة، فيلقنها كلمة كلمة.
ورُوي فِي حَدِيث ابْن عُمَر، أنَّ النَّبِيّ ﷺ «وَعَظَهُ وَذَكَّرَهُ، وَأَخْبَرَهُ أَنَّ عَذَابَ الدُّنيا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الآخِرَةِ»، قَالَ: لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا كَذَبْتُ عَلَيْهَا، ثُمَّ دَعَاهَا، فَوَعَظَهَا وَذَكَّرَهَا، وَأَخْبَرَهَا أَنَّ عَذَابَ الدُّنيا أَهْوَنُ من عَذَابِ الآخِرَةِ.
قَالَت: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنَّهُ لَكَاذِبٌ، فَبَدَأَ بِالرَّجُلِ، فَشَهِدَ.
وَفِي قَوْله: «لَوْلَا مَا مضى مِنْ كتاب اللَّه، لَكَانَ لي وَلها شأَنٌ».
دَلِيل على أَن الْقَاضِي يجب عَلَيْهِ أَن يحكم بِالظَّاهِرِ، وَإِن كَانَت هُنَاكَ شُبْهَة تعترض، وَأُمُور تدل على خِلَافه، فَإِن النَّبِيّ ﷺ أمضى حكم اللِّعان، وَلم يحكم عَلَيْهَا بالزنى بِظَاهِر الشّبَه.
ورُوي عَنْ عباد بْن مَنْصُور، عَنْ عِكْرِمَة، عَنِ ابْن عَبَّاس فِي قصَّة هِلَال بْن أُميَّة بعد ذكر التلاعن، «فَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّه ﷺ بَينهمَا، وَقضى أَنْ لَا يُدْعَى وَلَدُهَا لأَبٍ، وَلا تُرْمَى وَلَا يُرْمَى وَلَدُهَا، وَمَنْ رَمَاهَا أَوْ رَمَى وَلَدهَا، فَعَلَيْهِ الحدُّ، وَقضى أَنْ لَا بَيْتَ لَهَا عَلَيْهِ، وَلَا قُوتَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمَا يَتَفَّرَقانِ مِنْ غَيْرِ طَلاقٍ، وَلَا مُتَوَفَّى عَنْهَا».
стр. 3779
وَفِيه من الْفِقْه أَن الرجل إِذا قذف زَوجته، ولاعَنَ عَنْهَا، وَنفى وَلَدهَا، ثُمَّ قَذفهَا قَاذف، يجب عَلَيْهِ الْحَد، سَوَاء لاعنت بعد لِعَانه، أَو امْتنعت، فحدَّث للزنى، وَلَو قَذفهَا زوجُها، فَعَلَيهِ التَّعْزِير بِخِلَاف مَا لَو ثَبت زنَاهَا بِبَيِّنَةٍ، أَو إِقْرَار من جِهَتهَا لَا يجب الحدُّ على قاذفها، سَوَاء قَذفهَا زَوجهَا أَو غَيره، لِأَن البيِّنة وَالْإِقْرَار حجَّة عَامَّة، واللِّعان حجَّة خَاصَّة فِي حق الزَّوْج، هَذَا قَول أَكثر أهل الْعلم، وَذهب أَصْحَاب الرَّأْي إِلَى أَنَّهُ إِن كَانَ هُنَاكَ ولدٌ حيّ قد نَفَاهُ باللِّعان لَا يجب الْحَد على قاذفها، وَإِن كَانَ بعد موت الْوَلَد الْمَنْفِيّ، أَو كَانَ اللِّعان جرى بَينهمَا لَا على نفي ولد، فَيجب الحدُّ على قاذفها، وَهَذَا تَفْصِيل لَا يَصح فِي أثر وَلَا نظر.
وَفِيه دَلِيل على أَن فرقة اللِّعان فرقة فسخ، وَلَا سُكنى للملاعنة، وَلَا نَفَقَة كَمَا قَالَه الشَّافِعِيّ ﵀.
قَالَ الإِمَامُ: وَيتَعَلَّق بِلعان الزَّوْج عِنْد الشَّافِعِيّ خمسةُ أَحْكَام: سُقُوط حد الْقَذْف عَنْهُ، وَوُجُوب حد الزِّنَى على الْمَرْأَة، كَمَا لَو أَقَامَ بيِّنة على زنَاهَا، وَانْقِطَاع الْفراش عَنْهُ، وتأبُّدُ التَّحْرِيم، وَنفي النّسَب.
وَلَا يتَعَلَّق بِإِقَامَة البيِّنة شَيْء مِنْهَا إِلا سُقُوط حد الْقَذْف عَنْهُ، وَوُجُوب حد الزِّنَى عَلَيْهَا، ثُمَّ بعد لعان الزَّوْج إِذا أَرَادَت الْمَرْأَة إِسْقَاط حد الزِّنَى عَنْ نَفسهَا فَإِنَّهَا تلاعن، لقَوْل اللَّه : ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النُّور: ٨]، وَالْمرَاد بِالْعَذَابِ: الحدُّ، وَلَا يتَعَلَّق بِلعان الْمَرْأَة إِلا هَذَا الحكم الْوَاحِد.
وَلَو أَقَامَ الزَّوْج بيِّنة على زنَاهَا، لم يكن لَهَا إِسْقَاط الْحَد بِاللّعانِ، وَذهب أَصْحَاب الرَّأْي إِلَى أَن الزَّوْج إِذا امْتنع عَنِ اللّعان، يُحبس حَتَّى يُلاعن،
стр. 3780
فَإِذا لَاعن فَلَا حدَّ عَلَيْهَا، إِنَّمَا عَلَيْهَا اللَّعان، وَلَو قذف زَوجته، ثُمَّ أَبَانهَا قبل اللَّعان، يجوز لَهُ أَن يُلَاعن عَنْهَا لنفي النّسَب إِن كَانَ هُنَاكَ ولد، وَإِن لم يكن، فلإسقاط الْحَد وَالتَّعْزِير إِن طلبته الْمَرْأَة، وَهُوَ قَول الْحَسَن، وَالشَّعْبِيّ، وَالقَاسِم بْن مُحَمَّد، وَإِلَيْهِ ذهب مَالِك، وَالشَّافِعِيّ، وَأَحْمَد.
وَذهب قوم إِلَى أَنَّهُ لَا حد وَلَا لعان، وَهُوَ قَول حَمَّاد بْن أَبِي سُلَيْمَان، وَالنَّخَعِيّ، وَإِلَيْهِ ذهب الثَّوْرِيّ، وَأَصْحَاب الرَّأْي، وَلَو مَاتَت الْمَرْأَة قبل أَن يُلَاعن الزَّوْج يُحدُّ الزَّوْج، وَلَا يُلاعن، إِلا أَن يكون ثَمّ ولدٌ يُرِيد نَفْيه، وَقَالَ الشَّعْبِيّ: يُلاعن، وَقَالَ حَمَّاد: يُجلد، فَأَما إِذا أنشأ الْقَذْف بعد الْبَيْنُونَة، فَلَا لعان لَهُ، بل عَلَيْهِ الحدُّ إِلا أَن يكون ثَمَّ ولدٌ يلْحقهُ، فَلهُ أَن يُلَاعن لنفيه، وَكَذَلِكَ لَهُ اللّعان لنفي ولد يلْحقهُ بِنِكَاح فَاسد، أَو وَطْء شُبْهَة.
ثُمَّ إِذا لَاعن، يسْقط عَنْهُ حدُّ الْقَذْف، وَذهب أَصْحَاب الرَّأْي إِلَى أَن الْقَذْف بعد الْبَيْنُونَة، وَفِي النِّكَاح الْفَاسِد لَا يثبت اللّعان، وَقذف الْأَخْرَس بِالْإِشَارَةِ قذف، ولعانه بِالْإِشَارَةِ مُوجب للْحكم، وَذهب أَصْحَاب الرَّأْي إِلَى أَنَّهُ لَا حكم لقذفه وَلَا للعانه بِالْإِشَارَةِ، وَاتَّفَقُوا على جَوَاز طَلَاقه، وعتقه، وَبيعه، بِالْإِشَارَةِ، والكتبة.
بَاب الرجُلِ يَجِدُ مَعَ امْرأَتِهِ رَجُلا
٢٣٧١ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ،
стр. 3781
عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ لَوْ وَجَدْتُ مَعَ امْرَأَتِي رَجُلا أُمْهِلُهُ حتَّى آتِي بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ؟! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «نَعَمْ».
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ زُهَيْرِ بْن حَرْبٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عِيسَى، عَنْ مَالِكٍ، وَرَوَاهُ سُلَيْمَانُ بْنُ بِلالٍ عَنْ سُهَيْلٍ، بِإِسْنَادِهِ، وَزَادَ، قَالَ: كَلا، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنْ كُنْتُ لأُعَاجِلُهُ بِالسَّيْفِ قَبْلَ ذَلِكَ، قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : «اسمعُوا إِلَى مَا يَقُولُ سَيِّدُكُمْ إنَّهُ لَغَيُورٌ، وأَنا أَغْيَرُ منهُ، وَاللَّهِ أَغْيَرُ منِّي»
قَالَ أَبُو سُلَيْمَان الْخطابِيّ: يشبه أَن تكون مراجعةُ سَعْد النَّبِيّ ﷺ طَمَعا فِي الرُّخْصَة، لَا ردا لقَوْله ﷺ ، فَلَمَّا أَبى ذَلِكَ رَسُولُ اللَّه ﷺ ، سكتَ، وانقادَ.
قَالَ الإِمَامُ: فِيهِ دَلِيل على أَن من قتل رجلا، ثُمَّ ادِّعى أَنَّهُ وجده على امْرَأَته أَنَّهُ لَا يسْقط عَنْهُ القصاصُ بِهِ حَتَّى يُقيم البيِّنة على زِنَاهُ، وَكَونه مُحصنا مُسْتَحقّا للرجم، كَمَا لَو قَتله، ثُمَّ ادّعى أَنَّهُ كَانَ قد قتل أَبِي، فَعَلَيهِ البيِّنة، وَكَذَلِكَ لَو قطع يَده، ثُمَّ ادّعى عَلَيْهِ سَرقَة لَا يقبل حَتَّى يُقيم بَيِّنَة على أَنَّهُ سرق نِصَابا من حرز لَا شُبْهَة لَهُ فِيهِ، وَقد قَالَ عَليّ ﵁: إِنْ لَمْ يَأْتِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَلْيُعْطِ بِرُمَّتِهِ، أَي: يسلم إِلَى
стр. 3782
أَوْلِيَاء الْقَتِيل ليقتلوه.
والرمة: الْحَبل الَّذِي يُشد بِهِ الْأَسير إِلَى أَن يقتل، أَي: يُسلم إِلَيْهِم بِحَبل فِي عُنُقه، وَقيل: أَرَادَ إِعْطَاء الْبَعِير برمتِهِ يَعْنِي: إبل الدِّية، والرمة: الْحَبل الَّذِي فِي عنق الْبَعِير.
ورُوي عَنْ عُمَر أَنَّهُ أهْدر دَمه، وَيُشبه أَن يكون أهْدر دَمه فِيمَا بَينه وَبَين اللَّه إِذا تحقق زِنَاهُ وإحصانُه، أما فِي الحكم، فيقتص مِنْهُ، وَقَالَ أَحْمَد: إِن جَاءَ ببيِّنة أَنَّهُ وجده مَعَ امْرَأَته فِي بَيته يُهدر دَمه، وَكَذَلِكَ قَالَ إِسْحَاق.
بَاب الغَيْرةِ
٢٣٧٢ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا أَبُو عَوَانَةَ، نَا عَبْدُ الْمَلِكِ، عَنْ وَرَّادٍ كَاتِبُ الْمُغِيرَةِ، عَنِ الْمُغِيرَةِ، قَالَ: قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: لَوْ رَأَيْتُ رَجُلا مَعَ امْرَأَتِي، لَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ غَيْرَ مُصْفِحٍ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ
стр. 3783
اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: «تَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ؟ وَاللَّهِ لأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ، وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي، وَمِنْ أَجْلِ غَيْرَةِ اللَّهِ حَرَّمَ اللَّهُ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَلا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنَ اللَّهِ، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ بَعَثَ الْمُنْذِرِينَ وَالْمُبَشِّرِينَ، وَلا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْمِدْحَةُ مِنَ اللَّهِ، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَعَدَ اللَّهُ الجَنَّةَ».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي كَامِلٍ الْجَحْدَرِيِّ،
стр. 3784
عَنْ أَبِي عَوَانَةَ، وَقَالَ: «لَا شَخْصَ أَغْيَرُ مِنَ اللَّه، وَلا شَخْصَ أَحَبُّ إِلَيْهِ العُذْرُ، وَلا شَخْصَ أَحَبُّ إِليه المِدحةُ».
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ: وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ: «لَا شَخْصَ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ»
стр. 3785
قيل: الْغيرَة من اللَّه: الزّجر، وَالله غيور، أَي: زجور يزْجر عَنِ الْمعاصِي، وَقَوله: «لَا أَحَدٌ أَغْيَرُ مِنَ اللَّه»، أَي: أزْجر عَنِ الْمعاصِي مِنْهُ.
قَوْله: «غَيْرَ مُصفحٍ»، أَي: أضربه بحده للْقَتْل والإهلاك، لَا بعرضه للزجر والإرهاب، يقَالَ: وَجه هَذَا السَّيْف مُصفحٌ، أَي: عريض، وصفحا السَّيف وجهاه، وغِرارهُ: حدَّاهُ، ويقَالَ: أصفحته بالسَّيف أصفح بِهِ: إِذا ضَربته بعرضه.
٢٣٧٣ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، أَنا أَبُو الْحُسَيْنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بِشْرَانَ، أَنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، نَا مَعْمَرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَا أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ الْمَدْحُ مِنَ اللَّهِ، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ مَدَحَ نَفْسَهُ، وَمَا أَحَدٌ أَغْيَرَ مِنَ اللَّهِ، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ حَرَّمَ الفَوَاحِشَ».
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ شُعْبَةَ،
следующие страницы →